الأدِلَّة الفلسفية على حُدُوث الكون

Posted: مارس 2, 2019 in تدوينات سريعة

الأدِلَّة الفلسفية على حُدُوث الكون

أوَّلاً: الكون مُمكن الوُجُود

عالم الرِّياضيات المشهور (ديفيد بيرلنسكي) يقول:​​ «الإكويني يقوم بتطبيق هذه الحُجَّة (الكونية) على الكون، لأنَّه لا يجد سبباً مُقنعاً لافتراض أنَّ وُجُود الكون مضمون. فإذا كان الكون مُمكن الوُجُود، لماذا الكون موجود إذاً؟ سؤال يستحقّ التَّأمُّل».(1)

ثمَّ يُلفِت أنظارنا إلى نُقطة هامَّة قائلاً:​​ «لا يُوجد داعي لإجابة السُّؤال (لماذا الكون موجود أصلاً؟) بافتراض أنَّ كوننا المألوف المعروف​​ يجب أن​​ يُوجَد. مع كل الاحترام الواجب للكون، هذا افتراض​​ لا يفترضه أحدٌ، لأنَّه لا​​ يُوجد تصوُّر للكون نستطيع تقديمه، يفترض أنَّ وُجُود الكون ضروري».(2)

ومن هُنا نبدأ بعرض مفهومين في غاية الأهمية:​​ المفهوم الأوَّل:​​ «مُمكن الوُجُود»​​ (Contingent being). والكائنات مُمكنة الوُجُود هي الحادثة، التي لها بداية، المشروطة، بمعنى أنَّه وُجُدها مشروطٌ بأسباب أو سبب. وفي المُقابل يأتي​​ المفهوم الثاني:​​ «واجب الوُجُود»​​ (Necessary being). والكائن واجب الوُجُود، أو ضروريّ الوُجُود، هو الذي لا يعتمد في وُجُوده على آخر، الذي ليس له بداية، ووُجُوده ليس مشروطاً بأيّ شيء آخر.

والمقصود من كلام (ديفيد بيرلنسكي) هو أنَّه لا يوجد دليلٌ على أنَّ الكون واجب أو ضروريّ الوُجُود، ولا يوجد عند العُلماء أيّ تصوُّر يقول بذلك، والسَّبب في عدم مقدرتنا على تصوُّر أنَّ الكون واجب الوُجُود هو أنَّنا لا نرى من حولنا في هذا الكون إلَّا ما هو مُمكن الوُجُود، فكلّ الوُجُود من حولنا عبارة عن أشياء حادثة، والكون عبارة عن مجموع آحاده، وإذا كانت آحاد الكون كلّها حوادث، فالمجموع لابُدَّ أن يكون هو أيضاً حادثٌ.

الفيلسوف (جوسيف سيفرت) يقول:​​ «ينُصّ​​ مبدأ السَّببية على أنَّ كلّ تغيير، وكلّ كائن مُمكن الوُجُود، يتطلَّب لوُجُوده سبباً كافياً؛(3)​​ أعني سببًا​​ له القُوَّة والفاعلية القادران على الإحداث واستمرارية الوُجُود.​​ وهكذا،​​ لا يُمكن لتغيُّر،​​ ولا لكائن​​ مُمكن الوُجُود،​​ أن يمتلك​​ في ذاته السَّبب الكافي لوُجُوده».

ويقول أيضاً:​​ «حُجَّة دلالة مُمكن الوُجُود على واجب الوُجُود: هذه الحُجَّة مبنية على​​ أساس مُلاحظة أنَّ​​ كلّ​​ الكائنات الموجودة في الواقع، في هذا الكون،​​ مُمكنة الوُجُود. يُمكننا​​ أن نُدرك،​​ مِن خلال​​ حقيقة أنَّنا أتينا إلى الوُجُود​​ (وُجُودنا حادِث وله بداية)،​​ ومِن​​ صفاتنا​​ المحدودة​​ غير الضَّرورية،​​ أنَّنا موجودون،​​ وكان من المُمكن ألَّا نوجَد. لكن بإمكاننا أن نفهم أيضًا بطريقة أخرى ... أنَّ​​ كلّ​​ الكائنات في العالم مُمكنة الوُجُود».(4)

وهكذا يُمكننا استنباط التالي:​​ «الكائنات مُمكنة الوُجُود ... كانت لها بداية. الآن،​​ الكائنات التي لوُجُودها بداية، مُعتمدة في وُجُودها على فِعل سببٍ. وهذا​​ السَّبب، في المقابل، إمَّا أن يكون مُمكن الوُجُود أو​​ واجب​​ الوُجُود.​​ فإذا كان مُمكن الوُجُود، فلابُدَّ أنَّ يكون هو أيضاً مُعتمداً في وُجُوده على فِعل سببٍ، وهكذا دواليك.​​ ولكن​​ سلسلة​​ كائنات مُمكنة الوُجُود،​​ مُعتمدين في وُجُودهم على بعضهم البعض،​​ لا يُمكن أن تستمِرّ​​ إلى ما لا نهاية​​ في الماضي،​​ أو​​ أن تكون​​ دائريَّة.​​ لذا،​​ فإنَّ سلسلة الأسباب والآثار​​ لابُدَّ​​ أن​​ تَصِل إلى​​ سببٍ،​​ يملك في ذاته مُقوِّمات وُجُوده،​​ وهذا هو​​ ما يُعرف بـ "السَّبب الأوَّل"».(5)

هذا الاستنباط في غاية الخُطُورة، وهو عين ما نُريد استنباطه من خِلال الحُجَّة الكونية الكلامية. الحُجَّة تقول باختصار إنَّ الكون حادثٌ، فهُناك إذاً سببٌ للكون، ولكنَّنا لا نبحث عن أيّ سبب، وإنَّما سبب أوَّل واجب الوُجُود، يملك في ذاته مُقوِّمات وُجُوده، ولا يعتمد في وُجُوده على آخر.

اقرأ معي مرَّة أخرى:​​ «سلسلة​​ كائنات مُمكنة الوُجُود،​​ مُعتمدين في وُجُودهم على بعضهم البعض،​​ لا يُمكن أن تستمِرّ​​ إلى ما لا نهاية​​ في الماضي،​​ أو​​ أن تكون​​ دائريَّة.​​ لذا،​​ فإنَّ سلسلة الأسباب والآثار​​ لابُدَّ​​ أن​​ تَصِل إلى​​ سببٍ،​​ يملك في ذاته مُقوِّمات وُجُوده،​​ وهذا هو​​ ما يُعرف بـ "السَّبب الأوَّل"».

هذا ما يُسمَّى بـ "استحالة تسلسل الأسباب بلا نهاية في الماضي"، فإذا كان هذا مُستحيلاً فعلاً، فإنَّ هذا يُوجب وُجُود كائن أوَّل ليس له سبب، هو السَّبب في وُجُوده كلّ الكائنات الحادثة، وهذا السَّبب الأوَّل هو الإله عند أتباع المذهب الألوهي. إذن نحتاج إلى إثبات "استحالة تسلسل الأسباب بلا نهاية في الماضي" مِن أجل إثبات وُجُود سبب أوَّل واجب الوُجُود، وهذا هو ما سنفعله الآن.

ثانياً: استحالة تسلسل الأسباب بلا نهاية في الماضي

الحُكم باستحالة تسلسل الأسباب بلا نهاية في الماضي جاء نتيجة للتَّفكير المنطقي، والعُلماء يُثبتون استحالتها عن طريق مُناقشة موضوعين في غاية الأهمية.

1. استحالة وُجُود لا نهاية في الواقع

عند الحديث عن سلسلة من الأسباب بلا نهاية في الماضي، يطرح العُلماء سؤالاً في غاية الأهمية، ألَا وهو: هل يُمكن وُجُود​​ «لا نهاية واقعية»​​ (actual infinite)؟ هل يُمكن لنا أن نجد في الواقع​​ «لا نهاية»؟ بالمعنى الفيزيائي الحقيقي؟

العُلماء هُنا يُفرِّقون بين المفهوم النظري والواقع الحقيقي، ويقولون إنَّ​​ «اللَّانهاية​​ infinite»​​ ليس له وُجُود في الواقع، وإنَّما يُحصر وُجُودها في عالم التَّفكير النَّظري المُجرَّد.

أحد أعظم عُلماء الرِّياضيات على الإطلاق، (ديفيد هيلبرت) يقول:​​ «اللانهاية غير موجودة في أيَّ مكان في الواقع.​​ فهي غير موجودة في الطَّبيعة،​​ ولا تمدّنا بأساسٍ مشروعٍ للتَّفكير المنطقي. ... الدّور​​ الوحيد الذي​​ لا يزال مُتاحًا لللَّانهائية​​ مُتمثِّل فقط في​​ الفكرة النَّظرية».(6)

والذي يقصده العالِم الكبير هُنا هو أنَّنا لا نستطيع رصد أيّ شيء لا نهائي في الواقع، وعند التَّفكير في لا نهاية واقعية، نجد أنَّنا نُفكِّر بشكل مليء بالتَّناقضات المنطقية، والتَّصوُّرات غير المعقولة، وهذا ما فعله (ديفيد هيلبرت) نفسه، فقد قام بعمل اختبار ذهني يُبيِّن من خلالها أنَّ اللَّانهاية في الواقع يؤدِّي إلى وُجُود تناقضات منطقية وتصوُّرات غير المعقولة، وهذا فيما يُعرف عند عُلماء الرِّياضيات بـ​​ «فندق هيلبرت».

الفيلسوف الأمريكي (ويليام كريج) يشرح الفكرة قائلاً:​​ «إنّ فندق هلبرت هو نتاج عقل عالم رياضيات ألماني كبير يُسمى​​ (ديفيد هلبرت)، وكمُجرَّد إحماء، دعنا نتخيَّل أولًا فندقًا به عدد محدود من الغُرَف، وافترض أيضًا أنَّ​​ كلَّ​​ الغُرَف محجوزة، فعندما يسأل نزيل جديد عن غُرفةٍ، سيعتذر صاحب الفندق قائلًا: "معذرةً، كلّ​​ الغُرف محجوزة"،​​ وهذه هي نهاية القِصَّة.​​ لكن دعنا الآن نتخيَّل فُندقًا به عدد لانهائيّ​​ من الغُرف،​​ وافترض مرَّة أُخرى أنَّ​​ كلّ​​ الغُرف محجوزة،​​ ولا​​ تُوجد غرفة واحدة شاغرة في كلّ​​ الفُندق اللَّانهائي، والآن افترض أنَّ​​ نازلًا جديدًا ظهر وسأل عن غُرفةٍ،​​ سيقول صاحب الفندق: "نعم بالطَّبع!"،​​ ومُباشرةً​​ بدأ في نقل الشَّخص الذي في غُرفة رقم 1 إلى غرفة رقم 2، والشَّخص الذي في غُرفة رقم 2 إلى غُرفة رقم 3، والشَّخص الذي في غُرفة رقم 3 إلى غُرفة رقم 4،​​ وهلُمَّ​​ جرًّا، إلى ما لا​​ نهاية؛ وكنتيجة لتغيُّر الغُرَف،​​ أصبحت الغُرفة رقم 1 شاغرة،​​ والنَّازل الآن يحجز الغُرفة بامتنان، ولكن تذكَّر، قبل أن يصل كانت الغُرف كلّها محجوزة! وبفُضُول مُتساوي، وفقًا لعُلماء الرِّياضيات، لا يوجد الآن أشخاص أكثر ممَّا كانوا من قبل: فالعدد فقط هو اللَّانهائي،​​ ولكن كيف يُمكن تحقيق هذا؟​​ قد أضاف صاحب الفندق اسم النَّازل الجديد​​ حالاً​​ في قائمة التَّسجيل وأعطاه مفاتيحه،​​ كيف لا​​ يكون​​ هُناك شخص واحد أكثر في الفندق من ذي قبل؟».(7)

إذا استطعت أن تتخيَّل عدد لا نهائي من الغُرف، فكيف ستنتهي اللَّانهاية بحيث تكون كلّ الغرف محجوزة؟! هذه أوّل إشكالية عقلية تُواجه اللَّانهاية في الواقع.​​ هذه الاختبارات الذِّهنية تُوضِّح استحالة وُجُود لانهاية في الواقع، وهذا يعني أنَّ أزلية الكون، بشكل واقعي، مُستحيل، لأنَّ الأزلية مفهوم من مفاهيم اللَّانهاية، أي وُجُود عدد لا نهائي من الأيام في الماضي، وهذا مُستحيل! ولكن سنقوم بتسليط الضُّوء على هذه النُّقطة بشكل أكبر فيما بعد.

الآن البعض يعترض ويقول إنَّ وُجُود اللَّانهاية في عالم الرِّياضيات النَّظرية قد يعني أنَّ اللَّانهاية قد تكون موجودة بالفعل في الواقع، ولكنَّ الرَّد كالآتي:

«أوَّلاً، لا يتَّفِق كلّ​​ عُلماء الرِّياضيات على وُجُود اللَّانهائية الحقيقية حتى في عالم الرِّياضيات».(8)

أحد أبرز عُلماء الرِّياضيات في القرن التاسع عشر، (جورج فريدريش جاوس) يقول:​​ «إنَّني أحتجّ​​ ... ضِدّ​​ استخدام الحجم اللَّانهائي كما لو كانت شيئًا مُفرغًا منه؛ فهذا الاستخدام غير مسموح به في الرِّياضيات، فاللَّانهاية ليست إلَّا كلاماً​​ مجازيًّا».(9)

«ثانياً،​​ الوُجُود في عالم الرِّياضيات لا يعني الوُجُود في عالم الواقع، إنَّ​​ القول بوُجُود مجموعات لانهائية هو محض افتراض في عالم الخِطاب؛ يحكمه بديهيات وقواعد مُعيَّنة مُفترضة​​ ببساطة​​ مُسبقًا، والتي​​ من خلالها​​ يستطيع المرء التَّحدُّث عن مثل هذه المجموعات».(10)

وهكذا نجد وصفاً رائعاً من عالميّ الرِّياضيات (إدوارد كاسنر) و (جيمس نيومان):​​ «اللَّانهاية غير موجودة​​ على نفس مُستوى قولنا: "يوجد سمك في​​ البحر"،​​ فالوُجُود في المعنى الرِّياضي يختلف اختلافًا جذريًا عن وُجُود الأعيان في العالم المادِّي».(11)

الفيلسوف الأمريكي (ويليام كريج) يقول:​​ «ساد​​ هذا​​ المفهوم​​ عن​​ اللَّانهائية​​ ووُصُولاً​​ إلى القرن التَّاسع عشر، واتَّبع الفلاسفة السكولاستيون في القُرُون الوسطى تحليل أرسطو في استحالة اللَّانهائية​​ في الواقع، واعتقد مُفكِّري حقبة ما بعد عصر النَّهضة،​​ حتى نيوتن وليبنيتس​​ بحساباتهم مُتناهية الصِّغر في التَّفاضل والتَّكامل،​​ أنّه يُمكن وُجُود​​ لا نهاية مُحتملة فقط».(12)

ما هي اللَّانهاية المُحتملة (potential infinite)؟ هي عبارة عن إمكانية بُلُوغ اللَّانهاية بشكل عقلي مُجرَّد، كمن يقول إنَّ المسافة الفُلانية، يُمكن تقسيمها (بشكل نظري مُجرَّد)، إلى عدد لا نهائي من الأقسام، ولكنَّ هذا غير مُمكن واقعياً، ولِمَن يُحاول الاستدلال بمثل هذا على إبطال حُجَّة استحالة التَّسلسل بلا نهاية في الماضي نقول:

«يُمكن أن يُجيب المُدافع عن الحُجَّة​​ بقوله أنّ الاعتراض يخلط بين اللَّانهائي المُحتمل واللَّانهائي الحقيقي. المُعترض​​ سيُوضِّح​​ أنَّه بينما​​ تستطيع أن​​ تقوم بتقسيم طُول مُعيَّن إلى أجزاء بالقدر الذي تُريده؛ فمثل هذا مُجرَّد​​ لانهاية مُحتملة،​​ وفي هذه الحالة، فإنَّ​​ اللَّانهاية​​ ستكون عبارة عن​​ حدّ، تسعى دائماً للاقتراب منه، ولكنَّك لن تصل إليه أبداً في الواقع،​​ ولو افترضت أنَّ​​ أيَّ​​ مسافة مُكوَّنة​​ بالفعل من عدد لا نهائي حقيقي من الأجزاء،​​ فإنَّ هذا يُعتبر استدلالاً دائرياً (لأنَّك لا تستطيع إثبات ذلك واقعياً، وتفترض مُسبقاً صِحَّة ما تُريد إثباته!)».(13)

وعِند العودة للكلام عن عدد لا نهائي من الأيام في الماضي، حتى يكون الكون أزلياً، نقول:​​ «قد يقول البعض: إذا كان من المُمكن (نظرياً أو احتمالياً) أن يُوجد عدد لا نهائي من​​ الأرقام، فلماذا​​ يستحيل وُجُود عدد لا نهائي من​​ الأيام؟ لأنَّه يُوجد فرقٌ​​ بين​​ سلسلة لا نهائية لها وُجُود نظري مُجرَّد،​​ وأخرى مادِّيَّة​​ (حقيقية أو واقعية)؛ فالأُولى​​ وُجُودها نظري بحت (في الذِّهن فقط، وليس في الواقع)،​​ والأُخرى عَمَلِيَّة​​ (في الخارج أو في الواقع).​​ نحن نستطيع رياضيًا أن نتصور​​ (بشكل ذهني مُجرَّد)​​ عدد لا نهائي من الأيَّام، ولكن في الواقع لا نستطيع أن نحسب أو نعيش عدد لا نهائي من الأيَّام.​​ يُمكنك أن تتصوَّر​​ (بشكل ذهني مُجرَّد)​​ عدداً​​ لا نهائيًّا​​ من النِّقاط الرِّياضية بين​​ كتابين على طرفيّ مكتبة، لكنَّك​​ لن تستطيع​​ أن تضع عدداً​​ لا نهائيًّا​​ من الكُتُب بينهما، وهذا هو الفرق بين​​ الأشياء التي لها وُجُود نظري مُجرَّد (في الذِّهن)، والأمور المادِّيَّة (التي لها وُجُود واقعي خارج الذِّهن)؛ فالأعداد​​ لها وُجُود نظري مُجرَّد (في الذِّهن)​​ والأيام​​ لها وُجُود مادِّي (حقيقي وواقعي خارج الذِّهن)».(14)

وهكذا اختصاراً لما سبق نقول:

(1)​​ إنَّ​​ وُجُود اللَّانهاية في الواقع​​ سيؤدِّي إلى تناقضات منطقية، وتصوُّرات غير معقولة.

(2)​​ وُجُود مفهوم اللَّانهاية في الرِّياضيات​​ مُتنازع​​ عليه،​​ وبالتَّالي لا يُمكن اعتباره كأمرٍ​​ مُسَلَّمٍ​​ به.

(3)​​ إذا كانت اللَّانهاية مُتَّسقة مع الرِّياضيات بشكلٍ نظريٍّ ذهنيٍّ مُجرَّد، فإنَّ هذا لا يعني أنَّ لها وُجُود أنطولوجي في الواقع. فالوُجُود الرِّياضي الذِّهني المُجرَّد لا يؤدِّي إلى وُجُود مادِّي حقيقي، وهذا يحتاج إلى دليل مُستقِلّ واضح لإثباته.

وهكذا نستنبط:​​ استحالة​​ وُجُود لا​​ نهاية حقيقية​​ في الواقع.(15)

استحالة وُجُود لا نهاية عن طريق الإضافة المُتتالية

الفيلسوف الأمريكي (ويليام كريج) يقول:​​ «هنا، لا​​ نفترض​​ استحالة وُجُود​​ اللَّانهاية في الواقع. فحتى لو أمكن وُجُود لانهاية في الواقع،​​ فالحُجَّة هي أنَّ تسلسل الأحداث زمنياً لا يُمكن أن يكون لا نهائياً،​​ حيث أنّ​​ الواقع يقول إنَّه لا يُمكن الوُصُول بالفعل إلى اللانهاية عن طريق الإضافة المُتتالية، كما هو​​ حال​​ الأحداث الزَّمنية المُتسلسلة».(16)

هذا الكلام يحتاج إلى شرح!

ما المقصود بالإضافات المُتتالية (successive addition)؟ يعني أن نبدأ من الرَّقم واحد، ونُضيف إليه واحد، ثمَّ نُضيف إليه واحد آخر، وهكذا. عندما نبدأ بـ 1+1=2، ثمَّ 2+1=3، ثمَّ 3+1=4، وهكذا، هل سنصل إلى رقم مُساوي لما لا نهاية؟! بالطَّبع لا، فإنَّ عمليَّات الإضافة المُتتالية لن تصل إلى اللَّانهاية أبداً، لأنَّ اللَّانهاية ليست لها نهاية! وإنَّما سنعود إلى مفهوم اللَّانهاية المُحتملة (potential infinite)، فاللَّانهاية ستكون عبارة عن حدّ،​​ نسعى دائماً للاقتراب منه، ولكنَّنا​​ لن​​ نصل إليه أبداً في الواقع، فمهما قُمنا بعمليَّات إضافة مُتتالية، فإنَّ النَّتيجة ستكون دائماً رقماً محدوداً، مهما كان الرَّقم كبيراً.

يستخدم (ويليام كريج) عبارة​​ «الأحداث الزَّمنية المُتسلسلة»​​ (temporal series of events)، بنفس مفهوم عبارة​​ «الإضافات المُتتالية»​​ (successive addition)، بمعنى أنَّ الأحداث في الواقع لها زَمَن مُعيَّن، ونحن نعلم أنَّ كلّ حَدَث يسبقه حَدَث آخر هو السَّبب في حُدُوثه (وِفق قانون السَّببية)، وهكذا نحصل على سلسلة من الأحداث، لكلّ حدث في هذه السِّلسلة زَمَن مُعيَّن، لو قُلنا أنَّ كُلَّ حدث يُمكن أن نُمثِّله بقيمة عددية = 1، وبما أنَّ الأحداث مُتسلسلة، بمعنى أنَّه لا يكون حدثٌ إلَّا ويسبقه حدثٌ تسبَّب في حُدُوثه، فإنَّنا سنحصل على نفس مفهوم الإضافات المُتتالية. فحَدَث يتسبَّب في حدث بعده = 1+1=2، والحدث الأخير يتسبَّب في حدث بعده = 2+1=3، وهكذا.

والآن علينا أن نخوض اختباراً ذهنياً في غاية الأهمِّيَّة: انظر إلى ساعتك. هل يُمكنك أن تتخيَّل أنَّ عدداً لا نهائياً من اللَّحظات سبقت لحظة أن نظرت في ساعتك؟! خُذ بعض الوقت للتَّفكير في السُّؤال! نحن نعيش حالياً في لحظة، سنُسمِّيها لحظة الآن. هل يُمكن تخيُّل عدد لا نهائي من اللَّحظات سابقة للحظة الآن؟!

الفيلسوف الأمريكي (ويليام كريج) يقول:​​ «لو أنَّ​​ سلسلة لا​​ نهائية من الأحداث،​​ سبقت اللَّحظة الحالية، فكيف وصلنا للَّحظة الحالية؟ كيف نصل​​ إلى​​ اللَّحظة الحالية،​​ والتي​​ من الواضح أنَّنا​​ نحن فيها الآن،​​ إذا كانت اللَّحظة الحالية​​ مسبوقة بسلسلة لا​​ نهائية من الأحداث؟».(17)

هل فهمت المُعضلة؟!

البعض يعترض ويقول: يُمكننا أن نتخيَّل أن الزَّمن في المُستقبل مُمتدّ إلى ما لا نهاية، فلماذا لا يُمكننا أن نتخيَّل أنَّ الماضي أيضاً مُمتدّ للوراء إلى ما لا نهاية؟! والإجابة هي:​​ «تُصبح أهمِّيَّة​​ الاختلاف​​ بين الأحداث المُستقبلية والماضية​​ واضحةً عندما نتجه إلى أسئلةٍ تتعلَّق باللَّانهاية الحقيقية،​​ لأنَّه من الواضح أنَّ الأحداث الماضية​​ حقيقية بطريقة​​ مُختلفة عن​​ أحداث المُستقبل،​​ عند اعتبار الواقع، فإنَّ​​ مجموعة الأحداث​​ المُستقبلية التي تبدأ من نُقطة مُعيَّنة​​ ليست لا​​ نهاية حقيقية على الإطلاق،​​ ولكنَّها​​ لانهاية مُحتملة، فهي مجموعة​​ غير مُحدَّدة​​ الأحداث، والتي ستظّل محدودة ولكن بزيادة مُستمِرَّة».(18)

ولمزيد من البيان نقول: حتى نَصِل إلى اللَّحظة التي نحن فيها الآن، يجب أن تكون عدد اللَّحظات الماضية محدودة ولها بداية، وهكذا إذا كان الكون لا نهائياً من ناحية الأحداث الزَّمنية في الماضي، فإنَّ هذا يعني أنَّنا لن نصل أبداً إلى اللَّحظة التي سنكون فيها موجودين، ولكنَّنا موجودين بالفعل، وهذا يعني أنَّ للكون عدد محدود من الأحداث الزَّمنية في الماضي، وهذا يعني أنَّ للكون بداية مُحدَّدة في الماضي، وأنَّ الكون ليس أزلياً.

«استحالة وُجُود لانهاية حقيقية​​ يلزم منه​​ أن الكون​​ له بداية،​​ وحتى لو​​ كان وُجُود اللَّانهاية الحقيقية مُمكناً، استحالة تكوين لانهاية عن طريق الإضافات المُتتالية​​ يلزم​​ منه أن يكون لوُجُود الكون بداية».(19)

ليس هذا فحسب، بل إنَّ الكون نفسه، ما كان ليبدأ في الوُجُود، لو كانت الأسباب التي أدَّت لوُجُود الكون بلا نهاية في الماضي، ولكن بما أنَّ الكون موجود بالفعل، فإنَّ هذا يعني أنَّ هُناك عدد محدود من الأسباب التي أدَّت لوُجُود الكون، وأنَّ هذه الأسباب لها بداية = سبب أوَّل ليس مُسبَّباً، ولا يعتمد في وُجُوده على آخر، وهو الإله وِفق تصوُّر المذهب الألوهي.

استنباط سبب أوَّل واجب الوُجُود

يفترض​​ (الغزاليّ)​​ أنَّ​​ الكون لا يُمكن أن يأتي إلى الوُجُود​​ بدون​​ مُرجِّح أو​​ سَبَب. بإمكاننا صياغة حُجَّته كما يلي:

(1)​​ كل​​ شيء بدأ في الوُجُود يحتاج إلى سبب لكي يُوجد.

(2) الكون بدأ في الوُجُود.

ويقوم بإثبات حُدُوث الكون عن طريق التالي:

(أ) تُوجد حوادث زمنية في​​ الكون.

(ب) وهي مسبوقة بحوادث زمنية أخرى.

(ج) لا يُمكن لسلسلة الحوادث الزَّمنية أن​​ تكون بلا نهاية في الماضي.

(د) وُجُود​​ تسلسل حقيقي بلا نهاية في الماضي غير مُتصوَّر عقلاً.

(هـ) لذا؛ لابُدَّ​​ أن يكون​​ لسلسلة​​ الحوادث بداية.

والنَّتيجة المُستنبطة في النِّهاية:​​ (3) الكون له سبب أوجده،​​ وهو​​ الخالق.(20)

الفيلسوف الكاثوليكي المشهور (توما الإكويني) يقول:​​ «في سلسلة​​ مُرتَّبة​​ من المُحَرِّكِين والمُحَرَّكِين (يُقصد بالحَرَكة التَّغيُّر بطريقة ما)،​​ من الضَّروري​​ بشكل حقيقي​​ أنَّه عندما يُزال المُحرِّك الأوَّل،​​ أو يتوقَّف عن التَّحريك، فلن​​ يتحرَّك أيّ مُحرِّك آخر، أو يُحرِّك نفسه. حيث أنَّ​​ المُحرِّك الأوَّل هو عِلَّة حَرَكة الآخرين كلّهم، ولكن لو أنّ هُناك مُحرِّكين وأشياءً مُحَرَّكة​​ في سلسلة مُرَّتبة لا نهائية،​​ فلن يُوجد مُحرِّك أوَّل،​​ والكُلّ سيكون بمثابة​​ مُحرِّكات وسيطة.​​ ...​​ ذلك الذي يُحرِّك​​ غيره​​ كعِلَّة وسيطة لا يستطيع​​ أن يتحرَّك​​ بدون وُجُود عِلَّة أولى​​ مُحرِّكة.​​ العِلَّة الأولى،​​ مُحرِّك لم يُحرِّكه أحد».(21)

عالم الرِّياضيات (ديفيد بيرلنسكي) يشرح ما سبق قائلاً:​​ «إذا كانت​​ سلسلة​​ الأسباب بلا بداية، فإنَّ هذا يعني أنَّ الأحداث لن تبدأ، وإذا لن تبدأ، فإنَّ هذا يعني أنَّه لن يكون هُناك سلسلة من الأسباب وسيطة،​​ وإذا​​ لم تُوجد​​ سلسلة من الأسباب وسيطة، فلن نجد أيّ تفسير للأحداث التي نُشاهدها الآن. فإمَّا أن​​ يكون هُناك سبب أوَّل، أو أن تنعدم الأسباب بشكل كامل،​​ وبما أنَّ هُناك أسباب فعلاً​​ تعمل في الطَّبيعة،​​ فإنَّ هذا يستلزم​​ وُجُود​​ سبب أوَّل».(22)

الفيلسوف الشَّهير (أنتوني فلو)، والذي كان مُلحداً وآمن بوجود إله خالق، يقول:​​ «تُوجد كائنات مُحدودة مُتغيِّرة. السَّبب في الوُجُود الحالي لأيّ كائن محدود مُتغيِّر هو آخر. يستحيل عقلاً وُجُود تسلسل لا نهائي من أسباب الوُجُود. لأنَّ تسلسل لا نهائي من الكائنات المحدودة لن يؤدِّي إلى وُجُود أيّ شيء. وهكذا لابُدَّ من وُجُود سبب أوَّل من أجل إيجاد كلّ الكائنات الموجودة حالياً. هذا السَّبب الأوَّل لابُدَّ أن يكون مُطلق، ويملك في ذاته مُقوِّمات وُجُوده، وليس له بداية، وأن يكون واحداً. وهذا السَّبب الأوَّل مُطابق للإله حسب التقليد اليهودي ​​ المسيحي (المذهب الألوهي)».(23)

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات

1

​​ David Berlinski:​​ The Devil's Delusion (Atheism and It's Scientific Pretensions), Basic Books 2009, p84.

2

​​ Ibid, p87.

3

​​ العبارة الإنجليزية المُستخدمة هُنا هي (efficient cause)، وأحياناً يتمّ استخدام عبارة (sufficient reason) أو (sufficient cause)، وكلمة (sufficient) قد تُترجم إلى "كاف" أو "واف"، وكلمة (efficient) قد تُترجم إلى "فعَّال" أو "كُفء"، والمقصود من هذه العبارات كلّها هو بيان أنَّ السَّبب وراء الحدث لابُدَّ أن يملك في ذاته ما يجعله قادراً على إحداث الحدث. بمعنى أنَّ قُوَّتي البدنية قد تكون سبباً لحدوث أشياء كثيرة، ولكنَّها لن تكون سبباً إلَّا لأشياء مُعيَّنة محدودة، وهكذا عند البحث عن السبب الذي أحدث الكون، وأدخله إلى حيِّز الوُجُود، علينا أن نبحث عن سبب مُناسب، يملك في ذاته ما يجعله قادراً على إحداث هذا الحدث العظيم!

4

​​ Roy Abraham Varghese:​​ Great Thinkers On Great Questions, One world Publications 1998, p128.

5

​​ Alfarabi,​​ Sources, p. 66 (trans. in Hammond,​​ Philosophy, p. 21). Cited in: William Lane Craig,​​ The Cosmological Argument from Plato to Leibniz, Macmillan Press​​ 1986, p83.

6

​​ David Hilbert, “On the Infinite,” in​​ Philosophy of Mathematics, ed. with an Introduction by Paul Benacerraf and Hillary Putnam (Englewood Cliffs, N.J.: Prentice-Hall, 1964), 139, 141. Cited in: William Lane Craig and Walter Sinnott-Armstrong:​​ God? A Debate Between a Christian and an Atheist, Oxford University Press 2004, p4.

7

​​ J. P. Moreland & William Craig:​​ Philosophical Foundations for a Christian Worldview, InterVarsity Press 2003, p471.

8

​​ See, for example, Abraham Robinson, “Metamathematical Problems,” Journal of Symbolic Logic 38 (1973): 500–516. Cited in: William Lane Craig and Walter Sinnott-Armstrong:​​ God? A Debate Between a Christian and an Atheist, Oxford University Press 2004, p7.

9

​​ William Lane Craig,​​ The Kalam Cosmological Argument, Macmillan Press 1979, p66.

10

​​ See Alexander Abian,​​ The Theory of Sets and Transfinite Arithmetic​​ (Philadelphia: W. B. Saunders, 1965), 68; B. Rotman and G. T. Kneebone,​​ The Theory of Sets and Transfinite Numbers​​ (London: Oldbourne, 1966), 61. Cited in: William Lane Craig and Walter Sinnott-Armstrong:​​ God? A Debate Between a Christian and an Atheist, Oxford University Press 2004, p7.

11

​​ Edward Kasner and James Newman,​​ Mathematics and the Imagination​​ (New York: Simon & Schuster, 1940), 61. For example, Alexander Abian interprets existence in set theory to mean merely that certain specified sets will be listed in an illusory table describing the theory of sets (see Alexander Abian,​​ The Theory of Sets and Transfinite Arithmetic, Philadelphia: W. B. Saunders 1965, 68). Cited in: William Lane Craig and Walter Sinnott-Armstrong:​​ God? A Debate Between a Christian and an Atheist, Oxford University Press 2004, p57, 58.

12

​​ William Lane Craig,​​ The Kalam Cosmological Argument, Macmillan Press 1979, p66.

13

​​ J. P. Moreland & William Craig:​​ Philosophical Foundations for a Christian Worldview, InterVarsity Press 2003, p472.

14

​​ Norman L. Geisler & Frank Turek:​​ I Don't Have Enough Faith to Be an Atheist​​ (Kindle Locations 1533-1537). Crossway. Kindle Edition.

15

​​ William Lane Craig,​​ The Kalam Cosmological Argument, Macmillan Press 1979, p95.

16

​​ J. P. Moreland & William Craig:​​ Philosophical Foundations for a Christian Worldview, InterVarsity Press 2003, p473.

17

​​ William Lane Craig,​​ The Kalam Cosmological Argument,​​ Macmillan Press​​ 1979, p105.

18

​​ William Lane Craig,​​ The Kalam Cosmological Argument,​​ Macmillan​​ 1979, p97.

19

​​ William Lane Craig,​​ The Kalam Cosmological Argument,​​ Macmillan Press​​ 1979, p110.

20

​​ William Lane Craig,​​ The Kalam Cosmological Argument,​​ Macmillan Press​​ 1979, p48, 49.

21

​​ Thomas Aquinas:​​ Summa contra Gentiles​​ 1.8. Cited in: J. P. Moreland & William Craig:​​ Philosophical Foundations for a Christian Worldview, InterVarsity Press 2003, p275.

22

​​ David Berlinski:​​ The Devil's Delusion (Atheism and It's Scientific Pretensions), Basic Books 2009, p68.

23

​​ Antony Flew with Roy Abraham Varghese:​​ There is a God (How the World’s Most Notorious Atheist Changed His Mind), HarperCollins e-books, p70, 71.

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.