مدونة التاعب

خلاصة كتاب: عدة الفقيه، تأليف الشيخ: محمد الأسطل

بسم الله الرحمن الرحيم

خُلاصة كتاب:

عُدَّة الفقيه

الأدوات التي يتحتَّم على الفقيه أن يحوزها في رحلة التَّفقُّه

تأليف الشيخ / محمد بن محمد الأسطل

تحميل الخُلاصة: [DOC] [PDF] [الكتاب كاملاً]

فهرس المواضيع:

تقريظ.. 3

توطئة. 3

(1) خارطة العُلُوم عامًّة. 3

(٢) خارطة عِلْم الفِقْه خاصًّة. 5

(٣) أثر اللُّغة على الفُتيا والتَّصوُّرات الفِقْهِيَّة. 10

(٤) مركزية البِناء الأصُوليّ. 13

(٥) أهمِّيَّة العُلُوم الإنسانية في التَّصوُّرات الفِقْهِيَّة. 16

(٦) أثر السِّياق السِّياسيّ على الفُتيا والتَّصوُّرات الفِقْهِيَّة. 18

(٧) أثر السِّياق التَّاريخي على الفُتيا والتَّصوُّرات الفِقْهِيَّة. 20

(٨) أثر البَوَاعِث النَّفسِيَّة والاجتماعِية على الفُتيا والتَّصوُّرات الفِقْهِيَّة. 21

(9) يَقَظَة الفَقِيه والمُتَفَقِّه. 23

(١٠) ضَبْط المَذْهَب أُصُولاً وقَوَاعِد وفُرُوعًا. 26

(١١) تَحْصِيلُ المَلَكَةِ الفِقْهِيَّةِ والأُصُولِيَّة. 26

(12) الفَقِيه البَاحِث.. 29

خاتمة. 32

 

تعليقات حكاوي الكتب

الأحكام المتعلقة بالسجون والنفي.. 6

والفقه المقارن هو علم الصدمات.. 7

جاهل للنحو واللغة فحرامٌ عليه أن يفتي في دين الله بكلمة. 11

هناك صلةَ رحمٍ في الغالب بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي.. 12

ولولا الشعر والمعاجم لهُدِمَ الإسلام. 13

فِقْه التَّعامُل مع الكتاب والسُّنَّة. 14

ولهذا تشتد الهجمة على الإمام الشافعي.. 15

كنت أجالس الأطباء في كثيرٍ من المسائل. 17

كَيْفَ تَخْتَلِفُ هَذِهِ الْأُمَّةُ. 20

بواعث الانتحار. 22

مُصطلح “الشَّرْق الأوْسَط” 24

فمن أراد تعلم قيادة السيارة 27

إدمان القراءة وطغيانها 28

القراءة التصويرية. 30

 


 

تقريظ

فإنَّ الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية مع أدلتها التفصيلية، وهو أحكام الله تعالى، ومنهجه للإنسان في الحياة ليسير عليه الناس،

وإنَّ علم الفقه أهم العلوم الشرعية لسعته، وحاجة كل مسلم لمعرفته وتطبيقه بحسب موقعه في الحياة.

“عدة الفقيه” أي الأدوات التي يستعين بها في إنجاز عمله، وهو الفقه؛

توطئة

فهذه رسالةٌ موجزةٌ تشير إلى أهم الأدوات التي يتحتم على الفقيه أن يحوزها في رحلة التفقه، والذي هدى الرحمن إليه من ذلك اثنتا عشرة أداة،

فهي بذلك رسالةٌ تورث المسؤولية لمن رام الرسوخ والإمامة في علم الفقه وأصوله خاصة، والعلوم الشرعية واللغوية والإنسانية عامة.

وأعني بالوجوب الصناعي الوجوبَ الخاص الذي يستلزمه الشروعُ في الفن، بحيث لا يُذمُّ من تركه شرعًا إن لم يكن مشتغلاً بالفن، فإن اشتغل به وأراد تملك ناصية الفقه والفتيا وجب عليه، وهذا يشبه إلى حدٍّ ما وجوبَ تعلم أحكام الزكاة لمن صار غنيًّا وملك النصاب، وتعلم أحكام الحج لمن أراد أن يقصد البيت الحرام بالحج.

(1) خارطة العُلُوم عامًّة

إنَّ الله تعالى خلق نبيه آدم ﷺ لعبادته، وأدخله جنته، وتكفل له فيها بالحوائج الأساسية الأربعة: الطعام والشراب والمسكن والملبس كما قال سبحانه له حين أدخله الجنة: {إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجْوَعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى} [طه: ١١٨، ١١٩]، ولما أكل من الشجرة أهبط إلى الأرض، وجعله الله خليفةً فيها، وكان من قانون الأرض أن يباشر تحصيل الحوائج الأساسية الأربعة بالكدِّ والجهد، ومن ثم كان له في الأرض مهمتان أساسيتان: القيام بأمر الله تعالى، وعمارة الأرض وإصلاحها والاستفادة منها.

وبناءً على ذلك؛ فإنَّ العلوم قسمان: علومٌ دينية تتعلق أصالةً بالقيام بأمر الله، وعلومٌ دنيوية تتعلق أصالة بعمارة الأرض وإصلاحها، مع ما يتضمنه ذلك من تنظيم أحوال المجتمع البشري ووجود حكم يتولى إدارة ذلك.

أمَّا العُلُوم الدِّينِيَّة فهي على قسمين:

الأول: علوم مقصودة للشارع بالذات، وهي العلوم المسماة بعلوم الغايات؛ لأنَّها غايةٌ في نفسها، وهي خمسة علوم: التفسير والحديث والعقيدة والفقه وتزكية الأنفس.

والآخر: علوم مقصودة للشارع بالتبع، وهي العلوم المسماة بعلوم الآلات؛ لأنَّها علومٌ آليةٌ يُتوصل بها إلى العلوم الشرعية، فهي وسيلةٌ إلى فهم غيرها، وأشهرها أربعة: علم العربية وأصول الفقه ومصطلح الحديث والمنطق.

وبعضها يتعلق بالمجتمع الإنساني وما يتعلق به من ظواهر ومظاهر، وهي العلوم الإنسانية، وهي أهم شيءٍ للفقيه، وأهمها تسعة: علم الإدارة وعلم النفس وعلم الاجتماع والاقتصاد والسياسة والإعلام والتاريخ والجغرافيا الطبيعية والجغرافيا السياسية.

وثمة علومٌ أو أبوابٍ تحتاج لطرفٍ من علم؛ مثل الرياضيات والفيزياء والكيمياء والأحياء والطب، فيلزم شيءٌ منها في بعض المساحات العلمية.

ومن نفيس ما ينبغي التأكيد البالغ عليه أنَّ الموضوع الواحد من العلم قد يكون مشتركًا بين عددٍ من العلوم الشرعية والإنسانية،

الإنسان يمكن أن يكون عالمًا متينًا مشاركًا في العلوم جميعًا في سبع سنين بتوفيق الله وفضله، وذلك إذا سار على المنهج الأقوم في الطلب، وكان متفرغًا لنحو عشر ساعاتٍ في اليوم لا تقل،

وعلى قدر الإخلاص الصاعد من الأرض يكون التوفيق النازل من السماء.

تم التركيز على علم التزكية وجَعْلُهُ من العلوم الخمسة المركزية؛

المقاصد الكبرى في هذا الدين ثلاثة: توحيد الخالق وتزكية المخلوق وعمارة الكون.

الأداة الأولى من أدوات الفقيه، والتي تتمثل في استحضار خارطة العلوم،

وحسبي أنَّ الخطاب هنا لسادتي الكبار، وأصحاب الطموح من الصغار، ومن سار على الدرب وصل، وما شقَّ وتعسَّر فإنه بالله يتيسر، والله الموفق وحده، وهو سبحانه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

(٢) خارطة عِلْم الفِقْه خاصًّة

لا يكتمل بنيان الفقيه حتى يكتمل في صدره بنيان الفقه،

أوَّلاً: الفقه المذهبي

كتب المذاهب التي تتولى بيان الفروع على طريقة الأبواب الفقهية، سواءٌ في ذلك المذاهب الأربعة المتبوعة، أو المذاهب الشخصية للأئمة؛ كمذهب الليث بن سعد ومذهب الأوزاعي ومذهب ابن خزيمة؛

والفقه يتضمن أبوابًا عشرة يختلف العلماء في العدِّ ويتفقون في المعدود، وهي: العبادات والمعاملات والجنايات والعقوبات والأحوال الشخصية والعلاقات الدولية والقضاء والأيمان والنذور، والصيد والذبائح والأطعمة، والعتق، ويمكن أن يُفرد اللباس ببابٍ مستقل.

وأكثر الأبواب التي تُطرق في الفُتيا هي العبادات والمعاملات والأحوال الشخصية.

وأوَلَى ما يجب ضبطه للفقيه هو تحرير الحقائق سواء كانت شرعيةً أو لُغويةً أو عرفية؛

وطالب المستوى الثالث والرابع يطلب شيئًا غير المعتمد في المذهب؛ فهو يبحث في دهاليز عقلية الفقهاء المؤسسين لهذا الصرح والمشيدين له؛ ليلتقط الصنعة الفقهية التي تؤهله لحيازة منهج نظر يقدر من خلاله أن ينتج من الفقه ما يحتاجه أهل زمانه مما ينزل بهم من مستجدات ويطرأ عليهم من نوازل،

ثانيًا وثالثًا: آيات الأحكام وأحاديث الأحكام

القرآن الكريم والسنة النبوية هما نبعا الأدلة، وكل شيءٍ يُردُّ إليهما، ومن كمال الفطنة وحسن الديانة ووفور العقل والفهم أن يُكثِرَ المشتغل بالفقه من النظر فيهما، ورد الفروع إليهما، ويعرف وجه استنباط العلماء للأحكام منهما.

ذكر الشيخ عبد العزيز الطريفي فرَّج الله عنه في كتابه “التفسير والبيان” تحت قوله تعالى: {وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} [البقرة: ٣٦] جملةً من الأحكام المتعلقة بالسجون والنفي أخذت من قصة آدم ﷺ منها هذه الثلاثة:

الأول: ألا يكون السجنُ في زنزانةٍ انفراديةٍ؛ فإن آدم ﷺ جُعِل في الأرض مع غيره، والزنازين عقوبةٌ لم تأت بها الشريعة.

ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: “فإنَّ الحبسَ الشرعيَّ ليس هو السجن في مكانٍ ضيق؛ وإنما هو تعويق الشخص ومنعه من التصرف بنفسه، سواء كان في بيتٍ أو مسجد…“.

ثانيًا: لزوم كفاية المنفي والسجين في نفسه وأهله؛ لأنَّ الله تعالى أهبط آدم وزوجه وتكفل لها بالمستقر وهو القرار والسكن في الأرض، وبالمتاع وهو ما يُستمتع به من لباسٍ وأكلٍ وشربٍ بما يكفيهم.

ولهذا يلزم السلطان أن يتكفل برزق السجين والمنفي في نفسه وأهل بيته، لا سيما وأنَّ ترك الإنفاق عليهم قد يفضي إلى تعرضهم لذل السؤال أو وقوعهم في الفساد والخيانة وفعل الآثام، وربما استغل العدو ضغط الحاجة عندهم في إمدادهم بالمال مقابل التواطؤ معه في كشف عورات المسلمين.

ثالثًا: الأصل في السجن والنفي أن يكونا إلى أجل، فيُضبط ذلك بمدةٍ يعرف الجاني أقصاها، ويعرفها ورثته وزوجه ومن له حقٌّ عليه من أهل المنافع والعقود؛ فإنَّ الله تعالى جعل بقاء آدم ﷺ في الدنيا إلى حين كما نصَّت الآية، والدنيا هي منفاه وسجنه كما جاء في الحديث: الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ .

وليس يلزم أن تكون الأحكام المستنبطة من الكتاب والسنة متفقًا عليها بين الأئمة، فكثيرٌ من الأحكام يبقى في الساحة الاجتهادية، ولكن من فطنة المتفقه أن يربط الأحكام المستنبطة بمواضعها من الكتاب والسنة، ليعرف مأخذها والحرف الذي بنيت عليه.

رابعاً: القَوَاعِد الفِقْهِيَّة

ويمكن أن تُعرَّف القاعدة الفقهية بأنَّها قضيةٌ فقهيةٌ كليةٌ، في نصوصٍ دستوريةٍ موجزة، تتضمن فروعًا تشريعيةً من أبوابٍ متعددة، في الحوادث التي تدخل تحت موضوعها.

فإذا قلنا: “الأمور بمقاصدها”، أو “العادة محكمة”، أو “المشقة تجلب التيسير”، أو “اليقين لا يزول بالشك” أو “الضرر يزال”.. فإنَّ فروع هذه القواعد لا تنحصر في بابٍ، بل تعمُّ الأبواب كلها، فالقواعد لا ترتبط بموضوع متكامل؛ وإنما بها تعلق منه بموضوع القاعدة فقط.

دراسة القواعد لا تطيب ولا تؤتي ثمرتها إلا بعد إنجاز كتابٍ أو كتابين من كتب الفروع.

خامساً: الفُرُوق الفِقْهِيَّة

وهذا العلم يقع به التمييز بين المتشابهات عبر بيان وجه الاختلاف بين الفروع الفقهية التي تتشابه في الصورة وتختلف في الحكم.

ومن أمثلة ذلك:

ما ذكره الفقهاء من اشتراط وقوع صلاة الجمعة بعد الخطبتين بخلاف صلاة العيد فإنها قبل الخطبتين؛ وذلك أنَّ الخطبتين في الجمعة شرطٌ، ومن شأن الشرط أن يتقدم على المشروط، بخلاف خطبتي العيد فإنهما تكملة.

سادساً: الفِقْه المُقارَن

وهذا هو علم الخلاف العالي، ويكون بذكر أقوال المذاهب الأربعة في المسألة

أما الخلاف النازل فيكون بذكر الأقوال داخل المذهب الواحد.

والفقه المقارن هو علم الصدمات لمن تربى على القول الواحد والدليل الواحد وقدح في غيره، حتى إنه ليظن أنَّ المخالف لقوله متورطٌ بمخالفة الأدلة والجرأة على النصوص والافتئات على الشرع؛ وذلك أنه إذا درس المسائل على المنهج المقارن، وعرف أدلة القوم وتعليلاتهم ولطيف استنباطهم ومناقشاتهم لقوله.. أصيب بالدهشة مما يرى، وعلم أنَّ هذا العلم لا ينبغ فيه إلا صادق، ولا سبيل فيه لعجولٍ أو كسولٍ أو بطَّالٍ أو منافق،

ومن ثمرات الفقه المقارن أنه يعرفك بمذهبك ويجليه لك، فيزداد فهمك له قوة،

ومما ينبه عليه الفقيه والمتفقه أنَّ النظرَ في كتب الفقه المقارن؛ كبداية المجتهد ورحمة الأمة للدمشقي والإفصاح لابن هبيرة والموسوعة الكويتية والفقه الإسلامي وأدلته لوهبة الزحيلي لا يكفي؛ بل الجادة أن يقرأ كتابًا من كلِّ مذهبٍ ولو كان مختصرًا؛ وذلك لأنَّ هناك فجواتٍ في ثنايا المسائل تسكت عنها كتب الفقه المقارن ولا تكتمل الصورة إلا بها.

سابعًا: الفتاوى وفقه الفتوى

وهذه هي الساحة العملية للفقه، والتي يحصل فيها الاشتباك مع أحوال الناس،

ثامنا: السِّياسة الشَّرعية

عرف الدكتور أحمد الريسوني وفقه الله السياسة الشرعية بأنها: “التدبير الأمثل للمصالح العامة بما يحقق مقاصد الشريعة وما يتلاءم معها“.

فالحديث هنا عن الفقه السياسي بما يشمله من الكلام عن قيادة الأمة وتدبير أمورها، في باب الحكم والولاية والمال والعقوبة، وما يتعلق بحقوق الإمام من الطاعة والنصرة والنصيحة وغير ذلك، وواجباته من حفظ الدين وحراسة البلاد والنظر في الخصومات وتطبيق الحدود وعمارة البلاد وجباية الأموال وإقامة الجهاد وغير ذلك، مما دل عليه الشرع كتابًا وسنةً وما جاء من اجتهادات الفقهاء بحسب ذلك.

وقد رد الدكتور محمد النوباني وفقه الله العملية السياسية إلى خمسة محاور وهي:

1. نظام الحكم وعلاقة الحاكم بالمحكوم.

2. علم الاقتصاد السياسي، وهو ما يتعلق بالإدارة المالية في الدولة.

3. منظومة الدعوة والمواجهة، وهذه تبحث في الاستراتيجيات والمنهجيات والأدوات المستعملة للمواجهة في كل مرحلة، وتشمل حالتي الحرب والسلم ومواجهة التحديات التي تطرأ على الدولة، والعلاقات الخارجية وإدارة المقدرات والإمكانيات.

٤. علم الاجتماع السياسي، ويدرس الكتل السياسية والاجتماعية والدينية التي تشكل المجتمع المحيط في الدولة.

٥. علم النفس السياسي، وهو ما يتعلق بإدارة الخطاب والسلوك الموجه لكل كتلة من كتل الاجتماع السياسي، ويشمل إدارة جهاز الإعلام وأدوات التواصل.

ومن أكثر الأمور خطرًا والتي تحتاج للتنبيه تلو التنبيه في هذا الباب أنَّ الفقه السياسي الوارد في الشريعة كتابًا وسنةً وسيرةً وخلافةً راشدةً وصلت عنايتُهُ بالتفاصيل وليس الاكتفاء بالخطوط العامة

كتاب “النظرية الحركية في السياسة الشرعية” لأخينا الدكتور محمد النوباني وفقه الله،

النظر في هذا العلم … من أدق المساحات العلمية وأشدها خطرًا؛ لأنه لا يتعلق بفتيا تتعلق بآحاد الناس وإنها بعموم أحوال الأمة وقضاياها،

تاسعًا: الاقتصاد الإسلامي

وهذا العلم يُعَدُّ الوجهَ التطبيقي للفقه المالي، بها يشمل الكلام في المصارف والبنوك والشركات وأضراب ذلك.

عاشرًا: القَضَاء

وهذا العلم وما سبقه من الفقه السياسي والاقتصادي علومٌ ثلاثةٌ كان حقها أن تندرج في أبواب الفقه المذهبي، إلا أنَّ كلاً منها لما بلغ نظامًا ضخمًا في ذاته استحق أن يُفرد بعلم،

حادي عشر: الفِقْه المُعاصِر

وقد عرفه شيخنا الدكتور فضل مراد وفقه الله بأنه التأصيل والتقعيد والتكييف للمسائل الواقعة، وإعطاؤها حكمها مستنبطًا ذلك من النصوص ودلالتها ومن مقاصد الشرع وقواعد الشريعة وأصولها العامة والفقهية.

وهذا العلم يتضمن النوازل والمستجدات وفقه الجماعة المسلمة الذي لم تفرده الكتب المذهبية بالتبويب.

كتاب: “المُقدِّمة في فِقْه العَصْر” لشيخنا الدكتور فضل مراد،

ومما ينبغي أن يُنَبَّهَ عليه أنَّ الأصل في النوازل أن تمشي على قانون كلِّ مذهبٍ بحيث لا يستغرب أن يخرج في نازلةٍ أقوالٌ أربعة على أصول كل مذهب وقواعده،

كتاب “أُصُول النَّوازل” للدكتور محمد الجيزاني وفقه الله؛ … لكتابه المهم “وثائق النَّوازل” والذي يقع في أربع مجلدات،

ثاني عشر: طَبَقَات الفُقهاء

وهذا العلم هو الذي يترجم لعلماء المذاهب، ويتناول أخبارهم وأحوالهم بما يكشف عن عقلياتهم من خلال الاشتباك المباشر مع سيرهم الذاتية والعلمية.

والقيمة العلمية هنا أنك ترى المفاهيم الفقهية والعلمية تتجسد في صورة مواقف وأشخاص وقرارات ومشاريع،

ثالث عشر: المدخل إلى عِلْم الفِقْه

وهذا العلم يتولى بيان المقدمات التأسيسية للعلم، وقصة نشأته وتطوره ونضوجه واكتاله واستقراره وانتشاره وأطواره، وما يتعلق بتحقيق مسائل المذهب وتنقيحها والتخريج عليها،

كتاب “قِصَّة المذهب الشَّافعيّ مِن التَّأسيس حتى الكمال” والذي اختصرت به كتاب “مدخلٌ إلى مذهب الإمام الشَّافعيّ” للدكتور أكرم القواسمي وفقه الله مع زيادةٍ عليه وإثراء..

(٣) أثر اللُّغة على الفُتيا والتَّصوُّرات الفِقْهِيَّة

اللغةُ العربية وأصول الفقه هما أهم علوم الآلة، وتبدأ رحلة الطلب على حقيقتها عقب التمكن من ناصية هذين العلمين،

الإمام الشاطبي إذ قال في كتابه الفذ “الموافقات“: “الشريعة عربية، وإذا كانت عربية فلا يفهمها حق الفهم إلا من فهم اللغة العربية حق الفهم؛ لأنهما سَيَّانِ في النمط ما عدا وجوه الإعجاز، فإذا فرضنا مبتدئًا في فهم العربية فهو مبتدئ في فهم الشريعة، أو متوسطًا فهو متوسطٌ في فهم الشريعة، والمتوسط لم يبلغ درجة النهاية، فإن انتهى إلى درجة الغاية في العربية كان كذلك في الشريعة، فكان فهمه فيها حجة كما كان فهم الصحابة وغيرهم من الفصحاء الذين فهموا القرآن حجة.

فمن لم يبلغ شأوهم فقد نقصه من فهم الشريعة بمقدار التقصير عنهم، وكل من قصر فهمه لم يعد حجة، ولا كان قوله فيها مقبولًا، فلا بد من أن يبلغ في العربية مبلغ الأئمة فيها؛ كالحليل وسيبويه والأخفش والجَرمي والمَازِني ومن سواهم، وقد قال الجَرمي: “أنا منذ ثلاثين سنة أفتي الناس في الفقه من كتاب سيبويه“.

ويقابله القول المُخفَّف ومن أربابه الإمام الغزالي واختاره شيخنا الدكتور محمد الزحيلي إذ يقول في بيانه: والتخفيف فيه أنه لا يشترط أن يبلغ درجة الخليل والمُبرَّد وأن يعرف جميع اللغة، وأن يتعمق في النحو؛ بل القدر الذي يتعلق بالكتاب والسنة ويستولي به على مواقع الخطاب، ودرك حقائق المقاصد منه .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: “إنَّ نفسَ اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرض واجب؛ فإن فهم الكتاب والسنة فرض ولا يفهم إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب“.

وقال ابن حزم: “وأما من وسم اسمه باسم العلم والفقه وهو جاهل للنحو واللغة فحرامٌ عليه أن يفتي في دين الله بكلمة، وحرامٌ على المسلمين أن يستفتوه؛ لأنه لا علم له باللسان الذي خاطبنا الله تعالى به، وإذا لم يعلمه فحرامٌ عليه أن يفتي بها لا يعلم“.

ومن أقواله أيضًا: “وفرضٌ على من قصد التفقه في الدين أن يستعين على ذلك من سائر العلوم بما تقتضيه حاجته إليه في فهم كلام ربه تعالى وكلام نبيه ﷺ، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [إبراهيم: ٤]، ففرضٌ على الفقيه أن يكون عالمًا بلسان العرب ليفهم عن الله ﷺ وعن النبي ﷺ، ويكون عالمًا بالنحو الذي هو ترتيب العرب لكلامهم الذي به نزل القرآن، وبه يفهم معاني الكلام، فمن جهل اللغة وهي الألفاظ الواقعة على المسميات، وجهل النحو الذي هو علم اختلاف الحركات الواقعة لاختلاف المعاني.. فلم يعرف اللسان الذي به خاطبنا الله تعالى ونبينا ﷺ، ومن لم يعرف ذلك اللسان لم يحل له الفتيا فيه؛ لأنه يفتي بما لا يدري وقد نهاه الله عن ذلك بقوله تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: ٣٦].”

كتب الدكتور حسن يشو كتابه الفذ: “حاجة العلوم الإسلامية إلى علم العربية“،

وذكر أنَّ من أهم أسباب تقدم الإمام الشافعي بين الفقهاء الكبار أنه بلغ الغاية في علم اللغة حتى صار حجةً فيها، وهذا حق؛ فقد قال عبد الملك بن هشام النحوي: “طالت مجالستنا محمد بن إدريس الشافعي فما سمعتُ منه لحنةً قط، ولا كلمة غيرها أحسن منها“!

ومن المسارات التي تكشف لك عن أهمية اللغة الخمسةُ الآتية:

أولًا: معرفة المصطلحات والحقائق الشرعية على وجهها:

وذلك كالصلاة والزكاة والصيام؛ لأنَّ هناك صلةَ رحمٍ في الغالب بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي، وفهم المعنى اللغوي والدراية به يقوي الفهم للمعنى الشرعي.

ثانيًا: الأحكام المرتبطة بالألفاظ:

وذلك كالنية والأيمان والندور والزواج والطلاق،

ثالثًا: اختلاف الحكم الفقهي بناء على الاختلاف في حركة الإعراب:

رابعًا: اختلاف الحكم الفقهي بناء على الاختلاف في الحدِّ اللغوي:

وهذا هو المراد بالقاعدة الأصولية: “كلُّ حكمٍ لم يرد في الشرع ولا في اللغة تحديده حُدَّ بالعُرف“.

خامسًا: حروف المعاني وما تؤثره في الأحكام:

أوَّلاً: علم اللغة أحد علوم الآلة كما مرَّ، وعلوم الآلة لا تتأتى إلا بقدرٍ هائلٍ من الدربة والتمرين، ولهذا أوصي المتفقه في الدين بإنجاز كتابٍ واحدٍ أو كتابينٍ من كل علمٍ لُغوي، ثم التوجه لبعض كتب التفاسير؛ كالتحرير والتنوير وتفسير البيضاوي، وبعض كتب الأحكام التي حضر فيها النَّفس اللُّغوي وقراءة نحو مئة صفحةٍ منها قراءةً متأنية، وتسجيل أهم المسائل اللغوية نحوًا وصرفًا وبلاغةً وغير ذلك التي يكثر دورانها في لسان العلماء.

ثانياً: لا ينحصر درس اللغة في علم النحو، فعلم الصرف أهم منه، خاصة ما يتعلق بأبواب المعاني، وأعظم علوم اللغة علمُ الشَّعْرِ ومتن اللغة المعروف بالمعاجم، فهذان العلمان هما نبع الدراية بلسان الجيل الأول.

ولولا الشعر والمعاجم لهُدِمَ الإسلام؛ لأنَّ العرف في الألفاظ يتبدل، وهذه العلوم تحفظ لك الألفاظ مشحونةً بالمعاني في صورتها الأولى على ما كان عليه الناس أول الأمر،

ثالثًا: لا يستقل النظر باللغة مجردةً؛ فقد يكون المعنى مرتبطًا بسبب النزول أو معرفة معاني الحال التي أنزل الله عليها الخطاب،

ومن ذلك ما جاء في الصحيحين عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﷺ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ} قَالَ لَهُ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَجْعَلُ تَحْتَ وِسَادَتِي عِقَالَينِ عِقَالًا أَبْيَضَ وَعِقَالًا أَسْوَدَ أَعْرِفُ اللَّيْلَ مِنْ النَّهَارِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “إِنَّ وِسَادَتَكَ لَعَرِيضٌ!؛ إِنَّمَا هُوَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ“.

(٤) مركزية البِناء الأصُوليّ

كثيرٌ من طلبةِ العلم لا يعرفون الدور الخطير لعلم أصول الفقه، لا سيما وأنَّ الفائدة منه لا تظهر في جزئيات المسائل بشكلٍ معجَّل كما الحال في مسائل الفقه؛ فإنَّ من علم حكم مسألةٍ فقهية يمكن أن يعمل بمقتضاها على الفور، بخلاف مادة الأصول،

كلُّ حكمٍ شرعيٍّ فرعيٍّ لا بد له من دليلٍ يدلُّ عليه، ولا بد للحكم ودليله من مستنبطٍ له قادرٍ على الاستنباط، ولا بد للمستنبط من طريقةٍ سليمةٍ في الاستنباط، من أجل ذلك كانت مباحث أصول الفقه تدور حول أربعة أركان أساسية

الركن الأول: أدلة الفقه الإجمالية: التي تستنبط منها الأحكام، سواءً الأدلة المتفق عليها أو الأدلة الاجتهادية المختلف فيها،

الركن الثاني: الدلالات: وهي التي ترشد لكيفية دلالة الأدلة الشرعية على الأحكام؛ ليهتدي بها الفقيه لطريقة الاستنباط، والدلالات ثلاث:

دلالة المنطوق: وهي ثلاثة أقسام: الأول باعتبار اللفظ: الأمر والنهي، والثاني باعتبار المدلول: العام والخاصٌ والمطلق والمقيد، والثالث باعتبار كيفية الدلالة: النصُّ والظاهر والمجمل والمبين.

دلالة المفهوم: وهو قسمان: مفهوم موافقة ومفهوم مخالفة.

دلالة الاقتضاء: ويمكن أن يندرج في هذا الركن باب اللغات وما يتعلق بها.

الركن الثالث: الاجتهاد والتقليد والإفتاء: والحديث هنا عن الشخص الذي يستفيد الأحكام من الأدلة، سواء كان ذلك بالأصالة وهو المجتهد المتأهل الذي له أن يباشر الاجتهاد ويستفيد الأحكام بنفسه، أو كان بالواسطة وهو المقلّد والمستفتي.

الركن الرابع: الحكم الشرعي: وهو ثمرة الأركان السابقة؛

الأول: أركان الحكم الشرعي: وهي أربعة: الحاكم وهو الله تعالى، والمحكوم عليه وهو المكلف، والمحكوم فيه وهو فعلُ المكلف، وصيغة الحكم وما يتصل بها.

الثاني: أقسام الحكم الشرعي: وهي قسمان: الحكم التكليفي والحكم الوضعي، والحكم الوضعي بمثابة العلامات التي نصبها الشارع الحكيم لإعانة المكلف على الامتثال للحكم التكليفي؛ ككون زوال الشمس سببًا في وجوب صلاة الظهر، ولهذا ما من حكمٍ شرعيٍّ تكليفيٍّ إلا وهو محاطٌ بأحكامٍ شرعيةٍ وضعية ترشد إليه وتعين عليه.

إذا تقرر ذلك؛ فإنَّ علم أصول الفقه هو العلم الذي يبين الأدلة التي تُبنى الأحكام عليها، ويهدي إلى كيفية فهمها والتعامل معها واستنباط الأحكام منها. (فِقْه التَّعامُل مع الكتاب والسُّنَّة)

وهذه أخطر مهمةٍ ووظيفة؛ لأنَّ هذا العلم هو المسؤول عن التعامل مع نصوص الوحي التي تبنى عليها أحكام الشريعة لا سيما فيما يستجد من نوازل ووقائع،

ومما أنبه عليه أنَّ كلمة “أصول” تعني الأدلة، فأصول الفقه أي أدلة الفقه،

فمن لم يكن ضابطًا لمنهج السلف في التعامل مع الدليل الشرعي لم يشم رائحة الفقه، ولهذا كان علم الأصول هو الفارق الذي يميز المنتسب للعلم الشرعي من الدخيل عليه،

ومما يزيد علم أصول الفقه أهميةً الأمور الثلاثة الآتية:

أولًا: أنَّ التعامل مع النوازل موكولٌ إليه:

ويقول الدكتور شعبان محمد إسماعيل: “إنَّ الحاجةَ إلى علم الأصول قائمة ومستمرة لا تنقطع ما دام هناك فقهٌ وما دامت هناك أحكام لأفعال العباد يراد بها معرفة حكم الله سبحانه“.

ثانيًا: أنه العلم الذي يحرس الشريعة من الاختراق الفكري:

ولهذا تشتد الهجمة على الإمام الشافعي عادة؛ لأنَّ الله حمى به النصوص من اعتداءات اللصوص عبر تدوين منهج الاستدلال الذي يقي النصوص من التأويل ويحرسها من العبث من خلال كتاباته الأصولية وعلى رأسها كتاب “الرسالة“.

وأشار الدكتور عبد الوهاب إبراهيم أبو سليمان وفقه الله في كتابه “الفكر الأصولي

ثالثًا: أنه العلم الذي يبين لك الشريعة بنظر متكامل:

وذلك أنَّ علم أصول الفقه يبين منهج التعامل مع نصوص الكتاب والسنة وغير ذلك من الأدلة، فهو ليس خاصًّا بعلم الفقه، ولهذا يسمى بأصول الاستدلال،

ولهذا كان من العبث فصل كلية الشريعة عن كلية أصول الدين، فهو كالفصل بين الأم وحنانها، وبين قواعد البيت وسقفه،

ومن أكثر الكتب التي تعينك في تحقيق هذا المقصود وهي التي تعد العنوان الأهم للفكر الأصولي: الرسالة للشافعي والمستصفى للغزالي والموافقات للشاطبي، ويمكن الاستفادة الجيدة من إعلام الموقعين لابن القيم.

محاضرة “منهجية دراسة أصول الفقه” للشيخ مولود السريري، وسلسلة “مدخل إلى علم أصول الفقه” للشيخ حسن بخاري، وهذان العالمان راسخان في الأصول،

وإدمان النظر في كتب تفسير آيات الأحكام وشروح أحاديث الأحكام التي اعتنت بالنَّفس الأصولي؛ ككتاب تيسير البيان لأحكام القرآن للإمام الموزعي، وإحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد، وطرح التثريب في شرح التقريب للحافظ العراقي، بالإضافة لكتب تخريج الفروع على الأصول كالتمهيد للإسنوي، فضلاً عن كتب الفقه المقارن ويتصدرها في هذا المقام كتاب “بداية المجتهد ونهاية المقتصد” لابن رشد الحفيد.

(٥) أهمِّيَّة العُلُوم الإنسانية في التَّصوُّرات الفِقْهِيَّة

العلوم الإنسانية هي التي تتناول المجتمع البشري بما يتضمنه من مظاهر، ومن أهمها التسعة الآتية: علم الإدارة وعلم النفس وعلم الاجتماع والاقتصاد والسياسة والإعلام والتاريخ والجغرافيا الطبيعية والجغرافيا السياسية.

إنَّ هذه العلوم وإن كانت دنيويةً.. إلا أنَّها تتصل بعمارة الأرض التي هي من جملة التكليف الإلهي الذي كُلِّف به آدمُ ﷺ، وخوطبت به ذريته في حياته ومن بعده.

دراسةَ هذه العلوم هي من الدراية بالواقع الذي يشترط العلم به عند الفتيا

الإسلامَ دعوةٌ ودولة، والعلوم الدنيوية وخاصةً الإنسانية منها ألصق بالدولة، والعلوم الشرعية ألصق بالدعوة مع التصاقها بالدولة، والدولة هي الجسرُ الذي نقيم عبره أحكام الشريعة أضعافَ أضعاف ما نقيمه بجهد الفرد، ولهذا اجتهد النبي ﷺ في تحصيله لمَّا كان في مكة، وعرضه على زعماء الطائف، وبايع الأنصار عليه في بيعة العقبة الثانية، ودخل المدينة على إثر ذلك سلطانًا حاكمًا لا رسولًا داعيًا فحسب.

غير أنَّ كثيرًا من المشتغلين بالعلم في هذه الأزمنة جعلوا تكوينهم العلمي متركزًا على مادة المرحلة المكية، التي تركز على الإيمان والتربية والأخلاق، وأما مادة المرحلة المدنية فلم نركز منها إلا على التشريعات والأحكام، وتركنا العلوم الإنسانية التي نقيم بها دولةٌ للإسلام،

قيمةَ هذه العلوم بالنظر إلى المآل أنها تتولى جزءًا من إقامة علوم الشريعة نفسها غاياتٍ وآلات.

فلا عجب إذا تفوَّقَت في الفضل على دراسة العلوم الشرعية في بعض الأوقات عند الحاجة إليها في زمانٍ ما أو مكانٍ ما، أو في حتَّى إنسانٍ ما،

وما أحسنَ ما جادت به قريحةُ شاعرِ الإسلام محمد إقبال إذ قال: إنَّ العلومَ الحديثةَ يَحسُنُ بها أن تُعَلِّمَ أبناءَنا المعارفَ والمعاني، لكن لا يحسن بها أن تُعَلِّمَ قلوبَهم الخشوع، أو عيونهم الدموع.

وقد نبَّه ابن القيم رحمه الله على اعتبار الواقع في الفتيا فقال: “ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم: أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علمًا. والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر“.

إنَّ بعض الموضوعات لا يكتمل الكلام فيها إلا بمشاركةٍ قويةٍ من علم السياسة أو التاريخ أو الاقتصاد أو الإعلام أو غير ذلك، مع أنَّ الموضوع الأصلي قد يكون في العقيدة أو الفقه مثلاً، وهذا من شأنه أن يؤثر على المخرج في الفتيا.

الإمام القرافي المالكي قال: “وَكَمْ يَخْفَى عَلَى الْفُقَيهِ وَالْحَاكِمِ الْحَقُّ فِي الْمُسَائِلِ الْكَثِيرَةِ؛ بِسَبَبِ الْجَهْلِ بِالْحِسَابِ وَالطَّبِّ وَالْهندَسَةِ، فَيَنْبَغِي لِذَوِي الْهِمَمِ الْعَلِيَّةِ أَنْ لَا يَتْرُكُوا الْاطْلَاعَ عَلَى الْعُلُومِ مَا أَمَكَنَهُمْ، فَلَمْ أَرَ فِي عُيُوبِ النَّاسِ شَيْئًا كَنَقْصِ الْقَادِرِينَ عَلَى التَّمَامِ“.

كنت أجالس الأطباء في كثيرٍ من المسائل التي لا يكتمل النظر الفقهي فيها إلا بإفادة الطب، وإن كانت الفتيا تؤخذ من الفقيه لا من الطبيب؛

فإنَّ الطبيب مثلاً قد يبين الصورة ويعطي رأيًا ولا توافق عليه الشريعة.

وذلك كما لو قدَّر الطبيبُ أنَّ الجنين لو لم يجهض فإنه سيعيش بإعاقةٍ وسوف يتسبب في كلفةٍ ماليةٍ لأهله قد تطول مع بقاء الإعاقة، ولهذا يرى الإجهاض، بينما ينظر المفتي أنَّ الحياة ملكٌ له، والذي وهب الحياة هو الذي قدَّر المرض، وأنه لا يجوز الذهاب إلى الإجهاض ولو تكلف الأهل مالًا في ذلك، ويكون نقصه من الابتلاء الذي يؤجر عليه الصابرون بغير حساب، فكيف إذا كانوا شاكرين!

من النقول للشيخ محمد الغزالي رحمه الله: … فإنَّ جَهلَنا بالحياة كان معصيةَ الله،

… وربما أعانها على إدراك بعض النجاح فشلُ المتدينين في تقديم المنهج الإلهي مشبعًا للعقل والقلب، كافلاً للدنيا والآخرة، ملبيًا لحاجات الروح والجسد والعاجلة والآجلة،

ويقول: وقد لاحظت أنَّ الثقافة الإسلامية حدث فيها شيءٌ من العوج، فمن ناحية التربية والتصور انسحب الناس من الحياة؛ رأوا أنَّ المجتمع فاسدٌ فانسحبوا وهربوا منه بدل أن يغيروه!

إنَّ المسلمين قد ظلموا دينهم مرتين: مرة بسوء التطبيق حتى قيل: إنه ضد الفطرة والحرية والعقل، ومرة بالعجز عن التبليغ حين بقي جماهير كثيفة في المشارق والمغارب لا تدري عن الإسلام شيئًا يذكر،

من عدة الفقيه أن ينكبَّ على العلوم الإنسانية وما يحتاج من غيرها من العلوم التي تعينه في التصور الشرعي، وذلك من خلال تقسيم وِرْدِهِ شطرين: شطرًا للعلوم الشرعية واللغوية، وشطرًا للعلوم الإنسانية والمعارف الأخرى التي تتمم له الصورة، وتكمل له المشهد، وهذا من الوسائل التي تأخذ حكم المقاصد، وبالنية الصالحة تكون جزءًا من التعبد الذي يتقرب به إلى الله سبحانه.

(٦) أثر السِّياق السِّياسيّ على الفُتيا والتَّصوُّرات الفِقْهِيَّة

لا خلاف بين أهل العلم في وجوب طاعة وليِّ الأمر،

إنَّ الحرب بين الإسلام والكفر كان من أهم فصولها قصد الصليبيين بلاد المسلمين بعدة حملاتٍ صليبيةٍ عسكرية، وقد بدأت هذه الحملات سنة ١٢٩١م، وبقيت في تتابع حتى سقوط الخلافة العثمانية.

وقد رصد الوزير الروماني “دجوفارا” مشاريع إسقاط الخلافة فوجدها تزيد عن مئة، وكتب كتابه المشهور: “١٠٠ مشروع لتقسيم الدولة العثمانية“،

وكان الشكل المعتاد فيما عُرف بالاستعمار وهو استخرابٌ وفساد أن يكون باحتلالٍ مباشر تحت مسوِّغٍ سخيفٍ يتمثل في الحرص على إنقاذ الشعوب من التخلف وإدخالها في التحضر.

والشعوب أوتيت طول النّفَس في مقاومة المحتلين مهما كانت التضحيات بفضل الله تعالى.

فانتهى بهم الحال إلى نظام الاحتلال بالتوكيل، من خلال تنصيبِ رجلٍ من أهل البلد الذي يُراد احتلالُه، لكنَّ قلبه وعقله لصالح المحتل المستعمر، مع التحكم في العقيدة الثقافية والأمنية لتلك البقعة، وبهذا تتخدر الشعوب عن المواجهة؛ لأنَّ المحتلَّ غيرُ ظاهرٍ بشخصه على الشاشة.

ولعلَّ أول تجربةٍ غربيةٍ في هذا النظام الجديد كانت بتولية محمد علي باشا على مصر، ليبدأ في إنشاء الدولة الحديثة التي ما زالت هي الشكل المشؤوم الذي تُدار به الدول في العالم الإسلامي، والذي سلب من الناس كل سلطةٍ كانت فيهم، ونزع منهم كل قوةٍ كانت تحت تصرفهم وسلطانهم.

والحاصل: أنَّ أطوار الاستعمار أربعة: الاحتلال المباشر، يليه الاكتفاء بالمناطق السيادية، ثم الاكتفاء بالقرار السياسي وخزينة المال، وأخيرًا الاستعمار بالوكالة.

بعد سقوط دولة الخلافة العثمانية عمليًا سنة ١٩٠٩ بعزل السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، ثم هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى وقعت اتفاقية سايكس بيكو سنة ١٩١٦ والتي أدت لتوزيع تَرِكَةِ الدولة العثمانية بين بريطانيا وفرنسا؛

وإذا جئنا إلى العرب الذين استخدمتهم بريطانيا في إسقاط الدولة العثمانية.. فإنهم يُمنَحُون دولةً محصورةً بين الأقاليم البريطانية والفرنسية عمدتها الجزيرة العربية، بشرط أن يكون لبريطانيا وفرنسا نفوذٌ عليها.

الأنموذج الليبرالي الذي يقوم على زخرفة القول بشعارات الحرية ونبذ العنف والإرهاب وطلب السلام،

فكرة الاستعمار بالوكالة، من خلال إيجاد نظام حكمٍ في كلِّ بلدٍ يقدر أن يمنع الشعوب من التمرد على النظام؛

ومن فوائد الاستعمار بالوكالة بالنسبة للغرب تخدير الشعوب عن المقاومة أطول مدة ممكنة، والترفع عن مباشرة الجرائم في ظل الشعارات الليبرالية، فضلاً عن النجاة من التكاليف الباهظة للاحتلال المباشر.

فالعدو هو من وضع النظام وشكَّل الدولة العميقة، ونصَّب الرئيس الذي يحقق له مآربه من غير تكلفةٍ تذكر،

فمن الظلم للشريعة ونصوصها تنزيل النصوص التي قيلت في خلفاء الرسول ﷺ على خلفاء الاستعمار.

(٧) أثر السِّياق التَّاريخي على الفُتيا والتَّصوُّرات الفِقْهِيَّة

الأحداث تصبح تاريخًا، والتاريخ يتضمن العقائد والأفكار والأحداث مجردة، ويتضمنها إذا تحولت لمشاريع سياسية.

الحدثَ في سياقه التاريخي قد يفيد أمرًا زائدًا أو مخالفًا لما يفيده إذا كان منفكًّا عن السياق،

وإنما هي بمثابة المذاهب الإصلاحية التي يسلك كلٌّ منها مسلكًا إصلاحيًّا اجتهاديًّا في فقه الإصلاح والتغيير والدعوة، والغاية فيها واحدة.

فهذا محمد ابن بنت الشافعي يقول: “أقام الشافعي على قراءة العربية وأيام الناس عشرين سنة، وقال: وما أردت بهذا إلا الاستعانة على الفقه“!

الوحي يخاطب أقوامًا يعيشون في واقع له ظروفُهُ وأحوالُهُ، ومن تتمة فهم النص فهم ما يحيط الواقع من ظروف وأحوال، فهذا معينٌ على إدراك مراد الله تعالى ومراد نبيه ﷺ.

وقد تنبه ابن عباس رضي الله عنهما إلى هذا الأمر؛ فقد روى البيهقي بسنده إلى إبراهيم التيمي قال: خَلَا عُمَرُ بْنُ الْحُطَّابِ ذَاتَ يَوْمٍ فَجَعَلَ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ، فَأَرْسَلَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: كَيْفَ تَخْتَلِفُ هَذِهِ الْأُمَّةُ، وَكِتَابُهَا وَاحِدٌ، وَنَبِيُّهَا وَاحِدٌ، وَقِبْلَتُهَا وَاحِدَةٌ؟

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: “يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا القُرْآنُ فَقَرَأْنَاهُ وَعَلِمْنَا فِيمَ نَزَلَ، وَإِنَّهُ يَكُونُ بَعْدَنَا أَقْوَامٌ يَقْرَءُونَ القُرْآنَ وَلَا يَعْرِفُونَ فِيمَ نَزَلَ، لِكُلِّ قَوْمٍ فِيهِ رَأْيٌ، فَإِذَا كَانَ لِقَوْمٍ فِيهِ رَأْيُ اخْتَلَفُوا، فَإِذَا اخْتَلَفُوا اقْتَتَلُوا“.

أدق ملكات المؤرخ وأكثرها دلالة على علمه وموهبته هي قدرته على اكتشاف ما لا يقال؛ حيث يبلغ من المعرفة بالعصر ما يفهم فيه الأجواء التي أحاطت بالكلام دون أن تُكتب؛ ذلك أنَّ الناس يكتبون ما يحتاجون إلى تبليغه لبعضهم، ولا يكتبون ما هو مستقرٌّ متفقٌ عليه معروفٌ لهم بالبداهة،

(٨) أثر البَوَاعِث النَّفسِيَّة والاجتماعِية على الفُتيا والتَّصوُّرات الفِقْهِيَّة

إنَّ الفقهَ ليس نصوصًا مبعثرةً في الهواء؛ وإنها يتنزل على نفوس ومجتمعات،

الاشتباك مع الواقع بالفتيا أو بالتدريس أو التأليف ينبغي أن يُراعى فيه حركة النفس وحركة المجتمع وما يتصل بذلك ليؤدي الفقه رسالته.

ومن أهم ثمرات علم الاجتماع فهمُ علم السياسة؛ فإنه فرعٌ عن علم الاجتماع.

ومن أهم أبواب علم النفس ما يُعرف بالصحة النفسية التي يقع في نطاقها الحديث عن النفس وفهم طبيعة الإنسان والعوامل المؤثرة في تكوين شخصيته، وما يصدر عنه من سلوك، ودراسته ودراسة بواعثه، وما يطرأ عليه من حالاتٍ نفسيةٍ مثل الاضطراب والاكتئاب والحزن وغير ذلك مما يتطلب رؤية شرعيةً في التعامل،

إذا جئنا إلى الجانب النفسي.. فأضرب له ثلاثة أمثلة:

الأول: مسألة الوَسواس القهري

إنَّ أكثر من يُبتلى بالوسواس القهري يُؤتَى من قوة الالتزام بالدين والعبادات لا من ضعفٍ وانحراف.

فلو أتاه الشيطان من باب الشهوات وهو على هذه الحالة فلن يحقق مقصوده من إفساد دينه عليه، وتشويش عباداته في نفسه، فيأتيه عندئذٍ من البوابة التي تتناسب مع حالته وتفكيره؛ وهي مطالبته بتجويد العبادة وتحسينها، ولهذا يقف له على باب التوثق من الطهارة المطلوبة، فضلاً عن طهارة الثوب أو البدن أو المكان أو الفراش.

وربها وصلت الوساوس للباب العقدي، فيطالبه بالتوثق من علاقته بالله على صعيد الخواطر العقلية والنفسية، ويطرح الشيطان عليه أسئلةً تشوش على هذا الكمال الذي يحرضه عليه، بل وتشككه في وجود الله أو في حكمته.

فقد أخرج مسلمٌ عَن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلُوهُ: إِنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ قَالَ: “وَقَدْ وَجَدْتُمُّوهُ؟” قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: “ذَاكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ“!

وروى أيضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﷺ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَحَدَنَا يَجِدُ الشَّيْءَ لأنَ يَكُونَ حُمَمَةً أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ؟! قَالَ أَحَدُهُمَا: “الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَقْدِرْ مِنْكُمْ إِلَّا عَلَى الْوَسْوَسَةِ“، وَقَالَ الْآخِرُ: “الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ أَمْرَهُ إِلَى الْوَسْوَسَةِ“، أي: الوسوسة التي لا تؤاخذون بها، وتثابون على توقيكم من النطق بها.

فظاهرٌ من هذه النصوص أنَّ النبيَّ ﷺ يتعامل مع المسألة أنها وهمٌ وسراب، وأنَّ هذه الأفكار هي من جنس الأفكار التي يعرضها عليك رجلٌ مجنونٌ يعترضك في طريقك،

المثال الثاني: فقه التعامل مع المرأة مدة الحيض، وحكمة تحريم الطلاق فيه:

وبيان ذلك: أنَّ الحيض شيءٌ من الأذى كتبه الله على بنات آدم كما لا يخفى، وإذا جاء المرأة ظهر معه أعراضٌ بدنيةٌ من صداعٍ وحرارةٍ وكسلٍ وآلامٍ تشتد وفقرٍ دم، وأعراضٌ نفسيةٌ من سرعةِ غضبٍ وضعفِ تركيزٍ وزيادةِ ضغطٍ نفسيٍّ واكتئاب، وأعراضٌ سلوكيةٌ من إجهادٍ وقلةِ نومٍ واضطرابٍ في تناول الطعام وغير ذلك، مما يجعل البيت مهيئًا للخلافات الأسرية

هذا ما يتعلق بالجانب النفسي، أما ما يتعلق بالجانب الاجتماعي.. فأضرب له مثالًا بمسألةِ الانتحار.

فهم الحالة الاجتماعية للمنتحر يعين على تتمة الجواب وحسن الطرح.

فلما نظرتُ في الإفادات وتأملت بواعث الانتحار وجدتها تنزع إلى أحد عشر سببًا، أكثرها في الباب الاجتماعي لا الاقتصادي، بل إنَّ السبب الاقتصادي كان حظه ٥٪ فقط، أما النتيجة التي لم تكن بحسبان أحد فهي أنَّ أكثر المحاولات كان مردها للتهميش الاجتماعي.

وذلك أنَّ الشاب مثلاً يعاني احتقار أبويه له، وإزراء المدرس في المدرسة به، وتنكر الأصدقاء له واستخفافهم به وغير ذلك، مما يشعر معه أنَّ الإقدام على الانتحار يمثل عقوبةً نفسيةً تطال الجميع.

كنت أستمع يومًا لمحاضرةٍ في علم الاجتماع، وكان صاحبها يقول: إنَّ الناسَ متى اشتدت بهم الأزمات وقل التكافل بينهم فإنَّ الناس يلجؤون إلى الانتحار، ولهذا متى حصلت الأحداث العامة من الحروب والكوارث وغيرها فإنَّ الناس يكونون على أوثق ما يكون من التكافل فيتوقف الانتحار،

والمقصود أنَّ الدراية بعلم الاجتماع وما يتصل به تجعل الكلام الفقهي مشحونًا بالطرح الذي يجمع بين الإفتاء وبين اكتمال جوانب توزع المسؤولية على فئات المجتمع،

(9) يَقَظَة الفَقِيه والمُتَفَقِّه

جعل الله الناس على تفاوتٍ في الفهم والإدراك والفطنة،

وقال تعالى في سياق الحديث عن المنافقين: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: ٨٣].

أهل العلم بحسب ما وهب الله تعالى وتفضَّل ليسوا على درجةٍ واحدةٍ من الاستنباط والنظر.

كلُّ ذلك يجعل الفقيه يلح على الله تعالى أن يؤتيه الفهم والفطنة، ويبعده عن الغفلة؛

والمشتغلُ بالعلم والدعوة محاطٌ عادةً بخطرين:

خطر الجمهور الذي يريد أن يجعله جسرًا لما يريد من رغبات.

وخطر الحكام والحكومات الذين يريدون له أن يبقى في الإطار المحدد له من غير أن ينكر عليهم أو أن يعارض سياستهم.

ومن هنا جاءت وصية أهل العلم بالبعد عن مجالس السلاطين وعدم الاقتراب منهم أو الاستفادة من أموالهم أو مناصبهم؛ لئلا يؤول ذلك إلى المجاملة في الدين، أو السكوت عن المنكر أو التهوين منه.

الجانب الأول: الموضوعات التي تتعلق بالواقع المفروض ومناوأة الظالمين

وذلك لئلا يكون الفقيه في طرحه الفقهي أو المفتي في فتياه جزءًا من تقرير حالة الشر أو الطغيان من غير قصد.

ثم إنَّ المسلم من حقه الشرعي أن يتنقل من بلدٍ إلى بلد، والمحرم هو منعه من ذلك، وصدر بذلك قراراتٌ مجمعيةٌ مؤخرًا، وهو موافقٌ للمواثيق الدولية،

إذن لا بد للفقيه أن يحترس من الأسئلة التي تتعلق بأزماتٍ سابقة على ولادته؛ إذ إنَّ من وُلِد في جوف أزمةٍ لا يسهل عليه أن يفتي فيها إلا باستحضار الحالة الأصلية والحالة المفروضة، والإلْفُ حاجبٌ عن ذلك فوجب التيقظ؛

ثانياً: المُصطلحات المُلغَّمة

ومن ذلك مُصطلح “الشَّرْق الأوْسَط” الذي تندرج فيه المنطقة العربية.

وهذه التسمية لم تثبت على دلالةٍ واحدة، لكنها تدل الآن على الهيمنة الأمريكية على المنطقة العربية؛ لأنَّها شرق أوسطٍ بالنسبة لموقع الولايات المتحدة،

ومن تبعات هذا الاسم أنه يُثبَّت الكيان الصهيوني ويدمجه في المنطقة العربية؛ لأننا لو قلنا: العالم الإسلامي أو العالم العربي أو المنطقة العربية.. فإنَّ هذا يعني أنَّ الكيانَ الصهيوني جسمٌ غريبٌ غاصبٌ محتل، فليس هو بالعربي أو بالمسلم، أما الشرق الأوسط فإنه مصطلحٌ يستوعب أعراقًا شتى، ولا يكون في التسمية به اختصاصٌ للعرب والمسلمين بالأرض.

مصطلح الشرق الأوسط ليس أوسط بالنسبة لأمريكا أساسًا، بل هو تعبير خرج من منظور أوروبي/بريطاني استعماري؛ حيث كانت أوروبا تُقسِّم الشرق بالنسبة لقربه أو بُعده عنها: الشرق الأدنى: الأقرب لأوروبا، خصوصًا شرق المتوسط والدولة العثمانية سابقًا. الشرق الأوسط: المنطقة الواقعة بين الشرق الأدنى و الشرق الأقصى ، خصوصًا غرب آسيا والخليج وما حولهما. الشرق الأقصى: الصين واليابان وشرق آسيا. فكلمة أوسط معناها: أوسط في الطريق من أوروبا إلى الشرق الأبعد، لا أوسط بالنسبة لأهل المنطقة أنفسهم.

تاريخيًا، تذكر مراجع مثل قاموس أكسفورد (OED) أن المصطلح كان يُستعمل لمنطقة بين الشرق الأدنى والشرق الأقصى، وأنه في بعض الاستخدامات المبكرة كان يشير إلى الهند وما جاورها، ثم استقر لاحقًا على المنطقة الممتدة تقريبًا من مصر إلى إيران.

واشتهر المصطلح أكثر في أوائل القرن العشرين، خصوصًا مع الضابط والمنظّر البحري الأمريكي ألفرد ثاير ماهان (Alfred Thayer Mahan)، الذي استخدمه سنة 1902 تقريبًا للدلالة على المنطقة بين الجزيرة العربية والهند، مع تركيز استراتيجي على الخليج العربي/الفارسي وأهمية الطريق إلى الهند البريطانية.

أَنَّ الولايات المتحدة عقب أحداث سبتمبر سنة ٢٠٠١ بدأت تشتغل على إعادة بناء الدين الإسلامي من الداخل، ودمجه بالثقافة الغربية، وإعادة قراءة نصوص القرآن والسنة في ظلِّ مقررات هذه الثقافة.

وفي هذا السياق جاء تدشين الدين الإبراهيمي الجديد الذي يجمع اليهود والنصارى والمسلمين في وعاءٍ واحدٍ من خلال شخصيةٍ جامعةٍ مقبولةٍ في الأديان الثلاثة وهي شخصية إبراهيم ﷺ.

وأستحب للفقيه أن يكون حَذِرًا من المصطلحات الملغَّمة حتى لو لم ينشأ عن التكلم بها شيءٌ من هذه المفاسد في الاستعمال العادي؛ لأنَّ علماء الإسلام موضع نظر الناس، وإنَّ التدقيق في أقوالهم لا يقل خطرًا عن التدقيق في أفعالهم.

ثالثًا: المؤامرات التي تُمَرَّرُ على المسلمين بحيل ناعمة

الهدف العام من الدين الإبراهيمي هو سلب سلطان المسلمين، واغتصاب البلاد العربية والإسلامية، ودمج العدو الصهيوني فيها، وإضفاء المشروعية على النفوذ الغربي

فهذا الباب يحتاج إلى توفيقٍ إلهي، ويقظةٍ لا تنقطع، ولا ننسى أنَّ بريطانيا استطاعت أن تستغل النزعة التركية في دولة الخلافة لتستثير الشريف الحسين بن علي من ثغرة النزعة العربية لمقاتلة دولة الخلافة؛ بحجة أنَّ العرب أولى بالخلافة من الأتراك، ثم لم يستيقظ من وهم دولة الخلافة الموعودة إلا وقد سقطت الخلافة وسُلبت فلسطين، ولما أبدى اعتراضًا وجد نفسه قد شُطب ملفه بنفيه، وكان من أمره ما كان.

رابعًا: خديعة أهل العلم والدعوة من قِبَل الحكام والمؤسسات الحاكمة

خامسًا: استغلال أهل العلم والدعوة في المنطقة المتفق عليها والسكوت عما سواها

فالعدو هو الذي يقتل ويقهر ويلاحق ويسب الدين الإسلامي ويشتم النبي ﷺ ويفتح باب ذلك على مصراعيه لأبنائه ويضيق على المسلمين ويحرمهم من حقوقهم ويظلمهم، ويسفك دماءهم فإذا خرجت ردة فعل غير منضبطة هجم الناس على الفاعل وتجاهلوا المجرم الأصلي المتسبب،

والمقصود أن يجعل الفقيه عامل اليقظة ودقة النظر ومآلات الخطاب والطرح ديدنًا له؛

(١٠) ضَبْط المَذْهَب أُصُولاً وقَوَاعِد وفُرُوعًا

من مفاتيح النبوغ والرسوخ في الفقه ضبطُ المذهب الذي عليه أهلُ بلدك أصولًا وقواعد وفروعًا ضبطًا مُحكمًا راسخًا،

ومن آوى إليه هذه الأداة انفتح له باب الفقه المقارن؛

وأركان ضبط المذهب ثلاثة: حفظ متنٍ جامعٍ فيه، واستظهار شرحٍ مختصرٍ عليه يكون من مجلدٍ واحدٍ أو اثنين، وإدمان النظر في كتابٍ موسوعي.

المنهج في التلقي حفظ العمر من الضياع،

ثمرات إدمان النظر في عمدة الكتب:

الغاية الكبيرة هي الفوزُ بإحكامِ العلم، وعمقِ الفهم، ودقة النظر، وجودة الاستنباط، وتكوين الملكة، وبناء العقل، وتحصيل المفاهيم، واكتشاف آلية صناعة المعرفة؛ ليتيسر صناعةُ مثلها عند الحاجة.

إنه منذ عرف شرح ابن عقيل في الثانوية الأزهرية وهو لا يعرف غيره، ولا يملك في بيته من كتب النحو إلا نسخة الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد من هذا الكتاب، لكنه قرأه كاملاً أكثر من مئة مرة!

فالناس أحوج إلى الصبر على القليل وإتقانه من حاجتهم إلى تفريق الهم والعزم،

(١١) تَحْصِيلُ المَلَكَةِ الفِقْهِيَّةِ والأُصُولِيَّة

الملكةُ هي صفةٌ راسخةٌ في النفس، وذلك أنَّ النفسَ إذا فعلت فعلاً ما صار لها كيفيةً نفسانيةً تسمى حالًا، ومن شأن الحال أن يكون سريع الزوال، فإذا تكرر الفعل ومارسته النفس حتى رسخت فيها تلك الكيفية وصارت بطيئة الزوال قيل لها: مَلَكَة.

والعلوم الشرعية واللغوية تقوم على قواعد، وهذه القواعد كانت سليقةً في الجيل الأول، فجاء العلماء وحولوا تلك السليقة إلى قواعد لمصلحة التدريس وتوارث العلم،

ومن هنا نلحظ أنَّ المجالَ الذي تنشأ فيه الملكةُ هو السلوك والأفعال والتصرفات والمهارات، فتكرار هذه الأمور يصَيِّرها صفةً راسخةً في النفس، تُفعل بتلقائيَّةٍ من غير تكلفٍ ولا استحضار.

واعلم أنّ الملكةَ لها خمسة شروط،

الشرط الأول: الاستعداد الفطري والنفسي

فهذا الباب يحتاج إلى ذكاءٍ معتدل، ورغبةٍ جامحةٍ في النبوغ والرسوخ، وطبيعةٍ معتدلة، وهذه رزقٌ من الله، فمن أوتيها فليحمد الله، وإلا.. فليجاهد نفسه في تحصيلها،

الشرط الثاني: العناية بقواعد العلم وكلياته وأصوله

الشرط الثالث: إحكام منهج التلقي

وهذا يتضمن ضبط مذهب أصولًا وقواعد وفروعًا على ما مرَّ، ودراسة علوم الغاية والآلة وما يُحتاج إليه من العلوم الإنسانية، وفق منهج التدرج الصحيح في طلب كل علم، والجمع بين الحفظ والفهم، ووجود المدرس الحاذق القدوة، والإكثار من التمرينات

الشرط الرابع: التكرار وإدمان النظر في كتب العلم

الشرط الخامس: الممارسة المباشرة

وذلك أنَّ الدربةَ أعونُ على تحصيل الملكة، فمن أراد تعلم قيادة السيارة.. فإنه يبدأ مرتبكًا، لا يوازن بين مهارة القيادة نفسها وملاحظة الإشارات والنظر في الطريق، فإذا تمرَّن مرةً بعد مرة أصبح يزاول ذلك باحتراف، ولا يأبه بدخول الأماكن المزدحمة وربما كان يهاتف رجلاً، مع نسيانه للقواعد المدونة في الكتب.

أما طرق الممارسة فإنها كثيرةٌ، وهذه سبعٌ منها:

(١) العمل بالعلم.

(٢) مزاولة التدريس والتأليف.

(٣) مذاكرة الأقران وسؤال الأكابر والصبر على ذلك.

(٤) إعمال الفكر في العلم، ومن الوسائل التي اتبعها الفقهاء لتنمية التفكير: المحاورة في العلم والمناظرة فيه، والألغاز الفقهية، وتعلم العلوم الحسابية ونحوها، وإلقاء المسائل على الطلبة امتحانًا،

(٥) تنوع مصادر التلقي: إذ الملكة لا تنمو في بيئةٍ واحدة، ومن ذلك: تعدد الشيوخ والمدارس والرحلة في طلب العلم، والاستفادة من كلّ بيئةٍ أحسن ما فيها، والمشاركة في العلوم الأخرى، وسعة الاطلاع خاصة على العلوم الإنسانية والاجتماعية.

(٦) مخالطة الناس وملابسة شؤون الحياة:

وقد نبه الشيخ أحمد سالم وفقه الله على هذا الأمر المهم فقال: إدمان القراءة وطغيانها على الإنسان له أثرٌ جانبيٌّ شديد السوء؛ وهو أن تظن أنها تكفيك لفهم العالم والناس، وأن تظن أنها فعلٌ خلاصيٌّ تملك به كل الحلول، ويغنيك عن الخبرات والتجارب وملابسة الحياة.

(٧) التمرين على تطبيق القواعد؛ وذلك كجمع الأقوال من مظانها، وتحرير محل النزاع، والبحث عن سبب الخلاف، ومناقشة الأقوال، وتخريج الفروع على الأصول، والتطبيق على الواقع، ومعالجة المستجدات بناء على أصول كل علم وقواعده، وكثرة المراس للمهارات الفقهية والأصولية.

ومن الكتب التي أعانت في التحلي بالمهارات الفقهية والأصولية “مسرد المهارات الفقهية“، وشرحه الموسوم بـ “معلمة المهارات الفقهية” الذي يقع في ثلاث مجلدات، وكذلك كتاب “تكوين المهارة الأصولية.. الأهمية والمنهج” الصادر عن مجلة “تكوين العالم المؤصل”.

ومن أهم المهارات التي يلزم طول النَّفس في الدربة عليها ما ينزع إلى الأقسام الستة الآتية:

قسم التصوير: وفيه الحديث عن الحقائق وتحريرها، وتصوير المسائل وتحليل النصوص ونقدها وصياغتها.

قسم التدليل: وفيه مهارات التعامل مع الأدلة النقلية والاجتهادية، وإعمال الدلالات وبناء الأحكام عليها، وتحرير وجوه الاستدلال والتزام طرائقه المتبعة عند أهل النظر.

قسم التعليل: وفيه مهارات التعامل مع الأقيسة ومسالك التعليل والإلحاق والتخريج.

قسم التقعيد: وفيه الكلام عن التقعيد الأصولي والفقهي والمقاصدي، وتحرير القواعد والضوابط والمقاصد.

قسم التدبير: وفيه مهارات تحرير محل النزاع، وبيان سبب الخلاف وثمرته، ومناقشة الأقوال ونقدها، ودفع التعارض بين الأدلة.

قسم التنزيل: وفيه مهارات التهيئة للتنزيل من خلال تصوير الوقائع وفحص الدعوى والشهادة والبيئات وغير ذلك، وصولاً إلى الأحكام وصياغتها.

وقد رُوي عن الإمام مالك أنه قال: “ليس الفقه بكثرة المسائل؛ ولكن الفقه يؤتيه الله من يشاء من خلقه“.

وقال الإمام الشافعي: من أحب أن يفتح الله قلبه أو ينوره.. فعليه بترك الكلام فيا لا يعنيه، واجتناب المعاصي، ويكون له خبيئةٌ فيا بينه وبين الله تعالى من عمل، وقلة الأكل، وترك مخالطة السفهاء.

(12) الفَقِيه البَاحِث

من أهم الأدوات التي يحتاجها الفقيه في تكوين عُدَّته قدرتُه على بحث المسائل والوصول إليها ودراستها والخروج بها يحتاجه منها،

ومن حاز هذه الأداة كان قد أنجز إنجازًا مهاريًّا مركزيًّا؛ فإنَّ العلم خزائن ويستخرج بالبحث والتفتيش، ولهذا يعد التمكن منه من علائم القوة في حياة الفقيه والمتفقه.

وهذه المهارة تستدعي الحديث في مسارين: الأول: الوصول إلى المسائل في الكتب ونحوها، والثاني: منهج ترتيب المسألة وفق القواعد البحثية، ودونك بيان ذلك:

المسار الأول: الوصول إلى المسائل في الكتب ونحوها:

وهذا يتطلب معرفة خارطة المواد العلمية في نطاق البحث، ومما يعين على ذلك أمورٌ منها هذه الثلاثة:

أولًا: معرفة الكتب المعتمدة في كلّ مذهب:

أما المذهب الحنفي.. فمن أهم الكتب المعتمدة فيه حاشيةٌ ابن عابدين، وفتح القدير لابن الهام، والعناية شرح الهداية للبابري والبناية على الهداية للعيني.

وأما المذهب المالكي.. فهناك الشرح الكبير للدردير مع حاشية الدسوقي عليه، ومواهب الجليل في شرح مختصر سيدي خليل للحطاب الرعيني، وشرح الحَرْشِي على مختصر خليل مع حاشية العدوي عليه.

وأما المذهب الشافعي.. فالتعويل فيه على تحفة المحتاج لابن حجر الهيتمي ونهاية المحتاج للرمل، ثم العناية بعدُ بمغني المحتاج للشربيني وكنز الراغبين للشربيني، ثم كتب شيخ الإسلام زكريا الأنصاري.

وأما المذهب الحنبلي.. فالتعويل فيه على المنتهى لابن النجار وشرحه شرح منتهى الإرادات للبهوتي، والإقناع للحجاوي وشرحه كشاف القناع عن متن الإقناع للبهوتي.

ثانيًا: معرفة شجرة الكتب وأهمها في كل فن وما تتميز به:

وأنَّ قرارات المجامع الفقهية مودعةٌ في كتاب “وثائق النوازل” للدكتور محمد الجيزاني.

ومن وسائل الدراية بذلك اعتماد “القراءة التصويرية” التي تعرف من خلالها حال الكتب، وبيان ذلك: أنَّ القارئ في هذا النوع يمر على سطور الكتاب مرورًا سريعًا، بحيث يلتقط الصفحة دون أن يتوقف عند كل كلمةٍ أو فقرة، وقد ينهي المجلد الضخم في ساعةٍ واحدة.

وهذه القراءة ليست كالقراءة التحليلية أو الجردية في المنفعة على صعيد المعلومات الجزئية، ولكنها سبيلٌ عظيم لمعرفة المحاور الأساسية للكتاب، وطبيعة مادته العلمية ومنهج مؤلفه، وأهم المسائل الواردة فيه، بحيث يرجع إليه عند الحاجة.

ثالثًا: معرفة مظان الجهود المعاصرة

ولهذا ما ينفقه الفقيه والمتفقه في البحث والاطلاع على الجهود المعاصرة ليس من الوقت الضائع.

بل صار محض التواصل مع أهل العلم من خلال وسائل التواصل يختصر الكثير من المسافات أو الجهود والأوقات على طالب العلم.

المسار الثاني: منهج ترتيب المسألة وفق القواعد البحثية

تصوير المسألة، من خلال إيضاحها وإدراك القيود والفروق الواردة فيها؛ بحيث تكون متمايزةً عن غيرها، فهذا أول ما ينبغي أن يُحرر.

تحرير محل النزاع؛ أي تعيين نقطة الخلاف بالتحديد، وبيان مقصود المتخالفين حتى يظهر من البداية ما إذا كان مقصودهم متحدًا، أو أنّ أحدهم يقصد خلاف ما يقصده الآخر أو يتوهمه.

ودراسة علم المنطق تربي على هذه الملكة،

بيان سبب الخلاف في المسألة،

ذكر الأقوال معزوةً لأصحابها عزَّوْا صحيحًا،

مناقشة الأقوال والأدلة وصولًا إلى الراجح مع بيان مسوغاته،

القدرة على الرجوع إلى ما يحتاجه من المعاجم وكتب اللغة والأصول والتفسير والحديث وشروح السنة؛ ليكتمل النظر على الوجه المطلوب.

والحق أنَّ المهارات البحثية تتفوق في توفيرها الجامعات والكليات على الحلقات،

ويمكن للباحث النظر في عددٍ من الرسائل العلمية القوية، ليجعلها مثالًا يسير على سَنَنِه.

خاتمة

الإمامة في العلم بعد فضل الله وتوفيقه ترجع إلى توافر الأهلية والشعور بالمسؤولية.

فانطلق واصبر وقف بباب ربك واسأله من فضله، فإنه سبحانه إذا أعطى أدهش.

أسأل الله أن يجعلك من حراس دعوته، والأمناء على وحيه، وأن يفتح لك فتحًا لا يغلق، وأن يعينك في أمر الدين والدنيا، وأن يقضي حوائجك ويحقق آمالك ويبارك أعمالك، وأن يجمع فيك من الفضائل والفواضل ما تفرق في غيرك من الأفاضل، وأن يعينك عونًا عظيمًا فيما شرعت فيه وانطلقت تدافع عن دينك بالحجة واللسان كما يُدافع المجاهد عنه بالسلاح والسنان، والله هو الموفق وحده، وهو نعم المولى ونعم النصير.

هذا، وصلّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا المصطفى محمد، وعلى آله وصحبه والتابعين وتابعيهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين.

Exit mobile version