Archive for the ‘مدخل إلى دراسة الكتاب المقدس’ Category

بسم الله الرحمن الرحيم

سلسلة فيديوهات: مَدْخَلٌ إلَى دِرَاسَةِ الكِتَابِ المُقدَّسِ

فيديو (06): ما هي المراجع الحُجَّة على المسيحيين؟ (تحميل PDF)

إعداد: أبو المُنتصر محمد شاهين التاعب

تفريغ: خادم الإسلام أبو بكر مُصطفى الشامي

          في سياق الكلام عن «نقد الكتاب المُقدَّس» وكيفية إثبات عَدَم موثوقيته ومصداقيته، علينا أن نتكلَّم عن المراجع التي نستطيع أن نحتجّ بها على المسيحيين، لأنَّ بدون معرفة هذه المراجع، لا سبيل لنا لحوار مُثمر معهم.

بالنِّسبة لعامَّة المسيحيين، نجد أنَّ أيّ مرجع لمؤلِّف مسيحي يُعتبر حُجَّة عليه، وهذا راجع لتقديس المسيحيين الزَّائد للشَّخصيات الدِّينية، خُصُوصاً من ذَوِي الرُّتَب الكنسية، فأيّ كتابٍ لأيِّ قِسِّيسٍ، سواء كان بروتستانتياً أو أرثوذكسياً أو كاثوليكياً، سيكون حُجَّة على عامَّة المسيحيين، لأنَّ المسيحيين يُحبُّون فكرتهم الخيالية التي تقول بأنَّ الطَّوائف المسيحية كلَّها لها نفس العقيدة الواحدة، وأنَّ الاختلافات بينهم، بمثابة الاختلافات الفِقْهِيَّة الموجودة بين المَالِكِيَّة والحَنَابِلَة والحَنَفِيَّة والشَّافِعِيَّة!

فيما يخُصّ الطَّوائف المسيحية الثلاثة المشهورة، فنحن نعلم جيِّداً أنَّ الاختلافات بينها ليست مُجرَّد اختلافات فقهية، ولكنَّها اختلافات عقائدية في صميم العقائد المسيحية الرَّئيسية، مثل: الثَّالُوث والتَّجسُّد والصَّلب والفِداء ومسائل عقائدية أخرى تخصّ وحي وعِصْمَة وعدد أسفار الكتاب المُقدَّس.

كلّ هذه الاختلافات العقائدية أدَّت إلى تكفير هذه الطَّوائف لبعضها البعض، فمعروف قطعاً ولا شكَّ أنَّ الكنائس الأرثوذكسية الشَّرقية قامت بتكفير الكنيسة الكاثوليكية الغربية، والعكس صحيح، بعد الخلاف الذي حدث في مجمع خلقيدونية 451م. كذلك الانشقاق الذي حدث في الكنيسة الكاثوليكية الغربية في العصور الوسطى، عندما قام رؤساء الطَّائفة البروتستانتية بثورة على الكنيسة الكاثوليكية، هذا الانشقاق أدى إلى تكفير الكنيسة البروتستانتية على يد الكنيسة الكاثوليكية، وهذا تاريخ معروف لكل قارئ في التَّاريخ المسيحي.

في النِّهاية نقول، إذا كان المسيحي العامِّي يُريد أن يعيش وَهْم «كنيسة المسيح الواحدة»، وأنَّ الطَّوائف الثَّلاثة المشهورة كلَّها على قلب رجل واحد، بعقيدة واحدة، فعليه أن يتحمَّل تبعيَّات الوهم الذي يشيع فيه، وأهمّ هذه التَّبعيات هي أنَّ أيّ مرجع مسيحي تابع لأيّ طائفة مسيحية سيكون حُجَّة عليه.

أمَّا إذا قابلت مسيحياً ينتمي إلى طائفة مُعيَّنة، ويُدرك جيِّداً الفوارق العقائدية الهامَّة بين الطَّوائف، وأصبح لا يقبل من المراجع إلَّا التي تُمثِّل طائفته بشكل رسمي، فيجب عليك حينئذٍ أن تُدرك أمرين في غاية الأهمية:

الأمر الأوَّل هو أنَّك تستطيع أن تدخل معه في نقاش حول أيّ الطَّوائف المسيحية هي الطَّائفة المُتَّبِعة فعلاً للمسيح عليه السَّلام وتلاميذه، ومن خلال هذا النِّقاش تستطيع إثبات فقر التُّراث المسيحي، وأنَّ المسيحيين لا يملكون الأسانيد القوية، والمراجع التَّاريخية، التي تستطيع أن ترجع بهم إلى ما كان عليه المسيح عليه السَّلام وتلاميذه.

الأمر الثَّاني هو أنَّك تستطيع أن تُقيم الحُجَّة على أيِّ مسيحي من المراجع التي يعتبرها حُجَّة عليه، أيًّا كانت طائفته.

أنواع المراجع المُختلفة

هناك مراجع كثيرة جداً مُتوفِّرة، يستطيع الدَّارس الرُّجُوع إليها لإقامة الحُجَّة على المسيحي، هذه المراجع قد تكون عبارة عن كُتُب مطبوعة، أو مراجع إلكترونية مُختلفة وكثيرة.

بسبب الثَّورة التِّكنولوجية الرَّهيبة التي نعيشها، أصبح من النَّادر أن تجد الباحث يستدلّ من كتابٍ مطبوعٍ يُمسكه في يده! ولكنَّنا أصبحنا في عصرٍ، توفَّرت فيها كلّ المراجع المطبوعة بصيغة إلكترونية على الكمبيوتر، فكلّ المراجع المسيحية الهامَّة التي سنحتاج إليها في حوارنا مع المسيحيين مُتوفِّرة بصيغ إلكترونية على الكمبيوتر، ويُمكن لأيّ شخص أن يقوم بتحميلها بسهولة ويُسر، وأن يقتبس منها في أبحاثه كما يُريد.

هذه المراجع الإلكترونية ستكون عبارة عن كُتُب وأبحاث مُصوَّرة ومُتوفِّرة بصيغة PDF، أو أي صِيَغ إلكترونية أخرى لحفظ الصُّور، أو ستكون عبارة عن تسجيلات صوتية أو فيديوهات مرئية، أو ستكون عبارة عن مواقع رسمية لكنائس أو شخصيات كنسية معروفة.

على كلّ حال، يجب على الدَّارس أن يُدرك أنَّ المراجع المُختلفة تنقسم إلى نوعين من حيث الحُجِّيَّة على المسيحي، وثلاثة أنواع من حيث طبيعة المعلومات التي نستمدّها من المراجع.

أولاً: المراجع من حيث الحُجِّيَّة على المسيحي

النَّوع الأوَّل من هذه المراجع هي المراجع العامَّة، التي تستطيع أن تحتجّ بها على كلّ المسيحيين، مهما كان انتماؤهم الطَّائفي، مثل الكتاب المُقدَّس، ومصادر نصّ الكتاب المُقدَّس المُختلفة، مثل المخطوطات اليونانية والعبرية، ومخطوطات التَّرجمات القديمة المُختلفة، كذلك كتابات آباء ما قبل نقية، والكتابات المسيحية التَّاريخية المُتعلِّقة إمَّا بالتَّاريخ المسيحي المُبكِّر (مثل كتاب تاريخ الكنيسة لـ يوسابيوس القيصري)، أو المُتعلِّقة بالمجامع المسكونية الثلاثة الكُبرى (نقية 325م، والقسطنطينية 381م، وأفسس 431م)، وغيرها من المراجع المُتعلِّقة بالمسيحية في القُرُون الأولى، إلى فترة ما قبل انشقاق مجمع خلقيدونية 451م.

النَّوع الثَّاني من هذه المراجع هي المراجع الخاصَّة، التي لا تُعتبر حُجَّة على المسيحي إلَّا إذا كان تابعاً لطائفة مُؤلِّف المرجع. على سبيل المثال: كتابات البابا شنودة الثالث، بابا الأقباط الأرثوذكس السَّابق، لا تُعتبر حُجَّة على المسيحي الكاثوليكي أو البروتستانتي، ولكنَّها حُجَّة قوية جداً على كلّ أتباع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية. وهكذا، على الدَّارس أن يُدرك ما هي أهمّ المراجع المسيحية التَّابعة لكلّ طائفة، حتى يستطيع أن يتعامل مع أيِّ مسيحي، أيًّا كانت طائفته.

ثانياً: المراجع من حيث طبيعة المعلومات

النّوع الأوَّل من هذه المراجع هي التي تحتوي على معلومات أكاديمية تاريخية علمية، وهذه النَّوعية من المراجع يتمّ استخدامها لإقامة الحُجَّة على المسيحي، ولبيان بُطلان عقائده وإيمانه.

المراجع الأكاديمية التَّاريخية العلمية هي المراجع التي ترجع للُّغات الأصلية، والنُّسَخ النَّقدية، والمخطوطات القديمة، وترجع أيضاً للسِّياق النَّصِّي والتَّاريخي للنُّصُوص.

النّوع الثَّاني من هذه المراجع هي التي تحتوي على معلومات إيمانية تقليدية، ويُطلق عليها اسم: «المراجع الحاشاوية»، نسبةً لتسجيلٍ مشهورٍ لمسيحيةٍ قالت: «حاشا، نحن ما نستخدم عقلنا!»[[1]]، وهكذا اصطلح الإخوة العاملين في مجال الحوار الإسلامي المسيحي على استخدام عبارة «حاشا» أو «حاشاوية» للدَّلالة على المسيحيين التَّقليديين الذين يسردون إيمانهم بدون أي دليل أكاديمي أو تاريخي أو علمي، وكذلك المراجع الإيمانية التَّقليدية.

المراجع الإيمانية التَّقليدية الحاشاوية يتمّ استخدامها من أجل معرفة الإيمان المسيحي التَّقليدي في المواضيع التي نُناقش فيها المسيحي، لأنَّك لابُدَّ أن تعرف العقيدة التي يعتنقها المسيحي في الأصل، حتى تستطيع نقدها ونقضها، ثمَّ إقامة الحقّ مكانها.

ملحوظة هامَّة

هُناك نوعان من المراجع الإيمانية التَّقليدية الحاشاوية، مراجع تقوم بشرح العقائد المسيحية كما هي فعلاً، وكما قرَّرها آباء عصر المجامع، هذا النَّوع من المراجع نستطيع أن نُطلق عليه اسم «المراجع الإيمانية التَّاريخية»، أي أنَّها ترجع إلى المراجع المسيحية التَّاريخية المُعتمدة، مثل كتابات آباء عصر المجامع، وتنقل منها العقائد المسيحية التي تمّ اعتمادها والاتِّفاق عليها في المجامع. أمَّا النَّوع الآخر من المراجع الإيمانية، فهي المراجع التي لها طبيعة تنصيرية، أو تقوم بشرح العقائد المسيحية بشكل تنصيري، في مُحاولة لتقريب العقائد المسيحية للقارئ المُسلم.

وهذا النَّوع الثاني من المراجع الإيمانية، والذي نستطيع أن نُطلق عليها اسم «المراجع التَّنصيرية»، لا فائدة لها إلَّا في مُحاولة معرفة الأساليب التَّنصيرية، والأكاذيب المُستخدمة لخداع المُسلمين بهدف إخراجهم من دينهم.

النَّوع الأول من المراجع الإيمانية، هي التي يتمّ استخدامها لبيان كذب المعلومات المُستخدمة في المراجع التَّنصيرية، ويتمّ استخدامها أيضاً لبيان الكُفْر والباطل والضَّلال الذي يعتقده المسيحي، ثمَّ نرجع للمراجع الأكاديمية التَّاريخية العلمية من أجل إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل.

مُلخَّص لأنواع المراجع المُختلفة

·       المراجع الأكاديمية التَّاريخية العلمية التي تحتوي على معلومات حقيقية صحيحة.

·       المراجع الإيمانية التَّقليدية الحاشاوية التي تحتوي على شرح المسيحية كما اتَّفق عليها آباء عصر المجامع.

·       المراجع التَّنصيرية التي تحاول تقريب العقائد المسيحية للقارئ المُسلم.

ملحوظة أخرى هامَّة

بخُصُوص تقسيم أنواع المراجع، التَّقسيم الأوَّل هو المراجع العامَّة التي نستطيع أن نحتج بها على كلّ المسيحيين، ثمَّ المراجع الخاصَّة التي تُعتبر حُجَّة على المسيحي التَّابع لنفس طائفة المؤلِّف. في القسم الأول، ستجد مراجع أكاديمية تاريخية علمية، ومراجع إيمانية تقليدية حاشاوية، وكذلك في القسم الثاني. بمعنى أنَّ قسم المراجع العامَّة ينقسم إلى قسمين، قسم إيماني تقليدي، وقسم أكاديمي علمي، وكذلك قسم المراجع الخاصَّة بكلّ طائفة تنقسم إلى نفس القسمين السَّابقين.

كيف أعرف إذا كان المرجع عِلْمياً أو إيمانياً؟

أيّ كتاب، أو أيّ مرجع، يعتمد بالطَّبع على فِكْر ومَنْهَج المؤلِّف، وهكذا عن طريق التَّعلُّم والخِبْرة، نستطيع أن نعرف المؤلِّفين أصحاب المنهج العِلْمي والأكاديمي، والمؤلِّفين أصحاب المنهج الإيماني الحاشاوي، والمؤلِّفين الذين يعملون في التَّنصير والكَذِب والتَّدليس!

نعرف أنَّ مُعظم آباء الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، إمَّا أصحاب منهج إيماني حاشاوي، أو منهج تنصيري، أمَّا مُعظم المؤلِّفين الكاثوليك، فينتهجون المنهج العِلْمي والأكاديمي، خُصُوصاً في مجال دراسة الكتاب المُقدَّس، أمَّا المؤلِّفون البروتستانت، فينقسمون إلى قسمين، القسم الأول هو البروتستانت العَرَب، وهؤلاء ينتهجون منهج التَّنصير في الغالب، والقسم الثاني هو البروتستانت الأجانب، وهؤلاء يميلون أكثر إلى المنهج العِلْمي والأكاديمي، ولكنَّ الكثير منهم أيضاً يعمل في التَّنصير ونُصرة دينهم بالباطل.

بجانب التَّعلُّم والخِبرة، نستطيع أن نعرف منهج المؤلِّف من خلال تصفُّح الكتاب، فإنَّ المراجع الأكاديمية العلمية تحتوي على بعض الصِّفات التي لن تجدها في المراجع الإيمانية الحاشاوية.

من مُجرَّد الاطِّلاع على الفهرس، ستُدرك أنَّ الكتاب مُرتَّب بشكل جيِّد ومنطقي، تستطيع من خلاله معرفة محتويات وموضوع الكتاب بمنتهى السُّهُولة، وأثناء تصفُّح الكتاب، وتقليب صفحاتها سريعاً، لابُدَّ أن تجد هوامش كثيرة، ولعلَّك تلاحظ أيضاً بعض الصُّور التَّوضيحية، وكذلك بعض العبارات باللغة الإنجليزية، وكذلك بعض العبارات بلُغات الكتاب المُقدَّس الأصلية، العبرية واليونانية، وفي نهاية الكتاب ستجد بالتَّأكيد قائمة بالمراجع المُستخدمة في الكتاب. هذه هي أبرز مُواصفات الكتاب العِلْمي والأكاديمي.

أمَّا المراجع الإيمانية الحاشاوي، خُصُوصاً التَّنصيرية منها، فلن تجد فيها أيّ هوامش أو تعليقات أو إشارات للمراجع المُستخدمة، وستجد الكتاب مُقتصراً على اللغة العربية فقط، بدون الرُّجُوع لأيّ لُغات أجنبية أو أصلية.

لاحظ أنَّ المراجع الإيمانية التاريخية، التي تشرح العقيدة المسيحية كما اتَّفق عليها آباء عصر المجامع، قد تكون في بعض الأحيان علمية، بحيث أنَّك ستجد فيها إشارات لكتابات الآباء الأوائل التي تمّ الاقتباس منها، وقد تكون غير علمية، بحيث أنَّها تشرح العقيدة المسيحية كما اتَّفق عليها آباء عصر المجامع فعلاً، ولكن بدون الإشارة إلى أي مراجع مسيحية تاريخية قديمة.

النَّوع الأوَّل أكثر فائدة بالتَّأكيد بالنِّسبة للباحث من النَّوع الثاني، ولكنَّ والنَّوعان حُجَّة على المسيحي، خُصُوصاً إذا كان المؤلِّف واحد من كبار آباء الكنيسة المُعاصرين، فإنَّنا نجد في الكثير من مؤلَّفات «البابا شنودة» مثلاً، شرح للعقائد المسيحية كما اتَّفق عليها آباء الكنيسة، ولكن بدون الإشارة إلى المراجع المسيحية التَّاريخية، ولكن في كتابات «القُمُّص متَّى المسكين» مثلاً، نجد إشارات كثيرة جداً لكتابات الآباء الأوائل التي تم الرُّجُوع إليها من أجل نقل شُرُوحاتهم فيما يخُصّ العقائد المسيحية.

هذا يعني أنَّ مؤلَّفات «القُمُّص متَّى المسكين» أكثر نفعاً للباحث من مؤلَّفات «البابا شنودة الثالث»، لأنَّها تتَّسم بالأسلوب العِلْمي والتَّوثيق التَّاريخي، ولكنَّك من واقع خبرة، ستجد أنَّ كتابات «البابا شنودة الثالث» هي الأكثر تأثيراً في عامَّة المسيحيين، لأنَّ «البابا شنودة» كان صاحب رُتبة كنسية أعلى!

ملحوظة هامَّة

كلّ مؤلِّف مسيحي فيه نسبة من الإيمانية والحاشاوية، وكذلك من التَّنصير أيضاً، هذا يعني أنَّك لن تجد مرجعاً مسيحياً، إلَّا وفيه نسبة من نُصرة دينه بالباطل، أو فيه نسبة من الكَذِب والتَّدليس والأسلوب التَّنصيري، لكنَّ المراجع العِلْمية تميل أكثر لكفَّة إحقاق الحقّ، والمراجع الإيمانية التاريخية تميل أكثر إلى بيان المسيحية كما اتَّفق عليها آباء عصر المجامع، أمَّا المؤلَّفات التَّنصيرية، فهي من بدايتها وإلى نهايتها مليئة بالغشّ والكَذِب والتَّدليس!

ملحوظة أخرى هامَّة

هذا الاختلاف الموجود في مناهج المؤلفين، ليس موجوداً فقط بين المؤلفين المعاصرين، ولكن بين آباء الكنيسة الأوائل أيضاً، فهناك من آباء الكنيسة الأوائل من كان ينتهج المنهج العلمي والأكاديمي، خصوصاً في دراسة الكتاب المقدس، مثل «أوريجانوس» و «جيروم» وغيرهما من الآباء الذين كان عندهم علم باللغات القديمة، وكانوا مُطَّلعين على المخطوطات والتَّرجمات المختلفة. وهناك أيضاً من آباء الكنيسة من كان ينتهج المنهج الإيماني الحاشاوي، وكان يدافع عن عقائد الكنيسة دفاعاً أعمى، مثل «أثناسيوس الرسولي» و «كيرلس الإسكندري».

مُميِّزات المراجع العِلْمية مُقارنةً بالمراجع الإيمانية

فيما يخُص المراجع الخاصَّة بدراسة أو تفسير الكتاب المُقدَّس، نستطيع أن نعقد مُقارنة بين المراجع العِلْمية والمراجع الإيمانية حتى نستطيع أن نُدرك الفرق بين المنهجين بشكلٍ واضحٍ.

المراجع العِلْمية تتعامل مع النُّصُوص الكتابية من واقع النُّسخ النَّقدية، لذلك يكون المؤلِّف مُدركاً لوُجُود اختلافات بين المخطوطات، ناتجة عن تحريفات وقعت أثناء نسخ النَّص وانتقاله تاريخياً، وقد يتمّ مناقشة مثل هذه الإشكاليات في محاولة لإيجاد حلول لها، أمَّا أصحاب المنهج الحاشاوي، فلا يتطرقون لشيءٍ من هذا على الإطلاق.

المراجع العِلْمية ترجع للُّغات الأصلية، العبرية واليونانية، واللُّغات الأخرى القديمة، مثل: اللاتينية والسريانية والقبطية، لتفسير النُّصُوص الكتابية، أمَّا المراجع الإيمانية فلا ترجع إلَّا لنَصّ التَّرجمة التَّقليدية المُستخدمة مِن قِبَل الكنيسة التي يتبعها المؤلِّف!

المراجع العِلْمية تقوم مراجعة التَّرجمات الأخرى المُختلفة، وقد تراجع أيضاً الاختلافات الموجودة بين مصادر النَّص المُختلفة، من مخطوطات وترجمات قديمة واقتباسات آبائية، أمَّا المراجع الإيمانية، فإنَّها تتعامل مع النَّص الكتابي من خلال نصّ التَّرجمة التَّقليدية، بدون مراجعة أيّ ترجمات أو مصادر أخرى.

المراجع العِلْمية تقوم بتفسير النُّصُوص الكتابية من خلال السِّياق النَّصِّي والسِّياق التَّاريخي، ومُراجعة النُّصُوص المُقابلة، أمَّا المراجع الإيمانية الحاشاوية، فغالباً ما تقوم باقتطاع النُّصُوص من سياقها، حتى يتسنَّى لهم استخدام هذه المقاطع بالطَّريقة التي تخدم إيمانهم، بعداً حتى عن تكملة النَّصّ نفسه!

السِّياق النَّصِّ يُقصد به سِبَاق ولِحَاق النَّص، أي الكلام الذي يسبق النَّصّ محلّ التَّفسير، والكلام الذي يليه. أمَّا السِّياق التَّاريخي، فيُقصد به مُحاولة فَهْم النَّصّ كما أراد مِنَّا المؤلِّفُ أن نفهمه، فإذا كان الكتاب يعود للقرن الأول الميلادي، علينا أن نُحاول فَهْم الكتاب كما كان يفهمه الذين عاصروا الكتاب في القرن الأول الميلادي. أمَّا النُّصُوص المُقابلة، فيُقصد بها النُّصُوص التي تتكلَّم عن نفس موضوع النَّصّ محلّ التَّفسير، أو النُّصُوص التي تحتوي على كلمات وألفاظ شبيهة بتلك الموجودة في النَّصّ محلّ التَّفسير، ممَّا سيُساعد على فهم النَّصّ بشكلٍ صحيح.

مُستويات الحِوار الإسلامي المسيحي

الهدف من الحوار الإسلامي المسيحي هو إحقاق الحقّ، بالأدلَّة والبراهين، وبيان الباطل الذي يعتقده المسيحيون، ولكن يجب على المُحاور أن يُخاطب النَّاس على قدر عقولهم، وإلَّا قد يتكلَّم المُحاور المُسلم بتفاصيل كثيرة، وفي أُمُورٍ مُعقدَّة، لا يفهمها المسيحي أصلاً، ثمَّ يظُنّ المُحاور المُسلم خطأً أنَّه قد أقام الحُجَّة على المسيحي، فقط لأنَّه ذكر تفاصيل كثيرة وتكلَّم في أمور مُعقَّدة، والحقيقة أنَّ الحُجَّة لا تُقام إلَّا بعد أن يفهم الطَّرف المسيحي المعلومة التي تُحاوره فيها، فيُدرك أنَّه على باطل، بالدَّليل والبُرهان، وهكذا وَجَبَ عليه أن يبحث عن الحقّ.

هُناك كمّ كبير جداً من المراجع المسيحية المُتوفِّرة بصِيَغ إلكترونية، لذا سيكون عند الباحث قاعدة بيانات عملاقة من المراجع المُختلفة، وسأقوم بإذن الله عزَّ وجلَّ برفع المراجع الهامَّة على صفحات مُدوَّنتي الشَّخصية[[2]]، وعلى موقع الدَّعوة الإسلامية[[3]]، ولكنَّ الأهمَّ من توفُّر المراجع، هو معرفة كيفية استخدام هذه المراجع، ومعرفة كيفية استخراج المعلومات المُفيدة من هذه المراجع.

الهدف من سلسلة «مدخل إلى دراسة الكتاب المُقدَّس» هو أن نتعلَّم كيف نشرح المعلومة للمسيحي، وكيف نُبيِّن له أنَّ عقيدته باطلة، وأنَّ الحقّ مُخالف لما يعتقده، وعندما تأتي اللَّحظة التي فيها يسأل المسيحي عن الأدلَّة والبراهين التي تُدعِّم صحَّة موقفك، تستطيع حينئذٍ أن تقتبس من عشرات المراجع المسيحية الأكاديمية العلمية، ولكنَّ الأهمّ من مُجرَّد الاقتباس، هو أن تستطيع توصيل المعلومة للمسيحي، وهكذا تُقيم عليه الحُجَّة.

أمَّا فيما يخُصّ مُستويات الحوار مع المسيحي، فإنَّها تبدأ بعوام المسيحيين الذين لا يعرفون إلَّا أقلّ القليل في المسيحية. وأعلى مُستوى للحوار مع المسيحي هو الذي يصلّ إلى مناقشة اللغات الأصلية، والمصادر الأصلية، ويحتاج إلى معرفة تفاصيل العُلُوم النَّقدية، مثل النَّقد النَّصِّي، وعِلْم الباترولوجي، وغيرها من العُلُوم المُتخصِّصة.

المُحاور الماهر هو الذي يستطيع أن يُدرك مُستوى المسيحي الذي يُحاوره، ثمَّ يخاطبه على قَدْر عِلْمه ومعرفته. وهكذا على المُحاور المُسلم المُتخصِّص، الذي نَذَرَ نفسه لمقاومة التَّنصير ودعوة المسيحيين للإسلام، أن يكون قادراً على مُحاورة المسيحيين، على كافَّة المُستويات، فالمُحاور المُسلم المُتخصِّص عليه أن يصلّ إلى أعلى درجة عِلْمية ومعرفية مُمكنة، ولكنَّه يُحاور كلّ مسيحي على قَدْر عِلْمه ومعرفته.

هذه هي مُستويات الحوار الإسلامي المسيحي في تقديري: مُستوى عامَّة المسيحيين، ومُستوى المسيحي المُثقَّف، ومُستوى المسيحي المُتخصِّص.

أوّل مُستوى للحوار الإسلامي المسيحي هو الذي لا يخرج عن نُصُوص الكتاب المُقدَّس، والمُستوى الذي بعده هو الذي يتطرَّق إلى المراجع الإيمانية الحاشاوية أو الأكاديمية العِلْمية، أيّ أنَّ الحوار يكون من خلال مراجع أخرى بالإضافة إلى نصّ الكتاب المُقدَّس، ولكنَّها مراجع يستطيع المسيحي البسيط أن يصل إليها بسهولة، والمُستوى الذي بعده هو الذي يحتاج إلى معرفة لُغات أجنبية، مثل اللغة الإنجليزية، أو لغات الكتاب المُقدَّس الأصلية، العبرية واليونانية، والحوار في هذا المُستوى غالباً ما يكون عن الأُصُول، سواء كانت مصادر نصّ الكتاب المُقدَّس، أو مصادر التُّراث المسيحي، مثل كتابات الآباء الأوائل.

غالباً ما يحتاج المُسلم إلى دراسة أكثر من مُستوى عِلْمي في مُختلف مجالات دراسة المسيحية حتى يكون قادراً على مُحاورة المسيحي المُتخصِّص، ولكن تفصيل هذا ليس مجاله الآن.

أهمّ المراجع الحُجَّة على المسيحيين

الكتاب المُقدَّس

أوّل وأهمّ مرجع حُجَّة على المسيحيين هو الكتاب المُقدَّس، وهو المصدر الأوَّل من مصادر التَّقليد المسيحي كما شرحنا سابقاً، وهو كتاب الصَّدارة لدى المسيحيين، وحَجَر الأساس لكلّ الدِّيانة المسيحية.

هُناك أكثر من استخدام للكتاب المُقدَّس كحُجَّة على المسيحيين.

الاستخدام الأوَّل هو ما أُسمِّيه: نُصُوص كتابية ضدّ المسيحية، أيّ أنَّك تقوم باستخراج النُّصُوص الكتابية التي تُخالف العقائد المسيحية الرَّئيسية المُتعلِّقة بالثالوث والتَّجسُّد والصَّلب والفداء، وكذلك عصمة ووحي الكتاب المُقدَّس. المسيحي بطبيعة الحال لا يستطيع أن يَرُدّ نُصُوص الكتاب المُقدَّس، ولكنَّه سيناقش فقط تفسير النَّصّ.[[4]]

الاستخدام الثاني هو الرُّجُوع للنُّسخ النَّقدية، بما فيها من مداخل، وهوامش، وأدوات أخرى، مثل الإشارة إلى النُّصُوص المُقابلة، وخرائط، وملاحق أخرى مُتنوِّعة. وقد فصَّلنا في هذا مُسبقاً.[[5]]

لاحظ أنَّ المعلومة عندما تكون مُستخرجة من نُسخة للكتاب المُقدَّس تُصبح ذات قيمة خاصَّة، حتى إذا كانت المعلومة المُقتبسة ليست من نصّ الكتاب المُقدَّس فعلاً، ولكنَّها مأخوذة من مدخل أو من هامش.

الاستخدام الثالث هو مُقارنة النُّسخ والتَّرجمات المُختلفة لاستخراج مواضع الاختلاف لبيان التَّحريف، فمعلوم – كما قُلنا سابقاً – أنَّ الاختلافات الموجودة بين نصّ النُّسخ والتَّرجمات عبارة عن انعكاسات للاختلافات الموجودة بين المخطوطات القديمة، الناتجة عن التَّحريف الذي حَدَثَ أثناء نَسْخ النَّصّ وانتقاله تاريخياً.

تستطيع أيضاً المُقارنة بين طريقة ترجمة النَّصّ نفسه، وليس مُجرَّد المُقارنة لاكتشاف الاختلافات النَّصِّية، وهكذا تستطيع من خلال مُقارنة طريقة ترجمة النَّصّ بين النُّسَخ والتَّرجمات المُختلفة أن تصل إلى تحريفات تمَّت في التَّرجمة.

لاحظ أيضاً أنَّ الرُّجُوع لمصادر نصّ الكتاب المُقدَّس يُعَدّ استخداماً آخر للكتاب المُقدَّس، فإنَّ هذه المصادر القديمة، من مخطوطات بلُغات الكتاب المُقدَّس الأصلية، وترجمات قديمة، ما هي إلَّا نُسَخ أثرية للكتاب المُقدَّس.

وبالرَّغم من أنَّ هذا الاستخدام يُعتبر مُستوى مُتقدِّم جداً في الحوار، لا يفهم فيه إلَّا المُتخصِّصين من المسيحيين، إلَّا أنَّه محسوبٌ ضِمْن استخدامات الكتاب المُقدَّس كحُجَّة على المسيحيين، وعلى كلّ حال، أنتَ تستطيع الرُّجُوع للمراجع العربية، وبعض نُسخ الكتاب المُقدَّس النَّقدية، التي تتكلَّم عن التَّحريف الذي حدث للمخطوطات أثناء انتقال نصّ الكتاب تاريخياً، بدلاً من الرُّجُوع لنصّ المخطوطات نفسها باللُّغات الأصلية.

اللِّيتورجيا

قُلنا سابقاً أنَّ اللِّيتورجيا هو ببساطة كلّ ما يُمارس من طُقُوس وعبادات داخل الكنيسة، ولكنَّ يجب أن نُؤكِّد أنَّ اللِّيتورجيا تُعتبر من أقوى الحُجَج على المسيحيين، لأنَّ المسيحي بطبيعة حاله مُرتبط ارتباطاً وثيقاً بالكنيسة، واللِّيتورجيا مُتعلِّقة بكلّ ما يُمارس في الكنيسة، وهكذا لا يستطيع المسيحي أن يُنكر منها شيء، لأنَّه غالباً يقوم بمُمارستها فعلاً في الكنيسة، فإنَّ عامَّة المسيحيين يعرفون من اللِّيتورجيا أكثر ممَّا يعرفون عن الكتاب المُقدَّس!

من أهمّ ما يدخل تحت باب اللِّيتورجيا: أسرار الكنيسة السَّبعة، والقُدَّاسات، وصلوات السَّواعي، وقد قُمتُ بشرح كلّ هذه الأُمُور في سلسلة العقائد المسيحية الأرثوذكسية، فنرجو مُراجعتها.[[6]]

اللِّيتورجيا تحتوي على بيان للمُمارسات الشِّرْكِيَّة، والكُفْرِيَّة، وفي بعض الأحيان غير الأخلاقية، التي يُمارسها المسيحي في الكنيسة، فهي من المراجع التي نلجأ إليها لإقرار المسيحي على باطله، ولبيان بشاعة دينه وعباداته.

أسرار الكنيسة السَّبعة

أسرار الكنيسة السَّبعة تُعتبر من أهمّ أقسام اللِّيتورجيا، فهي عبارة عن أهمّ المُمارسات الطَّقسية في الكنيسة التَّقليدية، وهُناك مؤلَّفات كثيرة جداً تشرح أسرار الكنيسة السَّبعة بالتَّفصيل، وكلّ سرّ من الأسرار ينقسم إلى ركنين رئيسيين، الرُّكن الأول عبارة عن طقس مُعيَّن يُمارسه الكاهن، أيّ بعض الأفعال التي يُمارسها، والرُّكن الثاني عبارة عن صلاة يتمّ تلاوتها، سواء من قِبَل الكاهن نفسه، أو من قِبَل المسيحي الذي يُريد أن يحصل على بركة السِّرّ.

وترجع قُدسية هذه الأسرار إلى اعتقاد الكنائس التَّقليدية التي تؤمن بأنَّ الإله يحلّ على المسيحي أثناء مُمارسة الكاهن لهذه الأسرار المُقدَّسة، وهكذا يحصل المسيحي على بركة السِّرّ المُقدَّس، فهذه الأسرار عند المسيحيين بمثابة أقدس العبادات التي من خلالها يحلّ عليهم الإله ويحصلون منه على البركات والتَّقديس والغُفران.

القُدَّاسات وصلوات السَّواعي

أمَّا القُدَّاسات، فهي أيضاً عبارة عن صلوات مُقدَّسة تفاعلية بين الكاهن والشعب الكنيسة، وغالباً ما تتمّ عندم ممارسة سرّ الأفخارستيا، وهو سرّ من أسرار الكنيسة السَّبعة، ويُعدى أيضاً بسرّ التَّناول، والتي فيها يتناول المسيحي الخُبز والخمر، ولكنَّه يعتقد أنَّهما يتحوَّلان إلى لحم ودم الإله المُتجسِّد، الذي هو المسيح عليه السَّلام حسب عقائدهم.

هذه القُدَّاسات عبارة عن صِياغات للعقائد المسيحية على هيئة صلوات يتمّ تلاوتها، فهُناك القُدَّاس «الكيرلِّسي»، و «الباسيلي»، و «الغريغوري»، وهذه القُدَّاسات تتكلَّم عن الثالوث، والتَّجسُّد، والصَّلب والفِداء، ومريم عليها السَّلام، وبعض العقائد والطُّقُوس المسيحية الأخرى. وهكذا يتفاعل المسيحي مع هذه العقائد عن طريق تلاوة نصّ القُدَّاس، فتلاوة القُدَّاس عند المسيحيين بمثابة قراءة القرآن الكريم عند المسلمين!

هذه القُدَّاسات تمّ جمعها في كتاب اسمه «الخولاجي»[[7]]، وهو الكتاب الحاوي لصلوات القُدَّاس الإلهي، فالحُصُول على نصّ القُدَّاسات ليس مُشكلة، ولكنَّ الأهمّ هو أن تُدرك أهمّيّة نصّ هذه القُدَّاسات عند المسيحيين، فقد تجد بعض عامَّة المسيحيين الذي لا يعرفون شيئاً عن نصّ الكتاب المُقدَّس، ولكنَّهم يحفظون نصّ القُدَّاسات عن ظهر قلب، لأنَّهم يتلون هذه القُدَّاسات في الكنيسة كثيراً، ولكنَّهم نادراً ما يقرؤون الكتاب المُقدَّس!

صلوات السَّواعي لا تقلّ أهمّيّة عن القُدَّاسات، فإنَّ الكنيسة التَّقليدية قامت بإعداد بعض الصَّلوات التي يتلوها المسيحي في أقوات مُعيَّنة، هذه الصَّلوات يُطلق عليها اسم «صلوات السَّواعي»، أي الصَّلوات التي يتلوها المسيحي في ساعات مُعيَّنة من اليوم.

هذه الصَّلوات عبارة عن تجميع بين بعض النُّصُوص الكتابية، خُصُوصاً من سفر المزامير، بالإضافة إلى بعض الصَّلوات أو الأدعية التي وضعتها الكنيسة، وقد تمّ جمع هذه الصَّلوات في كتاب اسمه «الأجبية»[[8]]، وهي كلمة قبطية مأخوذة من الكلمة القبطية التي تعني ساعات أو أوقات.

كتاب الأجبية هذا مُنتشر بين المسيحيين أكثر من الكتاب المُقدَّس نفسه! فقد تجده في جيب كلّ مسيحي مُلتزم بتعاليم الكنيسة، لأنَّه يحتاج للرُّجُوع إلى نصّ الصَّلوات عندما تأتي ساعة الصَّلاة المُحدَّدة. هذه الصَّلوات تحتوي على صياغات تعبُّدية للعقائد المسيحية المشهورة، بالإضافة إلى الكثير من النُّصُوص الكتابية.

ملحوظة هامَّة

الكنائس التَّقليدية فقط هي التي تقبل اللِّيتورجيا كُحجَّة دينية عليهم. هذا يعني أنَّ الكنائس البروتستانتية الإنجيلية في الغالب لا تُمارس هذه القُدَّاسات ولا الأسرار المُقدَّسة، وإن مارسوا بعض الأسرار، فإنَّهم يُمارسونها لمُجرَّد المُمارسة البحتة، ولا يعتقدون أنَّها أسرار مُقدَّسة، وأنَّ الإله يحلّ على الإنسان وقت ممارستها.

في الوقت نفسه، قد تجد بعض عامَّة المسيحيين الذين لا يعرفون شيئاً عن الأسرار أو القُدَّاسات أو صلوات السَّواعي بسبب عدم التزامهم بالذَّهاب للكنيسة بشكل دوري. ومثل هؤلاء يتمّ مُناقشتهم من خلال نُصُوص الكتاب المُقدَّس فقط، أو يتمّ فتح نقاش حول حُجِّية التَّقليد وأهميته، من خلال المؤلَّفات التي تتكلَّم عن التَّقليد وأهميته، وأنَّ الكتاب المُقدَّس وحده لا يكفي لمعرفة كل ما يجب على المسيحي القيام به من عبادات وصلوات.

كتابات آباء الكنيسة الأوائل

تكلَّمنا من قبل عن أهمّيّة آباء الكنيسة الأوائل، وحُجِّيَّتهم على المسيحي، فإنَّ الآباء في الحقيقة هُم الذين وضعوا الدِّيانة المسيحية، بما فيها من عقائد وعبادات وطُقُوس، والآن سنُفصِّل أكثر في كيفية استخدام كتابات الآباء كحُجّة على المسيحيين.

يجب أن نعرف أنَّ كتابات الآباء تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول هو كتابات آباء ما قبل نقية 325م، وهو يجمع الآباء الذين عاشوا بدايةً من نهاية القرن الأوَّل الميلادي، انتهاءً بالآباء الذين ماتوا قبل المجمع المسكوني الأوَّل، نقية 325م.

يتمّ الرُّجُوع إلى كتابات الآباء الذين عاشوا في هذه الحقبة لبيان أنَّ العقائد المسيحية الرَّئيسية كانت تطوَّر مع الزَّمن، فعند الاطِّلاع على عقائد هؤلاء الآباء، كما دوَّنوا في كتاباتهم، سنجد أنَّ عقائدهم مُختلفة بشكل كبير جداً عن العقائد التي يؤمن بها المسيحي اليوم، أو تلك التي تم إقرارها في المجامع المسكونية، وهذه المسألة تضرب المسيحية في مقتل، فكيف لهم أن يدَّعوا أنَّهم على نفس ما كان عليه المسيح عليه السَّلام وأصحابه، وعقائدهم مُختلفة عن الآباء الذين عاشوا قبل مجمع نقية 325م؟!

يتمّ أيضاً الرُّجُوع إلى هذه الكتابات لمعرفة أشكال المسيحية المُختلفة التي كانت موجودة بعد رفع المسيح عليه السَّلام إلى السَّماء، فإنَّ الآباء الذين عاشوا قبل مجمع نقية 325م كتبوا عن بعض الهراطقة (المهرطقين) الذين كانوا مُعاصرين لهم، من خلال هذه الحوارات اللاهوتية التي كانت تدور بين الآباء والهراطقة، نستطيع أن العقائد المسيحية المُختلفة التي كان يعتقدها المسيحيون الأوائل في الإله، وفي المسيح عليه السَّلام، وفي كيفية دُخُول الجنَّة، وغيرها من المسائل العقائدية الهامَّة التي كان فيها خلاف بين المسيحيين الأوائل.

والقسم الثاني هو كتابات آباء عصر المجامع، بدايةً من مجمع نقية 325م، وانتهاءً بالانشقاق الذي حدث بين الكنائس الأرثوذكسية الشَّرقية والكنيسة الكاثوليكية الغربية في مجمع خلقيدونية 451م.

هذه الحقبة تحتوي على العقائد المسيحية بعد أن تطوَّرت، وكما اتَّفق عليها الآباء في المجامع المسكونية، وعليها ينبغي أن يكون كلّ المسيحيين في العالم، من أرثوذكس وكاثوليك وبروتستانت، فيما عدى الاختلافات العقائدية التي سبَّبت انشقاقات، وهي المُتعلِّقة بطبيعة المسيح عليه السَّلام، وانبثاق الرُّوح القُدُس.

نرجع إلى كتابات هذه الحقبة من أجل إقرار المسيحي على باطله، وبيان بشاعة مُعتقداته، وأيضاً لمواجهة الأفكار التَّنصيرية التي تُنشر بين المُسلمين لإقناعهم بترك دينهم، فنُقارن الأفكار التَّنصيرية بما هو موجود في كتابات آباء عصر المجامع لبيان أنَّ الذي يتمّ ترويجه بين المُسلمين على أنَّه المسيحية، مخالف للمسيحية التي وضعها الآباء في المجامع المسكونية.

والقسم الثالث هو كتابات الآباء المُعاصرين، بدايةً من الآباء الذين ما زالوا على قيد الحياة، انتهاءً بالآباء الذين عاشوا في العُصُور الوسطى، في القرنين الخامس والسَّادس عشر الميلادي.

الاهتمام في الغالب يكون بالآباء الذين ما زالوا على قيد الحياة، أو الذين يعرفهم عامَّة المسيحيين بشكل أفضل، ولكن في بعض الأحيان نحتاج للرُّجُوع إلى بعض الآباء الذين عاشوا في العُصُور الوسطى، مثل قادة الثَّورة البروتستانتية، أو بعض آباء الكنيسة الكاثوليكية الذين حاربوا الثَّورة البروتستانتية. لعلّ بعض الدَّارسين يُصنِّفون آباء العُصُور الوسطى كحقبة مُستقلَّة ثالثة، ثمَّ الآباء المُعاصرون يأتون كحقبة رابعة.

هذه الحقبة هي التي تحتوي على نوعيّ المراجع الإيمانية، التَّاريخية منها والتَّنصيرية، ويتمّ الرُّجُوع إليها لسببٍ من هذه الأسباب الثَّلاثة، إمَّا لإقرار المسيحي على باطله فيما يخصّ عقائده المسيحية الرَّئيسية، أو من أجل فضح أكاذيب هؤلاء الآباء فيما يخُصّ مؤلَّفاتهم التَّنصيرية، أو من أجل الخروج ببعض الحقّ الذي يعترفون به فيما يخصّ الكتاب المُقدَّس أو أي معلومات أخرى نستطيع أن نحتج بها على المسيحي.

ملحوظة هامَّة

نستطيع الحُصُول على نصّ كتابات الآباء الأوائل من أكثر من مرجع، أشهرها الموسوعات الإنجليزية العالمية، مثل موسوعة آباء ما قبل نقية ANF، وموسوعة آباء نقية وما بعدها NPNF، وقد تكلَّمنا عن هاتين الموسوعتين سابقاً[[9]]، ولكنَّ الغالبية العُظمى من كتابات الآباء الأوائل تمّ ترجمتها إلى اللغة العربية، سواء في مصر أو في بيروت، ولكن يجب مُلاحظة أمر في غاية الأهمية فيما يخُصّ التَّرجمات العربية لكتابات الآباء الأوائل.

هُناك ترجمات علمية مُمتازة لكتابات الآباء الأوائل، مثل التي تُصدرها «المركز الأرثوذكسي للدِّراسات الآبائية»، هذه التَّرجمات العلمية تحتوي على مداخل مُمتازة تتكلَّم عن حياة الأب صاحب الكتاب، ومؤلّفاته الأخرى، وسيرته، وتُعطي أحياناً بعض المعلومات الهامَّة جداً عن مخطوطات الكتاب الذي يُترجم، وبأيّ لُغات تمّ تدوين الكتاب، ومعلومات أخرى نقدية رائعة يُمكن استخدامها في نقد موثوقية ومصداقية كتابات الآباء.

في كثير من الأحيان، نجد أيضاً في هذه التَّرجمات العلمية مُلخَّصات رائعة للأفكار التي يتناولها الأب في كتابه، وكثيراً ما نجد هوامش في الكتاب، تحتوي على بعض الشُّرُوحات أو التَّعليقات على كلام الأب، أو إشارة للنُّصُوص التي يقتبسها الأب في كتابه، أو أي معلومات أخرى مُفيدة تُساعد على فهم كتاب الأب.

مثل هذه التَّرجمات العلمية هي التي تُفيد في النِّقاش والبحث، ونحن نُشجِّع المسيحيين على استكمال هذا الطَّريق الطَّويل في ترجمة كلّ كتابات الآباء الأوائل، خُصُوصاً الآباء القسم الأول، آباء ما قبل نقية 325م.

النَّوع الثَّاني من التَّرجمات، هي التَّرجمات الإيمانية الحاشاوية، وهي التي في بعض الأحيان لا تقوم بترجمة كلام الأب بشكل صحيح، بل تقوم بإعادة صياغة كلام الأب، لتكون التَّرجمة مُوافقة العقائد المسيحية التي تمّ إقرارها في المجامع المسكونية، وهذا يحدث بشكل أكبر عند ترجمة كتابات آباء ما قبل نقية 325م، في مُحاولة خبيثة لإخفاء الاختلافات العقائدية الموجودة بين هؤلاء الآباء، وبين الآباء الذين عاشوا في عصر المجامع المسكونية.

نجد أيضاً في كثير من الأحيان، أنَّ هذه التَّرجمات الإيمانية الحاشاوية قد تقوم بحذف بعض الفقرات التي تحتوي على معلومات صادمة للمسيحي، مثل الإقرار بتحريف الكتاب المُقدَّس بشكلٍ أو بآخر، أو مثل الإقرار بأنَّ المسيحي تتَّفق مع العقائد الوثنية في مسائل كثيرة جداً، وغيرها من المعلومات التي نجدها في كتابات الآباء الأوائل.

نجد أيضاً أنَّ هذه التَّرجمات الإيمانية الحاشاوية تقوم بإعادة صياغة اقتباسات هؤلاء الآباء الأوائل لنُصُوص الكتاب المُقدَّس، ونحن نعلم قطعاً ولا شكّ أنَّ نصّ الكتاب المُقدَّس تغيَّر عبر الزَّمن، وأنَّ الآباء الأوائل اقتبسوا نُصُوص الكتاب المُقدَّس ليستخدموها في شرحهم للعقائد المسيحية، ومن المعلوم أنَّ اقتباسات الآباء الأوائل لنُصُوص الكتاب المُقدَّس تُمثِّل نصّ الكتاب المُقدَّس بشكلٍ مُبكِّرٍ نوعاً ما.

وهكذا نجد أنَّ بعض المُترجمين يستبدلون نصّ اقتباس الآباء الأوائل للنُّصوص، ويضعون مكانها ترجمة الفاندايك! وكأنَّ هذا الأب الذي عاش في القرون المسيحية الأولى، وكان يتكلَّم إمَّا اليونانية أو اللاتينية أو السريانية، كان يقتبس نُصُوص الكتاب المُقدَّس من ترجمة الفاندايك العربية التي تمّ الانتهاء منها في عام 1865م!

الأيقونات

هُناك بالطَّبع مؤلَّفات خاصَّة تتكلَّم عن الأيقونات والبناء الكنسي، والألحان في أغلب الأحيان تدخل ضمن الصَّلوات والقُدَّاسات التي تكلمنا عنها سابقاً. ولكن على كلّ حال، فإنَّ الأيقونات لها قداسة خاصَّة عند عامَّة المسيحيين، وكثيراً ما نجدهم يركعون أمام هذه الصور، ويدعونها، ويتضرَّعون إليها، هذا لأنَّهم يعتقدون أنَّ هذه الأيقونات مُقدَّسة، وأنَّ الرُّوح القُدُس حلّ في هذه الصور، فهي لم تعد مُجرَّد جمادات، ولكنَّها كائنات حلّ فيها الإله، وأصبحت الأيقونات وسيلة للتَّواصل بين المسيحيين والإله!

المسيحي يعتقد أنَّ هذه الأيقونات ترمز لعقائده المسيحية، وهُناك مؤلَّفات خاصَّة عبارة عن ألبومات لأشهر الأيقونات التي يُقدِّسها عامَّة المسيحيين، سواء كانت للثالوث، أو للمسيح عليه السَّلام، أو لمريم عليها السَّلام، أو لأحد الآباء أو القدِّيسين. ويستطيع المُسلم أن يستشهد بهذه الأيقونات على أتباع الكنائس التَّقليدية.

الحمد لله الذي بنعمته تتمّ الصَّالِحات


[1] التَّسجيل موجود على اليوتيوب بعُنوان: «تعليق الأخ وسام عبد الله على الأدمن سارة حاشا» http://youtu.be/wfpml-sPBt4

[2] تابعوا الصَّفحات التَّالية:

فيديوهات: مدخل إلى دراسة الكتاب المقدس http://goo.gl/vfw0zi

أدوات دراسة الكتاب المقدس http://goo.gl/yypXRI

مراجع علمية لدراسة الكتاب المقدس http://goo.gl/HdZBYp

[3] تابعوا الصَّفحات التَّالية:

مكتبة المراجع المسيحية http://eld3wah.net/catplay.php?catsmktba=423

مخطوطات الكتاب المقدس http://eld3wah.net/catplay.php?catsmktba=304

[4] راجع ملزمة: نُصُوص كتابية ضِدّ المسيحية https://alta3b.com/2012/04/27/nosoos

[5] راجع: ما هي الأنواع المُختلفة من نُسَخ الكتاب المُقدَّس؟ https://alta3b.com/2014/10/18/bible-versions

[6] العقائد المسيحية الأرثوذكسية:

الملزمة الأولى https://alta3b.com/2012/12/18/masdogma-1

الملزمة الثانية http://alta3b.com/2012/12/19/masdogma-2

[7] الخولاجي من موقع الأنبا تكلا http://goo.gl/0tX3QR وهذا رابط آخر http://goo.gl/PvnkBW

[8] الأجبية من موقع الأنبا تكلا http://st-takla.org/Agpeya_.html

[9] راجع: ما هي المصادر الأخرى بجانب الكتاب المُقدَّس؟ https://alta3b.com/2014/10/21/christ-sources

بسم الله الرحمن الرحيم

سلسلة فيديوهات: مَدْخَلٌ إلَى دِرَاسَةِ الكِتَابِ المُقدَّسِ

فيديو (04): ما هي الأنواع المُختلفة من نُسَخ الكتاب المُقدَّس؟ (تحميل PDF)

إعداد: أبو المُنتصر محمد شاهين التاعب

تفريغ: خادم الإسلام أبو بكر مُصطفى الشامي

تعلَّمنا أنَّ هُناك أنواع مُختلفة كثيرة من نُسَخ الكِتاب المُقدَّس، وقد تكلَّمنا عن أنواع النُّسَخ المُقسَّمة حَسَب المُحتوى، فهناك نُسَخ كاملة، وهناك نُسَخ تحتوي على عهدٍ واحدٍ فقط، القديم أو الجديد، وهُناك نُسَخ تحتوي على مجموعة مُعيَّنة من الكُتُب، وهُناك نُسَخ عبارة عن سفرٍ واحدٍ فقط مطبوع على حِدى.

الآن سنتكلَّم عن أنواع أخرى من نُسَخ الكتاب المُقدَّس، ألَا وهي: النُّسَخ التَّقليدية والنَّقدية، النُّسَخ العادية والدِّراسية.

النُّسَخ النَّقدية والنُّسَخ التَّقليدية

نحن نعلم يقيناً أنَّ النُّسَخ الأصلية للكتاب المُقدَّس مفقودة، وقد تمَّ تحريف نصّ الأسفار المُقدَّسة أثناء انتقال النَّص تاريخياً عن طريق النَّسْخ اليدوي، وهكذا نجد أنَّ المخطوطات القديمة للكتاب المُقدَّس التي بين أيدينا الآن مليئة بالاختلافات، والاختلافات نتيجة للتَّحريف الذي حدث أثناء عملية النَّسْخ!

لذلك نشأ عِلْم النَّقد النَّصِّي، وهو فرعٌ من فُرُوع عِلْم النَّقد الكِتابي، وهدفه: دراسة المخطوطات القديمة من أجل الوُصُول لأقدم وأصحّ شكل للنَّص المُقدَّس.

النُّسَخ النَّقدية هي النُّسَخ المَبْنِيَّة على عِلْم النَّقْد النَّصِّي، أي أنَّها مبنِيَّة على النَّصّ الموجود في أقدم مخطوطات الكتاب المُقدَّس. أمَّا النُّسَخ التَّقليدية، فهي النُّسَخ المبنِيَّة على نص تقليدي مُتأخِّر وسيِّئ جداً.

النَّصّ التَّقليدي العبري للعهد القديم هو المُسمَّى بـ “النَّصّ الماسوري“، ويرجع لبدايات القرن 11م.

والنَّصّ التَّقليدي للعهد الجديد هو المُسمَّى بـ “النَّصّ المُسْتَلَم“، ويرجع لبدايات القرن 16م.

اليهود والنَّصارى قبلوا هذه النُّصُوص المُتأخِّرة، ومعنى الاستلام في مُسمَّى “النَّصّ المُسْتَلَم” هو التَّلقِّي بالقبول، كمن يهدي إليك هدية، فتتسلَّمها منه، أي أنك قبلت الهدية منه.

وهذه النُّصُوص المُستلمة، سواء للعهد القديم العبري أو العهد الجديد اليوناني، نُصُوص مُتأخِّرة جيداً وفي غاية السُّوء، بمعنى أنها جاءت بعد كلّ عمليات التَّحريف المُمكنة، وكل ما في الموضوع هو قبول هذه النُّصُوص من قبل رؤساء الدِّين اليهودي والمسيحي، واعتبروها تُمثِّل نصّ كتابهم المُقدَّس، بغضّ النَّظر عن قِدَم النَّص وموثوقيته وجودته وكمّ التَّحريف الذي وقع فيه على مدى قُرُون طويلة!

النُّسَخ العادية والنُّسَخ الدِّراسية

النُّسَخ العادية هي التي تحتوي فقط على نصّ الأسفار المُقدَّسة، ولا تحتوي على أي أدوات تساعد على فهم النَّصّ بشكل أعمق وأفضل. أمَّا النُّسَخ الدِّراسية، فهي التي تحتوي على أدوات كثيرة جداً ورائعة تساعد على فهم أعمق وأدق للنُّصُوص المُقدَّسة، كالمداخل، والهوامش والتَّعليقات، والإشارة إلى النُّصُوص المُقابلة.

المداخل عبارة عن مجموعة قيِّمة من المعلومات، تُمهِّد لك الطَّريق قبل قراءة الأسفار، فتُعطيك لمحات تاريخية ومعلومات مُتنوِّعة عن الكَتَبة والمخطوطات وبعض الإشكاليات، لتفهم بشكلٍ أفضل، فأحياناً تجد مدخلاً عن الكتاب المُقدَّس ككُلّ، ومدخلاً عن كل عهد ككُلّ، ثم مدخلاً مُستقِلًّا قبل كل سفر.

الهوامش والتَّعليقات تحتوي أحياناً على تفسير للنُّصُوص، وشرح بعض الكلمات، والإشارة إلى بعض الإشكاليات التي وُجِدَت عند دراسة النُّصُوص، بالإضافة إلى الإشارة إلى النُّصُوص المُقابلة من الأسفار الأخرى.

والمقصود بـ “النُّصُوص المُقابلة” هو نصّ مُشابه لما تقوم بقراءته حالياً، سواء في حرفيَّة النَّص، أو في معناه. على سبيل المثال: في كثير من الأحيان، نجد اقتباسات لنُصُوص العهد القديم أثناء قراءة نص العهد الجديد، وهكذا نجد في النُّسخ الدِّراسية إشارات إلى أماكن النُّصُوص المُقتبسة في العهد القديم. كذلك عند قراءة إنجيل من الأناجيل، قد تجد هذه القصَّة مذكورة أيضاً في إنجيل آخر من الأناجيل، فتقوم النُّسَخ الدِّراسية بالإشارة إلى مكانها. أي أنَّ النُّسَخ الدِّراسية تُساعدك على مُقارنة النُّصُوص المُتشابهة.

كيف نعرف اسم النُّسخة أو التَّرجمة التي بين أيدينا؟

يُمكننا معرفة اسم النُّسخة أو التَّرجمة التي نستخدمها بأكثر من وسيلة، إمَّا من خلال الغلاف مُباشرة، أو من خلال صفحة معلومات الكتاب الموجودة خلف الغلاف الداخلي، والذي يحتوي على معلومات رقم الطَّبعة ودار النَّشر … إلخ، أو من خلال مُقدِّمة النُّسخة نفسها.

أحياناً تجد اسم النُّسخة مطبوعاً على الغلاف بشكل واضح، مثل نُسخة “كتاب الحياة” والتي تحتوي أيضاً على نُسخة إنجليزية اسمها: New International Version.[[1]]

وأحياناً لا تجد على الغُلاف إلَّا عبارة “الكتاب المُقدَّس” أو “العهد القديم” أو “العهد الجديد“، حينئذٍ نستطيع معرفة اسم النُّسخة من الدَّاخل، سواء من صفحة معلومات النُّسخة في ظهر الغلاف الدَّاخلي، أو من خلال المُقدِّمة التَّعريفية للنُّسخة.

للأسف الشَّديد، عامَّة المسيحيين لا يعرفون شيئاً عن الأنواع المُختلفة لنُسخ الكتاب المُقدَّس، ولا عن الاختلافات التي بينها، ولكنَّنا نعرف أنَّ الغالبية العُظمى من المسيحيين العرب في الشرق الأوسط، وخُصُوصاً في مصر،  يستخدمون ترجمة الفاندايك التَّقليدية.

كيفية معرفة النُّسَخ التَّقليدية من النُّسَخ النَّقدية

نستطيع أن نعرف ما إذا كانت النُّسخة التي بين أيدينا تقليدية أم نقدية بطريقتين.

الطَّريقة الأولى هي مُراجعة المُقدِّمة التَّعريفية للنُّسخة، فقد تجد بشكل صريح أنَّ اللجنة القائمة على التَّرجمة رجعت إلى نُسخ نقدية أو دراسات نصِّيَّة، مثل ما نجده في التَّرجمة العربية المُشتركة، فقد ذكرت أنَّ “التَّرجمة استندت إلى أفضل النُّصُوص المطبوعة للكتاب المُقدَّس“، ثم قامت بذكر أسماء النُّسخ النَّقدية التي رجعت إليها، ألَا وهي نُسخة “شتوتغارت” العبرية للعهد القديم، ونُسخة “نسله – آلاند” ونُسخة “اتِّحاد جمعيّات الكتاب المُقدَّس UBS” اليونانية للعهد الجديد.

وفي بعض الأحيان تجد عبارات في مُقدِّمات النُّسخ النَّقدية تُشير إلى أنَّ النَّص مُترجم عن اللغات الأصلية حسب أحد نشرة علمية، أو أنَّها اعتمدت على البُحُوث والتَّرجمات الحديثة، أو أحدث الدِّراسات الكتابية، أو أي عبارة أخرى تُفيد أن اللجنة المسئولة لم ترجع إلى مرجع تقليدي قديم، وإنَّما إلى مرجع حديث مبني على دراسات وأبحاث ومقارنات.

الطريقة الأخرى هي فحص النَّص نفسه، لمعرفة ما إذا كانت النُّسخة مُعتمدة على الشَّكل التَّقليدي للنَّص، أم على الشَّكل النَّقدي الموجود في أقدم المخطوطات، فهُناك نُصُوص مُعيَّنة لها أكثر من شكل في المخطوطات، فقد تجد أنَّ النًّص له شكل طويل في النَّص التَّقليدي والمخطوطات المُتأخِّرة، أمَّا في النُّسخ النَّقدية المبنية على أقدم المخطوطات، تجد أنَّ النَّص له شكل قصير، وليس بحجم النَّص التَّقليدي.

مثال على ذلك، نصّ الثَّالُوث المشهور، الموجود في يوحنا الأولى 5 / 7-8.[[2]]

نجد أنَّ النَّص له شكل طويل في النُّسخ التَّقليدية والمخطوطات المتأخِّرة، وهذا هو النَّصّ كما نجده في ترجمة الفاندايك التَّقليدية: “فَإِنَّ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ فِي السَّمَاءِ هُمْ ثَلاَثَةٌ: الآبُ، وَالْكَلِمَةُ، وَالرُّوحُ الْقُدُسُ. وَهَؤُلاَءِ الثَّلاَثَةُ هُمْ وَاحِدٌ. وَالَّذِينَ يَشْهَدُونَ فِي الأَرْضِ هُمْ ثَلاَثَةٌ: الرُّوحُ، وَالْمَاءُ، وَالدَّمُ. وَالثَّلاَثَةُ هُمْ فِي الْوَاحِدِ“.

أمَّا في النُّسخ النَّقدية المبنية على أقدم المخطوطات، فنجد أنَّ النَّص أقصر بكثير، وهذا هو النَّصّ كما نجده في التَّرجمة العربية المُشتركة (النَّقدية): “والذين يشهدون هم ثلاثة، الروح والماء والدم، وهؤلاء الثلاثة هُم في الواحد“.

هُناك أمثله أخرى كثيرة على نُصُوص نفحصها لمعرفة نوع النُّسخة، مثل:

نصّ إنجيل متى 18 / 11، ستجد أنَّ النَّصّ موجود بالكامل في النُّسَخ التَّقليدية، ومحذوف أو موضوع بين قوسين مُربَّعين في النُّسخ النَّقدية.

نصّ تيموثاوس الأولى 3 / 16، ستجد في النُّسَخ التَّقليدية أنَّ النَّصّ يقول “الله ظهر في الجسد“، أمَّا في النُّسَخ النَّقدية فستجد أنَّ النَّصّ يقول: “الذي ظهر في الجسد“.

إذن، من خِلال مُعاينة النَّص وفحصه، يُمكننا معرفة ما إذا كانت النُّسخة نقدية أم تقليدية.

كيفية معرفة النُّسخة العادية من النُّسخة الدِّراسية

يُمكن معرفة ذلك بمُنتهى البساطة بمُجرَّد تصفُّح سريع للنُّسخة. فإذا كانت نُسخة دراسية، ستجد الهوامش والتَّعليقات في نهاية الصَّفحات، والمداخل قبل كلّ سفر، أمَّا إذا كانت نُسخة عادية، فلن تجد إلَّا نصّ الأسفار فقط.

ملحوظة: هُناك نُسَخ نقدية عادية، ونُسَخ نقدية دراسية، ونُسَخ تقليدية عادية، ونُسَخ تقليدية دراسية.

في النِّهاية أدركنا أنَّ هُناك أنواع مُختلفة كثيرة جداً من نُسَخ الكتاب المُقدَّس، مُقسَّمة حَسَب المُحتوى (كامل، عهد واحد، مجموعة مُعيَّنة، سفر واحد)، ونوع النَّص (تقليدي، نقدي) وطبيعة النُّسخة (عادية، دراسية).

أبرز الاختلافات بين نُسخ الكتاب المُقدَّس

        هُناك اختلافات كثيرة جداً بين نُسخ الكتاب المُقدَّس المُختلفة، ولكن أبرزها من حيث عدد الأسفار، ومن حيث المُحتوي النَّصِّي للنُّسخة، ومن حيث طريقة التَّرجمة.

        في البداية يجب أن نُوضِّح أنَّ كلّ نُسخة من نُسخ الكتاب المُقدَّسة لابُدَّ وأن تكون تابعة لكنيسة أو طائفة مسيحية، وفي بعض الأحيان نجد نُسخاً للكتاب المُقدَّس تأتي نتيجة عمل مُشترك بين أكثر من كنيسة أو طائفة.

هُناك نُسَخ كاثوليكية، ونُسَخ بروتستانتية، ولكن لا توجد نُسَخ كاملة للكتاب المُقدَّس من إصدار الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، كانت هُناك بعض المُحاولات القديمة أيام البابا “كيرلُّس” السادس، ولكنَّها لم تكتمل.

ملحوظة: التَّرجمة العربية المُشتركة سُمِّيت “المُشتركة” لأنَّها “أوّل ترجمة وضعتها لجنة مؤلَّفة من عُلماء كتابيِّين ولاهوتيين ينتمون إلى مُختلف الكنائس المسيحية من كاثوليكية وأرثوذكسية وإنجيلية“. [تقديم التَّرجمة]

        نحن نعلم أنَّ ترجمة الفاندايك التَّقليدية نُسخة بروتستانتية بامتياز، وقد تكلَّمنا سابقاً عن بعض الأسفار المرفوضة من قِبَل البروتستانت[[3]]، ولكنَّها مقبولة من قِبَل الكنائس التَّقليدية: الأرثوذكس والكاثوليك، وهكذا نجد اختلافات بين نُسخ الكتاب المُقدَّس من حيث عدد الأسفار!

البروتستانت يؤمنون بكتاب يحتوي على 66 سفراً، والكنائس التَّقليدية من أرثوذكس وكاثوليك يؤمنون بكتاب يحتوي على 73 سفراً، وهذا اختلافٌ لا تعلمون عظيم!

اختلافات أخرى من حيث مُحتوى النَّصّ نفسه، وقد عرفنا مُنذ قليل أنَّ مُحتوى النَّصّ مُتوقِّف على كون النُّسخة تقليدية أو نقدية، بغض النَّظر عن كونها عادية أو دراسية.

هُناك بعض النُّصُوص – كما أشرنا مُنذ قليل – لها أشكال مُختلفة بين النُّسخ التَّقليدية والنُّسخ النَّقدية، قد تجد نصًّا في النُّسخ التَّقليدية ولا تجدها في النُّسخ النَّقدية، أو قد تجد النَّص أقصر ممَّا تجده في النُّسخ التَّقليدية.[[4]]

النُّصُوص المُستلمة للعهد القديم والعهد الجديد، والتي تعتمدها التَّرجمات التَّقليدية مثل الفاندايك، نصوص رديئة وسيئة ومُتأخِّرة جداً، فإنَّ نصّ العهد القديم يرجع إلى بدايات القرن 11م، ونصّ العهد الجديد يرجع إلى بدايات القرن 16م، ولا حول ولا قوّة إلَّا بالله العلي العظيم!

أمَّا النُّسَخ النَّقدية، فإنَّها تقوم بترجمة نصّ مُعتمد على أقدم المخطوطات الكتابية، والتي تمّ اكتشافها حديثاً في القرنين الماضيين، مثل مخطوطات قمران البحر الميت (بالنِّسبة للعهد القديم)، والبرديات المشهورة مثل “بودمر” و “تشستر بيتي“، وبعض المخطوطات الأخرى الشَّهيرة مثل: “السينائية” و “الفاتيكانية” و “السَّكندرية“.

هذه الاختلافات النَّصية التي نجدها بين النُّسخ التَّقليدية والنُّسخ النَّقدية نتيجة للتَّحريف الذي حدث أثناء انتقال النَّص تاريخياً بواسطة النَّسخ اليدوي، وهكذا نقول إنَّ أبسط وسيلة لكشف التَّحريف هي مُقارنة النُّسخ والتَّرجمات المُختلفة (مقارنة النُّسخ التَّقليدية بالنُّسخ النَّقدية)، لأنَّ الاختلافات بين النُّسخ والتَّرجمات تعكس التَّحريف الذي حدث في المخطوطات.

نُسخ الكتاب المُقدَّس تختلف أيضاً من حيث طبيعة ترجمة النَّصّ من اللُّغات الأصلية، فهناك حالات كثيرة جداً، تجد فيها أنَّ النَّص ليس له أي أشكال مُختلفة في المخطوطات القديمة، ولكنَّك تجد اختلافات جوهرية عندما تُقارن بين التَّرجمات المُختلفة لهذا النَّصّ.

التَّرجمة تتمّ أحياناً بدوافع إيمانية ولاهوتية، وكما قلنا منذ قليل، كل ترجمة من إصدار كنيسة أو طائفة مسيحية مُعيَّنة، ونحن نعلم أنَّ كل كنيسة لها عقائدها المُختلفة عن عقائد الكنائس الأخرى، لذا تقوم بنُصرة عقائدها عن طريق ترجمة النُّصُوص بطريقة تتوافق مع عقائدها.

وهكذا لا تكاد تجد نُسخة من نُسخ الكتاب المُقدَّس تقوم بترجمة النُّصُوص بطريقة توافق عقائد الكنيسة أو الطائفة التي أصدرتها، فعلى سبيل المثال: نعرف أنَّ البروتستانت عندهم عقائد مُيَّنة مُخالفة لعقائد الكنائس التَّقليدية، ولذلك عندما تتصَّفح التَّرجمات البروتستانتية، ستجد أنَّ النُّصُوص مُترجمة بالطريقة التي توافق عقائد البروتستانت، وهكذا الحال أيضاً في ترجمات الكاثوليك، يقومون بترجمة النُّصُوص بحيث توافق عقائدها الكاثوليكية وتدحض العقائد البروتستانتية.

وهكذا تجد حرباً عقائدية بين الطَّوائف المُختلفة أثناء ترجمة النُّصُوص.[[5]]

بعض الأُمُور  المُشتركة بين كلّ  نُسَخ الكتاب المُقدَّس

مع أهمية الاختلافات التي ذكرناها مُنذ قليل، إلَّا أنَّ نُسخ الكتاب المُقدَّس تحتوي على الكثير من الأمور المُشتركة، فإنَّ كلّ نُسخة من نُسخ الكتاب المُقدَّس تحتوي على “فهرس”، وكذلك نجد عناوين مُتشابهة قبل كل إصحاح أو كلّ مقطع، بالإضافة إلى أنَّ التَّقسيم إلى إصحاحات وأعداد واحد في كلّ نُسخ الكتاب المُقدَّس، وفي النِّهاية، نجد أنَّ كلّ نُسخ الكتاب المُقدَّس تحتوي على ملاحق، وبعض الخرائط والصّور التَّوضيحية.

الفهرس يُساعدك على تصفُّح الكتاب المُقدَّس، ويحتوي على أسماء الأسفار واختصاراتها، مع الإشارة إلى عدد إصحاحات كل سفر.

إذا كنت تتصفَّح نُسخة كاملة من الكتاب المُقدَّس، فإنَّك ستجد فهرس العهد القديم في بداية الكتاب قطعاً ولا شك، أمَّا فهرس العهد الجديد، فقد تجده مُباشرةً بعد فهرس العهد القديم، وقد تجده أحياناً بعد نهاية نصّ العهد القديم، فهُناك بعض نُسخ الكتاب المُقدَّس المُقسَّمة إلى قسمين داخلياً، قسم العهد القديم بترقيم صفحات يبدأ من واحد، ثم قسم العهد الجديد بترقيم صفحات يبدأ من واحد.

نُسخ الكتاب المُقدًّس المُختلفة تحتوي أيضاً على عناوين تشير إلى اسم السفر ورقم الإصحاح في أعلى كلّ صفحة، وهكذا تستطيع أن تتصفَّح النُّسخة بسهولة لتصل إلى الموضع الذي تريده سريعاً.

هُناك أيضاً عناوين في بداية كل إصحاح أو كل مقطع يُشير إلى موضوع المقطع، ومن خلال ملاحظة العناوين المُختلفة تستطيع أن تُقارن بين العناوين المُشابهة من أجل استخراج التَّناقضات والاختلافات.

هُناك أيضاً ملاحق كثيرة ومُختلفة في نهاية كلّ نُسخة من نُسخة الكتاب المُقدَّس، فنجد مثلاً: مُعجم الألفاظ والكلمات الصَّعبة، والذي يُساعد على فهم بعض الكلمات غير المُعتادة، والمُتعلِّقة بأُمُور تاريخية قديمة، أو بأُمُور إيمانية لاهوتية، أو حتى بعض الكلمات المُعتاد استخدامها بين المسيحيين، ولكن لا يعرفها كثير من النَّاس.

هُناك أيضاً مُلحق خاصّ بالأناجيل الأربعة، اسمه: “موضوعات الإنجيل كما وردت في كتبه الأربعة“، والمُلحق عبارة عن جدول يُبيِّن اسم الموضوع، ثمَّ يُشير إلى مكان الموضوع في كلّ إنجيل من الأناجيل الأربعة، وهذا المُلحق هام جداً، يُساعد على مقارنة الموضوع الواحد في أكثر من إنجيل، وهذا يُساعد على اكتشاف الاختلافات والتَّناقضات بين الأناجيل الأربعة.

هُناك أيضاً مُلحق عبارة عن جدول للمكاييل والموازين والمسافات والعُملات. والجدول يُقارن بين المعايير القديمة التي كانت تُستخدم في الأزمنة القديمة، والمعايير المُستخدمة حالياً، حتى تستطيع فهم الأحداث التاريخية.

ملحوظة: تعامل مع الكتاب المُقدَّس على أنَّه كتاب تاريخي وليس كتاباً دينياً.

هُناك أيضاً مُلحق الخرائط التَّوضيحية، وهذا المُلحق مُختص ببيان الجغرافيا التي كانت موجودة في الأزمنة القديمة حتى تستطيع فهم الأحداث التاريخية. على سبيل المثال: بولس كان يقوم برحلات تبشيرية كثيرة، لذلك ستجد في نهاية نسخ العهد الجديد مجموعة من الخرائط التي توضِّح خطّ سير بولس في رحلاته، وكذلك تستطيع أن تعرف أماكن المُدُن القديمة على الخرائط الحالية.[[6]]

ملحوظة: عندما نتكلم عن الاختلافات بين نُسخ الكتاب المُقدَّس، ونقول إنَّ الاختلافات من حيث عدد الأسفار، ومن حيث محتوى النَّص، ومن حيث طريقة التَّرجمة، ثمَّ نقول إنَّ الأُمُور المُشتركة بين نُسخ الكتاب المُقدَّس هي الفهرس، وعناوين الفقرات، والتَّقسيم إلى إصحاحات وأعداد، وبعض الملاحق والصّور التَّوضيحية، فإنَّ هذا يعني أنَّ الاختلافات بين نُسخ الكتاب المُقدَّس عظيمة جداً، وأنَّ المُشترك بين نُسخ الكتاب المُقدَّس أشياء تافهة بالنِّسبة للاختلافات.

مُميِّزات النُّسخ النَّقدية الدِّراسية

أهمّ نُسخة نقدية دراسية هي “التَّرجمة اليسوعية” أو “الرهبانية اليسوعية” أو ترجمة “الآباء اليسوعيين“.[[7]]

المداخل تُعدّ من أهمّ مُميِّزات النُّسخ النَّقدية الدِّراسية، وأعتقد أنَّه ينبغي على كلّ من يُريد دراسة الكتاب المُقدَّس دراسة جادَّة أن يقرأ مداخل التَّرجمة اليسوعية، ولا شكّ أنَّ كتاب “تاريخ الكتاب المُقدَّس[[8]] يُعَدّ مدخلاً رائعاً لدراسة الكتاب المُقدَّس، ولكنَّك ستُذهل من كمّ المعلومات التي تستطيع استخراجها من مداخل التَّرجمة اليسوعية من أجل استخدامها في مجالات الحوار الإسلامي المسيحي.

هُناك معلومات في المداخل عن كتبة الأسفار، وكيف أنَّهم مجاهيل، ومعلومات عن مخطوطات الأسفار والتَّحريف الذي حدث أثناء عملية النَّسخ، ومعلومات عن بعض الإشكاليات والتَّناقضات والأخطاء الموجودة في الأسفار، وهكذا إذا قمت بدراسة هذه المداخل جيداً، فإنك ستحصل على كمّ لا بأس به من المعلومات النَّقدية.

الهوامش والتَّعليقات تحتوي أيضاً على الكثير من المعلومات النَّقدية، ففي كثير من الأحيان تجد أنَّ الهامش يدلُّك على أنَّ هذا النَّص أصابه التَّحريف، أو أنَّ موضوع النَّصّ مُقتبس من الأساطير اليونانية أو البابلية القديمة، أو أنَّ النَّص غير مفهوم وقد فقدنا معناه من كثرة التَّحريف، أو على الأقل، ستحصل على تفسير مُناسب لبعض النُّصُوص الصَّعبة المُتعلِّقة إمَّا بأمرٍ تاريخي أو بأمرٍ إيماني لاهوتي.

الحمد لله الذي بنعمته تتمّ الصَّالِحات


[1] راجع صفحة: أغلفة نُسَخ الكتاب المُقدَّس العربية المُختلفة http://goo.gl/y4FbTx

[2] للمزيد من المعلومات حول هذا النص راجع المواضيع التالية:

نفي أصالة الفاصلة اليوحناوية http://goo.gl/YgAi8W

الفاصلة اليوحناوية شرح كتاب: تحريف أقوال يسوع http://goo.gl/9K5ZS7

الفاصلة اليوحناوية – نظرات في أقوال العلماء http://goo.gl/pJ4bl5

الفاصلة اليوحناوية – نظرات في التَّرجمات http://goo.gl/GPyOX4

[3] البروتستانت هُم الإنجيليون، وكنيستهم تُسمَّى الكنيسة الإنجيلية.

[4] راجع ملزمة: اكتشف التحريف بنفسك، من هنا http://goo.gl/jHwtGk أو من هنا http://goo.gl/mXkWpD

[5] للمزيد من المعلومات حول موضوع التَّرجمة راجع الآتي:

دائماً بين الأصل والترجمة فرق ظاهر http://goo.gl/S7EIDl

مشكلة ترجمة العهد الجديد http://goo.gl/gAOQKh

ترجمة النص اليوناني http://goo.gl/NOfMcY

ترجمة الكتاب المُقدَّس http://goo.gl/yfl1OZ

موجز لتاريخ ترجمة الكتاب المقدس http://goo.gl/3sOStE

علاقة الطباعة والمخطوطات بالترجمة http://goo.gl/WljvWe

[6] راجع صفحة أدوات دراسة الكتاب المقدس لمُطالعة الملاحق http://goo.gl/yypXRI

[7] راجع صفحة أدوات دراسة الكتاب المقدس لتحميل نُسخ الكتاب المُقدَّس المُختلفة http://goo.gl/yypXRI

[8] قُم بتحميل الكتاب من هذا الرابط http://goo.gl/zGdHNu

بسم الله الرحمن الرحيم

سلسلة فيديوهات: مَدْخَلٌ إلَى دِرَاسَةِ الكِتَابِ المُقدَّسِ

فيديو (3): كيف أتصفَّح الكتاب المُقدَّس وأقتبس منه (تحميل PDF)

إعداد: أبو المُنتصر محمد شاهين التاعب

تفريغ: خادم الإسلام أبو بكر مُصطفى الشامي

أول شيء يجب علينا أن نعرفه هو وجود نُسخ كثيرة جداً ومُختلفة من الكتاب المُقدَّس، والاختلاف يكون من حيث التَّقسيم أو المُحتوى، أو من حيث النَّص ونوع النُّسخة.

أنواع نُسخ الكتاب المُقدَّس من حيث التَّقسيم والمحتوى

1.   نُسخ كاملة تحتوي على العهدين

هُناك نسخ كاملة من الكتاب المُقدَّس، أي أنَّها تحتوي على العهدين القديم والجديد، وكما نعلم، فإنَّ العهد القديم يحتوي على أسفار، وكذلك العهد الجديد، وهكذا يُمكنك تصفُّح نُسخة كاملة من الكتاب المُقدَّس.

النُّسخة المكتوب عليها “الكتاب المُقدَّس”، بدون أي عناوين أخرى، هي النُّسخة الكاملة للكتاب المُقدَّس، والتي تضم أسفار العهدين القديم والجديد بالكامل.

2.   عهد واحد فقط، قديم أو جديد

هُناك نوع آخر من نُسخ الكتاب المُقدَّس يحتوي على عهد واحد فقط من العهدين، القديم أو الجديد، فهُناك نُسخة مكتوب عليها “العهد الجديد” أو “العهد القديم”، وهي لا تحتوي إلا على أسفار هذا العهد، وقد تجد نُسخاً مكتوب عليها “الكتاب المقدس العهد الجديد”، فعندما تجد عنواناً آخر تحت عبارة “الكتاب المقدس”، عليك أن تُدرك مباشرةً أنَّ هذه النُّسخة ليست كتاباً مُقدَّساً كاملاً.

وفي كثير من الأحيان، يستخدم المسيحيون عبارة “الإنجيل” كعنوان على النُّسخة، وهم يقصدون بـ “الإنجيل” أسفار العهد الجديد بالكامل، وكما نعلم، فإنَّ العهد الجديد يحتوي على أناجيل وأعمال ورسائل ورؤى، وكذلك نلاحظ أنَّ المسيحيين مُهتمُّون كثيراً بنشر العهد الجديد وطباعته عن العهد القديم أو الكتاب المقدس بالكامل.

من أسباب الاهتمام بنشر العهد الجديد عن العهد القديم هو أنَّ المسيحي يظن أنَّ قراءة كلام المسيح عليه السلام الموجود في الأناجيل، وكلام بولس وغيره في الرَّسائل، سبب من أسباب التَّنصير، وحلول الرُّوح القُدُس!

هُناك سبب آخر هام جداً وراء عدم اهتمام المسيحيين بنشر العهد القديم، ألَا وهو أنَّ العهد القديم يحتوي على القصص الغريبة والمُحيِّرة والعجيبة والمُستنكرة من حُرُوبٍ واعتداءاتٍ وقتلٍ وسَفْك دماءٍ، وقصص غير أخلاقية جنسية، وخُرافات وأساطير … إلخ، فالتالي يهتم المسيحي بطباعة العهد الجديد وتوزيعه أكثر من العهد القديم، خشية أن تقع هذه النصوص الغريبة والمُحيِّرة في يد أحد أهداف المُنصِّرين!

وهكذا تجد النُّسخة الفاخرة من العهد الجديد تُباع في معرض القاهرة الدَّولي للكتاب بجنيه واحد فقط! بينما أرخص نُسخة كاملة من الكتاب المُقدَّس ثمنها ما بين 12 إلى 18 جنيهاً، وهذا فارق كبير جداً.

3.   مجموعة مُعيَّنة من الأسفار أو سفر واحد فقط

وهُناك نوع آخر من نُسخ الكتاب المُقدَّس، تحتوي على مجموعة مُعيَّنة من الأسفار، أو على سفر واحد فقط بعينه، فهناك مثلاً نُسخة “الأسفار القانونية الثانية التي حذفها البروتستانت“، وسوف نتكلم عنها بأكثر تفصيل فيما بعد، ولكنَّها على كلّ حال، النُّسخة التي تحتوي على مجموعة مُعيَّنة من الأسفار، والتي عليها خلاف بين الكنائس التقليدية الأرثوذكس والكاثوليك من جهة، والبروتستانت من جهة أخرى، وهي عبارة عن سبعة أسفار لا يؤمن بها البروتستانت، ولكنَّ الكنائس التقليدية تؤمن أنَّ هذا الأسفار جُزء من الكتاب المُقدَّس، ولهذا نجد أنَّ الكتاب المُقدَّس عند البروتستانت عبارة عن 66 سفراً فقط، ولكن عند الكنائس التقليدية، نجد أنَّ كتبهم المُقدَّسة تحتوي على 73 سفراً، أي 66 + 7.

وهُناك نُسخ تحتوي مثلاً على المزامير، ومع أنَّ الغالبية العُظمى من المسيحيين يعتبرون المزامير كتاباً أو سفراً واحداً فقط، إلَّا أنَّ المزامير في الحقيقة منسوبة إلى عدد كبير من المؤلِّفين المُختلفين، ولكن على كلّ حال، نجد أن المزامير عبارة عن سفر واحد في نُسخ الكتاب المُقدَّس، وكلّ مزمور يُعتبر إصحاح، وفي كثير من الأحيان نجد نُسخاً تحتوي على المزامير فقط لا غير.

هُناك نُسخ أخرى تحتوي على سفر واحد فقط، من نُسخة “سفر التكوين من الترجمة السبعينية” أو “سفر الخروج من الترجمة السبعينية”، وهما سفران من العهد القديم، وكل سفر مطبوع على حدى.

كذلك نجد نُسخ مطبوعة تحتوي على كل إنجيل من الأناجيل الأربعة على حدى.

هذه التَّقسيمات بشكلٍ عامٍّ لا علاقة لها بلُغة النُّسخة، أو بنوعها، سواء كانت تقليدية أو نقدية، أو عادية أو دراسية، وسوف نتكلَّم بمزيدٍ من التَّفصيل حول الأنواع المُختلفة من نُسخ الكتاب المُقدَّس فيما بعد.

طريقة الكتابة في مخطوطات الكتاب المُقدَّس القديمة

وقبل أن نتعلَّم كيفية استخراج النُّصُوص من الكتاب المُقدَّس، وكيفية الإشارة إليها، سنُعطي نبذة تاريخية بسيطة عن كيفية كتابة النَّص في المخطوطات القديمة للكتاب المُقدَّس.

النَّص في المخطوطات القديمة كان يُكتب بشكل مُتَّصل، بدون أي مسافات بين الكلمات، وبدون استخدام أي علامة من علامات التَّرقيم، فكانت عملية قراءة المخطوطات القديمة أمراً في غاية الصُّعوبة!

ونجد في مخطوطات العهد الجديد اليونانية، أنَّ النَّص بالكامل مكتوب بحروف كبيرة (استهلالية أو Capital)، ونحن نعلم أنَّ اللغة العربية والعبرية ليس فيهما هذا الفرق في كتابة الحروف، ولكنَّ اللغة اليونانية مثل اللغة الإنجليزية، والتي تحتوي على هذا الفرق في كتابة الحروف (Capital & Small).

مع مُرُور الزَّمن، ومع تطوُّر عملية الكتابة، أصبحت النُّصُوص تُكتب بمسافات بين الكلمات، وباستخدام علامات التَّرقيم، وعلامات أخرى تساعد على معرفة النُّطق الصَّحيح أثناء القراءة، وباستخدام الحروف الكبيرة والحروف الصغيرة.

فيما بعد، ومن أجل سهولة الوصول إلى النُّصُوص، تم تقسيم نصّ السِّفر إلى إصحاحات (مُفرد: إصحاح، ويُقصد بها المقطع الصحيح الذي له معنى كامل) أو فُصُول (Chapters)، ثمَّ فيما بعد، تمّ تقسيم الإصحاحات أو الفصول إلى أعداد أو فقرات (المسيحي العامِّي يُقلِّد المُسلم ويقول عنها آيات!).

وهكذا كما نعلم، عند التَّعامل مع أي مرجع عالمي شهير، لا نُشير إلى النُّصُوص عن طريق رقم الصَّفحة، فإنَّنا مثلاً عندما نُشير إلى نصّ (آية) من نُصُوص (آيات) القرآن الكريم، نذكر اسم السُّورة ثمَّ رقم الآية، وكذلك عندما نُشير إلى نُصُوص الكتاب المُقدَّس، لا نقول: “النَّص موجود في الكتاب المُقدَّس، ثمَّ في العهد القديم أو الجديد”، وإنَّما نُشير مُباشرة إلى اسم السِّفر، ثمَّ رقم الإصحاح (الفصل) والعدد (الفقرة).

نُلاحظ أنَّ رقم العدد في الكتاب المُقدَّس يأتي في بداية النَّص، على عكس الموجود في القرآن الكريم، فإنَّ رقم الآية يأتي في نهاية الآية وليس في بدايتها.

إذن، نصّ السِّفر مُقسَّم إلى إصحاحات (فُصُول)، والإصحاحات مُقسَّمة إلى أعداد (فقرات). والإشارة إلى نصّ من نُصُوص الكتاب المُقدَّس يكون عن طريق: اسم السِّفر + رقم الإصحاح + رقم العدد.

تعليقاً على تسمية المسيحيين العوام للأعداد بـ “آيات”، أقول: إنَّ الله عزَّ وجلَّ قال في كتابه القرآن الكريم واصفاً له: {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} (العنكبوت : الآية 49)، والآية هي المُعجزة  التي لا يستطيع المخلوق أن يأتي بمثله، بحيث عندما تقرأ القرآن الكريم، تُدرك مباشرةً أنَّه كلام الله، هذا على عكس ما نجده في الكتاب المُقدَّس من نصوص غريبة وعجيبة، وأمور مُستنكرة، لا يجوز نسبتها لله سُبحانه وتعالى، فضلاً عن أن تُسمِّيها “آيات”!

مقارنة بين تدوين القرآن الكريم وتدوين الكتاب المُقدَّس

قد يأتي أحد المسيحيين ويقول إنَّ مخطوطات القرآن الكريم هي أيضاً مكتوبة بدون تنقيط (نقاط على الحروف)، وبدون تشكيل، وبدون علامات خاصة بالقراءة والتَّجويد (مثل: صلي و قلي وغيرها)، وأنَّ كلّ هذا تمّ فيما بعد، مع تطور عملية الكتابة، كما حدث مع الكتاب المُقدَّس تماماً، فما الفرق إذاً؟!

الفرق هو أن أي تطوُّر في طريقة كتابة نصّ الكتاب المُقدَّس جاء نتيجة مجهود بشري بحت، فالبشر هُم الذين اجتهدوا في كيفية قراءة النُّصُوص المكتوبة بشكل مُتَّصِل حتى يضعوا المسافات بين الكلمات، والبشر هُم الذين اجتهدوا في الوصول إلى معنى النُّصُوص بعد وضع المسافات من أجل وضع علامات التَّرقيم المُناسبة.

أمَّا بالنِّسبة للقرآن الكريم، فإنَّ الاجتهاد كان في حدود الوصول إلى الطريقة المُناسبة لتدوين ما تلقيناه من النبي محمد صلى الله عليه وسلم، شفهياً، بالتَّواتر، أي أنَّ المُسلمين لم يخترعوا المعلومة التي تمّ تدوينها، وإنَّما فقط اتَّفقوا على الشكل المُناسب لتدوين المعلومة التي وصلتهم من النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

وبالمثال يتَّضح المقال، إذا قُلتُ إنَّني أريد تدوين عبارة ما بلُغةٍ جديدةٍ ليس لها أبجدية بعد! واتَّفقنا أن نُدوِّن عبارة: “بسم الله الرحمن الرحيم”، ولكي نُدوِّنها، قُمنا بوضع أبجدية من اجتهادنا، فوضعنا كيفيات مُحدَّدة لرسم الحروف، ثم استخدمنا الحروف الجديدة في تدوين العبارة السابقة، وهكذا حدث أثناء تدوين القرآن!

لقد تلقينا القرآن الكريم شفهياً، من فم رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم بالتَّواتُر، والتَّواتر هو نقل المجموعة من الناس، عن مجموعة أخرى من الناس، بحيث يستحيل اتفاقهم على الكذب، فإن الصحابة رضي الله عنهم قد سمعوا القرآن الكريم من النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وهم بدورهم نقلوا القرآن الكريم إلى من بعدهم من التابعين، وهكذا نقل التابعون القرآن الكريم إلى من بعدهم، إلى أن وصل القرآن إلينا، ونحن نقرأ القرآن الكريم بنفس الطريقة التي كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم يقرأ بها القرآن.

الصحابة رضي الله عنهم سمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم كيفية التِّلاوة الصَّحيحة، وكلّ أحكام التَّجويد المُختلفة (مدّ، إخفاء، إدغام، قلقلة، غُنَّة، ترقيق، تفخيم … إلخ)، وكذلك أحكام الوقف والابتداء، وهكذا كان اجتهاد المُسلمين في مُجرَّد الوصول إلى الكيفية المُناسبة لتدوين العلم الذي وصلهم عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم بالتواتر.

نحن كمسلمين نقول إنَّ كلّ ما يتعلَّق بالقرآن الكريم توقيفي، أي “مُتوقِّف” على ما تعلَّمناه من النبي محمد صلى الله عليه وسلم، بينما نجد أنَّ كل ما يخصّ الكتاب المُقدَّس عبارة عن عمل بشري، من بدايته وإلى نهايته، وليس اتِّباعاً لوحي الله عز وجل.

معلومات تاريخية عن تقسيم الأسفار إلى إصحاحات وأعداد

تقسيم الكتاب المُقدَّس إلى إصحاحات وأعداد تمّ في زمن مُتأخِّر جداً. ستيفن لانغتون هو أوَّل مَن قسَّم السِّفر إلى إصحاحات، وكان ذلك في عام 1226م. أمَّا روبرت ستيفانوس، فقد كام بتقسيم الإصحاحات إلى أعداد عام 1551م، ولكن عندما نقوم بقراءة نصّ الأسفار بعد التَّقسيم، نجد أنَّه مليء بالعُيُوب.

بشرية الكتاب المُقدَّس تظهر في تقسيمه إلى إصحاحات وأعداد!

نحن نعلم يقيناً أنَّ البشر هُم الذين اختاروا قائمة أسفار العهدين القديم والجديد، كذلك قاموا بتقسيم الأسفار إلى إصحاحات وأعداد، وحتى في مثل هذا الفعل البسيط، عجزوا أن يجتهدوا فيه، بمقدار الاجتهاد الذي يستحقه كتاب يدَّعون أنَّه موحى به من الله عز وجل.

مراجع مسيحية كثيرة تذكر أنَّ روبرت ستيفانوس قام بتقسيم نصّ الإصحاحات إلى أعداد “وهو على ظهر حصانه”، ونتيجةً لذلك، جاء التَّقسيم سيئاً جداً، وهذا الكلام منقول حرفياً عن ابن روبرت ستيفانوس، وبالفعل نجد أنَّ التَّقسيم السيء إلى أعداد يدل على أنَّ العمل تم في ظروف غير جيدة، أو بإهمال شديد، أو عدم تركيز، لدرجة أنَّ بعض العُلماء قالوا إنَّ المرَّات التي كان الحصان يتعثَّر فيها أثناء السَّير، كان قلم روبرت ستيفانوس يصطدم بنصّ الكتاب ويترك علامة، وهكذا تمّ التَّقسيم قَدَراً!

تقسيم نصّ الأسفار إلى إصحاحات وأعداد لا يتوافق مع المعنى المنطقي للنُّصُوص، فنجد أنَّ الإصحاح يبدأ من العدد الذي ينبغي أن يكون في نهاية الإصحاح الذي قبله، أو ينتهي بالعدد الذي ينبغي أن يكون في بداية الإصحاح الذي بعده، وكثيراً ما نجد الجملة الواحدة تم تقسيمها إلى أكثر من عدد بدون داعٍ، بل كثيراً ما نجد أنَّ العبارات يتمّ تقسيمها إلى أكثر من عددٍ، ممَّا يُشوِّه معنى العبارة، ولا يجعلها مفهومة!

وهكذا، فإنَّ أبسط ما في الكتاب المُقدَّس، ألَا وهو التَّقسيم إلى إصحاحات وأعداد، يُبيِّن نُقصانه وبشريته!

اختصارات أسماء الأسفار

قُلنا إنَّ الإشارة إلى عددٍ ما في الكتاب المُقدَّس يكون عن طريق اسم السِّفر، ثمَّ رقم الإصحاح، ثمَّ رقم العدد، ولكن بعض الأسفار لها أسماء طويلة جداً، مثل: “رسالة بولس الأولى إلى أهل تسالونيكي”، أو “سفر أخبار الأيام الأول”، أو غيرها من الأسفار، لذلك، عند الإشارة إلى أي سفر من الأسفار، غالباً ما يتم اختصار الاسم، لسهولة الإشارة إلى السِّفر، فيكون الاختصار كالآتي: “تسالونيكي الأولى” أو “أخبار الأول” وهكذا.

وفي كثير من المؤلَّفات الخاصَّة بمُقارنة الأديان أو دراسة الكتاب المُقدَّس، نجد أنَّ أسماء الأسفار يتمّ الإشارة إليها عن طريق أول حرفين من اسم السِّفر، وهكذا يتم اختصار “تسالونيكي” إلى “تس”، و “أخبار الأيام” إلى “أخ”، وإليك جدول بأسماء أسفار العهدين القديم والجديد، مع اختصارات الأسماء وبعض المعلومات.

وهكذا، إذا أردت أن أُشير بشكل مُختصر إلى نصٍّ في “رسالة بولس الأولى إلى أهل تسالونيكي”، الإصحاح الخامس، والعدد السابع، أبدأ أولاً بالرقم، أي رسالة أولى أم ثانية أم ثالثة؟ أخبار أيام أول أم ثاني؟ وهكذا، أكتب أولاً الرقم، ثمَّ أوّل حرفين من الاسم الأساسي المميز للسفر (نتجاهل التعريفات المُكرَّرة مثل كلمة رسالة أو إنجيل أو سفر … إلخ)، “متى” أو “مرقس” أو “التكوين” أو “أخبار الأيام”، مع تجاهل التَّعريف (الـ)، ثمَّ أكتب رقم الإصحاح، ثم رقم العدد، مع الفصل بين الرقيم بشرطة مائلة “/” أو بالنُّقطتين “:”، وفي النِّهاية، تكون الإشارة هكذا: 1 تس 5 / 7 (الرقم أولاً، ثم اختصار الاسم، ثم رقم الإصحاح، ثم الفاصل بين الرقمين، ثم رقم العدد).

أمَّا إذا أردت الإشارة إلى مقطع مكون من أكثر من عدد، أقوم بوضع شَرْطَة “-” بين العددين، فإذا كتبتُ مثلاً الإشارة التالية: مر 1 / 1-5، فإنَّني أقصد الرُّجُوع إلى إنجيل مرقس، الإصحاح الأول، الأعداد من 1 إلى 5، ولا تُرهق نفسك في حفظ الاختصارات، فلا بأس أن ترجع إلى فهرس الكتاب المُقدَّس في كلِّ مرَّةٍ ترى فيها اختصاراً لاسم سفرٍ من الأسفار، إلى أن تحفظ الاختصارات دون بذل مجهود زائد منك، فقط بالتِّكرار.

أمَّا إذا أردت الإشارة إلى مقطع مُعيَّن، مُكوَّن من أكثر من إصحاح، فإنَّك تقوم بوضع علامة الفاصلة المنقوطة “؛” بين الإشارة الأولى والإشارة الثانية، على سبيل المثال، أذا أردتُ الإشارة إلى مقطع في نهاية الإصحاح السابع من إنجيل يوحنا، إلى بدايات الإصحاح الثامن من نفس الإنجيل، كتبتُ الإشارة التالية: يو 7 / 53 ؛ 8 / 11، وهذا يعني الرجوع إلى نصوص إنجيل يوحنا، من العدد رقم 53 في الإصحاح 7، إلى العدد 11 في الإصحاح 8. وقد أستخدم علامة الشَرْطَة “-” بدلاً من الفاصلة المنقوطة، علماً بأنَّ الرقم الذي يكون قبل الشَّرْطَة المائلة يكون دائماً رقم إصحاح، وليس رقم عدد، والفاصلة المنقوطة “؛” يتم استخدامها للفصل بين مقاطع في نفس السفر الواحد، أما الفاصلة العادية “،” فيتم استخدامها للفصل بين أكثر من إشارة.

مرَّة أخرى أقول إنَّ التِّكرار والتَّمرين والبحث والقراءة سيؤدي إلى سهولة فهم الإشارات وحفظ الاختصارات، وهكذا، لا تبخل على نفسك ببذل بعض المجهود في تصفح نُسخ الكتاب المُقدَّس المُتاحة على مواقع الإنترنت، ومحاولة الرُّجُوع إلى النُّصُوص المُشار إليها في بعض المراجع بنفسك، على سبيل المثال، حاول استخراج النُّصُوص التالية من الكتاب المُقدَّس.[[1]]

يو8 / 14-18 ، 1كو15 / 28 ، لو12 / 10 ، رو3 / 12 ، تث28 / 47-57 ، قض9/  1-20 ، 2بط2 / 12-19 ، لا13 / 47-59[[2]]

معلومة بسيطة من كتاب “عاوز أتعلم مُقارنة الأديان” للأخ محمود داود، بخصوص كيفية التَّفريق بين أسفار العهد القديم، وأسفار العهد الجديد، وهي عن طريق أقسام العهد الجديد المُميَّزة: أناجيل ورسائل وأعمال ورؤيا، إذا وجدت في بداية اسم أي سفر اسم من أسماء الأقسام السابقة، مثل: إنجيل فلان، أو رسالة فلان، أو رؤيا فلان، أو أعمال فلان، فإن هذا يعني أن السفر ضمن مجموعة أسفار العهد الجديد، وإذا خلا الاسم من أي قسم من الأقسام السابقة، فهذا يعني أن السفر ضمن مجموعة أسفار العهد القديم.

فإذا قُلنا: “سفر التكوين”، فإنَّنا نعلم أنَّ السِّفر ضمن مجموعة أسفار العهد القديم، لأنَّه لا يحتوي على اسم من أسماء أقسام العهد الجديد: أناجيل أو أعمال أو رسائل أو رؤيا.

طُرُق قراءة نصّ الكتاب المُقدَّس

تستطيع الحُصُول على نصّ الكتاب المُقدَّس عن طريقة نُسخة مطبوعة أو بصيغة إلكترونية، عن طريق برنامج أو موقع أو ما شابه، وسوف نتكلَّم عن النُّسخ المطبوعة بمزيد من التَّفصيل بعد قليل.

هناك مواقع إلكترونية كثيرة تحتوي على نصّ الكتاب المُقدَّس كاملاً، بالإضافة إلى مُحرِّكات بحث للوصول إلى النُّصُوص سريعاً عن طريق الكلمات الدلالية، وهناك أيضاً برامج دراسية كثيرة جداً لدراسة نصّ الكتاب المُقدَّس بشكل دقيق جداً ومُوسَّع، وأنا شخصياً أُفضِّل برنامج الـ (e-sword)، وعلى كلّ حال، ستجدون روابط المواقع والبرامج على صفحة أدوات دراسة الكتاب المقدس على مدونتي الشخصية.

هُناك بعض الأخوة يُكلِّفون أنفسهم عناء حفظ الشَّواهد، فيحفظ النَّص باسم السفر ورقم الإصحاح والعدد، ونحن في كثير من الأحيان نحفظ الآيات القرآنية ولا ندري رقم الآية، ولا نعرف في أي سورة هي! وأنا لا أحبّ أن يهتمّ الدَّارس بالكتاب المُقدَّس أكثر ممَّا يهتمّ بالقرآن الكريم، وكما قلتُ سابقاً، التِّكرار وسيلة كافية لحفظ الشواهد التي تقرأها كثيراً، ويكفي أن تحفظ كلمة أو عبارة دلالية من النَّص، وعندما تُريد معرفة الشاهد، تقوم باستخدام برنامج أو مُحرك بحث على موقع، فتحصل على شاهد النَّص بسهولة، ونحن في زمن تستطيع فيه تحميل الكتاب المُقدَّس كاملاً على هاتفك، واستخدامه كمُحرِّك بحث سريع للوصول إلى النصوص التي تحتاجها وقتما تريد.

الواجب: صـ10 و 11 من ملزمة فكرة شاملة عن الكتاب المقدس، بعنوان: التَّقسيم إلى إصحاحات وأعداد.

الحمد لله الذي بنعمته تتمّ الصَّالِحات


[1] راجع صفحة أدوات دراسة الكتاب المقدس http://alta3b.com/blog/bible-tools

[2] النصوص مختارة من ملزمة “نصوص كتابية ضد المسيحية” http://wp.me/smupG-nosoos وملزمة “كتاب غريب ومحير” http://wp.me/pmupG-OM

بسم الله الرحمن الرحيم

فهارس أسفار الكتاب المقدس والاختصارات

أبو المنتصر محمد شاهين التاعب

فهرس العهد الجديد – الفاندايك

فهرس العهد الجديد - الفاندايك

فهرس العهد القديم – الفاندايك

فهرس العهد القديم - الفاندايك

ملحق بأسماء أسفار العهد الجديد بالاختصار

ملحق بأسماء أسفار العهد الجديد بالاختصار

ملحق بأسماء أسفار العهد القديم بالاختصار

ملحق بأسماء أسفار العهد القديم بالاختصار

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات

بسم الله الرحمن الرحيم

أغلفة نسخ الكتاب المقدس العربية المختلفة

أبو المنتصر محمد شاهين التاعب

الأسفار القانونية التي حذفها البروتستانت

الأسفار القانونية التي حذفها البروتستانت

العهد الجديد – الترجمة العربية المبسطة

العهد الجديد - الترجمة العربية المبسطة

العهد الجديد – ترجمة الحياة قراءة توضيحية

العهد الجديد - ترجمة الحياة قراءة توضيحية

العهد الجديد الترجمة اليسوعية

العهد الجديد الترجمة اليسوعية

العهد الجديد الفاندايك

العهد الجديد الفاندايك

العهد القديم الترجمة اليسوعية

العهد القديم الترجمة اليسوعية

الفاندايك – الكتاب المقدس 1

الفاندايك - الكتاب المقدس 1

الفاندايك – الكتاب المقدس 2

الفاندايك - الكتاب المقدس 2

إنجيل لوقا الدراسي

إنجيل لوقا الدراسي

إنجيل متى الدراسي

إنجيل متى الدراسي

إنجيل يوحنا قبطي عربي

إنجيل يوحنا قبطي عربي

ترجمة البابا كيرلس – إنجيل لوقا

ترجمة البابا كيرلس - إنجيل لوقا

ترجمة البابا كيرلس – إنجيل متى

ترجمة البابا كيرلس - إنجيل متى

ترجمة البابا كيرلس – إنجيل يوحنا

ترجمة البابا كيرلس - إنجيل يوحنا

سفر التكوين – الترجمة السبعينية

سفر التكوين الترجمة السبعينية

سفر الخروج – الترجمة السبعينية

سفر الخروج - الترجمة السبعينية

الترجمة العربية المشتركة

غلاف الترجمة العربية المشتركة

الترجمة اليسوعية

غلاف اليسوعية

كتاب الحياة مع NIV

كتاب الحياة مع NIV

كتاب المزامير الترجمة السبعينية

كتاب المزامير الترجمة السبعينية

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات

بسم الله الرحمن الرحيم

سلسلة فيديوهات: مَدْخَلٌ إلَى دِرَاسَةِ الكِتَابِ المُقدَّسِ

فيديو (2): ما هي مُحتويات الكتاب المُقدَّس؟ (تحميل PDF)

إعداد: أبو المُنتصر محمد شاهين التاعب

تفريغ: خادم الإسلام أبو بكر مُصطفى الشَّامي

الكتاب المُقدَّس يحتوي على مجموعة الكُتُب المُقدَّسة الخاصَّة بالمسيحيين، وهو ينقسم إلى قسمين:

1.   العهد الجديد: مجموعة الكُتُب المُقدَّسة المسيحية، التي كُتبت بعد رفع المسيح عليه السلام. والعهد الجديد يضُم الأناجيل الأربعة: متى، ومرقس، ولوقا، ويوحنا، وهذه الأناجيل الأربعة ليست هي “الإنجيل” الذي أنزله الله عز وجل على المسيح عليه السلام.

2.   العهد القديم: مجموعة الكُتُب المُقدَّسة اليهودية، والتي يؤمن بها المسيحيون أيضاً، والتي كُتبت قبل بعثة المسيح عليه السلام.

الكتاب المُقدَّس يحتوي على مجموعة كُتُب مُختلفة جداً، على الرَّغم من أنَّ المسيحي يدَّعي أنَّ الكتاب المُقدَّس بالكامل روح واحدة، وموحى به من الله، بحيث أنَّك لو قرأته من بدايته لنهايته لشعرت أنَّه مُتناسق ومُتناغم، ولكن هذا الكلام غير صحيح، فمن قرأ الكتاب المُقدَّس من بدايته وإلى نهايته، عَلِمَ يقيناً أنَّ هذه الكُتُب التي يضمّها الكتاب المُقدَّس مُختلفة ومُحيِّرة جداً، وتصل في كثير من الأحيان إلى درجة  التَّناقض.

إيمان المسيحي فيما يخُصّ مُؤلِّفي الكُتُب المُقدَّسة

الكتاب المُقدَّس يحتوي على مجموعة كُتُب تُنسب إلى عددٍ كبيرٍ من المؤلفين، ويؤمن المسيحي أنَّ أسفار الكتاب المُقدَّس تُنسب إمَّا إلى أنبياء بني إسرائيل (أسفار العهد القديم)، أو إلى تلاميذ المسيح عليه السلام (أسفار العهد الجديد).

يؤمن المسيحي أنَّ العهد القديم يحتوي على توراة موسى عليه السلام، ويحتوي على كُتُب منسوبة للأنبياء مثل: المزامير لسيدنا داود عليه السلام، وأسفار منسوبة لسيدنا سليمان عليه السلام، وأسفار أخرى منسوبة لأنبياء آخرين لا نعرفهم من المصادر الإسلامية مثل: إشعياء وإرمياء وغيرهم من الأنبياء.

المسيحي لا يعرف تحديداً عدد مؤلِّفي أسفار الكتاب المُقدَّس

لو نظرت إلى المراجع المسيحية، لوجدت أنَّهم يقولون إنَّ الكتاب المُقدَّس كُتِبَ بواسطة حوالي 40 مؤلفاً، ولكنَّهم لا يستطيعون تحديد رقم بعينه، فإنَّ قولهم هذا يعني أنَّ عدد المؤلِّفين يتراوح بين الـ 36 و 44 مؤلِّفاً، وهذه إشكالية سنقوم بدراستها باستفاضة أكثر فيما بعد بإذن الله عز وجل.

مُعظم مُؤلِّفي أسفار الكتاب المُقدَّس مجاهيل

المسيحي يعتقد أنَّ سيدنا موسى عليه السلام هو كاتب أسفار التَّوراة، ولكن هذا الاعتقاد ليس عليه أي دليل أو بُرهان، فلا يملك المسيحي الأدِلَّة التي تُثبت نسبة الأسفار لأصحابها، سواء أسفار العهد القديم أو العهد الجديد، ولكن إذا درسنا مسألة نسبة الأسفار لأصحابها من ناحية تاريخية، وبالأدلة والبراهين، لوجدنا أنَّ كتبة الأناجيل مجاهيل، وكتبة مُعظم الرسائل مجاهيل، بل إنَّ كتبة مُعظم أسفار الكتاب المُقدَّس مجاهيل، ولا نعرف عددهم تحديداً.

مُدَّة كتابة أسفار الكتاب تزيد على الألف سنة

الكتاب المُقدَّس يحتوي على أسفار، مُدَّة كتابتها تزيد على الألف سنة، فالمسيحي يؤمن أنَّ أوَّل من كتب هو موسى عليه السلام، وأنَّه كاتب الأسفار التي يُسمُّونها التَّوراة، وهُناك خلاف حول التَّاريخ الذي عاش فيه موسى عليه السلام، هل هو في القرن 13 أم 15 أم 16 ق.م.

على كلّ حال، نقول إنَّ أوَّل مَن كَتَب حسب الإيمان المسيحي هو موسى عليه السلام، والذي عاش تقريباً في القرن الـ15 ق.م. وكذلك آخر مَن كَتَب أيضاً حسب الإيمان المسيحي – هو يوحنا تلميذ المسيح عليه السلام، وقد كَتَب سفر الرؤيا في القرن الأول الميلادي، هذا يعني أنَّ عملية كتابة أسفار الكتاب المُقدَّس أخذت حوالي 16 قرناً من الزَّمان، وهذه المُدَّة الطَّويلة كانت سبباً في وجود الاختلاف الشَّديد بين أسفار الكتاب المُقدَّس، وكانت سبباً رئيسياً في تحريف نصّ هذه الأسفار المُقدَّسة أثناء عملية نسخ نصّها.

مُؤلِّفو أسفار الكتاب المُقدَّس من خلفيات ثقافية وبيئية مُختلفة

يعتقد المسيحي أن بولس أحد مؤلِّفي أسفار العهد الجديد – كان فيلسوفاً مُطَّلِعاً على الكتابات اليونانية، وبالتالي كتاباته ستختلف عن داود عليه السلام، والذي كان راعياً للأغنام، وستختلف أيضاً عن كتابات صيَّاد السَّمك (تلاميذ المسيح عليه السلام)، وستختلف عن كتابات الملك الحكيم سُليمان عليه السلام.

وهكذا، بما أنَّ الكُتُب المُقدَّسة كُتِبَت في أزمنة مُختلفة، وبواسطة مؤلِّفين مُختلفين ثقافياً وبيئياً، هذا أدَّى إلى أنَّ أسفار الكتاب المُقدَّس أصبحت مجموعة مُختلفة جداً من الكُتُب.

الأسفار المُقدَّسة مكتوبة بالعبرية واليونانية مع بعض المقاطع بالآرامية

الكتاب المقدس يحتوي على كُتُب مُقدَّسة، بعضها مكتوب باللغة العبرية مع بعض المقاطع بالآرامية،  وبعضها مكتوب باللغة اليونانية. واختلاف لُغات الأسفار المُقدَّسة كان سبباً في الاختلاف الموجود بين هذه الكتابات، وهكذا، فإنَّ الكُتُب المُقدَّسة التي نقرأها باللغة العربية مُجرَّد ترجمات للأسفار المكتوبة بلغاتها الأصلية.

العهد الجديد مكتوب بالكامل باللغة اليونانية، وهناك بعض أسفار العهد القديم، والتي تُسمَّى بالأسفار القانونية الثانية، مكتوبة أيضاً باللغة اليونانية.

باقي أسفار العهد القديم مكتوبة باللغة العبرية، ولكن هُناك بعض المقاطع بالآرامية، وهي لُغة شقيقة وقريبة جداً من اللغة العبرية.

الكُتُب المُقدَّسة تنتمي إلى أشدّ أنواع الفُنُون الأدبية اختلافاً

الكتاب المقدس يحتوي على الأسفار التاريخية، وكتب الحكمة والفلسفة، والكتابات الشعرية، والقصص، والرَّسائل الشخصية، والرؤى، ولا شكّ أنَّ هذا التَّنوُّع أدَّى إلى الاختلاف الموجود بين هذه الكتابات.

اختلاف عدد أسفار الكتاب المُقدَّس

عدد الأسفار المُقدَّسة ليس واحداً في جميع نُسخ الكتاب المُقدَّس الموجودة بين أيدي الطَّوائف المسيحية المُختلفة، فالكتاب المُقدَّس مكتبة كبيرة من الكُتُب، فقد تجد نُسخة من الكتاب المُقدَّس تحتوي على 73 سفراً، وأخرى تحتوي على 66 سفراً، وأخرى تحتوي على 81 سفراً، وهُناك اختلافات أخرى بين النُّسخ المُختلفة للكتاب المُقدَّس، سواء في عدد الأسفار، أو في النَّصّ نفسه، ولكن أبسط اختلاف هو ما نجده بين نُسخ الكتاب المُقدَّس الخاصَّة بالبروتستانت، والتي تحتوي على 66 سفراً فقط، ونُسخ الكتاب المُقدَّس الخاصَّة بالكاثوليك والأرثوذكس، والتي تحتوي على 73 سفراً.

مُحتوى الكتاب المُقدَّس غريب ومُحيِّر

أحياناً تجد في الكتاب المُقدَّس قصصاً تاريخية ليس لها أيّ فائدة، وقد تجد أيضاً قصصاً غير أخلاقية تشمئز منها النُّفُوس، وأحيانا تجد قصصاً عن حُرُوب ومذابح واعتداءات وسفك للدِّماء، وفي الغالب ستجد كلاماً كثيراً لا تستفيد منه أبداً فيما يخُصّ حياتك الرُّوحية.

نرجو مراجعة ملزمة “الكتاب المقدس كتاب غريب ومحير“.

http://alta3b.com/2012/05/04/kitab-ghareeb

الواجب:

·       الحلقة الأولى: قراءة الصفحة 4 من ملزمة فكرة شاملة عن الكتاب المقدس.

·       الحلقة الثانية: قراءة الصفحة 6 من ملزمة فكرة شاملة عن الكتاب المقدس.

http://alta3b.com/2012/04/18/fekra

الحمد لله الذي بنعمته تتمّ الصَّالِحات

بسم الله الرحمن الرحيم

سلسلة فيديوهات: مَدْخَلٌ إلَى دِرَاسَةِ الكِتَابِ المُقدَّسِ

فيديو (1): ما هو الكتاب المقدس؟ (تحميل PDF)

إعداد: أبو المُنتصر محمد شاهين التاعب

تفريغ: خادم الإسلام أبو بكر الشامي

الكتاب المقدس هو الكتاب المُقابل للقرآن الكريم عند المسيحيين، ويعتقد مُعظم المسيحيين أنَّ الكتاب المقدس مثله مثل القرآن الكريم بالضبط:

1- كلام الله عز وجل.

2- موحى به من الله عز وجل.

3- أفضل وأجمل وأفصح وأبين كلام على وجه الأرض.

هذا اعتقاد مُعظم المسيحيين البُسطاء، وبعض المُسلمين البُسطاء أيضاً، من الذين لم يفتحوا الكتاب المقدس من قبل، يعتقدون أن أيضاً أن الكتاب المقدس مثله مثل القرآن الكريم، لأنَّ هذه فكرة المُسلم عن كلام الله عز وجل، وعن كتاب الله عز وجل: أنه موحى به لفظاً ومعنىً، فيعتقد أنَّ الكتاب المقدس كأي كتاب من الله عز وجل – له نفس خصائص القرآن الكريم.

الكتاب المقدس عند النصارى هو مصدر رئيسي من مصادر الدين المسيحي، يُعتبر مُقابل للقرآن الكريم عند المسلمين بالضبط.

الكتاب المقدس هو الكتاب الذي يستشهد به المسيحي على أنه كتابه المقدس، فيجب علينا أن نعرف المقصود من “كتاب مُقدَّس” بشكلٍ عامّ.

اليهود والنصارى هُم أهل الكتاب، وذلك لأن عندهم كتاب هو المرجع لهم فيه العقائد والتشريعات والمعاملات والأخلاق.

الفرق بين مصطلح “كتاب مقدس” بشكل عام و “الكتاب المقدس” بشكل خاص

كتاب مقدس = scripture،  هو الكتاب الذي يُعتبر الدستور والقانون والمقياس والمعيار لمعرفة الخطأ والصواب والحق والباطل والضلال والهدى.

الكتاب المقدس = هو إشارة لكتاب مُعيَّن مُقدَّس عند المسيحيين، ويحتل المكانة الأولى عند كل الطوائف المسيحية (الأرثوذكس والكاثوليك والبروتستانت، مُعظم المسيحيين في مصر من الطائفة الأرثوذكسية، والغالبية العُظمى من المسيحيين في العالم من الطائفة الكاثوليكية أو البروتستانتية، أمَّا في مصر فإنَّ الطائفة الكاثوليكية تُمثِّل الأقلية، والطائفة البروتستانتية هم الأكبر بعد الأرثوذكس)، وسوف نستعرض أهم الاختلافات بين هذه الطوائف في حلقات قادمة بإذن الله، فيجب عليك أخي الكريم أن تدونها.

البروتستانت = يعتقدون أنَّ الكتاب المقدس هو مصدر التَّشريع الوحيد.

الكاثوليك والأرثوذكس = تُسمى كنائس تقليدية، وهناك مصادر تشريع أخرى تأتي بعد الكتاب المقدس، ولكن الكتاب المقدس هو أهم كلام، وهو كتاب الصَّدارة عند كل المسيحيين، بحيث لو وجدنا مصدراً يحتوي على كلامٍ يُخالف كلام الكتاب المقدس، لضربنا بكلام هذا المصدر الآخر عرض الحائط.

يؤمن النصارى أنَّ الكتاب المقدس يحتوي على كلام الله، ورسالة الله للبشر، فيستمد منه الأوامر والنواهي الإلهية، وكيفية عبادة الله، والشرائع والأحكام والمعاملات والأخلاق.

يؤمن البروتستانت أنَّ الكتاب المقدس بالكامل كلام الله الموحى به لفظاً ومعنىً. ويؤمن الكاثوليك والأرثوذكس، وهي الكنائس التقليدية، أنَّ الكتاب المقدس كلام بشري مكتوب بوحي من الله. أي أنَّ الكتاب قد يحتوي أحياناً على كلام الله، على شكل اقتباس لكلام الله.

في حلقات قادمة بإذن الله، سنتكلَّم بالتَّفصيل عن الاختلافات بين الطَّوائف المسيحية بخصوص عقيدة وحي الكتاب المقدس.

الكتاب المقدس هو أساس الديانة المسيحية

الكتاب المقدس هو كتاب الصَّدارة عند المسيحيين، فهو الكتاب الذي يحتل المكانة الأولى عندهم، وما خالفه لا يؤخذ به، وبالتالي فهو أساس الدِّيانة المسيحية.

ومن هنا نأتي إلى هدف هذه السلسلة، وهو إثبات تحريف الكتاب المُقدَّس كما يؤمن المسلمون بحسب الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية الشريفة، والتراث الإسلامي الذي نقل لنا هذه العقيدة.

لو أثبتنا أنَّ الكتاب المقدس ليس له موثوقية ولا مصداقية، وأنَّه تعرَّض للتَّحريف، حينئذٍ نكون أسقطنا الدِّيانة المسيحية، لأنَّ سقوط الكتاب المقدس = سقوط الديانة المسيحية.

وبالتالي يجب على المسيحي أن يبحث عن كتاب إلهي آخر، ليحتل المكانة الأولى عنده، ولن يجد غير القرآن الكريم، فعليه أن يدرسه ليعرف أنَّه كتاب: لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، ويعرف أن القرآن الكريم موحى به من الله، وله تمام الموثوقية والمصداقية.

معنى أن الكتاب المقدس ليس له موثوقية ولا مصداقية

عندما أقرأ الكتاب المقدس، لا أستطيع أن أصدِّق الكلام الذي أقرأه، فليس هُناك ضمان بأنَّ الكلام صِدْق، ولا أستطيع أن أثق فيما أقرأه، فلا استطيع أن أبني عليه عقيدة ولا شريعة، ولا أستطيع أن أعبد الله على أساسه.

هدف هذه السلسلة هو:

·       إثبات أنَّ الكتاب المُقدَّس ليس له موثوقية ولا مصداقية.

·       إثبات أنَّ الكتاب المُقدَّس كتاب بشري من بدايته وإلى نهايته.

هذه العبارة قالها “بارت إرمان” في كتابه “تحريف أقوال يسوع”، وليس معنى العبارة أنَّ الكتاب المقدس ليس فيه بقايا من الوحي والحق الإلهي، وإنَّما المقصود هو أنَّ المسئول الأول عن الكتاب المقدس هو البشر.

·       هُم الذين اختاروا اسم “الكتاب المقدس”.

·       هُم الذين اختاروا الأسفار الموجودة في الكتاب المقدس.

·       هُم الذين لهم السُّلطان الكامل عن كل شيء يخُصّ الكتاب المقدس.

وفي النِّهاية نقول إنَّ الكتاب المُقدَّس ليس كتاباً واحداً كما يعتقد المسلم في القران الكريم (كتاب واحد مُقسَّم إلى سور)، ولكنَّ الكتاب المقدس مكتبة كاملة تحتوي على مجموعة كبيرة من الكتب كتبوا بواسطة أشخاص مختلفين وفي أزمنة مختلفة.

الحمد لله الذي بنعمته تتمّ الصَّالِحات