بسم الله الرحمن الرحيم
ما زلت أبحث عن الإجابة
بقلم العبد الفقير إلى الله أبو المنتصر شاهين الملقب بـ التاعب
الحمد لله نحمده , ونستعين به ونستغفره, ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مُضِل له , ومن يضلل فلن تجد له وليّاً مرشداً, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, وصفيه من خلقه وخليله, بلَّغ الرسالة, وأدى الأمانة, ونصح الأمة, فكشف الله به الغمة, ومحى الظلمة, وجاهد في الله حق جهاده حتى آتاه اليقين, وأشهد أن عيسى ابن مريم عبد الله ورسوله, وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه.
ثم أما بعد ؛
« اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ اهْدِنِى لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ إِنَّكَ تَهْدِى مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ »(صحيح مسلم-1847).
هُناك العديد من المقاطع التي تُقابلها وأنت تقرأ العهد الجديد تعطيك إيحاءً قوياً جداً بأن هذا الكتاب قد حُذف منه أجزاء كثيرة!, من أهم هذه المقاطع التي تعطيك هذا الإيحاء بشدة المقطع الخاص بمحاكمة يسوع أمام بيلاطس. هذا الموقف الغاية في الأهمية, تجد نفسك مشدوداً جداً وأنت تتابع الموقف, وإليكم نص الحوار:
إنجيل يوحنا[1] الإصحاح 18 :
33 ثُمَّ دَخَلَ بِيلاَطُسُ أَيْضًا إِلَى دَارِ الْوِلاَيَةِ وَدَعَا يَسُوعَ، وَقَالَ لَهُ:«أنْتَ مَلِكُ الْيَهُودِ؟» 34 أَجَابَهُ يَسُوعُ:«أَمِنْ ذَاتِكَ تَقُولُ هذَا، أَمْ آخَرُونَ قَالُوا لَكَ عَنِّي؟» 35 أَجَابَهُ بِيلاَطُسُ: «أَلَعَلِّي أَنَا يَهُودِيٌّ؟ أُمَّتُكَ وَرُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ أَسْلَمُوكَ إِلَيَّ. مَاذَا فَعَلْتَ؟» 36 أَجَابَ يَسُوعُ: «مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هذَا الْعَالَمِ. لَوْ كَانَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هذَا الْعَالَمِ، لَكَانَ خُدَّامِي يُجَاهِدُونَ لِكَيْ لاَ أُسَلَّمَ إِلَى الْيَهُودِ. وَلكِنِ الآنَ لَيْسَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هُنَا». 37 فَقَالَ لَهُ بِيلاَطُسُ: «أَفَأَنْتَ إِذًا مَلِكٌ؟» أَجَابَ يَسُوعُ:«أَنْتَ تَقُولُ: إِنِّي مَلِكٌ. لِهذَا قَدْ وُلِدْتُ أَنَا، وَلِهذَا قَدْ أَتَيْتُ إِلَى الْعَالَمِ لأَشْهَدَ لِلْحَقِّ. كُلُّ مَنْ هُوَ مِنَ الْحَقِّ يَسْمَعُ صَوْتِي». 38 قَالَ لَهُ بِيلاَطُسُ:«مَا هُوَ الْحَقُّ؟». وَلَمَّا قَالَ هذَا خَرَجَ أَيْضًا إِلَى الْيَهُودِ وَقَالَ لَهُمْ:«أَنَا لَسْتُ أَجِدُ فِيهِ عِلَّةً وَاحِدَةً.
عندما تصل إلى هذا السؤال الحيوي الذي ينتظر إجابته كل من يقرأ السياق وكل من كان حاضراً هذا الموقف الرهيب للأسف تُصعق عندما لا تجد إجابة للسؤال! هل ترك يسوع المسيح مثل هذه الفُرصة الذهبية لتوضيح الحق؟ أنا شخصياً لا أظن ذلك, هل هناك تفسير منطقي لعدم وجود إجابة؟ لنتجول في التفاسير العربية منها والإنجليزية لنكوّن صورةً أوضح عن الموقف.
تفسير وليم ماكدونالد[2]
من الصعب تخمين ما قصد بيلاطس بقوله: ما هو الحق؟ أ كان محتارًا، أم مستهزئًا، أم مهتمًا فعلاً؟ لكن كل ما نعلم هو أن الحق المتجسد وقف قبالته، إلاّ أنه فاته التعرُّف به. والآن أسرع بيلاطس نحو اليهود معترفًا أمامهم بأنه لم يجد فيه أية علة على الإطلاق.
هنا نجد أن الأستاذ وليم يرى أن يسوع المسيح لم يكن محتاجاً لطرح إجابة على بيلاطس, حيث أنه هو نفسه الحق! ولكن سؤال يتبادر إلى الذهن, هل كان يعلم بيلاطس أن يسوع هو الحق؟ أعتقد أنه لو كان يعلم هذا لما سأل من البداية! هل كان يستهزأ بيسوع المسيح؟ يقول ألبرت بارني في تفسيره للنص أن يسوع المسيح لم يجب على السؤال لأن السؤال كان مجرد استهزاءٍ من بيلاطس:
Albert Barnes’ Notes on the Bible[3]
What is truth? – This question was probably asked in contempt, and hence Jesus did not answer it.
حتى لو كان السؤال استهزاءاً من بيلاطس أو تهكماً أو سخرية, فمنذ متى كان يترك يسوع أي شخص يواجهه بأي شيء دون أن يرد عليه؟ ألم يكن اليهود في اختبار دائم ليسوع, ورغم ذلك لم يكن يدعهم دون رد أو إجابة فلماذا ترك الإجابة في هذا الموقف؟. على العموم رأيي أن يسوع لم يكن محتاجاً للإجابة لأنه هو الحق نفسه يقول بنيامين بنكرتن أيضاً في تفسيره:
تفسير بنيامين بنكرتن[4]
قال لهُ بيلاطس: ما هو الحق. فلم يكن هو من الحق أكثر من رؤساء الكهنة وإلاَّ فلم يكن قد سأل سؤالاً كهذا. غير أنهُ كان فيلسوفًا مُدَّعيًا بالحكمة وأما هم فمنافقون يتعصبون بالدين ويتظاهرون بالتقوى بدون قوًّة. فالعداوة الشديدة للحق دائمًا تظهر في مثلهم. كان الجواب لسؤال بيلاطس واقفًا أمامهُ بذات المسيح لأنهُ هو الحق والحياة الأبدية أيضًا ولكنهُ لم يكن معروفًا عند حكماء هذا الدهر وعلماءهِ (انظر كورنثوس الأولى 26:1-31؛ 6:2-16). حقًّا نملُّ من مطالعة شرور البشر ومقاومتهم لنور الله.
أن تكون إجابة السؤال (ما هو الحق؟) يسوع المسيح نفسه إجابة غير مقبولة, نستطيع معرفة أن يسوع لم يكن يقصد نفسه بالإجابة من خلال كلامه هو عندما وضح قائلاً (وَلِهذَا قَدْ أَتَيْتُ إِلَى الْعَالَمِ لأَشْهَدَ لِلْحَقِّ) فهل يشهد يسوع لنفسه؟ الإجابة على لسان يسوع في إنجيل يوحنا:
Joh 5:31 «إن كنت أشهد لنفسي فشهادتي ليست حقا.
طبعاً قد يأتي أي شخص مسيحي بالعدد الآخر المتناقض مع هذا العدد:
Joh 8:14 أجاب يسوع: «وإن كنت أشهد لنفسي فشهادتي حق لأني أعلم من أين أتيت وإلى أين أذهب.
ولكن إشكالية التناقض هذه لن نتعرض لها, بل إننا سنتمسك بكلمات يسوع (وَلِهذَا قَدْ أَتَيْتُ إِلَى الْعَالَمِ لأَشْهَدَ لِلْحَقِّ) والتي تُظهر لنا أنه لا يتكلم عن نفسه بالتأكيد, لذلك سنجد أن هُناك الكثير من المفسرين تركوا رأي أن يسوع كان هو نفسه الإجابة على السؤال, وذهبوا إلى أن يسوع المسيح كان على أتم استعداد لمجاوبة السؤال, ولكن العيب كان في بيلاطس نفسه! فلم ينتظر لاستماع الإجابة من يسوع إذ قبل أن يسمع جواباً مضى! يقول بهذا الرأي العديد من المفسرين وأعتقد أن سبب قولهم هذا هو إدراكهم جيداً أن يسوع لم يكن يقصد نفسه أنه هو الحق وهو يشهد لنفسه, أيضاً أعتقد أنهم أرادوا رد أي إدعاءٍ بأن يسوع كان يكتم الحق ولم يعلنه عندما جاءته الفرصة.
تفسير هلال أمين[5]
سأل بيلاطس “ما هو الحق” مع أن الحق ممثلاً في شخص الرب كان واقفاً أمامه ولم يكن سؤاله مصحوباً برغبة صادقة لمعرفة الحق إذ قبل أن يسمع جواباً مضى، كان غريباً عن الحق، وكان قلبه مملوءاً بالعالم والأرضيات، أما الحق فلم يكن يهمه في شيء، كان مقتنعاً ببراءة المسيح معترفاً بذلك “أنا لست أجد فيه علة واحدة” ومع ذلك لم يطلق سراحه.
تفسير أنطونيوس فكري[6]
لم يرفض بيلاطس كلام المسيح ولكنه لم يفهمه. ومعنى سؤال بيلاطس ما هو الحق = يحمل معنى اليأس في أن يجد إنسان الحق على الأرض، وهذا حق لأن الأرض زائلة، فكل ما هو متغير ليس بحق، أماّ الحق فيبقى للأبد (ايو19:5،20). لكن عيب بيلاطس أنه خرج دون أن يسمع إجابة السيد المسيح وكثيرين يعملون هكذا يصلون ويخرجون سريعاً دون أن يسمعوا الرد.
تفسير تادرس يعقوب ملطي[7]
قدم بيلاطس سؤالاً هامًا للغاية: “ما هو الحق؟” لكنه لم ينتظر الإجابة بل خرج إلى اليهود يعلن أنه لم يجد فيه علة واحدة. ربما قدم السؤال عن اشتياقٍ حقيقيٍ لمعرفة الحق، لكن انشغاله في أعماله لم يعطه الفرصة ليتمتع بالإجابة واختبار الحق. هذا ما نفعله كثيرًا في صلواتنا حين نطلب من الله ولا ننتظر إجابته علينا.
من ضمن التفاسير الظريفة تفسير آدم كلارك, حيث أنه قد جمع بين الوجهين! السؤال كان مجرد سخرية واستهزاء من بيلاطس ولكن رغم ذلك كان يسوع على استعداد للإجابة ولكن بيلاطس لم ينتظر الإجابة لسببين, إما أنه كان يائساً من الحصول على إجابةٍ مُرضِية أو أنه كان غير مهتم أصلاً بالإجابة!
Adam Clarke’s Commentary on the Bible[8]
Pilate perhaps might have asked the question in a mocking way; and his not staying to get an answer indicated that he either despaired of getting a satisfactory one, or that he was indifferent about it.
أكرر مرة أخرى , إن كان بيلاطس لا يريد الاستماع إلى الإجابة فلماذا سأل أصلاً؟ ربما قد يكون السؤال مجرد سخرية ولكن هل يمنع أن يجيب يسوع على السؤال؟ هل سكت يسوع ولم يجب لأنه هو الحق؟ ولكن كيف يقصد نفسه؟ هو لا يشهد لنفسه بل جاء ليشهد للحق, لذلك نكرر سؤال بيلاطس ونقول ما هو الحق ؟!
بحث الكثيرون عن إجابة هذا السؤل, وفي ظل فحصي للكثير من الكتابات التاريخية والأناجيل الأبوكريفا وجدت الإجابة! لا أعلم إن كانت هذه الإجابة مُفبركة من أجل سَدّ فراغ عدم وجود إجابة من يسوع أم إنها الإجابة الحقيقية، على كلٍ؛ فهي أفضل من لا شيء.
الإجابة موجودة في إنجيل نيقوديموس المنحول[9] الذي يُقدم لنا مُحاكمة يسوع أمام بيلاطس بتفصيل كبير يطابق الكثير مما نعرفه عن المحاكمة من خلال قراءة إنجيل يوحنا, ولكن عندما سأل بيلاطس ما هو الحق نجد في هذا الإنجيل المنحول إجابة يسوع!
إنجيل نيقوديموس المنحول – الفصل الثالث – مملكتي ليست من هذا العالم[10]:
وعاد بيلاطس إلى مقرّ القضاء ونادى يسوع وحده وقال له: ” أأنتَ ملك اليهود؟” فقال يسوع لبيلاطس، مجيباً: ” أمنْ عندك تقول ذلك، أم آخرون قالوه لكَ عني؟” أجاب بيلاطس يسوع: ” أَلعلي أنا يهودي؟ أن أُمتك ورؤساء الكهنة أسلموك إليّ؛ فماذا فعلت؟“. أجاب يسوع: ” مملكتي ليست من هذا العالم؛ لو كانت مملكتي من هذا العالم، لقاوم خدّامي، ولما أُسلمْتُ لليهود؛ لكن مملكتي ليست هنا “. قال بيلاطس: ” أنتَ إذاً ملك؟“. فأجاب يسوع: ” أنتَ تقول ذلك، نعم، أنا ملك. لهذا وُلْدتُ ولهذا أتيتُ لأشهد للحق، وكلّ من هو في الحق سيسمع صوتي “. قال بيلاطس: ” ما هو الحق؟ “. فأجاب يسوع: ” الحق يأتي من السماء “. قال بيلاطس: ” ألا يوجد حق على الأرض؟ “. فقال يسوع لبيلاطس: ” أُنظُرْ كيف أن مَنْ يقولون الحق على الأرض يحاكمهم مَنْ لهم السلطان على الأرض “.
أعتقد أن الإجابة التي يقدمها لنا إنجيل نيقوديموس المنحول إجابة غير منطقية, السؤال يقول (ما هو الحق؟) وليس (من أين يأتي الحق؟) أو (من أين نعرف الحق؟). إجابة يسوع في هذا الإنجيل إجابة مُبهمة, فهو لم يجب أصلاً على السؤال ولكنه يُلمح بأنه قد أجاب على هذا السؤال من قبل وإجابة السؤال هي سبب محاكمته الآن!
في الحقيقة أنا في حيرة شديدة, هل أجاب يسوع أم لا؟ وإن كان قد أجاب على السؤال فعلاً فأين ذهبت إجابته ؟ هل كانت إجابته غير مُرضية لأصحاب العقيدة المسيحية لذلك قاموا بمحوها؟! العجيب أنك إذا أردت البحث في أقدم مخطوطات إنجيل يوحنا مثل البردية 66 والبردية 75, الرق الذي يحتوي على هذا الجزء من إنجيل يوحنا مُمَزّق تماما لا تستطيع قراءة شيء منه! تساؤلات كثيرة تدور في ذهني بخصوص هذا السؤال, حتى الإجابة التي حصلت عليها غير مُقنعة, هل كان يسوع يقصد نفسه بالحق؟ أم أن الحق شيء آخر جاء يسوع ليشهد له؟ يبدو أن المعلومات التي لدينا لا تكفي للإجابة عن السؤال ولكني مازلت أبحث عن الإجابة!
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
[1] ترجمة الفاندايك
[6] http://st-takla.org/pub_Bible-Interpretations/Holy-Bible-Tafsir-02-New-Testament/Father-Antonious-Fekry/00-2-The-Passion-n-Resurrection/Alaam-El-Masi7-Wal-Kyama__01-Chapter-10-04.html
[9] تعريف القمص عبد المسيح بسيط بالإنجيل: يرجع نص هذا العمل المنحول إلى القرن الخامس الميلادي وأن كان هو مُستمَدّ من كتابات وتقاليد سابقة. نجده في أصله اليوناني، والسرياني، والأرمني، والقبطي، والعربي واللاتيني. ويرى تشندورف، مكتشف المخطوطة السينائية، اعتماداً على إشارات في وردت في كتبات يوستينوس وترتليانوس، أنه يرجع إلى القرن الثاني وهو زمن يكفي لانتشار الأسطورة. (من كتاب أبوكريفا العهد الجديد صـ170)
[10] الترجمة العربية من كتاب القمص عبد المسيح بسيط أبو الخير – أبو كريفا العهد الجديد صـ 176 http://www.fatherbassit.com/books/thebook.rar
