مدونة التاعب

خُلاصة كتاب: تثبيت حجية السنة ونقض أصول المنكرين، تأليف: الشيخ أحمد يوسف السيد

بسم الله الرحمن الرحيم

خُلاصة كتاب: تثبيت حُجِيَّة السُّنَّة ونَقْض أُصُول المُنكرين

تأليف: أحمد يوسف السيد

تحميل الخُلاصة: [DOC] [PDF]

مُقدِّمات الإلحاد

القسم الأول: ركائز حُجِّيَّة السُّنَّة

الرَّكيزة الأولى لحُجِّيَّة السُّنَّة: القرآن الكريم

دلالة القرآن على أصل حُجِّيَّة السُّنَّة

الأمر العام لجميع الأُمَّة بطاعة الرسول ﷺ

﴿‌وَمَآ ‌أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]

﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا ‌كَآفَّةٗ ‌لِّلنَّاسِ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [سبأ: 28]

﴿قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ ‌إِلَيۡكُمۡ ‌جَمِيعًا ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِيِّ ٱلۡأُمِّيِّ ٱلَّذِي يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَٰتِهِۦ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ﴾ [الأعراف: 158]

﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: 31-32]

﴿تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [النِّساء: 13-14]

﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً﴾ [النِّساء: 65]

﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً﴾ [النِّساء: 80]

﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً﴾ [النِّساء: 115]

﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ ‌فَخُذُوهُ ‌وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُواْۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ﴾ [الحشر: 7]

﴿فَلۡيَحۡذَرِ ٱلَّذِينَ ‌يُخَالِفُونَ ‌عَنۡ أَمۡرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ يُصِيبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63]

«جِمَاعُ العِلْم – الشافعي» (ص8): «فهل تجد ‌السَّبيل ‌إلى ‌تأدية فرض الله عز وجل في اتِّباع أوامر رسول الله ﷺ، أو أحد قبلك أو بعدك، مِمَّن لم يُشاهد رسول الله ﷺ، إلَّا بالخبر عن رسول الله ﷺ.» (وفي هذا الكتاب نصّ مُحاورته من مُنكر السُّنَّة!)

﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ ‌فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلًا﴾ [النساء: 59]

«الإحكام في أصول الأحكام – ابن حزم» (1/ 97): «المراد بهذا الرَّدّ إنَّما هو إلى القرآن والخبر عن رسول الله ﷺ، لأنَّ ‌الأُمَّة ‌مُجمعة ‌على ‌أنَّ هذا الخطاب مُتوجَّه إلينا وإلى كل مَن يُخلَق ويُركَّب روحه في جسده إلى يوم القيامة من الجِنَّة والنَّاس.»

دلالة القرآن على أنَّ السُّنَّة وحي

الحكمة المعطوفة على الكتاب

﴿كَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِيكُمۡ رَسُولٗا مِّنكُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِنَا وَيُزَكِّيكُمۡ وَيُعَلِّمُكُمُ ‌ٱلۡكِتَٰبَ ‌وَٱلۡحِكۡمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمۡ تَكُونُواْ تَعۡلَمُونَ﴾ [البقرة: 151]

﴿وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيۡكُم مِّنَ ‌ٱلۡكِتَٰبِ ‌وَٱلۡحِكۡمَةِ يَعِظُكُم بِهِۦۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ﴾ [البقرة: 231]

﴿لَقَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ بَعَثَ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ‌ٱلۡكِتَٰبَ ‌وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ﴾ [آل عمران: 164]

﴿وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيۡكَ ‌ٱلۡكِتَٰبَ ‌وَٱلۡحِكۡمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمۡ تَكُن تَعۡلَمُۚ وَكَانَ فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكَ عَظِيمٗا﴾ [النساء: 113]

﴿هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلۡأُمِّيِّـۧنَ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ‌ٱلۡكِتَٰبَ ‌وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ﴾ [الجمعة: 2]

﴿وَٱذۡكُرۡنَ مَا يُتۡلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ ‌مِنۡ ‌ءَايَٰتِ ‌ٱللَّهِ ‌وَٱلۡحِكۡمَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [الأحزاب: 34]

«الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية» (6/ 68): «وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْمَنْقُولِ الْمُتَوَاتِرِ أَنْ يَكُونَ فِي الْقُرْآنِ بَلْ كَمَا تَوَاتَرَ عَنْهُ فِي شَرِيعَتِهِ مَا لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ، وَهُوَ مِنَ الْحِكْمَةِ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ كَذَلِكَ، وَتَوَاتَرَ عَنْهُ مِنْ دَلَائِلِ نُبُوَّتِهِ مَا لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ، وَهُوَ مِنْ بَرَاهِينِهِ وَآيَاتِهِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ: {وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [النساء: 113] فَالْحِكْمَةُ نُزِّلَتْ عَلَيْهِ، ‌وَهِيَ ‌مَنْقُولَةٌ ‌فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ

«تفسير الطبري» (19/ 108): «واذكرْنَ ما يُقرَأُ في بيوتكنَّ مِن آياتِ كتابِ اللهِ والحكمةِ، ويعنى بالحكمةِ: ما أُوحى إلى رسولُ اللهِ ﷺ مِن أحكامِ دينِ اللهِ، ولم يَنزلْ به قرآنٌ، وذلك: السنةُ. (…) عن قتادةَ في قولِه: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ}: أي السُّنَّةِ، قال: يمْتنُّ عليهم بذلك.»

«تفسير ابن كثير – ط العلمية» (1/ 317): «وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ يَعْنِي الْقُرْآنَ، ‌وَالْحِكْمَةَ ‌يَعْنِي ‌السُّنَّةَ، قَالَهُ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ وَأَبُو مَالِكٍ وَغَيْرُهُمْ، وَقِيلَ: الْفَهْمُ فِي الدِّينِ وَلَا مُنَافَاةَ

«جِماع العِلم – الإمام الشافعي» (ص6):

«جِماع العلم – الإمام الشافعي» (ص7):

«الرسالة للشافعي» (ص78): «فذكر الله الكتاب وهو القُرَآن، وذكر الحِكْمَة، ‌فسمعتُ ‌مَنْ ‌أرْضى من أهل العِلْم بالقُرَآن يقول: الحكمة سنة رسول الله ﷺ.»

الآيات الدَّالة على نُزُول الوحي على النبي ﷺ

دلالة آيات الإخبار بنُزُول الملائكة في بدر

﴿‌إِذۡ ‌تَقُولُ ‌لِلۡمُؤۡمِنِينَ أَلَن يَكۡفِيَكُمۡ أَن يُمِدَّكُمۡ رَبُّكُم بِثَلَٰثَةِ ءَالَٰفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُنزَلِينَ﴾ [آل عمران: 124]

«التحرير والتنوير – الطَّاهر ابن عاشور» (4/ 72): «وَالْمَعْنَى: إِذْ تَعِدُ الْمُؤْمِنِينَ بِإِمْدَادِ اللَّهِ بِالْمَلَائِكَةِ، فَمَا كَانَ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ لَهُمْ تِلْكَ الْمَقَالَةَ إِلَّا ‌بِوَعْدٍ ‌أَوْحَاهُ ‌اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ يَقُولَهُ

دلالة آيات تحويل القبلة

﴿قَدۡ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجۡهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبۡلَةٗ تَرۡضَىٰهَاۚ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥۗ ﴾ [البقرة: 144]

دلالة آيات سورة التحريم

﴿وَإِذۡ أَسَرَّ ٱلنَّبِيُّ إِلَىٰ بَعۡضِ أَزۡوَٰجِهِۦ حَدِيثٗا فَلَمَّا نَبَّأَتۡ بِهِۦ وَأَظۡهَرَهُ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ عَرَّفَ ‌بَعۡضَهُۥ ‌وَأَعۡرَضَ ‌عَنۢ ‌بَعۡضٖۖ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِۦ قَالَتۡ مَنۡ أَنۢبَأَكَ هَٰذَاۖ قَالَ نَبَّأَنِيَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡخَبِيرُ﴾ [التحريم: 3]

دلالة فتح مكَّة مع آيات تحريمها

﴿إِنَّمَآ أُمِرۡتُ أَنۡ أَعۡبُدَ رَبَّ هَٰذِهِ ٱلۡبَلۡدَةِ ٱلَّذِي ‌حَرَّمَهَا ‌وَلَهُۥ كُلُّ شَيۡءٖۖ وَأُمِرۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ﴾ [النمل: 91]

دلالة القرآن على أنَّ الرسول ﷺ مُبَيِّن له

«الإحكام في أصول الأحكام – ابن حزم» (1/ 104): «‌ثمَّ ‌لم ‌يختلف فيه مُسلمان في أنَّ ما صحَّ عن رسول الله ﷺ أنَّه قال، ففرض اتِّباعه، وأنَّه تفسيرٌ لمُراد الله تعالى في القرآن، وبيان لمجمله.»

﴿لَا تُحَرِّكۡ بِهِۦ لِسَانَكَ لِتَعۡجَلَ بِهِۦٓ * إِنَّ عَلَيۡنَا جَمۡعَهُۥ وَقُرۡءَانَهُۥ * فَإِذَا قَرَأۡنَٰهُ فَٱتَّبِعۡ قُرۡءَانَهُۥ * ‌ثُمَّ ‌إِنَّ ‌عَلَيۡنَا بَيَانَهُۥ﴾ [القيامة: 16-19]

«تفسير ابن كثير – ط العلمية» (8/ 286): «ثُمَّ إِنَّ ‌عَلَيْنا ‌بَيانَهُ أَيْ بَعْدَ حِفْظِهِ وَتِلَاوَتِهِ نُبَيِّنُهُ لَكَ وَنُوَضِّحُهُ وَنُلْهِمُكَ مَعْنَاهُ عَلَى مَا أَرَدْنَا وَشَرَعْنَا

﴿وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلذِّكۡرَ ‌لِتُبَيِّنَ ‌لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: 44]

«تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن» (10/ 109): «(وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ) يَعْنِي الْقُرْآنَ. (‌لِتُبَيِّنَ ‌لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنَ الْأَحْكَامِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ بِقَوْلِكَ وَفِعْلِكَ، فَالرَّسُولُ ﷺ مُبَيِّنٌ عَنِ اللَّهِ عز وجل مُرَادَهُ مِمَّا أَجْمَلَهُ فِي كِتَابِهِ مِنْ أَحْكَامِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يُفَصِّلْهُ

«الرسالة للشافعي» (ص91): «فلم أعلم من أهل العلم مُخالفاً في أنَّ سُنن النبي ﷺ ‌من ‌ثلاثة ‌وُجُوه، فاجتمعوا منها على وجهين (…) أحدهما: ما أنزل اللهُ فيه نصّ كتاب، فبَيَّنَ رسول الله ﷺ مثلَ ما نصَّ الكتاب. والآخر: ممَّا أنزل اللهُ فيه جُملةَ كتاب، فبيَّن عن الله معنى ما أراد. وهذان الوجهان اللَّذان لم يختلفوا فيهما.»

الشيخ خليل ملا خاطر، في كتابه: السُّنَّة وحي: «وهذا البيان الذي تكفَّل اللهُ تعالى به: إمَّا أن يكون قرآناً لاحقاً؛ ينزله في كتابه، مثل القرآن النَّازل، أو لا. فإن كان قرآناً افتقر هو الآخر إلى بيان آخر أيضاً، وهكذا يحتاج القرآن إلى قرآن تال ليُبيِّنه، ويكون التَّسلسُل.» (هذا الكلام يحتاج إلى تعليق!)

دلالة القرآن على دوام حُجِّيَّة السُّنَّة

دلالة القرآن على حفظ السُّنَّة

دوام حاجة المؤمنين للسُّنَّة

الدَّليل الأوَّل

﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ فَإِن ‌تَنَٰزَعۡتُمۡ ‌فِي ‌شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلًا﴾ [النساء: 59]

«الإحكام في أصول الأحكام – ابن حزم» (1/ 97): «والبرهان على أنَّ المُراد بهذا الرَّدّ إنَّما هو إلى القرآن والخبر عن رسول الله ﷺ، لأنَّ ‌الأُمَّة ‌مُجمعة ‌على ‌أنَّ هذا الخطاب مُتوجَّه إلينا وإلى كل مَن يُخلَق ويُركَّب روحه في جسده إلى يوم القيامة من الجِنَّة والنَّاس

«التحرير والتنوير – الطَّاهر ابن عاشور» (5/ 97): «‌وَإِنَّمَا ‌أُعِيدَ ‌فِعْلُ: وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ مَعَ أَنَّ حَرْفَ الْعَطْفِ يُغْنِي عَنْ إِعَادَتِهِ إِظْهَارًا لِلِاهْتِمَامِ بِتَحْصِيلِ طَاعَةِ الرَّسُولِ لِتَكُونَ أَعْلَى مَرْتَبَةً مِنْ طَاعَةِ أُولِي الْأَمْرِ، وَلِيُنَبِّهَ عَلَى وُجُوبِ طَاعَتِهِ فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ، وَلَوْ كَانَ أَمْرُهُ غَيْرَ مُقْتَرِنٍ بِقَرَائِنِ تَبْلِيغِ الْوَحْيِ لِئَلَّا يَتَوَهَّمَ السَّامِعُ أَنَّ طَاعَةَ الرَّسُولِ الْمَأْمُورَ بِهَا تَرْجِعُ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ فِيمَا يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ دُونَ مَا يَأْمُرُ بِهِ فِي غَيْرِ التَّشْرِيعِ، فَإِنَّ امْتِثَالَ أَمْرِهِ كُلِّهِ خَيْرٌ.»

«الإحكام في أصول الأحكام – ابن حزم» (1/ 97، 98): «وحتى لو شغَّب مُشغِّب بأنَّ ‌هذا ‌الخطاب ‌إنَّما هو مُتوجَّه إلى مَن يُمكن لقاء رسول الله ﷺ، لَمَا أمكنه هذا الشَّغب في الله عز وجل، إذ لا سبيل لأحدٍ إلى مُكالمته تعالى، فبطل هذا الظَّنّ وصحّ أنَّ المُراد بالرَّدّ المذكور في الآية التي نصصنا إنَّما هو إلى كلام الله تعالى، وهو القرآن، وإلى كلام نبيه ﷺ المنقول على مُرُور الدَّهر إلينا جيل بعد جيل. وأيضاً فليس في الآية المذكورة ذكر للقاء ولا مُشافهة أصلاً، ولا دليل عليه، وإنَّما فيه الأمر بالرَّدّ فقط. ومعلومٌ بالضَّرورة أنَّ هذا الرَّدّ إنَّما هو تحكيم أوامر الله تعالى. وأوامر رسوله ﷺ موجودة عندنا، منقول كل ذلك إلينا، فهي التي جاء نصّ الآية بالرَّدّ إليها دون تكلُّف تأويل ولا مُخالفة ظاهر.»

عبد العزيز الكناني رحمه الله، قال عن هذه الآية، «الحيدة والاعتذار في الرد على من قال بخلق القرآن» (ص32): «هذا ما لا خلاف فيه بين المؤمنين وأهل العلم، إن رددناه إلى الله فهو إلى كتابه، وإن رددناه إلى رسوله بعد وفاته؛ فإنَّما هو إلى سُنَّته، وإنَّما يشُكُّ في هذا المُلحدون.»

وقال شيخ الإسلام ابن القيِّم رحمه الله، في كتابه: «إعلام الموقعين عن رب العالمين» (1/ 39 ط العلمية): «ومنها أنَّ ‌النَّاسَ ‌أَجْمَعُوا أَنَّ الرَّدَّ إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ هُوَ الرَّدُّ إلَى كِتَابِهِ، وَالرَّدَّ إلَى الرَّسُولِ ﷺ هُوَ الرَّدُّ إلَيْهِ نَفْسِهِ فِي حَيَاتِهِ وَإِلَى سُنَّتِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ.»

احتياج المؤمنين في كلّ الأزمان للكتاب والسُّنَّة في فصل النِّزاعات:

الدَّليل الثاني

﴿إِنَّا نَحۡنُ ‌نَزَّلۡنَا ‌ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9]

قال المُعلِّمي اليماني في كتابه: الأنوار الكاشفة لما في كتاب «أضواء على السنة» (12/ 43، 44 ضمن «آثار المُعلِّمي»): (فأمَّا السُّنَّة فقد تكفَّل اللهُ بحفظها أيضاً؛ لأنَّ تكفُّله بحفظ القرآن يستلزم تكفُّله بحفظ بيانه وهو السُّنَّة، وحفظ لسانه وهو العربية، إذ المقصود بقاء الحُجَّة قائمة، والهداية باقية، بحيث ينالها من يطلبها؛ لأنَّ محمداً ﷺ خاتم الأنبياء، وشريعته خاتمة الشرائع. (…) فالشَّأن في هذا الأمر هو العِلْم بأنَّ النبي ﷺ قد بلَّغ ما أُمِرَ به، التَّبليغ الذي رضيه الله منه، وأنَّ ذلك مظنَّة بلوغه إلى من يحفظه من الأُمَّة، ويُبلِّغه عند الحاجة، ويبقى موجوداً بين الأُمَّة، (…) ومن طالع تراجم أئمَّة الحديث من التَّابعين فَمَن بعدهم، وتدبَّر ما آتاهم الله تعالى من قُوّة الحفظ والفهم، والرَّغبة الأكيدة في الجدّ والتَّشمير لحفظ السُّنَّة وحياطتها، بان له ما يُحيِّر عقله، وعلم أنَّ ذلك ثمرة تكفُّل الله تعالى بحفظ دينه – وشأنهم في ذلك عظيم جداً – أو هو عبادة من أعظم العبادات وأشرفها.)

الدَّليل الثالث

﴿يُرِيدُونَ لِيُطۡفِـُٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِۦ ‌وَلَوۡ ‌كَرِهَ ‌ٱلۡكَٰفِرُونَ * هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِينِ ٱلۡحَقِّ لِيُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُشۡرِكُونَ﴾ [الصف: 8-9]

لُزُوم حِفْظ بيان القرآن

الرَّكيزة الثانية لحُجِّيَّة السُّنَّة: التَّواتُر

«الإحكام في أصول الأحكام – ابن حزم» (1/ 104): وجدنا الأخبار تنقسم قسمين، خبر تواتر، وهو ما نقلته كافَّة بعد كافَّة حتى تبلغ به النبي ﷺ، وهذا خبرٌ لم يختلف مُسلمان في وُجُوب الأخذ به، وفي أنَّه حقٌّ مقطوعٌ على غيبه؛ لأنَّ بمثله عرفنا أنَّ القرآن هو الذي أتى به محمد ﷺ، وبه علمنا صِحَّة مبعث النبي ﷺ، وبه علمنا عدد رُكُوع كل صلاة وعدد الصَّلوات وأشياء كثيرة من أحكام الزكاة وغير ذلك ممَّا لم يُبيَّن في القرآن تفسيره، (…) ومن أنكر ذلك كان بمنزلة من أنكر ما يُدرَك بالحواس الأول ولا فرق، ولزمه أن يُصدِّق بأنَّه كان قبله زمان ولا أن أباه وأمه كانا قبله ولا أنه مولود من امرأة.

«المستصفى – أبو حامد الغزالي» (ص106): «‌أَمَّا ‌إثْبَاتُ ‌كَوْنِ التَّوَاتُرِ مُفِيدًا لِلْعِلْمِ فَهُوَ ظَاهِرٌ، … ثُمَّ لَا يَسْتَرِيبُ عَاقِلٌ فِي أَنَّ فِي الدُّنْيَا بَلْدَةً تَسَمَّى بَغْدَادَ وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْهَا، وَلَا يُشَكُّ فِي وُجُودِ الْأَنْبِيَاءِ، بَلْ فِي وُجُودِ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، بَلْ فِي الدُّوَلِ وَالْوَقَائِعِ الْكَبِيرَةِ. فَإِنْ قِيلَ لَوْ كَانَ هَذَا مَعْلُومًا ضَرُورَةً لَمَا خَالَفْنَاكُمْ. قُلْنَا مَنْ يُخَالِفُ فِي هَذَا فَإِنَّمَا يُخَالِفُ بِلِسَانِهِ أَوْ عَنْ خَبْطٍ فِي عَقْلِهِ أَوْ عَنْ عِنَادٍ، وَلَا يَصْدُرُ إنْكَارُ هَذَا مِنْ عَدَدٍ كَثِيرٍ يَسْتَحِيلُ إنْكَارُهُمْ فِي الْعَادَةِ لِمَا عَلِمُوهُ وَعِنَادُهُمْ.»

«الفقيه والمتفقه – الخطيب البغدادي» (1/ 276): «فَأَمَّا ‌التَّوَاتُرُ: ‌فَضِرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: تَوَاتُرٌ مِنْ طَرِيقِ اللَّفْظِ، وَالْآخَرُ تَوَاتُرٌ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى. فَأَمَّا التَّوَاتُرُ مِنْ طَرِيقِ اللَّفْظِ: فَهُوَ مِثْلُ الْخَبَرِ بِخُرُوجِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَوَفَاتِهِ بِهَا، وَدَفْنِهِ فِيهَا، وَمَسْجِدِهِ، وَمِنْبَرِهِ، وَمَا رُوِيَ مِنْ تَعْظِيمِهِ الصَّحَابَةَ، وَمُوَالَاتِهِ لَهُمْ، وَمُبَايَنَتِهِ لِأَبِي جَهْلٍ، وَسَائِرِ الْمُشْرِكِينَ، وَتَعْظِيمِهِ الْقُرْآنَ، وَتَحَدِّيهِمْ بِهِ، وَاحْتِجَاجِهِ بِنُزُولِهِ، وَمَا رُوِيَ مِنْ عَدَدِ الصَّلَوَاتِ وَرَكَعَاتِهَا وَأَرْكَانِهَا وَتَرْتِيبِهَا، وَفَرْضِ الزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ، وَنَحْوِ ذَلِكَ وَأَمَّا التَّوَاتُرُ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى: فَهُوَ أَنْ يَرْوِيَ جَمَاعَةٌ كَثِيرُونَ يَقَعُ الْعِلْمُ بِخَبَرِهِمْ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حُكْمًا غَيْرَ الَّذِي يَرْوِيهِ صَاحِبُهُ، إِلَّا أَنَّ الْجَمِيعَ يَتَضَمَّنُ مَعْنًى وَاحِدًا، فَيَكُونُ ذَلِكَ الْمَعْنَى بِمَنْزِلَةِ مَا تَوَاتَرَ بِهِ الْخَبَرُ لَفْظًا، مِثَالُ ذَلِكَ: مَا رَوَى جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ عَمَلَ الصَّحَابَةِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَالْأَحْكَامُ مُخْتَلِفَةٌ، وَالْأَحَادِيثُ مُتَغَايِرَةٌ، وَلَكِنَّ جَمِيعَهَا يَتَضَمَّنُ الْعَمَلَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ، وَهَذَا أَحَدُ طُرُقِ مُعْجِزَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ تَسْبِيحُ الْحَصَى فِي يَدَيْهِ، وَحَنِينُ الْجِذْعِ إِلَيْهِ، وَنَبْعُ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، وَجَعْلُهُ الطَّعَامَ الْقَلِيلَ كَثِيرًا، وَمَجُّهُ الْمَاءَ مِنْ فَمَهِ فِي الْمَزَادَةِ، فَلَمْ يَنْقُصْهُ الِاسْتِعْمَالُ، وَكَلَامُ الْبَهَائِمِ لَهُ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يَكْثُرُ تَعْدَادُهُ إِذَا ثَبَتَ هَذَا.»

أنواع الأخبار المتواترة المُثبتة لحُجِّيَّة السُّنَّة

النوع الأول: تواتر أخبار الغيب عن النبي ﷺ

النوع الثاني: تواتر الأحاديث القدسية عن النبي ﷺ

النوع الثالث: تواتر بيان النبي ﷺ للقرآن

الرَّكيزة الثالثة لحُجِّيَّة السُّنَّة: الإجماع

«الإحكام في أصول الأحكام – ابن حزم» (1/ 113): «فصحَّ بهذا إجماع الأُمَّة كلها على قبول خبر ‌الواحد ‌الثقة ‌عن النبي ﷺ، وأيضاً فإنَّ جميع أهل الإسلام كانوا على قبول خبر الواحد الثقة عن النبي ﷺ، يجري على ذلك كلّ فرقة في علمها كأهل السُّنَّة والخوارج والشيعة والقدرية، حتى حَدَث مُتكلِّمو المُعتزلة بعد المائة من التاريخ، فخالفوا الإجماع في ذلك.»

«التَّمهيد – ابن عبد البر» (1/ 192 ت بشار): «وأجمعَ أهلُ العِلم ‌مِن ‌أهْلِ ‌الفقهِ والأثَرِ في جميع الأمْصارِ فيما علِمْت، على قَبُولِ خبرِ الواحِدِ العَدْل، وإيجابِ العَملِ به، إذا ثبتَ ولم يَنْسَخْه غيرُه مِن أثَرٍ أو إجْماع، على هذا جميعُ الفقهاءِ في كلِّ عصرٍ مِن لَدُن الصحابةِ إلى يومِنا هذا، إلَّا الخَوارجَ وطوائفَ مِن أهْلِ البِدَع، شِرْذِمَةٌ لا تُعَدُّ خِلافًا.»

«تلقيح الفهوم في تنقيح صيغ العموم – العلائي» (صـ397): «العُلماء مُتَّفقون في كلِّ عصرٍ على التَّمسُّك في إثبات الأحكام بآيات القرآن العظيم وأحاديث السُّنَّة.»

وقال شيخ الإسلام ابن القيِّم رحمه الله، في كتابه: «إعلام الموقعين عن رب العالمين» (1/ 39 ط العلمية): «ومنها أنَّ ‌النَّاسَ ‌أَجْمَعُوا أَنَّ الرَّدَّ إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ هُوَ الرَّدُّ إلَى كِتَابِهِ، وَالرَّدَّ إلَى الرَّسُولِ ﷺ هُوَ الرَّدُّ إلَيْهِ نَفْسِهِ فِي حَيَاتِهِ وَإِلَى سُنَّتِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ.»

القسم الثَّاني: نقض أُصُول مُنكري السُّنَّة

قضايا منهجية في تثبيت حُجِّيَّة السُّنَّة ومُناقشة مُنكريها

«مجموع الفتاوى – ابن تيمية» (19/ 203): «لابُدَّ أن يكون مع الإنسان ‌أُصُول ‌كُلِّيَّة تُرَدُّ إليها الجُزئيَّات ليتكلَّم بعلمٍ وعدلٍ، ثمَّ يعرف الجزئيات كيف وقعت؟ وإلَّا فيبقى في كذب وجَهْل في الجُزئيَّات، وجهل وظلم في الكُلِّيَّات؛ فيتولَّد فسادٌ عظيمٌ.»

قواعد الاستدلال بالسُّنَّة على مُنكرها

السُّنَّة المُتواترة حُجَّة

مَحَلّ النِّزاع مع مُنكر السُّنَّة

أهمِّيَّة عِلْم الحديث

تعامُل المُشكِّكون المُضطرب مع السُّنَّة

حجم المُشكلة عند مُنكر السُّنَّة

المعاني المُستنكَرة في السُّنَّة موجودة في القرآن

ادِّعاء التَّعارض في السُّنَّة قد يُدَّعى في القرآن

معرفة السُّنَّة وقاية مِن إنكارها

إنكار السُّنَّة يؤدِّي إلى هَدْم الدِّين عمليًّا

أُصُول مُنكري السُّنَّة النَّبَوِيَّة

الأصل الأوَّل: الاستغناء بالقرآن الكريم

دليلهم الأول: ﴿وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ ‌تِبۡيَٰنٗا ‌لِّكُلِّ ‌شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُسۡلِمِينَ﴾ [النحل: 89]

«زاد المسير في علم التفسير (ابن الجوزي)» (2/ 578): «فأمَّا قوله تعالى: لِكُلِّ شَيْءٍ فقال العلماء بالمعاني: يعني: لكل شيء من أمور الدين، إِمَّا بالنَّص عليه، أو بالإِحالة على ما يُوجِب العِلْم، مثل بيان رسول الله ﷺ أو إجماع المسلمين»

«التفسير الوسيط لطنطاوي» (8/ 218): [وهذا التبيان إما في نفس الكتاب، أو بإحالته على السنة لقوله- تعالى-: … وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا …، أو بإحالته على الإجماع كما قال- تعالى-: وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّىأو على القياس كما قال: فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ والاعتبار: النظر والاستدلال اللذان يحصل بهما القياس. فهذه أربعة طرق لا يخرج شيء من أحكام الشريعة عنها، وكلها مذكورة في القرآن، فكان تبياناً لكل شيء فاندفع ما قيل: كيف قال الله- تعالى- وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ ‌الْكِتابَ ‌تِبْياناً ‌لِكُلِّ ‌شَيْءٍ ونحن نجد كثيراً من أحكام الشريعة لم يعلم من القرآن نصاً، كعدد ركعات الصلاة، ومقدار حد الشرب، ونصاب السرقة وغير ذلك …]

دليلهم الثَّاني: ﴿‌مَّا ‌فَرَّطۡنَا فِي ٱلۡكِتَٰبِ مِن شَيۡءٖۚ﴾ [الأنعام: 38]

«تفسير الطبري» (9/ 232): «فالربُّ الذي لم يُضيِّعْ حفظَ أعمال البهائم والدوابِّ في الأرضِ، والطيرِ في الهواءِ، حتى حفِظ عليها حركاتِها وأفعالَها، وأثبَت ذلك منها في أمِّ الكتاب، وحشَرها ثم جازاها على ما سلَف منها في دار البلاءِ، أحْرَى ألَّا يُضَيِّعَ أعمالَكم، ولا يُفَرِّطَ في حِفْظِ أفعالِكم التي تَجْتَرِحُونها أيُّها الناسُ، حتى يَحْشُرَكم فيُجازيَكم على جميعِها إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًّا فشرًّا»

«تفسير القرآن الثري الجامع» (14/ 188): «ويؤيِّد ذلك قوله تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِى الْكِتَابِ مِنْ شَىْءٍ} [الأنعام: 38]، ويشمل ذلك سنة رسول الله ﷺ قولاً، وفعلاً، وتقريراً»

«زاد المسير في علم التفسير (ابن الجوزي)» (2/ 26): [قوله تعالى: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ في الكتاب قولان: أحدهما: أنه اللوح المحفوظ. روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس: ما تركنا شيئا إلا وقد كتبناه في أم الكتاب، وإلى هذا المعنى ذهب قتادة، وابن زيد. والثاني: أنه القرآن. روى عطاء عن ابن عباس: ما تركنا من شيء إلا وقد بيناه لكم. فعلى هذا يكون من العام الذي أريد به الخاص، فيكون المعنى: ما فرطنا في شيء بكم إليه حاجة إلا وبيناه في الكتاب، إما نصاً، وإما مجملاً، وإما دلالة، كقوله تعالى: وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ أي: لكل شيء يحتاج إليه في أمر الدين.]

دليلهم الثالث: ﴿‌فَبِأَيِّ ‌حَدِيثِۭ ‌بَعۡدَهُۥ يُؤۡمِنُونَ﴾ [المرسلات: 50]

«تفسير الطبري» (10/ 603): «وقوله: {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ}. يقولُ: فبأيِّ تخويفٍ وتحذيرٍ وترهيبٍ، بعد تحذيرِ محمدٍ ﷺ وترهيبِه، الذي أتاهم به من عندِ اللهِ في آي كتابه يُصَدِّقون، إن لم يُصدِّقوا بهذا الكتاب الذي جاءَهم به محمدٌ ﷺ من عندِ اللهِ تعالى»

«تفسير السمرقندي = بحر العلوم» (1/ 572): «‌فَبِأَيِّ ‌حَدِيثٍ ‌بَعْدَهُ ‌يُؤْمِنُونَ يعني: إن لم يؤمنوا بالقرآن فبأي حديث يؤمنوا بعد القرآن. لأن هذا آخر الكتب نزولاً وليس بعده كتاب ينزل

«التفسير الوسيط لطنطاوي» (5/ 446): «وقوله: ‌فَبِأَيِّ ‌حَدِيثٍ ‌بَعْدَهُ ‌يُؤْمِنُونَ أى: إذا لم يؤمنوا بالقرآن وهو أكمل كتب الله بيانا، وأقواها برهانا، فبأي كلام بعده يؤمنون؟ والجملة الكريمة مسوقة للتعجب من أحوالهم. ولقطع أي أمل في إيمانهم لأنهم ما داموا لم يؤمنوا بهذا الرسول المؤيد بالمعجزات، وبهذا الكلام المعجز الجامع لكل ما يفيد الهداية، فأحرى بهم ألا يؤمنوا بغير ذلك.»

الأصل الثاني: حَصْر السُّنَّة المُعتبرة في المُتواتر

ادِّعاء أنَّ أخبار الآحاد لا تُفيد إلَّا الظَّنّ

ادِّعاء أنَّ اتِّباع الظَّنّ مذموم في القرآن

«تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن» (1/ 375): «وَالظَّنُّ هُنَا فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ ‌بِمَعْنَى ‌الْيَقِينِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تعالى: {إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ} وقوله: {فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها

«أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن – الشنقيطي» (4/ 166 ط عطاءات العلم): «قوله تعالى: {وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنَّ المُجرمين يرون النَّار يوم القيامة، ويظُنُّون أنَّهم مواقعوها، أي مخالطوها وواقعون فيها. والظَّنّ في هذه الآية بمعنى اليقين؛ لأنَّهم أبصروا الحقائق وشاهدوا الواقع. وقد بيَّن تعالى في غير هذا الموضع أنَّهم موقنون بالواقع (…) ومن إطلاق الظَّنّ على اليقين قوله تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إلا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيهِ رَاجِعُونَ} أي يوقنون أنهم ملاقوا ربهم. وقوله تعالى: {قَال الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}، وقوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ} فالظَّنُّ في هذه الآيات كلّها بمعنى اليقين. والعرب تُطلِق الظَّنَّ على اليقين وعلى الشَّكّ.»

«لقاء الباب المفتوح – ابن عثيمين» (لقاء 171): «{إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ} أي: ما يتبعون إلَّا الظَّنّ، ‌والمُراد ‌بالظَّنّ ‌هُنا الوهم الكاذب، وليس المُراد بالظَّنّ هُنا الرَّاجح مِن أحد الاحتمالين، وانتبه لهذه النُّقطة: الظَّنّ يأتي بمعنى التُّهمة، ويأتي بمعنى رُجحان الشيء، ويأتي بمعنى اليقين، قال الله تعالى: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ} [البقرة:46] المُراد اليقين، لا يكفي الظَّنّ في اليوم الآخر، لا بُدَّ من التَّيقُّن.»

إشكاليَّات رفض أحاديث الآحاد

الأصل الثالث: الطعن في نقلة السُّنَّة واتهامهم

الأصل الرَّابع: النَّهي عن كتابة السُّنَّة وتأخُّر تدوينها

أولاً: دعوى عَدَم حِفْظ السُّنَّة

ثانياً: مسألة حديث النَّهي عن كتابة السُّنَّة

«مقدمة ابن الصلاح = معرفة أنواع علوم الحديث – ت عتر» (ص183): «ثُمَّ إِنَّهُ زَالَ ذَلِكَ الْخِلَافُ وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ ‌عَلَى ‌تَسْوِيغِ ذَلِكَ وَإِبَاحَتِهِ، وَلَوْلَا تَدْوِينُهُ فِي الْكُتُبِ لَدُرِسَ فِي الْأَعْصُرِ الْآخِرَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.»

ثالثاً: تأخُّر تدوين السُّنَّة

إثبات العناية بالسُّنَّة عبر المراحل الزَّمنِيَّة

العناية بها زمن النُّبُوَّة

«صحيح البخاري» (1/ 52): «قَالَ أَنَسٌ: ‌إِنَّهُ ‌لَيَمْنَعُنِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ حَدِيثًا كَثِيرًا أَنّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيَّ كَذِبًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ).»

صحيح مسلم، بَاب النَّهْيِ عَنِ الرِّوَايَةِ عَنِ الضُّعَفَاءِ وَالِاحْتِيَاطِ فِي تَحَمُّلِهَا.

قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ. يَأْتُونَكُمْ مِنَ الأَحَادِيثِ بِمَا لَمْ تَسْمَعُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ. فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ. لَا يُضِلُّونَكُمْ وَلَا يَفْتِنُونَكُمْ

قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ لِيَتَمَثَّلُ فِي صُورَةِ الرَّجُلِ. فَيَأْتِي الْقَوْمَ فَيُحَدِّثُهُمْ بِالْحَدِيثِ مِنَ الْكَذِبِ. فَيَتَفَرَّقُونَ. فَيَقُولُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ: سَمِعْتُ رَجُلًا أَعْرِفُ وَجْهَهُ، وَلَا أَدْرِى مَا اسْمُهُ، يُحَدِّثُ

«الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي» (ص35): «وَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِأَنَّ فِي أُمَّتِهِ مِمَّنْ يَجِيءُ بَعْدَهُ كَذَّابِينَ، فَحَذَّرَ مِنْهُمْ، وَنَهَى عَنْ قَبُولِ رِوَايَاتِهِمْ، وَأَعْلَمَنَا أَنَّ الْكَذِبَ عَلَيْهِ لَيْسَ كَالْكَذِبِ عَلَى غَيْرِهِ، فَوَجَبَ بِذَلِكَ النَّظَرُ فِي أَحْوَالِ الْمُحَدِّثِينَ، وَالتَّفْتِيشُ عَنْ أُمُورِ النَّاقِلِينَ، احْتِيَاطًا لِلدِّينِ، وَحِفْظًا لِلشَّرِيعَةِ مِنْ تَلْبِيسِ الْمَلْحِدِينَ.»

صحيح البُخاري (99)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (لَقَدْ ظَنَنْتُ – يَا أَبَا هُرَيْرَةَ – أَنْ ‌لَا ‌يَسْأَلَنِي ‌عَنْ ‌هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ، لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ، أَوْ نَفْسِهِ.)

سُنن الترمذي (2848)، قال رسول الله ﷺ: «نَضَّرَ اللهُ امْرَأً سَمعَ مِنَّا شيئًا، ‌فَبلّغَهُ ‌كما ‌سَمعَ، فَرُبَّ مُبلَّغٍ أوْعَى من سامعٍ.»

صحيح البخاري (87): حدَّث رسول الله ﷺ وفد عبد القيس بحديث، ثمَّ قال لهم: «احْفَظُوهُ ‌وَأَخْبِرُوهُ ‌مَنْ ‌وَرَاءَكُمْ

مُسند أحمد (6510)، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: كُنْتُ أَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ أَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، أُرِيدُ حِفْظَهُ، فَنَهَتْنِي قُرَيْشٌ، فَقَالُوا: إِنَّكَ تَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ تَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ بَشَرٌ، يَتَكَلَّمُ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا. فَأَمْسَكْتُ عَنِ الْكِتَابِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: اكْتُبْ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا خَرَجَ مِنِّي إِلَّا حَقٌّ.

صحيح البخاري (113) قال أبو هريرة: مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فَإِنَّهُ ‌كَانَ ‌يَكْتُبُ ‌وَلَا ‌أَكْتُبُ.

«صحيح البخاري» (105): «عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، ذُكِرَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: (فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ – قَالَ مُحَمَّدٌ وَأَحْسِبُهُ قَالَ – وَأَعْرَاضَكُمْ، عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، أَلَا لِيُبَلِّغ ‌الشَّاهِدُ ‌مِنْكُمُ الْغَائِبَ

«سنن الترمذي» (2855): عن المِقْدامِ بن مَعْدي كَربَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: “ألا هل عسى رجلٌ يَبْلُغهُ الحديثُ عَنِّي وهو مُتَّكئٌ على أرِيكتِه، فيقولُ: بيننا وبينَكُم كتابُ اللهِ، فما وجدنا فيهِ حلالًا استَحْللناهُ. وما وجدنا فيهِ حرامًا حَرَّمْناهُ، وإنَّ ما حَرَّم رسولُ اللهِ كما حَرَّم اللهُ

«صحيح البخاري» (4604): «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود قَالَ: (لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُوتَشِمَاتِ، وَالْمُتَنَمِّصَاتِ وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ، الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ). فَبَلَغَ ذَلِكَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي أَسَدٍ يُقَالُ لَهَا أُمُّ يَعْقُوبَ، فَجَاءَتْ فَقَالَتْ: إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكَ لَعَنْتَ كَيْتَ وَكَيْتَ، فَقَالَ: ‌وَمَا ‌لِي ‌لَا ‌أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَمَنْ هُوَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَقَالَتْ: لَقَدْ قَرَأْتُ مَا بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ، فَمَا وَجَدْتُ فِيهِ مَا تَقُولُ، قَالَ: لَئِنْ كُنْتِ قَرَأْتِيهِ لَقَدْ وَجَدْتِيهِ، أَمَا قَرَأْتِ: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}. قَالَتْ: بَلَى، قَالَ: فَإِنَّهُ قَدْ نَهَى عَنْهُ

سُنن ابن ماجه (13)، سُنن أبي داود (4605)، سُنن الترمذي (2854)، قال رَسُولَ اللهِ ﷺ: «لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ، يَأْتِيهِ الْأَمْرُ مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ ‌أَوْ ‌نَهَيْتُ ‌عَنْهُ، فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللهِ اتَّبَعْنَاهُ.»

صحيح البخاري (87): حدَّث رسول الله ﷺ وفد عبد القيس بحديث، ثمَّ قال لهم: «احْفَظُوهُ ‌وَأَخْبِرُوهُ ‌مَنْ ‌وَرَاءَكُمْ

أولاً: عناية الصَّحابة بسُنَّة النبي ﷺ في حياته وبعد موته

صحيح البخاري (2926)، «عَنْ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ رضي الله عنها، أَنَّ ‌فَاطِمَةَ عليها السلام، ابْنَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: سَأَلَتْ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَنْ يَقْسِمَ لَهَا مِيرَاثَهَا، مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (‌لَا ‌نُورَثُ، ‌مَا ‌تَرَكْنَا ‌صَدَقَةٌ). فَغَضِبَتْ ‌فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَهَجَرَتْ أَبَا بَكْرٍ، فَلَمْ تَزَلْ مُهَاجِرَتَهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ، وَعَاشَتْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، قَالَتْ: وَكَانَتْ ‌فَاطِمَةُ تَسْأَلُ أَبَا بَكْرٍ نَصِيبَهَا مِمَّا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ خَيْبَرَ وَفَدَكٍ، وَصَدَقَتَهُ بِالْمَدِينَةِ، فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ عَلَيْهَا ذَلِكَ وَقَالَ: لَسْتُ تَارِكًا شَيْئًا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْمَلُ بِهِ إِلَّا عَمِلْتُ بِهِ، فَإِنِّي أَخْشَى إِنْ تَرَكْتُ شَيْئًا مِنْ أَمْرِهِ أَنْ أَزِيغَ»

صحيح البخاري (2987): «وَلَمْ يَكُنْ ‌عُمَرُ أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ ‌الْمَجُوسِ، حَتَّى شَهِدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ»

صحيح مسلم (140): عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: لَا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمُ الْمَسَاجِدَ إِذَا اسْتَأْذَنَّكُمْ إِلَيْهَا، فَقَالَ بِلَالُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: ‌وَاللهِ ‌لَنَمْنَعُهُنَّ! فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللهِ فَسَبَّهُ سَبًّا سَيِّئًا مَا سَمِعْتُهُ سَبَّهُ مِثْلَهُ قَطُّ، وَقَالَ: أُخْبِرُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَتَقُولُ: ‌وَاللهِ ‌لَنَمْنَعُهُنَّ!

صحيح البخاري (6441): «عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ عُمَرُ: لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ ‌يَطُولَ ‌بِالنَّاسِ ‌زَمَانٌ، حَتَّى يَقُولَ قَائِلٌ: لَا نَجِدُ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ، أَلَا وَإِنَّ الرَّجْمَ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى وَقَدْ أَحْصَنَ، إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ، أَوْ كَانَ الحمل أَوِ الِاعْتِرَافُ، أَلَا وَقَدْ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ»

ثانياً: عناية التَّابعين بسُنَّة النبي ﷺ

«تهذيب التهذيب» (9/ 63): «‌لقد ‌رأيتُني قبل موت عائشة بأربع حِجَج أو خمس حِجَج، وأنا أقول: لو ماتتْ اليوم ما ندمتُ على حديثٍ عندها إلا وقد وَعيتُه.»

ثالثاً: كتابة الحديث في زَمَن التَّابعين

صحيح البخاري (34)، بَاب: كَيْفَ يُقْبَضُ الْعِلْمُ. «وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ: انْظُرْ مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاكْتُبْهُ، فَإِنِّي ‌خِفْتُ ‌دُرُوسَ ‌الْعِلْمِ وَذَهَابَ الْعُلَمَاءِ، وَلَا تَقْبَلْ إِلَّا حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ، وَلْتُفْشُوا الْعِلْمَ، وَلْتَجْلِسُوا حَتَّى يُعَلَّمَ مَنْ لَا يَعْلَمُ، فَإِنَّ الْعِلْمَ لَا يَهْلِكُ حَتَّى يَكُونَ سِرًّا.»

مُقدمة صحيح مسلم، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: «إِنَّ ‌هَذَا ‌الْعِلْمَ ‌دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ.»

رابعاً: العناية بالسُّنَّة في وقت أتباع التَّابعين

«شرح علل الترمذي، ابن رجب الحنبلي» (1/ 341): «والذي كان ‌يكتب ‌في ‌زمن ‌الصحابة والتابعين، لم يكن تصنيفاً مُرتَّباً مُبوَّباً، وإنَّما كان يُكتب للحفظ والمُراجعة فقط، ثمَّ إنَّه في زمن تابعي التَّابعين صُنِّفت التَّصانيف، وجمع طائفة من أهل العِلْم كلام النبي ﷺ، وبعضهم جمع كلام الصَّحابة.»

خامساً: العصر الذَّهبي للسُّنَّة تصنيفاً ونقداً

الأصل الخامس: إسقاط مكانة عِلْم الحديث

تميُّز المُحدِّثين في منهجهم النَّقدي

سلامة الأسانيد من جهة الاتصال والعدالة والضبط

الشَّرط الأوَّل: عدالة الرُّواة

الشَّرط الثَّاني: الضَّبط والإتقان

قال ابن الصَّلاح في كتابه (عُلُوم الحديث) «يُعرف كون الرَّاوي ضابط بأنَّ نعتبر -أي: نعرض ونختبر- روايته بروايات الثِّقات المعروفين بالضَّبط والإتقان، فإن وجدنا رواياته موافقة -ولو من حيث المعنى- لرواياتهم، أو مُوافقة لها في الأغلب، والمُخالفة نادرة، عرفنا حينئذ كونه ضابط ثبت، وإن وجدناه كثير المُخالفة لهم عرفنا اختلال ضبطه ولم نحتجّ بحديثه.»

أُمُور يُراعيها المُحدِّثون أثناء التَّحقُّق من شرطي العدالة والضَّبط

الشَّرط الثَّالث: اتِّصال الإسناد

عناية المُحدِّثين باستخراج العِلَل الخَفِيَّة

«الفروسية المحمدية – ابن القيم» (ص245، 246): «وَقد علم أَن ‌صِحَة ‌الْإِسْنَاد شَرط من شُرُوط صِحَة الحَدِيث وَلَيْسَت مُوجبَة لصِحَّته فَإِنَّ الحَدِيث إِنَّمَا يَصح بِمَجْمُوع أُمُور، مِنْهَا صِحَة سَنَده، وَانْتِفَاء عِلَّته، وَعدم شذوذه ونكارته، وَأَن لَا يكون راويه قد خَالف الثِّقَات أَو شَذَّ عَنْهُم»

الاختلاف بين الثِّقات

تحديث المعلومات عن الرُّواة

نقد المُتُون، ولو صحَّت الأسانيد في الظاهر

الأصل السَّادس: توهُّم مُعارضة الأحاديث الصَّحيحة لما هو أرجح منه

الأخطاء المنهجية التي يقع فيها منكرو الأحاديث الصَّحيحة

خاتمة

الحمد لله رب العالمين

Exit mobile version