بسم الله الرحمن الرحيم
خُلاصة كتاب: أفي السُّنَّة شك؟!
تأليف: الشيخ أحمد بن يوسف السيد
عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ الْكِنْدِيِّ، قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
“أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ يَنْثَنِي شَبْعَانًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِالْقُرْآنِ، فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ”.
مُسند أحمد 17174، تحقيق شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الصَّحيح، غير عبد الرحمن بن أبي عوف الجُرَشي، فمن رجال أبي داود والنسائي، وهو ثقة.
مُحتوى الكتاب
- المحور الأول: حُجِّيَّة السُّنَّة
- التوثيق التاريخي لمراحل العناية بالسُّنَّة
- إثبات الحُجِّيَّة من الكتاب والسُّنَّة والإجماع
- كفاية علم الحديث وموضوعيته
- المحور الثاني: الإجابة عن أصول الإشكالات
الإشكالية المُعاصرة
- كان من السهل على العالم بالشرع أن يُجيب من يستفتيه في مسألة شرعية، بدليل من القرآن، أو من السنة الصحيحة، أو يذكر له اتفاق أهل العلم في المسألة، فاطمئن المستفتي لذلك ويقنع. غير أن الإجابة بهذه الطريقة صارت محل اعتراض.
- صار من الواجب على من يريد من الناس قبول الحق الذي عنده، أن يعرضه ببرهانه.
- هذا الضخ لم يصادف ممانعة فكرية، ولا أدوات معرفية جيدة لدى كثير من المتعرضين له، فوافق أرضا خالية تشربت ما عليها من الماء، دون تمييز بين صافيه وكدره، باستثناء طائفة ورويت قبل ذلك من ماء الوحي، فلم يجد لها الماء الفاسد طريقاً.
- قضية حجية السنة النبوية صارت من قضايا الجدل المعاصر، بعد أن كانت مُسلَّمة عند عُلماء المسلمين، من لدن أصحاب رسول الله ﷺ إلى زماننا هذا.
- تجديد الكتابة:
- الجمع بين الشمول والاختصار.
- تسهيل لغة الخطاب وتوضيحها.
- استخدام لغة الإقناع والاهتمام بالبراهين.
- ذكر القواعد المنهجية في التعامل مع الإشكالات.
تعريف السُّنَّة
- السنة لغةً: الطريقة والسيرة.
- صحيح مُسلم (1017) عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ.
- السُّنَّة في الخطاب الشرعي: ما يقابل القرآن.
- صحيح مُسلم 673 – عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: قال رسول الله ﷺ: يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ. فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً. فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ. فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً. فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً. فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا. وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ. وَلَا يَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ.
- السنة منسوبة إلى النبي ﷺ، تعني: سيرته وطريقته وهديه، ويشمل ذلك أقواله وأفعاله وتقريراته.
- السُّنَّة في اصطلاح المُحدِّثين هي ما أُثِرَ عن النبي ﷺ: من قول، أو فعل، أو تقرير، أو صفة خَلْقِيَّة، أو خُلُقِيَّة.
- السنة عند الأصوليين: ما يصلح أن يكون دليلاً على الأحكام.
- يعترض البعض بأنَّ لفظ السُّنَّة لم يُذكر في القرآن الكريم مُراداً به سنة النبي ﷺ، والجواب عن هذا الاعتراض بأنَّ العبرة بالحقائق والمعاني، ففي القرآن: الأمر باتِّباع الرسول النبي الأمي ﷺ، فكيف يُمتثل هذا الأمر إلا باتِّباع هديه وسيرته؟!
الأدِلَّة على وحي السُّنَّة
- منزلة السُّنَّة من منزلة النبي ﷺ.
- النبي ﷺ لم يأتِ بالسُّنَّة من عنده، وإنَّما من عند الله تعالى، وما كان من اجتهادٍ منه في أمرٍ ديني، فإنَّه على عين الله، فإمَّا أن يُقرّه عليه إن كان صواباً، وإمَّا أن يُصحِّح عمله، كما في حادثة أسرى بدر، وحادثة استغفاره للمنافقين.
- الأخبار الغيبية التي جاءت على لسان النبي محمد ﷺ في أحاديث كثيرة صحيحة.
- التاريخ حفظ لنا وُقُوع كثير ممَّا أخبر به النبي ﷺ من الأُمُور الغيبية كفتح الشام ومصر، وإنفاق كنوز كسرى وقيصر في سبيل الله، وما أصاب عثمان رضي الله عنه من بلوى، ونعي النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وإخباره برسالة حاطب بن أبي بلتعة لقريش، والإخبار عن ظهور الخوارج، وعن إصلاح الحسن رضي الله عنه بين طائفتين من المُسلمين، وإخباره عن علامات الساعة التي وقع كثير منها، وغير ذلك.
- أخبر النبي ﷺ بتفصيلات كثيرة مُتعلِّقة بالجنة والنار، والبعث والقبر، لم تذكر في القرآن، وأحوال الأنبياء والأمم السابقة، والأحاديث القدسية التي كان النبي ﷺ ينقلها عن ربه.
- الأحاديث القدسية التي كان النبي ﷺ ينقلها عن ربه.
- أحاديث النبي ﷺ التي تُحذِّر عن الاكتفاء بالقرآن الكريم فقط.
- ﴿وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمۡ تَكُن تَعۡلَمُۚ وَكَانَ فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكَ عَظِيمٗا﴾ [النساء: 113]
- ﴿هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلۡأُمِّيِّـۧنَ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ﴾ [الجمعة: 2]
- ﴿وَٱذۡكُرۡنَ مَا يُتۡلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ وَٱلۡحِكۡمَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [الأحزاب: 34]
- «الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية» (6/ 68): «وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْمَنْقُولِ الْمُتَوَاتِرِ أَنْ يَكُونَ فِي الْقُرْآنِ بَلْ كَمَا تَوَاتَرَ عَنْهُ فِي شَرِيعَتِهِ مَا لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ، وَهُوَ مِنَ الْحِكْمَةِ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ كَذَلِكَ، وَتَوَاتَرَ عَنْهُ مِنْ دَلَائِلِ نُبُوَّتِهِ مَا لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ، وَهُوَ مِنْ بَرَاهِينِهِ وَآيَاتِهِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ: {وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [النساء: 113] فَالْحِكْمَةُ نُزِّلَتْ عَلَيْهِ، وَهِيَ مَنْقُولَةٌ فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ.»
- «تفسير الطبري» (19/ 108): «واذكرْنَ ما يُقرَأُ في بيوتكنَّ مِن آياتِ كتابِ اللهِ والحكمةِ، ويعنى بالحكمةِ: ما أُوحى إلى رسولُ اللهِ ﷺ مِن أحكامِ دينِ اللهِ، ولم يَنزلْ به قرآنٌ، وذلك: السنةُ. (…) عن قتادةَ في قولِه: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ}: أي السُّنَّةِ، قال: يمْتنُّ عليهم بذلك.»
- «تفسير ابن كثير – ط العلمية» (1/ 317): «وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ يَعْنِي الْقُرْآنَ، وَالْحِكْمَةَ يَعْنِي السُّنَّةَ، قَالَهُ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ وَأَبُو مَالِكٍ وَغَيْرُهُمْ، وَقِيلَ: الْفَهْمُ فِي الدِّينِ وَلَا مُنَافَاةَ.»
- قصَّة تبديل القبلة. الأمر الأوَّل بالتَّوجُّه إلى الشَّام هو من الوحي بلا شكّ، ولكنَّه ليس في القرآن الكريم. ﴿قَدۡ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجۡهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبۡلَةٗ تَرۡضَىٰهَاۚ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَيَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعۡمَلُونَ﴾ [البقرة: 144]
الأدِلَّة على حُجِّيَّة السُّنَّة
إثبات العناية التَّامَّة بها من فجر الإسلام
- أن نطمئن إلى أنَّ الأحاديث الموجودة بين أيدينا الآن، إنَّما هي نتيجة عناية مُتواصلة بها مُنذ مهد الإسلام.
- قضية الاحتجاج بالسُّنَّة ليست مذهباً فقهياً لعالِم من العُلماء انفرد به.
- «التمهيد – ابن عبد البر» (1/ 192 ت بشار): «وأجمعَ أهلُ العِلم مِن أهْلِ الفقهِ والأثَرِ في جميع الأمْصارِ فيما علِمْت، على قَبُولِ خبرِ الواحِدِ العَدْل، وإيجابِ العَملِ به، إذا ثبتَ ولم يَنْسَخْه غيرُه مِن أثَرٍ أو إجْماع، على هذا جميعُ الفقهاءِ في كلِّ عصرٍ مِن لَدُن الصحابةِ إلى يومِنا هذا، إلَّا الخَوارجَ وطوائفَ مِن أهْلِ البِدَع، شِرْذِمَةٌ لا تُعَدُّ خِلافًا.»
- ذلك في خبر الآحاد، فكيف بالمُتواتر!
- الأخذ بالسُّنَّة ضرورة دينية!
- قال الشوكاني في كتابه: «إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول» (1/ 97): «وَالْحَاصِلُ أَنَّ ثُبُوتَ حُجِّيَّةِ السُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ وَاسْتِقْلَالَهَا بِتَشْرِيعِ الْأَحْكَامِ ضَرُورَةٌ دِينِيَّةٌ وَلَا يُخَالِفُ فِي ذَلِكَ إِلَّا مَنْ لَا حَظَّ لَهُ في دين الإسلام.»
المرحلة الأولى: العناية بالسُّنَّة في حياة النبي ﷺ
- العناية الإلهية بالسُّنَّة عن طريق نصوص القرآن الكثيرة في القرآن، الآمرة بطاعة الرسول ﷺ، والمُحذِّرة من مُخالفته.
- أخذ الصحابة بعموم هذه الآيات، لتشمل كل أوامره ﷺ الدينية. فلم يكن أحدهم يمتنع عن طاعته في أمرٍ أو نهي بحُجَّة أنَّه ليس مذكوراً في القرآن!
- «صحيح البخاري» (4604): «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود قَالَ: (لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُوتَشِمَاتِ، وَالْمُتَنَمِّصَاتِ وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ، الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ). فَبَلَغَ ذَلِكَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي أَسَدٍ يُقَالُ لَهَا أُمُّ يَعْقُوبَ، فَجَاءَتْ فَقَالَتْ: إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكَ لَعَنْتَ كَيْتَ وَكَيْتَ، فَقَالَ: وَمَا لِي لَا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَمَنْ هُوَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَقَالَتْ: لَقَدْ قَرَأْتُ مَا بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ، فَمَا وَجَدْتُ فِيهِ مَا تَقُولُ، قَالَ: لَئِنْ كُنْتِ قَرَأْتِيهِ لَقَدْ وَجَدْتِيهِ، أَمَا قَرَأْتِ: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}. قَالَتْ: بَلَى، قَالَ: فَإِنَّهُ قَدْ نَهَى عَنْهُ.»
- نسب ما جاء به الرسول ﷺ إلى كتاب الله، وإن لم يُذكر فيه نصًّا، اكتفاءً بالآيات القرآنية الآمرة بطاعة الرسول ﷺ.
- سُنن ابن ماجه (13)، سُنن أبي داود (4605)، سُنن الترمذي (2854)، قال رَسُولَ اللهِ ﷺ: «لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ، يَأْتِيهِ الْأَمْرُ مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ، فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللهِ اتَّبَعْنَاهُ.»
- سُنن الترمذي (2848)، قال رسول الله ﷺ: «نَضَّرَ اللهُ امْرَأً سَمعَ مِنَّا شيئًا، فَبلّغَهُ كما سَمعَ، فَرُبَّ مُبلَّغٍ أوْعَى من سامعٍ.»
- صحيح البُخاري (99)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (لَقَدْ ظَنَنْتُ – يَا أَبَا هُرَيْرَةَ – أَنْ لَا يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ، لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ، أَوْ نَفْسِهِ.)
- صحيح البخاري (87): حدَّث رسول الله ﷺ وفد عبد القيس بحديث، ثمَّ قال لهم: «احْفَظُوهُ وَأَخْبِرُوهُ مَنْ وَرَاءَكُمْ.»
عناية الصَّحابة بالسُّنَّة
- بعضهم كان يكتب كل ما يسمع من رسول الله ﷺ.
- مُسند أحمد (6510)، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: كُنْتُ أَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ أَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، أُرِيدُ حِفْظَهُ، فَنَهَتْنِي قُرَيْشٌ، فَقَالُوا: إِنَّكَ تَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ تَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ بَشَرٌ، يَتَكَلَّمُ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا. فَأَمْسَكْتُ عَنِ الْكِتَابِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: اكْتُبْ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا خَرَجَ مِنِّي إِلَّا حَقٌّ.
- صحيح البخاري (113) قال أبو هريرة: مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلَا أَكْتُبُ.
- حياة النبي ﷺ تأسَّس فيها مبدأ التَّثبُّت في الرِّواية.
- صحيح البُخاري (107)، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ: إِنِّي لَا أَسْمَعُكَ تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا يُحَدِّثُ فُلَانٌ وَفُلَانٌ؟ قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أُفَارِقْهُ، وَلَكِنْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: (مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ).
- صحيح مسلم، بَاب النَّهْيِ عَنِ الرِّوَايَةِ عَنِ الضُّعَفَاءِ وَالِاحْتِيَاطِ فِي تَحَمُّلِهَا.
- قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ. يَأْتُونَكُمْ مِنَ الأَحَادِيثِ بِمَا لَمْ تَسْمَعُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ. فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ. لَا يُضِلُّونَكُمْ وَلَا يَفْتِنُونَكُمْ.»
- قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ لِيَتَمَثَّلُ فِي صُورَةِ الرَّجُلِ. فَيَأْتِي الْقَوْمَ فَيُحَدِّثُهُمْ بِالْحَدِيثِ مِنَ الْكَذِبِ. فَيَتَفَرَّقُونَ. فَيَقُولُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ: سَمِعْتُ رَجُلًا أَعْرِفُ وَجْهَهُ، وَلَا أَدْرِى مَا اسْمُهُ، يُحَدِّثُ.»
- عن عبد الله بن عمر بْنِ الْعَاصِ؛ قَالَ: «إِنَّ فِي الْبَحْرِ شَيَاطِينَ مَسْجُونَةً أَوْثَقَهَا سُلَيْمَانُ. يُوشِكُ أَنْ تَخْرُجَ فَتَقْرَأَ على الناس قرآنا.»
- «الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي» (ص35): «وَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِأَنَّ فِي أُمَّتِهِ مِمَّنْ يَجِيءُ بَعْدَهُ كَذَّابِينَ، فَحَذَّرَ مِنْهُمْ، وَنَهَى عَنْ قَبُولِ رِوَايَاتِهِمْ، وَأَعْلَمَنَا أَنَّ الْكَذِبَ عَلَيْهِ لَيْسَ كَالْكَذِبِ عَلَى غَيْرِهِ، فَوَجَبَ بِذَلِكَ النَّظَرُ فِي أَحْوَالِ الْمُحَدِّثِينَ، وَالتَّفْتِيشُ عَنْ أُمُورِ النَّاقِلِينَ، احْتِيَاطًا لِلدِّينِ، وَحِفْظًا لِلشَّرِيعَةِ مِنْ تَلْبِيسِ الْمَلْحِدِينَ.»
المرحلة الثانية: عناية الصحابة بالسُّنَّة بعد وفاة الرسول ﷺ
- العناية بالسُّنَّة هو عمل أفقه هذه الأُمَّة وأبرَّها بعد نبيها.
- طلب الصَّحابة للحديث لم ينتهِ بوفاة رسول الله ﷺ.
- عبد الله بن عباس، روى عن النبي ﷺ أحاديث كثيرة، مع أنَّه لم يسمع من النبي ﷺ إلَّا أحاديث قليلة، وذلك لأنَّه سمع الأحاديث من الصَّحابة.
- الصَّحابة لم يقتصروا في فتاواهم على ما في القرآن، بل ضمُّوا إليه السُّنَّة، كمصدر تشريعي.
- ثبت عن أفضل هذه الأُمَّة بعد نبيها ﷺ، أبو بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه، في القصَّة المعروفة بينه وبين فاطمة الزهراء رضي الله عنها. وذلك أنَّها جاءت أن تطلب ميراثها من رسول الله ﷺ، فقال لها أبو بكر
- صحيح البخاري (2926)، «عَنْ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ رضي الله عنها، أَنَّ فَاطِمَةَ عليها السلام، ابْنَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: سَأَلَتْ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَنْ يَقْسِمَ لَهَا مِيرَاثَهَا، مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ). فَغَضِبَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَهَجَرَتْ أَبَا بَكْرٍ، فَلَمْ تَزَلْ مُهَاجِرَتَهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ، وَعَاشَتْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، قَالَتْ: وَكَانَتْ فَاطِمَةُ تَسْأَلُ أَبَا بَكْرٍ نَصِيبَهَا مِمَّا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ خَيْبَرَ وَفَدَكٍ، وَصَدَقَتَهُ بِالْمَدِينَةِ، فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ عَلَيْهَا ذَلِكَ وَقَالَ: لَسْتُ تَارِكًا شَيْئًا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْمَلُ بِهِ إِلَّا عَمِلْتُ بِهِ، فَإِنِّي أَخْشَى إِنْ تَرَكْتُ شَيْئًا مِنْ أَمْرِهِ أَنْ أَزِيغَ»
- الحُكم الوارد في الحديث ليس مذكوراً في القرآن الكريم، ولكنَّ أبو بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه تمسَّك بالحُكم، بالرَّغم من أنَّه كان في حرج من ردّ طلب فاطمة.
- عمر بن الخطاب رضي الله عنه توقَّف في أخذ الجزية من المجوس، حتى شهد عنده عبد الرحمن بن عوف أنَّ النبي ﷺ أخذها، فعمل بذلك.
- صحيح البخاري (2987): «وَلَمْ يَكُنْ عُمَرُ أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ الْمَجُوسِ، حَتَّى شَهِدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ»
- صحيح مسلم (140): عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: لَا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمُ الْمَسَاجِدَ إِذَا اسْتَأْذَنَّكُمْ إِلَيْهَا، فَقَالَ بِلَالُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: وَاللهِ لَنَمْنَعُهُنَّ! فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللهِ فَسَبَّهُ سَبًّا سَيِّئًا مَا سَمِعْتُهُ سَبَّهُ مِثْلَهُ قَطُّ، وَقَالَ: أُخْبِرُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَتَقُولُ: وَاللهِ لَنَمْنَعُهُنَّ!
- صحيح البخاري (6441): «عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ عُمَرُ: لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَطُولَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ، حَتَّى يَقُولَ قَائِلٌ: لَا نَجِدُ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ، أَلَا وَإِنَّ الرَّجْمَ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى وَقَدْ أَحْصَنَ، إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ، أَوْ كَانَ الحمل أَوِ الِاعْتِرَافُ، أَلَا وَقَدْ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ»
عناية التَّابعين بالسُّنَّة
مُلازمتهم للصَّحابة وضبطهم لأحاديثهم
- عُرِفَ كثير من الصَّحابة بأنَّ لهم جماعة من التلاميذ من التابعين، يأخذون عنهم
- الحديث ويضبطونه.
- عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: نجد أن الذين رووا عنه كثير جدا، مثل: ابنه سالم، ونافع مولاه، هم أثبت من روى عنه.
- أنس بن مالك رضي الله عنه: أثبتُ أصحابه: الزُّهري.
- عائشة أم المؤمنين، نقل عنها عروة بن الزبير (وهي خالته)، وقال: لو ماتت اليوم ما ندمتُ على حديثٍ عندها إلا وقد وعيته.
- علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ابناه الحسين، ومحمد بن الحنفيّة، وعَبيدة السلماني.
- عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: سعيد بن جبير، ومُجاهد، وطاووس، وعُبيد الله بن عبد الله بن عتبة.
- جابر بن عبد الله رضي الله عنه: عطاء، وعمرو بن دينار، وأبو الزبير.
- أبو هريرة رضي الله عنه: سعيد بن المسيب، ومحمد بن سيرين، وأبو سلمة عبد الرحمن بن عوف، وأبو صالح السمّان، والأعرج.
- عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه: الأسود، وعلقمة، ومسروق، وأبو وائل.
كتابة الحديث في زمن التابعين
- كتاب: دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه، تأليف: الدكتور محمد مصطفى الأعظمي.
- تابعي القرن الأول: 53 كتبوا أو كُتب عنهم.
- تابعي القرن الثاني: 99 كتبوا أو كُتب عنهم.
- صحيح البخاري (34)، بَاب: كَيْفَ يُقْبَضُ الْعِلْمُ. «وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ: انْظُرْ مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاكْتُبْهُ، فَإِنِّي خِفْتُ دُرُوسَ الْعِلْمِ وَذَهَابَ الْعُلَمَاءِ، وَلَا تَقْبَلْ إِلَّا حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ، وَلْتُفْشُوا الْعِلْمَ، وَلْتَجْلِسُوا حَتَّى يُعَلَّمَ مَنْ لَا يَعْلَمُ، فَإِنَّ الْعِلْمَ لَا يَهْلِكُ حَتَّى يَكُونَ سِرًّا.»
- مُقدمة صحيح مسلم، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: «إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ.»
السُّنَّة في وقت أتباع التَّابعين
- ظهور التصنيف للمكتوب من أحاديث الرسول ﷺ وهو: ترتيب الأحاديث على الأبواب، وهذا لم يكن معروفًا في السابق.
- «شرح علل الترمذي، ابن رجب الحنبلي» (1/ 341): «والذي كان يكتب في زمن الصحابة والتابعين، لم يكن تصنيفاً مُرتَّباً مُبوَّباً، وإنَّما كان يُكتب للحفظ والمُراجعة فقط، ثمَّ إنَّه في زمن تابعي التَّابعين صُنِّفت التَّصانيف، وجمع طائفة من أهل العِلْم كلام النبي ﷺ، وبعضهم جمع كلام الصَّحابة.»
- مُوطَّأ الإمام مالك: مرتب على الكتب والأبواب، وفيه كلام النبي ﷺ، وكلام بعض الصحابة، وكلام مؤلفه.
- ابن جريج: صنف في السنن والطهارة والصلاة وتوفي عام 150هـ.
- محمد بن إسحاق: صنف في المغازي، وقد توفي عام 151هـ.
- معمر بن راشد الأزدي: صنف الجامع وتوفي عام 153هـ.
- ابن أبي عروبة: صنف السنن والتفسير وتوفي عام 157هـ.
تطوُّر قواعد علم الحديث
- علم الحديث لم ينشأ في بيئة منعزلة عن واقع الرواية.
- في المراحل الأولى في زمن الصحابة وكبار التابعين؛ لم تكن سلسلة الإسناد طويلة.
- مع تأخُّر الزَّمن، دخل في الرواية أناس كثير، منهم المعروفون ومنهم المجهولون، وبدأ انتشار الكذب في الروايات، وكَثُر الوهم لكثرة الرواة.
- تفرّغ أناس من الجهابذة لهذه المهمة العظيمة، وتوفرت لديهم الآلة المناسبة، وهي: أخذُ الحديث عن أهله، وملازمة أئمة الرواية، وسعة الحفظ مع دقة الفهم والنظر، وبذل أقصى الجهد في الرحلة والدراسة والمقارنة.
- أمير المؤمنين في الحديث: شعبة بن الحجاج، عاش في القرن الثاني، وتوفي عام ١٦٠ للهجرة، وهو من تابعي التَّابعين.
- مشايخ شُعبة: عمرو بن دينار من مكة، وقتادة بن دعامة السدوسي من البصرة، والأعمش وأبو إسحاق السبيعي من الكوفة.
- إمام علم العلل: علي بن المديني قال: نظرتُ، فإذا الإسناد يدور على ستّة. وذكر منهم هؤلاء الأربعة شيوخ شعبة.
- وقد أخذ شعبة أيضاً عن يحيى بن أبي كثير، وهو أحد الستة الذين ذكرهم علي بن المديني، ولكنه لم يلازمه طويلاً.
- والتدليس هو رواية الراوي عن شيخه شيئاً لم يسمعه منه.
- هذا العلم يحمله كابر عن كابر
- على يدي الإمام شُعبة، تخرج جماعة من المحدثين الكبار، من أشهرهم وأبرزهم، الإمامان: يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي.
- فعلى يدي يحيى القطان تخرّج كبار علماء الحديث، وهم: الإمام أحمد بن حنبل، والإمام يحيى بن معين، والإمام علي بن المديني.
دوائر التَّلقِّي والضَّبط
- نُقاد الحديث كان لهم علم دقيق بهذه الدوائر وتفصيلاتها بالأرقام! والعلم الدقيق بمراتبهم، وتقديم بعضهم على بعض.
- الإمام الزهري: تابعي مدنيّ، يروي عن أنس بن مالك. دائرة تلاميذه: الإمام مالك، وسفيان بن عيينة، ومعمر، ويونس بن يزيد، وعُقيل، وشعيب، والزبيدي، وصالح بن كيسان، وكلهم من الثقات.
- أبو إسحاق السبيعي: تابعي كوفي، يروي عن جماعة من الصحابة. دائرة تلاميذه: شعبة بن الحجاج، وسفيان بن سعيد الثوري، وإسرائيل بن يونس، وكلهم من الثقات.
- عمرو بن دينار: تابعي مكّي، يروي عن جابر بن عبد الله الأنصاري. دائرة تلاميذه: شعبة بن الحجاج، وابن جريج، وسفيان بن عيينة، وحماد بن زيد.
- قتادة السدوسي: تابعي بصريّ، يروي عن أنس بن مالك. دائرة تلاميذه: شعبة بن الحجاج، وسعيد بن أبي عروبة، وهشام بن أبي عبد الله الدستوائي، وهمام بن يحيى العَوذي.
العناية بالسُّنَّة في القرن الثالث الهجري
- هذا القرن كان العصر الذهبي للسُّنَّة، والحديث، روايةً وتصنيفاً ونقداً.
- اجتمع فيه الإمام أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، والبخاري، ومسلم، وأبو داوود، والترمذي، والنسائي، وأبو حاتم الرازي، وأبو زرعة الرازي، وجماعة كبيرة من المحدثين.
- من مظاهر العناية: عناية المُحدّثين بالكلام على علل الأحاديث، ورواتها، وأسانيدها، والقواعد والقوانين التي تحكم ذلك.
- الإمام البُخاري صنَّف كتاب: التَّاريخ الكبير.
- الإمام عبد الرحمن بن أبي حاتم صنَّف كتاب: الجرح والتَّعديل، وكتاب: العلل. ونَقَل في هذين الكتابين خلاصةَ عِلْمِ اثنين من أبرز علماء الحديث في ذلك العصر، وهما: أبو حاتم الرازي، وأبو زرعة الرازي.
العناية بالسُّنَّة بعد القرن الثالث
- استمرّ التصنيف في كتب السنة المُسندة، وظهر فيه عدد من الكتب المُهمّة في ذلك، كصحيح ابن خزيمة، وصحيح ابن حبان، ومستدرك الحاكم.
- امتدت عناية أهل العلم في نقد الأحاديث ورواتها في القرن الرابع، وظهر عدد من العلماء الكبار في هذا المجال، كأبي جعفر العُقيلي، وأبي أحمد بن عدي، وأبي الحسن الدارقطني.
- الإمام أبو عمرو بن الصلاح صنَّف كتابه: علوم الحديث، المشهور باسم: مُقدِّمة ابن الصَّلاح، ذكر فيه خمسة وستين نوعاً من أنواع علوم الحديث.
- قال ابن حجر في كتابه (نُزهة النَّظر): فاجتمع في كتابه ما تفرق في غيره؛ فلهذا عكف الناس عليه، وساروا بسيره، فلا يحصى كم ناظمِ له ومختصِر، ومستدرِك عليه ومقتصِر، ومعارض له ومنتصر.
- وامتدت العناية حتى عصرنا هذا، الذي ظهر فيه الاهتمام بتحقيق كتب السنّة، وإخراجها على أصحّ النسخ، وخدمة أحاديثها، وتقديم البحوث المتخصصة في مجالات الحديث، وظهرت فيه بعض الكتب الموسوعية ككتاب: المُسند المُصنَّف المُعلَّل، الذي قام عليه عدد من الباحثين تحت إشراف د. بشار عوّاد وفقه الله، في واحد وأربعين مجلداً، ولا يعرف قدر هذا المُسنَد إلا المعتني بالسُّنَّة وعلومها.
إثبات حجية السُّنَّة من القرآن الكريم
- أكثر الذين ينكرون السنة يدّعون أنهم يؤمنون بالقرآن.
- الآيات القرآنية التي فيها الأمر بطاعة الرسول ﷺ والتحذير من عصيانه.
- الله أنزل القرآن حجة على جميع هذه الأمة.
- الألفاظ الواردة في الآيات الآمرة بطاعة الرسول ﷺ جاءت مُطلقة غير مُقيَّدة، أعني ليست مُقيَّدة بما بلغه الرسول ﷺ من القرآن فقط.
- امتثالنا لهذه الآيات لا يتحقق إلَّا باتِّباع أحاديث الرسول ﷺ الثابتة عنه.
الآيات التي تأمر برد التَّنازُع إلى الله والرسول
- ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلًا﴾ [النساء: 59]
- الردّ إلى الرسول: هو الرد إلى شخصه في حياته، وإلى سنته بعد مماته، وهذا ما أجمع عليه أهل العلم.
- «الإحكام في أصول الأحكام – ابن حزم» (1/ 97): «المراد بهذا الرَّدّ إنَّما هو إلى القرآن والخبر عن رسول الله ﷺ، لأنَّ الأُمَّة مُجمعة على أنَّ هذا الخطاب مُتوجَّه إلينا وإلى كل مَن يُخلَق ويُركَّب روحه في جسده إلى يوم القيامة من الجِنَّة والنَّاس.»
- «جِمَاعُ العِلْم – الشافعي» (ص8): «فهل تجد السَّبيل إلى تأدية فرض الله عز وجل في اتِّباع أوامر رسول الله ﷺ، أو أحد قبلك أو بعدك، مِمَّن لم يُشاهد رسول الله ﷺ، إلَّا بالخبر عن رسول الله ﷺ.» (وفي هذا الكتاب نصّ مُحاورته من مُنكر السُّنَّة!)
- «إعلام الموقعين عن رب العالمين – ابن القيم» (1/ 39 ط العلمية): «أَنَّ النَّاسَ أَجْمَعُوا أَنَّ الرَّدَّ إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ هُوَ الرَّدُّ إلَى كِتَابِهِ، وَالرَّدَّ إلَى الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم هُوَ الرَّدُّ إلَيْهِ نَفْسِهِ فِي حَيَاتِهِ وَإِلَى سُنَّتِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ»
- ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا﴾ [النساء: 65]
بيان القرآن هو السُّنَّة
- ﴿لَا تُحَرِّكۡ بِهِۦ لِسَانَكَ لِتَعۡجَلَ بِهِۦٓ * إِنَّ عَلَيۡنَا جَمۡعَهُۥ وَقُرۡءَانَهُۥ * فَإِذَا قَرَأۡنَٰهُ فَٱتَّبِعۡ قُرۡءَانَهُۥ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيۡنَا بَيَانَهُۥ﴾ [القيامة: 16-19]
- ﴿وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلذِّكۡرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: 44]
- «الإحكام في أصول الأحكام – ابن حزم» (1/ 97): «الوحي ينقسم من الله عز وجل إلى رسوله ﷺ على قسمين، أحدهما: وحي متلو مؤلف تأليفاً مُعجز النِّظام، وهو القرآن. والثاني: وحي مروي منقول غير مؤلف ولا معجز النظام ولا متلو، لكنه مقروء، وهو الخبر الوارد عن رسول الله ﷺ، وهو المُبيِّن عن الله عز وجل مُراده مِنَّا. قال الله تعالى: ﴿بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلزُّبُرِۗ وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلذِّكۡرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: 44].»
- فلا يُمكن أبدًا أن نُقيم فرض الصَّلاة على الصُّورة التي تُقبَل بها، إلَّا عن طريق أدائها على صفتها التي جاءت في السُّنَّة؛ إِذْ لم يُذكر في القرآن عددُ ركعاتها ولا أوقاتُها.
- وفي الزكاة لم يذكر النِّصاب، ولا قدر ما يخرج من المال. فهل نخرج كل المال! أم نصفه؟ أم عُشره؟ أم أقل من ذلك؟ ما المقدار الذي تبرأ به الذمّة؟
- ﴿لَقَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ بَعَثَ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ﴾ [آل عمران: 164]
- المراد بالحكمة إذا جاءت بهذا السياق: السُّنَّة.
- «الرسالة للشافعي» (ص78): «فذكر الله الكتاب، وهو القُرَآن. وذكر الحِكْمَة. فسمعتُ مَنْ أرْضى من أهل العلم بالقُرَآن يقول: الحكمة سُنّة رسول الله»
- «تفسير ابن كثير – ط العلمية» (1/ 317): «وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ يَعْنِي الْقُرْآنَ، وَالْحِكْمَةَ يَعْنِي السُّنَّةَ، قَالَهُ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ وَأَبُو مَالِكٍ وَغَيْرُهُمْ، وَقِيلَ: الْفَهْمُ فِي الدِّينِ وَلَا مُنَافَاةَ.»
إثبات حُجِّية السُّنَّة من السُّنَّة!
- كثير ممن لديهم إشكالات تجاه السُّنَّة، ليس عندهم مذهب مطَّرد فيما يأخذون ويَدَعون منها.
- فمثلاً: منهم من يقول إنَّ السُّنَّة ليست بحجة؛ لأنَّ النبي ﷺ نهى عن كتابتها؛ نقول له: إن الذي نهى عن كتابتها، هو مَن حثَّ حفظها وتبليغها، ونهى عن ردِّها. أفتؤمنون ببعض وتكفرون ببعض؟!
النصوص الآمرة بحفظ الحديث وتبليغه
- «صحيح البخاري» (105): «عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، ذُكِرَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: (فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ – قَالَ مُحَمَّدٌ وَأَحْسِبُهُ قَالَ – وَأَعْرَاضَكُمْ، عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، أَلَا لِيُبَلِّغ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الْغَائِبَ)»
- «سنن الترمذي» (2855): عن المِقْدامِ بن مَعْدي كَربَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: “ألا هل عسى رجلٌ يَبْلُغهُ الحديثُ عَنِّي وهو مُتَّكئٌ على أرِيكتِه، فيقولُ: بيننا وبينَكُم كتابُ اللهِ، فما وجدنا فيهِ حلالًا استَحْللناهُ. وما وجدنا فيهِ حرامًا حَرَّمْناهُ، وإنَّ ما حَرَّم رسولُ اللهِ كما حَرَّم اللهُ“
حُجِّيَّة السُّنَّة من عمل أصحاب رسول الله ﷺ
- قَدْ كان أصحاب محمد ﷺ أعلم منكم بالقرآن، وأكثر حبًا لرسول الله، وأغير عليه، فكيف كان موقفهم من السنّة؟
- موقف أبو بكر الصديق رضي الله عنه مع فاطمة الزَّهراء.
- «سنن أبي داود» (162): عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه، قَالَ: «لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ لَكَانَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ أَعْلَاهُ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ خُفَّيْهِ.»
إقامة حُجِّيَّة السُّنَّة عن طريق إجماع العُلماء
- درجات الإجماع المنقول عن أهل العلم تتفاوت.
- لو كان في السياق بيان كفر المخالف فيها، فهذا يدل على أن المسألة قد أخذت صورة من القطعية عند أهل العلم. فالعلماء لا يُكفرون المنكر لأي مسألة شرعية؛ ما لم تأخذ صورة القطعية إضافة إلى كونها من الأمور الظاهرة المتواترة.
- «الحيدة والاعتذار في الرد على من قال بخلق القرآن» (ص32): قال أبو الحسن عبد العزيز الكِناني رحمه الله (المؤلِّف) ردًّا على بشر المرّيسي رأس المُبتدعة في ذلك الوقت: «هذا ما لا خِلاف فيه بين المؤمنين وأهل العلم، إن رددناه إلى الله فهو إلى كتاب الله، وإن رددناه إلى رسوله بعد وفاته رددناه إلى سُنَّته، وإنَّما يشُكّ في هذا الملحدون»
- «أبحاث هيئة كبار العلماء» (7/ 142): قال الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله: «وأن ما تفوه به رشاد خليفة من إنكار السنة والقول بعدم الحاجة إليها: كفر وردة عن الإسلام؛ لأنَّ مَن أنكر السُّنَّة فقد أنكر الكتاب، ومن أنكرهما أو أحدهما فهو كافرٌ بالإجماع»
إقامة البرهان على صِحَّة عِلْم الحديث
- ما أكثر ما شكّك المنكرون للسُّنَّة في علم الحديث، وزهّدوا فيه، واستنقصوا علماءه؛ إذْ هو الطريق المُوصِل إلى معرفة السُّنَّة.
- غالباً لا يكون للمُشكِّك في علم الحديث معرفة به، وما أسرع الناسَ إلى إنكار ما لا عِلْم لهم.
- عِلْم الحديث يُعتبر ميزاناً لتمييز المنقول من الأخبار.
- الله سبحانه وتعالى أَمَرنا برد النزاع إلى كتابه وإلى سنّة رسوله، وهذا يدل على أمرين جليلين عظيمين:
- الله سيحفظ كتابه وسنة رسوله حتى نستطيع رد النزاع إليهما.
- شمولية الكتاب والسنة؛ إذ فيهما الفصل لكل نزاع.
- «إعلام الموقعين عن رب العالمين – ابن القيم» (1/ 39 ط العلمية): «قَوْلَهُ: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ} [النساء: 59] نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ تَعُمُّ كُلَّ مَا تَنَازَعَ فِيهِ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ مَسَائِلِ الدِّينِ دِقِّهِ وَجِلِّهِ، جَلِيِّهِ وَخَفِيِّهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بَيَانُ حُكْمِ مَا تَنَازَعُوا فِيهِ وَلَمْ يَكُنْ كَافِيًا لَمْ يَأْمُرْ بِالرَّدِّ إلَيْهِ؛ إذْ مِنْ الْمُمْتَنِعِ أَنْ يَأْمُرَ تَعَالَى بِالرَّدِّ عِنْدَ النِّزَاعِ إلَى مَنْ لَا يُوجَدُ عِنْدَهُ فَضْلُ النِّزَاعِ»
- من المعلوم وجود أخبار نُسبت إلى رسول الله ﷺ ليست تصح نسبتها إليه؛ إما لأنها مكذوبة؛ أو لوجود علّة فيها. فكيف لنا أن نُميِّز بين ما ثبت، مما لم يثبت؟
- يجب الاعتماد على ميزان علمي موضوعي. هذا الميزان: إمَّا أن نستحدثه، وإمَّا أن ننظر في ميزانٍ قائم مجربٍّ مُعتبر مشهودٍ له من أهل العلم والخبرة والاختصاص.
- لا يُمكن استحداث ميزان جديد، لأنَّه ينقصنا كثير من المُعطيات التي كانت موجودة في وقت المُحدِّثين الكبار.
- علم الحديث هو صِمام الأمان للسُّنَّة. وقد أجمع العلماء من أهل السُّنة على اعتبار هذا العلم مأموناً على سنة النبي ﷺ.
- اتفق العلماء على صحة جمهور أحاديث صحيحي البخاري ومسلم.
موازين المُحدِّثين في الجرح والتَّعديل
- لا بد من معرفة أحوال الرُّواة قبل قبول أخبارهم.
- اشتراط العدالة: هي السلامة الدينية.
- ومن احتياطهم؛ أنهم لا يحتجُّون بحديث الراوي إذا كان مجهولاً لا يُعرف بفسق ولا بصلاح.
- اشتراط الضبط والإتقان.
- المُحدِّثون لهم وسائل في معرفة ضبط الرواة: فقد يختبرون الراوي اختباراً مُباشراً ويسألونه. ويعرفون ضبط الراوي باختبار مروياته، وهذه الطريقة هي العُمدة في الجرح والتعديل.
- بُعد المُحدِّثين عن المُحاباة في الجرح والتعديل، فالإمام علي بن المديني ضعّف والده. والإمام أبو داوود صاحب السنن تكلم في ابنه واتهمه بالكذب.
- المحدثون كانوا يروون عن مخالفيهم من أهل المذاهب المبتدعة؛ تقديماً لمصلحة السُّنَّة والرواية.
- واجه المحدثون في زمن الرواية إشكالية انتشار الفرق التي تُخالف طريقة الصحابة والتابعين في أبواب الاعتقاد، كالقدرية، والخوارج، والشيعة، والنَّواصب. وكان كثير منهم يجتهدون في تحصيل الحديث، ويُعرَفون بالضبط والإتقان، وعُرف بعض هؤلاء المبتدعة بجودة الحفظ.
- الذين منعوا الرواية عن هؤلاء رأوا أنَّ هجرهم هو الوسيلة الأنجع لتقليل شرهم.
- اشترط النّقاد لقبول رواية هؤلاء أن يكونوا معروفين بالصدق والسلامة الدينيّة؛ بحيث لا يعرف عنهم الفسق في العمل والسلوك، كما أن بدعتهم لا تصل بهم إلى حدّ الكفر.
- إذا تأملت في صحيحي البخاري ومسلم تجد أن عدداً غير قليل ممن احتجا بهم من الرواة عرفوا بشيء من البدعة.
- اشتراط المحدثين اتصالَ أسانيد الروايات؛ ليحكموا عليها بالصحّة.
- والانقطاع في الرواية قد يكون ظاهرا، كأن يروي راوٍ عن شيخ توفي قبل مولده، وقد يكون الانقطاع في الرواية خفياً.
- «الفروسية المحمدية – ابن القيم» (ص245، 246): «وَقد علم أَن صِحَة الْإِسْنَاد شَرط من شُرُوط صِحَة الحَدِيث وَلَيْسَت مُوجبَة لصِحَّته فَإِنَّ الحَدِيث إِنَّمَا يَصح بِمَجْمُوع أُمُور، مِنْهَا صِحَة سَنَده، وَانْتِفَاء عِلَّته، وَعدم شذوذه ونكارته، وَأَن لَا يكون راويه قد خَالف الثِّقَات أَو شَذَّ عَنْهُم»
- دقتهم في رصد الإشكالات العارضة. مثال ذلك: تغيُّر ذهن الراوي بسبب كبر سنهّ، أو لمصيبة أو كارثة أصابته؛ فأضعفت من قدراته الذهنية. كقولهم في بعض الرواة: مات أخوه فتغيّر حفظه، أو فلان احترقت كتبه فساء حفظه.
- فتجدهم يقولون عن بعض الرواة: فلان اختلط عام كذا، فكل من روى عنه قبل هذا العام فروايته عنه صحيحة، ومن روى عنه بعد هذا العام فروايته عنه ضعيفة.
- المحدثين عرفوا تلاميذ كل راوٍ، وميّزوا المتقنين عنه، ومراتبهم (مراتب الثقات).
مُعالجة أُصُول الإشكالات المُثارة على حُجِّيَّة السُّنَّة
- نقاط مُهمَّة، ينبغي أن تُراعَى عند نقاش المُشكّكين في السُّنَّة.
- مِن ضعف الشخصية والعزيمة والرأي أن يهدم المرء ما تقرَّر لديه بأُصُول شرعية كثيرة، بسبب إشكال يسير لا يعرف الإجابة عنه، فيشك في الأصل!
- ذكر الله سبحانه وتعالى أن أهل الزيغ يتبعون المتشابه، ويتركون المُحكم، بينما أهل الحق يأخذون المُحكم، ويردّون المتشابه إليه.
- المُشككين في السنّة يتناسون قدر الإشكالات التي ستواجههم حال إنكارهم لها، فلئن كانوا أنكروا السنّة لاستشكالهم خمس روايات أو عشرة تَرِد عليهم حال الإثبات فإن عشرات النصوص والأحكام ستُشكل عليهم بسبب الإنكار.
- استعرض العبادات التي يقوم بها المسلمون في اليوم، والأسبوع، والشهر، والعام، لترى قدر الإشكالات التي تواجه المُنكرين؛ والأمثلة أكثر من أن تحصر في هذا المقام المحدود.
- هل أبدأ بأركان الإسلام؟ فمن أين عرفنا أن للإسلام أركانا خمسة؟ أترك لهم الإجابة وإن كنت لا أتعجب من بعضهم لو أنكر أن أركان الإسلام خمسة!
- وإن انتقلنا للصلاة؛ فالإشكالات التي ستواجههم كثيرة: عدد الصلوات، ركعاتها، مواقيتها، صفتها، أذكارها، التشهد، سجود السهو.
- وإن انتقلنا للزكاة، فالسؤال الأكبر الموجه لهم: ما القدر الذي إذا أخرجه المرء من ماله تكون قد برئت ذمته وامتثل الأوامر القرآنية بإيتاء الزكاة؟ فالذي يملك مليار ريال مثلاً، وزكى منها مائة ريال فقط، هل تبرأ ذمته؟ إن قالوا لا؛ فما الدليل؟ وإن قالوا نعم فهذا مُشكِل، فبأيّ قدر يكون الإجزاء؟ إذ إنّ الناس يتفاوتون في مقدار ما يملكون من الأموال.
- وقبل ذلك هل كل من ملك شيئا من المال تجب عليه الزكاة؟ أم أن هناك نصاباً معينا إذا بلغه المال تجب زكاته؟ فالذي يملك غرام واحداً من الذهب هل تجب عليه زكاته؛ لئلا يدخل في الوعيد الوارد في القرآن على الذين يكنزون الذهب والفضة؟ وما المقدار الذي يجب إخراجه من الحبوب والثمار؟ وهل هناك فرق بينما سُقي بالنضح وبينما سقته السماء؟
- وإن انتقلنا للحج، فهل هُناك مواقيت مكانية لا يتجاوزها الحاج إلَّا بإحرام؟ سمُّوا لنا هذه المواقيت، ومن الذي وقَّتها؟ وما الدليل؟ وكيف تؤدى الصلاة يوم عرفة؟
إشكالات راجعة إلى أصل حُجِّيَّة السُّنَّة
- ادِّعاء مُنكري السُّنَّة بأنَّه لا حاجة للسُّنَّة لأنَّ القرآن الكريم تبيان لكلّ شيء.
- الشأن في تحرير وجه البيان والتبيان الذي جاء به القرآن.
- قولهم تعطيلاً لكل الآيات القرآنية التي أحالت إلى الرسول ﷺ وأمره ونهيه، وهذا يكشف عدم صدق تسمية أنفسهم بالقرآنيين.
- دعواهم أنَّ كلمة الرسول الواردة في آيات الأمر بطاعته، إنما تعني الرسالة لا الشخص المُرسَل. ثمَّ يقولون إنّ الرسالة هي القرآن وحده، وأن كل شيء فعله النبي ﷺ مما لم يُذكر في نص القرآن فإنما فعله بمقتضى النبوّة لا الرسالة! والنبوة لا يصدر عنها شيء ملزم شرعاً، ويفرقون بين الرسول والنبي بهذا الاعتبار، وليس عندهم على ذلك دليلٌ فصلٌ ينتهض بهذه الدعوى الكبيرة.
- ﴿مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدۡ أَطَاعَ ٱللَّهَۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ عَلَيۡهِمۡ حَفِيظٗا﴾ [النساء: 80] فالكاف في أرسلناك ظاهرة في أن المراد بالرسول هنا الشخص المُرسَل لا الرسالة.
- جاء في القران جمع الكلمتين (الرسول) و (النبي) في سياق واحد. ﴿ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلۡأُمِّيَّ﴾ [الأعراف: 157]
- هل تجتمع أمة محمد ﷺ من وقت أصحاب نبيها ثم تابعيهم، ثم فقهائها ومحدثيها ومفسريها ومتكلميها ومتصوفتها على الشرك بالله ثم لا يسلم منه إلا طائفتكم التي ليس فيها معروف بالفقه والإمامة في الدين؟
- واقع الأمر يُثبت لنا أن النبي ﷺ تكلم بكثير من القضايا الدينية مما لم يُذكَر نصه في القران؛ فمن أين جاء به؟ وما الغرض من قوله؟ وهل كان يفتري على ربه؟ أم يجتهد رأيه؟ فإن قلتم إنه يفتري على ربه فقد كفرتم بإجماع المسلمين.
- إنكار السُّنَّة يؤدِّي إلى الشَّكّ في القرآن نفسه؛ لأن عدم ذكر أهم حكم في الإسلام فيه يتعارض تماماً مع فهمهم لقول الله: (ما فرّطنا في الكتاب من شيء)!
شُبُهات راجعة إلى نَقَلَة السُّنَّة (رُواة الأحاديث)
- كثير من القصص التي طُعِن على الصحابة أو الرواة الثقات بسببها، لا تثبت من جهة الإسناد!
- الرواية التي تقول: (يا أبا هر، زُر غِبًّا تزدد حُبًّا) ليس له رواية واحدة صحيحة أو ضعيفة فيها ربط حديث (زر غبا) بقضية الطعام!! على أن حديث زر غبا من أصله لا يثبت.
- قول أهل السنة من العلماء والفقهاء والمحدثين والمُفَسّرين، الذين أجمعوا على عدالة الصحابة رضي الله عنهم، وليس على عصمتهم.
- في شأن معاوية رضي الله عنه: يتركون ثقة الصحابة به، وعدم إنكارهم عليه في الرواية، ويتركون تولية عمر بن الخطاب له، وإبقاءه إياه على الولاية، مع أنه عزل عدد من ولاته، ويتركون تنازل الحسن له، وهذا وإن كان لحقن الدماء؛ إلا أنه لا يُتنازل لمنافق. لا نتهمه بالنفاق، ولا بالكذب على رسول الله ﷺ، ونعتقد أن معاصريه من الصحابة هم أعلم به.
شبهات راجعة إلى تاريخ السُّنَّة وتدوينها
- ما يتعلَّق بالنهي عن كتابة السنّة وتأخُّر تدوينها.
- ما الرابط بين النهى عن كتابة السنةّ وبين حجّيتها؟
- هل لا توجد وسيلة لحفظ الأخبار إلا الكتابة فقط؟
- إن الذي نهى عن كتابة السُّنَّة ﷺ هو الذي أمر بحفظها وتبليغها.
- النهي عن الكتابة منسوخ بأحاديث الرخصة في الكتابة، وأنَّه إنَّما نهى عن الكتابة أول الأمر، خشية اختلاط السُّنَّة بالقرآن.
- إنه لم يأتِ النهي عن الكتابة المفردة المفرقة، وإنما جاء النهي عن التدوين العام، قالوا: ولو كلفهم النبي ﷺ بذلك لكلفهم بأمر شاق جدًا.
- الحث على كتابة القرآن؛ لأنه متعبّدٌ بألفاظه وحروفه؛ فاحتيج إلى كتابته لفظاً ونصًا؛ بخلاف السُّنَّة التي يجوز روايتها بالمعنى بشروط وضوابط يذكرها أهل العلم.
- وقد وقع في بداية الأمر خلاف في جواز كتابة الحديث، ثم زال الخلاف واستقر الإجماع.
- «مقدمة ابن الصلاح = معرفة أنواع علوم الحديث – ت عتر» (ص183): «ثُمَّ إِنَّهُ زَالَ ذَلِكَ الْخِلَافُ وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَسْوِيغِ ذَلِكَ وَإِبَاحَتِهِ، وَلَوْلَا تَدْوِينُهُ فِي الْكُتُبِ لَدُرِسَ فِي الْأَعْصُرِ الْآخِرَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ»
- بخصوص تأخُّر تدوين السُّنَّة فإنَّ التوثيق لا ينحصر في الكتابة.
- التدوين كان موجوداً من وقت النبي ﷺ.
شبهات راجعة إلى روايات بعينها لتوهم معارضتها لما هو أرجح منها
- فإما أن يزعم أن في السُّنَّة الصَّحيحة روايات تُخالف العقل، أو تُخالف القرآن، أو العلم التطبيقي، أو تخالف روايات أخرى أصحّ منها، ومن ثم يتوصّلون بذلك إلى ردّ السُّنَّة أو التَّشكيك فيها.
- جُلّ استشكالاتهم قد أجاب عنها أهل العلم قديماً وحديثاً.
- معرفة مُختلف الحديث.
- مُختلف الحديث، للإمام الشافعي.
- شرح مُشكل الآثار، للإمام الطَّحاوي.
- تأويل مُختلف الحديث، لابن قتيبة.
- التَّعارض في الحديث، للدكتور لطفي الزغير.
- مُنكرو السُّنَّة يتركون آلاف الروايات الصحيحة التي لا يُتوهم تعارضها مع شيء. فلو توقف الإنسان في حديث أو حديثين، لكان موقفاً معتدلاً بإزاء رد السنّة كلها.
توهّم تعارض الحديث مع العقل
توهم تعارض الحديث مع القرآن
توهّم تعارض الحديث مع الحسّ أو العلوم الطبيعية والتطبيقية
- القاعدة الأولى: التثبت من صحة إسناد الرواية.
- القاعدة الثانية: التَّأكُّد من سلامة فَهْم النَّصّ الشرعي.
- القاعدة الثالثة:
- مراجعة أقوال العُلماء في كتب الشرح والتفسير وغيرها.
- التفريق بين ما يُخالف العقل، وبين ما لا يُدرك بمُجرَّد العقل.
- التَّأكُّد من حقيقة القول العلمي وثبوته!
- القاعدة الرابعة:
- إدراك اختلاف الأفهام.
- الرجوع إلى قواعد التعارض بين الأدلة.
- القاعدة الخامسة: عند اختلاف العقول؛ الحكم لعلم الحديث.
- «درء تعارض العقل والنقل – ابن تيمية» (1/ 150): «فلا يعلم حديث واحد يخالف العقل أو السمع الصحيح إلا وهو عند أهل العلم ضعيف، بل موضوع»
- «الاعتصام للشاطبي ت الهلالي» (2/ 831): «أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ لِلْعُقُولِ فِي إِدْرَاكِهَا حَدًّا تَنْتَهِي إِلَيْهِ لَا تَتَعَدَّاهُ، وَلَمْ يَجْعَلْ لَهَا سَبِيلًا إِلَى الْإِدْرَاكِ فِي كُلِّ مَطْلُوبٍ»
- إنَّ الإشكالات التي تُثار تجاه الروايات الصحيحة، هي في حقيقة الأمر لا تُخالف العقل الصريح، وإنَّما قد تُخالف فهم الشخص المُستشكِل وأمثاله. أنت تظن أن هذا يعارض العقل، وهو إنما يعارض مسلماتك وتصوراتك، وإلا فكيف قَبلَتْهُ آلاف العقول الُحرّة المفكرة غير المُقلّدة؟
- شرْحُ ابن عبد البر لموطأ الإمام مالك رحمه الله استغرق مدة زمنية قدرها ثلاثين سنة، وشرح ابنِ حجر رحمه الله لصحيح البخاري استغرق ربع قرن من الزمان.
- شرح السنّة للإمام البغوي، وشرح صحيح مسلم للإمام النووي، وشرح سنن أبي داود لشرف الحق العظيم آبادي، وشرح الترمذي للمباركفوري، وشرح رياض الصالحين لابن عثيمين.
- الجمع بين الدليلين على مقتضى السياقات اللغوية: من العموم والخصوص والإطلاق والتقييد ونحو ذلك، وعلى مقتضى السياقات الشرعية أيضاً.
- فإن لم يُمكن الجمع فيُنظَر في النسخ، فإن لم يمكن الجمع ولم يثبت النسخ فالتوقّف. ويعمد بعض أهل العلم إلى الترجيح بعد ذلك، فيرجّح القرآن على الحديث؛ لأنه أقوى من جهة الثبوت.
- قد يتعذر الجمع على بعض المجتهدين، فيعمدون إلى الترجيح، وبعضهم لا يرجح وإنما يتوقف. والبعض الآخر يستبين له وجه الجمع.
- وأما وجود مثال لتعارض حقيقي بين حديث صحيح وآية قرآنية من كل وجه فلا أعلم شيئًا من ذلك.
إشكالات راجعة إلى طريقة نقل السنة وإلى علم الحديث
- التقليل من وثوقية نقل الآحاد.
- حَصْر قبول الأخبار النبوية في التواتر أمرٌ مبتدع في دين الله سبحانه.
- ليس المقصود بحديث الآحاد: هو ما رواه شخص واحدٌ فقط. وإنما هو ما لم يبلغ حدّ التواتر من الأخبار.
- هدي النبي ﷺ وسيرته وسنته العملية، التي تدلّ على الاحتجاج بأخبار الآحاد في سائر أبواب الدين؛ في العقائد والأعمال وغيرها. فقد كان ﷺ يبعث آحادًا من أصحابه إلى الأقطار.
- حقيقة الطعن في أخبار الآحاد إنما هو الطعن في السنةّ؛ لأن الأحاديث المتواترة قليلة.
- صحيح البخاري اكتسب مكانته من مجموع خمسة أمور:
- إمامة جامعه.
- أنه طبق منهجا علميا في جمع أحاديثه.
- شهادة أهل الاختصاص لعمله بالإتقان.
- مراجعة الحُفّاظ لعمله وتسجيل ملاحظاتهم ونقدهم.
- قبول الأمة لعمله.
الحمد لله رب العالمين

تبارك الله، الله يرضى عليكم وعلينا، اتمنى تردون على شبهة تناقض العلم والسنة بشكل خاص في كتاب او فيديوهاتكم