Site icon مدونة التاعب

دين بلا نبي ولا كتاب | لماذا نحتاج الأنبياء | مجتمع شحرور 7

 

بسم الله الرحمن الرحيم

لماذا نحتاج إلى الأنبياء؟!

مركزية الوحي من البداية

﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 38-39]

﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: 123-124]

دور الأنبياء هو التَّذكير بما نعرفه مُسبقاً؟!

﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: 45]

﴿طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (2) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [طه: 1-3]

﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (51) وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [القلم: 51-52]

﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ﴾ [الأنبياء: 45]

﴿… وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ …﴾ [الأنعام: 19]

﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: 2]

﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: 51]

﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ [يس: 11]

بعض الآيات القرآنية الهامَّة

﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 151]

﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: 164]

﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: 113]

﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: 2]

نحتاج إلى الأنبياء لأن الإنسان قد يدرك أشياء عامة بعقله وفطرته، لكن لا يمكنه أن يعرف على وجه اليقين مراد الله التفصيلي، ولا تفاصيل الغيب، ولا الطريق العملي المرضي عند الله، إلا بوحيٍ يبلّغه الرسل. والقرآن يصرّح بأن الرسل جاؤوا للتبليغ، والبيان، والتعليم، والتزكية، والإنذار، وإقامة الحجة، والتحاكم إليهم، والاقتداء بهم.

اقتباس عظيم لشيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله

غَايَةُ العَقْلِ أَنْ يُدْرِكَ بِالإِجْمَالِ حُسْنَ مَا أَتَى الشَّرْعُ بِتَفْضِيلِهِ أَوْ قُبْحَهُ؛ فَيُدْرِكُهُ العَقْلُ جُمْلَةً، وَيَأْتِي الشَّرْعُ بِتَفْصِيلِهِ.

وَهَذَا كَمَا أَنَّ العَقْلَ يُدْرِكُ حُسْنَ العَدْلِ، وَأَمَّا كَوْنُ هَذَا الْفِعْلِ المُعَيَّنِ عَدْلًا أَوْ ظُلْمًا؛ فَهَذَا مِمَّا يَعْجَزُ العَقْلُ عَنْ إِدْرَاكِهِ فِي كُلِّ فِعْلٍ وَعَقْدٍ.

وَكَذَلِكَ يَعْجَزُ عَنْ إِدْرَاكِ حُسْنِ كُلِّ فِعْلٍ وَقُبْحِهِ، فَتَأْتِي الشَّرَائِعُ بِتَفْصِيلِ ذَلِكَ وَتَبْيِينِهِ.

وَمَا أَدْرَكَهُ العَقْلُ الصَّرِيحُ مِنْ ذَلِكَ، أَتَتِ الشَّرَائِعُ بِتَقْرِيرِهِ.

وَمَا كَانَ حَسَنًا فِي وَقْتٍ، قَبِيحًا فِي وَقْتٍ، وَلَمْ يَهْتَدِ العَقْلُ لِوَقْتِ حُسْنِهِ مِنْ وَقْتِ قُبْحِهِ، أَتَتِ الشَّرَائِعُ بِالأَمْرِ بِهِ فِي وَقْتِ حُسْنِهِ، وَبِالنَّهْيِ عَنْهُ فِي وَقْتِ قُبْحِهِ.

وَكَذَلِكَ الْفِعْلُ، يَكُونُ مُشْتَمِلًا عَلَى مَصْلَحَةٍ وَمَفْسَدَةٍ، وَلَا تَعْلَمُ العُقُولُ مَفْسَدَتُهُ أَرْجَحُ أَمْ مَصْلَحَتُهُ؛ فَيَتَوَقَّفُ العَقْلُ فِي ذَلِكَ؛ فَتَأْتِي الشَّرَائِعُ بِبَيَانِ ذَلِكَ، وَتَأْمُرُ بِرَاجِحِ المَصْلَحَةِ، وَتَنْهَى عَنْ رَاجِحِ المَفْسَدَةِ.

وَكَذَلِكَ الْفِعْلُ، يَكُونُ مَصْلَحَةً لِشَخْصٍ، مَفْسَدَةً لِغَيْرِهِ، وَالعَقْلُ لَا يُدْرِكُ ذَلِكَ؛ فَتَأْتِي الشَّرَائِعُ بِبَيَانِهِ؛ فَتَأْمُرُ بِهِ مَنْ هُوَ مَصْلَحَةٌ لَهُ، وَتَنْهَى عَنْهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَفْسَدَةٌ فِي حَقِّهِ.

وَكَذَلِكَ الْفِعْلُ، يَكُونُ مَفْسَدَةً فِي الظَّاهِرِ، وَفِي ضِمْنِهِ مَصْلَحَةٌ عَظِيمَةٌ لَا يَهْتَدِي إِلَيْهَا العَقْلُ؛ فَلَا يُعْلَمُ إِلَّا بِالشَّرْعِ؛ كَالْجِهَادِ وَالْقَتْلِ فِي اللهِ. وَيَكُونُ فِي الظَّاهِرِ مَصْلَحَةً، وَفِي ضِمْنِهِ مَفْسَدَةٌ عَظِيمَةٌ لَا يَهْتَدِي إِلَيْهَا العَقْلُ؛ فَتَجِيءُ الشَّرَائِعُ بِبَيَانِ مَا فِي ضِمْنِهِ مِنَ المَصْلَحَةِ وَالمَفْسَدَةِ الرَّاجِحَةِ .

(مفتاح دار السَّعادة ومنشور ولاية العِلْم والإرادة، 2/ 117).

الشريعة مع العقل لها أحوال:

أشياء يدرك العقل أصل حسنها أو قبحها إجمالًا

مثل العدل والظلم، فتأتي الشريعة بتقرير ذلك.

أشياء لا يستطيع العقل أن يفصلها وحده

كتمييز: هل هذا الفعل المعين عدل أو ظلم؟ حسن أو قبيح؟

فهنا تأتي الشريعة بالتفصيل والبيان.

أشياء تتغير باختلاف الوقت أو الحال أو الشخص

فقد يكون الفعل حسنًا في وقت، قبيحًا في وقت آخر، أو مصلحة لشخص ومفسدة لغيره، والعقل لا يهتدي وحده لهذا الضبط؛ فتأتي الشريعة فتضع الشيء في موضعه الصحيح.

أشياء ظاهرها مصلحة وباطنها مفسدة، أو ظاهرها مفسدة وباطنها مصلحة

وهذا لا يدركه العقل دائمًا، فتأتي الشريعة فترجّح وتكشف ما خفي.

فهذا النص ممتاز جدًا في تقرير أن الشريعة:

تؤكد ما يدركه العقل الصحيح.

وتفصل ما يعجز العقل عن تفصيله.

وترجح عند التزاحم والاشتباه.

وتكشف ما لا تهتدي إليه العقول استقلالًا.

فَالْحَاجَةُ إِلَى الرُّسُلِ ضَرُورِيَّةٌ، بَلْ هِيَ فَوْقَ كُلِّ حَاجَةٍ، فَلَيْسَ الْعَالَمُ إِلَى شَيْءٍ أَحْوَجَ مِنْهُمْ إِلَى الْمُرْسَلِينَ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، وَلِهَذَا يُذَكِّرُ سُبْحَانَهُ عِبَادَهُ نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ بِرَسُولِهِ، وَيَعُدُّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَعْظَمِ الْمِنَنِ؛ لِشِدَّةِ حَاجَتِهِمْ إِلَيْهِ، وَلِتَوَقُّفِ مَصَالِحِهِمُ الْجُزْئِيَّةِ وَالْكُلِّيَّةِ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ لَا سَعَادَةَ لَهُمْ وَلَا فَلَاحَ وَلَا قِيَامَ إِلَّا بِالرُّسُلِ.

فَإِذَا كَانَ الْعَقْلُ قَدْ أَدْرَكَ حُسْنَ بَعْضِ الْأَفْعَالِ وَقُبْحَهَا، فَمِنْ أَيْنَ لَهُ مَعْرِفَةُ اللهِ تَعَالَى بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَآلَائِهِ الَّتِي تَعَرَّفَ بِهَا اللهُ إِلَى عِبَادِهِ عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِهِ؟ وَمِنْ أَيْنَ لَهُ مَعْرِفَةُ تَفَاصِيلِ شَرْعِهِ وَدِينِهِ الَّذِي شَرَعَهُ لِعِبَادِهِ؟ وَمِنْ أَيْنَ لَهُ تَفَاصِيلُ مَوَاقِعِ مَحَبَّتِهِ وَرِضَاهُ، وَسَخَطِهِ وَكَرَاهَتِهِ؟ وَمِنْ أَيْنَ لَهُ مَعْرِفَةُ تَفَاصِيلِ ثَوَابِهِ وَعِقَابِهِ، وَمَا أَعَدَّ لِأَوْلِيَائِهِ وَمَا أَعَدَّ لِأَعْدَائِهِ، وَمَقَادِيرِ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَكَيْفِيَّتِهِمَا، وَدَرَجَاتِهِمَا؟ وَمِنْ أَيْنَ لَهُ مَعْرِفَةُ الْغَيْبِ الَّذِي لَمْ يُظْهِرِ اللهُ عَلَيْهِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ إِلَّا مَنِ ارْتَضَاهُ مِنْ رُسُلِهِ؟ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ وَبَلَّغَتْهُ عَنِ اللهِ، وَلَيْسَ فِي الْعَقْلِ طَرِيقٌ إِلَى مَعْرِفَتِهِ.

فَكَيْفَ تَكُونُ مَعْرِفَةُ حُسْنِ بَعْضِ الْأَفْعَالِ وَقُبْحِهَا بِالْعَقْلِ مُغْنِيَةً عَمَّا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ؟!

فَظَهَرَ أَنَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مُجَرَّدُ تَهْوِيلٍ مَشْحُونٍ بِالْأَبَاطِيلِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.

مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة (2/ 1155).

أولاً: لماذا نحتاج إلى الأنبياء؟

لأن الله جعلهم طريق البلاغ المبين وإقامة الحجة على الخلق

قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: 165].

وقال: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ [الأنعام: 48].

فوجود الأنبياء ليس زينة فكرية؛ بل لئلا يقول الناس: لم نعرف، ولم يأتنا بيان.

لأن وظيفة النبي ليست مجرد تلاوة النص، بل بيانه وتعليمه

قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: 44].

وقال: ﴿يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 151].

فالأنبياء يشرحون مراد الله، ويعلّمون الناس ما لم يكونوا يعلمونه. هذه نقطة فاصلة، لأن النص وحده مع الأهواء قد يتحول إلى مهرجان تأويلات.

لأنهم يخرجون الناس من الظلمات إلى النور

قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبراهيم: 1].

وقال: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ… وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: 2].

فالرسل ليسوا ناقلي معلومات فقط، بل سبب هداية وانتقال وجودي من الضلال إلى الهدى.

لأن الله جعل اتباع الرسول شرطًا من شروط كمال الإيمان والطاعة

قال تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: 59].

وقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: 65].

وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: 7].

فلو كان الإنسان مكتفيًا بنفسه أو بعقله أو بمجرد قراءة عامة للنص، لما كان لتحكيم الرسول وطاعته هذا المقام.

مواضيع الشريعة الإسلامية ومجالاتها

الشريعة جاءت لتعلِّم الإنسان ما لا يستقلُّ به عقلُه، وتفصِّل له ما يدركه إجمالًا، وتحسم له ما يختلف فيه. وهذا ظاهر من كون الرسول ﷺ وظيفته: التلاوة، والتعليم، والتزكية، والبيان، والتحكيم؛ قال تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾، وقال: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾، وقال: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾، وقال: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾.

1) باب معرفة الله نفسه

أعظم ما نتعلمه من الشريعة: من هو الله؟ أسماؤه، صفاته، حقه في العبادة، وما يحب وما يكره. العقل قد يدرك أن لهذا الكون خالقًا، لكنه لا يستقل بمعرفة تفاصيل الأسماء والصفات والعبودية المرضية عند الله من تلقاء نفسه؛ ولهذا كانت الرسل تعلِّم الناس الكتاب والحكمة وما لم يكونوا يعلمون.

2) باب الغيب

من أهم مجالات الشريعة: تعريفنا بالغيب؛ كالملائكة، والبرزخ، والقيامة، والحساب، والجنة، والنار، وتفاصيل الثواب والعقاب. هذا الباب لا يُنال بالتجربة ولا بالحدس الفلسفي المتأنق، بل بالوحي؛ قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا ۝ إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾.

3) باب العبادات والشعائر

الشريعة تعلِّمنا كيف نعبد الله عمليًا: الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وما يتصل بها من الشروط والهيئات والأوقات والمقاصد. قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، وقال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾، وقال: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. فهذه ليست مبادئ أخلاقية عامة فقط، بل تشريع تعبدي مفصل.

4) باب الحلال والحرام

ومن مجالاتها الكبرى: تحديد ما يحل وما يحرم في المطاعم والمشارب والأنكحة وسائر التصرفات. قال تعالى في وصف الرسول ﷺ: ﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾، وقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ في سياق ذكر المحرمات والأحكام. فهذا يبين أن الشريعة جاءت بباب الإباحة والمنع لا بمجرد الوعظ العام.

5) باب الأخلاق والتزكية

الشريعة لا تعطي أوامر قانونية جافة فقط، بل تزكِّي النفوس وتبني الإنسان من الداخل: الإخلاص، التقوى، الصدق، العدل، الرحمة، الصبر، ضبط الشهوة والغضب. ولهذا قرن القرآن بين التعليم والتزكية: ﴿وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾. فالأخلاق في الإسلام ليست ذوقًا اجتماعيًا متقلبًا، بل هداية ربانية.

6) باب الأسرة والأنساب والحقوق المنزلية

ومن الشريعة ما ينظم الأسرة: الزواج، والطلاق، والعدة، والرضاع، والنفقة، وحقوق الأزواج، وحقوق الأولاد، والمواريث. ومن أوضح أمثلته: آية المواريث: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾. فهذا باب لا يتركه الوحي للاجتهاد البشري المنفلت؛ لأنه من أكثر الأبواب اتصالًا بالظلم والشهوات والنزاع.

7) باب المعاملات المالية والديون والعقود

الشريعة جاءت أيضًا لتنظيم الأموال والمعاملات: البيع، والدَّين، والكتابة، والإشهاد، والأمانة، وسائر ما يحفظ الحقوق. وأعظم شاهد: آية الدين في سورة البقرة، وهي من أطول آيات القرآن، وفيها تفصيل يوحي بوضوح أن الوحي لم يأت فقط للعقيدة المجردة، بل كذلك لضبط الحياة المالية والاجتماعية.

8) باب القضاء والتحاكم وفضّ النزاعات

الشريعة تعلِّم الناس إلى من يرجعون عند النزاع، وما هو المعيار الحاكم بينهم. قال تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، وقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾. فهنا يظهر أن من وظيفة الوحي ليس فقط الإخبار، بل الفصل والحكم.

9) باب المصالح والمفاسد والهداية العملية

الشريعة لا تخبرنا فقط أن العدل حسن والظلم قبيح، بل ترشدنا إلى تطبيق ذلك في الوقائع المعينة؛ ولهذا وصف الله الكتاب بأنه ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾، وأنه يهدي للتي هي أقوم. والمعنى هنا: بيان ما يحتاجه الناس في باب هدايتهم ودينهم وأحكامهم، لا أنه كتاب هندسة محركات ولا كتالوج لمجرة أندروميدا؛ فلا نحمّله ما لم يأت له، ولا نفرغه مما جاء به.

10) باب الأمة والطاعة والاتباع

ومن مجالات الشريعة: ربط الناس باتباع الرسول لا بمجرد انتقاء ما يوافق أهواءهم. قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، وقال: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. فالشريعة ليست مواد خام يفسرها كل شخص كما يشاء، بل وحيٌ يُتلقّى بالاتباع.

ثانيًا: ما الذي نتعلمه من الأنبياء ولا نستطيع أن نتعلمه إلا منهم؟

تفاصيل التوحيد الذي يريده الله

الناس قد يختلفون في تصور الإله والعبادة، أما الأنبياء فيحسمون هذا من عند الله. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25].

وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36].

فأصل دعوة الرسل واحد: من هو الإله الحق؟ وكيف تكون عبادته؟

تفاصيل الغيب

العقل لا يستطيع وحده أن يعرف الجنة والنار والملائكة والبعث والحساب وتفاصيل اليوم الآخر على وجه الجزم. قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا ۝ إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾ [الجن: 26-27].

بل حتى أخبار الأمم الماضية التي لم يشهدها الناس إنما تُعرف بالوحي، كما في نظائر كثيرة من القرآن.

تفاصيل الشريعة: الحلال والحرام وما يحبه الله وما يبغضه

قال تعالى في وصف النبي ﷺ: ﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: 157].

فمعرفة الخير والشر إجمالًا قد تُدرك بعضُها العقول، لكن التشريع الملزِم من عند الله لا يُؤخذ إلا من رسوله.

البيان العملي للدين

النبي ليس نظرية؛ بل نموذج مطبَّق. قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21].

وقال: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: 31].

إذن من الأنبياء نتعلم كيف يُعاش الدين في الواقع: الصبر، الدعوة، العبادة، الحكم، الأخلاق، التعامل مع الناس. النص بلا قدوة عملية قد يبقى معلّقًا في الهواء كأنه تعليمات جهاز بلا صورة توضيحية.

التزكية وتطهير النفوس

قال تعالى: ﴿يُزَكِّيكُمْ﴾ [البقرة: 151]، وقال: ﴿يُزَكِّيهِمْ﴾ [الجمعة: 2].

فالأنبياء لا يعلّمون المعلومات فقط، بل يربّون النفوس، ويصلحون القلب والعمل. وهذا من أعظم ما لا يتحقق بمجرد الذكاء أو الثقافة. قد يكون الرجل موسوعة تمشي على قدمين، ومع ذلك قلبه خراب مُعلّب.

المرجع الذي يُفصل به النِّزاع

قال تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: 59].

وقال: ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: 65].

فلو تُرك الناس إلى عقولهم وأهوائهم فقط، لتكاثرت المذاهب والادعاءات بلا ضابط؛ فجعل الله الرسل ميزان الفصل.

ثالثًا: خُلاصَة مُركَّزة

من القرآن، الأنبياء يعلّموننا ما لا سبيل إلى معرفته يقينًا إلا بالوحي، وأهمه:

من هو الله حقًا وكيف يُعبد.

ما الغيب الذي يجب الإيمان به.

ما الحلال والحرام وما الذي يرضي الله.

كيف نطبّق الدين عمليًا في الحياة.

كيف تُزكَّى النفوس وتُقام الحجة ويُرفع النزاع.

الحمد لله الذي بنعمته تتمّ الصَّالِحات

Exit mobile version