مدونة التاعب

أسرار أهل الكتاب | هل اقتبس القرآن من اليهود والنصارى؟ #براهين_النبوة

بسم الله الرحمن الرحيم

أسرار أهل الكتاب | هل اقتبس القرآن من اليهود والنصارى؟

وقد انتقد القرآنُ ضلالَ اليهودية والنصرانية في أنسنة الله؛

ومن ذلك قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ} (ق/ 38).

Gen 2:3  وَبَارَكَ اللهُ الْيَوْمَ السَّابِعَ وَقَدَّسَهُ لأنه فِيهِ اسْتَرَاحَ مِنْ جَمِيعِ عَمَلِهِ الَّذِي عَمِلَ اللهُ خَالِقا.

Exo 20:11  لانْ فِي سِتَّةِ أيام صَنَعَ الرَّبُّ السَّمَاءَ والأرض وَالْبَحْرَ وَكُلَّ مَا فِيهَا وَاسْتَرَاحَ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ. لِذَلِكَ بَارَكَ الرَّبُّ يَوْمَ السَّبْتِ وَقَدَّسَهُ.

Exo 23:12  سِتَّةَ أيام تَعْمَلُ عَمَلَكَ. وأما الْيَوْمُ السَّابِعُ فَفِيهِ تَسْتَرِيحُ لِيَسْتَرِيحَ ثَوْرُكَ وَحِمَارُكَ وَيَتَنَفَّسَ ابْنُ امَتِكَ وَالْغَرِيبُ.

Exo 31:15  سِتَّةَ أيام يُصْنَعُ عَمَلٌ. وأما الْيَوْمُ السَّابِعُ فَفِيهِ سَبْتُ عُطْلَةٍ مُقَدَّسٌ لِلرَّبِّ. كُلُّ مَنْ صَنَعَ عَمَلا فِي يَوْمِ السَّبْتِ يُقْتَلُ قَتْلا.

Exo 31:16  فَيَحْفَظُ بَنُو إسرائيل السَّبْتَ لِيَصْنَعُوا السَّبْتَ فِي أجيالهم عَهْدا أبديا.

Exo 31:17  هُوَ بَيْنِي وَبَيْنَ بَنِي إسرائيل عَلامَةٌ الَى الأبد لأنه فِي سِتَّةِ أيام صَنَعَ الرَّبُّ السَّمَاءَ والأرض وَفِي الْيَوْمِ السَّابِعِ اسْتَرَاحَ وَتَنَفَّسَ .

كما شعر اليهود بالحرج من دلالةِ الدعوى التوراتيّةِ نفسها، فحرّف سعديا جاؤون، في الترجمةِ العربيّةِ الشهيرةِ للتوراة، نصَّ سفر الخروج (31: 17)، فنقله إلى العربية بالحرف “العبري” “(ובשביעי בטלה ונאחת) (وبالسابع بطلت وناحت)”، أي: “عطّلها وأراحها”، جاعلا الراحةَ متعلّقةً بالسمواتِ والأرض، لا بإله التوراة.

سعديا بن يوسف جاؤون الفيومي (268هـ/ 882م – 330 هـ/ 942م): حبر يهودي شهير، ولد في مصر. من أبرز علماء الدين والأدب العبري في عصره.

Sa’adia ben Joseph, Euvres Compl tes de r. Saadia ben Iosef al-Fayyo mi: Version Arabe du Pentateuque (Paris: E. Leroux, 1893), 127.

وقد تحدَّث سدني غريفث في دراسة له عن قصّة أهل الكهف في القرآن وفي التراث الديني السابق له.

وهي قصّةٌ وقعت بعد زمن من رفع المسيح عليه السلام.

وانتهى إلى النتيجة التالية: “لا يقتصر الأمر على ملاحظة معرفة القرآن بتفاصيل القصة واختلاف فهمها، بل يتّضح أيضًا كيف يزيل القرآنُ -من جهةِ- الإطارَ المرجعي المسيحي، ومن جهةٍ أخرى يُقدِّم أفقًا إسلاميًّا وقرآنيًّا جديدًا تكتسب فيه الأسطورة دلالةً تفسيرية جديدة كليًّا“.

انظر في دفع دعوى أسطورية قصة أهل الكهف: سامي عامري، شبهات تاريخية حول القرآن الكريم، عرض ونقد (الكويت: رواسخ، 1443هـ/ 2022م)، ص 269-276.

Sidney Griffith, “Christian Lore and the Arabic Qur’an: The ‘Companions of the Cave’ in S rat al-Kahf and in Syriac Christian Tradition,” in The Qur’ n in Its Historical Context, ed. Gabriel Reynolds (London; New York: Routledge Press, 2008), 129.

تصحيح تاريخ النبوة: من الأمور المغفول عنها في قراءة القرآن أنّ هذا الكتاب قد أعاد رسمَ تاريخ النبوة؛ إذ جعل آدمَ -عليه السلام- أوّلَ الأنبياء، وجعل النبوّةَ مرافقةً للبشرية، وذلك على خلاف التوراة التي لم تَعرِفِ النبوّةَ قبل إبراهيم -عليه السلام-.

علّق رينولدز على الفارق بين نوح القرآني ونوح التوراتي بقوله:

ثالثًا، تُشكِّل اهتماماتُ القرآن بالعقيدة والنبوّة الطريقةَ التي يعرض بها المادةَ اليهودية والمسيحية.

ومن الدالّ أيضًا أنّ شخصيات الكتاب المقدس العبري/العهد القديم تصبح في القرآن شديدة الاهتمام بصحّة العقيدة. فبينما لا يقول نوح في العهد القديم شيئًا على الإطلاق إلا بعد الطوفان، ولا يعدو في العهد الجديد أن يكون كارزًا بالبرّ (رسالة بطرس الثانية ٢:٥)، يصبح في القرآن داعيةً إلى الاستقامة العقدية، معلنًا لقومه أنّه لا إله إلا الله:

﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ الأعراف: ٥٩.

﴿أَن لَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ هود: ٢٦.

﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ المؤمنون: ٢٣.

﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ نوح: ٣.

وبالمثل، لا يكاد إبراهيم يمارس الدعوة في سفر التكوين، لكنه يصبح داعيةً إلى التوحيد في التراث اليهودي والمسيحي اللاحق، مثل كتاب رؤيا إبراهيم ، وكذلك في القرآن .

Gabriel Reynolds, The Qur’an and the Bible, 13.

كما يَظهَر التعقيبُ القرآني العقدي أيضًا في قوله تعالى في خبر لوط عليه السلام:

{وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ} (هود/ 77).

وهنا فارَقَ القرآنُ رِوايةَ التوراة التي تذكُر أنّ الإله نفسَه قد زار لوطًا!

وهي القضيّةُ التي أحرجتِ اليهودَ أنفسَهم؛ فحرّفوا خبرَ التوراة لاحقًا من خلال المِدْراشات والتَّرْجُومات.

هود ١١: ٦٩ ٧٣: في هذا المقطع (قارن: الحجر ١٥: ٥١ ٥٦؛ العنكبوت ٢٩: ٣١ ٣٥؛ الذاريات ٥١: ٢٤ ٣٤)، يطوّر القرآنُ الروايةَ الواردة في الإصحاح الثامن عشر من سفر التكوين، عن الزوّار الثلاثة الغامضين الذين جاءوا إلى إبراهيم وبشّروه بأنّه وزوجته سارة سيُرزقان، على نحوٍ معجز، بابنٍ في شيخوختهما .

سورة هود، الآيات ٦٩ ٧٣: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَىٰ قَالُوا سَلَامًا ۖ قَالَ سَلَامٌ ۖ فَمَا لَبِثَ أَن جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ۝٦٩ فَلَمَّا رَأَىٰ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ۚ قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ ۝٧٠ وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ۝٧١ قَالَتْ يَا وَيْلَتَىٰ أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَٰذَا بَعْلِي شَيْخًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ ۝٧٢ قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۖ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ۚ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ ۝٧٣

يشير سفر التكوين إلى أنّ الله نفسه هو الذي ظهر لإبراهيم، بينما لا يتحدث القرآن إلا عن رُسُلٍ أو ضيوف. ويذكر سفر التكوين أيضًا (١٨:٨) أنّ هؤلاء الزوّار أكلوا الطعام الذي أعدّته سارة لهم:

ثُمَّ أَخَذَ زُبْدًا وَلَبَنًا، وَالْعِجْلَ الَّذِي عَمِلَهُ، وَوَضَعَهَا قُدَّامَهُمْ. وَإِذْ كَانَ هُوَ وَاقِفًا لَدَيْهِمْ تَحْتَ الشَّجَرَةِ أَكَلُوا . التكوين ١٨:٨، ترجمة الفاندايك.

بينما يذكر القرآن (هود: ٧٠) أنّهم لا يأكلون:

﴿فَلَمَّا رَأَىٰ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ۚ قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ. هود: ٧٠.

وفي هذا، يتّبع القرآنُ الطريقةَ التي تقرأ بها المصادرُ اليهودية والمسيحية هذه القصة. فيعدُّ يوستينوس الشهيدُ الزوّارَ ملائكةً ( الحوار مع تريفو ، الفصل ٥٧)، وكذلك أفرام ( التعليق على سفر التكوين ، ٥:١٥). ويوافق تكوين ربّا (٤٨:٩) على أنّ الزوّار كانوا ملائكةً، ويضيف أنّهم تظاهروا بالأكل فحسب، وذلك لمجاراة العادات البشرية (٤٨:١٤). ويروي ترجوم نيوفيتي، في تعليقه على التكوين ١٨:٨: بَدَوا [لإبراهيم] كأنّهم يأكلون وكأنّهم يشربون .

Reynolds, The Qur’an and the Bible, 354.

11. الحقيقة العجيبة!

لا أعرف اليومَ ناقدًا واحدًا على وجه الأرض يحمل معرفةً كتلك التي يشترطها المستشرقون في “صاحب” القرآن؛ فهي تشمل: الكتابَ المقدس، والتَّلْمُودَ، والمِدْراشات، والتَّرْجُومات، والأبوكريفا، وكتابات القانون الكنسي، وكتابات الآباء السُّريان، والكتابات الرؤيويةَ اليهودية والنصرانية.

خ. عدم العلم بالتعقيب القرآني على التراث اليهودي المشنوي

لم ينتبه المفسّرون إلى موضعٍ في تراثِ اليهود، يتعلّقُ بالإحالةِ القرآنية في قوله تعالى:

{مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا} (المائدة/ 32).

فرغم أنّهم فقهوا دلالةَ الحكمِ، إلا أنّهم لم يُدركوا موضعَ وروده في التراثِ اليهودي المتاح في القرن السابع، كما لم يتبيّن لهم أنَّ القرآنَ هنا يُوبّخ اليهودَ على نزعتِهم العنصريّة.

فالآية تُحيل إلى تراثٍ توراتيّ حُرِّف لاحقًا في التقليدِ الشفهيّ، المُدوَّن في المِشناه والتلمود.

ففي نصّ مشناه سنهدرين (Sanhedrin 4:5) -في قراءته الأوثق- ورد، بعد ذكر مقتل هابيل على يد قابيل، ما يلي:

ولذلك خُلِق في العالم إنسانٌ واحدٌ فقط، ليُعلِّمك أنّ مَن أهلك نفسًا واحدةً من إسرائيل، حَسَبَ عليه الكتابُ ذلك كأنّه أهلك عالمًا بأسره؛ ومَن أحيا نفسًا واحدةً من إسرائيل، حَسَبَ له الكتابُ ذلك كأنّه أحيا عالمًا بأسره .

فالقرآن هنا يُخبر عن هذا التراث، ويصحّح لليهود ما جاء في كثير من نسخ المشنا من أنّ الحكم الإلهي متعلّق بمن أهلك أَي نفس، لا نفس أبناء إسرائيل وحدهم.

بعض مخطوطات المشنا والتلمود تحذف كلمة “من إسرائيل”، لكنّ أوثق المخطوطات تضيفها، ولذلك هي موجودة في أفضل طبعات المشنا والتلمود، مثل:

Herbert Danby, The Mishnah: Translated from the Hebrew with Introduction and Brief Explanatory Notes (London: Oxford University Press, 1933), 388; Jacob Neusner, The Talmud of Babylonia: An Academic Commentary, vol. 23 (Atlanta, GA: Scholars Press, 1996), 183.

مشناه سنهدرين معناها: كتاب سنهدرين الموجود ضمن مجموعة المشناه . وسنهدرين معناه مجلس القضاة ، ويبحث في المحاكم وإجراءات القضاء والعقوبات.

المشناه إيه تحديدًا؟

هي تدوين مبكر ومنظَّم للشريعة الشفهية في اليهودية الحاخامية؛ تجمع أحكام الحاخامات وآراءهم، وأحيانًا اختلافاتهم، في العبادات والزواج والمعاملات والقضاء والطهارة وغيرها. جُمعت وحُرّرت نحو سنة ٢٠٠م على يد الحاخام يهودا هَنّاسي، أي يهودا الأمير . وكلمة مشناه مرتبطة بمعنى التكرار والتعلُّم بالترديد.

وهي ليست سفرًا من أسفار التوراة؛ بل تنتمي إلى التراث الذي تسميه اليهودية الحاخامية التوراة الشفهية . ووفق معتقدها، لهذه التقاليد أصلٌ موحًى به إلى موسى، أما جمعها في المشناه فحدث لاحقًا.

وعلاقتها بالتلمود؟ المشناه هي المتن الأساسي، ثم جاءت مناقشات الحاخامات وشروحهم له، المسماة الجمارا ؛ والمشناه مع الجمارا تشكّلان البنية الأساسية للتلمود.

وبالتالي، إحالتك مشناه سنهدرين ٤:٥ تعني: كتاب سنهدرين، الفصل الرابع، الفقرة الخامسة. والاقتباس الذي نراجعه يقع في سياق تحذير الشهود في قضايا العقوبات الموجبة للموت من خطورة شهادتهم، مع الاستشهاد بقصة قتل قايين لأخيه.

ج. الإشكال في فهم الإحالة إلى تراثٍ خارج الكتاب المقدس

جاء في (الجمعة/ 5): {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ۚ بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}.

قد اتّجهت عامةُ التفاسير إلى أنّ القرآن قد شبّه اليهود بالحمير، وذلك لأنّهم يحملون علومًا لم يستفيدوا منها.

والحقيقة هي أنّ القرآن نقَل تراثًا يهوديًّا يضمّ تشبيه اليهود بالحمير، ثم حوّله إلى إدانة لليهود؛

فإنّ القرآن يشير -بخفاء- إلى مَثَل الحمار والكلب

فهو موجود ضمن الفقرة ٣٤٣: ٦ في الترقيم الحالي على سفاريا.

سِفري دِفاريم (Sifrei Devarim)، أو سفري التثنية ، هو مجموعة من التفسيرات الحاخامية لسفر التثنية، تجمع بين تفسير الأحكام والمواعظ والقصص والأمثال. يُصنَّف ضمن أدب المدراش ، أي التفسير اليهودي للنصوص الكتابية،

وهذا نص المثل، مترجمًا عن العبرية:

مَثَلُ رجل أرسل حماره وكلبه إلى البيدر، فحمّل الحمار مقدار لِتِك ، والكلب ثلاثة مكاييل سآة . وكان الحمار يمشي والكلب يلهث؛ فأنزل عن الكلب مكيالًا ووضعه على الحمار، ثم فعل كذلك بالثاني والثالث.

وهكذا قبل إسرائيل التوراة بتفسيراتها وتفاصيلها الدقيقة؛ بل إن الوصايا السبع التي لم يستطع بنو نوح الالتزام بها وتخلّوا عنها، جاء إسرائيل فقبلوها .

يبدأ الكتابُ اليهودي بعبارة “مِشِل” (משל) أي مثل العربيّة.

ويزعم أنّ بني إسرائيل حُمّلوا الشرائع التي في التوراة، فحَمَلوها،

على خلاف بقية الأمم (أبناء نوح) الذين حُمّلوا الوصايا السبعَ، فلم يَحمِلوها.

فجاء النقدُ القرآني ببيان أنّ اليهود كالحَمير، لا في الصبر على تحمّل الأعباء،

وإنّما في أنّهم حَمَلوها ولم يتحمّلوها، إذ خانوا الأمانةَ الإلهية…

هذا المثَل قد جهِله أكبرُ المتخصصين في الباب من الذين اجتهدوا لمعرفة عَلاقة القرآن بتراث أهل الكتاب؛ فإنّه لم ينتبه إليه رينولدز في كتابه الذي خصّصه لهذا الموضوع، رغم أنّه ذكَر اجتهاداتٍ مختلفةً في طلب معرفة أصل المثَل القرآني،

يربط كلٌّ من شباير (BEQ، ص ٤٦١) وجايجر (اليهودية والإسلام، ص ٧١) هذا التشبيه بقول عبري: حمار يحمل كتبًا . ويرى هوروفيتس ( أسماء الأعلام اليهودية ، ص ٢٠٩) أن التعبير نشأ في القرآن، ثم اقتبسته المصادر اليهودية. ويذهب البدوي (تقاليد الأناجيل الآرامية، ص ١٢٨) إلى أن السجال هنا موجَّه ضد الكتبة اليهود؛ إذ يربط تعبير حمار يحمل كتبًا أسفار بالعربية بإدانة الكتبة سَفْرِه بالسريانية في إنجيل متّى ٢٣:١٣ وما بعدها.

Gabriel Said Reynolds, The Quran and the Bible, 829.

ولا غايغر صاحبُ الكتاب الاستشراقي الأشهر في موضوع الاقتباس، إذ إنّه قد أحال إلى عبارة: (حمار يحمل أسفارًا)) في عموم التراث اليهودي، دون أن يحيل إلى مرجع محدّد.

أبراهام جايجر (Abraham Geiger، ١٨١٠ ١٨٧٤م) حاخام وباحث ألماني يهودي، وأحد أبرز روّاد اليهودية الإصلاحية في القرن التاسع عشر. اهتم بالدراسة التاريخية والنقدية للتراث اليهودي، وتفسير الكتاب المقدس وتطوّر الممارسات الدينية. دار نشر جامعة إنديانا.

أما كتابه اليهودية والإسلام ، فأصله دراسة ألمانية نُشرت سنة ١٨٣٣م بعنوان معناه: ماذا أخذ محمد من اليهودية؟ . تناول فيه أوجه التشابه بين القرآن والتراث اليهودي، وفسّرها باعتبارها اقتباسًا من ذلك التراث؛ وهذه أطروحته التي يسعى لإثباتها في الكتاب.

Abraham Geiger, Judaism and Islam, 71

كما غفل عن النص اليهودي المقابل للمثَل القرآني هوروفيتس في دراسته المعروفة عن أسماء الأعلام اليهودية وما يقابلها في القرآن، حتّى إنّه قال إنّ هذا المثَل لم يظهر في الأدبيات اليهوديّة إلّاّ بعد الإسلام!

يوسف هوروفيتس (Josef / Joseph Horovitz، ١٨٧٤ ١٩٣١م) مستشرق ألماني يهودي، متخصّص في اللغة العربية والدراسات الإسلامية، ونشأ في أسرة حاخامية. درّس العربية في كلية عليكرة بالهند، ثم أصبح أستاذًا في جامعة فرانكفورت، واهتم خصوصًا بالإسلام المبكر ومصادره التاريخية. نبذته لدى الباحث كلاوس كارتّونن.

ومن مؤلفاته دراسات قرآنية (Koranische Untersuchungen)، الصادر سنة ١٩٢٦م. المصدر نفسه.

أما البحث الذي ذكرته، فعنوانه بالعربية أسماء الأعلام اليهودية ومشتقاتها في القرآن ، وقد نُشر في حولية كلية الاتحاد العبري، المجلد ٢، سنة ١٩٢٥م، الصفحات ١٤٥ ٢٢٧.

Joseph Horovitz, “Jewish Proper Names and Derivatives in the Koran,” Hebrew Union College Annual 2 (1925): 209.

Exit mobile version