القائمة إغلاق

خلاصة كتاب: براهين النبوة والرد على اعتراضات المستشرقين والمنصرين، تأليف: د. سامي عامري

بسم الله الرحمن الرحيم

خُلاصة كتاب:

براهين النبوة والرد على اعتراضات المستشرقين والمنصّرين

تأليف: د. سامي عامري

تحميل الخُلاصة: [DOC] [PDF] [الكتاب كاملاً]

الفهرس:

تمهيد. 7

الباب الأول: مدخل إلى اختبار صدق الإسلام. 9

الفصل الأول: الحاجة إلى النبوة 9

النبوة بين خيارين.. هداية أم كسب؟. 9

العلم عن الله بالكسب والنظر. 9

النبوة.. حبل النجاة وطريق الفهم. 10

الربوبية والوعي المبتور. 11

خصوصيّة النبوّة والعدل الإلهي11

المذهب الربوبي ومشكلة مصداقية العقل والكمال الأخلاقي.. 12

المذهب الربوبي ومشكلة الشر! 13

وماذا عن النصرانية؟. 13

الفصل الثاني: المعجزة وبرهان النبوة 14

هل المعجزة شرط للنبوة؟. 14

هل المعجزة ممكنة ومدركة؟. 14

اعتراضات الفيلسوف سبينوزا 14

اعتراضات الفيلسوف هيوم. 14

خوارق أهل الديانات، هل تنفي أصل المعجزات؟. 16

الفصل الثالث: نبوة محمد ﷺ على محك الاختبار. 17

لماذا اختبار نبوة محمّد ﷺ أولا؟. 17

هل يلغي البحث في نبوة محمّد ﷺ البحث في نبوة غيره؟. 17

معالم الكشف عن النبيّ الحق.. 17

الباب الثاني: دلالة السيرة على نبوّة محمّد ﷺ18

تمهيد. 18

الفصل الأول: الشرط الأول لإثبات النبوة حفظ السيرة ومضمون الدعوة 18

بين خيارين.. سيرة محفوظة للسائلين أم جهالة وأساطير؟. 18

حفظ السيرة.. نهاية الجدل لا أوّله. 19

نبي الإسلام.. معلوم بين مجاهيل. 19

مصادر السيرة الأساسية. 21

القرآن الكريم. 21

كتب الحديث والسيرة والشمائل والدلائل. 23

عبقرية المنهج الإسلامي في الحكم على الروايات.. 25

البديل المنهجي للمستشرقين.. 27

بين منهجين.. 31

وماذا عن النصرانية؟. 31

مراجع للتوسّع: 33

الفصل الثاني: الشرط الثاني: الكمال الأخلاقي.. 33

بين خيارين.. كمال أخلاقي أم خديعة انتهازيّ؟. 33

1- الصلاح الخلقي.. 34

2- الصدق.. برهان النبوّة 39

3- هل لنبي الإسلام غرض دنيوي؟. 41

4- دعاء نبي الإسلام.. ودخيلة القلب42

ولكن ماذا عن ما أنكر من أخلاق نبي الإسلام؟. 43

فساد ردّ نبوّة محمّد ﷺ دون ردّ نبوّة أنبياء النصارى.. 45

وماذا عن مسيح النصارى؟. 46

الفصل الثالث: المعجزات المادية للرسول. 46

بين خيارين.. معجزات موثّقة أم محض إشاعات؟. 46

التواتر، البرهان الأعلى على وقوع المعجزة 46

التواتر المعنوي لمعجزات نبيّ الإسلام. 47

تواتر معجزات مخصوصة. 48

انشقاق القمر. 48

حنين الجذع. 49

اعتراض: ألم ينف القرآن عن نبي الإسلام المعجزات؟. 49

الفصل الرابع: ماذا ربح العالم ببعثة محمد ﷺ50

بين خيارين.. أنوار وبراهين أم ظلمات وأضاليل؟. 50

التاريخ متكلمًا 51

الهدى والنور. 52

التوحيد وتعظيم اللّٰه53

النقد الكتابي.. 55

أهمية المعرفة الدنيوية. 56

المنهج التجريبي.. 56

حقوق المرأة 59

وماذا عن النصرانية؟. 61

الباب الثالث: دلالة القرآن على نبوة محمد ﷺ63

تمهيد. 63

الفصل الأول: الإعجاز البلاغي63

بين خيارين.. براعة شاعر أم إعجاز باهر؟. 63

الإعجاز القرآني.. تحت الاختبار. 64

1- القرآن والظاهرة الشعرية. 64

2- القرآن.. ظاهرة إعجازية أم مُجرَّد نادرة أدبية؟. 65

3- لكن لم يبلغ الإعجاز أقصاه؟! 68

4- هل المعجزة البلاغية قائمة اليوم؟. 70

5- هل القول بالإعجاز القرآني مجرد دعوى إيمانية؟. 71

أوّلاً: شهادة العرب.. 71

ثانيًا: من شهادات النصارى.. 72

ثالثًا: من شهادات اليهود. 75

وماذا عن الجانب البلاغي والبياني في التوراة والإنجيل؟. 76

الفصل الثاني: القرآن ظاهرة فوق – طبيعية. 76

بين خيارين.. كتاب بشريّ أم تنزّل علوي؟. 76

1- هل القرآن كتابٌ مفتعَل؟. 76

أ- هل القرآن صنعة أكذب الكاذبين؟. 76

ب- الكتاب الذي أدمى قلب الداعي به. 77

ت- كتاب.. قطعة واحدة 77

ث- رجل بلسانين؟. 78

ج- رجل بقلبين؟. 79

ح- الحرص على تأكيد بشريّة النبيّ.. 81

2- هل القرآن كتابُ مُنفعِل؟. 82

أ- هل كان نبيّ الإسلام مصروعًا؟. 82

ب- أوجاع ظاهرة الوحي وبراعة النص القرآني.. 83

الفصل الثالث: الإعجاز الغيبي في القرآن. 84

بين خيارين.. تخمين أم هتك حجب الغيب؟. 84

شُرُوط النُّبُوءة الحُجَّة. 84

نبوءات قرآنية. 85

النبوءات في السُّنَّة النبويّة. 88

نبوءات وقعت قبل التدوين. 88

نبوءات بعد التدوين. 89

الفصل الرابع: إعجاز العلم بخبر أهل الكتاب.. 90

بين خيارين.. إعجاز غيبي أم اقتباس؟. 90

نفي مشركي مكة علم نبي الإسلام بقصص أهل الكتاب دون معلم. 90

أ- استدلال القرآن بمواطأة خبر أهل الكتاب لإثبات ربّانيّته. 90

ب- تحدّي أهل الكتاب لنبي الإسلام ذكر ما يعرفون من كتبهم. 91

ت- زعمُ أهل مكة أن التشابه مردّه التعليم. 91

نواقض دعوى المعرفة البشرية بخبر أهل الكتاب.. 91

أميّة الرسول. 91

شهادة القرآن الكريم. 92

شهادة السيرة 92

هل كان الكتاب المقدس معرّبًا زمن الرسول ﷺ؟. 93

شهادة القرآن الكريم والسيرة النبوية. 93

شهادة الاستقراء التاريخي94

الترجمة العربيّة للعهد الجديد. 95

مخطوطات العهد الجديد. 95

هل من معلم بشري لمحمد ﷺ؟. 96

الاحتمال الأول في الميزان: أستاذية علماء أهل الكتاب قبل البعثة. 97

الاحتمال الثاني في الميزان: أستاذية علماء أهل الكتاب بعد البعثة. 98

الاحتمال الثالث في الميزان: أستاذية وثنيي مكة. 99

إيليا والبعل. 99

إحالة حَرفيّة إلى الزبور. 100

الاحتمال الرابع في الميزان: أستاذية الحدّاد الرومي.. 100

الفصل الخامس: دراسة تطبيقية للإعجاز الغيبي: قصة يوسف عليه السلام. 100

قصة النبي يوسف، بين خيارين.. أصالة أم اقتباس؟. 100

خمسون وجها للتأمّل! 101

وحي أم نقل؟. 104

الفصل السادس: إعجاز القرآن في حقيقة الألوهية. 104

بين خيارين.. متابعة أم هيمنة؟. 104

لاهوت اليهود. 105

لاهوت النصارى.. 105

لاهوت الوثنيين.. 105

لاهوت الأحناف106

لاهوت القرآن. 106

الفصل السابع: إعجاز القرآن في حقيقة النبوة 107

بين خيارين.. رد إلى الأصل أم اقتباس؟. 107

النبوة في الكتاب المقدس107

غموض معنى النبوة 107

قبائح الأنبياء. 108

النبوة في القرآن الكريم. 108

الفصل الثامن: الإعجاز التشريعي.. 109

بين خيارين.. اقتباس فاضح أم إعجاز رائق؟. 109

مصادر بشرية لشرائع الإسلام؟. 109

التوراة والتلمود. 109

بل هو تأثير إسلامي في شرائع أهل الكتاب.. 110

شريعة المواريث بين القرآن والسُّنَّة والتوراة 111

الفصل التاسع: إعجاز المنظومة الأخلاقية. 111

بين خيارين.. أصالة ظاهرة أم اقتباسات باهتة؟. 111

العرب وصدمة النهج الجديد. 111

الأثرة وخلق اليهوديّة. 112

هل في النصرانية منظومة أخلاق؟. 112

أصول الأخلاق الإسلامية. 112

الفصل العاشر: الإعجاز التاريخي في القرآن الكريم. 113

بين خيارين.. إعجاز تاريخي أم اقتباس؟. 113

1- السبق التاريخي114

ادعاء فرعون الألوهيّة. 114

صعود فرعون إلى السماء. 117

ابتداع الرهبانيّة. 118

2- تصحيح الأخطاء التاريخية. 118

عدد بني إسرائيل في مصر…. 118

ألوهية المسيح. 119

رسالة المسيح. 121

3- تفادي الأخطاء التاريخية. 122

الأخطاء التاريخية في الكتاب المقدس122

زمن ميلاد المسيح. 123

المجزرة الوهمية. 124

الظلمة التي لم تُظلم على أحد. 124

قصة جماعة (الزومبي) 124

الفصل الحادي عشر: الإعجاز العلمي في القرآن الكريم. 124

بين خيارين.. إعجاز أم اقتباس؟. 125

هل هناك إعجاز علمي في القرآن الكريم؟. 125

تعديل ضروري لمعنى مصطلح: الإعجاز العلمي . 126

1- تصحيح الأخطاء العلمية. 126

مبدأ الكون. 126

أ- أصل الكون: ماء أم نار؟. 127

ب- الماء أصل الوجود أم أصل الحياة؟. 128

القمر المضيء. 128

نهاية الشمس128

كروية الأرض129

الجبال. 130

تكوّن الجنين من دم الحيض130

نشأة اللغات.. 131

في الخمر شفاء. 132

النمل القائد. 132

2- السبق العلمي في القرآن الكريم. 132

الموج الداخلي.. 132

اللؤلؤ والمرجان في المياه العذبة. 133

الختام في كلمة. 133

 

 

 

تمهيد

تحدّثنا عن وحدانيته في بعض باب الألوهيّة والأسماء والصفات في كتاب آخر.

سامي عامري، العالمانية طاعون العصر، كشف المصطلح وفضح الدلالة (الكويت: مركز رواسخ، 2023م).

يسعى إلى التجديد في وجهيه؛ أي: طرافة القالب وحداثة المضمون.

طرافة القالب هي في عرض رأيَيْ المسلم وغير المسلم في صدق نبي الإسلام ﷺ، ثم اختبار أدلّة المسلم في ضوء اعتراضات مخالفه؛ لبيان الكفّة الراجحة عند إعلان الحكم، والبتّ في الاشتجار بعدل.

فإنّ التدافع الديني في العالم العربي مسرحه الأكبر الجدل الإسلامي – النصراني. وفي بيان حقيقة النصرانية بعد عرض دلائل الربانية في القرآن والسُّنَّة كشف لما بين حجّة أهل الدينين من تباعد ولحالهما من تنافر. ومعلوم أنّ كثيرًا مما يُقال في النصرانية يصدق حكمه في اليهودية لاشتراكهما في الإيمان بالعهد القديم (التوراة مجازًا).

ويسبق ذلك البحث في الحاجة إلى النبوّة والإشكاليات المعرفية والحجاجيّة للربوبي الذي يقرّ بالخالق وينكر وحيه إلى البشر.

غاية الكتاب، وهي نظم البراهين الجادة والدلائل اللائحة لبيان حقيقة انتهى إليها الباحثُ، وهي أنّ إنكار نبوّة محمّد ﷺ خيارٌ غير منصف،

فإنّه لا يجلس كاتب ليخطّ كتابًا في مسألة عقدية إلا وقد انتهى قبل الكتابة إلى رأي في الموضوع. وموضوعيّته في كتابه – عندها – ليست في التزامه الحياد السلبي في النتائج، وإنما في عرض الآراء بأمانة، ونقل أبرز الاعتراضات بدقّة وإنصاف، وضرب الأفكار ببعضها لتضيء باحتكاكها الحاد شرارة الحقيقة، وينكسر عند تدافع الآراء أوهنها بُنية.

إنّ إجلال العقل والاستسلام لداعي القرآن قرينان لا يفترقان، بل التلاحم بينهما شديد وسديد. وقد نظرت في أبرز العقائد الكبرى اليوم في العالم؛ فوجدتها سقطت صريعة النقد في مبدأ الشكّ الهادئ، ولم أجد قريعًا للإسلام وشهاداته الوفيرة، ولا قريبًا من ذلك.

الكتاب قائم على مباحثة الأوجه التي من الممكن أن تُختبر فيها نبوّة محمّد ﷺ، مع عرض وجهة نظر المسلم، ووجهة نظر مخالفه من خلال عرض الصورة المتوقّعة لحقيقة الشخصيّة المحمّدية ورسالتها وكتابها المقدس، ثم محاكمة وجهتَي النظر إلى حقائق التاريخ، والسُّنن النفسيّة والكونيّة والتاريخية.

وإذا كان سبيلنا الأوّل للبحث في وجود الله عند النظر في النفس والكون هو “الاندهاش” الذي هو أصل النظر الفلسفي – كما يقوله (أرسطو) -، فإنّ أصل النظر في نبوّة “صاحب القرآن” الذي عاش في القرن السابع الميلادي هو “الانسلاخ”. والمقصود بـ”الانسلاخ” هو أن يتخلّص الباحث ما استطاع من ثقافة العصر ليعيش بعقله وروحه في جزيرة العرب، مع ثقافة العرب منذ ما يقارب خمسة عشر قرنًا.

هل ظاهرة النبوّة المحمّدية تقبل التفسير المادي الطبيعي ضمن ثقافة العصر، لتكون الرسالة صَنعة البيئة وبِنت المجتمع، أم تأباه؛ فلا سبيل لتفسيرها إلا باستدعاء الخارقة الطبيعية المتمثّلة في السلطان الإلهي الذي عطّل طبائع السنن الكونيّة الرتيبة بظاهرة النبوّة العجيبة؟

الطريق لاختبار نبوّة محمد ﷺ هو استحياء (ملكة الانسلاخ)؛ بأن تعيش بعقلك وقلبك في القرن السابع الميلادي، وتزِن دلائل النبوّة بميزان ذاك العصر وظروفه ورؤى أهله وملكاتهم..

ربِّ أسألك رحمة فوق الأرض، ورحمة في القبر، ورحمة عند العرض!

ربّ اغفر لي حظّ النفس من هذا الكتاب!

آمين!

 

 

الباب الأول: مدخل إلى اختبار صدق الإسلام

﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ [سبأ: 46]

تنمو الحكمة في الأماكن الهادئة. (Austin O’Malley)

الفصل الأول: الحاجة إلى النبوة

﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾ [النور: 40]

كلّما كان الناس إلى الشيء أحوج، كان الربّ به أجود. (ابن تيمية)

النبوة بين خيارين.. هداية أم كسب؟

بعد أن علمنا في رحلتنا الباحثة في أصل الوجود أنّ لهذا الكون خالقًا، وأنه بالغ العلم والحكمة،

للعقل أن يتصوّر سبلاً متنوعة لاتصال الخالق الأحد بالبشر لإعلامهم بالحكمة من بثّهم على هذه الأرض، وهذه السبل على نوعين؛ سبل هداية سماويّة بعطيّة النبوّة أو ما قاربها؛ كأن يصطفي الإله حكيمًا نبيلاً صادقًا من البشر ليبلّغ الناس الخبر…

وسبل أخرى طابعها الكسب؛ باجتهاد ذاتي من الإنسان، كأن يحصّل المرء العلم بالله عن طريق الرياضة النفسية، كما هو ظنّ الغنوصيين،

الغنوصية (Gnosticism): كلمة مشتقة من عبارة (معرفة). لا اتفاق على معنى الكلمة لأسباب تاريخية، ولكنّه إجمالاً يشير إلى أنّ المعرفة محلّها الاستبصار النفسي (الكشف أو الإلهام) لا النظر العقلي، وأنّ الإنسان ثنائية مُتصارعة، جسد نزَّاعٌ إلى السُّفُول، وروح أسيرة هذا المسلاخ ترجو العلو.

Karen L. King, What is Gnosticism? Cambridge, Massachusetts: London Belknap, 2005.

العلم عن الله بالكسب والنظر

ودعوى الغنوصيين بادية الفساد؛ لأنّها لم تقدّم على هذا الطريق برهانًا، ولم تعلن حجّتها في أنّ بين الروح والجسد أضغانًا، وأنّ إهمال الملذّات كليّة طريق المعارف، فنحن هنا إزاء دعوى مجرّدة بلا برهان.

ثمّ إنّ الغنوصيّة شائعة في عامة الأمم، قد سلك طريقها رجال في كلّ النِّحل؛ فقادتهم إلى نهايات مختلفة وعقائد متنافرة، فكيف يكون الطريق إلى الحق واحدًا وتتناقض صوره؟!

وكمال طريق الفلاسفة لإدراك ما يعزب عادة عن العقل وهمْ؛ يُكذّبهُ واقع الفلاسفة الذين لم يجتمعوا على فكرة واحدة دون معارض، وينقضه علمنا أنّ العقل لا يدرك مما هو وراء العالم غير ما تدلّ عليه منه آثار العالم، ولذلك فالعقل عاجز عن أن يدرك ماهيات ما وراء العالم، ولا أن يعرف الحكمة من وجود المخلوق، بل العقل عاجز عن إصابة تفاصيل حقائق التشريع والسلوك، وهو أمر أدنى.

فالعقل يهدي إلى حقِّ، ولا يهدي إلى العلم بكلّ الحق.

النبوة.. حبل النجاة وطريق الفهم

والإنسان – لذلك – لا يستغني عن المدد الإلهي، لأسباب عدّة:

أولها: أنّ الكثير من القضايا تنأى بطبعها عن جنس مُدركات العقول؛ كالبعث، والنشر، والحساب، وما غاب كليّة عن مدارك العقل والحس،

وثانيها: أنّ الكثير من مسائل النظر والخلاف قد تتكافأ فيها الأدلّة، ولا ينحسم فيها القول؛

وثالثها: أنّ حاجة الناس لتنظيم معايشهم، ودفع الاختصام، وتنظيم حقوقهم وواجباتهم، أمرٌ أعقد من أن يحسنه البشر الذين تقصر مداركهم عن ربط الأمور ببعضها على أسلم صورة في ظلّ تداخلها المعقد،

قال ابن تيمية: [ولولا الرسالة لم يهتدِ العقل إلى تفاصيل المنافع والمضار في المعاش، فمن أعظم نعم الله على عباده، وأشرف مننه عليهم، أن أرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه، وبيّن لهم الصراط المستقيم… ولا بقاء لأهل الأرض إلا بآثار الرسالة الموجودة فيهم، فإذا درست آثار الرسل من الأرض، وانمحت معالم هداهم؛ أخرب الله العالم العلوي والسفلي وأقام القيامة].

ابن تيمية، النبوات، تحقيق: عبد العزيز بن صالح الطويان (الرياض: أضواء السلف، 1420هـ 2000م)، 1/ 26.

ورابعها: أنّ معرفة الله تورث الطاعة والحبّ، وليس كالنبوّة في بيان عظيم جلال الله وجماله.

وخامسها: أنّ النفس سريعة الميل إلى الهوى وفيها بذرة الكبر على الحق، ولذلك تحتاج من يصدّها من خارجها عن نكران الحق والإقبال على الباطل، ولذلك قال نبيّ الإسلام ﷺ: “إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ النَّاسِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا، فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي تَقَعُ فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا، فَجَعَلَ يَنْزِعُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَقْتَحِمْنَ فِيهَا، فَأَنَا آخُذُ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ وَهُمْ يَقْتَحِمُونَ فِيهَا“.

رواه البخاري، كتاب الرقاق، باب الانتهاء عن المعاصي (ح/ 6118)، ومسلم، كتاب الفضائل، باب شفقته ﷺ على أمّته (ح/ 2284).

وسادسها: أنّ إقامة الحجّة على الخلق ببلاغٍ من رسول أوضحُ في الإبانة عن الحق، وأعدل في تنبيه الخلائق على تنوّع فيهم وتباين،

﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه: 134].

وسابعها: أنّ تأييد النبيّ بالخوارق أدعى للقبول وإقامة الحجّة على المخالف؛

وثامنها: أنّ النبوّة طريق عملي للسير في سبل الحياة، والضرب في مفاوزها ومضائقها. والنبيّ هو المثال والقدوة.

تبقى صورة تبليغ الرسالة عن طريق بشر عاقل من خيرة قومه، يجمع بين الصدق ووفرة العقل والخوارق الدالة على صلته بمالك الملك، أقرب الصور تحقيق أغراض الرسالة بإقناع الناس وتفصيل الخبر لهم بحكمة وعدل.

الربوبية والوعي المبتور

والربّوبي – في حقيقة الأمر – شرُّ حالاً من الملحد؛ إذ الملحد لا يرى في الوجود غير ركام من الأشياء بلا غاية، وآكام من النُظُم مبعثرة؛ فيبني على ذلك أنّ الكون عبثٌ بلا هدف، بلا حكمة، وأمّا الربوبي فيرى الحكمة في خلق الذرة والمجرّة، ويدرك مظاهر العظمة فيهما، ثم هو ينتكس بعد ذلك إلى مذهب الملحد نفسه؛ فلا يرى في الوجود غير أشياء تسير إلى حتفها رغم أنفها.

والربوبيّة – على الصواب – مظهر من مظاهر الكسل المعرفي؛

عصر الأنوار Enlightenment: هو تيار فكري متنوع الاهتمامات (فلسفة، فن، إصلاح سياسي، واقتصادي، وديني) في أوروبا في القرن الثامن عشر. قام هذا التيّار على الدعوة إلى التحرّر العقلي وتعظيم الإنسان وحقوقه بمختلف أنواعها، والدعوة إلى فكّ أغلال التقليد والوصاية ضمن رؤية خارجة عن الدين. من أبرز رموزه: فولتير، ومونتكيو، وجون جاك روسو.

خصوصيّة النبوّة والعدل الإلهي

قال الغزالي: “اعلم أن الرسالة أثرة علوية، وحظوة ربانية، وعطية إلهية، لا تكتسب بجهد، ولا تنال بكسب ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: 124]، ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: 52]… فليس الأمر فيها اتفاقيًّا جغرافيًّا؛ حتى ينالها كل من دب ودرج، أو مرتبًا على جهد وكسب؛ حتى يصيبها كل من فكّر وأدلج، وكما أن الإنسانية لنوع الإنسان، والملكية لنوع الملائكة ليست مكتسبة لأشخاص النوع، وأن العمل بموجب النوعية ليس بخلو عن اكتساب واختيار لإعداد واستعداد، كذلك النبوة لنوع الأنبياء ليست مكتسبة لأشخاص النوع، وأن العمل بموجب النبوة ليس يخلو عن اكتساب واختيار لإعداد واستعداد“.

أبو حامد الغزالي، معارج القدس في مدارج معرفة النفس (بيروت: دار الآفاق، 1975م)، ص130.

الأنبياء أعظم الناس ابتلاءً، وحياتهم مكابدة وعَنَت؛ فقد سُئل النبيّ ﷺ: “أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاءً؟”، فأجاب: “الأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثِلُ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِيِنِهِ“.

رواه الترمذي، كتاب الزهد عن رسول الله ﷺ باب ما جاء في الصبر على البلاء (ح/ 2398)، صحّحه الألباني.

المذهب الربوبي ومشكلة مصداقية العقل والكمال الأخلاقي

من إشكالات الإلحاد المعلومة أنّ إنكار وجود الله يلزم منه القول: إنّ الدماغ مادة ناجمة في تركيبيّتها ووظيفيتها – ضمن التصوّر البيولوجيّ التطوّري – عن حاجة الإنسان إلى تحقيق البقاء ومقاومة عوامل الانقراض؛

قال الفيلسوف الملحد (جون غراي): “مذهب الإنسانية الحديثة هو إيمانٌ أنّه عبر العلم بإمكان البشريّة أن تعرف الحقيقة، وبالتالي أن تكون حرّة، ولكن إذا كانت نظرية داروين في الانتخاب الطبيعي صحيحة، فإنّ ذلك سيكون محالاً. العقل البشري يخدم نجاحًا تطوّريًّا لا [بلوغ] الحقيقة“.

جون غراي (John Gray – 1948م): فيلسوف بريطاني. له عناية خاصة بالفلسفة السياسية. عمل أستاذًا للفكر الأوروبي قبل تقاعده. من مؤلفاته: Black Mass: Apocalyptic Religion and the Death of Utopia.

John Gray, Straw Dogs (London, Granta Books, 2002), p.26.

وليست الربوبيّة بمنأى عمّا اعتُرض به على الملاحدة هنا،

قال (ديكارت) في التأمّل الثالث من تأمّلاته الفلسفيّة: “عليّ أن أبحث إن كان هناك إله… وإذا وجدتُ أنّ هناك واحدًا، فعلي عندها أن أبحث إن كان مخادعًا؛ لأَنّه بغير معرفة هاتين الحقيقتين لا أرى أنه بإمكاني البتّة أن أكون واثقًا في أيّ شيء“.

رينيه ديكارت (Ren Descartes 1596 – 1650م): فيلسوف وعالم رياضيات فرنسي. رائد الفلسفة الحديثة، ومذهب الفلسفة العقلية. من أهم مؤلفاته: Discours de la M thode.

Ren Descartes, Les Meditations Metaphysiques (Paris: Pierre Huet, 1724), p.11-12.

الثقة في عقل الربوبيّ – إذن – معلّقةٌ قبل الانتهاء إلى إثبات وجود الإله الكامل.

لأنّ تصديق آلة التفكير هو من تصديق أنّ الذي خلقها عدلٌ.

وممّا يؤكّد أزمة الربوبيين هنا، أنّهم – عامة إلاّ ما ندر – يؤمنون بالتطوّر العشوائي للإنسان؛ وبالتالي فإنّ أزمتهم في تصديق العقل ذات وجهين؛ أزمة آلة تطوّرت عن غير حاجة لمعرفة حقيقة العالم، وأخرى ناجمة عن اعتقاد أنّ الخالق دون مرتبة الكمال، بل هو عندهم لا يبالي بمعاني الخير والحق في الكون ابتداءً. وفي كلتا الحالتين، لا ثقة في العقل عند الربوبيّ.

الإنسان يستمدّ حافزه إلى الاكتمال الأخلاقي من كمال الله؛ فقد كتب (توماس باين) – أحد أعظم منظّري الربوبيّة -: “الدين الحقّ هو دين الربوبيّة، وأقصد بذلك سابقًا والآن الإيمان بإله واحد، والتخلّق بصفاته الأخلاقيّة، أو ممارسة ما سُمِّيَ بالفضائل الخلقيّة“.

توماس باين (Thomas Paine): أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة الأمريكيّة. ساهم في الثورة الفرنسيّة. يعتبر أحد أهم رموز التيّار الربوبي.

Thomas Paine, The Theological works of Thomas Paine (Boston: Boston Investigator, 1858), p. 133.

المذهب الربوبي ومشكلة الشر!

مشكلة وجود شرٍّ يشوّه جمال هذا العالم، ويمنع كماله، وهي مشكلة كثير من ربوبيي عصرنا، خاصة في العالم العربي، وإن لم يقل بها عدد من أعلام الربوبية مثل توماس باين ومارتن جاردنر (Martin Gardner).

رفضُ الدين المؤسَّسيّ في عصر الأنوار سببه الرئيس والمباشر فساد الكنيسة.

الإنسان بين خيارين لا ثالث لهما في نظرته إلى الوجود والشر، إمّا أنّ الشرّ موجود لحكمةٍ، أو أنّ الوجود كلّه بلا قيمة.

فالتصوّر اللاهوتي والوجودي الإسلاميّ ليس في مشاققة مع وجود الشرّ في الكون؛

في التصوّر الإلحادي، لا يوجد شرّ ولا خير؛

في التصوّر الربوبيّ، لا معنى للخير والشرّ؛

الوجود والحياة في الرؤية الإلحاديّة والربوبيّة بلا معنى أصيل وذاتي،

وماذا عن النصرانية؟

وتخرج النصرانية – أيضًا – عن حديثنا السالف لفساد مفهوم النبوّة فيها.

وقد نصّ الأنبياء في التوراة وغيرها من أسفار العهد القديم أن الله واحد أحد لا شريك له (التثنية 6/5 ،4/6، إشعياء 12 – 10/43، المزمور 10…)، ولم يصرّح أيٌّ منهم بثالوثيّة الإله، وهو ما يُعتبر إخلالاً عظيمًا في البلاغ عن الرب وتعريف الناس معبودهم.

الفصل الثاني: المعجزة وبرهان النبوة

الآيات والبراهين التي دلّت على صحّة نبوته وصدقه أضعاف أضعاف آيات من قبله من الرسل، فليس لنبيّ من الأنبياء آية توجب الإيمان به إلا ولمحمّد ﷺ مثلها. (ابن القيم)

هل المعجزة شرط للنبوة؟

النبوّة في جوهرها بلاغ عن الربّ – سبحانه – رسالته للخلق لهدايتهم من بعد جهالة أو ضلالة، وإصلاح حالهم، وتقويم عوجهم، أو تذكيرهم بخبر النبوّات التي أدركوها أو أدركوا خبرها. فالنبوّة – إذن – هي في جوهرها بلاغ لخبر صادق. وشرط قبول الخبر هو العلم أنه عن صادق يُخبر بما لا تمنعه العقول ويوافق الواقع؛ ولذلك فكلّ برهان يقيم الحجّة على أنّ المبلّغ صادق وأنّ خبره موافق للعقل والواقع؛ هو حجّة معتبرة.

بل لا يُشترط في دليل النبوّة أن يستدلّ به النبيّ صراحة لنبوّته؛ إذ الاحتجاج بالدليل لا يقوّيه.

سبيل البحث في نبوّة محمّد ﷺ هو النظر في سيرته، وموافقتها لسيرة الصادقين، ولآياته وموافقتها لبراهين الخوارق الصادقة. ولو اكتفى المرء بالنظر في السيرة لكفى؛ فهي حجّة مستقلّة على النبوّة. وقد انتهى الإمام (ابن حزم) – على شدّة فيه وحدّة عقل – إلى القول: “إنّ سيرة محمّد ﷺ لمن تدبّرها تقتضي تصديقه ضرورة، وتشهد له بأنّه رسول الله ﷺ حقًّا، فلو لم تكن له معجزة غير سيرته ﷺ لكفى“.

ابن حزم، الفصل في الملل والنحل، تحقيق: محمد إبراهيم نصر وعبد الرحمن عميرة (بيروت: دار الجيل، د.ت)، 2/ 231.

هل المعجزة ممكنة ومدركة؟

اعتراضات الفيلسوف سبينوزا

باروخ سبينوزا (Baruch Spinoza 1632 – 1677م): فيلسوف هولندي من أسرة يهودية. يُنسب إلى الاعتقاد بوحدة الوجود.

اعتراضات الفيلسوف هيوم

الحديث عن المعجزات فرع عن الإيمان بالله؛ إذ إنّ وجود الله هو المشكّل الأساسي للإطار المفاهيمي الكوني؛ فإذا صدق القول بوجود الله، صحّ إمكان المعجزة ضرورة.

فالله يفعل ما يريد بقدرته ويحكم ما يشاء بعزّته؛ فله – سبحانه – أن يترك القانون يمضي في عمله أو أن يعطّله إلى حين أو أبدًا.

المعجزات مخالفة (contraria) لتجربة الإنسان مع الطبيعة، وليست مناقضة (contradictoria) لهذه التجربة؛ فهي من الممكنات العقليّة التي لم يشهدها عامة الناس؛ وإثبات المعجزة بذلك مسألة تاريخيّة وليس مسألة فلسفيّة، وجوابها في امتحان شهادات التاريخ لا البحث في الماهيّات.

يقول (سي. أس. لويس): “لن نعلم أنّ تجارب التاريخ الشاهدة ضد المعجزات موحّدة، إلاّ إذا علمنا أنّ كلّ الروايات عن المعجزات كاذبة. ولن يكون في وسعنا أن نعرف أنّ جميع هذه الروايات كاذبة إلا إذا كنّا نعرف بالفعل أن المعجزات لم تحدث البتّة. في الواقع، نحن واقعون في التفكير الدائري – الدَّور –“.

C.S. Lewis, Miracles (New York: The Macmillan Co., 1947), p. 123.

إذا كان خرق القوانين الكونيّة ليس من محالات العقل وإنّما من نوادر الأحداث، كان تصديق المعجزة مردّه صدق الشهود،

إنّ الأصل في تصديق المعجزات هو ثبوت عدد من الأمور:

(أ) ألاّ يمكن تفسير الحدث بأسباب طبيعيّة.

(ب) أن يكون سبب التفسير فوق الطبيعي غير محالٍ عقلاً (مثال = فكرة متناقضة أو ذات يمتنع عقلاً وجودها).

(ت) أن تكون الأسانيد الناقلة للخبر على القوّة التي توافق غرابتها،

ولا تُشترط الكثرة إذا قامت قرائن أخرى على صحّة الخبر وإن كان غير مألوف.

بالإمكان الجمع بين القوانين وما يخرقها بالقول: إنّ الخوارق استثناء للأصل الذي هو عمل القوانين الطبيعيّة؛

والعلماء ينفقون اليوم أموالاً ضخمة على مشروع (SETI) بحثًا عن الحياة خارج كوكبنا، مدركين أنّ رسالة واحدة مفهومة من خارج الأرض تكفي لإثبات ظاهرة الحياة العاقلة خارجه.

Search for Extraterrestrial Intelligence.

Norman Geisler, ‘Miracles and the Modern Mind‘, Douglas Geivett and Gary R Habermas, eds. In Defense of Miracles, pp.81 – 82.

زعم (هيوم) أنّه لم توجد في التاريخ معجزة واحدة شهد لها عدد كاف من الشهود الذين سلمت حواسهم وأخلاقهم من عوارض الفساد. وهذا منه جهل بما أثبت علماء الحديث صحّته من المعجزات النبويّة بعد أن اشترطوا في الرواة أن يكونوا ثقاتٍ؛ أي: أن يتميّزوا بالعدالة والضبط.

خوارق أهل الديانات، هل تنفي أصل المعجزات؟

يقعّد (هيوم) هنا لأصل منهجي في التعامل مع الأخبار التاريخيّة، وهو أنّ تعارض الأخبار حجّة لفسادها جميعًا. وهو مذهب يرفضه جميع المؤرخين؛ لأنه يلزم منه ألا يصحّ خبرٌ؛

والعجيب أنّ (هيوم) نفسه يسلّم أنّه عند تعارض الأدلّة ينظر في أقواها؛ ككثرة الشهود لها وغير ذلك من المعضّدات.

وضع علماء الحديث المسلمين منهجًا أدقّ وأعدل في التعامل مع الأخبار المتعارضة ظاهرًا أو حقيقة، وهو تقديم الجمع بين الخبرين إذا أمكن إبطال التعارض الظاهري، ولهم في ذلك قاعدة تقول: “الإعمال أولى من الإهمال” أو “الجمع مقدَّم على الترجيح“. وإذا امتنع الجمع بين الأخبار من كلّ طريق مَرْضيّ غير متعسّف، كان الترجيح هو الخيار. وعندها يكون النظر في متون الأخبار وأسانيدها، فيقدّم البريء من العلل على المعتلّ، وهو ما يُقدّم المحفوظ على الشاذ والمعروف على المنكر.

علماء أهل السُّنَّة لا يردّون بإطلاق ظاهرة “الخوارق” في الأمم ذات العقائد الفاسدة، فرغم تقريرهم أنّ جلّ ما يُروى منها لا صحّة له من جهة الرواية، غير أنّ تواتر جنس خبر ظاهرة الخوارق فيهم حجّة أنّ لها أصلاً، ولذلك فأهل السُّنَّة يردّون هذه الظواهر إلى تلاعب الشيطان بأهل الغواية، ويسمّونها “أحوالاً شيطانيّة“؛

فالفرق بين المعجزة الدالة على صدق النبوّة والخارقة الشيطانية في حال من يجري على يديه أمر الخارقة يُردّ أولاً إلى طبيعة الخارقة؛ فإنّ خوارق الأنبياء لا يُؤتى بمثلها “فلا يملك غير الأنبياء قلب الأعيان إلى ما ليس في طبعها الانقلاب إليه؛ كقلب العصا حيّة تسعى، وأما الساحر والمارق الذي تتلاعب به الشياطين فيتصرّف بالأعراض؛ كإمراض الصحيح“، وتردّ أيضًا إلى حال المتلبّس بالخارقة، أإلى الصالح من القول والعمل يدعو، أم إلى الشرك والغواية هو أقرب؟ وحال النبيّ لا يلتبس على طالبه.

ابن تيمية، الصفدية، تحقيق: محمد رشاد سالم (القاهرة: مكتبة ابن تيمية، 1406هـ)، 138 – 137/1.

قال شارح “الطَّحاويّة”: “النبوة إنما يدعيها أصدق الصادقين، أو أكذب الكاذبين، ولا يلتبس هذا بهذا إلا على أجهل الجاهلين، بل قرائن أحوالهما تعرب عنهما، وتعرف بهما … وما من أحد ادعى النبوة من الكذابين إلا وقد ظهر عليه من الجهل والكذب والفجور واستحواذ الشياطين عليه ما ظهر لمن له أدنى تمييز، فإنّ الرسول لا بد أن يخبر الناس بأمور ويأمرهم بأمور، ولا بد أن يفعل أمورًا يبيّن بها صدقه. والكاذب يظهر في نفس ما يأمر به ويخبر عنه وما يفعله ما يبيّن به كذبه من وجوه كثيرة“.

ابن أبي العز، شرح الطحاوية، تحقيق: عبد الله بن المحسن التركي (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1997م)، ص141 – 140.

الفصل الثالث: نبوة محمد ﷺ على محك الاختبار

لماذا اختبار نبوة محمّد ﷺ أولا؟

انتهينا في بحثنا عن وجود الله وصفاته إلى وجوده وكماله، فسقط كلّ تصور كونيّ عشوائي لا يؤمن بوجود الله، كالإلحاد الدهري البادي في المذهب المادي أو البوذيّة أو أيّ دين لا يعترف بإله… كما دلّنا البرهان أنّ الإله واحد أحد؛ فسقط كلّ تصوّر ديني تعدّدي.

ولو نظرنا في النبوّات المدّعاة؛ فسنجد أنّه لا سبيل لفحص خبرها نقديًّا؛ لأنّه لم تسلم لها وثيقة أصلية من التحريف الفاحش أو الضياع التام، إلا نبوّة محمد ﷺ فقد حُفظت لنا آثارها. وإذا انتفى إمكان العلم بتفاصيل خبر النبوّة (أي: ما جاءت به من عقيدة في الألوهية، ونظرة كونية، ومنظومة تشريعيّة، ونسق أخلاقي) امتنع إمكان نجاحها في اختبار الصدق والقداسة؛ لامتناع فحص ما لا يقبل الفحص.

هل يلغي البحث في نبوة محمّد ﷺ البحث في نبوة غيره؟

هو سؤال جوابه في حقيقة: أنّ “الحق واحد لا يتعدّد”،

الحقيقة هي “مطابقة ما في الأذهان لما في الأعيان” – لزم عندها أن تكون الحقيقة المنطبعة عنه – بصدق – في أذهاننا واحدة.

معالم الكشف عن النبيّ الحق

ولعلّ أهم الشروط هي ما يأتي:

أن نعلم حياة من يدّعي النبوّة بدقائقها، حتى لا تفلت من أيدينا خيوط الخديعة أو المكر في حياته إن وُجِدت، وتتبيّن لنا معالم الصدق والحق إن ثبتت.

أن تكون براهين نبوّته ظاهرة ساطعة يطمئنّ إليها القلب؛ فإنّ الإيمان لا يكون بغير استقرار التصديق في القلب.

أن تكون هذه الرسالة مستعلية على الواقع الفكري والثقافي والديني المهيمن على زمن هذا الرجل الذي ينسب نفسه إلى النبوّة؛ فإنّ ربّانية الرسالة تظهر في استعلائها على الظَرفي، فهي متسلّطة على الواقع وليست أثرًا له، وإن كانت تراعي ظرفية البيئة في فقه الدعوة وأحكام الشريعة.

ألاّ تخالف عقائد هذا الرجل ودعواته الخلقية والسلوكية الفِطر وبدهيات العقول؛ فإنّ العقل المستقيم صنعة الربّ الذي أنزل الرسالات، وأوحى بالمحكمات. والعقل سبيل العلم بالنبوة وحقيقتها.

أن تكون دعوة هذا الرجل، صالحة، مصلحة، غير خيالية ولا مثالية متنكّرة لأرضيّة الإنسان وحدود ملكاته وطبائع ميوله وغرائزه الأصيلة في نفسه.

الباب الثاني: دلالة السيرة على نبوّة محمّد ﷺ

﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [المؤمنون: 69].

لقد بحثت في التاريخ عن الإنسان النموذج، ووجدته في محمّد.

(الشاعر الألماني الكبير Goethe)

تمهيد

الإجابة عن الأسئلة الثلاثة التالية:

كيف عاش؟

ماذا قدّم من براهين لإثبات صدقه؟

ماذا جنى الناس من سعيه وحَفده؟

طريق اختبار السيرة لاختبار صدق نبوة محمد ﷺ هو النظر في حال الداعي، وبراهين دعواه، وثمرة رسالته.

الفصل الأول: الشرط الأول لإثبات النبوة حفظ السيرة ومضمون الدعوة

لو لم يكن الإسناد وطلب هذه الطائفة له، لظهر في هذه الأمة من تبديل الدين ما ظهر في سائر الأمم، وذاك أنه لم يكن أمّة لنبيّ قطّ حفظت عليه الدين عن التبديل ما حفظت هذه الأمة. (ابن حبان)

بين خيارين.. سيرة محفوظة للسائلين أم جهالة وأساطير؟

الحكم على الشيء، فرع عن تصوّره“؛

فعُمدة المسلمين في إثباتهم النبوّة لمحمّد ﷺ أنّ حياة نبيّ الإسلام ﷺ ودعوته والآيات التي أظهرها حجّةً لنبوّته محفوظةٌ بعناية في سفر التاريخ.

ويرتّب المسلمون على ذلك قولهم: إنّ حفظ التراث النبوّي بعناية على أصول علميّة منضبطة، يلزم منه الإقرار بصحّة هذه النبوّة لدلالة مضمون المحفوظ على المطلوب.

والحُكم العدل في هذا النزاع أثرٌ عن النظر في المنهج الإسلامي لحفظ السيرة ومدى إمكانيّة تسلّل التحريف والتزييف إلى صحائف التراث الإسلامي.

حفظ السيرة.. نهاية الجدل لا أوّله

يتّفق عامة النقّاد أنّه لو سلّمنا صحّة تاريخية كلّ ما في الأناجيل أو عامة ما فيها، فسيبقى هناك باب واسع للجدل في حقيقة رسالة المسيح (التوحيد، وجوب العمل بالشريعة، الفداء…)، ومبلغ فهمنا لها، ولذلك فتوثيق سيرة المسيح بداية النظر للوصول إلى حقيقة المسيح، وليس نهاية المطاف؛ فإنّ النصوص لا تشفّ عن حقيقة الرسالة بصورة أوّليّة.

دعاوى يكفي فسادها لإفسادها.

قال التابعي (ابن سيرين) – المتوفّى سنة 110هـ: “لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة قالوا: سمُّوا لنا رجالكم، فيُنْظَرُ إلى أهل السُّنَّة فيُؤْخذ حديثُهم، ويُنْظَر إلى أهل البدعة فلا يؤخذ حديثهم“. رواه مسلم في مقدمة صحيحه.

علم الحديث لم يظهر إلا ليميز الصحيح من خبر نبيّ الإسلام ﷺ عن واهيه وزائفه.

نبي الإسلام.. معلوم بين مجاهيل

لتوافر الوثائق التاريخية القابلة للنقد والناطقة بالحق.

قول الباحث البريطاني، أشهر المشككين في تاريخية أخبار أناجيل النصارى (جورج ألبرت ويلز): “الأدلّة المتعلّقة [بتفاصيل سيرة] عيسى غير شافية. لو كانت سيرته لها شهادات جيّدة كما هو الأمر مع يوليوس قيصر، ومحمّد، والملكة آن، لما احتاج أحد إلى تشويه الأدلّة المتعلّقة بذلك باعتبارها تؤسّس لمحض احتمالات وأن يبحث في مكان آخر عن اليقين“.

جورج ألبرت ويلز (George Albert Wells 1926 – 2017م): باحث بريطاني. من أهم الذين دافعوا عن دعوى أسطوريّة شخصية المسيح وأنها لم توجد، ثم غيّر مذهبه إلى القول: إنّ المسيح قد عاش في القرن الأول لكنّ عامة ما يُنسب إليه أسطوري. من مؤلفاته: Cutting Jesus Down to Size.

George Wells, Belief and Make – Believe: Critical Reflections on the Sources of Credulity (New York: Open Court, 1991), p.121.

وقد أحسن (ابن تيمية) إذ قال – صدقًا -: “ليس في الدنيا علمٌ مطلوبٌ بالأخبار المتواترة إلا والعلم بآيات الرسول وشرائع دينه أظهر من ذلك، وما من حال أحدٍ من الأنبياء والملوك والعلماء والمشايخ المتقدّمين وأقواله وأفعاله وسيرته إلاّ والعلمُ بأحوال محمّد ﷺ أظهرُ من العلم به“.

ابن تيمية، الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح، 6/ 349.

وقد شهد لميزة حفظ السيرة النبويّة في تاريخ الأنبياء المستشرق (بنيامين بوزمورث سمث) – أحد أساقفة الكنيسة المشيخية في أمريكا – بقوله في كتابه: “محمد والمحمديّة“:

كلّ ما يُقال في الدين يغلب فيه الجهل ببدايته. ومما يؤسف عليه أنّ هذا يصحّ إطلاقه على جمهور الديانات وعلى أصحابها الذين نعدّهم تاريخيين؛ لأنّنا لا نعلم وصفًا أحسن من هذا الوصف، فإنّنا قلّما نعلم شيئًا عن الذين كانوا في طلائع الدعوة. والذي نعلمه عن الذين جاؤوا بعدهم واجتهدوا في نشر عقائدهم أكثر من الذي نعلمه عن أصحاب الدعوة الأوّلين، فالذي نعلمه من شؤون زرادشت وكونفوشيوس أقلّ من الذي نعلمه عن سولون وسقراط. والذي نعلمه عن موسى وبوذا أقلّ مما نعلمه عن أمبروز وقيصر. ولا نعلم من سيرة عيسى إلاّ شذرات تتناول شُعبًا قليلة من شُعب حياته المتنوّعة والكثيرة.

ومن ذا الذي يستطيع أن يكشف لنا الستار عن شؤون ثلاثين عامًا في تمهيد واستعداد لثلاثة أعوام لنا علم بها من حياته؟! وكثير من صفحات حياته لا نعلم عنها شيئًا أبدًا. وما الذي نعلمه عن أمّ المسيح، حياته في بيته، وعيشته العائلية؟ وما الذي نعلمه عن أصحابه الأوّلين وحوارييه، وكيف كان يعاملهم، وكيف تدرّجت رسالته الروحية في الظهور، وكيف فاجأ الناس بدعوته ورسالته؟ وكم من أسئلة تجيش في نفوسنا لن يستطيع أحد أن يجيب عنها إلى يوم القيامة.

أمّا الإسلام فأمره واضح كلّه، ليس فيه سرّ مكتوم عن أحد، ولا غُمّة يَنبهم أمرها على التاريخ؛ ففي أيدي الناس تاريخه الصحيح، وهم يعلمون من أمر محمّد ﷺ الذي يعلمونه من أمر لوثر وملتون. وإنّك لا تجد فيما كتبه عنه المؤرخون الأوّلون أساطير ولا أوهامًا ولا مستحيلات، وإذا عرض لك طرفٌ من ذلك أمكنك تمييزه عن الحقائق التاريخية الراهنة؛ فليس لأحد هنا أن يخدع نفسه أو يخدع غيره، والأمر كلّه واضح وضوح النهار؛ كأنّه الشمس وقت الضحى، يتبيّن أشعة نورها كلّ شيء.

Benjamin Bosworth Smith, Mohammed and Mohammedanism (London: John Murray, 1889), p.47.

وبعبارة المستشرق والمؤرّخ – العنصري – الفرنسي (إرنست رينان) الذي ألّف كتابه المثير “حياة يسوع“، ودشن به مرحلة جديدة في القراءة النقدية لتاريخيّة الأناجيل بسلبها كثيرًا من المصداقية الموروثة: “نشأت جذور الإسلام في مرأى التاريخ على خلاف الغموض الذي تغلّفُ به الأديان الأخرى أصولها، إنّ جذور الإسلام ظاهرة على سطح التاريخ. وسيرة مؤسّسه معروفة لنا كمعرفتنا بسِيَر أيَّ من مصلحي القرن السادس عشر“.

Ernest Renan, Mahomet et les Origines de l’Islamisme, Revue des Deux Mondes, Nouvelle p riode, tome 12, 1851 (p.1025).

مصادر السيرة الأساسية

القرآن الكريم

أعظم مصدر تأريخيّ لحياة نبيّ الإسلام، سواء آمن القارئ بربّانيته أم جحدها،

نحن نجد في القرآن حال نبي الإسلام في قبل الرسالة: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضُّحى: 6-8].

وحاله ﷺ في أول نزول الوحي: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا * إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا * وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزَّمل: 1-8].

وما أُمِر به في أوّل الأمر: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدَّثر: 1-3].

وحال خصوم الدعوة ولجاجتهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ﴾ [الصافات: 35-36].

والمنافقين ومسالك فتنتهم: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: 142].

وما يعتلج في نفس نبيّ الإسلام ﷺ من حزن وكرب: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: 8]، و ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: 6].

وما يختلج في صدور أصحابه: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ [آل عمران: 152].

كما جاء في القرآن ذكر ما اتُّهم به نبي الإسلام في ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الزُّخرُف: 30]، و ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: 5]، و ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ * وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة: 40-42].

وجاء فيه أمر إذاية المشركين له ﷺ: ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [الأنبياء: 36].

ومما يتّصل بالقرآن الكريم في دلالته على السيرة، كتب التفسير المُسندة التي تروي الأخبار المتعلّقة بتفسير الآيات، وأسباب نزولها وظروفها التاريخية،

والمستشرق الشكوكي (ماكسيم رودنسون) الذي كتب قائلًا عن إمكانيّة كتابة السيرة النبويّة: “يمكننا أن نبدأ بالنص القرآني، الذي هو أساس ثابت وأصيل“.

ماكسيم رودنسون (Maxime Rodinson 1915 – 2004): مؤرّخ وعالم اجتماع فرنسى. له عناية بالدراسات الشرقية.

Maxime Rodinson, Muhammad, trans. Anne Carter (New York: Pantheon Book, 1971), xi-xii.

والمستشرق (ألفريد ولش) القائل: “القرآن وثيقة تاريخية تعكس السيرة النبوية لمحمد وتستجيب باستمرار للاحتياجات والمشاكل المحددة للمجتمع المسلم الناشئ“.

ألفريد ت. ولش Alford T. Welch: أستاذ الدراسات الدينية في جامعة مشيجان.

Alford T. Welch, “Introduction: Qur’anic Studies – Problems and Prospects,” Journal of the American Academy of Religion: Thematic issue 47:4 (1979), 626.

المخطوطات القرآنية المبكرة التي درسها جملة من الباحثين في الجامعات الغربية، مثل (فرنسوا ديروش) و(يس دتون) و(ألبا فدلي) و(بهنام صدقي) و(مارين فن بتين).

فرنسوا ديروش Fran ois D roche (1952 -): مستشرق فرنسي. درّس تاريخ النص القرآني في Coll ge de France. يُعتبر أبرز باحث متخصص في مخطوطات القرآن المبكرة اليوم.

يس دتون Yasin Dutton: باحث في جامعة كاب تاون. له اهتمام بالمخطوطات القرآنية المبكرة والفقه المالكي.

ألبا فدلي Alba Fedeli: مستشرقة إيطالية. درّست في جامعة هامبرغ. كتبت أطروحتها في الدكتوراه في المخطوطات القرآنية. لها عناية بالمخطوطات المبكرة منها.

بهنام صدقي Behnam Sadeghi (1969 -): باحث درّس في جامعة ستانفورد. يعتبر أبرز من كتب في دراسة طرس اليمن القرآني الذي يعود إلى القرن الأول الهجري.

مارين فن بتين Marijn van Putten: باحث يدرّس في جامعة ليدن. نشر مجموعة من الدراسات في المخطوطات القرآنية المبكرة وتاريخ القراءات القرآنية.

Mun’im A. Sirry, Controversies over Islamic Origins: An Introduction to Traditionalism and Revisionism (Newcastle upon Tyne: Cambridge Scholars Publishing, 2021), p.132.

كتب الحديث والسيرة والشمائل والدلائل

وقد اعتنى العلماء منذ بواكير الإسلام بنقل الخبر، ووضعوا لذلك القواعد وأصّلوا الأصول،

وقد شهد للتميّز الإسلامي في حفظ السيرة منذ زمن مبكّر المستشرقُ اليهودي (برنارد لويس) – المعروف بمواقفه السلبيّة من الإسلام – في قوله: “أدرك علماء الإسلام في مرحلة مبكّرة خطر الشهادات المزيّفة وبالتالي العقائد الباطلة؛ ولذلك طوّروا علمًا مفصَّلاً لنقد الحديث. يتميّز “علم الحديث” – كما كان يُسمّى – من عدّة نواح عن النقد المصدري التاريخيّ الحديث، وقد اختلف العمل العلمي الحديث دائمًا مع تقديرات العلماء التقليديين حول صحّة الروايات القديمة ودقّتها، ولكنّ نقد علماء الحديث الدقيق للأسانيد وجمعهم الدقيق للاختلافات واحتفاظهم بها في نقل الروايات يعطي لعلم التأريخ العربي في القرون الوسطى مهنية ومراسًا لا نجد له نظيرًا في القديم ولا مماثلاً في القرون الوسطى في الغرب. وبمقارنة علم الحديث بعلم التاريخ في العالَم المسيحي اللاتيني، يبدو الثاني فقيرًا وهزيلاً. بل حتّى علم التاريخ في العالم المسيحي اليوناني، والذي هو أكثر تقدّمًا وتعقيدًا، يقصر هو أيضًا عن مضاهاة الأدبيات التاريخية الإسلاميّة من نواحي الحجم والتنوّع والعمق التحليلي“.

برنارد لويس (Bernard Lewis 1916 – 2018م): أستاذ متقاعد من جامعة برنستون. له عناية خاصة بتاريخ الإسلام وعلاقة الإسلام بالغرب.

Bernard Lewis, Islam in History: Ideas, People, and Events in the Middle East (Chicago: Open Court, 1993), p.105.

وأمّا المؤرخ النصراني اللبناني (أسد جبرائيل رستم) فقد كان أعظم إنصافًا في مقدمة كتابه “مصطلح التاريخ” لعلم الحديث؛ إذ قال: “أوّل من نظّم نقد الروايات التاريخية ووضع القواعد لذلك علماء الدين الإسلامي، فإنّهم اضطروا اضطرارًا إلى الاعتناء بأقوال النبيّ، وأفعاله لفهم القرآن وتوزيع العدل… فانبروا لجمع الأحاديث ودرسها وتدقيقها فأتحفوا علم التاريخ بقواعد لا تزال، في أسسها وجوهرها، محترمة في الأوساط العلميّة حتّى يومنا هذا“.

أسد رستم، مصطلح التاريخ (بيروت: المكتبة العصرية، 1423هـ 2002م)، ص6 – 5.

قد ازدهر في القرن الثالث جمع أخبار الرسول ﷺ في مؤلّفات علميّة تخصّصية مرتّبة المواضيع بأسانيد يبلغ طرفها الآخر نبي الإسلام ﷺ. فقد كان الشائع قبل ذلك جمع المرويات دون ترتيب منهجي (في الأحكام والآداب…)، وأمّا السيرة فالنسق الروائي المنظم فيها قديم.

تمّت دراسة ذلك نقديًا من طرف بعض المستشرقين، ومن ذلك بحث مرويات (عروة بن الزبير)، التابعي المكثر من الرواية عن خالته زوج الرسول ﷺ (عائشة) رضي اللّه عنها؛ فقد جمع (أندرياس غورك) و(غريغور شولر) في كتابهما: “أقدم الروايات عن حياة محمد: مجموعة عروة بن الزبير” روايات (عروة) التي انتشرت بعد القرن السابع الميلادي، وحفظت في الدواوين المتأخرة. وأثبتا بعد مقارنات، أنّ مادة واسعة منها أصيلة.

أندرياس غورك Andreas Gorke: أستاذ محاضر في الدراسات الإسلامية في جامعة إدنبره. درّس الإسلام المبكّر والكلاسيكي في جامعة هامبرغ.

غريغور شولر Gregor Schoeler: مستشرق ألماني. درّس اللغات السامية والأدبين العربي والفارسي. رأس قسم الدراسات الإسلامية في جامعة بازل حتّى تقاعده.

Die ltesten Berichte ber das Leben Muhammads: Das Korpus Urwa ibn az-Zubair.

ولذلك كتب الباحث الإندونيسي (منعم سري) -تلميذ (غبريال رينولدز) المستشرق المعروف وأحد رؤوس الدراسات القرآنية الاستشراقية اليوم- في كتابه الحديث: “الجدل حول الأصول الإسلامية”، والخاص بسبر أوجه الجدل حول الإسلام وأصوله في عالم الأكاديميا في الغرب، خاصة في العقود الأخيرة: “يبدو أنّ الإجماع العلمي حول تاريخ المصادر المبكرة قد اقترب إلى الأحداث التي زعمت [هذه المصادر] أنّها قد نقلتها، على الأقل ليس ذلك في القرن الثالث/ التاسع. حتى [المستشرق] التنقيحي (بيرغ) يعترف – بعد فحص مفصل للأحداث المهمة في حياة (محمد) وإعادة بناء التنقيحات السابقة-، أنّ (غورك) و (شولر) قد استطاعا سد فجوة الـ 200 عام بين الحدث المزعوم وتقاريره الموجودة، إلى أقل من 100 عام“.

Mun’im A. Sirry, Controversies over Islamic Origins: An Introduction to Traditionalism and Revisionism (Newcastle upon Tyne: Cambridge Scholars Publishing, 2021), p.174.

دخول الضعيف والموضوع إلى السيرة معلوم، لم يبادر بكشفه المستشرقون، ولم يُصدم بالعلم به المسلمون المعاصرون؛

والمصنّفات الحديثية المُسندة المقتصرة على قول الرسول ﷺ وفعله وإقراره وصفته، مستوعبة لعامة خبر الرسول ﷺ الدعوي، والاجتماعي، والأُسَري، والشخصيّ… وهي مادة تاريخية غزيرة جدًّا تُنشئ في القارئ إحساسًا قهريًّا أنّه قد صار قريبًا من حياة نبي الإسلام ﷺ قرب أصحابه منها،

أفرد العلماء أبوابًا في مؤلفاتهم لذكر خصائص الرسول ﷺ وشمائله ومعجزاته وغزواته، وكثير من خبره،

ولنأخذ كمثالٍ صحيحَ (البخاري)، واسمه الذي اختاره له (البخاري) هو: “الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول اللّه ﷺ وسننه وأيامه“، فعنوان هذا المصنَّف كاشف عن ارتباطه العميق المباشر بالسيرة النبويّة، وهو داخل ضمن أجناس “الجوامع”، والجامع هو ما لا يقتصر على جانب واحد من النقل الحديثي، على خلاف (السنن) – مثلاً – الخاصة بالأحكام حصرًا.

نحن إذن أمام مادة غزيرة، فضيلتها الأولى الجمع المستوعب للأخبار، وفضيلتها الثانية أنها منقولة بالأسانيد – حتى لو كان فيها انقطاع – ؛ ولذلك كانت بهاتين الفضيلتين قابلة للفحص النقدي على الأصول التي وضعها عباقرة أهل الحديث.

ألّف (شولر) كتابه (سيرة محمّد: الطبيعة والأصالة)، بناء على قناعة أنّه “بإمكاننا إعادة بناء الروايات، على أساس المصادر المتاحة التي تعود إلى أشخاص على اتصال وثيق جدًا بمحمّد، وأحيانًا إلى شهود عيان“.

Gregor Schoeler, The Biography of Muhammad: Nature and Authenticity, trans. Uwe Vagelpohl (New York: Routledge, 2011), p.xii.

عبقرية المنهج الإسلامي في الحكم على الروايات

جمعُ الروايات بأسانيدها أمر عظيم، وجليل، وهو من فرائد المسلمين؛ إذ ليس لليهود ولا النصارى أسانيد متّصلة إلى المسيح أو (موسى) عليهما السلام.

ويُشترط لقبول الرواية التي تقوم بها الحجّة عند المحاججة في النبوّة خمسة شروط، وهي:

1- عدالة الراوي: ألا يكون الراوي متّصفًا بالفسق؛ إذ يأتي المأمورات وينتهي عند النواهي، مجتنبًا لخوارم المروءة من الصغائر الدالة على الخسّة، والمباحات التي يحتقر الناس من يقربها.

2- ضبط الراوي: أن يكون الراوي حافظًا لمروياته عن ظهر قلب أو بتوثيقها كتابة.

3- اتّصال السند: أن ينقل الحديث كلّ راوٍ عمّن أخذه منه إلى الرسول ﷺ.

4- ألا يكون المتن شاذًا: ألاّ يخالف الراوي من هو أوثق منه.

5- ألا يكون السند أو المتن مشوبًا بعلّة خفيّة: أي: ألاّ يتصف السند أو المتن بقادح خفيّ يطعن في صحّة الرواية.

علم الحديث قائم في الحكم على الرواة على الاحتياط في الرواية، وإن شئت فقل على سوء الظنّ بالرواة لا التسليم الأوّلي بعدالتهم؛

الراوي المجهول، روايته ضعيفة حتى يُعرف (على خلاف منهج مؤرِّخي النصرانية، بل منهج عامة المؤرّخين).

ميّز العلماء بين (مجهول العين)، وهو من لم يروِ عنه غير راو واحد، و(مجهول الحال)، وهو من روى عنه أكثر من واحد لكن لم تُعرف عدالته ولم يتيسّر معرفة حاله من مروياته، وكلّ منهما مردود الحديث إذا انتفت القرائن الدالة على العدالة.

قال (الذهبي): “لا حجّة فيمن ليس بمعروف العدالة، ولا انتفت عنه الجهالة” (ميزان الاعتدال، تحقيق: علي البجاوي، بيروت: دار المعرفة، د.ت.، 234/2).

الإمام (ابن القطّان): “لم نرَ أهل الخير في شيء أكذب منهم في الحديث“.

لم يكن – إذن – همّ المحققين من المحدّثين تصحيح روايات أهل الورع والصلاح، وإنّما كان عملهم موجّهًا إلى البحث عن العورات المخفيّة للروايات والرواة دون الوقوف عند صلاح حال الراوي لمنع دخول الضعيف وما هو أدنى منه إلى سجلّ الأحاديث المقبولة.

وقد ميّز أهل الجرح والتعديل بين طبقات الرواة؛ فلم يقتصروا على القسمة الكبرى: ثقاتٌ وضعفاء؛ وإنما ميّزوا الثقات إلى طبقات، والضعفاء رتبوهم في دركات؛ للترجيح عند تخالف الروايات، والاعتضاد عند تآلفها وتقوية بعضها بعضًا.

الراوي الذي يكذب لأجل نصرة الإسلام وتمجيد النبيّ ﷺ روايته مردودة إجماعًا، بل من ثبت عنه الكذب في حديث واحد؛ تسقط جميع مروياته.

تَوَفُّرُ كلّ الشروط الظاهريّة لصحّة إسناد الحديث لم يمنع العلماء من بيان وجوب خلوّ الحديث من القوادح في متنه؛

قاعدة مشهورة هي: “صحّة الإسناد لا يلزم منها صحّة المتن“.

إنّ من جملة دلائل الوضع أن يكون مما “تدفع العقول صحته… ويلتحق به ما يدفعه الحس والمشاهدة“.

ابن حجر، النكت على ابن الصلاح (المدينة المنورة، 1404هـ 1984م)، ص845.

وأما (ابن الجوزي) فيقول: “كلّ حديث رأيته يخالف المعقول… فاعلم أنه موضوع، فلا تتكلّف اعتباره“.

ابن الجوزي، الموضوعات، تحقيق: عبد الرحمن عثمان (المدينة المنورة، المكتبة السلفية، 1386هـ 1966م)، 106/1.

لم يقبل العلماء الأحاديث التي تمجّد الرسول ﷺ أو تثبت له معجزات لما تدلّ عليه من صدق الرسالة النبويّة، بل أخضعوها هي أيضًا إلى المحاكمة، ولم تتميّز لذلك بأدنى فضيلة على بقيّة الروايات. وقد جعل الإمام (ابن الجوزي) قِسمًا في كتابه “الموضوعات” – وهو في الأحاديث المكذوبة – تحت عنوان (“أبواب في فضائل نبيّنا ﷺ“).

تناقل المسلمون منذ زمن النبوّة الحديث النبوي: “من كذب علي متعمدًا فليتبوّأ مقعده من النار“. وقد رواه بضعة وسبعون صحابيًّا(4)، منهم العشرة المبشّرون بالجنّة(5). ولم يُرَ حديث عن النبيّ ﷺ بهذه الكثرة – ولا قريب منها – ؛ فقد كان يتداوله الصحابة تعليمًا وتنبيهًا، وحظّ انتشاره بين التابعين كبير للتنفير من الكذب.

(4) لو بحثتَ في نفسك عن خبر سمعتَه من أكثر من سبعين رجلاً فلن تجده – على الأرجح – ، وذاك مخبر عن عظيم انتشار هذا الحديث النبوي.

(5) محمد بن آدم، شرح ألفية السيوطي في الحديث (مكتبة الغرباء الأثرية)، ص223.

كما تواتر عن الصحابة روايتهم حديث: “نضَّرَ الله عبدًا سَمِع مقالتي فوعاها، فبَلَّغها مَن لَم يَسْمعها“. وهو في الحضّ على الرواية الصادقة التي تذيع خبر الوحي.

رواه أربعة وعشرون صحابيًّا (عبد المحسن العبّاد، دراسة حديث: “نضّر الله امرءًا سمع مقالتي..”، رواية ودراية، رسالة ماجستير مطبوعة).

ذهب المستشرق (رينهارت دوزي) أنّ الإشكالات أو التناقضات التي تبدو في الأحاديث المصحّحة عند المسلمين حجّة أنّ المسلمين لم يختلقوا هذه الأحاديث، فليس من صنيع الكَذَبَةِ فتح باب للجدل في ما يسعون لنصرته أو تجميله.

رينهارت دوزي (Reinhart Dozy 1820 – 1883م): مستشرق هولندي من أصل فرنسيّ. درّس العربيّة والتاريخ في الجامعة. من مؤلّفاته: “Histoire des Musulmans d’Espagne“.

Reinhart Dozy, Essai sur l’Histoire de l’Islamisme (Leyde, Paris: 1879).

هذا آخرُ أمرِ المعترض ونهاية إقدامه، وهو أن يستنكر متون بعض الأحاديث التي لا يتجاوز عددها بضعة آحاد،

ستبقى الحقيقة الكبرى التي لا يملك المخالف أدنى داع لإنكارها هي أنّ الصورة الكبرى للسيرة النبويّة، مع خطوطها العريضة، ثابتة، لا يزحزحها داعي الشكّ ولا عارض الريبة. وهذه الخطوط العريضة تنتهي بالمخالف ضرورة إلى العلم بنبوّة محمّد ﷺ؛

البديل المنهجي للمستشرقين

ننبّه أنّ المستشرقين اليوم على مذهبين في التعامل مع السيرة، تيار المراجعين (Revisionists) – وعلى رأسه (ونسبرو) وتلاميذه -، وهو القائل: إنّ مراجع السيرة ساقطة لا اعتبار لها؛ فهي أثرٌ عن اختلاق الأجيال الإسلاميّة المهتاجة في تديّنها. ويقابله التيّار التقليدي – وعلى رأسه (مونتجومري وات) الذي يرى أنّ بعض خبر السيرة مقبول، وفي حدوده يبدأ العمل النقدي.

مونتجومري وات (1909 – 2006م): قسيس إنجليكاني ومستشرق بريطاني معمَّر. له عناية خاصة بالسيرة والتاريخ الإسلامي. من مؤلفاته: “Muhammad at Mecca“.

لم يكن هذا التيّار أمينًا في دعواه؛ إذ إنّه كان متعسّفًا في شكّه أيضًا، ومارس الانتقائية في تحديد الملامح العامة للسيرة.

See Gregor Schoeler, The Biography of Muhammad: Nature and Authenticity (New York, NY Routledge, 2011), pp.8 – 12.

أكبر مؤلّف اليوم قام بجمع الشهادات غير الإسلامية المبكّرة، وهو: (Seeing Islam As Others Saw It: A Survey and Evaluation of Christian, Jewish and Zoroastrian Writings on Early Islam) يشهد بوضوح لما نقول؛ فرغم جمعه شهادات متفرقة من مصادر سريانية ويونانية وعبرية وفارسية وأرمينية ولاتينية وقبطية وأثيوبية من القرن الأول الهجري، إلاّ أنّ هذه الشهادات فقيرة المحتوى بصورة بالغة،

ثمّ إنّ الجامع لهذه الشهادات قد انتهى إلى أنّ شهادة التراث الإسلامي توافق كثيرًا من هذه الشهادات.

ولخص قيمة هذه الشهادات بقوله: “لا يمكن للمصادر غير الإسلامية أن تقدّم قصة كاملة ومتناسقة للإسلام المبكّر، فضلاً عن دعم رواية بديلة لتطوّره“.

Robert G. Hoyland, Seeing Islam as Others Saw It. A Survey and Evaluation of Christian, Jewish and Zoroastrian writings on Early Islam (Princeton, NJ: The Darwin press, 1997), p.598.

المعلومات المذكورة في هذه المراجع غير محايدة؛ إذ إنّ مؤلّفِي المقاطع المتعلقة بوصف الإسلام والمسلمين – عامتهم – خصوم للإسلام، منهم رجال دين نصارى، وأصحاب مصالح سياسية وعرقية يرفضون الفتح الإسلامي برمّته. كما يبدو في عدد من هذه الكتابات النَفَس الإسخاتولوجي لقراءة الفتح الإسلامي؛ إذ يصوّر الكتّابُ الفتحَ على أنه العذاب الأخير الذي أرسله الربّ على أمّة النصارى التي لم ترعَ الوحي الإلهي وحدود الكتب المقدّسة،

وقد ذكرت (كرون) في كتابها “المشركون في القرآن، وما يتعلّق بهم” – والذي نُشر بعد وفاتها- أنّها ما عادت تدافع عن مذهبها في القرآن الوارد في كتابها “الهاجريون”، وأنّها لا تتّفق مع (وانسبرو) في شأن التقنين canonization المتأخّر للقرآن، لأنّها ترى أنّه يجب النظر إلى القرآن على أنّه كتاب قديم، سواء جاء به الرسول ﷺ أم آخرون. وأردفت ذلك بقولها: “هذا هو موقفي الحالي“.

Patricia Crone, The Qur’anic Pagans and Related Matters (Brill, Leiden, 2016), 1/xiii.

وكانت قد كتبت قبل وفاتها بسبع سنوات: “ويُحتمل أنّ معظم ما يخبرنا به التراث عن حياة النبي صحيح إلى حد ما في بعض الجوانب“.

The chance is that most of what the tradition tells us about the prophet’s life is more or less correct in some or other”.

Patricia Crone, “What do we actually know about Mohammad”

https://www.opendemocracy.net/faith-europe_islam/mohammed_3866.jsp

كما ذهب المستشرق المعروف (جوزيف شاخت) إلى الطعن في التراث الفقهي برمّته، واصفًا إيّاه أنه مجرّد اختلاق من أنصار المذاهب الفقهية مع بداية القرن الثاني بحثًا لاجتهاداتهم الفقهية عن سند نصّيّ من الوحي.

Mustafa Azami, On Schacht’s Origins of Muhammadan Jurisprudence. (Riyadh: King Saud University, 1985).

وقد اجتهدت (باتريشيا كرون) لهدم كامل التراث الإسلامي في كتابها (Meccan Trade and the Rise of Islam) لبناء صورة أخرى للإسلام، من خلال إبعاد مكّة التي نعرفها عن مكانها مئات الأميال.

وقد جاء بحثها مثقلاً بتحريف النصوص الظاهرِ في سوء الترجمة المتعمّدة للوثائق القديمة، وتقديم نصوص مبتورة، وإهمال الشواهد التاريخيّة التي تخالف نظريّتها (3). وقد أرادت أن تدسّ مزاعمها بالإشارة إلى تضارب المصادر الإسلاميّة.

آمال الروبي، الرد على كتاب باتريشيا كرون (تجارة مكّة وظهور الإسلام)، ص4.

الدكتورة (آمال الروبي) أستاذ مشارك في قسم التاريخ اليوناني الروماني، جامعة الملك عبد العزيز، جدة.

بحثُ (كرون) كما وصفه المستشرق (روبرت سرجينت) دراسة جدليّة أرادت منها صاحبتها أن تصدم المستشرقين بنظريات غريبة عن تاريخ مكّة قبل الإسلام، وهو بحث كُتب بلغة استعلائية، وفكر مشوّش وغير عقلاني يفتقد الحسّ النقدي، مع ليّ أعناق النصوص التاريخية الواضحة، وصاحبته تفتقد معرفة البنية الاجتماعية للبلاد العربية. وختم (سرجينت) تعليقه بقوله إنّه بحث يليق بطالب داهية في سنواته الأولى في الجامعة في مناظرة مع طلبة آخرين. وأنّ الكتاب قد يحقّق لصاحبته الشهرة التي تسعى إليها، لكنّه لن يُساهم أبدًا في تطوير فهمنا للأصول المبكّرة للإسلام.

روبرت برترام سرجينت (Robt Betram Serjeant 1915 – 1993م): إسكتلندي، من أعلام المستشرقين في القرن العشرين. درّس التاريخ الإسلامي في جامعة كمبردج.

R. B. Serjeant, Review: Meccan Trade and the Rise of Islam: Misconceptions and Flawed Polemics, Journal of the American Oriental Society, Vol. 110, No. 3 (Jul. – Sep., 1990), pp.472 – 486.

كتب المستشرق الشكوكي (هربرت بيرغ) نفسه معترضًا على نظرية المؤامرة في كتابة السيرة، قائلًا إنّنا لو خُيّرنا بين نظرية المؤامرة وتاريخية كتب التراث الإسلامي، فسيكون القول بأرجحية كتب التراث الإسلامي أولى. موضّحًا ذلك بقوله: “يُظهر اللجوء إلى نظرية المؤامرة فهمًا ساذجًا simplistic لكيفية إنتاج الأدب… كان مؤلفو نصوص الإسلام المبكر يعملون جميعًا في نفس البيئة الثقافية تقريبًا. إن إجماعهم المتصور على “حقائق” صدر الإسلام لا ينبغي أن يكون نتيجة التواطؤ لاختلاق إسلام حسب رغبتهم أو يخدم أهدافهم الدينية أو السياسية أو العرقية“.

Herbert Berg, “The Implications, and opposition to, the Methods and Theories of John Wansbrough,” Method & Theory in the Study of Religion 9:1 (1997), 15.

كما كتب المستشرق الهولندي (كيس فرستيغ): “يحتاج المرء إلى وجهات نظر تآمرية للتراث الإسلامي، يُفترض فيها أن جميع العلماء شاركوا في المؤامرة نفسها لطمس التسلسل الحقيقي للأحداث… لا بد أن يكون هناك بعض المنشقين… ومن غير المتصوّر أن يكون التراث قد تمكّن من قمع كافة الآراء المخالفة“.

كيس فرستيغ Kees Versteegh (1974 -): أستاذ الدراسات الإسلامية واللغة العربية في جامعة Radboud University.

Kees Versteegh, Arabic Grammar and Qur’anic Exegesis in Early Islam (Leiden: E.J. Brill, 1993), p.48.

وهو أيضًا ما أكّده المستشرق (ف. إ. بيترز) في مقالته الشهيرة: “البحث عن محمّد التاريخيّ“، بقوله إنّه “من غير المتصوّر أن يكون المجتمع قد نسي تمامًا ما فعله محمد أو قاله في مكة والمدينة، أو أنّ العرب أصحاب الذاكرة القويّة قد رضوا بانمحاء كل ذكرى لماضيهم المكّي أو العربي الغربي“.

ف. إ. بيترز F.E. Peters (1927 – 2020م): أستاذ التاريخ والدين والدراسات الإسلامية في جامعة نيويورك.

F.E. Peters, “The Quest of the Historical Muhammad“, International Journal of Middle East Studies, 23.3 (August 1991): 307.

لا تحظى المدارس التآمرية بدعم جمهور المستشرقين، وإن كان جمهور المستشرقين على مذهب القراءة الانتقائية غير المنضبطة للتراث الإسلامي؛ إذ يأخذون من السيرة ما يوافق ما يستبطنون من تصوّرات ومقولات عن الإسلام، وعلى رأسها: ردّ النبوّة المحمّدية(2)، وإنكار الإعجاز القرآني، وإثبات معرفة نبي الإسلام بالتراث الديني اليهودي والنصراني عن دراسة أو مدارسة.

بين منهجين

عِلم التاريخ الإسلامي منهجٌ في التحقيق عريق وثريّ حتّى قال فيه المستشرق المتخصص في منهج التأريخ الإسلامي (فرانز روزنثال): “إنّنا قد نشك في وجود أي مكان في التاريخ الأوّل كانت فيه المؤلّفات التاريخية تعادل في كثرتها ما كان للمسلمين. إنّ مؤلفات المسلمين التاريخية قد تعادل في العدد المؤلفات اليونانية واللاتينية، ولكنّها بالتأكيد تفوق في العدد مؤلّفات أوروبا والشرق الأوسط في العصور الوسطى. ولا شكّ أنّه لم يكن بالإمكان إخفاء مكانتها الممتازة في الحركة الأدبيّة الإسلاميّة عمّن اتّصل بالعرب من علماء الغرب“.

فرانز روزنثال (Franz Rosenthal): مستشرق ألماني. درّس في عدد من الجامعات الغربية. ألّف في أبواب مختلفة في معالم الحضارة الإسلامية. أنجز أوّل ترجمة إنجليزية كاملة لمقدمة (ابن خلدون)، كما ترجم مجلدين من تاريخ الطبري.

فرانز روزنثال، علم التاريخ عند المسلمين، تعريب: صالح أحمد العلي (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1403هـ 1983م، ط2)، ص270.

فالإسناد الضعيف دليل على أنّ الخبر لا يصحّ، والإسناد الجيّد أيضًا حجّة أنّ المتن مختلق.. فمتى إذن يكون الإسناد حجّة لصحّة الرواية؟! إنّنا إذن أمام رفض مبدئي للرواية، لا تمحيص نقدي لها.

إنكار المخالف حفظ السيرة النبويّة يُلزمه ألا يُصدِّق شيئًا من خبر التاريخ؛ فإنّه لا يوجد من أخبار التاريخ ما حقّق ما يوازي ما في التراث الإسلامي أو يقاربه جمعًا ونقدًا.

وماذا عن النصرانية؟

وقد عُرف أبرز تيّار نقدي بالموجة الأولى “للبحث التاريخي عن يسوع” (Quest for the historical Jesus) ثم تلته موجتان ثانية وثالثة إلى اليوم.

وقد شاع بين دارسي حياة المسيح في الغرب التمييز بين “يسوع الإيمان” (Jesus of Faith) أي: المسيح كما هو في المخيال الإيمانيّ للنصارى، و”يسوع التاريخ” (Jesus of History) أي: المسيح الذي عاش على الأرض، حتّى قال (جيمس دن) إنّه ليس بإمكاننا “إنشاء يسوعِ – من خلال المادة التاريخية المتاحة – يكونُ هو نفسه يسوع الحقيقي“.

James Dunn, Jesus Remembered (Grand Rapids; Cambridge: William B. Eerdmans Publishing Company, 2003), p.126.

نعرف ما فيه الكفاية عن حياة محمد، أما حياة المسيح فمجهولة تقريبًا، وإنّك لن تطمع أن تبحث عن حياته في الأناجيل” (Gustave Le Bon)

إشكاليات القيمة التاريخية للعهد الجديد؛

الكتاب المقدس، وفقدان الأسانيد:

هذه الأسفار كلّها بلا استثناء فاقدة للإسناد المتّصل، بل هي عند التحقيق بلا إسناد أصلاً.

الكتاب المقدس وتوثيق النص:

علمًا أن هذه المخطوطات مجهولة الناسخ، ولا يعرف عن ملابسات نسخ أهمّها شيء، والأعظم من ذلك غياب أيّ تراث شفهي أوّل موازٍ لها.

تأخّر أهم المخطوطات:

مخطوطة ليننجراد وهي تعود إلى سنة 1008م.

وأما الأناجيل فأقدّم المخطوطات تعود إلى بداية القرن الثالث، باستثناء قطعة صغيرة فيها عشرات الحروف اليونانية، وتدعى “البردية 52”.

مؤلفو الأناجيل ليسوا شهود عيان:

وعامة النقاد على أنّ مؤلّفي الأناجيل الأربعة مجهولي الهويّة، وأن التراث النصراني في تحديد شخصيات المؤلّفين غير جدير بالثقة.

Mitchell Reddish, An Introduction to The Gospels (Nashville, Tenn: Abingdon Press, 1997), p.42.

الجهالة التامة بظروف تدوين الأناجيل:

النقاد على جهل تام بزمن تأليف الأناجيل الأربعة والظروف الأولى لنسخها وتداولها. وكلّ ما يُقال مجرّد تخمينات ليس لها أصل تاريخي مباشر.

غياب معيار منضبط لاختيار الأناجيل الأربعة:

مراجع للتوسّع:

محمد يسري سلامة، مصادر السيرة النبوية، ومقدمة في تدوين السيرة (القاهرة: دار الجبرتي، 1431هـ).

جين سوفاجيه وكلود كاهين، مصادر دراسة التاريخ الإسلامي، ترجمة: عبد الستار الحلوجي وعبد الوهاب علوب (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 1998م).

صلاح الدين المنجّد، معجم ما ألّف عن رسول الله ﷺ (بيروت: دار الكتاب الجديد، 1982م).

فرانز روزنثال، علم التاريخ عند المسلمين، تعريب: صالح أحمد العلي (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1403هـ 1983م، ط2).

الفصل الثاني: الشرط الثاني: الكمال الأخلاقي

﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: 128].

ربّما علينا أن نتساءل – إذا أخذنا في الاعتبار كل المعايير التي من الممكن أن تؤخذ في الحسبان لقياس عظمة الإنسان – إن كان هناك أحدٌ أعظمَ من محمّد. (Alphonse de Lamartine الشاعر الفرنسي الكبير)

بين خيارين.. كمال أخلاقي أم خديعة انتهازيّ؟

داعي الخير الذي يمثل في وعي البشر – على اختلاف ثقافاتهم وميولهم – نموذج الإنسان الذي استجمع الفضائل من أطرافها،

والنفس لا تطمئن لأمانته وكفاءته حتى تعرف تفصيل سيرته ودخيلة صدره،

كيف كان خُلُق نبي الإسلام ﷺ كما تكشفه الوقائع الثابتة في حياته؟

ولذلك فعلى المسلم أن يقيم البرهان على التميّز الإيجابي الفذّ شخصيّة نبي الإسلام ﷺ على أن يستوفي هذا البرهان شروطًا، هي:

1- الاعتماد على الأحاديث الصحيحة دون غيرها.

2 – أن تكون الشهادة ممن خالط نبيّ الإسلام ﷺ فلا يُقبل محض الرأي عمّن لم يلاصقه مجالسةً، ويختبر فعله معاينةً، ويعرف خبيئة نفسه وحاله في خلوته أو بعيدًا عن صحبه.

3 – أن يكون للشهادة ما يفسّرها من أحداث عينيّة في حياة نبي الإسلام ﷺ فلا يُقبل الرأي الذي لا تشهد له الوقائع والتجربة.

1- الصلاح الخلقي

وقد عاش نبيّ الإسلام ﷺ بين الناس يخالطهم مخالطة من لا يخشى كشف مخبوء، أو سَتر مدسوس،

لقد عاش نبي الإسلام ﷺ في بيئة قاسية في طبيعتها الصحراوية، وهو ما يجعل الشدّة المَعْلَم الأوّل للشخصية العربيّة،

كانت مجامع خُلق نبيّ الإسلام ﷺ طرازًا على غير مألوف العرب؛ ففيها قوّة أهل الحق، ورقّة الودعاء، وسماحة أهل الفضل… وهي الخِلال التي جمّعت حوله أصحابه إجلالاً لعظمته، وخضوعًا لجاذبيّته. لقد كان فيه ما يعظّمه العربيّ في الأكابر، وكان فيه فوق ذلك..

ولعلّ من أفضل ما لُخص به حال نبي الإسلام ﷺ – من غير المسلمين – قول المستشرق (بوسورث سمث): “لقد كان قيصر والبابا معًا، لكنّه كان البابا دون دعاوى البابا، وكان قيصرَ دون فيالق قيصر، ودون جيشه المتأهب، ودون حرسه، ودون قصره، ودون راتبه الثابت. وإذا حقّ لأيّ أحد أنّ يحكم بالحق الإلهي، فسيكون محمّدًا؛ لأنّه كان يملك كلّ السلطة دون أدواتها ولا معوناتها“.

بوسورث سمث (Bosworth Smith 1839 – 1908م): مؤلّف بريطاني، ونصراني متديّن. من أهم مؤلفاته: Carthage and the Carthaginians.

Bosworth Smith, Mohammed and Mohammadanism (London: 1874), p. 92.

وصفه خادمه (أنس) رضي الله عنه بقوله: “لم يكن النبي ﷺ سبّابًا ولا فحّاشًا ولا لعانًا. كان يقول لأحدنا عند المعتبة: (ما له ترب جبينه!)“.

رواه البخاري، كتاب الأدب، باب لم يكن النبي ﷺ فاحشًا ولا متفحشًا (ح/ 5684).

قول خادمه (أنس) رضي الله عنه فيه: “كان أشجع الناس. ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق ناس قبل الصوت فتلقاهم رسول الله راجعًا وقد سبقهم إلى الصوت وقد استبرأ الخبر وهو على فرس لأبي طلحة عُرْيٍ (ليس عليه سَرْجٌ)، في عنقه السيف، وهو يقول: (لن تراعوا)“.

رواه البخاري، كتاب الأدب، باب حسن الخلق والسخاء، وما يكره من البخل، (ح/ 2033)، ومسلم، كتاب الفضائل، باب في شجاعة النبي عليه السلام وتقدمه للحرب، (ح/ 2307).

وقال صاحبه (البراء بن عازب): “كنّا إذا احمر البأس نتّقي به، وإنّ الشجاع منّا الذي يحاذي به – يعني: رسول اللّه ﷺ“.

رواه مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب غزوة حنين، (ح/ 1776).

ولمّا جاءه (عكرمة) – عدوّه وابن رأس الكفر (أبي جهل) – يطلب الأمان؛ قال رسول الله ﷺ: “أنت آمن“. فقال (عكرمة): “أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنت عبد الله ورسوله، وأنت أبرُّ الناس، وأصدق الناس، وأوفى الناس“. قال عكرمة: “أقول ذلك وإني لمطأطئ رأسي استحياء منه“، ثم قلت: “يا رسول الله، استغفر لي كلَّ عداوة عاديتكها، أو موكب أوضعت فيه أريد فيه إظهار الشرك“. فقال رسول الله ﷺ: “اللَّهُمَّ اغفر لعكرمة كلَّ عداوة عادانيها، أو موكب أوضع فيه يريد أن يصدَّ عن سبيلك“. [رواه الحاكم (ح/ 5011).]

وإن سألت عن جوده، فقد قال فيه تلميذه (ابن عباس) رضي الله عنهما: “كان رسول الله أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، فلرسول اللّه أجود بالخير من الريح المرسلة“.

رواه البخاري، كتاب الصوم، باب أجود ما كان النبي ﷺ يكون في رمضان، (ح/ 1803).

وقال فيه (أنس) رضي الله عنه: “ما سُئل رسول الله ﷺ شيئًا إلا أعطاه، فجاء رجل فأعطاه غنمًا بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا فإنّ محمدًا يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة“.

رواه مسلم، كتاب الفضائل، باب ما سئل رسول اللّه ﷺ شيئًا قط فقال لا وكثرة عطائه (ح/ 2312).

وإذا سألت عن معاملته خادمه، فاعلم قول خادمه (أنس) رضي الله عنه فيه: “كان رسول الله ﷺ من أحسن الناس خلقًا. فأرسلني يومًا لحاجة، فقلت: والله لا أذهب. وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به نبي الله ﷺ. قال: فخرجت حتى أمر على صبيان وهم يلعبون في السوق، فإذا رسول الله ﷺ قابض بقفاي من ورائي. فنظرت إليه وهو يضحك. فقال: (يا أنيس! اذهب حيث أمرتك!). فقلت: (نعم أنا أذهب يا رسول الله)“. قال أنس: “والله لقد خدمته سبع سنين أو تسع سنين، ما علمت قال لشيء تركت هلاّ فعلت كذا وكذا“.

مسلم، كتاب الفضائل، باب كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقًا، (ح/ 2310).

وإن سألت عن لينه وإنكاره ذاته، فاعلم أنّ زوجه (عائشة) رضي الله عنها قالت: “ما خُيّر رسول اللّٰه بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه. وما انتقم رسول الله لنفسه قط إلا أن تنتهك حرمة الله“.

رواه البخاري، كتاب المناقب، باب صفة النبي ﷺ، (ح/3367)، ومسلم، كتاب الفضائل، باب مباعدة النبي للآثام واختياره من المباح أسهله وانتقامه لله عند انتهاك حرماته، (ح/2327).

وإن سألت عن صلاته بالليل، فاعلم أنّ زوجه (عائشة) رضي الله عنها شهدت أنه “كان يصلّي إحدى عشرة ركعة (أي: في الليل) يسجد السجدة من ذلك قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه، ويركع ركعتين قبل صلاة الفجر، ثم يضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المنادي للصلاة“.

رواه البخاري، كتاب التهجد، باب طول السجود في قيام الليل (ح/ 1070). كتاب صلاة المسافر وقصرها، باب صلاة الليل وعدد ركعات النبي ﷺ في الليل وأن الوتر ركعة وأنّ الركعة صلاة صحيحة (ح/ 1216).

وقال صاحبه (ابن مسعود) رضي الله عنه: “صلّيت مع النبي ﷺ فلم يزل قائمًا حتى هممت بأمر سوء، قيل: ما هممت؟ قال: هممت أن أجلس وأدعه“.

رواه البخاري، كتاب التهجد، باب طول القيام في صلاة الليل (ح/ 1135)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل (ح/ 773).

وعن صاحبه (حذيفة) رضي الله عنه: “صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى. فقلت: يصلي بها ركعة (أي: بالبقرة) فمضى. فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها [وهذه السور تعدل سدس القرآن]، يقرأ مسترسلاً إذا مرّ بآية فيها تسبيح سبّح، وإذا مر بتعوّذ تعوّذ، ثم ركع فجعل يقول: سبحان ربي العظيم. فكان ركوعه نحوًا من قيامه. ثم قال: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد. ثم قام طويلاً قريبًا مما ركع، ثم سجد فقال: سبحان ربي الأعلى. فكان سجوده قريبًا من قيامه“.

رواه مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل (ح/ 772).

وقالت زوجه (عائشة) رضي الله عنها: “كان رسول الله ﷺ إذا فاتته الصلاة (أي: قيام الليل) من وجع أو غيره صلّى من النهار اثنتي عشرة ركعة“.

رواه مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب جامع صلاة الليل (ح/ 140).

وإن سألتَ عن أثر القرآن فيه، فاسمع لصاحبه (ابن مسعود) رضي الله عنه قوله: “قال لي النبي ﷺ: اقرأ عَلَيَّ القرآن. فقلت: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ فقال: إني أحب أن أسمعه من غيري. فقرأت عليه سورة النساء حتى بلغت هذه الآية: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: 41] فقال: حسبك. فالتفتُّ فإذا عيناه تذرفان“.

رواه البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب قول المقرئ للقارئ: حسبك (ح/ 4781)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل استماع القرآن (ح/1332).

وإن سألت عن مبلغ ذكره لله، فاسمع لقول (عائشة) رضي الله عنها: “كان رسول الله ﷺ يذكر اللّه على كل أحيانه“.

رواه مسلم، كتاب الحيض، باب ذكر الله تعالى في حال الجنابة وغيرها (ح/ 373).

وإن سألت عن استغفاره، فأرخِ السمع لقول (ابن عمر) رضي الله عنهما: “كنّا نعدّ لرسول الله ﷺ في المجلس الواحد مائة مرة: رب اغفر لي، وتب عَلَيَّ، إنّك أنت التواب الرحيم“.

رواه الترمذي، كتاب الدعوات، باب ما يقول إذا قام من المجلس (ح/ 3434). صحّحه الألباني.

وإن سألت عن إعظامه لنعمة الله عليه، فاعلم قول صاحبه (المغيرة بن شعبة) فيه لما قيل للنبيّ ﷺ بعد أن تورّمت قدماه من العبادة: “يا رسول الله، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك؟” قال: “أولا أكون عبدًا شكورًا؟!“.

رواه البخاري، كتاب تفسير القرآن، سورة الفتح، باب ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطًا، (ح/ 4557)، ومسلم، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة، (ح/ 2819)، واللفظ لأحمد، (ح/ 18114).

وإن سألت عن حاله مع الطعام، فاعلم قول لصيقه (أبي هريرة) رضي الله عنه: “ما عاب رسول الله طعامًا قط، إن اشتهاه أكله، وإلاّ تركه“.

رواه البخاري، كتاب الأطعمة، باب ما عاب النبيّ ﷺ طعامًا، (ح/ 5093)، ومسلم، كتاب الأشربة، باب لا يعيب الطعام، (ح/ 2064).

وإن سألت عن تواضعه، فاعلم قول خادمه (أنس) رضي الله عنه عن حال الصحابة معه ﷺ: “ما كان شخص أحب إليهم من رسول الله. وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهته لذلك“. رواه الترمذي في الشمائل، (ح/ 335). صححه الألباني.

وقوله: “كانت الأَمَة من إماء أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله فتدور به في حوائجها حتى تفرغ ثم يرجع“. البخاري، كتاب الأدب، باب الكبر (ح/ 6072).

وقوله: “ما رأيت رجلاً التقم أذن رسول الله ﷺ فينحي رأسه حتى يكون الرجل هو الذي ينحي رأسه، وما رأيت رجلاً أخذ بيده فترك يده، حتى يكون الرجل هو الذي يدع يده“.

رواه أبو داود، كتاب الأدب، باب في حسن العشرة (ح/ 4794). حسّنه الألباني.

وإن سألت عن صبره على الجوع، فاعلم قول زوجه (عائشة) رضي الله عنها: “ما شبع رسول الله ثلاثة أيام تباعًا من خبز برّ حتى مضى لسبيله“.

رواه البخاري، كتاب الرقاق، باب: كيف كان عيش النبي ﷺ وأصحابه، وتخليهم من الدنيا (ح/6089)، ومسلم، كتاب الزهد والرقائق، (2970).

وإن سألت عن صبره على شدة العيش، فاعلم أنّه لما طلب منه (أبو هريرة) أن يجعل له بساطًا فوق الحصير الذي آذى جنبه الشريف، قال ﷺ: “مالي وللدنيا. ما أنا والدنيا إلا كراكب استظلّ تحت شجرة ثم راح وتركها“.

رواه الترمذي، كتاب الزهد عن رسول الله ﷺ باب ما جاء في أخذ المال بحقه، (ح/ 2377)، وقال: حديث حسن صحيح.

وإن سألت عن تعاهده من خفي حاله من عامة الناس، فاسمع لشهادة (أبي هريرة) رضي الله عنه أنّ رجلاً أسود – أو امرأة سوداء – كان يقمّ [يكنس] المسجد فمات، ولم يعلم النبي ﷺ بموته، فذكره ذات يوم، فقال: “ما فعل ذلك الإنسان؟” قالوا: “مات يا رسول الله!” قال: “أفلا آذنتموني؟!” فقالوا: “إنه كان كذا وكذا قصته“. قال: فحقروا شأنه. قال: “فدلّوني على قبره!” فأتى قبره، فصلّى عليه.

رواه البخاري، كتاب الجنائز، باب الصلاة على القبر بعد ما يدفن (ح/1272).

وإن سألت عن معونته أهله، فاعلم أنّ زوجه (عائشة) رضي الله عنها قالت: “كان يكون في مهنة أهله – تعني: خدمة أهله – فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة“.

رواه البخاري، كتاب الأدب، باب كيف يكون الرجل في أهله، (ح/ 5692).

وإن سألت عن وفائه لزوجه، فاسمع لقول (عائشة) رضي الله عنها عن زوجه الأولى (خديجة) رضي الله عنها: “كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مُكْثِرُ ذِكْرَهَا، وَرُبَّمَا ذَبَحَ الشَّاةَ ثُمَّ يُقَطّعُهَا أَعْضَاءً، ثُمَّ يَبْعَثُهَا فِي صَدَائِقِ خَدِيجَةَ فَرُبَّمَا قُلْتُ لَهُ: كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الدُّنْيَا امْرَأَةٌ إِلَّا خَدِيجَةُ، فَيَقُولُ: (إِنَّهَا كَانَتْ وَكَانَتْ وَكَانَ لِي مِنْهَا وَلَدٌ)“.

رواه البخاري، كتاب المناقب، باب تزويج النبي ﷺ (ح/ 3558).

وإن سألت عن رحمته كبار السنّ وتوقيره لهم، فاعلم أنّه لما فُتحت مكة جاء (أبو بكر) رضي الله عنه بأبيه يحمله حتى بايع رسول اللّٰه ﷺ فقال رسول اللّه ﷺ: “ألا كنتَ تركتَ الشيخ في منزله حتى نكون نحن الذي نأتيه؟“.

رواه أحمد (27001)، وابن حبان (7208)، والحاكم (4363)، وقال: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وقال (شعيب الأرناؤوط): إسناده حسن.

وإن سألت عن رحمته بالأطفال، والأمهات، فاشهد قوله ﷺ: “إني لأدخل الصلاة وأنا أريد أن أطيلها، فأسمع بكاء الصبي فأتجوّز في صلاتي مما أعلم من وجد أمه من بكائه“.

رواه البخاري، كتاب الأذان، باب من أخف الصلاة عند بكاء الصبي (ح/ 709)، ومسلم، كتاب الصلاة، باب أمر الأئمة تخفيف الصلاة في تمام (ح/ 192).

وإن سألت عن رحمته بالحيوان، فاعلم أنّ صاحبه (عبد الله بن مسعود) رضي الله عنه قال: “كنّا مع رسول الله في سفر فرأينا حمرة (طائر مثل العصفور) معها فرخان لها، فأخذناهما، فجاءت الحمرة تعرش (ترفرف) فلما جاء الرسول ﷺ قال: من فجع هذه بولدها؟ ردّوا ولدها إليها!“.

رواه أبو داود، كتاب الأدب، باب في قتل الذر (ح/5268).

وإن سألت عن جميع أمره، فاعلم أنّ زوجه (عائشة) رضي الله عنها قالت: “خُلُقُ نَبِيِّ اللهِ ﷺ كَانَ القُرآنَ“.

رواه مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب جامع صلاة الليل ومن نام عنه أو مرض (ح/746).

2- الصدق.. برهان النبوّة

قلبُ النبوّة هو بلاغ عبدٍ مصطفى من الله لرسالة ربّانية إلى الناس لهدايتهم دروب العقائد والشرائع والأخلاق. ولما كان البلاغ هو أصل فعل النبيّ، كان الصدق أعظم مطلوب في الأنبياء.

والناظر في نبوّة محمّد ﷺ ملزم ألا يخرج عن واحد من خيارين، إمّا القول بصدق محمّد ﷺ، … أو أن يرميه بأعظم أوجه الكذب والافتراء،

فمدّعي النبوّة إمّا أن يكون – كما قيل – أصدق الصادقين، أو أكذب الكاذبين.

نفي الصدق عن (محمد) ﷺ يلزم منه أن يكون هذا الرجل أعظم مفتر ومخادع سعى على الأرض؛

شهادة التاريخ لصدق نبي الإسلام ﷺ.

يقول المستشرق الفرنسي (بول كازانوفا) في كتابه “محمد ونهاية العالم” الذي طعن فيه في ربّانيّة القرآن وحفظ الصحابة له: “يهمني أن أعلن في البدء أنّني أرفض ابتداءً كلّ نظرية تذهب إلى الشكّ في صدق محمد… إنّه من المخالف لكلّ روح علميّة الزعم – دون حجّة – أنّ هناك دجلاً وحسابات [مصلحيّة]. إنّ كل تاريخ النبيّ العربيّ يُثبت أنّ شخصيّته إيجابيّة، وجادة، ومخلصة“.

بول كازانوفا (Paul Casanova): مستشرق فرنسي. أستاذ للغة والآداب العربيتين في فرنسا. من مؤلفاته: La Doctrine secr te des Fatimides d’egypte.

Paul Casanova, Mohammed et la Fin du Monde: etude critique sur l’Islam primitif (Paris: Geuthner, 1911), p.5.

في بيئة تعظّم الرجولة وتزدري الخيانة وتستقلّ صاحبها.

﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: 33]، فهم لم يشهدوا عليه بكذب، وإنّما أنكروا – عنادًا – نبوّته.

صعد على الصفا فجعل ينادي: “يا بني فهر! يا بني عدي!” لبطون قريش حتى اجتمعوا. فقال: “أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقيَّ؟” قالوا: “نعم ما جرّبنا عليك إلا صدقًا“. قال: “فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد“. قال أبو لهب: “تبَّا لك يا محمد ألهذا جمعتنا!” فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾.

رواه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد (ح/ 4523).

وقد كان لا يفارق الصدق حتّى في مزاحه، حتّى قال له (أبو هريرة) رضي الله عنه: “يا رسول الله! إنّك تداعبنا، قال: إني لا أقول إلاّ حقًّا“.

رواه الترمذي، كتاب البرّ والصلة عن رسول الله ﷺ باب ما جاء في المزاح. قال (الترمذي): هذا حديث حسن صحيح.

ويذكر (أنس بن مالك) رضي الله عنه “أنّ رجلاً أتى النبي ﷺ فاستحمله، فقال له ﷺ: (إنا حاملك على ولد ناقة). قال: يا رسول الله، ما أصنع بولد ناقة؟ فقال رسول الله ﷺ: (وهل تلد الإبل إلا النوق؟)“.

رواه أبو داود، كتاب الأدب، باب ما جاء في المزاح (ح/4998)، والترمذي، كتاب البر والصلة عن رسول الله ﷺ باب ما جاء في المزاح (ح/ 1991). قال (الترمذي): حديث حسن صحيح غريب.

لقد أحسن المستشرق النصراني (مونتجومري وات) إذ كشف أنّ الانحياز لقول المكذّبين، باب للحيرة وليس فاتحة جواب شافٍ، فقد قال عن نبي الإسلام ﷺ: “إنّ استعداده للتعرّض للاضطهاد بسبب عقيدته، ووجود شخصيات تقيّة آمنت به واتّخذته قائدًا، وعظيم إنجازاته النهائيّة.. كلّ ذلك حجّة لحقيقة صدقه. إنّ افتراض أنّ محمّدًا كان دجالاً يطرح إشكالات أكبر من الأسئلة التي يجيب عنها“.

Montgomery Watt, Mohammad at Mecca (Oxford: Clarendon Press), p. 52.

المستشرق المُنَصَّر المخاصم للإسلام (ويليام موير) حجّة لبراءة ذمّة نبيّ الإسلام ﷺ من تقصّد الخديعة، قائلاً: “إنّ من أعظم معزّزات صدق محمد أنّ أوائل المعتنقين للإسلام كانوا أقرب أصدقائه إليه، وأهل بيته، وهم الذين لهم صلة وثيقة بحياته الخاصة فلا يخفى عليهم ملاحظة تناقض الحال الذي لا يخلو منه – بصورة كبُرت أو صغرت – المخادع المنافق عندما يكون في ملأ ويكون في بيته“.

ويليام موير (William Muir 1819 – 1905م): مستشرق ومنصّر اسكتلندي، أسس جامعة (الله آباد) في الهند. وعمل مديرًا لجامعة إدنبره. من مؤلفاته: The Beacon of Truth, or, Testimony of the Coran to the Truth of the Christian Religion.

William Muir, The Life of Mahomet: From Original Sources (London: Smith, 1877), p.60.

كان هرقل رجلاً ذكيًّا، فطنًا، عركته الأيّام، وخبر حال الرجال، ولذلك سأل (أبا سفيان) أيام كفره، لمّا كانت العداوة بينه وبين (محمّد) ﷺ على أشدّها، إن كان يتّهمه بالكذب، فلمّا أجاب (أبو سفيان) بالنفي، قال هرقل: “سألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال، فزعمت أن لا، فعرفت أنّه لم يكن ليدعَ الكذب على الناسٍ ويكذبَ على اللّٰه تعالى“.

رواه البخاري، كتاب تفسير القرآن، سورة آل عمران، باب: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ (ح/ 4278)، ومسلم، كتاب الجهاد والسير، باب كتاب النبي ﷺ إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام (ح/ 1773).

3- هل لنبي الإسلام غرض دنيوي؟

ولّ وجهك – فعلاً – إلى المدينة المنورة، إلى المسجد النبوي، واسأل هناك عن الحجرة النبوية التي كان يسكنها النبيّ ﷺ مع زوجه (عائشة) رضي الله عنها،

أخبر لصيقُه وصاحبُه (عمر بن الخطاب) رضي الله عنه فقال: “لقد رأيت رسول الله ﷺ يظل اليوم يلتوي ما يجد من الدَقَل (التمر الرديء) ما يملأ به بطنه“.

رواه مسلم، كتاب الزهد والرقائق (ح/ 2977).

وقد شهدت (عائشة) رضي الله عنها أنَّه “ما شبع آل محمد ﷺ منذ قدم المدينة من طعام ثلاث ليال تباعًا حتى قبض“.

رواه البخاري، كتاب الرقاق (ح/ 6089)، ومسلم، كتاب الزهد والرقائق (ح/ 2970).

غادر الدنيا، وما في البيت – كما تقول (عائشة) رضي الله عنها -: “شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رفّ لي“.

رواه البخاري، كتاب الرقاق، باب فضل الفقر، (6086)، ومسلم، كتاب الزهد والرقائق، (5281).

فهذا (عمر) رضي الله عنه يخبر بما شهده: “دخلت على رسول الله ﷺ وهو على حصير. قال: “فجلست فإذا عليه إزاره وليس عليه غيره، وإذا الحصير قد أثّر في جنبه، وإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع، وقرظ في ناحية الغرفة، وإذا إهاب معلق، فابتدرت عيناي فقال: (ما يبكيك يا ابن الخطاب؟) فقال (عمر): (يا نبي الله، وما لي لا أبكي وهذا الحصير قد أثّر في جنبك، وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى، وذاك كسرى وقيصر في الثمار والأنهار، وأنت نبي الله وصفوته وهذه خزانتك!) قال: (يا ابن الخطاب، أما ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا؟!)“.

رواه بهذا اللفظ ابن ماجه، كتاب الزهد، باب ضجاع آل محمد ﷺ، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.

فقد مات ﷺ ودرعه مرهونة عند رجل من أقليّة عاشت في دولته (يهودي)،

قالت أم المؤمنين (عائشة) رضي الله عنها: “توفي رسول الله ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعًا من شعير“. رواه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب ما قيل في درع النبي ﷺ والقميص في الحرب (ح/ 2759).

وقال موصيًا قبل موته: “نحن معاشر الأنبياء لا نورّث، ما تركناه صدقة“. فلم ترثه بنته، ولا أزواجه… أترى الدجّال الذي يفتري على الله الكذب ليجمع الدنيا يرضى لنفسه وأهله بهذا؟

رواه البخاري، كتاب الفرائض، باب قول النبي ﷺ: “لا نورث ما تركنا صدقة” (ح/ 6346)، ومسلم، كتاب الجهاد والسير، باب قول النبي ﷺ: “لا نورث ما تركنا فهو صدقة” (1758).

﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف: 110]

﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: 7].

تقول “الموسوعة الكاثوليكية”: “تمّ الادّعاء أنّ الإثراء الماليّ هو مصدر إلهام الثورة الدينية لمحمّد. تلك الدعوى لا توافق الحقائق المعلومة.

(New Catholic Encyclopedia, Vol. IX, p. 1001).

4- دعاء نبي الإسلام.. ودخيلة القلب

إنّ أعظم دلائل نبوّته في سيرته – عندي – هي دعاؤه، فإنّ دعاءه ليس دعاء دجّال مفتر، ولا كذّاب أشر، وإنّما فيض من العلم الإلهي، ومرآة صدق، وبرهان نبوّة،

وإنّي أدعوك – بصدق وحماسة – أن تراقب هذا الرجل الذي عاش في القرن السابع الميلادي، ونشأ بين قوم يعبدون الأصنام، وينوطون أمرهم بالأوهام والخرافات، ويسرفون في حبّ الذات والتعلّق بالأمجاد، كيف انخلع عن جاهليّة البيئة،

فهو ﷺ إذا استيقظ يقول: “أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ الْمُلْكُ للهِ وَالْحَمْدُ للهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. رَبّ إنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ مَا فِي هَذِا اليَوم وَخَيْرَ مَا بَعْدَهُ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ هَذِا اليَوم وَشَرِّ مَا بَعْدَهُ. رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ وَسُوءِ الْكِبَرِ. رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ وَعَذَابٍ فِي الْقَبْرِ“.

رواه مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل (ح/ 2723).

وإذا سجد يقول: “اللَّهُمَّ لك سجدت وَبَك آمنت ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين“.

رواه البخاري، كتاب الدعوات، باب قول النبي وَجر: ((اللَهُمَّ اغفر لي ما قدّمت وما أخرت)) (ح/6035)، ومسلم، کتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل (ح/4896).

وإذا قام من مجلس مع أصحابه يقول: “اللَّهُمَّ اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلّغنا به جنّتك، ومن اليقين ما تهوّن به علينا مصائب الدنيا، اللَّهُمَّ متّعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوّتنا ما أحبيتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكثر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا“.

رواه الترمذي، كتاب الدعوات، باب ما جاء في عقد التسبيح باليد (ح/ 3502).

وإذا أجمل في الطلب يقول: “اللَّهُمَّ أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحةً لي من كل شر“.

رواه مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل (ح/ 2720).

ولكن ماذا عن ما أنكر من أخلاق نبي الإسلام؟

الاعتراضات محدودة جدًّا، ولا تخرج عن الأوجه التالية من المغالطات:

الاستدلال بروايات لا تصحّ:

استغلوا جهل عامة الناس بعلوم الرواية لإيهامهم أنّ ورود الخبر في كتاب أو أكثر من كتب السيرة أو الحديث حجّة لصحّته!

تحريف اللغة:

التدليس في عرض الخبر التاريخي:

وقد أدرك المستشرق (بودلي) القيمة الحاسمة للحكم في خيانة بني قريظة، فقال: “ويجب ألاّ يغيب عن البال كيف كان من الضروري بالنسبة إليه (الرسول) ألاّ يدع أيّ شكّ يخامر الناس في سلطانه هذا … فلو أنّه أظهر ضعفًا، أو سمح بوقوع خيانات دون أن يقع الجزاء، لما عاش الإسلام أبدًا“.

ر. ف. بودلي (R. V. Bodley 1892 – 1970م): ضابط في الجيش البريطاني ومستشرق.

Charles George Gordon, The Journals of Major-Gen. C.G. Gordon (London: Kegan Paul, Trench, 1885), p. 248.

الإنكار على ما لم ينكره المعاصرون لنبيّ الإسلام ﷺ:

كتب (مونتجومري وات): “بالنظر إلى الأمر من زاوية عصر محمّد، لا يمكن قبول الاتهامات بالغش والشهوانية. لم يرَ معاصروه البتّة فيه سوأة أخلاقيّة. بل على العكس من ذلك، فإنّ بعض الأفعال التي انتقدها الغربيون المعاصرون تظهر أن المعايير الأخلاقيّة لمحمد كانت أعلى من تلك التي كانت في عصره“.

W. Montgomery Watt, Muhammad: Prophet and Statesman (Oxford University Press, 1961), p.229.

الإنكار على ما ليس حقّه الإنكار:

ويردّ الدكتور (نظمي لوقا)(4) – النصراني – على شبهة شهوانية نبي الإسلام ﷺ بقوله: “هؤلاء زوجاته اللواتي بنى بهن، وجمع بينهن، لم تكن واحدة منهن هدف اشتهاء كما يزعمون، وما من واحدة منهن إلا كان زواجه بها أدخل في باب الرحمة وإقالة العثار والمواساة الكريمة، أو لكسب مودة القبائل وتأليف قلوبها بالمصاهرة، وهي – بعد – حديثة عهد بالدين الجديد، هي ضريبة واجبة إذن أو ضريبة مكانة وزعامة.. وما كان من الهين على رسول قائد جيش وحاكم دولة محاربة أن يزيد أعباءه بما يكون في بيت كثير النساء من خلافات على صغائر الأمور… ولكنه الواجب: واجب الدعوة أو واجب النخوة“.

نظمي لوقا (1920 – 1987م): كاتب مصري. عمل أستاذًا للفلسفة في كليّة الآداب، جامعة عين شمس. له مؤلفات روائية وشعرية مطبوعة.

نظمي لوقا، محمد في حياته الخاصة (القاهرة: مكتبة غريب، 1977م)، ص111 – 110.

وأصدق ممّا سبق قول المستشرقة (لورا فيشيا فاغليري): “لقد أصرّ أعداء الإسلام على تصوير محمد شخصًا شهوانيًّا.. محاولين أن يجدوا في زواجه المتعدّد شخصية ضعيفة غير متناغمة مع رسالته. إنهم يرفضون أن يأخذوا بعين الاعتبار هذه الحقيقة؛ وهي أنه طوال سني الشباب التي تكون فيها الغريزة الجنسية أقوى ما تكون، وعلى الرغم من أنّه عاش في مجتمع.. كان تعدّد الزوجات فيه هو القاعدة، وكان الطلاق سهلاً إلى أبعد الحدود، لم يتزوّج إلاّ من امرأة واحدة ليس غير.. ولم يتزوج ثانية إلا بعد أن توفيت خديجة، وإلا بعد أن بلغ الخمسين من عمره. لقد كان لكل زيجة من زيجاته سبب اجتماعي أو سياسي.. وباستثناء عائشة تزوج محمد من نسوة لم يكنَّ عذارى ولا شابات ولا جميلات، فهل كان ذلك شهوانية؟! لقد كان رجلاً لا إلهًا، وقد تكون الرغبة في الولد هي التي دفعته إلى الزواج من جديد… ولكنّه التزم دائمًا سبيل المساواة الكاملة نحوهنّ جميعًا… لقد تصرّف متأسيًا بسُنَّة الأنبياء القدامى، مثل موسى وغيره الذين يبدو ألاّ أحد من الناس يعترض على زواجهم المتعدّد“.

لورا فيشيا فاغليري (Laura Veccia Vaglieri 1893 – 1989م): مستشرقة إيطالية، درّست في جامعة نابولي. لها عدد من الكتب والمقالات حول الإسلام واللغة العربيّة.

لورا فيشيا فاغليري، دفاع عن الإسلام، تعريب: منير البعلبكي (بيروت: دار العلم للملايين، 1981م) ص100 ،99.

فساد ردّ نبوّة محمّد ﷺ دون ردّ نبوّة أنبياء النصارى

قدّم الدكتور (مجيل إيرناندث) بحثًا في قرطبة بإسبانيا عام 1977م في المؤتمر الثاني للحوار الإسلامي المسيحي الذي عقد سنة 1977م بعنوان: “الجذور الاجتماعية والسياسية للصورة المزيفة التي كوَّنتها النصرانية عن النبي محمد“، وكان ما جاء فيه:

لا يوجد صاحب دعوة تعرَض للتجريح والإهانة ظلمًا على مدَى التاريخ مثل محمد، وإنَّ الأفكار حول الإسلام والمسلمين ونبيِّهم محمد استمرَّت تسودُها الخرافات حتى نهاية القرن الثاني عشر الميلادي، ولَم يمنع الاحتكاك المباشر بين الطائفتين من انتشار هذه الخرافات.

لقد سبَق أن أكَّدتُ في مناسبة سابقة الاستحالة – من الوجهة التاريخية والنفسية – لفكرة النبي المزيَّف التي تُنسب لمحمد، ما لَم نرفضْها بالنسبة لإبراهيم وموسى، وأصحاب النبوَّات الأخرى من العبريِّين الذين اعتُبِروا أنبياءَ.

إِنَّه لَم يحدثْ أنْ قال نبيٌّ بصورة بيّنة وقاطعة أنَّ عالَم النبوَّة قد أُغْلِق، وفيما يتعلَّق بالشعب اليهودي، فإنَّ عالَم النبوَّة لا يزال مفتوحًا، ما داموا ينتظرون المسيح المخلِّص.

أمَّا فيما يتعلَّق بالنصرانية، فإنَّه لا يوجد تأكيد قطْعي يدلُّ على انتهاء عالَم النبوة، وأيُّ قارئ لرسائل القدِّيس بولس وآثار الحواريين وسفر الرؤيا، يعلم ذلك جيدًا.

[وردت نصوص في العهد الجديد تتحدّث عن أنبياء عاشوا بعد رفع المسيح: أعمال الرسل 32/15، 1/13، 28-26/11.]

وفيما يتعلَّق بي، فإنّ لديّ يقين أنَّ محمدًا نبيٌّ لدرجة أنّي حاولت في دراسة لي كتبت سنة 1968م أن أشرح أنّ محمّدًا كان نبيًّا حقًّا من وجهة النظر الدينية المسيحيّة“.

(2) ملف الحوار الإسلامي المسيحي بقرطبة – سكرتارية المؤتمر، نقله أحمد عبد الوهاب، اختلافات في تراجم الكتاب المقدس وتطوّرات هامة في المسيحيّة (القاهرة: مكتبة وهبة، 1407هـ 1987م، ص64-63).

وماذا عن مسيح النصارى؟

قال (إليهو بالمر) في مؤلّفه الذي عُدّ في القرن التاسع عشر الكتاب المقدّس لربوبيي أمريكا: قَدّم لنا العهد الجديد حقائق ومواقف تقف بقوّة ضد الطابع الأخلاقي العالي ليسوع. بالإضافة إلى طابع الازدواج العام الملازم لأجوبته للجموع، هو متهم أيضًا بإرسال تلاميذه سرًّا لأخذ جحش ليس له ولا لتلاميذه. مثل هذا الفعل يعتبر في العصور الحديثة سرقة حتى بين النصارى الأتقياء أنفسهم. إنّه متهم ببذر حَبّ الحرب الأسريّة والقوميّة، والإعلان أن ليس بإمكان أحد أن يكون تلميذًا له دون أن يبغض أباه وأمّه… .

إليهو بالمر (1764 – 1806م) (Elihu Palmer): مفكّر أمريكي وناشط سياسي. من روّاد الربوبية في أمريكا. التحق بالتعليم الديني ليصبح قسيسًا، غير أنّه اختار بعد تخرّجه أن يتحوّل إلى المذهب الربوبي. من مؤلفاته: The Temple of Reason .

Elihu Palmer, Principles of Nature (1806), pp.203 – 204.

الفصل الثالث: المعجزات المادية للرسول

{وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} [آل عمران: 86]

بين خيارين.. معجزات موثّقة أم محض إشاعات؟

التواتر، البرهان الأعلى على وقوع المعجزة

الإسلام هو الدين الوحيد القادر على استظهار معجزة يملك جميع الناس رؤيتها رأي العين، وهي معجزة القرآن.

الأحاديث بالنظر إلى سندها على ضربين:

1- أحاديث متواترة، وهي: ما رواه جمع لا يمكن تواطؤهم وتوافقهم على الكذب عن مثلهم، ومستند خبرهم الحس ، فمن أهم شروط المتواتر أن يكون في كلّ طبقة عدد من الرواة كبير يمتنع في العادة أن يجتمعوا على اختلاق كذبة ما.

2- وما دون الأحاديث المتواترة هو حديث الآحاد.

تنبيههم أن يلتزموا طريق الاتّساق مع أنفسهم..

أ – روايات الآحاد إذا جاءت عن ثقات، وسلمت من العلل، تفيد غلبة الظنّ، ولا تفيد أدنى الظنّ، وهي بذلك أولى بالتصديق ممّا يخالفها.

قال (ابن تيمية): الذي عليه الجمهور أنّ العلم يختلف باختلاف حال المخبرين به؛ فربّ عدد قليل أفاد خبرهم العلم بما يوجب صدقهم، وأضعافهم لا يفيد خبرهم العلم، ولهذا كان الصحيح أن خبر الواحد قد يفيد العلم إذا احتفّت به قرائن تفيد العلم .

ابن تيمية، مجموع الفتاوى، 40/18. تحقيق: محمد السعوي، الرياض: دار المنهاج، 1430هـ.

ت- لا يمكن لباحث أن يردّ المتواتر لأنّه إن فعل ذلك فيمتنع عليه عندها أن يصدّق أيّ خبر؛ لأنه لن يبقى له مجال للمعرفة غير ما يراه عيانًا، وهذا لا يطيقه أحد؛ إذ إنّ أكثر من (95٪) من معارفنا مردّها الأخبار..

قد ثبت أنّ في خبر السيرة معجزات متواترة. وإنكار صدق هذه الأخبار لا بدّ أن يتقدّمه إنكار حجيّة المتواتر، وذاك جنون.

والتواتر هو ما رواه جمع غفير عن مثله إلى منتهاه، تحيل العادة تواطؤهم على الكذب، ويكون مستندهم الحس. وهو على نوعين: تواتر لفظي، وهو ما تواتر لفظه عن الرواة، كقول الداعية الحقوقي الأمريكي (مارتن لوثر كنج): لي حلم (I have a dream). وتواتر معنوي، وهو تواتر معنى مشترك؛ ككرم (حاتم الطائي) وشجاعة (عنترة)، فهي أمور لا نشكّ فيها وإن كنّا لا نجزم بصحّة الأحداث الفرديّة لمواقف كرم حاتمية وبطولات عنتريّة مخصوصة.

وقد أثبت البحث في روايات معجزات نبيّ الإسلام ﷺ أنها في مجموعها تصل إلى التواتر المعنوي؛ إذ تمنع العادة أن يتواطأ هذا الجم الغفير من الرواة على الكذب في نقل خوارق نبي الإسلام ﷺ.

التواتر المعنوي لمعجزات نبيّ الإسلام

قال (ابن القيم) في مقام بيان أنه لا سبيل للتسليم بما نقل من معجزات (موسى) و(عيسى) إلا بعد التسليم بمعجزات محمّد ﷺ: وإذا كان هذا شأن معجزات هذين الرسولين مع بُعْدِ العهد وتشتت شمل أمتيهما في الأرض وانقطاع معجزاتهما، فما الظن بنبوة مَنْ معجزاته وآياته تزيد على الألف والعهد بها قريب، وناقلوها أصدق الخلق وأبرّهم، ونقلها ثابت بالتواتر قرنًا بعد قرن .

ابن القيم، إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، تحقيق: محمد حامد الفقي (بيروت: دار المعرفة، د.ت.)، 347/2.

وداخل جنس المعجزة النبويّة، تواتر بعض نوعها، مثل استجابة الدعاء. قال القاضي (عياض): إجابة دعوة النبي ﷺ لجماعة دعا لهم وعليهم متواترة على الجملة، معلومة ضرورة .

القاضي عياض، الشفا بتعريف حقوق المصطفى (بيروت: دار الفكر، 1423هـ 2002م)، ص321.

تواتر معجزات مخصوصة

انشقاق القمر

جاء خبر انشقاق القمر معجزةً للرسول ﷺ في القرآن الكريم، توثيقًا للحادثة ولردّة فعل من شهدها من المشركين: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ (1) وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ (2) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ (3)} [القمر: 1 – 3].

قال صاحب نظم المتناثر من الحديث المتواتر :

قال التاج ابن السبكي في شرحه لمختصر ابن الحاجب الأصلي: الصحيح عندي أن انشقاق القمر متواتر، منصوص عليه في القرآن، مروي في الصحيحين وغيرهما من طرق من حديث شعبة عن سليمان بن مهران، عن إبراهيم، عن أبي معمر، عن ابن مسعود، ثم قال: وله طرق أخرى شتى بحيث لا يُمترى في تواتره. وقال في الشفا بعد ما ذكر أن كثيرًا من الآيات المأثورة عنه ﷺ معلومة بالقطع ما نصه: أمّا انشقاق القمر، فالقرآن نصّ بوقوعه، وأخبر بوجوده، ولا يعدل عن ظاهره إلاّ بدليل، وجاء برفع احتماله صحيح الأخبار من طرق كثيرة..

وفي أمالي الحافظ (ابن حجر): أجمع المفسرون وأهل السير على وقوعه.

قال: ورواه من الصحابة: عليّ، وابن مسعود، وحذيفة، وجبير بن مطعم، وابن عمر، وابن عباس، وأنس.

وقال (القرطبي) في المفهم : رواه العدد الكثير من الصحابة، ونقله عنهم الجم الغفير من التابعين فمن بعدهم. وفي المواهب اللدنية: جاءت أحاديث الانشقاق في روايات صحيحة عن جماعة من الصحابة، منهم: أنس، وابن مسعود، وابن عباس، وعليّ، وحذيفة، وجبير بن مطعم، وابن عمر، وغيرهم.

وقال (ابن عبد البر): روى حديث انشقاق القمر جماعة كثيرة من الصحابة، وروى ذلك عنهم أمثالهم من التابعين، ثم نقله عنهم الجم الغفير إلى أن انتهى إلينا، وتأيّد بالآية الكريمة.

وقال (المناوي) في شرحه لألفيّة السير (للعراقي): تواترت بانشقاق القمر الأحاديث الحسان كما حقّقه التاج السبكي وغيره .

الكتاني، نظم المتناثر من الحديث المتواتر، تحقيق: شرف حجازي (مصر: دار الكتب السلفية)، ص212.

حنين الجذع

روى (جابر) رضي الله عنه: أَنّه كان المسجد مسقوفًا على جذوع من نخل، فكان النبي ﷺ إذا خطب يقوم إلى جذع منها، فلما صُنع له المنبر وكان عليه، فسمعنا لذلك الجذع صوتًا؛ كصوت العشار حتى جاء النبي ﷺ فوضع يده عليها فسكت .

صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام (ح/ 3392).

قال صاحب: نظم المتناثر من الحديث المتواتر :

أورده في الأزهار من حديث: (1) سهل بن سعد (2) وجابر بن عبد الله (3) وابن عمر (4) وأبيّ بن كعب (5) وبريدة (6) وابن عباس (7) وأبي سعيد الخدري (8) وأنس (9) وأم سلمة (10) والمطلب بن أبي وداعة السهمي، عشرة أنفس. قلت: قال عياض في الشفا: أمره مشهور منتشر، والخبر به متواتر؛ أخرجه أهل الصحيح، ورواه من الصحابة بضعة عشر، ثم ذكر منهم العشرة المذكورين.

وقال الحافظ ابن حجر في أماليه : طرقه كثيرة. قال البيهقي: أمره ظاهر؛ نقله الخلف عن السلف، وإيراد الأحاديث فيه؛ كالتكلّف؛ يعني: لشدة شهرته…

وقال في فتح الباري : حديث حنين الجذع وانشقاق القمر نقل كل منهما نقلاً مستفيضًا يفيد القطع عند من يطلع على طرق الحديث دون غيرهم ممن لا ممارسة له في ذلك، والله أعلم. اهـ.

وفي شرح ألفية السير للعراقي للشيخ عبد الرؤوف المناوي، ورد حنين الجذع من طرق كثيرة صحيحة يفيد مجموعها التواتر المعنوي. ثم ذكر أنه ورد عن جمع من الصحابة نحو العشرين .

ابن حجر، فتح الباري 592/6.

اعتراض: ألم ينف القرآن عن نبي الإسلام المعجزات؟

أولاً: الجواب القرآني لم ينفِ المعجزات بإطلاق وإنّما هو متعلّق بواحد من ثلاثة أمور:

رفض الاستجابة لطلب معجزات مخصوصة، لا فعل جنس المعجزات.

طلب خوارق من باب الملاججة وليس استجداءً للحق،

ويظهر عنادهم في قوله تعالى فيهم: {وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (14) وَقَالُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ (15)} [الصافات: 14 – 15]، وهي آية تثبت المعجزة (الآية = المعجزة)، وتكشف عناد المخالفين الساخرين.

وقد صحّ عن (ابن عباس) رضي الله عنه قوله: قالت قريش للنبي ﷺ: ادع الله ربك أن يجعل لنا الصفا ذهبًا، ونؤمن بك! قال: أو تفعلون؟ قالوا: نعم! فدعا اللّٰه فأتاه جبريل، فقال: إنّ ربّك يقرأ عليك السلام، ويقول: إن شئت أصبح لهم الصفا ذهبًا، فمن كفر منهم عذبته عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين، وإن شئت فتحت لهم أبواب التوبة والرحمة؟ قال: يا ربّ باب التوبة والرحمة .

رواه أحمد (258/1)، والحاكم (ح/ 3278)، وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرّجاه.

قال (الشوكاني) في قوله تعالى: {وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً} [الإسراء: 59]: والمعنى: وما مَنَعَنَا من إرسال الآيات التي سألوها إلاَّ تكذيب الأولين، فإن أرسلناها وكذّب بها هؤلاء عوجلوا ولم يُمْهَلوا كما هو سُنَّة الله سبحانه في عباده… والحاصل: أن المانع من إرسال الآيات التي اقترحوها هو أن الاقتراح مع التكذيب موجب للهلاك الكُلِّي وهو الاستئصال، وقد عزمنا على أن نُؤَخِّر أمر مَن بُعِثَ إليهم محمد ﷺ إلى يوم القيامة .

الشوكاني، فتح القدير 243/3.

ثانيًا: القرآن نفسه يثبت معجزات ماديّة للرسول ﷺ. قال تعالى: {وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ ۘ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ۗ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِندَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ} [الأنعام: 124]، فقد جاءتهم الآية الدالة على النبوّة، لكنّهم طلبوا معجزات مخصوصة من نفس عين معجزات الأنبياء السابقين أو أكثر عجبًا.

وليست المعجزات عند النصارى شرطًا للنبوّة؛ فإنّ (يوحنا المعمدان / يحيى) عليه السلام قد شهد له المسيح أنّه أفضل الأنبياء (لوقا 26/7)، ولكن لم تكن له معجزة؛ فقد قال من عرفوه للمسيح: إِنَّ يُوحَنَّا لَمْ يَفْعَلْ آيَةً وَاحِدَةً (يوحنا 41/10).

الفصل الرابع: ماذا ربح العالم ببعثة محمد ﷺ

بين خيارين.. أنوار وبراهين أم ظلمات وأضاليل؟

عملاً بالقول المنسوب إلى المسيح: مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ (متّى 16/7)، أو كما يقول القرآن نفسه: {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ ۖ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا ۚ كَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ} [الأعراف: 58].

وقد صدق الكاتب البريطاني (جون دفنبورت) في قوله في مقدمته لكتابه دفاعًا عن محمّد والقرآن : إذا أخذنا في الاعتبار ما كان عليه العرب قبل ظهور محمّد وما صاروا إليه بعد ذلك، وإذا فكّرنا – بالإضافة إلى ذلك – في الحماسة التي أُوقدت بعقيدته في صدور أكثر من مئة وستين مليون إنسان، وبقيت حيّة.. [ستكون] نسبة ظهوره إلى الصدفة العمياء ارتيابًا في السلطان الكليّ للعناية الإلهيّة .

John Davenport, An Apology for Mohammed and the Koran (London: J. Davy, 1881), p.iv.

وهو ما أقرّ به المستشرق القسيس (مونتجومري وات) بقوله في كتابه الذي أرّخ فيه السيرة النبويّة من القرآن: أنا شخصيًا مقتنع أنَّ محمدًا كان صادقًا في اعتقاده أنّ ما جاء إليه هو الوحي، لا أنه اختلاق واع منه. أنا أعتقد أن محمدًا كان حقًا نبيًا، وأرى أنه يجب علينا نحن المسيحيين أن نقرّ بذلك على أساس المبدأ المسيحي (من ثمارهم تعرفونهم)؛ إذ إنّه عبر تاريخ الإسلام، أخرج هذا الدين رجالاً صالحين وقدّيسين. إذا كان محّمد نبيًّا، فلنا أن نقول وفق العقيدة المسيحيّة التي تقرّر أن الروح القدس قد كلّم الأنبياء، إنّه من الممكن قبول الأصل الإلهي للقرآن .

Montgomery Watt, Muhammad’s Mecca: History in the Quran (Quoted by Mahmut Aydin, Modern Western Christian Theological Understandings of Muslims Since the Second Vatican Council, Washington: The Council for Research in Values and Philosophy, 2002 p.178).

التاريخ متكلمًا

ويشهد التاريخ أنّ البعثة النبويّة قد أدّت عمليًّا إلى الحيلولة دون هيمنة فكر الظلمات على بلاد المسلمين في ما يُعرف بالعصور الوسطى. يقول (نورمان دانيال) في مؤلفه الشهير عن الإسلام وصورته المشوّهة في الغرب: بالنسبة للعرب ليست هناك قرون وسطى، هي فقط عصور مضيئة، تلتها عصور انحطاط نشأت بسبب سلطان الأجانب… وإهانة الاستعمار الغربي الذي كانت حضارته أجنبية عنه تمامًا وغير مرحب بها مهما كانت الأسباب .

Norman Daniel, The Arabs and Mediaeval Europe (Longman Group, London, 1975), p.2.

الأسئلة التالية:

هل تغيّر العالم – إجمالاً – إلى الأفضل مع انتشار الإسلام؟

هل للإسلام أثر إيجابيّ في تطهير العقائد البشريّة من ضلالات الوثنية والشرك؟

هل ساهم الإسلام في تطوير المعرفة العلمية بالعقائد الكتابيّة (اليهودية والنصرانية)؟

هل ارتفع الإسلام بقيم المعرفة في بلاد الإسلام وما جاورها؟

هل ساهم الإسلام في تأسيس أو نشر المعرفة الصحيحة – غير الخرافيّة – بالعالم الطبيعي؟

هل ارتقى الإسلام بقيمة المرأة أم انحطّ بها؟

الهدى والنور

يجيبنا (إسحاق تيلور): إنّ ما وجده محمّد وخلفاؤه في جميع الاتّجاهات، أينما مهدت لهم قوّتهم طريقًا إلى أهلها، لا يعدو أن يكون خرافة مدقعة، ووثنيّة فاحشة ووقحة، ومذاهب كنسيّة متعجرفة، وممارسات كنسيّة منحلة وصبيانيّة؛ حتّى إنّ العرب النبهاء قد شعروا أنّهم مكلّفون بإصلاح انحرافات العالم؛ كرسل من الله… لقد خرج ابن الأَمَة من صحرائه ليسخر من ابن الحرّة ويؤدّبه .

إسحاق تايلور (1787م – 1865م) (Isaac Taylor): فيلسوف ومؤرّخ إنجليزي.

ابن الأمَة: ابن (هاجر)، في مقابل ابن الحرة: ابن (سارة)!

Isaac Taylor, Ancient Christianity and the Doctrines of the Oxford Tracts (Philadelphia: Herman Hooker, 1840), 1/364 – 365.

لقد فتح الإسلام لليهود والنصارى مساحات للنظر والأمل أكبر مما أُورِثوه من أسلافهم. وبلغ أثر الإسلام في نصارى الأندلس في القرن الثالث الهجري مبلغًا عجيبًا، حتّى قال (موزاراب ألفارو) (Mozarab Alvaro) القرطبي سنة (240هـ 854م) في كتابه (Indiculus Luminoso):

إنّ الشبان المسيحيين الذين يمتازون بمواهبهم الفائقة لا يعرفون أدبًا أو لغة سوى العربية! ذلك أنَّهم يُقبلون على كتب العرب بنهم وشغف، ويجمعون منها مكتبات كاملة بالأموال الطائلة، ويتغنون في كل مكان بمدح المعارف والعلوم العربية، وعلى العكس من ذلك، ما أن تذكر أمامهم الكتب المسيحية حتى يحتجوا بازدراء بأن مثل هذه الكتب ليست جديرة باهتمامهم، وا أسفاه! لقد نسى المسيحيون لغتهم، ولا يوجد واحد في الألف يستطيع أن يكتب خطابًا لصديقه بلغة لاتينية سليمة، أما عن الكتابة باللغة العربية، فما أكثر من يجيدون التعبير بها عن مكنوناتهم وبأروع أسلوب، بل ويقرضون أشعارًا تبزّ في سلامة قوالبها قصائد العرب أنفسهم .

جورج مقدسي، نشأة الكليات، معاهد العلم عند المسلمين وفي الغرب، تعريب: محمود سيّد محمّد (القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر، 2015)، ص372 – 373.

الرحّالة اليهودي (بنيامين التطيلي) في القرن الثاني عشر الميلادي متحدثًا عن يهود بغداد: يوجد في بغداد حواليّ أربعين ألف يهوديّ، وهم يعيشون في أمان وازدهار، محفوظي الكرامة تحت سلطان الخليفة العظيم، ومن بينهم حكماء كبار . وأثنى بكلمات بليغة على الخليفة العبّاسي، حتى قال عنه: إنّه كان محسنًا للإسرائيليين [أي: من بني إسرائيل]، وكثيرٌ من زواره من الإسرائيليين، وقد كان يقرأ ويكتب باللغة المقدّسة (العبريّة) .

بنيامين التطيلي (1130 – 1173م) (Benjamin of Tudela): رحالة يهودي سافر إلى بلاد كثيرة في إفريقيا وأوروبا وآسيا، على معرفة بلغات كثيرة.

Marcus N. Adler, The Itinerary of Benjamin of Tudela: Critical Text, Translation and Commentary (London: Henry Frowde, 1907), pp.39, 35.

وعبّر (ريموند ب. شيندلن) – أستاذ الأدب العبري في العصور الوسيطة – عن الحال السابق لليهود في ظلّ الحكم الإسلامي بقوله: لم يختلط اليهود بالعالم الإسلامي كمهاجرين أو منفيين. لقد كانوا جزءًا من سكان غرب آسيا وشمال أفريقيا والأندلس… حيث نشأت الثقافة العربية الإسلامية في القرون الوسطى كاندماج للّغة العربية، والدين الإسلامي، والثقافة المحلية. كان اليهود جزءًا جوهريًّا من هذه الثقافة. إنهم يشبهون جيرانهم بأسمائهم ولباسهم ولغتهم وكذلك في معظم السمات الأخرى لثقافتهم، وبطبيعة الحال مع استثناء أمر دينهم، وإحساسهم بتميزهم الخاص، ورؤيتهم للتاريخ، والانتماءات المؤسسية التي تنبع من هذه الاختلافات .

ريموند ب. شيندلن (1940 – ) (Raymond P. Scheindlin): مدير مؤسسة (Shalom Spiegel Institute of Medieval).

Raymond P. Scheindlin, “Merchants and Intellectuals, Rabbis and Poets: Judaco – Arabic Culture in the Golden Age of Islam“, Cultures of the Jews: A New History, ed. David Biale (New York: Schocken, 2002), p.317.

التوحيد وتعظيم اللّٰه

قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25].

الإسلام قد نشر التوحيد في جزيرة العرب ومسح بيد البرهان كثيرًا من الوثنيات في آسيا وإفريقيا، فتخلّص أهلها بذلك من أوهام الأصنام ليعتنقوا عقيدة الإيمان بالإله الأحد المتعالي على المادية وقصورها والترابيّة وظلمتها؛ واتّصلت أنفسهم بالسماء دون وسائط من بشر أو حجر.

وتعتبر فرقة القرّائين اليهوديّة أبرز مظهر للأثر الإسلامي على المفهوم اليهودي للتوحيد.

ظهرت فرقة القرّائين في القرن الثاني الهجري على يد أحد علماء اليهود في العراق، ويدعى (عنان بن داود). وهي ترفض التلمود وبقيّة التراث الشفهي.

وكان تأثير الفقه الإسلامي – أيضًا – بالغًا في فقه القرّائين.

Fred Astren, Karaite Judaism and Historical Understanding (Columbia, S.C.: University of South Carolina Press, 2004), p.60.

ومختصر الكلام في هذه الفرقة أنّها حصيلة تراث يهوديّ تحت سلطان إسلام القرون الوسطى .

Zvi Ankori, Karaites in Byzantium: The Formative Years, 970 – 1100 (New York, 1959), p.3.

في العصر الذي سمّي بالعصر الجاؤونيمي .

العصر الجاؤونيمي Geonic period: نسبة إلى (جاؤونيم) وهم رؤساء المدارس الدينية اليهودية في بلاد الرافدين. ويمتد هذا العصر من سنة 589م إلى سنة 1038م.

وقد كان ظهور كتابات (موسى بن ميمون) – الذي يُعدّ أعظم شخصية علمية يهوديّة في القرون الوسطى، حتّى اشتهر بين اليهود قولهم: من موسى [النبيّ] إلى موسى [بن ميمون] لم يظهر أحد مثل موسى – أثراً في اليهود من الفهم التجسيمي للإله التوراتي – في مخالفة لتجسيمية التوراة نفسها -. وقد اعترف (ابن ميمون) – على خصومة له مع الإسلام شديدة – في رسالة له [تعرف بالإنجليزية بـ Letter to Ovadia the convert .] أنّ التوحيد الإسلامي نقي وعظيم، فلا تشوبه شائبة من وثنيّة؛ إذ قال: وأما فيما يتعلّق بتوحيد الله، فلا خلل عندهم البتة ، رغم صرامة (ابن ميمون) في حكمه على النصارى أنّهم وثنيّون.

موسى بن ميمون (1135 – 1204م) (Maimonides): فيلسوف وطبيب وعالم توراتي. ولد في قرطبة ومات في مصر. من مؤلفاته: مشناه توراة .

Michael Walzer et al., eds., The Jewish Political Tradition: Membership (Yale University Press, 2006), p.500.

كما ظهرت في اليهود طائفة (العيسويين)، وأهلها أتباع عالم اليهود اسمه (أبو عيسى الأصفهاني) عاش زمن (المأمون) في فارس. ومن مقالات هذه الطائفة الإقرار بنبوّة محمد ﷺ والزعم أنّ نبوّته خاصة بالعرب.

الشهرستاني، الملل والنحل (بيروت: دار الكتب العلمية، 1413هـ 1992م)، 2/ 239 – 240.

واليهود يؤمنون أنّ أبناء نوح ناجون، وهم (غير الإسرائيليين) العاملون بالوصايا السبع. وهذه الوصايا وردت في التلمود (Sanhedrin 58b): لا تقتل، ولا تسرق، ولا تعبد آلهة باطلة، ولا تزنِ، ولا تأكل الأطراف المنتزعة من حيوان حي، ولا تلعن الإله، وأقم القضاء لإقامة الحق على المذنبين. ويلزم اليهود بذلك أن يقرّوا أنّ المسلمين بهذا الاعتبار ناجون، وهو أمر يسلّم به بعضهم اليوم.

وظهر أثر التوحيد الإسلامي في التاريخ النصراني في الحرب التي شنّها عدد من اللاهوتيين – في البلاد التي فتحها المسلمون – على الأيقونات بعد البعثة النبوية.

ففي سنة 726م بدأ إمبراطور القسطنطينية (ليو الثالث) (Leo III) في تدمير الأيقونات التي تقع في المناطق التي تحت سلطانه. وعلّق (توماس هودكن) على ذلك العمل الثوريّ بقوله: الاتّصال بالمحمّديين [المسلمين] هو الذي فتح عيون ليو والرجال المحيطين بعرشه من رجال دين وعامة ليروا الانحطاط والدجل الوثني الذي تسلّل إلى الكنيسة وران على حياة دين يقرر في أصله أطهر وأعظم الأمور الروحيّة، ليصبح واحدًا من أعظم الأديان الخرافية والمادية رأتها عينٌ من قبل .

Thomas Hodgkin, Italy and Her Invaders (New York: Russell & Russell, 1967).

كما قال (رولاند بينتون) في كتابه مواقف من تاريخ الكنيسة : لقد أثّر تقدّمُ الإسلام على المسيحيةِ، فقد بدأ بعض المسيحيين ينكرون التماثيل والصور الموجودة في الكنائس بعد أن سمعوا تعاليم الإسلام .

رولاند بينتون، مواقف من تاريخ الكنيسة، ترجمة: القس عبد النور ميخائيل (دار الثقافة المسيحية)، ص56.

ومن المهم أن نعلم في ختام الأمر أنّ العلم بالتوحيد الإسلامي في القرن السابع في قائظ صحراء الجزيرة النائية عن سجالات اللاهوت أمرٌ فوق التفسير التاريخي حتّى قال المستشرق (هنري دو كاستري): الظهور المفاجئ والقويّ لهذا الاعتقاد هو الحدث الأعظم في حياة النبيّ، وهو أعظم ضمانة لصدقه .

من مؤلفاته: Les Moralistes populaires de l’Islam :التاريخية المغربية.

الترجمة الحرفية للأصل الفرنسي انفجار هذا الإيمان (L’explosion de cette foi).

Henry de Castries, L’Islam: impressions et tudes (Paris: Armand Colin, 1907, 4e dition), p.37.

النقد الكتابي

ومن دلائل عظمة النص القرآني وأثره في النقد الكتابي اللاهوتي والتاريخي، أثره في النصارى أنفسهم في حوارهم مع اليهود حتّى قال المؤرّخ اليهودي الألماني (يتسحاق باير) – المتخصص في تاريخ يهود إسبانيا في العصور الوسطى -: اعتمدَ كلُّ من اللاهوتيين والمجادلين النصارى بصورة واسعة – كما يبدو – على كتابات العالم المحمّدي [المسلم] ابن حزم التي ألّفت في القرن الحادي عشر للردّ على اليهود .

يتسحاق باير (1888 – 1980م) (Yitzhak Baer): مؤرخ يهودي ألماني درّس التاريخ الوسيط في الجامعة العبرية. من مؤلفاته: History of Jews in Christian Spain .

Yitzhak Baer, History of the Jews in Christian Spain (Philadelphia: Jewish Publication Society of America, 1967), 1/281.

أهمية المعرفة الدنيوية

صرّح كثير من الباحثين غير المسلمين أنّ معجزة الإسلام الكبرى هي إخراج أمّة العلم من رحم الأمّيّة الصحراويّة؛ إذ لم يكن العرب قبل الإسلام شيئًا،

قال تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزُّمَر: 9]، وقال سبحانه: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [المجادلة: 11]، وقال جلّ شأنه: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا ۚ وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (27) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَٰلِكَ ۗ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} [فاطر: 27 – 28]. وقد وصف أهل العلم بالخشية بعد ذكر بعض مظاهر الطبيعة، بما يدلّ أنّ هذا المدح منصرف أساسًا لمن يعملون في علوم الدنيا لا علوم الشريعة.

وانتشرت المكتبات العامة بصورة لم تعرفها أمّة من قبل حتى أُلحقت المكتبات العامة بالمدارس والمستشفيات.

المنهج التجريبي

يقول (روبير بريفو) في كتابه بناء الإنسانية : لقد تعلّم روجر بيكون من خلفاء [مسلمي إسبانيا] في جامعة أوكسفورد اللغة والعلوم العربيّة. لم يكن لروجر بيكون ولا سميّه المتأخّر عنه (يقصد فرنسيس بيكون Francis Bacon توفي 1626م) أيّ حقّ في أن يُنسب إليهما الفضل في ابتكار المنهج التجريبي. لم يكن روجر بيكون أكثر من رسول من رُسل علم المسلمين ومنهجهم إلى أوروبا المسيحيّة ، مقرّرًا أنّه لا يوجد جانب واحد من جوانب الترقّي الأوروبي لا يمكن الكشف عن الأصل الحاسم للثقافة الإسلامية فيه ، ومؤكدًا أن العلم الطبيعي والروح العلمية هما أبرز أوجه تأثير الإسلام في أوروبا المعاصرة.

روبرت بريفو (1874 – 1948م) (Robert Briffault): عالم أنثروبولوجيا فرنسي وجرّاح. من مؤلفاته: The Making of Humanity و Breakdown: The Collapse of Traditional Civilization .

Robert Briffault, Making of Humanity (London: George Allen, 1919), p.200.

المصدر السابق، ص190.

ويقول عالم الدراسات الكتابيّة، والفلسفة، واللغات السامية – المخاصم للإسلام – (هرتفيغ هرشفلد): يجب ألا نتفاجأ أنّ القرآن هو المنبع الأساسي لكلّ العلوم. أحيانًا يتمّ التعرّض لكلّ المواضيع المتعلّقة بالسماء أو الأرض، والحياة الإنسانيّة، والتجارة، وكثير من أنواع المعاملات، وهو ما أدّى إلى ظهور عدد كبير من الدراسات التي شكّلت تفسيرًا لأجزاء من الكتاب المقدّس [= القرآن]. كان القرآن لذلك سببًا في كثير من الجدل، وله الفضل بصورة غير مباشرة في التطوّر الرائع لكلّ فروع العلوم في العالم الإسلامي. وهذا أيضًا لم يؤثّر فقط في العرب، وإنّما دفع أيضًا فلاسفة يهود إلى التعاطي مع الأسئلة الميتافيزيقيّة والدينيّة طبق المنهج العربي .

هرتفيغ هرشفلد (1854 – 1934م) (Hartwig Hirschfeld): باحث يهودي بروسيّ متعصّب. اهتم بمحاولة إثبات الأثر اليهودي على صياغة الإسلام. نشر العديد من النصوص اليهودية القديمة.

Hartwig Hirschfeld, New Researches into the Composition and Exegesis of the Qoran (London: Royal Asiatic Society, 1902), p.9.

ومن آخر الاعترافات قول (فكتور ستنجر) – أحد رؤوس الإلحاد الجديد في القرن الواحد والعشرين -: لمّا كانت أوروبا في الظلام، كان الإسلام يمرّ بعصره الذهبيّ المميّز، محافظًا على الكثير من علوم اليونان والرومان، مع جانب كبير من علومه الخاصة .

John W. Loftus, ed. Christianity in the Light of Science: Critically Examining the World’s Largest Religion, Prometheus Books. Kindle Edition.

لقد نبع الاهتمام الإسلامي بالنظر التجريبي من صريح آيات القرآن الداعية إلى النظر في الكون، واعتباره قبلة الجهد البشري لمعرفة بديع صنعة الله وتحقيق التمكين في الأرض والرفاه المادي، ومن ذلك قوله تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ۚ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [العنكبوت: 20]، وقال سبحانه: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164].

ويعبّر نبيّ الإسلام ﷺ عن المعنى الجديد للمظهر الطبيعي الكوني في قصّة جليلة ترويها زوجه (عائشة)، فقد قام في مرة يصلّي بالليل والناس نيام، فلم يزل يبكي حتى بلّ حجره، ثم بكى، فلم يزل يبكي حتى بلّ الأرض. وجاء بلال يؤذنه بالصلاة فلمّا رآه يبكي قال: يا رسول الله! تبكي وقد غفر اللّٰه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! قال: أفلا أكون عبدًا شكورًا؟ لقد نزلت علي الليلة آيات ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} الآيات .

رواه ابن حبان، كتاب الرقائق، باب التوبة (ح/ 626). وصححه الألباني.

وقد قال (أبو عبد الله البتاني) – الفلكي المسلم صاحب الكشوف العظيمة، والذي عاش في القرن الثالث الهجري، وقد كرّمته وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) بتسمية إحدى فوهات القمر باسمه -: إنّ من أشرف العلوم منزلة، وأسناها مرتبة، وأحسنها حلية، وأعلقها بالقلوب، وألمعها بالنفوس، وأشدّها تحديدًا للفكر والنظر، وتذكية للفهم، ورياضة للعلم، ما لا يسع الإنسان جهله من شرائع الدين وسننه، علم صناعة النجوم؛ لما في ذلك من جسيم الحظ وعظيم الانتفاع بمعرفة مدّة السنين والشهور والمواقيت وفصول الزمان وزيادة الليل والنهار ونقصانها ومواضع النيّرين وكسوفهما ومسير الكواكب في استقامة وتبدّل أشكالها ومراتب أفلاكها وسائر مناسباتها، إلى ما يدرك بذلك من أنعم النظر وأدام الفكر من إثبات التوحيد ومعرفة كنه عظمة الخالق وسعة حكمته وجليل قدرته ولطيف صنعه، قال عزّ من قائل: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 190] .

محمد بن جابر بن سنان البتاني (858 – 929م): عالم رياضيات، ومن أعظم الفلكيين في تاريخ العلم. أنشأ مرصدًا في أنطاكيا. لقب بـ بطليموس العرب . من مؤلفاته: الزيج .

أبو عبد الله محمد بن جابر الحرّاني، كتاب الزيج، تحقيق: كَرْلو نالينو (روما: 1899م)، ص6.

المُنَصِّرُ وعالم الفيزياء الفلكيّة (هيو روس) بقوله: كان المزاج المعادي للعلم والذي أثاره أفلاطون وشجّعه الروم الكاثوليك والكنائس الأرثوذكسية حادًا جدًّا حتّى إنّه لم يحدث أيّ بحث فلكي في أوروبا إلاّ بعد انقضاء القرون الوسطى. خارج أوروبا، كان المسلمون الأكثر تطوّرًا في علم الفلك .

هيو روس (1945م – ) (Hugh Ross): عالم فيزياء كندي. وأشهر علماء الطبيعة النصارى المهتمين بالدفاع عن النصرانية وأسفارها المقدسة من زاوية علمية. من مؤلفاته: The Fingerprint of God .

Hugh Ross, The Fingerprint of God, Recent Scientific Discoveries Reveal the Unmistakable Identity of the Creator (Kindle Locations 278 – 282). Reasons To Believe. Kindle Edition.

يجيبك المؤرّخ الأمريكي (مارك جراهام) في كتابه: كيف صنع الإسلام العالم الحديث بعبارة جامعة مانعة: إن الغربيين كانوا جالسين عند أقدام المعلّمين المسلمين على مدى خمسمائة سنة… لقد كان المسلمون كلّ الأشياء التي تنكرها الكتب المدرسيّة: فنّانين، شعراء، فلاسفة، علماء رياضيات، كيميائيين، علماء فلك، فيزيائيين .

مارك و. جراهام (Mark W. Graham): أستاذ التاريخ في (Grove City College) و (Stanford University) و (Michigan State University).

Mark Graham, How Islam Created the Modern World (Beltsville, Md.: Amana Publications, 2006), p.39.

حقوق المرأة

لا توجد في الأناجيل نظريّة خاصة بالنساء .

J. Donaldson, Woman; Her Position and Influence in Ancient Greece and Rome, and Among the Early Christians (London: Longmans, Green, 1907), p. 149.

قال أحد المفكّرين الغربيين: إذا كانت هناك كتب في الوجود، يحمل أصحابها نظرة احتقار للمرأة أكثر من كتّاب أسفار الكتاب المقدّس ومؤلفات آباء الكنيسة، فأنا لا أعرفها !..

Philip Rappaport, Looking Forward: A Treatise on the Status of Woman and the Origin and Growth of the Family and the State (Chicago: C.H. Kerr, 1908), p.48.

أمّا فيما يتعلّق بزمن سيطرة قوانين الكنيسة على الدولة في العصور الوسطى، بعد إزاحتها للكثير من القوانين الرومانية؛ فيقول القانوني والمؤرّخ البريطاني (جيمس برايس) مصوّرًا الحال بقوله: أن تتحوّل من القانون المدني الروماني إلى القانون الكنسي للعصور المظلمة والوسطى؛ لهو أشبه بمغادرة بلاد مفتوحة، تقطعها طرق جيّدة، إلى قطعة أرض جبليّة وغابيّة؛ حيث لا توجد وسائل تنقّل غير الطرق الوعرة والمتعرّجة .

جيمس بريس (1838م – 1922م) (James Bryce): بريطاني من أصول إيرلندية. كان أستاذًا للقانون المدني في جامعة أكسفورد. تولّي رئاسة الأكاديميّة البريطانية من 1913 – 1917م.

James Bryce, Studies in History and Jurisprudence, p.416 (Quoted by, S.B. Kitchin, A History of Divorce, Cape Town, London, Juta Chapman & Hall, 1912, p.45).

ولمّا جاء الإسلام تحوّل الحال إلى غيره، حتّى صرّحت موسوعة النساء والأديان العالمية : أنّه قد تمّ الاهتمام بالنساء في القرآن بصورة موسّعة أكثر من كلّ الأسفار المقدّسة للديانات الأخرى ، وعدّدت ما جاء به القرآن من أحكام جديدة منصفة للأنثى، من تحريم وأد البنات، ومنع وراثة الرجل زوجة أبيه عند موته، وإعطاء معنى جديد محترم للمهر، ومنحها حقّي الملكيّة والميراث.

Encyclopedia of Women and World Religion (New York, N.Y: Macmillan Reference USA, 1999), 1/488.

انظر: المصدر السابق 489/1.

(كارن أرمسترونغ) قالت: كان النساء من أوائل المؤمنات بمحمد، كان تحريرهن مشروعًا يملك قلبه. حرّم القرآن بطريقة حازمة قتل المواليد الإناث، ووبّخ العرب على فزعهم عندما كانت تولد أنثى. وأعطى النساء أيضًا حقوقًا قانونيّة في الميراث والطلاق لم يملك جلّ النساء الغربيات شيئًا شبيهًا بها حتى القرن التاسع عشر. شجّع محمد النساء أن يلعبن دورًا إيجابيًّا في شؤون الأمة، وقد عبرن عن آرائهن بصراحة في ثقة أنّه سيُسمع لهن .

كارن أرمسترونغ (1944م – ) (Karen Armstrong): كاتبة بريطانية مشهورة. مؤلفاتها ذائعة في العالم الإنجلوسكسوني. مهتمة بتاريخ الدين ورموزه. من مؤلفاتها: Muhammad: A Biography of the Prophet.

Karen Armstrong, A History of God (New York: Random House Publishing Group, 2011), pp. 157 – 158.

 

وقد صرّح المستشرق (هاملتون جب) (Hamilton Gibb) في كتابه (Mohammedanism) ص22 بنفس هذا التعليق.

قدّم (عمر بن الخطاب) رضي الله عنه شهادة مباشرة – عن معايشةٍ لما قبل الإسلام وما بعده -؛ فقد قال: كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ لا نَعُدُّ النِّسَاءَ شَيْئًا، فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلامُ وَذَكَرَهُنَّ الله، رَأَيْنَا لَهُنَّ بِذَلِكَ عَلَيْنَا حَقًّا .

أخرجه البخاري، كتاب اللباس، باب ما كان النبيّ ﷺ يتجوّز من اللباس والبسط (ح/ 5842).

وماذا عن النصرانية؟

العقل النصراني سبب انتكاسة حضارية بعد عصر اليونان المتوقّد حماسة للكشف والتجديد.

إحياء العقائد الوثنية:

فقد تشرّبت بصورة كبيرة عقائد الوثنيين ونُظُمهم الطقوسية.

كما شهد خصوم النصرانية المبكّرة على غزو الوثنية لهذا الدين الجديد؛ فقال الفيلسوف (أمونيوس ساكوس) – القرن الثالث -: إذا فهمنا جيّدًا المسيحيّة والوثنيّة؛ (فسنعلم) أنّهما لا يختلفان عن بعضهما البعض في النقاط الأساسيّة، وإنّما يشتركان في الأصل الواحد، وهما حقيقة واحدة وشيء واحد (4).

أمونيوس ساكوس (Αμμώνιος Σακκάς) (القرن الثالث): مؤسس الأفلاطونيّة الجديدة.

 

وهو ما كرّره (فاوستس)(5) بقوله: لقد وضعتم “أغابي” مكان قرابين الوثنيين، ومكان أوثانهم وضعتم شهداءكم الذين تعاملونهم بنفس تبجيل الوثنيين لأوثانهم. أنتم تسكّنون ظلال الموتى بالخمر والولائم، أنتم تحتفلون بالأعياد المقدّسة للأمميين، وتقويمهم، والانقلاب الشمسي الموسمي، كما حافظتم على أساليبهم دون تغيير. لا يوجد شيء يميّزكم عن الوثنيين، باستثناء أنّكم تحفظون مجامعكم بعيدًا عنهم .

فاوستس (350 – 400م) (Faustus): أسقف من الجزائر، مانوي المذهب. كان قديس الكنيسة (أوغسطين) قد التقاه – عندما كانٍ هو أيضًا مانويًّا – لسؤاله عن بعض الأمور التي استعصت على فهمه، غير أنّه بعد خروج (أوغسطين) من المانويّة ألّف في الرد عليه كتابه ضد فاوستس (Contra Faustum).

استعمل النصارى في القرون الأولى كلمة أغابي (αγάπη) التي تعني: حب للدلالة على حبّ الإله الآب للخلق حتّى إنه قد أرسل ابنه الوحيد ليموت فداءً عنهم!

Thomas William Doane, Bible Myths and their Parallels in Other Religions (New York: J. W. Bouton, 1884, 3rd edition), p.411.

تأسيس الكهنوت المتأله:

العقلية الخرافية المعادية للعلم:

أدّى التفسير المتكرّر لظاهرة العلل والأوبئة زمن المسيح على أنّها تلبّس شيطاني إلى النفور من النظر العلمي للأدواء،

لقد أدّى هذا التصوّر السلبي للحقيقة العلميّة للأمراض إلى ظهور معارضة شديدة للتطعيم من الجدري في أوروبا وأمريكا، كان من مظاهرها تأليف أحد القساوسة كتابًا بعنوان: موعظة ضد الممارسة الخطرة والآثمة للتطعيم حيث ذكر المؤلّف أنّ النبي (أيوب) عليه السلام قد أصيب على الراجح بالجدري، وأنّ الشيطان هو سبب مرضه ذاك. وكانت الكنيسة تخبر الناس أنّ مرض الجدري عقاب إلهي يَقبح أن يُواجه بالتطعيمات، والحجّة في النص المقدّس الذي يقول: هَلُمَّ نَرْجعُ إِلَى الرَّبِّ؛ لأَنَّهُ هُوَ افْتَرَسَ فَيَشْفِينَا، ضَرَبَ فَيَجْبِرُنَا (هوشع 1/6).

Edmund Massey, Sermon Against the Dangerous and Sinful Practice of Inoculation (Michigan: University of Michigan Library 1730).

انظر في وصف المقاومة الكنسية للتطعيم والتخدير:

Andrew White, A History of the Warfare of Science with Theology in Christendom (New York: Appleton, 1901), 2/55 – 63.

إبادة الحضارات الأخرى: لمّا ألّفت الباحثة هيلن إلرب كتابها المشهور الجانب المظلم للتاريخ المسيحي ، كانت أوّل فقرة فيه عن اعتراف البابا (بولس الثاني) بالتاريخ المظلم للنصرانية، وهو تاريخ الدم والإبادات والتنصير القهري تحت لوامع المقاصل.

وقد رفع قديس الكنيسة أوغسطين شعار أَلْزِمُهُمْ بِالدُّخُولِ (cogite intrare) الذي أخذه من الترجمة اللاتينية لنص إنجيل لوقا 23/14 حجة لإجبار الأمم غير النصرانية أن تتنصّر عنوة(3). وهي القاعدة التي سارت عليها الكنيسة قرونًا مع الفرق آمنة تحت سلطان الكنيسة، وقد كان من صدى ذلك أن قال المستشرق اليهودي (كلود كاهين): صار العالم الإسلامي بمثابة الفردوس بالنسبة لليهود على الصعيد الثقافي والاقتصادي بين القرنين التاسع والحادي عشر .

أوغسطين (354 – 430م) (Augustine): أسقف. أحد أبرز لاهوتيي الكنيسة وفلاسفتها في القرون الأولى. ولا يزال تأثيره قويًّا على الكنائس المختلفة إلى اليوم. من مؤلفاته: مدينة الله .

Augustine, Letter 185.

كلود كاهين (Claude Cahen): مستشرق فرنسي يهودي… الإسلام في القرون الوسطى والحروب الصليبية. درّس في جامعة السربون وغيرها. من مؤلفاته: Orient et Occident au temps des croisades .

كلود كاهين، الشرق والغرب زمن الحروب الصليبية، تعريب: أحمد الشيخ (القاهرة: سينا للنشر، 1995)، ص36.

يقول المستشرق (توماس أرنولد): إنّ التحويل إلى الإسلام عن طريق الإكراه محرّم، طبقًا لتعليم القرآن: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة: 256]، {أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} [يونس: 99- 100]. وإن مجرد وجود كثرة كاثرة من الفرق والجماعات المسيحية في الأقطار التي ظلّت قرونًا في ظلّ الحكم الإسلامي لدليل ثابت على ذلك التسامح الذي نعم به هؤلاء المسيحيون .

توماس أرنولد (1864 – 1930م) (Thomas Arnold): مستشرق بريطاني مهتم بالتاريخ الإسلامي. عمل عميدًا للكليّة الشرقيّة في جامعة البنجاب. درّس العربيّة والدراسات الإسلامية في مدرسة الدراسات الشرقية في جامعة لندن، وكان من محرري موسوعة الإسلام الاستشراقية.

توماس أرنولد، الدعوة إلى الإسلام، تعريب وتعليق: حسن إبراهيم حسن وغيره (القاهرة: مكتبة النهضة، 1971م)، ص 461 – 462.

الباب الثالث: دلالة القرآن على نبوة محمد ﷺ

تمهيد

القرآن هو المعجزة الكبرى لنبي الإسلام ﷺ كما هو تقرير القرآن نفسه: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [العنكبوت: 51].

والقرآن هو الكتاب الذي يزعم المسلمون أنّه حجّة لنبوّة محمّد ﷺ من جهتين:

1- أنّه خارق للعادة؛ بما يدلّ على أصله السماوي.

2- أنّه مجمَع معجزات؛ فمظهر الخارقيّة فيه متعدّد؛ لا يحصره وجه واحد.

والطريق إلى اختبار ذلك هو في جواب السؤالين التاليين:

1- ما هي أوجه الإعجاز القرآني؟

2- ما هي دلائل هذا الإعجاز؟

الفصل الأول: الإعجاز البلاغي

بين خيارين.. براعة شاعر أم إعجاز باهر؟

كانت معجزات كلّ الأنبياء رهينة مشاهدتها عيانًا أو بلوغ خبرها بالأسانيد القويّة الأجيال اللاحقة،

وقد كانت المعجزة الكبرى لنبيّ الإسلام ﷺ القرآن، فقد قال ﷺ: مَا مِنْ نَبِيٍّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ إلَّا قَدْ أُعْطِيَ مِنَ الآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ وَحْيًا أَوْحَى اللّه إِلَيَّ فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ .

رواه البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب كيف نزل الوحي وأول ما نزل (ح/ 4696)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا (ح/ 152).

1- تحدَّى القرآن الإنس والجنّ جميعًا أن يأتوا بمثله.

2- ثبت عجز الناس جميعًا عن الإتيان بمثله.

3- القرآن معجزة.

4- القرآن حجّة على نبوّة محمّد ﷺ.

الإعجاز القرآني.. تحت الاختبار

وجه الإعجاز فيه بلاغته التي لا تُضاهى.

1- القرآن والظاهرة الشعرية

قال تعالى ناقلاً تهمتهم: {وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ} [الصافات: 36]

وقال سبحانه: {بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ} [الأنبياء: 5].

قال تعالى: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ ۚ قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ (41) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ (42) تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ} [الحاقة: 40 – 43].

قال تعالى: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ} [يس: 69].

فعليه أن يصدّق شهادة القرآن أن (محمدا) ﷺ لم يمارس الشعر من قبل، إذ يشهد القرآن لهذا الأمر في بحضر كفّار مكّة الذين يعرفون الشاعر الممارس لهذا الفن ممن لم يقرض الشعر يومًا؛

يقول (الرافعي) في حال نبيّ الإسلام ﷺ وممارسة الشعر:

[مع] كونه أفصح العرب إجماعًا، لم يكن ينشد بيتًا تامًّا على وزنه، إنّما كان ينشد الصدر أو العجز فحسب؛ فإن ألقى البيت كاملاً لم يصحّح وزنه بحال من الأحوال، وأخرجه عن الشعر فلا يَلتئم على لسانه.

أنشد مرّة صدر البيت المشهور لـ(لبيد)، وهو قوله: ألا كلّ شيء ما خلا اللَّه باطل

صححه، ولكنه سكت عن عجزه وكلّ نعيم لا محالة زائل .

وأنشد البيت السائر لـ(طرفة) على هذه الصورة:

ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً

ويأتيك (من لم تزوّد) بالأخبار. وإنّما هو: ويأتيك بالأخبار من لم تزوَّد .

وأنشد بيت العباس بن مرداس فقال:

أتجعل نهبي نهب العبيد … بين الأقرع وعيينة

فقال الناس: بين عيينة والأقرع.

فأعادها عليه الصلاة والسلام: بين الأقرع وعيينة . ولم يستقم له الوزن.

ولم تجر على لسانه ﷺ مما صحّ وزنه إلا ضربان من الرجز المنهوك والمشطور.

أما الأوّل فكقوله في رواية (البَراء): إنه رأى النبي ﷺ على بغلة بيضاء يوم أُحد ويقول:

أنا النبي لا كذب … أنا ابن عبدِ المطلب

والثاني كقوله في رواية (جندب) رضي الله عنه وقد دميت أصبعه فقال:

هل أنت إلا إصبعٌ دميتِ … وفي سبيل اللَّه ما لقيتِ

وإنما اتفق له ذلك؛ لأن الرجز في أصله ليس بشعر إنما هو وزن؛ كأوزان السجع؛ وهو يتفق للصبيان والضعفاء من العرب، يتراجزون به في عملهم وفي لعبهم وفي سوقهم، ومثل هؤلاء لا يقال لهم شعراء، فقد يتّسق لهم الرَجزُ الكثير عفوًا غير مجهود، حتى إذا صاروا إلى الشعر انقطعوا. وإنما جَعل الرجزَ من الشعر تتابع أبياته، وجمعُ النفس عليه، واستعماله في المفاخرات والمماتنات ونحوها، وأنه الأصل في اهتدائهم إلى أوزان الشعر… فأمّا البيت الواحد منه، فليس في العرب جميعًا، ولا في صبيانهم وعبيدهم وإمائهم من يأبه له، أو يعدّه شعرًا أو يأذن لوزنه، أو يحسب أن وراءه أمرًا من الأمر: إنّما هو كلام كالكلام لا غير .

مصطفى صادق الرافعي، إعجاز القرآن والبلاغة النبوية (بيروت: دار الكتاب العربي، 1393هـ 1973م)، ص309 – 307.

تجيبنا المستشرقة (لورا فيشيا فاغليري) بعبارة إنكاريّة جوابا للسؤال السابق، قائلة: كيف من الممكن أن يكون هذا الكتاب الرائع عمل محمّد العربيّ الأميّ الذي لم ينظم طول حياته سوى بيتين أو ثلاثة، وليس منها ما يكشف أدنى درجات الصناعة الشعريّة؟! .

Laura Veccia Vaglieri, An Interpretation of Islam, pp. 40 – 41.

2- القرآن.. ظاهرة إعجازية أم مُجرَّد نادرة أدبية؟

يقول الأديب الأريب (الجاحظ) مصوّرًا حقيقة الحال: … أنت تعرف من أخبار الأمم ما لا نعرف، فلذلك يمكنك ما لا يمكننا، قال: فهاتوها مفتريات.

لقد وقف العرب – إذن – أمام أعظم تحدٍّ يأكل بنهمة من كرامتهم وشرفهم الأدبي..

فهو كتاب يأبى التفسير المادي لأمور:

الأمر الأوّل: القرآن كتاب أظهره للناس رجل أميّ لم يجلس ليتعلّم القراءة أو الكتابة، ولا تلقّى دروسًا في صناعة الأفكار وتحبيرها، وتأصيل الدرس اللاهوتي وترتيبه. وأمّا (شكسبير) فقد دخل المدارس وتعلّم اليونانيّة واللاتينية، وكانت الكتب متوافرة أمامه يأخذ منها ويذر، كما التقى المدرّسين المبرّزين وأخذ عنهم، وتصفّح الكتب الوفيرة واغترف منها.

الأمر الثاني: نبي الإسلام ﷺ لم يتعلّم الشعر، ولم ينظمه، ولم يشتهر به.

الأمر الثالث: لم ينافس نبي الإسلام ﷺ في قومه أو غيرهم من قبلُ في فنون البلاغة. ولم يعرف العرب عبقريّة الشعر تلمع بارقتها في ليلة أو ضحاها.

الأمر الرابع: … القرآن، فنسيج وَحْدَه، لم يعرف العرب من قبلُ نظمه ولا فكرته.

يقول الإمام (حازم القرطاجني) عن القرآن: إنّ الإعجاز فيه من حيث استمرّت الفصاحة والبلاغة فيه من جميع أنحائها في جميعه استمرارًا لا توجد له فترة، ولا يقدر عليه أحد من البشر، وكلام العرب ومن تكلّم بلغتهم لا تستمر الفصاحة والبلاغة في جميع أنحائها في العالي منه إلاّ في الشيء اليسير المعدود، ثم تعرض الفترات الإنسانية فتقطع طيب الكلام ورونقه، فلا تستمر لذلك الفصاحة في جميعه، بل توجد في تفاريق وأجزاء منه، والفترات في الفصاحة تقع للفصيح، إما بسهو يعرض له في الشيء من غير أن يكون جاهلاً به، أو من جهل به، أو من سآمة تعتري فكره، أو من هوى للنفس يغلب عليها فيما يحوش عليها خاطره، من اقتناص المعاني سمينًا كان أو غثًا، فهذه آفات لا يخلو منها الإنسان الفاضل والطبع الكامل .

الزركشي، البرهان في علوم القرآن، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم (القاهرة: دار التراث، 1404هـ 1984م)، ص101.

ولم يتحدّ (شكسبير) أحدًا. وما كانت كتاباته تبدو لأهل عصره في مقام ما لا يُنال بالاجتهاد والمصابرة، وإنّما هي عندهم متقدّمة تقدّم الفاضل على المفضول في معترك الأقران، وللجاد أن يطمع في المباراة والمساماة. وقد قورِن – واقعًا – أدب (شكسبير) بما كتبه (فرنسيس بومونت) و(جون فْلِتْشر) وغيرهما من الأدباء.

فرنسيس بومونت (1584 – 1616م) (Francis Beaumont): كاتب مسرحي إنجليزي شهير. من أهم ما كتب The Knight of the Burning Pestle .

جون فلتشر (1579 – 1625م) (John Fletcher): كاتب مسرحي إنجليزي. ألّف أكثر من خمسين قصّة مسرحية في مختلف…

P. Holland, “Shakespeare, William (1564 – 1616)“, Oxford Dictionary of National Biography, Oxford University Press, 2013.

الأمر السابع: أغلظ نبي الإسلام ﷺ على قومه التحدّي، ومسّ منهم صميم عزّهم وفخرهم، فقد هدّدهم بالنار إن لم يستجيبوا، وسوّاهم بالأحجار إن أعرضوا، ورماهم بالكفر إن عاندوا: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة: 24]

قال القاضي (عياضٍ): فَلَمْ يَزَلْ يُقرّعُهُم ﷺ أَشَدَّ التَّقْرِيعِ وَيُوَبُّخُهُمْ غَايَةَ التَّوْبِيخِ وَيُسَفَّهُ أَحْلاَمَهُمْ وَيَحُطُّ أَعْلَاَمَهُمْ وَيُشَتَّتُ نِظَامَهُمْ وَيَذُمُّ آلِهَتَهُمْ وَإِيَّاهُمْ.. وَهُمْ فِي كُلِّ هَذَا نَاكِصُونَ عَنْ مُعَارَضَتِهِ، مُحْجِمُونَ عَنْ مُمَاثَلَتِهِ، يُخَادِعُونَ أنْفُسَهُمْ بِالتَّشْغِيبِ بِالتَّكْذِيبِ، وَالإِغْرَاءِ بِالافْتِراءِ، وَقَوْلِهِمْ: {قُلُوبُنَا غُلْفٌ} [البقرة: 88]، و{فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ} [فُصَّلَت: 5]، و{وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ} [فُصِّلَت: 5]، و{وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ} [فُصِّلَت: 5]، و{لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} [فُصَّلَت: 26]، والادعاء مع العجز بقولهم: {لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَٰذَا} [الأنفال: 31]، وقد قال لهم الله: {وَلَن تَفْعَلُوا} [البقرة: 24]، فما فعلوا ولا قدروا .

القاضي عياض، الشفاء (بيروت: دار الفكر، 1409هـ 1988م) 261/1.

وأمّا القرآن، فقد وصفه خصوم نبي الإسلام ﷺ وشانئيه أنّه من جنس السحر، والسحر ليس من كسب العقول وإنّما هو – عندهم – فيض من فعل كائنات خارقة، هي الجنّ.

وقد كان الأثر فوق الطبيعي للقرآن داعيَ (أنيس الغفاري) الشاعر إلى الإسلام، حتّى قال لمّا سمع القرآن أوّل مرّة: لقد سمعتُ قول الكهنة، فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر، فما يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر، والله إنّه لصادق وإنّهم لكاذبون .

رواه مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي ذر رضي الله عنه (ح/ 2473).

عامة مواضيع القرآن لاهوتيّة وفلسفيّة (في جواب الأسئلة الوجوديّة) وتشريعيّة وتاريخيّة.. وليس للخيال مرتع فيها..

كثير من الآي المكيّ مرتبط بالصّراع العقدي مع الوثنيّة، وبيان وجوب إفراد الربّ بالعبادة، وكثير من الآي المدنيّ مرتبط بالردّ على اليهود، وتنظيم الشرائع..

لقد تحدّاهم (والجنّ) – وقد كانوا يؤمنون أنّ للشعر شيطانًا جنيًّا سمّوه عبقرة – أن يأتوا بكتاب مثل القرآن: {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء: 88].

ولمّا لم يستجيبوا، عمد إلى استفزازهم بتذكيرهم أنّه إن كان – بزعمهم – قد افترى هذا القرآن من عنده، فليفتروا هم أيضًا عشر سور فقط. ووصمهم بالعجز والكذب. قال تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [هود: 13].

ثمّ ذكرهم أنّهم يقولون: إنّه افترى القرآن من عنده، فليأتوا – إذن – بسورة واحدة مثله. قال تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [يونس: 38].

وبلغ التحدّي أقصاه باشتراط أدنى مطلوب لقيام شكل معارضةٍ التحدّي، وهو أن يأتوا بسورة واحدة من مثل القرآن. قال تعالى: {وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 23]. وأعقب ذلك مباشرة بالتهديد الجارح لعزّتهم ببيانهم، والمستفزّ لآخر بقيّة من فخر وكرامة في صدورهم حتّى يخرجوا إلى ساح النزال، واستعراض ملكاتهم اللغوية: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة: 24].

التحدّي القرآني هو في طلب كلام في حجم أدنى سورِ القرآن طولاً، ومقارب في بلاغته وبيانه له، دون حدّ المطابقة.

قال المستشرق (إ.هـ. بلمر): مسألة عدم نجاح أفضل الكتّاب العرب في إنتاج أيّ شيء قريب في الخصاصة من القرآن نفسه ليس شيئًا مفاجئًا .

إدوارد هنري بلمر (1840 – 1882م) (Edward Henry Palmer): مستشرق ومستكشف بريطاني. عمل في خدمة الاستعمار البريطاني لمصر، من مؤلفاته: Arabic Grammar .

E. H. Palmer, tr. The Qur’an (Oxford: Clarendon Press, 1900), p. lv.

3- لكن لم يبلغ الإعجاز أقصاه؟!

إذا نظرنا إلى حال نبي الإسلام ﷺ وكتابه وبيئتهما:

1- أدنى المعارف العلميّة المكتسبة لمن تحدّى قومه – بل العالمين – بالقرآن: الأمّيّة.

2- أدنى الملكات الأوّلية: لم يمارس نبيّ الإسلام ﷺ الشعر من قبل القرآن ولا من بعده.

3- أبعد المواضيع عن طابع الإبداع البلاغي: الجدل العقدي والخبر التاريخي والتقرير التشريعي في القرآن.

4- نظمٌ على طريق جديد يخالف معهود الشعر والنثر:

قالت (أنجليكا نويفرت) – زعيمة المستشرقين الألمان اليوم: أعتقد – حقًّا – أنّ القرآن قد أوقع الباحثين في الغرب في حرج؛ إذ لم يتمكّنوا من تفسير الظهور المفاجئ للقرآن بغِناه في الأفكار وبيانه البديع في بيئة لم يكن فيها سابقًا أيّ نص مكتوب مبجَّل .

أنجليكا نويفرت Angelika Neuwirth (1943م -): أستاذ الدراسات القرآنية في ((الجامعة الحرة)) ببرلين. مديرة مشروع جمع النُسخ القرآنية ((Corpus Coranicum)). من مؤلفاتها: ((Der Koran als Text der Spatantik)).

شهادة شفهية مباشرة (ومسجَلة) من هذه المستشرقة للداعية البريطاني / اليوناني (حمزة تزورتزس):

Hamza Andreas Tzortzis, God’s Testimony: The Inimitability & Divine Authorship of the Qur’an. http://www.hamzatzortzis.com/2191/gods-testimony-the-inimitability-divine-authorship-of-the-quran/

المعلّقات السبع كانت أشعارًا تمّ تناقلها مشافهة، ثم تكريمها كتابة، ولذلك لا تدخل في جنس ما عنته هذه المستشرقة.

5- العصر الذهبي للبيان العربي:

6- أمّة تميّزت عن غيرها بظاهرة شعر النقائض : نزل القرآن في أمّة من الناس مولعة بالمعارضات الشعريّة لأشهر القصائد؛

7- اقترن التحدّي بأقصى صور الاستفزاز النفسي: تهديد المخالفين بالنار (في الآخرة) ونزع سلطانهم السياسي ومجدهم العائلي (في الدنيا)

8- قبول أدنى صور المعارضة حجمًا: سورة واحدة من القرآن، وقد علمتَ أنّ كثيرًا من القرآن المكيّ قليلة كلماته ومحصورة معانيه.

9- أدنى أوجه المعارضة طبيعة: سورة واحدة فيها شَبَه من القرآن، فلم يشترط القرآن مطلق المشابهة.

10- أضعف صور المعارضة: قصَر القرآن المعارضة على الجانب البلاغي الشكلي لا المضمون، فقد وصف السور العشر المطلوبة أنّها مفتريات؛ أي: مكذوبة، فهي معارضة في باب البيان لا صدق المعاني.

11- أقصى صور المعارضة عددًا: قبول تضافر جهود البلغاء للإتيان بمثل القرآن، وعدم قصر التحدّي على الأفراد كلُّ على حدة. قال تعالى: {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء: 88].

12- أقصى صور المعارضة زمنًا: فتح باب التحدّي مع الإمهال إلى غير أجل.

4- هل المعجزة البلاغية قائمة اليوم؟

الوجه الأوّل: قياس الأولى:

فعجز الأكابر برهان على عجز الأصاغر.

فقياس الأولى يقضي أنّ عجز أهل الصدر الأوّل عن مجاراة القرآن حجّة لعجز من يأتي بعدهم..

الوجه الثاني: خصوم القرآن يؤكدون إعجازه:

وقد عاش في بلاد المسلمين خصوم حاقدين اجتهدوا في الطعن في نبوّة (محمّد) ﷺ، ولم يستعلن منهم واحد بكتاب معارض للقرآن رضي عنه مخالفو الإسلام في عصره وبعده، ومن هؤلاء (ابن الراوندي) الذي ألّف الفريد في الطعن في نبوّة (محمّد) ﷺ والقدح في معجزاته، و التاج في قدم العالم، و الزمرّد في إبطال النبوّات، وهي كتب نشرها في العلن، وراجت بين الناس. الفرصة إذن كانت قائمة لظهور الكتاب المعارض المتحدّي للقرآن، ولرواجه إذا بدا فيه ما يستحقّ التقديم والتبجيل.

وقد كتب فيه أحد أساتذة النقد الأدبي (د. إبراهيم عوض) دراسة بعنوان: فضيحة العصر – قرآن أمريكي ملفّق فهتك ستر التجمّل فيه، وأبان تخلخل بنيانه ومعانيه.

ويغني عن التفصيل في بيان تهافت هذه المعارضة أنّ من نشروا الكتاب وانتصروا له قد استحيوا – وحياؤهم جفيفٌ قد ذهبت نداوته -، فلم يحدثوا له خبرًا بعد أشهر قليلة من نشره بين الناس.. ولست ترى أحدًا من أعلام المنصّرين يستشهد به رغم أنّ العهد بنشره قريب!

انظر مثلاً في ركاكة التركيب وسماجة المعاني:

يا أيها الذين أشركوا من عبادنا ادعونا أو ادعوا الرحمان أو ادعوا الرحيم أيًّا ما تدعوننا فلنا التجليّات الحسنى جميعًا مثلّثة موحّدة فردًا وترًا فأنّى تشركون؟.. فنحن الآب الكلمة الروح ثالوث فرد إله واحد لا شريك لنا في السماوات والأرضين .

يا أيّها الذين كفروا من عبادنا الضالين: لقد جعلتم من جنّاتنا مواخر للزناة ومغاور للقتلة ومخادع رجس للزانيات ونُزل دعارة للسكارى والمجرمين .

يا أيها المنافقون من عبادنا الضالين: أَنَّى تشهدون بما لم تشهدوا وترددون ما لا تفقهون.. وأنفذتم جاهليتكم على الراسخين فى العلم والدين القويم فأثقلتم كواهلهم وزرًا. وشُبِّه لكم الحق فما فهمتم للتجسد معنى وما فهمتم للبنوة مغزى وما أدركتم للفداء مرمى وما علمتم من أمور الروح أمرًا .

اقرأ في نقد كتاب الفرقان الحق : صلاح عبد الفتاح الخالدي، تهافت فرقان متنبئ الأمريكان أمام حقائق القرآن (عمّان: مؤسسة الفرسان للنشر، 2005م).

المعجزة ما أعجز الناس بعد تحدَّ.. والواقع يشهد عجز الأوّلين والآخرين. وهذا برهان مادي قابل للاختبار والمعاينة على إعجاز القرآن.

5- هل القول بالإعجاز القرآني مجرد دعوى إيمانية؟

الإعجاز البلاغي للقرآن أصل إسلام طائفة من بلغاء المشركين واليهود والنصارى، ولازم من لوازم إيمان بقيّتهم؛

وقد بلغ فريق كبير منهم المرتبة العليا في الفصاحة، خاصة اليهود الذين انغمسوا بكليّتهم في الثقافة الإسلاميّة وصنعوا بذلك العصر الذهبي للشعر اليهودي والنحو العبري تأثرًا بالثقافة الأدبيّة واللسانيّة العربيّة الإسلاميّة.

منهم من أقرّ وأسلم، ومنهم من غلبه ولاؤه للموروث من دين الأجداد، فسلّم ولم يُسلم:

أوّلاً: شهادة العرب

لقد أسلم (لبيد بن ربيعة) – أشعر الشعراء في الجاهليّة – حتّى قال لمّا سأله (عمر) عن شعره القديم: قد أبدلني الله بالشعر سورة البقرة . ابن حجر، فتح الباري 188/7.

و(لبيد) هو الذي قال فيه نبي الإسلام ﷺ: أشعرُ كلمةٍ تكلّمتْ بها العرب، كلمة (لبيد): (ألا كُلُّ شيء ما خلا الله باطل) .

رواه البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب أيام الجاهلية (ح/ 3628)، ومسلم، كتاب الشعر، باب تحريم اللعب بالنردشير (ح/ 2256).

ولمّا سمع (جبير بن مطعم) رضي الله عنه النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطور، قال عند قوله تعالى: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ (36) أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (37)} [الطور: 35-37]: كاد قلبي أن يطير.

رواه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب سورة الطور (ح/ 4573).

ويكفي في شهادة العرب الجاهليين لإعجاز القرآن قول (الوليد بن مغيرة) المشرك بعد أن سمع القرآن من فِيِّ رسول الله ﷺ وقد استحثّه (أبو جهل) أن يقول فيه قولاً منكرًا: وَمَاذَا أَقُولُ؟ فَوَاللهِ مَا فِيكُمْ رَجُلٌ أَعْلَمَ بِالأَشْعَارِ مِنِّي، وَلا أَعْلَمَ بِرَجَزِهِ وَلا بِقَصِيدَتِهِ مِنِّي، وَلا بِأشْعَارِ الْجِنِّ، وَاللهِ مَا يُشْبِهُ الَّذِي يَقُولُ شَيْئًا مِنْ هَذَا، وَوَاللهِ، إنَّ لَقَوْلِهِ الَّذِي يَقُولُ حَلَاوَةً، وَإِنَّ عَلَيْهِ لَطَلاوَةً وَإِنَّهُ لَمُثَمِرٌ أَعْلَاهُ، مُغْدِقٌ أَسْفَلُهُ، وَإِنَّهُ لَيَعْلُو وَمَا يُعلَى، وَأَنَّهُ لَيَحْطِمُ مَا تَحْتَهُ .

رواه الحاكم. وقال: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط البخاري ولم يخرجاه.

ثانيًا: من شهادات النصارى

وهذا (أمين نخلة) الذي افتتح صاحب كتاب ذيل الأعلام – في ترجمة أعلام العرب والمستعربين والمستشرقين – وصفه بقوله: شاعر ابن شاعر. يُقال إنّ أمير الشعراء أحمد شوقي أقرّه على إمارة الشعر بعده ، وقد انتُخب عضوًا بمجمع اللغة العربيّة اعترافًا بعلمه الواسع بلغة العرب، كتب خاطرة تحت عنوان: الكتاب المعجز في مؤلَّفه في الهواء الطلق: تذكارات ونجاوى ، قال فيها: ما قرأت في القرآن قطُّ، وتلقتني تلك الفصاحة من كل جهة، وشهدت ذلك الإعجاز الذي يطبِّق العقل، إلا صحتُ بنفسي: انجي، ويحك، فإنّني على دين النصرانية… .

أمين نخلة (1901 – 1976م): نصراني لبناني. يميل شعره إلى الغزل. عمل في الصحافة والمحاماة. ذيل الأعلام زيادة على كتاب الأعلام الشهير (للزركلي).

أحمد العلاونة، ذيل الأعلام، (جدة: دار المنارة، 1418هـ 1998م)، ص46.

أمين نخلة، في الهواء الطلق، (بيروت: دار مكتبة الحياة، 1387هـ 1967م)، ص174 – 175.

أمّا الأديب الشاعر المعاصر (نقولا حنا) فقد قاده إيمانه بإعجاز القرآن إلى اعتناق الإسلام، والكتابة في تمجيد هذا الكتاب العظيم بقوله في قصيدته من وحي القرآن :

قرأت القرآن فأذهلني، وتعمقت به ففتنني، ثم أعدت القراءة فآمنت.. آمنت بالقرآن الإلهي العظيم، وبالرسول من حمله.. النبي العربي الكريم، أما الله فمن نصرانيتي ورثت إيماني به، وبالفرقان عظم هذا الإيمان… وكيف لا أؤمن ومعجزة القرآن بين يديَّ أنظرها وأحسها كل حين… هي معجزة لا كبقية المعجزات.. معجزة إلهية خالدة تدل بنفسها عن نفسها، وليست بحاجة لمن يحدث عنها أو يبشّر بها.

وكم احتاجت وتحتاج الأديان السابقة إلى علماء ومبشّرين وشواهد وحجج وبراهين لحض الخلق على اعتناقها، إذ ليس لديها ما هو منظور محسوس يثبّت أصولها في القلوب. أما الإسلام فقد غني عن كل ذلك بالقرآن. فهو أعلم معلم وأهدى مبشّر، وهو أصدق شاهدًا وأبلغ حجة وأدمغ برهانًا… هو المعجزة الخالدة خلود الواحد الأزلي، المنظورة المحسوسة في كل زمان… ومن إيماني العميق هذا استلهمت قصيدتي هذه:

يقولون ما آياته، ضل سعيهم … وآياته- ليست تعد – عظام

كفى معجز الفرقان للناس آية … علا وسما كالنجم ليس يرام

فكل بليغ عنده ظل صامتًا … كأن على الأفواه صرَّ كمام

نقولا حنا (1923 – 1999م): فلسطيني، توفي في سوريا. تخرّج في قسم اللغة العربية في كلية الآداب. تفرغ لدراسة القرآن الكريم. من مؤلفاته ديوان: الأرض والوطن .

نقولا حنا، من وحي القرآن، ص1 (نقله حسن ضياء الدين عتر، المعجزة الخالدة، بيروت: دار البشائر، 1415هـ 1994م، ص148 – 149).

القصيدة كاملة:

http://www.almoajam.org/poet_details.php?id=7706#22493

كما أقرّ بإعجاز القرآن المستشرق (جوزيف شارل ماردروس) في مقدّمة ترجمته لاثنتين وستين من السور الطوال في القرآن بتكليف من وزارة الخارجية والمعارف الفرنسيّة. فقد كتب:

أمّا أسلوب القرآن فهو الأسلوب الخاص بالله. وبما أنّ الأسلوب يمثّل جوهر الكائن الذي صدر عنه هذا الأسلوب؛ فلا يمكن أن يكون هذا الأسلوب إلاّ إلهيًّا. والحق الواقع هو أن أكثر الكتّاب شكًّا وارتيابًا قد خضعوا لسلطان تأثيره…

ذلك أنّ هذا الأسلوب الذي طرق في أول عهده آذان البدو، كان نثرًا جدّ طريف، كامل الروعة، يفيض في اتّساق نغم ونسق، مسجّعًا، لفعله أثر عميق في نفس كل سامع يفقه العربية. لذلك كان من الجهد الضائع غير المثمر أن يحاول الإنسان أداء تأثير هذا النثر البديع بلغة أخرى، وخاصة الفرنسية الضيّقة، والصلبة، والشديدة. وزد على ذلك أن اللغة الفرنسية – مثلها جميع اللغات العصرية – ليست لغة دينيّة، وما استُعملت قطّ للتعبير عن الألوهية .

جوزيف شارل ماردروس (1868 – 1949م) (Joseph Charles Mardrus): شاعر ومستشرق فرنسي ولد في القاهرة. اشتهر بترجمته البليغة لكتاب ألف ليلة وليلة من العربية إلى الفرنسية.

Joseph Charles Victor Mardrus, Le Koran qui est la Guidance et le Differenciateur; Traduction litterale et complete des Sourates Essentielles (Paris: Eugene Fasquelle, 1926), pp.19 – 20.

وأمّا (فارس الشدياق) (وهو من أبرز علماء العربية النصارى في القرون الأخيرة حتّى وصفه المستشرق (كرنيليوس فاندايك) بأنّه: الأديب الشاعر اللغوي الكاتب البليغ.. ولغته من أحسن ما كتبه المتأخرون نثرًا في اللغة العربية في عصر النهضة الأخيرة ،

كرنيليوس فاندايك (1818 – 1895م) (Cornelius Van Dyck): مستشرق ومنصّر. عاش أكثر من نصف حياته في الشرق. درس العربية على يد (بطرس البستاني).

كرنيليوس فاندايك، اكتفاء القنوع بما هو مطبوع، أشهر التآليف العربية في المطابع الشرقية والغربية (مصر: مطبعة التأليف، 1896م)، ص405 – 406.

فقد كتب – بعد إسلامه – غاضبًا من جرأة كاتب نصراني اسمه (رزق الله) أراد معارضة القرآن لنفي إعجازه اللغوي، فقال: إنّ هذا السفيه قد أشعر إشعارًا ظاهرًا بأنه قادر على تحدّي القرآن، وهو أعجب شيء من جنونه وهوسه… وقد حان الآن أن نظهر جهله باللغة والصرف والنحو وغير ذلك ليعلم فيما قصده من تحدّي القرآن أنه مجنون جنونًا مطبقًا . [الجوائب، العدد 339.]

ثم تناول كتاب (رزق الله) النفثات الذي عارض به القرآن، فبيّن ما فيه من فساد وركاكة وخطأ في اللغة.. [الجوائب، العدد 342.]

ومن شهادات النصارى في صدر الإسلام، قول العالم الموسوعي – فيلسوف، وطبيب، ومهندس، وعالم فلك، مع معرفته بالعربية واليونانية والسريانية – (علي بن ربّن الطبري) المتوفّى سنة 770م: من آيات النبي هذا القرآن. وإنّما صار آية لمعان لم أرَ من مؤلّفي الكتب في هذا الفن فسّرها، بل أطلق القول والدعوى فيه. وما زلت وأنا نصرانيّ أقول ويقول عمّ لي كان من علماء القوم وبلغائهم إنّ البلاغات ليست من آيات النبوة لأنّها مشتركة في الأمم كلّها، حتى إذا اعتزلتُ التقليد والألف، وفارقت لزاز العادة والتربية وتدبرت معاني القرآن؛ علمتُ أنّ الأمر فيه كما قال أهله، وذلك أنّي لم أجد لأحد عربي ولا عجمي هندي ولا رومي كتابًا جمع من التوحيد والتهليل والثناء على اللّٰه عز وجل، والتصديق بالرّسل والأنبياء، والحثّ على الصالحات الباقيات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والترغيب في الجنّة والتزهيد في النار، مثل هذا القرآن منذ كانت الدنيا، فمن جاءنا بكتاب هذه نسبتُه ونعته وله من القلوب هذا المحلّ والجلالة والحلاوة، ومعه هذا النصر واليُمن والغلبة، وكان صاحبه الذي نزل عليه أميًّا لم يعرف كتابةً ولا بلاغة قط؛ فهو من آيات النبوة، لا شكّ فيه ولا مرية .

علي بن ربّن الطبري، الدين والدولة في إثبات نبوّة النبيّ محمّد ﷺ، تحقيق: عادل نويهض، بيروت: دار الآفاق، 1393هـ/ 1973م، ص98-99.

ومن ظريف ما يُنقل هنا ما ذكره الأديب المصري (كامل كيلاني) فيما روى من ذكرياته، يقول:

كنت مع الأستاذ (فنكل) وهو من المستشرقين، وكانت بيني وبينه صلات أدبية وثيقة، وكان يأخذ برأيي في كل المشكلات التي تقابله في الأدب، لما يعتقده فيّ من الصراحة، ففي ذات يوم همس في أذني وقال: خبّرني عن رأيك بصراحتك المعهودة أممن يعتقدون إعجاز القرآن أنت؟ أم لعلك تجاري جمهور المسلمين الذين يتلقّون ذلك كابرًا عن كابر، وابتسم ابتسامة كلّ معانيها لا تخفى على أحد، وهو يحسب أنه ألقى سهمًا لا سبيل إلى دفعه، فابتسمت له كما ابتسم لي..

قلت: لكي تحكم على بلاغة أسلوب بعينه يجب أن تحاول أن تكتب مثله أو تقلّده، فلنحاول! ليظهر لنا أنحن قادرون أم عاجزون عن محاكاته؟ وقلت: فلنجرّب مثلاً أن نعبّر عن سعة جهنم فما نحن قائلون؟ فأمسك بالقلم، وأمسكت به، فكتبنا نحو عشرين جملة متغايرة الأسلوب يُعبَّر بها عن هذا المعنى.

فقلت مبتسمًا ابتسامة الظافر الواثق: الآن تتجلّى لك بلاغة القرآن بعد أن حاولنا أن نحاكيه في هذا المعنى.

فقال: هل أدّى القرآن هذا المعنى بأبلغ ممّا أديناه؟ فقلتُ: لقد كنّا أطفالاً في تأديته!

فقال مدهوشًا: وماذا قال؟

قلت: {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ} [ق: 30].

فصعق أو كاد، وفتح فاه كالأبله أمام هذه البلاغة المعجزة، وقال: صدقت! نعم صدقت! إنه كلام اللّٰه.

عن عبد العظيم عبد العزيز سبيع، ولماذا أكون مسلمًا؟ (القاهرة: دار الاعتصام، 1987م)، ص386 – 387.

ثالثًا: من شهادات اليهود

وقد أسلم طائفة من كبرائهم إعجابًا بدين الإسلام وعقيدة التوحيد. ومن هؤلاء أسماء كبيرة، لعلّ أهمها (هبة اللّه بن علي بن ملكا البغدادي) الملقب بـ(أوحد الزمان)، الفيلسوف البارز والطبيب الشهير.

ومن أبرز أذكياء اليهود الذين أسلموا (صموئيل بن يهوذا بن أبون) (שמואל בן יהודה אבן עבאס) المعروف في تراثنا باسم (السموأل بن يحيى المغربي) (570هـ) العالم بالتوراة والهندسة والرياضيات والفلك والطب والتاريخ، وقد كان والده حبرًا يهوديًّا مغربيًّا وشاعرًا كبيرًا عدّه (يهوذا الحريزي) أحد أكبر شعراء الأندلس.

Arturo Prats, “Ibn ‘Abbās, Judah ben Samuel“, Encyclopedia of Jews in the Islamic World, Executive Editor Norman A. Stillman. Consulted online on 07 November 2016.

كتب (السموأل) عن سبب إسلامه في كتابه بذل المجهود في إفحام اليهود – الكتاب الذي أثار حفيظة معاصره وأكبر فلاسفة اليهود في القرون الوسطى (موسى بن ميمون) -: .. فإني كنت لكثرة شغفي بأخبار الوزراء والكتّاب قد اكتسبت بكثرة مطالعاتي لحكاياتهم وأخبارهم وكلامهم قوّة في البلاغة، ومعرفة بالفصاحة، وكان لي في ذلك ما حمده الفصحاء، وتعجب به البلغاء… فشاهدت المعجزة التي لا تباريها الفصاحة الآدميّة في القرآن، فعلمت صحّة إعجازه .

السموأل، بذل المجهود في إفحام اليهود (تحقيق: محمد عبد الله الشرقاوي، بيروت: دار الجيل، 1410هـ 1990م)، ص54.

وماذا عن الجانب البلاغي والبياني في التوراة والإنجيل؟

كتب المستشرق فون غرونبوم في المقارنة بين الأسلوب الأدبي للقرآن والأسلوب الأدبي لأسفار الكتاب المقدس: وجد اللاهوتيّ المسلم نفسه دون قصد وعلى أُسس افتراضية بحتة – بسبب الكمال الأسلوبي للقرآن في مقابل قصور الأسفار المقدّسة القديمة – في اتّفاق مع خط طويل من المفكّرين المسيحيين الذين تتلخص نظرتهم إلى الكتاب المقدس في العبارة اللاذعة لنيتشه أنّ الروح القدس كتب بلغة يونانية رديئة .

غوستاف إ. فون غرونبوم (1909 – 1972م) (Gustave E. von Grunebaum): مستشرق ومؤرّخ نمساوي. كتب أطروحته للدكتوراه في الشعر العربي القديم. من مؤلفاته: Islam: experience of the holy and concept of man .

B. Lewis, V. L. Menage, Ch. Pellat & J Schacht, eds. Encyclopedia Of Islam (London: E. J. Brill, 1971), 3/1020.

الفصل الثاني: القرآن ظاهرة فوق – طبيعية

بين خيارين.. كتاب بشريّ أم تنزّل علوي؟

يقول المسلم: النظر في (1) طبيعة النصّ القرآني و(2) نفسيّة نبيّ الإسلام ﷺ يمنع – ضرورةً – القول بأثر نبيّ الإسلام ﷺ في القرآن، وإنّما يقود إلى الكشف عن سلطان القرآن في نبيّ الإسلام ﷺ وذاك برهان ربّانية هذا الكتاب.

1- هل القرآن كتابٌ مفتعَل؟

يَلزم من القول: إنّ القرآن كتاب مفتعلٌ حَبَّرَهُ نبي الإسلام ﷺ على حين غفلة من قومه، أنّ تعكس علاقة هذا الكتاب بنبيّ الإسلام ﷺ طبيعة اتّصاله بهوى نفسه وخططه التي خلص من خلالها إلى مخادعة قومه..

أ- هل القرآن صنعة أكذب الكاذبين؟

إننا إذن أمام حالين متنافرين أشدّ التنافر: اتهام الخصوم اليوم لنبي الإسلام ﷺ بالإمعان في الكذب في الجليل والدقيق من الأمور.. وشهادة الأقربين من أهله وصحبه، وحتّى خصومه المعاصرين له بالإمامة في الصدق.

ب- الكتاب الذي أدمى قلب الداعي به

والناظر في حال نبي الإسلام ﷺ القائم بالليل متهجدًا بالقرآن، في خشوع وذلّ وإخبات حتّى تشققت منه القدم، لا يسعفه خيال الشكّ السادر أن يرى في روح هذا الرجل الخاشع بعض طيف الخديعة والمكر. إنّه يرى روحًا تذوب مع كلمات القرآن، ومعاني التوحيد، وصور القيامة، ومشاهد البعث المهيبة.

ومن القصص المعبّرة عن الحال، قول (ابن مسعود) رضي الله عنه:

قال لي النبي ﷺ: اقرأ عليَّ القرآن!

فقلت: يا رسول الله أقرأ عليك، وعليك أنزل؟!

قال: إنّي أحب أن أسمعه من غيري!

فقرأت عليه سورة النساء، حتى جئت إلى هذه الآية: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا} [النساء: 41].

قال: حسبك الآن!

فالتفت إليه؛ فإذا عيناه تذرفان.

رواه البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب قول المقرئ للقارئ: حسبك (ح/ 4763)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب فضل استماع القرآن (ح/ 800).

ولمّا سُئلت زوجه (عائشة) رضي الله عنها: أخبرينا بأعجب شيء رأيتيه من رسول الله ﷺ؟ سكتَتْ، ثم قالت: لَمَّا كَانَ لَيْلَةٌ مِنَ اللَّيَالِي، قَالَ: يَا عَائِشَةُ ذَرِينِي أَتَعَبَّدُ اللَّيْلَةَ لِرَبِّي قُلْتُ: وَاللهِ إِنِّي لَأُحِبُّ قُرْبَكَ، وَأُحِبُّ مَا سَرَّكَ، قَالَتْ: فَقَامَ فَتَطَهَّرَ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، قَالَتْ: فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ حِجْرَهُ، قَالَتْ: ثُمَّ بَكَى فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ لِحْيَتَهُ، قَالَتْ: ثُمَّ بَكَى فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ الأَرْضَ، فَجَاءَ بِلاَلٌ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلاَةِ، فَلَمَّا رَآهُ يَبْكِي، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لِمَ تَبْكِيٍ وَقَدْ غَفَرَ الله لَكَ مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَرَ؟ قَالَ: أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا، لَقَدْ نَزَلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ آيَةٌ، وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَهَا وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} الآية كلها (2).

رواه ابن حبان، كتاب الرقائق، باب ذكر الإخبار عما يجب على المرء من لزوم التوبة في جميع أسبابه (ح/ 620). صحّحه الألباني.

ت- كتاب.. قطعة واحدة

كان نبيّ الإسلام ﷺ يخبر بالآيات منذ بعثته وهو لا يدري ماذا يكون في غدِ دعوته من حال، ومتى يكون تمام نزول القرآن.. ورغم ذلك يكشف النظر إلى القرآن عن كثب أنه قطعة واحدة مرتبة، ومنظمة، يغلب عليها التناظر العجيب، والترتيب البديع:

ث- رجل بلسانين؟

يلزم من القول: إنّ القرآن صادر أصالة عن فم (محمّد) ﷺ أن يكون معبّرًا عن أسلوبه ﷺ في التعبير عن فكره وشعوره.

لا بد أن يحمل جوهر الأسلوب المحمّدي في التعبير وأن يتّصل به من ناحية المعجم اللفظي، والأسلوب التعبيري.

وقد اهتدى إلى الفارق المستشرق (أ. ج. أربري)، فقال: نحن نعرف جيّدًا كيف كان محمّد يتكلّم في حاله العادي، ومزاجه اليومي؛ فإنّ كلامه العارض قد حُفظ بوفرة. إنّه من الباطل بوضوح إذن القول كما يزعم مرجليوث أنّه (من الصعب أن نجد حالة أخرى حيث يتطابق بصورة كليّة العمل الأدبي وعقل من أنتجه). يبدو أنّه من الأصوب بعد قبول صحّة جلّ أقوال محمّد المسجّلة في كتب التراث وعندنا أسباب قويّة لقبول ذلك -، وافتراضُ نفس افتراض مرجليوث أنّ القرآن كان صنعة واعية لمحمّد، أن نقول: إنّه من الصعب أن نجد حالة أخرى [مع حالة محمّد] حيث يختلف التعبير البلاغي لرجل بصورة جوهريّة عن حديثه العادي .

أ. ج. أربري (1905 – 1969م) (A. J. Arberry): أحد أشهر المستشرقين البريطانيين. عمل رئيس قسم الدراسات القديمة في الجامعة المصرية. اشتهر في الأوساط العلمية بترجمته الإنجليزية للقرآن.

A. J. Arberry, The Holy Koran: An Introduction with Selections. pp. 31 – 32.

دراسة أجريت في المقارنة بين ألفاظ القرآن وألفاظ أحاديث صحيح البخاري ، فكان من نتائجها المثيرة أن 62٪ من ألفاظ الحديث لا وجود لها في المعجم القرآني، و83٪ من ألفاظ القرآن لا وجود لها في معجم ألفاظ الحديث.

Halim Sayoud, Author discrimination between the Holy Quran and Prophet’s statements, in Literary and Linguistic Computing, Vol. 27, No. 4, 2012.

كما درس أحد الباحثين المتخصصين أكاديميًّا في النقد الأدبيّ هذا الموضوع نفسه في كتاب له بعنوان: القرآن والحديث مقارنة أسلوبية . وقد أبان فيه بتمثيل واسع أنّ الكلام النبوي بعيد بصورة واسعة عن التعبير القرآني، بجلاء، فقد قارن بين المعجم القرآني: اللفظي والأسلوبي، وما جاء في أهم كتب الحديث: البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي والترمذي وابن ماجه ومسند أحمد وموطأ مالك. وكشف البحث أنّ عامة الألفاظ الواردة في الحديث فيما يتعلّق بعصر الرسول ﷺ أمور الحياة اليومية (الطعام والشراب واللباس والزينة)، وأسماء أعلام الزمن (كأسماء أيام الأسبوع والأشهر والفصول والأعياد)، والمقاييس والمكاييل (كالشبر والذراع والقيراط والصاع)، ومعالم البيئة الطبيعية الصحراوية (كالطبوغرافيا والحشرات والحيوانات والطيور)، والمجال الاجتماعي (كتنظيم القبيلة وطبائع العلاقات العربية)، والميدان الحربي (كالأدوات الحربية والتنظيم القتالي)، ومعجم الطهارة والصلاة وعامة المظاهر النسكية،… إلخ، لا وجود لها في القرآن، البتة أو قليلاً.

ولذلك قال (الباقلاني) في الفرق بين نظم القرآن الكريم وما جاء في خطب نبي الإسلام ﷺ ورسائله: إن كان لك في الصنعة حظ، أو كان لك في هذا المعنى حس، أو كنت تضرب في الأدب بسهم، أو في العربية بقسط – وإن قلَّ ذلك السهم، أو نقص ذلك النصيب – فما أحسب أنه يشتبه عليك الفرق بين براعة القرآن، وبين ما نسخناه لك من كلام الرسول ﷺ في خطبه ورسائله، وما عساك تسمعه من كلامه، ويتساقط إليك من ألفاظه، وأقدر أنك ترى بين الكلامين بونًا بعيدًا، وأمدًا مديدًا، وميدانًا واسعًا، ومكانًا شاسعًا.

فإن قلت: لعله أن يكون تعمّل للقرآن، وتصنّع لنظمه، وشبّه عليك الشيطان ذلك من خبثه، فتنبّت في نفسك، وارجع إلى عقلك، واجمع لُبّك، وتيقّن أن الخُطب يحتشد لها في المواقف العظام، والمحافل الكبار، والمواسم الضخام، ولا يتجوّز فيها، ولا يستهان بها، والرسائل إلى الملوك مما يجمع لها الكاتب جراميزه، ويشمر لها عن جد واجتهاد، فكيف يقع بها الإخلال؟ وكيف تعرض للتفريط؟ فستعلم، لا محالة أن نظم القرآن من الأمر الإلهي، وأن كلام النبي ﷺ من الأمر النبوي .

الباقلاني، إعجاز القرآن، ص135 – 136.

ج- رجل بقلبين؟

إذا كان القرآن سبيكة عقل نبي الإسلام ﷺ، فهو – ولا شكّ – أثرٌ عن إرادته الواعية ورغباته الدفينة أو الطافية على سطح وعيه.. ولكنّ القرآن يسير في غير ذلك المضمار:

الريبة والاستيثاق: الكتاب الذي يحبكه من يفتري النبوّة تغمره لغة اليقين والتهويل حتى يهيمن صاحبه على عقول التابعين ويأسر أرواحهم.. أمّا القرآن والسيرة فيظهران لك حال التردّد في أوّل الأمر خشية أن يكون الحال غير حال النبوّة. وتلك هي النفس الصادقة!

لقد نزل القرآن على نبي الإسلام ﷺ في وحشة الغار، فخشي النبي ﷺ أن يكون قد أصابه شيء من مسّ الجن، فرجع مضطربًا إلى زوجه خائفًا، يقول: زمّلوني! زمّلوني!

رواه البخاري كتاب التعبيرِ، باب أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة (ح/ 6581)، ومسلم، كِتَاب الإيمَان، باب بَدْءِ الْوَحْي إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ (ح/ 160).

كما كان نبيّ الإسلام ﷺ عظيم اللهفة لحفظ ما يسمع؛ بما أرهق صدره لعجلته تكرار ما يطرق أذنه حتى يحفظه ولا ينساه، ولذلك نزل قوله تعالى: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19)} [القيامة: 16 – 19]. فلم يهدأ روعه حتّى جاءه الوعد بحفظ ما يسمع.

روَى البخاري، كتاب بدء الوحي، باب بدء الوحي (ح/ 5) ومسلم، كتاب الصلاة، بابِ الاستماع للقراءة (448)، عن (ابن عباس) قوله: كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه القرآن يحرك به لسانه يرى أن حفظه مخافة أن يتفلت منه، أو من رغبته في حِفْظه فكان يلاقي من ذلك شدة فأنزَل الله تعالى: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17)} قال: جَمْعَهُ في صدركَ ثم تَقْرَأَه {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18)} قالَ فاستَمِعْ له وأَنْصِتْ، ثم إن علينا أن نبيّنه بلسانك؛ أي: أن تقرأه .

العتاب الشديد في الاجتهاد المرجوح:

فإنّ القرآن قد ذكر غير مرّة عتاب الربّ له، تخطئة لاجتهاده في فعل لأمر أو انتهاء عن حق، فقال له: {عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ} [التوبة: 43]، وقال: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ۖ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا} [الأحزاب: 37]، وقال: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) لَّوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (68)} [الأنفال: 67 – 68]، وقال: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [التوبة: 113].

كلّ المسائل التي عوتب فيها نبيّ الإسلام ﷺ هي من المسائل الاجتهاديّة التي ربّما يذهب إليها عامة الصلحاء إذا لم يكن معها مرشد وحي.

قال تعالى: {عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ (1) أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَىٰ (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَىٰ (5) فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ (7) وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَىٰ (8) وَهُوَ يَخْشَىٰ (9) فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّىٰ (10)} [عبس: 1 – 10].

لقد كان نبيّ الإسلام ﷺ منهمكًا في بلاغ الرسالة واهتبال فرصة الجلوس مع أكابر المشركين؛ فإنّه بإسلامهم يرتفع الغبن عن المسلمين، وتنفتح أبواب من الخير أمام الدعوة الطريدة..

إنّني لا أجد تفسيرًا لهذا العتاب القرآني غير أنّ العدل الإلهي هو الذي يردّ نبيّ الإسلام ﷺ إلى صارم الحق، وينصف هذا الرجل الأعمى الضعيف والمغمور بسورة يتعبّد الناس بتلاوتها إلى يوم الدّين.

وقد أنصف الحقَّ المستشرق (لايتنر) عندما قال: أوحى اللّه مرّة إلى النبي وحيًا شديد المؤاخذة؛ لأنه أدار وجهه عن رجل فقير أعمى، ليخاطب رجلاً غنيًّا من ذوي النفوذ، وقد نشر ذاك الوحي، فلو كان محمد كاذبًا – كما يقول أغبياء النصارى بحقّه – لما كان لذلك الوحي من وجود .

لايتنر، دين الإسلام، ترجمة: عبد الوهاب سليم (دمشق: المكتبة السلفية، 1423هـ)، ص132 (نقله: عبد المحسن المطيري، دعاوى الطاعنين في القرآن الكريم، بيروت: دار البشائر، 1427هـ 2006م، ص193).

الاجتهاد وقبول التخطئة:

ومن ذلك ما كان عند وفاة رأس المنافقين في المدينة (عبد الله بن أُبيّ ابن سلول)؛ إذ إنّه لمّا هلك جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله ﷺ فسأله أن يعطيه قميصه يكفّن فيه أباه، فأعطاه. ثم سأله أن يصلّي عليه، فقام رسول الله ﷺ ليصلّي عليه. فقام عمر، فأخذ بثوب رسول اللّٰه ﷺ، فقال: يا رسول الله تصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه!

فقال رسول الله ﷺ: إنما خيّرني الله فقال: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً} [التوبة: 80]، وسأزيده على السبعين.

قال: إنّه منافق!

فصلّى عليه رسول الله ﷺ. فأنزل الله: {وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ} [التوبة: 84] .

رواه البخاري، كتاب تفسير القرآن، سورة براءة (ح/ 4393)، ومسلم، كتاب صفات المنافقين (ح/ 2774).

ح- الحرص على تأكيد بشريّة النبيّ

لن تجد في القرآن تقريرًا يتكرّر في حال النبيّ ﷺ أكثر من تأكيد بشريّته، وأنّه بلا حول ولا قوّة، حتّى إنّه لا يدري إلى أين يكون أمره: {قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ} [الأحقاف: 9]..

ولولا فضل الله عليه بتثبيته على الحق لركن إلى أهل الباطل قليلاً – محبّة هدايتهم إلى الإسلام -؛ ولكان عاقبة أمره وبيلاً: {وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74) إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا} [الإسراء: 74 – 75]، ولذلك كان من مأثور دعائه: اللَّهُمَّ لا تكلني إلى نفسي طرفة عين .

رواه النسائي في السنن الكبرى (ح/ 147). حسّنه الألباني.

ولم يكن له سلطان على الشياطين، وإنّما أُمر أن يستعيذ بالله منهم إذا راودوا قلبه: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۚ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأعراف: 200]، {وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ (98)} [المؤمنون: 97 – 98]. لقد كان يعيش بين خوف ورجاء: {قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الزُّمَر: 13].

ومن ذلك أنّه ﷺ لمّا سمع جويريات يضربن بالدف يندبن من قتل من آبائهن يوم بدر حتى قالت جارية: وفينا نبي يعلم ما في غد، قال لها النبي ﷺ زاجرًا ومعلمًا: لا تقولي هكذا، وقولي ما كنت تقولين (1).

رواه البخاري، كتاب المغازي، باب شهود الملائكة بدرًا (ح/ 3779).

ولمّا سمع أصحابَه يغالون في وصفه، قال لهم: لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبدٌ؛ فقولوا عبد اللّه ورسوله .

رواه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا} (ح/ 3261).

2- هل القرآن كتابُ مُنفعِل؟

إنّنا إن عجزنا أن نرى في حال الاهتياج القسري مطابقة لحال نزول القرآن، لزمنا أن نردّ القرآن إلى غير الافتعال أو الانفعال؛ أي: الاستسلام لرسالة الوحي العلويّ.

أ- هل كان نبيّ الإسلام مصروعًا؟

وهي تهمة لها أثر من ماض، فقد قال أهل مكة في (محمّد) ﷺ: {يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} [الحِجر: 6]، وقالوا: {أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ} [الصافات: 36].

وهي تهمة مكرورة، ربما لم يفلت من نصلها الجارح نبيّ، فقد جاء في (نوح) عليه السلام: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ} [القمر: 9]، وقيل في (موسى) عليه السلام: {وَفِي مُوسَىٰ إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (38) فَتَوَلَّىٰ بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ} [الذاريات: 38 – 39]، وجاء في جماعة الأنبياء: {كَذَٰلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ} [الذاريات: 52].

لا تكاد تجد زادًا لهذه التهمة غير الأعراض الغريبة التي كانت تقترن بإعلان (محمد) ﷺ آيات قرآنية جديدة. وهي أعراض لا تطابق أعراض الصرع، كما أنّ الصرع يقترن بإنهاك الجسد وإفساد العقل لا الخروج على الناس بكلام في غاية الحكمة والإبهار.

يقول المستشرق (مونتجومري وات): زعم خصوم الإسلام كثيرًا أنّ محمّدًا مصابٌ بالصرع؛ ولذلك فلا مصداقيّة لتجاربه الدينيّة. في الحقيقة، الأعراض التي وُصِفت لنا ليست مطابقة لأعراض الصرع؛ إذ إنّ ذاك المرض يؤدي إلى انتكاس بدنيّ وعقلي، في حين أن محمّدًا كان في كامل السيطرة على ملكاته حتّى النهاية. بل حتّى لو كان هذا الادّعاء صحيحًا؛ فإنّ هذه التهمة ستكون باطلة بصورة تامة وقائمة على محض الجهل والأفكار المسبقة؛ إذ إنّ الأعراض الجسديّة لا تثبت التجربة الدينية ولا تنفيها .

Montgomery Watt, Muhammad at Mecca, p. 57.

ب- أوجاع ظاهرة الوحي وبراعة النص القرآني

القرآن قطعة بيانيّة نادرة (مهما كان توصيف المرء للندرة هنا)، وعرض عميق في الميتافيزيقا، ومنظومة تشريعية مميزّة، ونسق أخلاقي خاص… وربط تلك الخواص بأعراض نزول الوحي، شديد النكارة؛ إذ إنّ من هذه الأعراض ما هو شديد الوطء على النفس، وسبب لتشتيت الذهن لا تجميع الفكر..

فمن هذه الأعراض:

سماع صوت كدويّ النحل عند وجه النبيّ ﷺ.

رواه الترمذي، كِتَاب تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ، بَابِ وَمِنْ سُورَةِ الْمُؤْمِنُونَ (ح/ 3173).

يتصبّب النبيّ ﷺ من العرق في اليوم شديد البرد.

رواه البخاري، كتاب بدء الوحي (ح/ 2)، ومسلم، كتاب الفضائل، باب طيب عرق النبي ﷺ في البرد وحين يأتيه الوحي (ح/ 2333).

قد يغشاه كرب، ويربد وجهه ﷺ.

رواه مسلم، كِتَاب الْحُدُود، باب حدّ الزني (ح/ 1690).

يغطّ كغطيط البكر.

رواه البخاري، كتابِ الحج، بَاب غَسْلِ الْخَلُوقِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ الثِّيَابِ (ح/ 1536)، ورواه مسلم، كتاب الحج، باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة وما لا يباحَ (ح/ 1180).

يثقل وزنه حتّى ليكاد يكسر رجل الجالس بجنبه أو تبرك به دابته.

رواه البخاري، كِتَاب الجِهَادِ وَالسِّيَرِ، باب قول الله تعالى: {لَّا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} (ح/ 2677).

ماذا يمكن أن نستجلي من هذه الظواهر المصاحبة للوحي:

1- ظواهر غير طبيعية في ذاتها: دويّ النحل وثقل الجسم بصورة مفاجئة وهائلة فلا تفسير لها في قوانين المادة.

2- ظواهر مفاجئة ليس لصاحبها عليها سلطان؛ فهي ليست مفتعلة.

3- ظواهر مصدر ضيق وشدّة واضطراب، لكن – على خلاف العادة – يعقبها كلام متين مشرق.

4- يعقب مظاهر الكرب كلام يُتحدّى ببلاغته وبيانه خصوم الدين.

الفصل الثالث: الإعجاز الغيبي في القرآن

بين خيارين.. تخمين أم هتك حجب الغيب؟

يقول (ابن تيمية): والنبوّة مشتقة من الإنباء. والنبي فعيلٌ، وفعيل قد يكون بمعنى فاعل؛ أي: منبئ، وبمعنى مفعول: أي: منبأ. وهما هنا متلازمان؛ فالنبي الذي ينبئ بما أنبأه الله به، والنبي الذي نبأه الله، وهو منبأ بما أنبأه الله به. وما أنبأه الله به لا يكون كذبًا، وما أنبأ به النبي عن الله لا يكون يطابق كذبًا، لا خطأً ولا عمدًا، فلابُدّ أن يكون صادقًا فيما يخبر به عن الله، يُطابق خَبَره مَخبَرهُ، لا تكون فيه مخالفة؛ لا عمدًا ولا خطأ . ابن تيمية، النبوات، ص873.

وهذا أمر يؤكده القرآن في قوله: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا} [الجن: 26 – 27]. وهو نفسه ما جاء عند أهل الكتاب في سفر إرميا 9/28: عِنْدَ حُصُولِ كَلِمَةِ النَّبِيِّ عُرِفَ ذلِكَ النَّبِيُّ أَنَّ الرَّبَّ قَدْ أَرْسَلَهُ حَقًّا ، وأوضح منه نص: وَإِنْ قُلْتَ فِي قَلْبِكَ: كَيْفَ نَعْرِفُ الْكَلَامَ الَّذِي لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ الرَّبُّ؟ فَمَا تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيُّ بِاسْمِ الرَّبِّ وَلَمْ يَحْدُثْ وَلَمْ يَصِرْ، فَهُوَ الْكَلَاَمُ الَّذِي لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ الرَّبُّ، بَلْ بِطُغْيَانٍ تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيُّ (تثنية 21/18 – 22).

شُرُوط النُّبُوءة الحُجَّة

شروط تمنع التوافق بين الرجم بالغيب والإخبار عن الغيب:

* النبوءات صادرة عمّن يدّعي النبوّة.

* النبوءات بعيد توقّعها؛ فإنّ الأمور المحتملة من السهل التنبؤ بها.

* النبوءات واضحة العبارة، ودقيقة في مقصدها.

* الإخبار بالنبوءة قبل الحدث، لا بعده.

* أن تكون النبوءات كثيرة حتّى لا يُخلط بين النبوءات الصادقة والتنبؤات التي توافق – صدفة – الحدث.

* ألا توجد لنفس الشخص نبوءات أخرى فاشلة؛ فإنّ وجود النبوءات الفاشلة برهان أنّ ما صحّ من النبوءات الأخرى كان ضربة حظ.

يدخل في الإعجاز الغيبي الإخبار بغيب الماضي (خبر ما مضى من أمر)، وغيب الحاضر (غيب ما يجري حال الإخبار به، دون معاينة)، وغيب المستقبل (وهو ما سيشهده العالم بعد الإخبار عنه)..

نبوءات قرآنية

1- {غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ ۗ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ ۚ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ ۚ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5) وَعْدَ اللَّهِ ۖ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (6)} [الروم: 2-6].

كان الصحابة في ذلك الحين في مكّة مستضعفين، وقد ساءهم أن يَهزِم عُبّاد النار أهل الكتاب، كما ساءهم فرح كفّار مكّة بانتصار الفرس.

وقد جاءت الآيات في صدر سورة الروم تخبر بمجموعة من البشارات:

انتصار الروم على الفرس.

حصول هذا النصر قبل مضي عشر سنوات من إطلاق النبوءة؛ إذ إنّ بضع في لغة العرب عددٌ بين ثلاثة وتسعة.

المسلمون سيشهدون هذا النصر مما يعني: أنه لن يتمّ القضاء عليهم في تلك الفترة رغم أنّهم في حال ضعف وحصار شديدين.

المسلمون سيفرحون عند نصر الروم. وقد وافق ذلك معركة بدر أو صلح الحديبية.

وقد علق المؤرخ الشهير إدوارد جيبون صاحب كتاب تاريخ انحدار الإمبراطورية الرومانية وسقوطها على هذه النبوءة القرآنية العجيبة بقوله: في الزمن الذي قيل فيه إنّ هذه النبوءة قد أُطلقت، ما كان لنبوءة أن تكون أبعد منها عن أن تتحقّق؛ إذ إنّ السنوات الاثني عشر الأولى لهيراكليوس قد أعلنت دنوّ انحلال الإمبراطورية .

إدوارد جيبون (1737 – 1794م) (Edward Gibbon): مؤرخ إنجليزي. أحدث كتابه تاريخ انحدار الإمبراطورية الرومانية وسقوطها – في ستة مجلّدات – ضجة عند صدوره.

At the time when this prediction is said to have been delivered, no prophecy could be more distant from its accomplishment, since the first twelve years of Heraclius announced the approaching dissolution of the empire. (Edward Gibbon, The Decline and Fall of the Roman Empire, London: Henry G. Bohn, 1854, 5/175).

قال الإمام الطَّبري: والصواب من القراءة في ذلك عندنا الذي لا يجوز غيره: {الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ} بضم الغين؛ لإجماع الحجّة من القرّاء عليه. فإذ كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام: غلبت فارس الروم .

الطبري، جامع البيان في تأويل آي القرآن، 446/18 – 447.

قال (ابن الجوزي) في سورة (الروم): وهي مكّيّة كلّها بإجماعهم ؛ بما يمنع أن تكون الآيات قد نزلت عند معركة بدر في العصر المدنيّ.

ابن الجوزي، زاد المسير (بيروت: المكتب الإسلامي، 1404هـ/ 1984م)، 286/7.

2- {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9].

يُخبر القرآن الكريم أنّ هذا الكتاب محفوظ، فلا يصيبه تحريف. وهي حقيقة استنتجت منها المستشرقة (لورا فاجليري) أمرًا مهمًا. تقول: لا يزال لدينا دليل آخر على الأصل الإلهي للقرآن، وهو في حقيقة أن نصّه ظلَّ نقيًّا ولم يتغير على مرّ القرون من يوم ظهوره إلى اليوم .

Laura Veccia Vaglieri, An Interpretation of Islam, pp. 41 – 42.

قرّر القرآن الكريم أنّ اليهود والنصارى قد حرّفوا أسفارهم، وفي ذلك إعلان لأمّتي اليهود والنصارى أنّ هذا القرآن يتحدّى العالم بفرادة حفظه.

اعترف المنصّر (ويليام موير) قائلاً: قرآنٌ واحد كان سائدًا بين المسلمين، والاستخدام المتزامن لنفس السِّفر من جانبهم جميعًا في كلّ عصر حتّى يومنا هذا، هو دليل حاسم أنّ ما بين أيدينا الآن هو النص عينه الذي تمّ إعداده بأمر الخليفة المظلوم. يبدو أنّه لا يوجد أيّ عمل آخر ظل اثني عشر قرنًا [أي: حتّى زمن تأليف (موير) كتابه] بهذا النقاء كنصّ .

William Muir, Life of Mohamet: from original sources (London: Smith, 1878), appendix, pp.557 – 558.

3- {وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24)} [البقرة: 23 – 24].

عجزُ الناس عن معارضة القرآن بمثله يشهد له الواقع..

5- {لَّقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ ۖ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ ۖ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَٰلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا} [الفتح: 27].

كان رسول الله ﷺ قد رأى في منامه أنّه دخل مكة هو وأصحابه وطافوا بالبيت، ثم حلّق بعضهم وقصَّر بعضهم، فحدّث بها أصحابه ففرحوا واستبشروا. فلمّا خرج إلى الحديبية مع الصحابة، منع المشركون المسلمين دخول مكة، ووقع ما وقع من قضية الصلح. وعندها وقع في نفس بعض الصحابة رضي الله عنهم من ذلك شيء، حتى سأل (عمر بن الخطاب) رضي الله عنه رسول الله ﷺ في ذلك، فقال له فيما قال: أفلم تكن تخبرنا أنّا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال ﷺ: بلى، أفأخبرتك أنك تأتيه عامك هذا؟ قال: لا . قال النبي ﷺ: فإنك آتيه ومطوف به .

رواه البخاري، كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط (ح/ 2583).

وبهذا أجاب الصدّيق رضي الله عنه أيضًا.

وقد تحققت الرؤيا – ورؤيا الأنبياء حق – بدخولهم معتمرين العام التالي بعد صلح الحديبية.

11- {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 55].

نزل هذا الوعد حين كان المسلمون في خوف من عادية الخصوم بعد هجرتهم إلى المدينة المنورة، فجاءهم أمان من السماء أنّ الأرض ستدين لهم، وأنّ سلطانهم سيعلو الجميع.

26- {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ ۚ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ مَن جَاءَ بِالْهُدَىٰ وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} [القصص: 85].

أخرج (البخاري) عن (ابن عباس) رضي الله عنه في قوله تعالى: {لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ}: قال: إلى مكّة . فالآية بشارة للرسول ﷺ بعد الهجرة من مكّة ومفارقة الموطن الأوّل أنّ الله سبحانه راده إليها.

رواه البخاري، كتاب تفسير القرآن، سورة القصص، باب: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ} (ح/ 4495).

27- {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [المائدة: 67].

{فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ} [الحِجر: 94 – 95].

وقد كان الرسول ﷺ يتّخذ الحراس قبل نزول الآية، ولمّا نزلت صرف حراسه وسرّحهم قائلاً: يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله .

رواه الترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة المائدة (ح/ 3046). والحديث حسّنه (ابن حجر).

وقد عصمه اللّه في مواطن كثيرة جدًّا. وما توفّي حتى أتمّ البلاغ الذي وُعد بأدائه كاملاً، ونزل قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3].

لقد كانت نبوءة العصمة من القتل ذريعة للتعجيل بطلب قتل الرسول ﷺ إذ إنّ قتل صاحب الرسالة سيحقّق للمشركين مصلحتين: القضاء على قائد هذا الدين الجديد، وصرف المسلمين عن القرآن وجعلهم ينبذونه وراء ظهورهم بعد أن ثبت أن هذا الكتاب قد تنبّأ بخبر باطل.

قوله تعالى: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} متعلّق بما قبله في الآية، وهو البلاغ وإتمام الرسالة؛ فالعصمة من القتل متعلّقة بالبلاغ: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [المائدة: 67]. وقد شهد القرآن بعد هذه الحادثة أن البلاغ قد تمّ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3].

النبوءات في السُّنَّة النبويّة

النبوءات التي جاءت في السُّنَّة النبويّة وصدّقها الواقع كثيرة جدًّا (ما يكون من أمر الحكم بعد وفاة الرسول ﷺ ومَن مِن الصحابة يموت شهيدًا، وتفصيل حياة بعض أصحابه، والفتن، والفتوحات…).

نبوءات وقعت قبل التدوين

1- الإخبار عن استشهاد (عمر) و(عثمان) رضي الله عنهما: حدّث (أنس) رضي الله عنه أن النبي ﷺ صعد أُحدًا وأبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم؛ فقال: اثبت أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان .

رواه البخاري، كتاب فضائل الصحابة، باب قول النبي ﷺ: لو كنت متخذًا خليلاً (ح/ 3472).

2- الإخبار أنّ الرسول ﷺ سيموت في مرضه الأخير، وأنّ ابنته أوّل من يموت من أهله بعده: روت (عائشة) رضي الله عنها أن النبي ﷺ دعا فاطمة ابنته في شكواه الذي قبض فيه، فسارّها بشيء، فبكت، ثم دعاها فسارّها، فضحكت. قالت: فسألتها عن ذلك. فقالت: سارّني النبي ﷺ فأخبرني أنه يقبض في وجعه الذي توفي فيه، فبكيت. ثم سارني فأخبرني أنّي أوّل أهل بيته أتبعه فضحكت.

رواه البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام (ح/ 3427)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل فاطمة بنت النبي عليها الصلاة والسلام (ح/ 2450).

6- الإخبار عن الصلح العظيم الذي سيجريه (الحسن بن علي) رضي الله عنه، بين المسلمين بعد الفتنة، قال ﷺ: ابْنِي هَذَا سَيَّدٌ، وَلَعَلَّ اللهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، وقد كان ذلك في الصلح بين طائفة (علي) رضي الله عنه وطائفة (معاوية)…

رواه البخاري، كتاب الفتن، باب قول النبي ﷺ للحسن بن على: إن ابني هذا لسيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين (ح/ 6692).

نبوءات بعد التدوين

1- قال الرسول ﷺ: لن تقوم الساعةِ حتى… تعود أرض العرب مروجًا وأنهارًا .

رواه مسلم، كتاب الزكاة، بَاب التَّرْغِيبِ فِي الصَّدَقَةِ (ح/ 1687).

وقال ﷺ: يوشِكُ يا معاذُ إِنْ طالَتْ بِكَ حياةٌ أنْ تَرَى ما هَهُنا قَدْ مُلِئَ جنانًا .

رواه مسلم، كتاب الفضائل، باب في معجزات النبي ﷺ (ح/ 706).

3- قال الرسول ﷺ عن علامات الساعة: وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ .

رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان والإيمان بالقدر (ح/ 8).

أدى الكشف المفاجئ لثروات البترول والغاز في بلاد الخليج العربي إلى طفرة اقتصاديّة سريعة، فكان أن ظهر في نفس عمر الجيل الذي كان يرعى الأغنام التطاول في البنيان وناطحات السحاب، حتّى إنّ أعظم ناطحات السحاب في العالم موجودة في الصحراء العربيّة. فالنبوءة تخبر بالخير المادي الذي يصيب الفقراء من رعاة الغنم، فينقلهم إلى فاره البنايات العالية.

6- قال الرسول ﷺ: لا تقوم الساعة حتى تَخرُج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببُصرى .

رواه البخاري، كتاب الفتن، باب خروج النار (ح/ 6701) ومسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز (ح/ 2902).

ظهرت هذه النار سنة 654هـ. قال (ابن كثير): ثم دخلت سنة أربع وخمسين وستمائة، فيها كان ظهور النار من أرض الحجاز التي أضاءت لها أعناق الإبل ببُصرى، كما نطق بذلك الحديث المتفق عليه، وقد بسط القول في ذلك الشيخ الإمام العلامة الحافظ شهاب الدين أبو شامة المقدسي في كتابه الذيل وشرحه .

ابن كثير، البداية والنهاية (الجيزة: هجر، 1419هـ 1998م)، 328/17.

وقال (الذهبي): أمر هذه النار مُتواتِر، وهي مما أخبر به المصطفى ﷺ حيث يقول: لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصرى . وقد حكى غير واحد ممَّن كان بِبُصرى في الليل، ورأى أعناق الإبل في ضوئها .

الذهبي، تاريخ الإسلام (بيروت: دار الكتاب العربي، 1419هـ 1999م)، 22/48.

الفصل الرابع: إعجاز العلم بخبر أهل الكتاب

بين خيارين.. إعجاز غيبي أم اقتباس؟

عَلِم أهل الكتاب زمن البعثة أنّ ما وافقهم فيه القرآن لا يمكن أن يكون من الاجتهاد الشخصي لنبي الإسلام ﷺ ولذلك اتهموا النبي ﷺ أنه تعلّم ذلك عن غيره، يقول القرآن: {وَكَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [الأنعام: 105]

نفي مشركي مكة علم نبي الإسلام بقصص أهل الكتاب دون معلم

ما في القرآن من علم تاريخي لا يُنال بالاجتهاد الذاتي، ولا يستغني عن معلّم (هو الوحي).

أ- استدلال القرآن بمواطأة خبر أهل الكتاب لإثبات ربّانيّته

قال تعالى: {وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِّن رَّبِّهِ ۚ أَوَلَمْ تَأْتِهِم بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَىٰ} [طه: 133].

قال (ابن كثير): يقول تعالى مخبرًا عن الكفار في قولهم: {لَوْلَا}؛ أي: هلا يأتينا محمد بآية من ربه؛ أي: بعلامة دالة على صدقه في أنه رسول الله؟ قال الله تعالى: {أَوَلَمْ تَأْتِهِم بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَىٰ}؛ يعني: القرآن الذي أنزله عليه الله، وهو أمي لا يحسن الكتابة، ولم يدارس أهل الكتاب، وقد جاء فيه أخبار الأولين بما كان منهم في سالف الدهور بما يوافقه عليه الكتب المتقدمة الصحيحة منها، فإن القرآن مهيمن عليها، يصدق الصحيح، ويبين خطأ المكذوب فيها وعليها، وهذه الآية كقوله تعالى في سورة العنكبوت: {وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ ۖ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ (50) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (51)} [العنكبوت: 50 – 51] . [ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، 329/5.]

قال تعالى: {وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52].

وقال سبحانه: {وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} [العنكبوت: 48].

ب- تحدّي أهل الكتاب لنبي الإسلام ذكر ما يعرفون من كتبهم

إنّ المعاصرين (محمد) ﷺ ما سألوه إلا ليقينهم – وهم المكذبون له – أنّه لا يعلم من أمر السابقين شيئًا.. وليس من المنطقي أن يهدي المرء إلى عدوّه حجّة يدعم بها رصيده، وإنما المنطقي أن يسعى إلى تعجيزه، وقطع حجّته، وإلزامه بالإقرار بنفي دعوته الأولى.

ت- زعمُ أهل مكة أن التشابه مردّه التعليم

{وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفرقان: 5]. فهي إذن قصص مسطورة (أساطير) كتبها له غيره، ولم يجرؤ أهل مكّة على القول إنه هو من كتبها.

لقد ألزم القرآن أهل مكة أن يقولوا لنبي الإسلام ﷺ إنّ ما تخبرنا به هو أثر عن دراسة خاصة وليس من ثقافة بيئتنا، فإنّ أعلمنا لا يعلم ما تقول: {وَكَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [الأنعام: 105].

قال تعالى: {قُل لَّوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُم بِهِ ۖ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [يونس: 16].

نواقض دعوى المعرفة البشرية بخبر أهل الكتاب

بيان امتناع وجود مصدر بشري للعلم بهذا الخبر في حياة نبيّ الإسلام ﷺ. وبيان ذلك يكون بإثبات الأمور الثلاثة التالية مجتمعة:

* نبي الإسلام ﷺ لم يطلب العلم الديني بعمق، ولم يكن مؤهلاً لذلك.

* الكتب المقدسة لم تكن متاحة لرجل عربي في مكّة ليقرأها.

* لم يكن لنبي الإسلام ﷺ معلّمه الكتب المقدسة.

أميّة الرسول

وضع وصف الأميين للعرب باعتبارهم أمّة لا تعرف الحق والهدى:

{هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} [الجمعة: 2].

{فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ ۗ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ ۚ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا ۖ وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [آل عمران: 20].

قال (ابن منظور): معنى الأمي المنسوب إلى ما عليه جَبَلَتْه أمه؛ أي: لا يكتب فهو أمي؛ لأن الكتابة مكتسبة؛ فكأنه نسب إلى ما يولد عليه؛ أي: على ما ولدته أمه عليه .

ابن منظور، لسان العرب (بيروت: دار صادر، د.ت)، 34/12.

وقال (أبو حيان): الأمي هو الذي لا يكتب ولا يقرأ في كتاب؛ أي: لا يحسنون الكتب فيطالعوا التوراة ويتحقّقوا ما فيها .

أبو حيان، تفسير البحر المحيط (بيروت: دار الكتب العلميّة، 1422هـ 2001م)، 442/1.

ومن الشهادات المبكّرة في تفسير معنى كلمة أميّ ؛ قول المؤرّخ (ابن إسحاق) (توفي: 151 هجرية) صاحب السيرة النبوية: كانت العرب أميين لا يدرسون كتابًا، ولا يعرفون من الرسل عهدًا .

ابن إسحاق، سيرة ابن إسحاق، ت: محمد حميد الله (معهد الدراسات والأبحاث، د.ت)، 2/2.

شهادة القرآن الكريم

قال تعالى: {وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} [العنكبوت: 48].

شهادة السيرة

والأمر كما قالت المستشرقة (كارن أرمسترونج): يبدو أنّه من الانحراف في الرأي تحدّي التراث الإسلامي التفسيري لكلمة (أمّي). لا توجد أيّ إشارة في المصادر الأولى إلى ممارسة محمّد للقراءة أو الكتابة. كان محمّد يملي كلامه على غيره؛ كَعَلِي المتعلّم، إذا ما أراد إرسال رسالة. إنّها لخدعة كبيرة أن يكون محمد قد أخفى طوال حياته قدرته على القراءة والكتابة. بعيدًا عن أنّ ذلك ليس من الأمور المعهودة، فإنّه يبدو من العسير جدًّا المحافظة على هذا الغش؛ نظرًا للتقارب الشديد في المعيشة بين محمد وقومه .

Karen Armstrong, Muhammad: a biography of the prophet (New York: HarperCollins, 1993), p.88.

أمّا (توماس كارليل) فيردّ دعوى أميّة الرسول ﷺ بقوله: إنّ (محمّدًا) لم يتعلّم شيئًا ممّا نسمّيه نحن اليوم تعليم مدارس، كما أنّ الكتابة لم تكن قد دخلت المنطقة إلاّ حديثًا، ولم تجد البيئة على (محمّد) ﷺ بتعليم إلاّ ما تمنحه الصحراء أهلها من الأخبار الشائعة غير المحرّرة التي يتداولها العوام .

Thomas Carlyle, Heroes: Hero – worship and the Heroic in History (New York: John Aladen, 1883), p.40.

حجم المعرفة العلميّة المشترطة: إنّ دفع الأميّة عن الرسول ﷺ لا يجدي – في حقيقته – المنصّرين والمستشرقين في شيء؛ لأنّ العلم بخط الحروف ورصف الكلمات لا يثبت شيئًا من دعاوى الاقتباس؛ إذ إنّ إثبات علم الرسول ﷺ بدقائق الأسفار المقدّسة السابقة لا يستقيم إلاّ بإثبات (ثقافة موسوعية) للرسول ﷺ في أسفار أهل الكتاب وعقائدهم وفرقهم ولغاتهم..

إنّ التاريخ يخبرنا أنّ ذاك الزمان لم يعرف رجلاً من أهل الكتاب أنفسهم، يحمل هذه العلوم الجمّة، بسعتها ودقتها وتلوّنها!

هل كان الكتاب المقدس معرّبًا زمن الرسول ﷺ؟

شهادة القرآن الكريم والسيرة النبوية

كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام ، فقال رسول اللّٰه ﷺ: لا تصدّقوا أهل الكتاب، ولا تكذّبوهم، وقولوا: آمنا بالله وما أنزل إلينا .

رواه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا} (ح/ 4485).

روى (البخاري) في صحيحه، في كتاب قول النبي ﷺ: لا تسألوا أهل الكتاب ، عن (ابن عباس) رضي الله عنهما قال: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، كَيْفَ تَسْأَلُونَ أهْلَ الْكِتَابِ، وَكِتَابُكُمُ الَّذِي أنْزِلَ عَلَى نَبِيِهِ ﷺ احْدَثُ الأخْبَارِ بِاللهِ، تَقْرَءُونَهُ لَمْ يُشَبّ، وَقَدْ حَدَّثَكُمُ اللهُ أَنَّ أهْلَ الْكِتَابِ بَدَّلُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ وَغَيَّرُوا بِأَيْدِيهِمُ الْكِتَابَ، فَقَالُوا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ، لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنَّا قَلِيلاً. أفَلَاَ يَنْهَاكُمْ مَا جَاءَكُمْ مِنَ الْعِلْمِ عَنْ مُسَاءَلَتِهِمْ، وَلَا وَاللهِ مَا رَأْيْنَا مِنْهُمْ رَجُلاً قَطَّ يَسأَلُكُمْ عَنِ الَّذِي أنْزِلَ… .

صحيح البخاري، كتاب الشهادات، باب لاَ يُسْأَلُ أهل الشِّرْكِ عَنِ الشَّهَادَةِ، وَغَيْرِهَا (ح/ 2685).

ويُفهم من قوله تعالى عن اليهود: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [البقرة: 76] أنّ اليهود يعلمون ألاّ سبيل للمسلمين لمعرفة ما جاء في الكتب اليهودية إلاّ ما أخبروهم به، وهو المعنى الذي أقرّ به الحبر اليهودي (جايجر).

A. Geiger, Judaism and Islam (New York: Ktav Publishing House Inc, 1970), p. 17.

ويكشف قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 78] أنّ اليهود لما كانوا يلوون ألسنتهم أثناء ذكرهم بعض الخبر الديني إيهامًا أنّ قولهم هذا نقل لما جاء في الأسفار المقدسة، كان المسلمون في عجز عن مراجعة الأسفار لمعرفة صحة النقل عنها، وكان اليهود مطمئنين ألا سبيل للمسلمين إلى هذه الأسفار، وما ذلك إلاّ لأنّ أسفار أهل الكتاب لم تكن متاحة بلغة العرب.

شهادة الاستقراء التاريخي

أهمّ من كتب في موضوع تاريخ ترجمات الكتاب المقدس في لغات العالم، البحّاثة (بروس متزجر)، أستاذ لغة العهد الجديد وآدابه، في كتابه المرجعي (The Bible in Translation) المتعلّق بصورة مباشرة بتاريخ ترجمات الكتاب المقدس؛ فقد قال في هذا الشأن: من الراجح أنّ أقدم التراجم (العربيّة) للكتاب المقدس تعود إلى القرن الثامن .

بروس متزجر Bruce Metzger (1914م – 2007م): أحد أئمة دراسات النقد النصي للعهد الجديد. له مؤلّفات متنوعة في موضوعات متعددة في الدراسات الأكاديميّة المتعلّقة بالعهد الجديد. شارك في إعداد أهم نص يوناني قياسي للعهد الجديد في القرن العشرين (UBS). كما شارك في تحرير العديد من الترجمات الإنجليزيّة للعهد الجديد والتعليق عليها. تعتبر مؤلّفاته مراجع أساسيّة في الدراسات المتخصصة في الجامعات الغربيّة.

Bruce Metzger, The Bible in Translation (Grand Rapids: Baker Academic, 2001), p. 46.

وخلص الباحث الإنجيلي المصري (ألبرت إستيرو) في خاتمة أطروحته للدكتوراه حول (الترجمة العربيّة) التي اعتمدها (ابن قتيبة) في اقتباساته من الكتاب المقدس: الاقتباسات الكتابيّة لعبد الله مسلم بن قتيبة ومصدرها: التحقيق في شأن أبكر الترجمات العربيّة للكتاب المقدس :

Abdullah Muslim In Qutayba’s Biblical Quotations and their Source: An inquiry into the earliest existing Arabic Bible Translations

ناقشها سنة 1990م في جامعة (Johns Hopkins) الأمريكيّة.

إلى القول: ربّما ظهرت الترجمات العربيّة للكتاب المقدس في الفترة الأخيرة من الحكم الأموي – في بداية القرن الثامن .

يكتب بالحرف اللاتيني (Albert Isteero)، والمقابل العربي تقريبي إذ لم أعثر على اسمه كما يكتب باللغة العربيّة. جاء في مخطوطة الدكتوراه تعريفه أنه من مواليد سنة 1930م، في (بورسعيد) بمصر. رُسّم قسيسًا سنة 1958م في الكنيسة الإنجيليّة. انتخب سنة 1965م كسكرتير عام لمجلس كنائس الشرق الأوسط. وهو يدرّس الأدب الكتابي في إحدى مدارس الكنيسة الإنجيليّة المصريّة.

Albert Isteero, ‘Abdullah Muslim Ibn Qutayba’s Biblical Quotations and their Source: An inquiry into the earliest existing Arabic Bible Translations, p.236, manuscript.

وهو ما أقّر به الدكتور القس (صموئيل يوسف خليل) في كتابه المدخل إلى العهد القديم بقوله: أوّل وأهم هذه الترجمات المأخوذة من اللغة العبريّة هي التي قام بها سعديا الجاوون [الفيومي]، وهو رجل يهودي متعلم ومثقف جدًّا. كان رئيسًا للمدرسة اليهوديّة في سورا في بابل ومات عام 942م .

صموئيل يوسف خليل، المدخل إلى العهد القديم (القاهرة: دار الثقافة، 2005م، ط2)، ص 68.

الترجمة العربيّة للعهد الجديد

قال الباحث النصراني المحافظ الشهير، والذي شغل منصب مدير المتحف البريطاني، (فردريك ج. كنيون)، عند سرده للترجمات المتاحة للعهد الجديد: عدة ترجمات عربية يُعلم وجودها (اليوم)، بعضها ترجمات عن اليونانية، وبعضها عن السريانية، وبعضها عن القبطية، في حين أن ترجمات أخرى هي مراجعات قامت على بعض (تراجم) اللغات السابقة أو كلّها. لا ترجع أيّ منها إلى ما قبل القرن السابع، وربما لا توجد واحدة في ذاك الزمن المبكّر .

Several Arabic versions are known to exist, some being translations from the Greek, some from Syriac, and some from Coptic, while others are revisions based upon some or all of these. None is earlier than the seventh century, perhaps none so early.” (Frederick G. Kenyon, Our Bible and The Ancient Manuscripts, London: Eyre and Spottiswoode, 1898, 3rd edition), p. 65.

وهو ما أقرّه البابا الحالي للكنيسة المصريّة الأرثوذكسية (تواضروس الثاني) بقوله: أوّل ترجمة عربيّة ظهرت أواخر القرن الثامن الميلادي بعد الإسلام بأكثر من مائة عام، قام بها يوحنا أسقف إشبيلية في إسبانيا. كانت ترجمة محدودة لم تشمل كل الكتاب ولم يكن لها الانتشار الكافي .

البابا تواضروس الثاني، مفتاح العهد الجديد (القاهرة: بطريركية الأقباط الأرثوذكس، 2013)، ص27.

مخطوطات العهد الجديد

لم تظهر الحاجة إلى ترجمات للأسفار المقدّسة بالعربية العاميّة إلاّ بعد نجاح القرآن في تحويل العربيّة إلى لغة أدبيّة، وتحويل غزوات الإسلام أجزاء كبيرة من سوريا ومصر المسيحيتين إلى مقاطعات متحدّثة باللغة العربيّة .

F. C. Burkitt, Arabic Versions, in James Hastings, eds. A Dictionary of the Bible (New York: C. Scribner’s sons, 1911), 1/136.

ورغم حماسة القس (حكمت قشوع) لرد المخطوطات العربيّة إلى أبكر زمن ممكن إلاّ أنّه قد ردّ – في أطروحته للدكتوراه – أقدم مخطوطة – حسب اجتهاده -: (8,28 Sin. Ar. N. F. Parch) إلى القرن الثامن أو التاسع ميلاديًّا.

تمّ تقسيم هذه المخطوطة عند اكتشافها في دير سانت كاترين سنة 1975م إلى مخطوطتين اثنتين متمايزتين: (Sin. Ar. N. F. Parch 8), (Sin. Ar. N. F. Parch 28).

Hikmat Kachouh, The Arabic Versions of the Gospels, The Manuscripts and their Families, manuscript, 1/89.

وخلص (جريف) إلى أنّ كلّ ما يمكن أن يقوله الواحد عن إمكانية وجود ترجمة عربية للإنجيل قبل ظهور الإسلام؛ هو أنّه لم تظهر علامة يقينيّة على هذا الأمر . [المصدر السابق، ص166.]

النظر في حجّة (آدم كلارك) من كتبه تظهر أنّ هذا اللاهوتي النصراني قد اعترف صراحة أنّه لا حجة ماديّة لقوله، وليس دليل مذهبه إلاّ أمرًا واحدًا، وهو عجزه عن تفسير علم الرسول ﷺ بِما جاء من تفاصيل في العهد الجديد إلاّ أن يكون قد اطّلع على ترجمة عربيّة متاحة بين يديه، وهو كما يظهر دليل (ذوقي) جعل من محلّ النزاع حجّة!

Adam Clark, The New Testament of our Lord and Saviour (Philadelphia: Thomas, Cowperthwait, 1844), p.8.

وقد قدّم (جرهارد بورنغ) خلاصة آخر الأبحاث الاستشراقية الحديثة في المصادر الكتابيّة للقرآن، بقوله: لا يوجد دليل على أنّ (محمّدًا) قد اعتمد على مواد أجنبيّة مكتوبة لصياغة القرآن. وحتّى ظهور حجّة على عكس ذلك، فعلينا أن نؤيّد القول: إنّ المعلومات الشفهيّة كانت هي المرجع المباشر للقرآن .

Gerhard Bowering, ‘Recent Research on the Construction of the Qur’an‘, ed., The Qur’an in its Historical Context (New York: Routledge, 2007), p. 83.

هل من معلم بشري لمحمد ﷺ؟

والاحتمالات المتاحة أمامنا لا تخرج عن الآتي:

تعلم ﷺ على يد علماء أهل الكتاب قبل بعثته.

أو تعلّم على يد علماء أهل الكتاب بعد بعثته.

أو أنه قد تلقى علوم الكتاب المقدس على يد العرب.

أو على يد الفتى الرومي (كما قال معاصروه).

الاحتمال الأول في الميزان: أستاذية علماء أهل الكتاب قبل البعثة

العلم بتفاصيل الأديان لا يُنال بالطفرات؛

سوى بالراهب (بحيرا) (وهو في الثانية عشرة من عمره)، وهو لقاء حضره عمه (أبو طالب)، ومضمون هذا اللقاء هو إخبار هذا الراهب أبا طالب أنّه قد رأى في الرسول ﷺ علامات النبوّة! وهو لقاء سريع وخاطف، ولم يكشف عن عمل تعليمي من هذا الرجل للرسول ﷺ.

على أنّ الراجح – بعد بحث أصالة الرواية متنًا وسندًا – أنّ قصّة لقاء الرسول ﷺ (ببحيرا) هي قصّة مختلقة منكرة تخالف ما ثبت من صحيح السيرة في المرحلة التالية حيث لا يبدو من (أبي طالب) علم بنبوّة الرسول ﷺ لمّا كان الرسول ﷺ قبل لقائه بجبريل عليه السلام يحسب أنّه سيكون ممّن اصطفاهم المولى عزّ وجل لهذا المقام، كما أنّه ﷺ قد فوجئ بلقاء جبريل عليه السلام، واضطر إلى سؤال (ورقة بن نوفل) عن الذي وقع له في الغار!

قصة بحيرا لا تثبت أمام النقد الحديثي، ولو افترضنا جدلاً أنها وقعت فإن اللقاء بينهما لا يعدو الساعة أو الساعتين، وعمر النبي ﷺ اثنتا عشرة سنة. ولو حدثت قصة اللقاء لأثارت جدلاً في قريش. لكننا لا نجد صدى لها مما يؤكد بطلانها. وماذا يتحمّل صبيّ في الثانية عشرة من عمره عن بحيرا؟ وقد اجتمع به بحضور قريش ساعة من زمان؟ .

أكرم ضياء العمري، مرويات السيرة النبوية، بين قواعد المحدثين وروايات الأخباريين (نسخة الكترونية).

(كليمن هوار) الذي قال في مقاله مصدر جديد للقرآن : النصوص العربيّة التي اكتشفت، ونشرت، ودرست منذ ذلك الوقت، لا تسمح بأن يُرى في دور هذا الراهب السوري غير الخيال الصرف .

كليمن هوار (1854 – 1926م) (Cl ment Huart): مستشرق فرنسي. عمل أستاذًا في مدرسة اللغات الشرقيّة الحيّة، ومديرًا للدراسات في المدرسة التطبيقية للدراسات العليا في باريس. عمل في مة السعار الي لد السلية.

Cl ment Huart, Une nouvelle source du Qor n, Journal Asiatique, Juillet – aout, 1904, p.127.

لا يمكن أن تكون النصرانية هي المورد الذي كان محمد ﷺ يرتاده ليملأ منه صفحات كتابه؛ إذ لم تكن هناك معالم واضحة للنصرانية في جزيرة العرب.

تقول الموسوعة الكاثوليكيّة الجديدة في هذا الشأن: لم تُمس الحجاز بالدعوة إلى النصرانيّة؛ ولذلك فإنّ مؤسسة الكنيسة المسيحيّة لا يتوقّع أن تكون قد وُجِدت كما أنها لم توجد هناك .

New Catholic Encyclopaedia (The Catholic University of America, Washington DC, 1967), 1/ 721 – 722 (Quoted by, Kh lid al – Khazr ji and others, The Prophet’s Wives Teaching the Bible?).

وقال (بيل): .. بالرغم من وجود تراث بلغ به الأمر أن زعم اكتشاف صورة لعيسى في أحد أعمدة الكعبة؛ فإنّه لا توجد حجّة قوية لأيّ مكان للمسيحيّة في الحجاز أو في قرب مكّة أو حتى المدينة .

Richard Bell, The Origin of Islam in its Christian Environment, 1925; 1968, The Gunning Lectures Edinburgh University (London: Frank Cass and Company Limited), p.42 (Quoted by, Kh lid al – Khazr ji and others, Is The Bible Really The Source Of The Qur’ n?).

يقول المستشرق (دوزي): كانت هناك ثلاث ديانات تقتسم البلاد العربيّة في زمن محمّد؛ اليهوديّة والمسيحيّة وشكلٌ غامض من الوثنيّة. ربّما كانت القبائل اليهوديّة هي فقط مخلصة لإيمانها… لم يكن للمسيحيّة غير قلّة من الأتباع العارفين بها؛ إذ إنّ جل المؤمنين بها، كانت معرفتهم بها سطحيّة جدًّا .

Reinhart Dozy, Spanish Islam: a history of the Muslims in Spain, tr. Francis Griffin Stokes (Chatto & Windus, 1913), p.13.

الاحتمال الثاني في الميزان: أستاذية علماء أهل الكتاب بعد البعثة

لم تعرف مكّة طائفة يهوديّة، ويشهد على ذلك ما جاء في الصحيحين عن (ابن عباس) رضي الله عنه، قال: قدم النبي ﷺ المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء؛ فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجّى الله بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى، قال: فأنا أحق بموسى منكم. فصامه وأمر بصيامه . فالاحتكاك بطائفة اليهود كان في المدينة لا في مكّة.

رواه البخاري، كتاب الصيام، باب صوم يوم عاشوراء (ح/ 2004)، ومسلم، كتاب الصيام، باب صوم يوم عاشوراء، ح/ 1130.

والحقيقة هي أنّ من قيل إنهم نصارى في مكة من معاصري الرسول ﷺ لا يتعدّى أمرهم ثلاثة: (ورقة بن نوفل)، و(عبيد الله بن جحش) و(عثمان بن الحويرث)..

أهم نقاط التشابه بين القرآن الكريم والكتاب المقدّس – كما يصرّ على ذلك المشككون – هي قصص الأنبياء، ولو أننا تأمّلنا في النص القرآني لوجدنا أن السور المكية هي التي تعرض أطول قصص التوراة بتفاصيلها الدقيقة، ولم تترك للسور المدنية سوى فرصة استخلاص الدروس منها، وغالبًا في تلميحات موجزة.

حتى نرشد القارئ في هذا الشأن نوضح الآيات المكية التي عنيت بهذا القصص: سورة الأعراف عن آدم 11 – 25، وموسى 102 – 176، سورة يونس عن موسى 75 – 92، وسورة هود عن نوح 25 – 49، وإبراهيم ولوط 69 – 82، وسورة يوسف عن يوسف، وسورة الحجر عن آدم وإبراهيم ولوط 26 – 77، وسورة الإسراء عن بني إسرائيل 4 – 8، وسورة الكهف عن أهل الكهف 9 – 25، وموسى 60 – 82، وسورة مريم عن زكريا ويحيى ومريم وعيسى… إلخ 1 – 33، وسورة طه عن موسى 9 – 98، وسورة الأنبياء عن إبراهيم 51 – 70، وداود وسليمان 78 – 82، وسورة الشعراء عن موسى وإبراهيم ونوح… إلخ 10 – 189، وسورة النمل عن موسى وداود وسليمان 7 – 44، وسورة القصص عن موسى 3 – 43، وقارون 76 – 82، وسورة العنكبوت عن نوح وإبراهيم ولوط 14 – 35، وسورة سبأ عن داود وسليمان 10 – 14، وسورة ص عن داود وسليمان وداود وأيوب 17 – 44، وسورة الذاريات عن إبراهيم 24 – 37. (عن محمد عبد الله دراز، مدخل إلى القرآن الكريم، تحقيق: محمد عبد العظيم علي، الكويت: دار القلم، 1401هـ 1981م، ص156).

توبيخ القرآن لليهود في العهدين المكي والمدني وتقريعه لهم يجعل القول إنّ (محمدا) ﷺ قد تعلّم على يد أحبار اليهود في المدينة أمرًا مرفوضًا ببداهة العقل:

يتحدث القرآن الكريم بلسان الأستاذ لا بلسان التلميذ؛ فهو يوبّخ أهل الكتاب على جهالاتهم، ويكشف خرافاتهم، ويفنّد مغالطاتهم:

آمن بنبوّة الرسول ﷺ أعلام من أهل الكتاب في الجزيرة العربيّة، وذكر القرآن الكريم هذه الحقيقة، تدليلاً على أنّ الإسلام بقرآنه وعقائده من عند الله سبحانه لا من لسان (محمد) ﷺ.

{الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) وَإِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53) أُولَٰئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} [القصص: 52 – 54].

الاحتمال الثالث في الميزان: أستاذية وثنيي مكة

وهو احتمال لا يُعرف له صاحب يتبنّاه!

إيليا والبعل

قال تعالى: {وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (123) إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ (124) أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (125) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (126)} [الصافات: 123-126].

والناظر في التفاسير المبكّرة – وهي التي تعنينا في هذا المقام -، يرى أنّ عامة المفسّرين على أنّ المقصود بـ(بعل) في الآية هو الرب باعتبار أنّ أهم معاني هذه الكلمة في اللغة: الرب و السيد ؛ قال (ابن كثير): قال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وعكرمة وقتادة والسدي: بعلاً؛ يعني: ربَّا ، والأغرب أنّ كثيرًا من المفسّرين الأوّلين في القرون الأولى بعد البعثة النبويّة، ومنهم الصحابة رضوان الله عليهم، قد ذهبوا إلى أنّ (إلياس) هو (إدريس)،

إحالة حَرفيّة إلى الزبور

بلغ من أمر القرآن الكريم في دقّته أن يحيل إلى سفر معيّن من الكتاب المقدّس وينقل عنه نصّه حرفيًّا، وهو ما لا نعرف له نظيرًا البتّة بين عرب الجاهليّة الوثنيين؛ فقد جاء في سورة الأنبياء، الآية 105: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ}

الاحتمال الرابع في الميزان: أستاذية الحدّاد الرومي

(الجبر) حدّاد رومي نصراني يقرأ ويكتب.. لكنه عامي الفؤاد لا يعلم الكتاب إلا أماني، أعجمي اللسان لا تعدو قراءته أن تكون رطانة لا يعرفها (محمد) ﷺ ولا أحد من قومه.

بل هل تُرى العامة من النصارى في عصرنا يعلمون ما تضمه أسفارهم المقدسة من عقائد وقصص؟!

تذكر الإحصائيات أنّ 14٪ فقط من الأمريكيين يعرفون الوصايا العشر في التوراة.

أهمل المستشرقون هذا الوجه من الاعتراض، ولم يلقوا له بالاً، لعظم تهافته.

الفصل الخامس: دراسة تطبيقية للإعجاز الغيبي: قصة يوسف عليه السلام

{نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ} [يوسف: 3].

امْتَحِنُوا كُلَّ شَيْءٍ. تَمَسَّكُوا بِالْحَسَنِ (1 تسالونيكي 21/5 – الكتاب المقدس)

قصة النبي يوسف، بين خيارين.. أصالة أم اقتباس؟

إنّ طبيعة القصص القرآني تمنع أن يكون قصصها نَسخًا من قصص الأوّلين؛ فهو براء من الأخطاء التاريخية والأساطير والتناقضات، بل هو نسيج وحده.

سنقارن الصياغة القرآنية والتوراتية لقصّة (يوسف) عليه السلام من الأوجه التالية:

الاختلافات في تفاصيل القصّة

تصحيح القرآن الكريم لأخطاء الرواية التوراتيّة.

تلافي القرآن الكريم لأخطاء الرواية التوراتيّة.

خلو الرواية القرآنيّة من تناقضات الرواية التوراتيّة.

ارتباط الرواية القرآنيّة بحقيقتي التوحيد وعصمة النبوّة، على خلاف الرواية التوراتيّة.

موافقة القرآن الكريم للمنطق الروائي المقبول، على خلاف الرواية التوراتيّة.

الفارق في فلسفة القصّة وعظتها بين الرواية القرآنيّة والرواية التوراتيّة.

إعجاز القرآن في ذكر خبر السابقين، هو أساسًا في المطابقة لا المخالفة؛ فإنّ من أعظم أوجه استدلال القرآن لنفسه بالإعجاز أنّه يذكر خبر الأوّلين بما يشهد أهل الكتاب مطابقته أسفارهم المقدّسة رغم علمهم بأميّة نبي الإسلام ﷺ وهو ما يلزمنا أن ندرس كلّ مخالفة قرآنية للرواية التوراتية بعناية خاصة؛ إذ لا مخالفة إلاّ لداعٍ خاص؛ فالأصل هو الموافقة.

خمسون وجها للتأمّل!

نزلت سورة يوسف مرّة واحدة،

أوّلا: تبدو قصة يوسف التوراتية مجرّد فصول في رواية كبرى، تتتابع أحداثها وتتلاحق أنفاسها دون أن تصعد بالقارئ إلى الحقيقة العليا والرسالة الكبرى التي أفنى الأنبياء أعمارهم في الدعوة إليها؛ ألا وهي حقيقة التوحيد ونبذ الشرك..

ظهر أمر الوعظ والحكمة بجلاء في النصّ القرآني من خلال الاعتناء بالإشارة إلى أحداث معينة مخصوصة،

ثالثا: غاب ذكر الآخرة بصورة تامة في القصة التوراتية،

{وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ ۚ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاءُ ۖ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (56) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (57)} [يوسف: 56، 57].

رابعا: تظهر التوراة (يوسف) عليه السلام وله من العمر سبع عشرة سنة يرتكب فعلا قبيحًا مؤذيًا لإخوته وموغرًا لصدر أبيهم عليهم؛ وهو أنه كان ينقل سيئ أخبارهم إلى أبيهم: وأتى يوسف بنميمتهم الرديئة إلى أبيهم، وقد دفع هذا الأمر بعض الأحبار إلى أن يقولوا في تفاسيرهم كلامًا شديدًا في ذمّ (يوسف)!.. في حين تغيب هذه الصورة تمامًا عن القرآن الكريم؛ وفي ذلك تأكيد لارتباط العصمة بالنبوة، والكمال الأخلاقي بالتبليغ عن ربّ العالمين؛ إذ النبوة في أصلها اجتباء ربّاني لمطهَّر بشري.

خامسًا: تذكر التوراة أنّ (يعقوب) هو الذي طلب من (يوسف) أن يذهب إلى إخوته الذين كانوا يرعون أغنامهم عند شكيم والتي يحتمل أنها تل بلاطة شرق نابلس الحالية – بينما يقرّر القرآن الكريم أن إخوة (يوسف) الذين طلبوا من أبيهم أن يذهب (يوسف) معهم؛ لأنّ أباه كان يخشى عليه من حقدهم، {قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (11) أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (12)} [يوسف: 11، 12].

الثاني عشر: ذكرت التوراة أنّ من اشترى يوسف هو فوطيفار خصي فرعون رئيس الشرطة (تكوين 39 / 1). وهذا ادعاء مخالف لطبائع الأمور؛ إذ كيف يكون (فوطيفار) خصي فرعون، ثم هو في نفس الوقت (1) رئيس الشرطة المصرية (2) وزوج إحدى جميلات مصر!؟ بل وتجعل التوراة حاشية القصر كلها من الخصيان ومنهم رئيس السقاة ورئيس الخبازين!؟ (تكوين 40 / 2)

الثامن عشر: القرآن الكريم وحده هو الذي يشير إلى أن الله سبحانه وتعالى قد أظهر براءة (يوسف) على يد شاهد من أهل امرأة العزيز نفسها،

بينما لم تذهب التوراة إلى أكثر من أن العزيز حين سمع لم يزد عن أن غضبه حمى فأخذ يوسف ووضعه في بيت السجن.

العشرون: القرآن الكريم وحده هو الذي يشير إلى أن (يوسف) عليه السلام قد فضّل السجن على أن يقترف الفاحشة،

الواحد والعشرون: أبرز القرآن براءة (يوسف) في جلاء، وتوقف لبعض الآيات لإظهار ذلك ولصرف الظنون الفاسدة عن هذا النبي الطاهر،

الثالث والعشرون: جاء في وصف التوراة لحلم حاكم مصر: ثم رأى سبع سنابل عجفاء قد لفحتها الريح الشرقية نابتة وراءها (تكوين 6/41).

ذكر بعض النقاد أنّ الريح التي تهب في مصر فتجفف الثمر، هي رياح صحراوية جنوبية،

Gordon Wenham, Word Biblical Commentary, Volume 2: Genesis 16 – 50 (Dallas, Texas: Word Books, 1998, CD edition).

أما الرياح الشرقيّة فهي التي في فلسطين ويكشف هذا الخطأ جهل من أضاف هذا النص بطبيعة بلاد مصر، وقد قال الناقد (جورج سبورل): إنّ الراوي هنا قد أشار إلى الريح المدمّرة في فلسطين (هوشع 15/13، يونان، 8/4 حزقيال (10/17).

George Spurrell, Notes on the Hebrew Text of the Book of Genesis, p.291.

السابع والعشرون: جاء في التوراة أنه لما حصلت المجاعة لسبع سنوات: جاءت كل الأرض إلى مصر إلى يوسف لتشتري قمحًا لأنّ الجوع كان شديدًا في كل الأرض (تكوين 57/41).. وهي دعوى باطلة علميا وتاريخيًا..

الثامن والعشرون: جاء في التوراة حدثت مجاعة في جميع البلدان ، لكنّ التوراة أضافت أن (يعقوب) قد قال لأبنائه: خذوا معكم هدية للرجل واملأوا أوعيتكم من خير جنى الأرض وقليلا من البلسان والعسل والكثيراء واللاذن والفستق واللوز ، بما يدلّ على أنّ المجاعة لم تصبهم،

الواحد والثلاثون: تظهر التوراة (يوسف) عليه السلام وكأنّه نقمة على المصريين ووبال عليهم؛ إذ استغل سنوات المجاعة ليستعبد المصريين للحاكم ويأخذ منهم أرضهم له، كما أنه عندما دعا أباه وأهله وعدهم أن يعطيهم خيرات أرض مصر ، وكأنّ أهل البلد لا حق لهم في أرضهم.

الثاني والثلاثون: زعمت التوراة أن (يوسف) عليه السلام كان يكرّر القسم بحياة فرعون، وهو أمر يخالف مقام النبوة والعصمة.. ويزداد الأمر سوءًا إذا علمنا أن هذا الملك كان مشركًا.. وليس في القرآن من ذلك شيء!

الخامس والثلاثون: يظهر القرآن أنّ غاية المؤمن لا يمكن أن تكون إلا في طلب الراحة والنعيم في الجنّة؛ فهذا نبي اللّه (يوسف) عليه السلام يقول وهو يعدد نعم الله سبحانه عليه -: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [يوسف: 101].

السادس والثلاثون: تذكر التوراة أنّ (يوسف) قد قدّم الطعام إلى إخوته لما قَدِموا عليه، وأنّه قَدَّم لهم الخمر، وشرب (يوسف) منه معهم؛ حتى سكروا جميعًا، ولا أثر لهذا المنكر القبيح في القصّة القرآنية.

تكوين 43/34، النص العبري يقول: (וישתו וישכרו עמו) (ويشتو ويشكرو عِمّو) (وشربوا وسكروا معه) وقد حاولت بعض الترجمات أن تصرف كلمة (وسكروا) إلى معنى آخر غير السكر. وذاك أولا: لا ينفي أنّ (يوسف) قد قدّم الخمر إلى إخوته، وأنهم شربوا هذا المسكر، وثانيًا: النص العبري يستقيم بصورة جليّة مع القول إن معناه هو أن الإخوة قد سكروا مع أخيهم وهو نفس المعنى الوارد في الترجمة السبعينية: (έπιον δὲ καὶ ἐμεθύσθησαν μετ‘ αὐτοῦوالترجوم الأرامي: (ואשתיאו ורויו עמיה) والبشيطا السريانية: (ܘܐܫܬܝܘ ܘܪܘܝܘ ܥܡܗ) والفولجات: ثالثًا: الترجمات العربية (على غير عادتها) لم تتبع الترجمات الغربية، ووافقت المعنى الصحيح!

التاسع والثلاثون: ذكرت التوراة (تكوين 11/47) أن (يوسف) عليه السلام قد سكن هو وإخوته أرض رعمسيس، وهذا خطأ تاريخي لأنّ كلمة (رعمسيس) لم تستعمل قبل الأسرة التاسعة عشر (1194-1308 ق.م) وليس منذ عصر الهكسوس (حوالي 1725-1575 ق.م)؛ أي: عصر (يوسف) الصديق عليه السلام. محمد بيومي مهران، إسرائيل 3/111.

الأربعون: جاء في التوراة أنّ (يوسف) قد حلم أنّ الشمس والقمر وأحد عشر كوكبًا ساجدة له، وأنّه لما قصّ هذا الحلم على أبيه؛ انتهره أبوه، وقال له: أي حلم هذا الذي حلمته؟ أتظن حقا أنني وأمك وإخوتك سنأتي وننحني لك إلى الأرض؟ (تكوين 10/37)، ويفهم من التوراة ذاتها أنّ أمّ (يوسف) قد توفيت قبل فترة طويلة من سَفر (يعقوب) وأبنائه إلى (يوسف) فى مصر بعد أن صار ذا حظوة عند حاكمها (انظر: تكوين 18/35)..

وهنا أصلح القرآن خطأ التوراة في مناقضتها لما دلّت عليه الرؤيا من بقاء أم (يوسف) حيّة حتّى تلقاه مُمَكَنًّا في الأرض.

الرابع والأربعون: جاء في تكوين 13/50 أنّ (يعقوب) قد دفن في حقل المكفيلة، في حين يفهم من سفر أعمال الرسل 16/7 أنّ (يعقوب) قد دفن في (شكيم)، وليس في القرآن هذا التناقض.

السادس والأربعون: جاء في تكوين 4/46 وعد الربّ (يعقوب) أن يأخذه إلى مصر، ثم يردّه منها، في حين يفهم من تكوين 28/47-29 أنّ (يعقوب) قد مات في مصر.. وليس في القرآن هذا التناقض!

السابع والأربعون: جاء ذكر أولاد (بنيامين بن يعقوب) في قصّة (يوسف) في تكوين 21 /46 على أنّهم عشرة أولاد، في حين أنّ عددهم في سفر العدد 38/26-40 أربعة أمّا عددهم في أخبار الأيام الأوّل 6/7 فهو ثلاثة، ويبلغ عددهم في أخبار الأيام الأوّل 1/8-2 خمسة، والأغرب من ذلك أن هذه القوائم لا تشترك إلا في اسم واحد هو (بالع)! وليس في القرآن الكريم شيء من هذا التناقض!

الثامن والأربعون: جاء في تكوين 27/46 وخروج 5/1 أنّ عدد أفراد عائلة (يعقوب) الذين سافروا معه إلى مصر يبلغ سبعين نفسًا، في حين يخبرنا سفر أعمال الرسل 14/7 أنّ عددهم 75 نفسًا، وليس في القرآن هذا التناقض.

وحي أم نقل؟

وعلى غير المسلم – ليقيم حجّته – أن يثبت جملة من الأمور:

أن نبي الإسلام ﷺ تنبّه للأخطاء العلمية والتاريخية في القصة التوراتية.. وذاك معارَضٌ بأنّه أميّ من أمّة أميّة، ومعارَض بأنّ الراسخين من أهل الكتاب لم ينتبهوا إلى هذه الأخطاء.. بل ومعارَضُ بأنّ طائفة من هذه الأخطاء لم يُكتشف فسادها إلا في القرون الأخيرة، في الدراسات الأكاديميّة التخصصيّة.

الفصل السادس: إعجاز القرآن في حقيقة الألوهية

بين خيارين.. متابعة أم هيمنة؟

كشف البحث العلمي منذ بدايات ما يُعرف بـ عصر النهضة أنّ الكتب المقدسة لليهود والنصارى بصورتها الحالية والتي كانت عليها زمن البعثة المحمّديّة قد رتعت فيها يد التحريف طويلاً؛ فحذفت وأضافت وتشرّبت من رصيد الحضارات القائمة كثيرًا؛

لاهوت اليهود

الإله العنصري: من أبرز صفات ربّ التوراةِ عنصريته؛ فهو ربّ بني إسرائيل لا ربّ العالمين، فخلط بنو إسرائيل بذلك بين أن يكونوا الأمّة المصطفاة قديمًا من جهة وأن يكون هذا الاصطفاء برهان احتكارهم للإله؛ ليكون معبودهم مبغضًا لجميع أمم الأرض دائمًا من جهة أخرى.

الإله الدموي: الصفة الأبرز للإله التوراتي الصادمة للقارئ المعاصر هي دمويته الطافحةِ، وولعه بسفك الدماء حتى إنه عاقب السامرة بقوله: بِالسَّيْفِ يَسْقُطُونَ. تُحَطَّمُ أَطْفَالُهُمْ، وَالْحَوَامِلُ تُشَقُّ (هوشع 16/13)، وهو إله يوسّع أحيانًا دائرة الدم بصورة أبشع حتّى يقول: اقْتُلْ رَجُلاً وَامْرَأَةً، طِفْلاً وَرَضِيعًا، بَقَرًا وَغَنَمًا، جَمَلاً وَحِمَارًا (1 صموئيل 3/15)،

وصف الإله بما لا يصحّ من أوصاف:

كقول صاحب المزامير: فاستيقظ الرب كنائم كجبار معيط من الخمر (مزمور 5/78)

لاهوت النصارى

قال (ابن حزم) في النصارى: ولولا أنّ الله تعالى وصف قولهم في كتابه، إذ يقول تعالى: {لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} [المائدة: 17]، وإذ يقول تعالى حاكيًا عنهم: {إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ} [المائدة: 73]. وإذ يقول تعالى حاكيًا عنهم: {أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ} [المائدة: 116]، لما نطق لسان مؤمن بحكاية هذا القول العظيم الشنيع السمج السخيف. وتالله لولا أننا شاهدنا النصارى، ما صدقنا أنّ في العالم عقلًا يسع هذا الجنون .

ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، 1/ 111-112.

لقد جمعت العقيدة النصرانيّة منكرات عقيدة اليهود إلى منكرات الوثنيين مع شطحات اللاهوتيين والمجامع الكنسية، وقبل ذلك تحريف أصحاب الأناجيل لقصة المسيح ومبتدعات (بولس)؛ لتكون النتيجة منظومة عقديّة تجمع أشتاتًا من المنكرات؛

وقد كانت نكارة عقائد الكنيسة سببًا مباشرًا في إطلاق الشرارة الكبرى للربوبيّة في القرن الثامن عشر، وكان اللاهوت وأخبار الكتاب المقدس حافزَين للكفر بمفهوم الوحي، وتقديس العقل والاكتفاء باللاهوت الطبيعي (بالنظر في الطبيعة).

لاهوت الوثنيين

اللاهوت الوثنيّ أبعد مُستقى ممكن للتصوّر اللاهوتي الإسلامي؛ إذ إنّ القرآن كان يستهدف تصوّر الوثنيين منذ البدء بالنقد والنقض.

نزل القرآن في زمن بلغ التقارب فيه بين لاهوت أهل الكتاب ولاهوت الوثنيين أقصاه في كثير من أبواب المعرفة بالله.

لاهوت الأحناف

وممّا يُصوّر خبر الأحناف قول (أسماء بنت أبي بكر) رضي الله عنهما: لقد رأيت زيد بن عمرو بن نفيل مسندًا ظهره إلى الكعبة يقول: يا معشر قريش والذي نفس زيد بيده ما أصبح أحد منكم على دين إبراهيم غيري، ثم يقول: اللَّهُمَّ إني لو أعلم أحب الوجوه إليك عبدتك به، ولكني لا أعلم، ثم يسجد على راحلته . رواه ابن إسحاق، وإسناده حسن. سيرة ابن إسحاق، ص96.

لاهوت القرآن

إنّه التنزيه الكامل للألوهيّة والربوبيّة من كلّ شوائب الشرك في خصائص الخلق ولوازم الطاعة المطلقة، وهو ما لا نرى له نظيرًا في اليهوديّة أو النصرانيّة..

ومن طريف هذا الباب أنّ المستشرق الفرنسي (إرنست رينان) قد حطّ من الإسلام وتاريخه، وألقى عليه ظلال أوهامه العنصريّة التي عُرف بها في قراءته للتاريخ ونظرته إلى الأمم، غير أنّه قال: إنّ أعظم هِبة قدّمتها الحضارة الإسلاميّة إلى العالم هي التوحيد (واللغة العربية) .

Frederick Quinn, The Sum of All Heresies: The Image of Islam in Western Thought (Oxford: Oxford University Press, 2008), p.99.

وقد أحسن المستشرق (جاك بيرك) عندما قال: ربما من الممكن تلخيص (رسالة) القرآن في كلمة واحدة، وهي توحيد الله

(Le Coran pourrait se r sumer peut- tre en un seul mot celui d’unite)

جاك بيرك (1910 – 1995م) (Jacques Berque): عالم اجتماع ومستشرق فرنسي. عضو مجمع اللغة العربيّة في القاهرة. صاحب واحدة من أشهر ترجمات معاني القرآن الكريم الفرنسيّة.

Jaques Berque, Relire le Coran (Paris: Albin Michel, 1993), p.20.

وهي عين كلمة (ابن تيمية): التوحيد هو سر القرآن ولب الإيمان .

ابن تيمية، مجموع الفتاوى 368/1.

ولو أنّنا نظرنا إلى أسماء الله سبحانه في الكتاب والسُّنَّة؛ لوجدنا أنها خمسة أقسام:

الأول: الذي ينحو إلى تقرير إثبات الباري ردًّا على الجاحدين المعطّلين، ويندرج تحت هذا القسم اسم (الحي) و(الباقي) و(الوارث) وما في معناها.

الثاني: الأسماء التي تقرر توحيده ردًّا على من أشرك به في عبادته غيره، مثل (الكافي) و(العلي) و(القدير) ونحوها.

الثالث: الأسماء التي تقرّر تنزيهه – تبارك وتعالى – ردًا على المشبهة، مثل (القدوس) و(المجيد) و(المحيط) ونحوها.

الرابع: الأسماء التي تدل على أنّ كل موجود فإنه من خلقه واختراعه كـ(الخالق) و(البارئ) و(المصوّر) و(القوي) ونحوها.

الخامس: الأسماء التي تقرر أنه مدبر لما اخترع ومصرفه على ما شاء، وهو (القيوم) و(العليم) و(الحكيم) ونحوها.

ابن حجر، فتح الباري 223/11.

وقد اعترف البابا (يوحنا بولس الثاني) نفسه أنّ بعض أفضل الأسماء في اللغة البشريّة، قد أطلقت على إله القرآن .

يوحنا بولس الثاني (1920 – 2005م): بابا الفاتيكان من 1978 إلى 2005م. من أشهر البابوات الذين سعوا إلى تنصير المسلمين؛ خاصة الأفارقة منهم.

John Paul II, Crossing the Threshold of Hope, ed. Vittorio Messori (New York: Random House, Inc., 1995), p.92.

الفصل السابع: إعجاز القرآن في حقيقة النبوة

{أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُادَهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90].

بين خيارين.. رد إلى الأصل أم اقتباس؟

يقول المسلم: إنّ النبوّة في القرآن قد اتّخذت حلّة جديدة لم تعرفها في أسفار اليهود والنصارى، إذ عادت إلى أصلها الأوّل؛ بهيّة مشرقة بالخير؛ فتطهّرت من أرجاس الآثام التي نسبتها التوراة إلى الأنبياء. واستعادت بذلك صلتها الأولى بالألوهيّة الكاملة والحكمة العظيمة من تنزّل الوحي على البشر.

النبوة في الكتاب المقدس

غموض معنى النبوة

قال (جير هارد داو تسنبرج) – أحد كبار دارسي العهد الجديد – إنّ النصرانيّة لا تعرف منذ بداية القرن الثالث ماهية وظيفة النبوّة، وقد استمرّ هذا الجهل بوظيفة النبوّة حتّى يومنا هذا.

153.G. Dautsenberg, Urchristliche Prophetie , p (نقله عبد الراضي محمد عبد المحسن، المعتقدات الدينية لدى الغرب، الرياض: مركز الملك فيصل، 1421هـ 2001م، ص400 – 401).

قبائح الأنبياء

وأفتى (قيافا) النبيّ اليهودي (يوحنا 49/11 – 52) بقتل المسيح (متّى 26/ 57 – 67)…

النبوة في القرآن الكريم

وأعظم ما في القرآن في رسالة الأنبياء كثافة الإخبار بمركزيّة التوحيد في دعوتهم أممهم إلى الإيمان الحقّ؛

بل يختصر القرآن الغاية من بعثة الأنبياء، في أعظمها، بقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25].

إذا نظرنا إلى الجهة المزعوم أنها مصدر الاقتباس القرآني؛ فسنلاحظ أنّ العهد القديم الذي يمثّل المرجع اليهودي الأسنى والمرجع النصراني الأطول، لا يذكر اليوم الآخر إلا نادرًا في آخر أسفاره تأليفًا.

تأخرُ ظهور ذِكر اليوم الآخر في أسفار العهد القديم برهان تحريفها؛ إذ إنّ التصوّر الإسلامي يقطع أنّ الأنبياء السابقين قد بلّغوا خبر يوم الجزاء قومهم. ولا يستسيغ عقل الحكيم أن يذكر الأنبياء لأقوامهم بسيط الأمور مع إهمال أمر المعاد، وحياة الأبد.

إنّ أولى الإشارات في الأدب اليهودي لقيامة البشر في نهاية الزمان ظهرت في سفر دانيال ..!

The World Book Encyclopedia (Chicago: World Book, 2001), 16/264.

أمّا القرآن الكريم فإنّه يقصر أمره على الموعظة والعبرة، ويبدو من خلال آياته أنّ قصص النبيين لم تنزل لمجرّد تسويد الصفحات أو التكثّر من المعارف القديمة، وإنما قد تتالى نزولها لحكم عظيمة ومنافع كثيرة، أهمها:

1- إيضاح أسس الدعوة إلى الله، وبيان أصول الشرائع التي بعث بها كل نبي، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25].

2- تثبيت قلب النبي ﷺ وقلوب الأمّة المحمديّة على دين الله وتقوية ثقة المؤمنين بنصرة الحق وجنده، وخذلان الباطل وأهله، قال تعالى: {وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ۚ وَجَاءَكَ فِي هَٰذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ} [هود: 120].

3- تصديق الأنبياء السابقين وإحياء ذكرهم وتخليد آثارهم.

4- إظهار صدق محمد ﷺ في دعوته بما أخبر به عن أحوال الماضين عبر القرون والأجيال؛ كقوله تعالى: {تِلْكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ ۖ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَٰذَا ۖ فَاصْبِرْ ۖ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} [هود: 49].

5- مقارعته أهل الكتاب بالحجة فيما كتموه من البيّنات والهدى، وتحدِّيه لهم بما كان في كتبهم قبل التحريف والتبديل؛ كقوله تعالى: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ ۗ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران: 93].

6 – القصص ضرب من ضروب الأدب، يصغي إليه السمع، وترسخ عِبَره في النفوس، قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [يوسف: 111].

الفصل الثامن: الإعجاز التشريعي

{أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14].

القرآن.. يحمل الشريعة الخالدة والكاملة والمطابقة للحقائق البشرية والحاجات الاجتماعية في كل الأزمنة. (القانوني السويسري الشهير: Marcel A. Boisard)

بين خيارين.. اقتباس فاضح أم إعجاز رائق؟

يُعتبر تنظيم معايش الناس بما يعود بالصلاح على دنياهم وأخراهم من أهمّ أغراض النبوّة، وقد جاء في القرآن والسُّنَّة تأصيلٌ وتفصيلٌ لكثير من قضايا المنع والإباحة والصحّة والفساد والتوجيه والتحديد.

مصادر بشرية لشرائع الإسلام؟

التوراة والتلمود

أولاً: غياب منظومة تشريعيّة توراتية تستوعب تفاصيل الحياة وتسدّ حاجات الأمّة والفرد؛ في حين استوعب التشريع الإسلامي (قرآنًا وسُنَّة) جليل الأمور ودقيقها.

ثانيًا: إغراق النص التوراتي في التشريعات الطقوسيّة التفصيليّة التي لا تمسّ حياة الناس في شيء، وهو ما لا نرى له ظلًّا في القرآن الكريم.

خامسًا: تستوعب الشريعة الإسلاميّة حاجات الإنسان سواء كان مسلمًا أو غير مسلم، في حين تكتفي الشريعة التوراتيّة بالنظر في حاجات الإسرائيلي.

سادسًا: كثير من أحكام التوراة قائمة على تمييز طبقة رجال الدين عن طبقة العامة، في حين يخلو التشريع الإسلامي من الاعتراف بطبقة رجال الدين؛ فكلّ المسلمين مكلّفون بالتزام الشرع متى بلغوا وعقلوا الخطاب.

ثامنًا: قانون الحرب في الإسلام منضبط بحدود أخلاقيّة تمنع جموحه نحو الانتقام أو نهمة الثروة، في حين تكسو نصوص الحرب في العهد القديم غلالة كثيفة من الدمويّة والكلف بالمال.

بل هو تأثير إسلامي في شرائع أهل الكتاب

شهد المستشرق (جوزيف شاخت) – الذي يعدّ أحد أهمّ المستشرقين المعتنين بالدراسات التشريعيّة والفقهيّة الإسلاميّة – أنّ التشريع الإسلامي هو الذي أثّر في التشريعات اليهوديّة والنصرانيّة. قال: من أهم ما أورثه الإسلام للعالم المتحضّر قانونه الديني، الذي يسمى (بالشريعة). والشريعة الإسلاميّة تختلف اختلافًا واضحًا عن جميع أشكال القانون.. إنّها قانون فريد في بابه.. إنّ الشريعة الإسلاميّة هي جملة الأوامر الإلهيّة التي تنظّم حياة كلّ مسلم من جميع وجوهها .

شاخت، تراث الإسلام، ص12 (نقله، محمد عمارة، الإسلام في عيون غربيّة، القاهرة: دار الشروق، 1425هـ 2005م، ص180).

قال المستشرق إميل درمنغام : وما أكثر ما في القرآن والحديث من الأمر بالتسامح، وما أكثر عمل فاتحي الإسلام بذلك، ولم يروِ التاريخ أنَّ المسلمين قتلوا شعبًا، وما دخول الناس أفواجًا في الإسلام إلا عن رغبة فيه. وهنا نذكر أن عمر بن الخطاب لما دخل القدس فاتحًا أمر بأن لا يُمس النصارى بسوء، وبأن تترك لهم كنائسهم، وشمل البطرك بكل رعاية، ورفض الصلاة في الكنيسة خوفًا من أن يتخذ المسلمون ذلك ذريعة لتحويلها إلى مسجد. وهنا نقول: ما أعظم الفرق بين دخول المسلمين القدس فاتحين، ودخول الصليبيين الذين ضربوا رقاب المسلمين، فسار فرسانهم في نهر من الدماء التي كانت من الغزارة بحيث بلغت الركب .

إميل درمنغام (1892 – 1971م) (Emile Dermenghem): مستشرق فرنسي. عمل في الأرشفة المكتبيّة والصحافة. من مؤلفاته: Mahomet et la tradition islamique: avec bibliographie .

إميل در منغم، حياة محمد، تعريب: عادل زعيتر (الإمارات العربية المتحدة: دار العالم العربي، 2013م)، ص369.

لا يوجد عالم معاصر اليوم يقبل فكرة (أنّ الإسلام انتشر بالقهر). القرآن صريح في دعمه حرية الاختيار (James Michener) (2).

James Michener, Islam: The misunderstood religion, Reader’s Digest, May 1955, p.73.

شريعة المواريث بين القرآن والسُّنَّة والتوراة

أولاً: يكشف العهد القديم (العدد 27/ 8) أنّ الشريعة التوراتيّة تمنع البنت من أن ترث إن كان لأبيها ابنٌ؛ يقول الربّ لموسى: أَوْص بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّ أَيَّ رَجُلٍ يَمُوتُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُخْلِفَ ابّنَّا، تَنْقُلُونَ مُلْكَهُ إِلَى ابْنَتِهِ . ولم يستطع اليهود أن يورّثوا البنات مع الأولاد الذكور إلاّ بحيلة اخترعوها في القرون الوسطى، وهي أن يزعم الأب قبل موته أنّه مدين لبناته بمال، ويطلب أن يُسدّد الدين لهنّ من ميراثه.

وأمَّا تقسيم الميراث في الشريعة الإسلاميّة فيقوم على ثلاثة أسس لا تعلّق لها بتحقير المرأة أو إنكار كيانها:

صلة الوارث بالمورث، فكلما اقتربت صلة القرابة من المورث ازداد نصيب الوارث، وكلّما تناءت القرابة قلّ النصيب في الميراث؛ فابنة المتوفى – مثلاً – ترث نصيبًا أكبر من نصيب والد المتوفى.

موقع الوارث من الحياة؛ إذ إنّ الأجيال التي تستقبل الحياة ترث في الأغلب أكثر من الأجيال التي تستعد للرحيل عن هذه الحياة.. فالبنت – مثلاً – ترث أكثر من الأب.

ثقل الأعباء الماليّة التي تلزم بها الشريعة الوارث؛ وهنا يرث الذكر ضعف ما ترث الأنثى التي لا تكلّف بالإنفاق على الزوج أو الأولاد أو الآباء أو القرابة العاجزة ماديًّا.. وفي هذه الصورة، يظهر أنّ التمييز لا تعلّق له بطبيعة الجنس، وإنما هو مرتبط بطبيعة الإنفاق.

الفصل التاسع: إعجاز المنظومة الأخلاقية

بين خيارين.. أصالة ظاهرة أم اقتباسات باهتة؟

القرآن والسُّنَّة يهديان إلى أحسن الخلق وخير الهدي في التعامل مع النفس والغير؛

العرب وصدمة النهج الجديد

ولا ينفي ما كان فيه العرب من مراعاة معانٍ خُلقيّة محمودة أنّهم جمعوا إلى ذلك ثلاث قبائح؛ أوّلها: أنّهم كانوا في شتاتٍ مبدئيّ؛ إذ لم تكن عقائدهم تعود إلى أصل نظريّ كليّ متّسقة أبعاض نواته، يجمع أوزاع المذهب الخلُقيّ في نسق متلاحم الأطراف، ومتناغم الأفنان. وثانيها: أنّ العرب قد وقعوا في رذائل قبيحة تشهد على عصرهم بالجاهليّة وظلام الرذيلة؛

وثالثها: أنّهم كانوا يجمعون إلى الخير نقيضه من الشرّ؛

وقد أحسن المستشرق (توماس أرنولد) إذ قال: دخول الإسلام المجتمع العربي لا يدلّ على مجرّد القضاء على قليل من العادات البربريّة الوحشيّة فحسب، وإنما كان انقلابًا كاملاً لمثل الحياة .

توماس أرنولد، الدعوة إلى الإسلام، ص62.

الأثرة وخلق اليهوديّة

ترتبط المنظومة الأخلاقيّة التي يدعو إليها النبيّ المرسل من الربّ سبحانه بالتصوّر العقدي لذات الرسالة؛ ولذلك فهي في وجه من أوجهها، مرآة تعكس الملامح الكبرى لأصلها العقدي.

ولعلّ من أهمّ مميزات (أخلاق التوراة)، عدم وصلها الجانب الأخلاقي الدنيوي بالعقاب والتنعيم الأخرويين؛

هل في النصرانية منظومة أخلاق؟

إنّ النظرة العلميّة غير الخاضعة (لبروباغندا) الكنيسة، لتكشف صواب ما قرّره (ألبير بايبه) من أنّه لا يوجد نسق أخلاقي منضبط في الأناجيل، وإنّما هناك أنساق أخلاقية متعارضة متصادمة، وقد درجت الكنيسة على الانتقاء منها في ممارستها ودعوتها، مراعاةً لواقع الكنيسة من ضعف أو قوّة، أو مراعاة لتغيّر الزمان وتبدّل الأنساق الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة.

وقد لخص (باييه) دراسته القيّمة لهذا الموضوع، في الفصل الذي اختار له عنوان: لا توجد أخلاق إنجيليّة ، من كتابه أخلاق الإنجيل ، بقوله:

لنوجز حصيلة ما تقدّم من دراستنا. إنّها حصيلة بسيطة؛ لا أخلاق إنجيليّة. فمن جهة أولى، توجد في الإنجيل أفكار متناقضة تتصل بما ندعوه اليوم الأخلاق النظريّة. ومن جهة أخرى يوجد مذهب أخلاق عمليّة .

ألبير باييه (1880 – 1961م) (Albert Bayet): عالم اجتماع فرنسي. درّس في السوربون والمدرسة التطبيقيّة للدراسات العليا.

ألبير بايه، أخلاق الإنجيل دراسة سوسيولوجيّة، تعريب: عادل العوا (دمشق: دار الحصاد، 1997م)، ص113 – 117.

لم يجد (توماس باين) حرجًا في أن يقول: كلّما قرأنا القصص الفاحشة، وحكايات الفسوق الشهواني، وحالات الإعدام القاسية، والانتقام الصارم، وهو الذي يستغرق أكثر من نصف الكتاب المقدس، أرى أنّه من الأصدق قولاً أن نسمّي هذا الكتاب كلمة الشيطان، لا كلمة الله .

Thomas Paine, The Age of Reason, p.17.

أصول الأخلاق الإسلامية

كشف النظر في المنظومة الأخلاقيّة القرآنيّة فرادتها؛ إذ تجمع في فلسفتها بين تحفيز النزوع البشري إلى التسامي، ومراعاة البناء النفسي الذي تتنازعه الشهوات وتحاصره النزغات الشيطانيّة.

كما أنّ القرآن الكريم ذاته قد جاء – في واحد من أغراضه – ليحافظ على الخير الذي هُدي إليه أهل الكتاب سابقًا: {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [النساء: 26]، وقد أثبت البحث التفصيلي في القيم الأخلاقيّة السامية الواردة في الكتاب المقدس، أنّها كلّها مثبتة في القرآن الكريم،

انظر هذا التفصيل الشائق في: محمد عبد الله دراز، مدخل إلى القرآن الكريم، ص93 – 102.

كما جبر القرآن الكريم ما في أحكام التوراة من شدة وتضييق، وما في الكثير من أحكام الإنجيل من رخاوة وتهاون.. فكانت الخلاصة: أخلاقًا متقنة مصلحة لكلّ زمان ومكان.

المقصود هو: التوراة والإنجيل بعد طروء التحريف عليهما.

مُصلحة لكلّ زمان والمكان لا صالحة لكلّ زمان ومكان ؛ لأنّها في كمالها تشكّل البوصلة والمعيار.. انظر في تفصيل معالم المنظومة الأخلاقيّة القرآنيّة: محمد عبد الله دراز، دستور الأخلاق في القرآن، دراسة مقارنة للأخلاق النظريّة في القرآن، تعريب: عبد الصبور شاهين، (بيروت: مؤسسة الرسالة، ط1416 ،4هـ 1996م).

يقول المستشرق (هاملتون جب): إن المواقف الدينية التي عبر عنها القرآن ونقلها إلى الناس تشمل بناءً دينيًّا جديدًا متميزًا… ومن هذه الوجهة يغدو التساؤل عن مصادر الدين الذي جاء به محمد أمرًا غير وارد بالمرّة .

هاملتون جب، دراسات في حضارة الإسلام (ت: إحسان عباس وآخرين. بيروت: دار العلم للملايين، 1964م)، ص254 – 255.

الفصل العاشر: الإعجاز التاريخي في القرآن الكريم

أثناء حياة أولبرايت، كان يُعتقد أن علم الآثار يدعم الجوهر التاريخي للرواية التوراتية (ليس بالضرورة في كل التفاصيل) ، على الرغم من وجود بعض التناقضات المثيرة للقلق… في الربع الأخير من القرن نفسه، انقلب الأمر. يُنظر الآن إلى التناقضات بين السجل الأثري والسرد الكتابي على أنها تفوق نقاط الالتقاء . (جون كولنز، أستاذ دراسات العهد القديم في جامعة يال)

John J. Collins, Introduction to the Hebrew Bible, The Deuteronomistic History, MN: Fortress Press, 2019, p.27.

بين خيارين.. إعجاز تاريخي أم اقتباس؟

إذا كان القرآن نبتة بشرية في أرض الجزيرة العربية في القرن السابع الميلادي، فلا بدّ أن يعكس هذا الكتاب واقع الثقافة التاريخية لتلك الفترة، في ذاك المكان. وعلينا هنا أن نرصد الخبر التاريخي القرآني مقارنة بالخبر التوراتي والإنجيلي؛ إذ لم يكن في تلك الفترة مصدر لقصص الأنبياء وأممهم غير الثقافة الكتابية اليهودية – النصرانية.

مخالفة القرآن لتفاصيل قصص التوراة والإنجيل لا تجد لها مبررًا تاريخيًّا مَصْلَحِيًّا زمن البعثة النبويّة لأنّ هذه المخالفة تباعد بين القرآن وأهل الكتاب؛ فالمخالفة أدعى للمنافرة.

1- السبق التاريخي

ادعاء فرعون الألوهيّة

تخلو التوراة من أيّ إشارة إلى دعوى فرعون الألوهيّة في حين أثبت القرآن الكريم تاريخيّة هذه الدعوى الشنيعة: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي} [القصص: 38].. {قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَٰهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ} [الشعراء: 29].

التقرير الأوّل: في مقابل صمت التوراة عن تألّه الفرعون، ينطق التاريخ بأنّ مؤسس الأسرة المصريّة الأولى، استطاع أن يكوّن لمصر حوالي سنة 3200 ق.م حكومة مركزيّة قويّة ثابتة الأركان، كان على رأسها (الملك المؤلّه) الذي استطاع أن يجمع بين يديه كلّ السلطات، حكومة كان الملك فيها هو المحور؛ فهو (الإله الأعظم)، وهو (الإله الصقر حور) الذي تجسّد في هيئة بشريّة؛ ولذلك فهو في نظر رعاياه، إله حيّ على شكل إنسان، يتساوى مع غيره من الآلهة الأخرى فيما لها من حقوق، ومن ثمّ فله حق الاتصال بهم، وله على شعبه ما لغيره من الآلهة من التقديس والمهابة.

انظر: محمد بيومي مهران، دراسات تاريخيّة في القرآن الكريم 214/2.

وصفَ المصريون فرعون بأنه أَبَدِيّ، يستحقُّ العبادة، وكلِّيّ العِلم؛ منحَ مصر الوجود والقوّة. وعلّموا الناس أنه كان كا : قوة حياة مصر وروحها. وكان تاج الأفعى يرمز إلى تأليههِ وعظمتِه. عندما جعل موسى هارون يقذف ثعبان العصا أمام فرعون، كان يهاجم مباشرة رمز السيادة الفرعونية؛ لقد كان المشهد مليئًا بالسّخرية. وعندما ابتلعت عصا هارون عصيّ السحرة المصريين، هوجمت ألوهية فرعون وقدرته المطلقة، ورفِضتا كليّة .

John Currid, Ancient Egypt and the Old Testament, Grand Rapids, Mich.: Baker Books, 1999, pp.93-94.

وقد ألّف لبيب حبشي (1906 – 1984) – عالم المصريات الكبير، صاحب الصيت في الأوساط العلمية في العالم – (وهو نصرانيّ) كتابًا بعنوان: Features of the deification of Ramesses II في بيان مظاهر تأليه رمسيس الثاني كما تظهر في الآثار المصريّة.

عالم المصريات الفرنسي – المولع بتاريخ رمسيس الثاني – (كريستيان جاك) في الفرعون: هو الذي يُثَبِّتُ الآلهة على عروشها، بما يثبِتُ أن الكون يعترف له كمال قدرته .

كريستيان جاك Christian Jacq (1947 -): عالم فرنسي حاصل على الدكتوراه في المصريات من السربون. أقام ((مؤسسة: رمسيس))، ويديرها، وهي تهتم بجمع النصوص المصرية، وبناء مجموعة فوتوغرافية على الآثار في مصر.

Christian Jacq, Egyptian Magic, tr. J. M. Davis (Chicago: Aris & Phillips, 1985), p.11.

فقد قال أبو حيّان (توفي 754هـ) – مثلا -: وقيل: الإضافة هي على معنى أنه شرع لهم عبادة آلهة من بقر وأصنام وغير ذلك .

لم يكن هؤلاء المفسّرين يعرفون أعيان آلهة مصر القديمة.

(2) أبو حيان، البحر المحيط، تحقيق: صدقي محمد جميل، بيروت: دار الفكر، 1420هـ، 144/5.

ذكر خبر ألوهية الفراعنة مفاجأة تاريخيّة في القرن السابع، إذ إنّ التوراة قد غفلت عن هذا الخبر الذي انقطع العلم به مع العجز عن فك حروف اللغة الهيروغليفية.

ونضيف فائدة أخرى، ما دمنا نتحدث عن (رمسيس الثاني)؛ وهي أنّ الحديث النبوي الشريف قد سمّى زوجة فرعون التي التقطت (موسى) من اليم، (آسية).

قال ﷺ: كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ: إِلا آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ . (صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ} ح/ 3411).

واليوم يخبرنا التاريخ المصري القديم – بعد أن فتح بابه لنا – أنّ اسم الزوجة الثانية (لرمسيس الثاني)، وكبيرة الملكات بعد وفاة (نفرتاري)، هو: Iset-nofret وهو اسم من الممكن أن ينطق على صور مختلفة، منها: (Iset-nofret) (آسية نفرت)، ويعني: آسية الجميلة .

يمكن أن ينطق بطرق مختلفة، منها: (آيسة) و(إيسى) وحتى (إست)؛ انظر: محمد بيومي مهران، إسرائيل (الإسكندرية، مصر: دار المعرفة الجامعية، 1419هـ 1999م)، 393/1.

ومن المفيد هنا إضافة أنّ الحديث النبوي يذكر اسمها كاملاً: (آسية بنت مزاحم)(2)،

قال (ابن عباس): خطّ رسول الله ﷺ في الأرض أربعة خطوط، ثم قال: تدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم ابنة عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون . (رواه أحمد والحاكم في مستدركه، وصحّحه الألباني).

ويخبرنا التاريخ أنّ ابنة (آسية) اسمها بنت [الآلهة] عناة ، ومن المثير – كما يقول النقّاد – أنّ اسمها ساميٌّ وليس مصريًّا، ولذا جاءت فيه كلمة بنت ، و(أنات) آلهة كنعانية، ولذلك رجّح عدد من النقّاد أن تكون أمّها سوريّة. وهو ما يجعل اللقب السامي (بنت مزاحم) في الحديث وجيهًا من الناحية التاريخية.

Henry Sayce, The Early History of the Hebrews (London: Rivingtons, 1899), p.L.

كما أنّ الخبر الفريد في القرآن بإسلام هذه المرأة وتركها عبادة الفرعون، كما هو ظاهر قوله تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [التحريم: 11]، يقابله خبر التاريخ عن الاختفاء المفاجئ اللاحق لاسم هذه المرأة من الآثار الملكيّة لزوجها (رمسيس الثاني)، ومنها المعابد الجنائزيّة، وخاصة معبد الرامسيزوم. وفي آثار (أبو سنبل) يظهر أولادها في أكثر من صورة، دون أن يكون لها وجود. كما أنّه لم يُكتشَف لها إلى اليوم قبر ملكيّ. ولذلك قال عالم المصريات الفرنسي (كريستيان نوبلكور) إنّ من العلماء من ذهبوا إلى طرد رمسيس الثاني لها. وهذا يفسّر ذاك..

Christiane Desroches Noblecourt, Rams s II – La v ritable histoire (Paris, Pygmalion, 1996), p.237.

ثالثًا: ماذا لو أثبتت الآثار المصرية أنّ الفراعنة لم يدّعوا الألوهية، ألم يكن ذلك يطعن في ربّانيّة القرآن؟! فإذا كان النفي حجّة ضدّ القرآن؛ فالإثبات حجّة له.

إن القرآن الكريم أراد أن يفرّق بين حاكم مصر الأجنبي على أيام (يوسف) الصديق في عهد الهكسوس – على قول جمهور النقاد- ؛ فأطلق عليه لقب (ملك)، وبين حاكم مصر الوطني على أيام (موسى) – مثلاً – الذي أطلق عليه لقب (فرعون)، وهو اللقب الذي كان يطلق على ملوك مصر منذ عهد (أخناتون)، هذا فضلاً عن أنّ ذلك من إعجاز القرآن، الذي لا إعجاز بعده. وإذا ما عدنا إلى التوراة، لوجدنا أن الحقائق التاريخية تقف ضد ما أوردته التوراة بشأن استعمال لقب فرعون، إذ إنها تستعمله حين يجب أن تستعمل لقب ملك، وذلك قبل الأسرة الثامنة عشرة، وتستعمل لقب ملك حين يجب أن تستعمل لقب فرعون، وذلك منذ عهد الأسرة الثامنة عشرة (1308 – 1575 ق.م)، وفيما بعدها .

محمد بيومي مهران، دراسات تاريخية في القران الكريم، 122 – 121 /2، (بتصرف يسير)،

Wahiduddine Khan, God Arises (New Delhi: Goodword Books, 2001), pp. 206 – 208.

تذكر هذه الآيات حادثة غرق فرعون، وهو ما جاء أيضًا في نص التوراة، غير أنّ القرآن الكريم يضيف أمرين آخرين لم تعرفهما التوراة:

1- حفظ الله سبحانه جثّة فرعون الهالك من أن تبقى في البحر.

2- نجّى الله سبحانه هذه الجثّة في اليوم الذي غرقت فيه لتبقى آية للناس وعبرة.

وقد بقي أمر جثث الفراعنة المحنطة مخفيًّا طوال قرون عديدة، ولم يكتشف إلا في آخر القرن التاسع عشر حيث عُثر على مومياءات الفراعنة عند فتح قبر (أمنحتب الثاني).

ذكر القرآن الكريم هاهنا وسائل التعذيب في زمن فرعون، وقد نشر الدكتور (أحمد عبد الحميد يوسف) نصًّا ورد في معبد عمدا من بلاد النوبة المصرية يصوّر وسائل التعذيب في زمان فرعون، وهو يرجع إلى السنة الرابعة من عهد (مرنبتاح) (حوالي سنة 1220 ق.م)، وهو يؤكّد أنّ (مرنبتاح) قد عذّب الناس بقطع من خلاف وصلب..

رجّح العديد من النقاد – كما سبق – أن (مرنبتاح) هو فِرعون الخروج.

انظر: أحمد عبد الحميد يوسف، القرآن والسُّنَّة، ص110؛

A. A. Joussef, Merenptah’s Fourth year at Amada , ASAE,I. VIII, 1964, P. 237.

نقله محمد بيومي مهران، دراسات تاريخيّة في القرآن الكريم 200/2.

صعود فرعون إلى السماء

قال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا ۚ وَكَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ ۚ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ (37)﴾ [غافر: 36-37].

يتحدّث اليوم علماء (المصريات) عن اعتقاد كان راسخًا عند الفراعنة أنّه بإمكان الفرعون أن يصعد إلى السماء على سلّم أو برج ليرى الآلهة هناك؛ ويؤكد (ألن ف. سجال) هذه الحقيقة بقوله: تظهر العديد من الكتابات في نصوص الأهرامات أنّ الفرعون يصعد إلى السماء باستعمال سلّم… (ن) يصعد على سلّم أعدّه له أبوه (رع). أو: صنعت (الآلهة) سلّمًا لـ(ن) ليصعد به إلى السماء .

ألن ف. سجال (Alan F. Segal) (1945 – 2011م): أستاذ الدراسات اليهودية في (Barnard College)، كما درّس في جامعة برنستون وتورنتو. ناقد متخصص في دراسة اليهودية المسيحيّة في المرحلة التأسيسيّة.

Alan F. Segal, Life After Death: A history of the afterlife in the religions of the West, (New York Doubleday, 2004), p.38.

وقد أشار الباحث (بيتري) إلى تفشّي الفكرة الدينية في الرغبة في الصعود إلى الآلهة في السماء في مصر الفراعنة.

لؤي فتوحي وشذى الدركزلي، التاريخ يشهد بعصمة القرآن العظيم، تاريخ بني إسرائيل المبكّر (لندن: دار الحكمة، 1422ه 2002م)، ص133.

ماذا لو لم نجد من بنايات رمسيس الثاني الذي اجتمعت فيه كل علامات فرعون التسخير بنايات من طين مطبوخ؟

ابتداع الرهبانيّة

قال تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: 27].

كانت الرهبنة مَعلمًا أساسيًّا من معالم النصرانيّة في القرن السابع ميلاديًّا، وقد وجدت لها حضورًا بارزًا في تجمّعات النصارى الأقرب إلى مكّة، وذُكر أمرها في الشعر الجاهلي؛ بما يدلّ على أنّها قد أضحت متصلة اتصالاً وثيقًا بالإيمان النصراني والهيكل الكنسي في الثقافة الشعبيّة العربيّة.. لكنّ القرآن الكريم يصرّح بما لا يتوقعه العربي في ذلك الإطار الزماني والمكاني؛ إذ يقرّر أنّ الرهبنة مسلك دخيل على النصرانيّة ابتدعه قوم ظنوا فيه الصلاح والتهذيب للنفس، وقد آل أمر هذه الرهبنة إلى الفساد!.

قال الإمام (ابن كثير): وقوله تعالى: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾؛ أي: فما قاموا بما التزموه حق القيام. وهذا ذم لهم من وجهين: (أحدهما): الابتداع في دين الله ما لم يأمر به الله. و(الثاني): في عدم قيامهم بما التزموه مما زعموا أنه قربة يقربهم إلى اللّه عزّ وجل . (تفسير القرآن العظيم، 2290/4).

إنّ الحقيقة التاريخيّة المعروفة اليوم هي أنّ الرهبنة لم تعرف في القرنين الأوّل والثاني ميلاديًّا، وإنّما ظهرت بداية في نهاية القرن الثالث ميلاديًّا في مصر على يد قديس الكنيسة (أنطونيوس الكبير) (251 – 356م) الذي يسمّى (بأبي الرهبنة).

ورغم كلّ ما قيل حول وجود ظواهر شبه منظمة قبل ذلك، إلا أن الاتفاق حاصل أنّ هذا الأمر كان بعد رفع المسيح عليه السلام إلى السماء.

2- تصحيح الأخطاء التاريخية

عدد بني إسرائيل في مصر

تذكر التوراة أنّ عدد نفوس بيت يعقوب التي قدمت إلى مصر (كانت) سبعين نفسًا ، ثم أصبح العدد – بعد 215 سنة على رأي التوراة السبعينية [اليونانية]، أو 430 سنة على رأي التوراة العبرانيّة (خروج 41 – 40/12) – شعبًا أعظم وأكثر من المصريين – أصحاب أقوى وأعظم دولة في العالم في ذاك الوقت -. ولما طُردوا من مصر كان من بينهم نحو ست مئة ألف ماش من الرجال، عدا الأولاد؛ فكان جميع الأبكار الذكور، من ابن شهر فصاعدًا، اثنين وعشرين ألفا ومئتين وثلاثة وسبعين )!

يعلق بعض الباحثين على ذلك بقوله: إننا لو قسمنا عدد الجماعة على الأبكار، لخلصنا إلى أن المرأة الإسرائيلية من اليهود الآبقين، كانت تلد زهاء 65 وليدًا، وهو أمر لا يستقيم علميًّا؛ فضلاً عن أنّ بني إسرائيل قد تعرضوا للذلة والقتل في مصر، مع ما روي من عبورهم البحر في سويعات قصار ما يلزم منه أنّ عددهم قليل، ومن ثمّ فإن دارسي التوراة والمؤرخين، سواء بسواء، أصبحوا الآن لا يعلّقون أيّ أهمية على هذه الأرقام التي ذكرتها التوراة، ويعتبرونها محض مبالغات إسرائيلية.

محمد بيومي مهران، دراسات تاريخية في القرآن، 142/2

وقد ردّ الإمام (ابن حزم) منذ قرابة ألف سنة على هذا الخطأ، وبيّن الإعجاز القرآني في هذا الباب، بعد أن كشف بمنهجيته النقدية الصارمة خبط التوراة ومبالغاتها الباطلة، وأضاف: أين هذا الكذب البارد من الحق الواضح في قول اللّٰه تعالى حاكيًا عن فرعون إنه قال إذ تبع بني إسرائيل: ﴿إِنَّ هَٰؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ [الشعراء: 54]. هذا الذي لا يجوز غيره ولا يمكن سواه أصلاً .

ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، 194/1.

الجواب: هذه الحقيقة التصويبية التي وردت على لسان الإمام (ابن حزم) رحمه الله، لم تُذكر في نقد الرواية التوراتية في الغرب إلا سنة 1862م على يد (ج. و. كولينسو) – أحد مؤسسي نقد العهد القديم المعاصر – وإن كان الألماني (هـ. ص. رايماروس) قد سخِر من الرقم التوراتي قبل ذلك بقرن واحد!.. وقد سبقهما علماء الإسلام لأنهم كانوا يسترشدون بنور القرآن الكريم.

ج. و. كولينسو (J. W. Colenso) (1814 – 1883م): منصّر ولاهوتي وناقد كتابيّ بريطاني. من مؤلفاته: ((Remarks on the Proper Treatment of Polygamy .

هرمان صاموئيل رايماروس (Hermann Samuel Reimarus) (1694 – 1768م): فيلسوف ألماني، ربوبي، من أعلام عصر الأنوار الأوروبي، ومن رواد الدراسات النقديّة الحديثة لشخصية يسوع التاريخي.

لؤي فتوحي وشذى الدركزلي، التاريخ يشهد بعصمة القرآن العظيم، تاريخ بني إسرائيل المبكّر، ص133.

ألوهية المسيح

وهنا يسأل العاقل نفسه سؤالاً: لقد ذهب النصارى إلى أنّ المسيح قد أعلن أنه إله، وأنه صادق في دعواه، وذهب اليهود إلى اتّهام المسيح أنّه قد ادّعى الألوهيّة زورًا؛ فلِمَ يذكر قرآن محمد [ﷺ] أنّ المسيح لم يدّع الألوهيّة أصلاً؟! أليس في ذلك إنكار (لحقيقةٍ) تاريخيّة أطبق عليها أهل الكتاب – كما يقولون هم بأنفسهم عن (إجماعهم!) – ؟! أليس ذاك خطأ تاريخي في القرآن الكريم؟! – ليس الاعتراض هنا على صحّة ألوهيّة المسيح؛ فهذا أمر يُدرك حكمه بالعقل المجرّد، وإنما هو عن صحة القول: إنّ المسيح قد ادّعى بلسانه أنّه إله! -.

الإجابة يقدّمها لنا لاهوتي، بل أحد أعلام اللاهوتيين في زماننا، وهو (جون هِك)(1) بقوله في كتابه (The Metaphor of God Incarnate: Christology in a pluralistic age) الصادر – في طبعته الأولى – سنة 1993م، ناقلاً ما أجمع عليه النقاد المحقّقون اليوم:

نقطة أخرى عليها اتفاق واسع بين علماء العهد الجديد، وهي أكثر أهميّة لفهم تطوّر علم دراسة طبيعة المسيح (Christology)، وتتمثّل في أنّ يسوع التاريخي لم يدّع الألوهيّة التي ادعاها له متأخّرو المسيحيين: إنه لم يظن في نفسه أنّه تجسُّدُ الإله، أو الإله الابن…

إنّه من المستبعد جدًّا أن يكون يسوع التاريخي قد ظنّ في نفسه ذلك بأيّة صورة من الصور. في الحقيقة، إنّ المتصوّر أنه سيرفض هذه الفكرة باعتبارها هرطقة، أحد الأقوال المنسوبة إليه، هو: لماذا تدعوني صالحًا؟ ليس أحد صالحًا إلاّ اللّٰه وحده . (مرقس 18/10).

بالطبع لا توجد إفادات من الممكن أن تقدّم بيقين ما قاله يسوع أو ما لم يقله أو ما فكّر فيه. لكن الحجّة المتاحة قادت المؤرّخين المتخصصين في الفترة التاريخية (لحياة المسيح) إلى أن يستنتجوا بإجماع مذهل أنّ يسوع لم يَدّع أنه الإله المتجسّد.

هذا الأمر محلّ اتفاق عام اليوم حتّى إنّ بضعة اقتباسات ممثّلة (للرأي السائد) مأخوذة من كتّاب مستقيمي العقيدة (أرثوذكس)، تكفي لإثبات غرضنا الحالي.

رئيس الأساقفة (مايكل رمزي) وهو أيضًا أحد علماء العهد الجديد، كتب أنّ يسوع لم يدّع لنفسه الألوهيّة (1980م).

عالم العهد الجديد المعاصر له (س. ف. د. مول) قال: إنّ كلّ حالة كرستولوجيا (عالية) قائمة على أصالة الدعوى المدّعاة ليسوع حول نفسه، خاصة في الإنجيل الرابع، لا بد أن تعتبر غير ثابتة . (1977م).

استنتج (جيمس دان) في دراسة رائدة حول أصول عقيدة التجسّد أنّه لا توجد حجّة حقيقيّة في تراث يسوع المبكّر ممّا من الممكن أن تُسمّى بإنصاف، وعيًا بالألوهيّة (1980م).

اعترف أيضًا (براين هِبلثوايت) المناصر بقوّة للتراث النيقوي الخلقيدوني المسيحاني أنّه: لم يعد ممكنًا المدافعة عن ألوهيّة يسوع من خلال الإحالة إلى أقواله (1987م).

ويقول متحمس آخر للخلقيدونيّة وهو (دافيد براون): إنّه توجد حجج قويّة على أنّ (يسوع) لم ير نفسه البتّة أهلاً لأن يعبد وإنه من المستحيل تأسيس أيّ دعوى للتأليه بناءً على إدراكه إذا أهملنا الصورة التقليديّة كما يعكسها الفهم الحرفي لإنجيل يوحنا (1985م).

لا يُقصد بمصطلح (الإجماع) في المكتبة الغربية اتفاق جميع أفراد النقاد، وإنما هو اتفاق جمهور أعلام المتخصصين، ويُعدّ مخالفهم – بذلك – قائلا بقول شاذ.

مايكل رمزي (Michael Ramsey) (1904 – 1988م): رئيس أساقفة كانتربيري (1961 – 1974م).

س. ف. د. مول (C. F. D. Moule) (1908 – 2007م): قسيس ولاهوتي وأحد أكبر علماء دراسات العهد الجديد. درّس في جامعة كمبردج. ساهم في إصدار ترجمة الكتاب المقدس: New English Bible)). عاش 98 سنة.

براين هبلثوايت (Brian Hebblethwaite) (1939م -): قسيس ولاهوتى وفيلسوف إنجليزي. درّس فى جامعة كمبردج.

دافيد براون (David Brown) (1948م -): قسيس ولاهوتي إنجليكاني. درّس في جامعة كمبردج. من مؤلفاته: ((The Divine Trinity)).

John Hick, The Metaphor of God Incarnate: Christology in a pluralistic age (London: Westminster John Knox Press, 2006), pp.27 – 28.

رسالة المسيح

لقد نهج القرآن الطريق الصعب وهو القول: إنّ رسالة المسيح قبل تحريفها كانت توافق عقيدة الإسلام. وهو ما انتهى إليه البحث في أقدم وثيقة نصرانية تعود إلى عصر ما قبل الأناجيل الأربعة، أو بعبارة الناقد الكبير (جون س. كلوبنبورغ): أبكر إنجيل .

جون س. كلوبنبورغ (John S. Kloppenborg) (1951م -): رئيس قسم دراسة الدين في جامعة تورنتو. أصدر مع ناقدَين آخرين سنة 2000 نسخة نقدية للمصدر (Q). من مؤلفاته: Excavating Q: The History and Setting of the Sayings Gospel .

John S. Kloppenborg, Q, the Earliest Gospel: An Introduction to the Original Stories and Sayings of Jesus (Louisville: Westminster John Knox Press 2009).

وبعبارة الناقد المعروف (ماركوس بورغ) في مقدمته لكتاب: الإنجيل الضائع لـ(مارك باولسن) و(ري ريجرت) -: طبق رأي جلّ النقاد، هو أول إنجيل مسيحي .

ماركوس بورغ (Marcus Borg) (1942 – 2015م): لاهوتي، وأحد أبرز علماء النقد الأعلى للعهد الجديد في القرن العشرين. رأسَ (Anglican Association of Biblical Scholars). من مؤلفاته: Reading the Bible Again for the First Time .

Mark Powelson and Ray Riegert, The Lost Gospel Q: The Original Sayings of Jesus (Berkeley: Group West, 1999), p. 13.

وقد وضّح غير واحد من الباحثين المسلمين أنّ ((ملكوت الله هو: دولة الإسلام التي سيقيمها النبي الخاتم ﷺ. [عبد الأحد داود، محمد في الكتاب المقدس (الدوحة: رئاسة المحاكم الشرعية والشؤون الدينية، 1405ه 1985م).]

إنك لا تجد في هذه الوثيقة ألوهية المسيح، أو الثالوث المقدس، أو صلب ابن اللّه، أو التعميد، أو الكنيسة، أو العشاء المقدس، أو الخطيئة الأصلية، أو الخلاص بالإيمان المجرد… أو أيَّا من الأسس الأخرى لكنيسة هذا الزمان. إنّ مسيح القرن الأول ورسالته في (Q1) في وادٍ، ومسيح العهد الجديد ورسالته في وادٍ آخر!

والشواهد على صدق الخبر التاريخي للمسيح في القرآن في تنامٍ؛ ولذلك نشر الناقد الكتابي (روبرت شِدنجر) منذ سنوات قليلة كتابه: هل كان يسوع مسلمًا؟ في بيان أنّ حقيقة المسيح بعيدة عن الصورة التي رسمتها له الكنيسة باعتباره داعية للهروب من الدنيا والخلاص الأخروي، وإنّما المسيح – كما يقول هذا الناقد – داعية إصلاح أرضي وعدالة بين الناس، وهو بذلك مسلم في دعوته لأنّ دعوة الإسلام تنشد صلاح الدنيا والآخرة، ولا تدعو إلى الهروب من الدنيا إلى الآخرة.

روبرت شِدنجر Robert Shedinger: أستاذ الدين في كليّة لوثر في ولاية أيوا الأمريكيّة. حاصل على الدكتوراه في تخصص الدراسات الدينية من جامعة تمبل من ولاية فيلادليفيا.

Robert Shedinger, Was Jesus a Muslim?: Questioning Categories in the Study of Religion (Minneapolis: Fortress Press, 2009).

3- تفادي الأخطاء التاريخية

الأخطاء التاريخية في الكتاب المقدس

انتهت الأركيولوجيا الكتابيّة اليوم إلى انقسام الباحثين إلى تيّارين اثنين، الأوّل: والمعروف بـ (Biblical minimalism) يرى أنّ الكتاب المقدس كتاب تبريري لرؤى دينية في قالب تاريخي؛ ولذلك فجلّ قصصه يقع خارج الإثبات التاريخي لأنه صناعة دينية وفولكلورية،

ويرى الفريق الآخر الذي يعدّ أقليّة عددًا في أكاديميا الأركيولوجيا – والمنتصر لـ (Biblical maximalism) – صدق تاريخية قصص الكتاب المقدس.

وبين هذا وذاك تيار وسط، وهو نفسه درجات، ومن أهم ممثليه الأركيولوجي الشهير (ويليام ج. دفر) الذي يُعتبر من أهم خصوم تيار خرافية قصص العهد القديم، وهو مع ذلك يقول: إنّه يوافق جلّ العلماء في خرافية كثير مما ورد في أسفار التوراة الأربعة الأولى، واعتبارها إضافات لمحررين متأخرين. والذي يكاد ينتهي إليه جميع الأكاديميين في هذه التيارات الثلاث هو أنّ الكتاب المقدس لا يخلو من أخطاء تاريخية.

ويليام ج. دفر (William G. Dever) (1933م-): أركيولوجي أمريكي متخصص في تاريخ بني إسرائيل والشرق الأوسط الكتابي. أستاذ أركيولوجيا الشرق الأدنى في جامعة أريزونا.

William G. Dever, What Did the Biblical Writers Know and When Did They Know It? What Archaeology Can Tell Us about the Reality of Ancient Israel (Grand Rapids: MI: Eerdmans, 2001), pp. 97 – 99.

العهد القديم يجمع بين خبر الأوّلين وأساطير السابقين،

زمن ميلاد المسيح

يخبرنا إنجيل متّى 1/2 أنّ المسيح قد ولد فِي أَيَّامِ هِيرُودُسَ الْمَلِك. وقد انتهى حكم (هيرودس) سنة 4 قبل الميلاد. في حين يخبرنا إنجيل لوقا 2/2 أنّ المسيح قد ولد عند الإحصاء السكاني الذي قام به كِيرِينِيُوسُ وَالِيَ سُورِيَّةَ . ومعلوم أنّ هذا الإحصاء – كما يقول المؤرخون – قد تم سنة 7 ميلاديًّا.

وقد علّق الناقد (ريموند براون) بقوله: يعترف جلّ النقاد بوجود خلط وتأريخ خاطئ عند لوقا .

Raymond E. Brown, An Adult Christ at Christmas: Essays on the Three Biblical Christmas Stories (Minnesota: Liturgical Press, 1988), p. 17.

وأمّا الناقد (روبرت هـ. شتاين)؛ فرغم أنّه قد أصرّ على الزعم أنه علينا أن نعتبر (لوقا) مؤرّخًا أمينًا، إلاّ أنه انتهى إلى أنه لا حلّ لهذه المشكلة إلى الآن!.

روبرت هـ. شتاين (Robert H. Stein): أستاذ تفسير العهد الجديد في Southern Baptist Theological Seminary. أحد أبرز المتخصصين في الأناجيل الإزائيّة.

Robert H. Stein, Jesus the Messiah: A Survey of the Life of Christ (Downers Grove, III.: InterVarsity Press, 1996), pp.52 – 55.

المجزرة الوهمية

لَمَّا رَأَى هِيرُودُسُ أَنَّ الْمَجُوسَ سَخِرُوا بِهِ غَضِبَ جِدًّا. فَأَرْسَلَ وَقَتَلَ جَمِيعَ الصِّبْيَانِ الَّذِينَ فِي بَيْتِ لَحْمٍ وَفِي كُلِّ تُخُومِهَا، مِنِ ابْنِ سَنَتَيْنِ فَمَا دُونُ، بِحَسَب الزَّمَانِ الَّذِي تَحَقَّقَهُ مِنَ الْمَجُوسِ (متى 16/2).

لا يوجد أي توثيق لهذه المجزرة البشعة التي تنسب إلى (هيرودس) رغم أنّ المؤرخ الشهير (يوسيفوس) الذي عاش في القرن الأول قد تحدث عن جرائم (هيرودس) في كتابه (تاريخ اليهود).

الظلمة التي لم تُظلم على أحد

ذكر مؤلّف إنجيل متّى أنه لما كان المسيح على الصليب ((كَانَت ظُلْمَةٌ عَلَى كُلِّ الأَرْضِ) لثلاث ساعات (متّى 45/27). النصّ يقول: ((كل الأرض)) ولكن لم يذكر أهل البلاد لفلسطين هذه الظلمة التي دامت ثلاث ساعات. وإذا قيل: إن كل الأرض تعني: أرض فلسطين، أو أورشليم؛ فإنّه تبقى الشهادة قائمة ضد هذه الرواية لأن أمر هذه الظلمة العجيبة لم ينقله أحد من مؤرخي فلسطين في القرن الأول.

قصة جماعة (الزومبي)

لما مات المسيح على الصليب الأَرْض تَزَلْزَلَتْ، وَالصُّخُورُ تَشَقَّقَتْ، وَالْقُبُورُ تَفَتَّحَتْ، وَقَامَ كَثِيرٌ مِنْ أَجْسَادِ الْقِدِّيسِينَ الرَّاقِدِينَ وَخَرَجُوا مِنَ الْقُبُورِ بَعْدَ قِيَامَتِهِ، وَدَخَلُوا الْمَدِينَةَ الْمُقَدَّسَةَ، وَظَهَرُوا لِكَثِيرِينَ (متّى 51/27 – 53).

هذا خبر خرافي؛ إذ لم يشهد أحد من المؤرخين لصحة هذه القصة العجيبة التي تخبرنا أنّ كثيرًا من الأموات قد قاموا من قبورهم المتشققة، في فلسطين. وقد أثارت تاريخية هذه القصة معركة كبيرة بين كبار الدفاعيين في أمريكا سنة 2011م إثر تقرير (مايكل لِكونا) في كتابه الضخم في الدفاع عن قيامة المسيح من الموت أنّ قصّة قيامة القدّيسين لا يمكن قبولها بصورة حرفيّة، وإنّما هي ذات طابع مجازي.

مايكل ر. لكونا (Michael R. Licona) (1961م -): دفاعي نصراني متخصص في دراسات العهد الجديد وقيامة المسيح من الموت. له مناظرات مع ملحدين ومسلمين في قيامة المسيح من الموت وألوهيته.

Michael R. Licona, The Resurrection of Jesus: A New Historiographical Approach (Downers Grove, III: InterVarsity Press, 2011).

الفصل الحادي عشر: الإعجاز العلمي في القرآن الكريم

﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: 53].

بين خيارين.. إعجاز أم اقتباس؟

لم تكن البلاد العربيّة زمن البعثة المحمّديّة عرضة للأفكار العلميّة المتطوّرة في الإمبراطوريتين الرومانيّة والفارسيّة، نتيجة غياب التواصل المعرفي بينهما عبر الوسائط المدرسيّة، وبساطة أنماط الحياة الصحراوية التي تعتمد على التجارة البينيّة ورعي الإبل وزراعة النخيل، والاعتقاد في الآلهة أنّها تورث الخصب والصحّة والثراء دون واسطة أساسيّة من سنن كونيّة؛ إذ في غضبها ورضاها تقدّم التفسير المباشر للظواهر الكونيّة في البشر والبيئة..

وكانت الثقافة العلميّة المهيمنة على المناطق الحضريّة المجاورة لمكّة تعتمد على مصدرين اثنين أساسيين بالإضافة إلى التفكير الشعبي الساذج، وهما:

الثقافة العلميّة اليونانيّة ممثّلة أساسًا في التراث العلمي الأرسطي في الطب والتشريح وعلم الأرصاد الجويّة…

● الثقافة العلميّة التوراتيّة الممثّلة بين النصارى

القرآن خالف صراحة أو ضمنًا أفكارًا علميّة باطلة كثيرة في الكتاب المقدس..

تعديل القرآنِ أخطاءَ التوراة والإنجيل حجة لربانيّته لأنّ هذه التصويبات والمخالفات لم يُجزم بصدقها تاريخيًّا إلا بعد وفاة نبي الإسلام ﷺ.

هل هناك إعجاز علمي في القرآن الكريم؟

إنّ القرآن يتضمن أخبارًا علمية ما كان لمثل نبي الإسلام [ﷺ] أن يعلمها لولا عون الوحي لأنّها لم تكن معروفة زمنه (أو لم يكن الحسم لصحّتها علميًّا ممكنًا عندها)،

التعقيب: اتّفق العلماء أنّ القرآن كتاب لا تنقضي عجائبه ، ولا يزال العلماء يكتبون التفاسير وكل جنس من مؤلفات علوم القرآن لاكتشاف كنوزه. والقول بحجيّة فهم الصحابة لا يلغي ما يفتح اللّٰه به على الأجيال التالية، خاصة أنّ هذه التفاسير توسّع المعنى أساسًا ولا يلزم منها خطأ فهم السلف.

حديث علي رضي الله عنه: “كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله… هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه“.

ضعيف. قال (الترمذي) – وقد أخرجه في سننه، كتاب فضائل القرآن، باب ما جاء في فضل القرآن (ح/ 2906) -: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَإِسْنَادُهُ مَجْهُولَ وَفِي الْحَارِثِ مَقَالٌ . ومعنى الحديث صحيح بإجماع أهل العلم.

التعقيب: ظاهرة التعسّف والتكلّف في دراسات الإعجاز العلمي لا ينكرها باحث منصف، وهي ظاهرة ملحوظة أيضًا في بعض دراسات التفسير اللغوي والتفسير الفقهي والتفسير التربوي. وواجب أهل العلم تعديل المسير إذا انحرف عن جادة العلم لا إنكار أصل التفسير لفساد في التطبيق.

تعديل ضروري لمعنى مصطلح: الإعجاز العلمي

يتحقق هذا الإعجاز في كتاب يقرر أنه حق إلهي صرف بثلاثة طرق، نذكرها من الأَولى إلى الأدنى:

الطريق الأول: أن يكون القرآن قد سبق الجميع بالخبر العلمي. وهذا وجه لا اعتراض عليه.

الطريق الثاني: أن يكون الخبر العلمي القرآني شاذًا في بيئته، يستنكره السامع وإن قال به قلّة، أو لا يكون معروفًا أو مشتهرًا في الجزيرة، وإن كان معروفًا خارجها.

ووجه الإعجاز هنا يتبيّن من موافقة المرجوح المردود رغم أنّ الأصل في من يدّعي النبوّة زورًا أن يوافق معارف عصره العلمية ولا يشاكسها، خاصة أنّ دعوته لا علاقة لها بتقرير تصورات مادية جديدة للقوانين الكونية.

الطريق الثالث: أن يكون الخبر معروفًا، ولكنه محل خلاف كبير في الثقافات المؤثرة في البيئة العربية (اليهودية والنصرانية واليونانية). ووجه الإعجاز هنا هو موافقة الحق في كلّ القضايا العلميّة الخلافيّة زمن البعثة، في ما كان ظاهرًا، وما كان محلّ تردّد من أهل العصر.

طريق النظر في الإعجاز العلمي في القرآن الكريم = النظر في مخالفات تقريرات القرآن لثقافة العصر العلمية النصرانية/ اليهودية/ اليونانية، معارضة كليّة للمعروف أو موافقة للشاذ المرفوض أو مطابقة للحق المتردَّدِ فيه.

1- تصحيح الأخطاء العلمية

مبدأ الكون

الحديث في بداية الكون مرتع الخرافات والأوهام في الحضارات القديمة؛ حيث الفصول الأولى للبدايات مجال خصب للحديث الملحميّ عن صولة الآلهة وجرائمها، وتفسير نشأة الأجرام تفسيرًا ساذجًا بدائيًّا.. وقد اقتحم القرآن باب بدايات…

الحضارات القديمة وأسفارها المقدسة كانت تقول بأزليّة الكون. والمقصود بالبدايات هنا الأحداث الأولى للوجود لا بدء المادة.

أ- أصل الكون: ماء أم نار؟

كان الاعتقاد السائد في كثير من الأمم القديمة أنّ أصل الكون ماء؛ فهو التصور المصري القديم وتصوّر حضارات بلاد ما بين النهرين، وهو كذلك قول أعظم فلاسفة اليونان (طاليس) و (أنكسمندر). وهو التصوّر أيضًا الذي تبنّاه النصارى، ويظهر في كتابهم المقدس، 2 بطرس 5/3: السَّمَاوَاتِ كَانَتْ مُنْذُ الْقَدِيمِ، وَالْأَرْضَ بِكَلِمَةِ اللهِ قَائِمَةً مِنَ الْمَاءِ وَبِالْمَاءِ .

طاليس (Thales) (624 – 546 ق.م): أحد أعظم عقول اليونان القدماء. عالم رياضيات وفلكي. اعتبره (سقراط) أوّل فلاسفة اليونان. تُنسب إليه مبرهنة طاليس .

أنكسمندر (Anaximander) (610 – 546 ق.م): تلميذ (طاليس). فيلسوف وفلكي وعالم رياضيات. من أوّل من نعرف من المفكرين المهتمين بالتفسير العلمي للظواهر الطبيعية. من مؤلفاته: ((حول الطبيعة (Περὶ Φύσεως).

David Toshio Tsumura, The Earth and the Waters in Genesis 1 and 2: A Linguistic Investigation (Sheffield Academic Press, 1989), p.143

العجيب هنا هو أنّ القرآن قد اختار مذهبًا مخالفًا للأسطورة القديمة ببيان أنّ السماء كانت دخانًا، قال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: 11]، والدخان كما نعرفه اليوم هو الآتي من النار، وكذلك كان عند العرب زمن البعثة، ولذلك قال صاحب لسان العرب في مادة دخن : والدخان: العثان، دخان النار معروف .

إنّ وصف القرآن لِمَا نشأت منه أجرام السماوات بالدخان، صادق من وجهين:

الوجه الأول: الدخان بلغة عصر التنزيل القرآني: الكثافة الغازيّة الناجمة عن الاحتراق أو الانفجار.

وقد عبّر عالم الفيزياء النظرية الشهير الملحد ستيفن هاوكنج عن تقريرنا بقوله: بإمكانك أن تقول إنّنا قد صُنعنا من دخان الانفجار العظيم .

((You could say that we are made of the smoke of the Big Bang)).

قالها في الفيديو التالي ستيفن هوكينغ قصة كل شيء 6/1 ، الدقيقة 12/ 38:

https://www.youtube.com/watch?v=VhRLoPDM-UA

وفي ذلك يقول علماء الفلك العاملون في مشروع مرصد هيرشل الفضائي : يتكوّن الغبار الكوني من جزيئات صغيرة من المواد الصلبة التي تطفو في الفضاء بين النجوم. إنه ليس مثل الغبار الذي تجده في منزلك وإنّما هو أقرب إلى الدخان والمتكونّ من جسيمات صغيرة تتنوع من مجموعات من جزيئات قليلة إلى حبيبات من 0.1 مم حجمًا (3).

Cosmic dust consists of tiny particles of solid material floating around in the space between the stars. It is not the same as the dust you find in your house but more like smoke with small particles varying from collections of just a few molecules to grains of 0.1 mm in size. Dust is important because we find lots of it around young stars. In fact it helps them to form, and it is also the raw material from which planets like the Earth are formed.

http://herschel.cf.ac.uk/science/infrared/dust

ب- الماء أصل الوجود أم أصل الحياة؟

يخبرنا القرآن أنّ الماء أصل الحياة: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: 30]. وبشهادة البيولوجي الملحد (ريتشارد داوكنز): لا يمكن لحياتنا أن تستمر دون ماء سائل. وفي الحقيقة فإن العلماء المختصّين في البحث عن دليل لوجود الحياة خارج الأرض يفتّشون في السماء – بصورة عمليّة – عن علامات لوجود ماء .

ريتشارد داوكنز (Richard Dawkins) (1941م-): عالم سلوك الحيوان وبيولوجيا إنجليزي. أشهر رموز تيّار (الإلحاد الجديد . من مؤلفاته: (The God Delusion)).

Richard Dawkins, The God Delusion (London: Bantam Press, 2006), p. 135.

القمر المضيء

قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ ۖ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ [الإسراء: 12].

قال (ابن عبّاس) رضي الله عنه: كان القمر يضيء كما تضيء الشمس، والقمر آية الليل، والشمس آية النهار، (فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ): السواد الذي في القمر .

الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، 517/14.

نهاية الشمس

اقتران الشمس والقمر: يقرّر العلماء أنّ الشمس ستتضخّم لتتحوّل إلى العملاق الأحمر (red giant) بسبب تحوّل أنوية ذرات الهيدروجين إلى هيليوم بطريق الاندماج النووي، وعندها تقوم الشمس بابتلاع عطارد و الزهرة . ويرى العلماء أنّ هناك احتمالاً أن تبتلع الشمس أيضًا القمر والأرض. وإذا صحّ ذلك؛ فسيكون تفسيرًا لصريح قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (7) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (8) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (9)﴾ [القيامة: 7 – 9].

Jonathan Weiner, Planet earth (Toronto; New York: Bantam Books, 1986), p.306.

تقلّص الشمس: ينتهي النجم بالتقزّم في ما يُعرف بظاهرة ((القزم الأبيض)) (white dwarf) إذ ينكفئ على نفسه(2) وهو ما يطابق حديث القرآن عن تكوير الشمس: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: 1].

David L. Clements, Infrared Astronomy – Seeing the Heat (Boca Raton: CRC Press, Taylor & Francis Group, 2015), p.101.

يقول (الطبري): والتكوير في كلام العرب: جمع بعض الشيء إلى بعض، وذلك كتكوير العمامة، وهو لفها على الرأس، وكتكوير الكارة، وهي جمع الثياب بعضها إلى بعض، ولفها، وكذلك قوله: (إِذَا الشَّمْسُ كُوّرَتْ) إنما معناه: جمع بعضها إلى بعض، ثم لفت فرمي بها، وإذا فعل ذلك بها ذهب ضوؤها .

الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، 131 /24.

كروية الأرض

تضمّن الكتاب المقدس نصوصًا كثيرة تدلّ في مجموعها على ترسّخ اعتقاد أنّ الأرض منبسطة، وأنّ لها أركانًا أربعة، وحواشي في نهاياتها.

جاء التصريح في المقابل بكروية الأرض في القرآن الكريم، ودلّت السُنَّة الشريفة على نفس الأمر، وأجمع أهل الإسلام منذ القرون الأولى على هذه الحقيقة؛ يقول شيخ الإسلام (ابن تيمية): ثبت بالكتاب والسُّنَّة وإجماع علماء الأمة أن الأفلاك مستديرة

ابن تيمية، مجموع الفتاوى 194- 193/25.

لقد آمن (أرسطو) وطائفة من أعلام اليونان قبل المسيح بكرويّة الأرض، لكنّ النصارى واليهود لم يأخذوا من اليونان هذا المذهب،

والمشهور من الكبراء الجزم بتسطيحها؛ فهو قول (ترتليان) (توفي 220م) و (كلمنت السكندري) (توفي 215م) و (لكتانتيوس) (توفي 325م)، وقديس الكنيسة (أثناسيوس) (توفي 373م)، والأسقف (ديودر الطرسوسي)، و (سفريان الجبلي) وهو قول جميع الآباء السريان الذين كان لهم صوت مسموع بين نصارى الجزيرة العربية.. وقد سُمع أقوى صوت ضد كروية الأرض في العالم النصراني في نفس القرن الذي ولد فيه نبي الإسلام، حيث أكّد (كوسماس إندكوبلوستيس) في كتابه الطبوغرافيا المسيحيّة أنّ الأرض في الكتاب المقدس مسطحة.

ترتليان (160 – 220م) من أوائل اللاهوتيين النصارى. عرف باهتمامه بالدفاع عن النصرانية والردّ على من اعتبرهم (هراطقة). يعتبر أحد المراجع اللاهوتية الكبرى للكنائس التقليديّة. يلقّبه الكثير من أعلام النصارى الأرثوذكس المصريين بـ(العلامة).

كلمنت السكندري (Clement of Alexandria) (150 – 215م): أحد آباء الكنيسة ولاهوتييها الأوائل الكبار. تأثر بالفلسفة اليونانية بصورة واضحة.

لكتانتيوس (Lactantius) (250 – 325م): أوّل مستشار نصراني لإمبراطور روماني. سخر من القول بكروية الأرض بلغة حادة في كتابه: Divinae Institutiones .

ديودر الطرسوسي (Diodore of Tarsus) (390م): لاهوتي. أحد أهم شخصيات مجمع القسطنطينية. كان له أثر علمي كبير في زمانه.

سفريان الجبلي (Severian of Gabala) (380 – 408م): أسقف جبلة في سوريا. معروف بانتمائه للمدرسة الحرفية في التفسير.

كوسماس إندكوبلوستيس (Cosmas Indicopleustes): رحّالة سافر إلى الهند أكثر من مرّة. من أهم الذين رسموا خرائط للعالم.

قال (الرازي) – المتوّفى منذ أكثر من ثمانية قرون – في قوله تعالى: ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: 20]: سطحًا بتمهيد وتوطئة؛ فهي مهاد للمتقلّب عليها. ومن الناس من استدل بهذا على أن الأرض ليست بكرة وهو ضعيف؛ لأن الكرة إذا كانت في غاية العظمة يكون كل قطعة منها كالسطح . الرازي، مفاتيح الغيب، 159 – 158/31.

الجبال

يشهد العلم الحديث اليوم على دقّة هذا الوصف العجيب للجبال، والذي لم يُعرف إلا في الزمن المتأخر بعد دراسات جادة من العلماء المتخصصين؛ حتىّ قال الجيولوجي (سيمون لامب): كان اكتشاف أنّ للسلاسل الجبليّة جذورًا عميقة [في الأرض] واحدًا من أكبر الاكتشافات الجيولوجيّة في القرن التاسع عشر وبداية العشرين .

Robert Dinwiddie; Simon Lamb and Ross Reynolds, Violent Earth (London; New York: DK, 2011), p.46.

تكوّن الجنين من دم الحيض

جاء في سفر الحكمة (2/7): وفي مدة عشرة أشهر تكوّنت في الدم من زرع رجل ومن اللذة التي تصاحب النوم .

المقصود هنا: هو أنّ مني الرجل عندما يلتقي بدم الحيض عند المرأة يحوله إلى كيان صلب متخثّر، ويشهد على ذلك النص السابق من سفر الحكمة 2/7، وهو المعنى الطبي الذي كان سائدًا في البيئة التي كتب فيها هذا السفر؛ ولذلك جاء تعليق ترجمة أورشليم للكتاب المقدس على هذا النص – وقد تبنّته ترجمة الرهبانيّة اليسوعيّة العربيّة -: كان العلم الطبي القديم يتصوّر تكوّن الجنين كتجمّد دم الأم بتأثير عنصر الزرع .

سفر الحكمة: يؤمن بقداسته النصارى الكاثوليك والنصارى الأرثوذكس ويرفضه البروتستانت.

ترجمة الرهبانيّة اليسوعيّة، ص1065.

وقد أكّد (ترتليان) المعنى السابق بقوله في كتابه حول جسد المسيح أنّ الزرع الذي يتكوّن منه الجنين ليس إلاّ دمًا ولونًا، ويتخثّر هذا الدم بفعل منيّ الرجل.

وهو ما أكّده أيضًا (كلمنت السكندري) في نفس القرن حيث ذكر المثال الأرسطي لتخثّر الحليب.

De Carne Christi, 19. 3.

ومن العجيب أنّ الفهم اليهوديّ – النصرانيّ – الأرسطيّ قد بقي مهيمنًا على الساحة العلميّة حتّى قرون بعد البعثة في بلاد المسلمين؛ حتّى قال الإمام (ابن حجر) (توفي 852هـ): وزعم كثير من أهل التشريح أنّ مني الرجل لا أثر له في الولد إلاّ في عقده، وأنّه إنّما يتكوّن من دم الحيض، وأحاديث الباب (أي: الموضوع) تُبطل ذلك . [ابن حجر، فتح الباري 480/11.]

نشأة اللغات

يُفسّر الكتاب المقدّس تعدد لغات البشر، تفسيرًا خرافيًّا

الفهم الخاطئ لمعنى اسم مدينة بابل : كلمة بابل ليست من بلبل العبريّة – التي هي اختزال لكلمة بلل العبريّة – بمعنى بلبل و مزج ، وإنّما هي تعني باب إل أي باب الربّ ، وكما يقول (جرهارد فون راد): هذا التفسير لكلمة ((بابل) هو بداهة لا معنى له إتيمولوجيًّا، إنّه اختلاق شعبي؛ إذ إنّ بابل تعني ((باب الله) ، وقد كان الاسم في الأكاديّة (باب إلو بنفس المعنى السابق، قبل أن يسيء مؤلّف سفر التكوين فهمه، أو يزيّف معناه!.

George James Spurrell, Notes on the Hebrew Text of the Book of Genesis, p.118.

جرهارد فون راد (Gerhard Von Rad) (1901 – 1971م): لاهوتي ألماني. درّس العهد القديم في عدد من الجامعات الألمانية والأمريكية. من مؤلفاته: Old Testament Theology .

Gerhard Von Rad, Genesis: A Commentary (Philadelphia: Westminster John Knox Press, 1972, 3rd edition), p. 150.

William Ricketts Cooper, An Archaic Dictionary (London: S. Bagster and Sons, 1876), p.116.

قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ﴾ [الروم: 22].. فتعدّد اللغات آية من آيات عظمة الخالق سبحانه.. وكفى.. وليس مظهرًا من مظاهر صراع الربّ مع البشر وخوفه من اجتماعهم ضدّه!

في الخمر شفاء

قال (بولس) في رسالته الأولى إلى تيموثاوس 23/5: لا تشرب الماء فقط بعد الآن. وإنما خذ قليلاً من الخمر مداويًا معدتك وأمراضك التي تعاودك كثيرًا .

وقد جاء النص القرآني في تبشيع الخمر وتقبيحه قبح الميسر وعبادة الأصنام: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: 90].

وجاء الحديث النبوي الشريف حاسمًا في قوله: إنه ليس بدواء ولكنّه داء .

رواه مسلم، كتاب الأشربة، باب تحريم التداوي بالخمر (ح/ 1984).

وأنّ ما أسكر كثيره؛ فقليله حرام .

رواه أبو داود، كتاب الأشربة، باب النهي عن المسكر (ح/ 3681)، والترمذي، كتاب الأشربة، باب ما أسكر كثيره فقليله حرام (ح/ 1865)، وابن ماجه، كتاب الأشربة، باب ما أسكر كثيره فقليله حرام (ح/ 3392).

النمل القائد

قال تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: 18]. تثبت الآية أنّ للنمل قائدًا يوجّهه. وهو أمر مُسَلَّمٌ يعلمه الجميع اليوم من خلال ما يرونه في البرامج الوثائِقيّة على الشاشات، لكنّه يخالف تصريح الكتاب المقدس: اذْهَبْ إِلَى النَّمْلَةِ أَيُّهَا الْكَسْلاَنُ. تَأَمَّلْ طُرُقَهَا وَكُنْ حَكِيمًا، الَّتِي لَيْسَ لَهَا قَائِدٌ أَوْ عَرِيفٌ أَوْ مُتَسَلِّطٌ (الأمثال 6/6 – 7)!

2- السبق العلمي في القرآن الكريم

الموج الداخلي

قال تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ۚ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ۗ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾ [النور: 40].

قال (القرطبي) المفسّر: (يَغْشَاهُ مَوْجٌ)؛ أي: يعلو ذلك البحر اللجي موج، (مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ)؛ أي: من فوق الموج موج، ومن فوق هذا الموج الثاني سحاب .

القرطبي، الجامع لأحكام القرآن (بيروت: مؤسسة الرسالة) 301/15.

اللؤلؤ والمرجان في المياه العذبة

قال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ ۖ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا ۖ وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [فاطر: 12].

هل يخرج اللؤلؤ من المياه العذبة؟ نقل (الرازي) حيرة المفسّرين في زمانه وقبله بقوله: اللؤلؤ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ مِنَ الْمَالِحِ فَكَيْفَ قَالَ: مِنْهُمَا؟ نَقُولُ: الْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ ظَاهِرَ كَلامِ اللهِ تَعَالَى أَوْلَى بِالاِعْتِبَارِ مِنْ كَلَامٍ بَعْضِ النَّاسِ الَّذِي لاَ يُوثَقُ بِقَوْلِهِ، وَمَنْ عَلِمَ أَنَّ اللؤلؤ لَا يَخْرُجُ مِنَ الْمَاءِ الْعَذْبِ وَهَبْ أَنَّ الْغَوَاصِينَ مَا أَخْرَجُوهُ إِلاَّ مِنَ الْمَالِحِ وَمَا وَجَدُوهُ إِلَّ فِيهِ، لَكِنْ لا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا أَنَّ لاَ يُوجَدَ فِي الْغَيْرِ. سَلَّمْنَا، لِمَ قُلْتُمْ: أَنَّ الصَّدَفَ يَخْرُجُ بِأَمْرِ اللهِ مِنَ الْمَاءِ الْعَذْبِ إِلَى الْمَاءِ الْمَالِحِ وَكَيْفَ يُمْكِنُ الْجَزْمُ؟ وَالأُمُورُ الأَرْضِيَّةُ الظَّاهِرَةُ خَفِيَتْ عَنِ التُّجَّارِ الَّذِينَ قَطَعُوا الْمَفَاوِزَ وَدَارُوا الْبِلاَدَ فَكَيْفَ لا يَخْفَى أَمْرُ مَا فِي قَعْرِ الْبَحْرِ عَلَيْهِمْ .

الرازي، مفاتيح الغيب (بيروت: دار إحياء التراث، 1420هـ)، 352 /29.

الختام في كلمة

عصارة المختصر: محمّد [ﷺ] آية للنبوة في خُلُقه، ومضمون رسالته.. والخوارق التي جرت على يديه وتتجدّد في كتابه تزيد المرء يقينًا أنّه النبيّ الحقّ، قد جاء بالهدى، وصَدَّق المرسَلين.

الحمد لله الذي بنعمته تتمّ الصالحات

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

اكتشاف المزيد من مدونة التاعب

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة