القائمة إغلاق

خلاصة كتاب: البشارة بنبي الإسلام في كتب اليهود والنصارى، تأليف: د. سامي عامري

 

بسم الله الرحمن الرحيم

خُلاصة كتاب:

البشارة بنبيّ الإسلام في كتب اليهود والنَّصارى

تأليف: د. سامي عامري

تحميل الخُلاصة: [DOC] [PDF]

الفهرس

مقدمة أ. فيصل عازر. 3

تمهيد. 3

الباب الأول: معارضاتٌ أوّلية. 4

الفصل الأول: البشارات بين النص الأصلي ونسخ القرن السابع. 4

الفصل الثاني: امتناع تحريف البشارات.. 7

الفصل الثالث: انقطاع النبوة بعد يحيى.. 9

الفصل الرابع: النبي المُنتظر. 11

الفصل الخامس: لا نبي بعد المسيح المنتظر. 12

الفصل السادس: بشارات لم تهد أحدًا! 15

الفصل السابع: نبوءات، لكنّها غامضة! 17

الفصل الثامن: البشارات بين التحريف والتدليس… 17

البشارة الأولى: الناصري! 18

البشارة الثانية: القادم من مصر…. 19

البشارة الثالثة: أنهار ماء حيّ… 19

الباب الثاني: البشارات، بين الفهم الإسلامي والمعارضات النصرانية. 20

تمهيد: شروط البشارة بين المسلمين والنصارى.. 20

غياب المعيار. 20

الفصل الأول: عبد اللّٰه الإسماعيلي.. 20

التفسير النصرانيّ للبشارة. 21

التفسير الإسلاميُّ للبشارة. 22

الخلاصة. 29

الفصل الثاني: الشريعة النارية من بلاد العرب.. 29

الخلاصة. 38

الفصل الثالث: بشرى إبراهيم. 38

بشارة الأمة العظيمة. 39

يد الإسماعيليّين.. 40

الخلاصة. 42

الفصل الرابع: مكة، أرض الحج المباركة. 42

أولا: مضمون المزمور 84. 43

ثانيا: مقصد الحجاج.. 43

ثالثا: اسم المكان الذي يوجد فيه بيت اللّٰه… 43

رابعا: طبوغرافية الأرض التي فيها بيت اللّٰه… 43

سادسا: أَجْرُ مَنْ ينزل عند بيت اللّٰه… 44

سابعاً: النَّبْعُ الذي يَتَفَجَّرُ عند بيت اللّٰه… 44

ثامنا: السَّعْيُ بين جَبَلَيْنِ أَحَدُ أركان الحجّ.. 44

الفصل الخامس: تاريخ ظهور الرسول ودولته. 48

المطلب الأول: الرؤيا الأَوْلى لدانيال. 48

التفسير الإسلامي.. 50

المطلب الثاني: الرؤيا الثانية لدانيال. 51

التفسير النصراني.. 52

التفسير الإسلامي.. 53

المطلب الثالث: أسبوع ميلاد صاحب الملكوت الأخير.. 53

زمن ميلاد النبي المنتظر. 54

المطلب الرابع: قرن ميلاد صاحب الملكوت الجديد. 54

الفصل السادس: البراكليتوس المنتظر عند يوحنا 55

المطلب الأول: إشكالات في التفسير النصراني.. 56

البراكليتوس.. والتوظيف الإنجيليّ.. 56

عدم انطباق صفات الروح القدس على البراكليتوس: 57

المطلب الثاني: البراكليتوس هو أحمد. 58

1. بِرِكليتوس = أحمد. 58

2. تصحيف الاسم. 59

المطلب الثالث: البراكليتوس المحمود. 59

الخلاصة. 67

الخاتمة. 67

 


 

مقدمة أ. فيصل عازر

رئيس (مبادرة البحث العلمي للمذاهب المعاصرة والأديان)

والكتاب، رغم أنّه لم يطلب استيعاب كلّ البشارات في الكتاب المقدس، إلّا أنّه أقام الحجة بالبيّنة والبرهان، وتتبّع الاعتراضات بالردّ الواضح، وكشف كيل النصارى بمكيالين عند النقاش حول البشارات، وأبان عن اضطرب منهجهم في تأصيل دعوى بشارة التوراة بيسوع.

وموضوع البشارات أحد المواضيع التي انشغل بها ذهني خلال مرحلة البحث والنظر، قبل اعتناق الإسلام، خاصة بشارة المسيح بالفارقليط، روح الحق، في الإنجيل المنسوب إلى يوحنا. وقد قرأت في هذه البشارة مؤلّفات كثيرة لكتّاب مسلمين ونصارى؛ لمعرفة الموقفين الإسلامي والنصراني منها. وفوجئت أنّ بعض النصارى الأوائل (الذين نُسبوا إلى الهرطقة) قد ذهبوا إلى أنّها بشارة بنبي قادم، وأنّها ليست بشارة بالروح القدس، الأقنوم الإلهي الثالث. وبعدها شرح الله صدري للتصديق بنبوة محمد ﷺ النبي العربي الأمي الذي بُشِّر به في التوراة والإنجيل.

تمهيد

وهو موضوع حريّ أن يهتم به المسلم والنصراني واليهودي. أمّا المسلم؛ فلحديث القرآن عن بشارة التوراة والإنجيل بنبيّه ﷺ وأمّا اليهوديّ والنصراني؛ فلاعتقادهما بشارة كتبهما بعظيم أخبار المستقبل، ولا شكّ أنّ البعثة المحمّدية واحدة من أعظم أحداث التاريخ؛ بما يجعل الإخبار عن هذه الدعوة بشارة أو تحذيرًا، واردًا بقوّة.

وقد اخترتُ لهذا الكتاب أن يكون مختصرًا، في أدنى حدود العرض، ولم أتتبّع كلّ البشارات بالنظر، وإنّما اكتفيتُ بنخبة منها، مع العناية بعرض الأدلة وتتبّع الاعتراضات.

وقسمته إلى بابين، أوّلهما في المعارضات الأوّلية الكبرى في شأن بشارة أسفار أهل الكتاب بـمحمد ﷺ وثانيهما في تفصيل عرض بشارات هذه الأسفار بنبيّ الإسلام ﷺ مع دفع المعارضات عنها.

هذا الكتاب الذي بين يديك ناسخ لكتابين أصدرتهما منذ زمن. وهما أوّل ما كتبت في بداية التصنيف: محمد ﷺ في الكتب المقدسة، وبشارة موسى ﷺ بمحمد ﷺ. وقد ألفتهما على نمط قديم لا أرضى بعضه الآن في الاستدلال والتوثيق، بالإضافة إلى ميلي اليوم إلى القول إنّ إنجيل برنابا، كِتابٌ مَنْحول مُلفّقٌ في العصر الإسلامي، والتوقّف في البشارات المذكورة في كتب غير اليهود والنصارى حتى يُعْلمَ أنّها قد كَتِبَتْ قبل البعثة. فلا يُنْسب إليّ في باب الحديث عن البشارة إلا ما في هذا الكتاب الجديد.

ظنّ المنصّرين أنّ موضوع البشارة بنبيّ الإسلام ﷺ في التوراة والإنجيل، موضع ضعف في الخطاب الإسلامي.

ولا يفوتني -في الختام- أن أشكر فضيلة الدكتور منقذ السقار على تعليقاته النافعة على مسودة الكتاب.

ربِّ اشرح لي صدري، ويسّر لي أمري، واحلل عقدة من لساني؛ يفقهوا قولي!

ربّ اغفر لي حظّ النفس من هذا الكتاب!

الباب الأول: معارضاتٌ أوّلية

الفصل الأول: البشارات بين النص الأصلي ونسخ القرن السابع

هل البشارات التي جاءت الإحالة إليها في الآيات القرآنية واردةٌ في النصوص الأصلية للكتب السماوية -سواء حرّفت لاحقًا أم لا – أم هي إحالة إلى نسخ الكتاب المقدس في القرن السابع الميلادي، عصر البعثة الخاتمة؟

وبالنظر في آيات البشارات، بإمكاننا أن نلاحظ أنّها على ثلاثة أنواع:

1- نصوص صريحة في الإشارة إلى النص الأصلي للتوراة والإنجيل كما أُنْزِلا.

2 – نصوص غير متعلّقة بالبشارة – على الراجح-.

3 – نصوص تحتمل الإحالة إلى الأصول أو النسخ اللاحقة.

أولا: الإحالة الصريحة إلى النص الأصلي للتوراة والإنجيل:

عامّةُ آيات البشارة دالّة على الإحالة الصريحة إلى النصوص الأصلية التي نزلت على الأنبياء قبل أن تُتداول لاحقا بين الناس. وقد جاء ذلك في أكثر من صورة:

الحديث عن الأنبياء في عصرهم:

﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ ۚ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِي ۖ قَالُوا أَقْرَرْنَا ۚ قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: 81].

قال ابن كثير: يخبر تعالى أنه أخذ ميثاق كلّ نبي بعثهُ من لدن آدم عليه السلام، إلى عيسى عليه السلام، لمهما آتى الله أحدهم من كتاب وحكمة، وبَلَغَ أيَّ مبلغ، ثم جاءه رسولٌ من بعده، ليؤمننّ به ولينصرنّه، ولا يمنعه ما هو فيه من العلم والنبوة من اتّباع من بعث بعده ونصرته .(1)

(1) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، تحقيق: سامي سلامة (دار طيبة، 1420ه – 1999م)، 67/2.

الخطاب صادر عن الأنبياء أنفسهم:

﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: 127-129].

الخطاب على لسان المسيح:

﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ۖ فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ [الصف: 6].

ثانيا: الإحالة إلى غير البشارة بالنبي المنتظر:

اختلف المفسّرون في تعلّق قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأحقاف: 10] بالبشارة بـمحمد ﷺ في كتاب السابقين. والأظهر أنّ الآية في أنّ القرآن وحيٌ من عند الله -سبحانه – لا البشارة بالنبي الخاتم.

قال القاسمي -المفسّر-: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ أي: القرآن مُنَزَّلًا من لَدُنْهُ عَلَيَّ. لا سِحْرًا ولا مفترى كما تزعمون ﴿وَكَفَرْتُم بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: من الواقفين على أسرار الوحي بما أُوتوا من التوراة ﴿عَلَىٰ مِثْلِهِ﴾ أي: مثل القرآن، وهو ما في التوراة من الأحكام المصدّقة للقرآن من الإيمان بالله وحده، وهو ما يتبعه، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: 196]، وقوله: ﴿إِنَّ هَٰذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَىٰ * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ﴾ [الأعلى: 18-19]، أو على مثل ما ذُكِرَ من كونه من عند الله تعالى. أو على مثل شهادة القرآن؛ فجعل شهادته على أنه من عند الله، شهادةً على مثل شهادة القرآن، لأنه بإعجازه كأنه يشهد لنفسه بأنه من عند الله، أو (المثل) صلة و(الفاء)، في قوله تعالى: ﴿فَآمَنَ﴾ للدلالة على أنه سارَعَ إلى الإيمان بالقرآن، لمّا علم أنه من جنس الوحيِ الناطق بالحقّ ﴿وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ أي: عن الإيمان به بعد هذه الشهادة .(1)

(1) جمال الدين القاسمي، محاسن التأويل -بيروت: دار الكتب العلمية، (2003)، 442/8.

وأمّا قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ۖ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 146]؛ فقد اختلف في معناه المفسّرون.

قال القرطبي: أي يعرفون نبوّته وصدق رسالته، والضمير عائد على محمد ﷺ، قاله مجاهد وقتادة وغيرهما. وقيل: يعرفون تحويل القِبْلة عن بيت المقدس إلى الكعبة أنه حقٌّ، قاله ابن عباس وابن جريج والربيع وقتادة أيضًا .(1)

(1) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش -القاهرة: دار الكتب المصرية، 1384ه/ 1964م)، 162 /2.

لا يلزم من التفسير الأوّل الذي ساقه القرطبي أنّ أهل الكتاب يعرفون نبوّة محمّد ﷺ من البشارة به؛ فإنّ علمهم بذلك قد يكون بعلمهم صِدْقَهُ، وإخباره عمّا في كتبهم ممّا لا يعرفه إلّا كبار الأحبار، وإعادته رسالة النبوّة التي كانت في أنبياء إسرائيل صافية، أو من خلال معجزاته الماديّة..

ثالثًا: الإحالة غير الصّريحة إلى النصّ الأصليّ للتوراة والإنجيل:

قال تعالى: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ۚ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ۗ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: 29].

قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: 157].

نقل الرازي (ت 606ه) في تفسيره الخلاف في معنى الآية؛ بين توجيهها إلى السابقين من بني إسرائيل، وربطها ببني إسرائيل زمن الرسول ﷺ، قال: واختلفوا في ذلك فقال بعضهم: المراد بذلك أنْ يتّبعوه باعتقاد نبوّته من حيث وجدوا صِفَتَهُ في التوراة، إذ لا يجوز أن يتّبعوه في شرائعه قبل أن يُبعث إلى الخَلْق، وقال في قوله: ﴿وَالْإِنجِيلِ﴾ أن المراد سيجدونه مكتوبًا في الإنجيل، لأنّ من المحال أن يجدوه فيه قبل ما أنزل الله الإنجيل، وقال بعضهم: بل المراد مَنْ لَحِقَ من بني إسرائيل أيّام الرسول .(1)

(1) الرازي، مفاتيح الغيب (بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1420 ه)، 380/15.

وقد اختار أبو السعود (ت 951ه) القول الأول. قال رحمه الله: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا﴾ باسمِهِ ونُعُوتِه بحيث لا يَشُكّون أنه هو لذلك عَدَلَ عن أن يُقال: يجدون اسمَه أو وَصْفه مكتوباً ﴿عِندَهُمْ﴾ زيد هذا لزيادة التقريرِ وأنّ شأنه -عليه الصلاة والسّلام- حاضرٌ عندهم لا يَغيب عنهم أصلاً ﴿فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ﴾ اللَّذَيْنِ تَعبَّدَ بهما بنو إسرائيلَ سابقًا ولاحقًا، والظرفان متعلقان بيجدونه أو بمكتوبًا. وذِكرُ الإنجيلِ قبل نزولِه من قبيل ما نحن فيه من ذكر النبي -عليه الصلاة والسلام- والقرآنِ الكريم قبل مجيئهما .(2)

(2) أبو السعود، إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم (بيروت: دار إحياء التراث العربي، د.ت)، 279 /3.

وقال أبو حيان (ت 754 ه) في تفسيره: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ﴾. هذا من بقيّة خطابه تعالى لموسى عليه السلام وفيه تبشير له ببعثة محمد ﷺ وذكرٌ لصفاته، وإعلام له أيضًا أنه ينزل كتابًا يُسمّى الإنجيل .(3)

(3) أبو حيان، البحر المحيط، تحقيق: صدقي محمد جميل (بيروت: دار الفكر، 1420ه)، 193/5.

ولذلك قال الإمام ابن القيم (ت 751ه) في بيان أنّ عدم وجود البشارة التي أحالت إليها الآيات القرآنية في نسخ عصر النبوة الخاتمة أو ما بعدها، لا يمنع أن تكون في النص الأصلي لما نزل على الأنبياء: لَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ لا ذِكْرَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِنَعْتِهِ ولا صِفَتِهِ ولا عَلَامَتِهِ فِي الْكُتُبِ الَّتِي بِأَيْدِي أَهْلِ الْكِتَابِ الْيَوْمَ، لَمْ يَلْزَمْ مِنْ ذَٰلِكَ أَنْ لا يَكُونَ مَذْكُورًا فِي الْكُتُبِ الَّتِي كَانَتْ بِأَيْدِي أَسْلَافِهِمْ وَقْتَ مَبْعَثِهِ ولا تَكُونُ اتَّصَلَتْ عَلَى وَجْهِهَا إِلَى هَؤُلَاءِ، بَلْ حَرَّفَهَا أُولَئِكَ وَبَدَّلُوا وَكَتَمُوا، تَوَاصَوْا وَكَتَبُوا مَا أَرَادُوا، وَقَالُوا: هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، ثُمَّ اشْتُهِرَتْ تِلْكَ الْكُتُبُ وَتَنَاقَلَهَا خَلَفُهُمْ عَنْ سَلَفِهِمْ، فَصَارَتِ الْمُغَيَّرَةُ الْمُبْدَلَةُ هِيَ الْمَشْهُورَةُ، وَالصَّحِيحَةُ بَيْنَهُمْ خَفِيَّةٌ جِدًّا، ولا سَبِيلَ إِلَى الْعِلْم بِاسْتِحَالَةِ ذَلِكَ، بَلْ هُوَ فِي غَايَةِ الْإِمْكَانِ. فَهَؤُلَاءِ السَّامِرَةُ غَيَّرُوا مَوَاضِعَ مِنَ التَّوْرَاةِ ثُمَّ اشْتُهِرَتِ النُّسَخُ الْمُغَيَّرَةُ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ؛ فَلَا يَعْرِفُونَ سِوَاهَا، وَهُجِرَتْ بَيْنَهُمُ النُّسْخَةُ الصَحِيحَةُ بِالكُلِّيَةِ، وَكَذَلِكَ التَّوْرَاةُ الَّتِي بِأَيْدِي النَصَارَى .(1)

(1) ابن القيم، هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى (جدة: دار القلم- دار الشامية، 1416ه – 1996م)، ص 314-315.

عدم ثبوت البشارة بـمحمد ﷺ في نسخ الكتاب المقدس المتأخّرة، ليس مَطْعَنًا في صدق إحالة القرآن إلى ذلك؛ لأننا نعتقد أنها بشارات ثابتة في النصوص الأصلية المندثِرة.

الفصل الثاني: امتناع تحريف البشارات

يقول النصراني المعترض: الحديث عن تحريف البشارات في التوراة والإنجيل الأصليين، دعوى لا أصل لها؛ إذ لا يُعقل أن تضيع البشارة بنبيّ آخر الزمان من الكتاب المقدّس الذي لا سبيل للبشر إلى تحريفه؛ لانتشار مخطوطاته في كلّ بقاع الأرض منذ زمن بعيد!

وجواب الاعتراض السابق، من أوجه:

الوجه الأول: الإجماع العلمي قائم على تحريف الكتاب المقدس؛

دانيال والس – أشهر ناقد نصي للعهد الجديد، محافظ – في نقله عنهم، بقوله: في مواضع عديدة [في العهد القديم] كل الشواهد [أي: المخطوطات العبرية، الترجمات القديمة…] محرّفة بصورة بالغة؛ بما يوجب المسير إلى استعمال التخمين الحدسي .(1)

(1) Daniel B. Wallace, The Majority-Text Theory: History, Methods And Critique, Journal of the Evangelical Theological Society, 37:2 (Jun 1994), p.203.

وأمّا العهد الجديد؛ فالتحريف فيه معلوم، تعترف به الطبعات التجاريّة للعهد الجديد؛ بإشارة عددٍ كثير منها في الهوامش إلى النصوص المحرّفة.

الوجه الثاني: الكتاب المقدس نفسه مخبر عن كتب كانت متاحة بين أيدي بني إسرائيل، لا أثر لها اليوم ولا في القرن السابع الميلادي:

كما جاء في سفر عزرا 9/ 10-12: الآنَ، فَمَاذَا نَقُولُ يَا إِلهَنَا بَعْدَ هذَا؟ لأَنَّنَا قَدْ تَرَكْنَا وَصَايَاكَ الَّتِي أَوْصَيْتَ بِهَا عَنْ يَدِ عَبِيدِكَ الأَنْبِيَاءِ قَائِلًا: إِنَّ الأَرْضَ الَّتِي تَدْخُلُونَ لِتَمْتَلِكُوهَا هِيَ أَرْضٌ مُتَنَجّسَةٌ بِنَجَاسَةِ شُعُوبِ الأَرَاضِي، بِرَجَاسَاتِهِم الَّتِي مَلَؤُوها بِهَا مِنْ جِهَةٍ إِلَى جِهَةٍ بِنَجَاسَتِهِمْ. وَالآنَ فَلا تُعْطُوا بَنَاتِكُمْ لِبَنِيهِمْ وَلا تَأْخُذُوا بَنَاتِهِمْ لِبَنِيكُمْ، وَلا تَطْلُبُوا سَلامَتَهُمْ وَخَيْرَهُمْ إِلَى الأَبَدِ لِكَيْ تَنَشَدَّدُوا وَتَأْكُلُوا خَيْرَ الأَرْضِ وَتُورِثُوا بَنِيكُمْ إِيَّاهَا إِلَى الأَبَدِ .. وهذا الاقتباس الوارد في سفر عزرا، لا وجود له في أيّ سفر من أسفار التناخ (العهد القديم)؛ فهو اقتباس عن سفر ضائع.

الوجه الثالث: العهد الجديد فيه نُقُولٌ غير موجودة في العهد القديم، وهي على ما يظهر عن أسفار ضائعة أو تراث شفويٍّ يجب أن يكون عن وحي أوّلٍ؛ حتّى لا يقع العهد الجديد في نقل كلام البشر على أنّه وحي ربّانيّ:

رسالة يهوذا 6: وَأَمَّا الْمَلائِكَةُ الَّذِينَ لَمْ يُحَافِظُوا عَلَى مَقَامِهِمِ الرَّفِيعٍ، بَلْ تَرَكُوا مَرْكَزَهُمْ، فَمَازَالَ الرَّبُّ يَحْفَظُهُمْ مُقَيَّدِينَ بِسَلاَسِلَ أَبَدِيَّةٍ فِي أَعْمَاقِ الظَّلَام، بِانْتِظَارِ دَيْنُونَةِ ذَلِكَ الْيَوْمِ الْعَظِيم .

الرسالة إلى العبرانيين 12/ 21: وَالْوَاقِعُ أَنَّ ذَلِكَ الْمَشْهَدَ كَانَ مُرْعِبًا إلى دَرَجَةِ جَعَلَتْ مُوسَى يَقُولُ أَنَا خَائِفٌ جِدًّا بَلْ مُرْتَجِفٌ خَوْفًا .

الرسالة الثانية إلى تيموثاوس 3/ 8: وَمِثْلَمَا قَاوَمَ (السَّاحِرَانِ) يَنِّيسُ وَيَمْبِرِيسُ مُوسَى، كَذَلِكَ أَيْضًا يُقَاوِمُ هَؤُلاءِ الْحَقَّ؛ أُنَاسٌ عُقُولُهُمْ فَاسِدَةٌ، وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُمْ غَيْرُ أَهْلٍ لِلإِيمَانِ .

الوجه الرابع: اعترف بعض آباء الكنيسة بوجود أسفار مقدّسة ضائعة؛ ومن ذلك قول قديس الكنيسة يوحنا ذهبيّ الفم في تعليقه على 1 كورنثوس (3 1):

حتى قبل السَّبْي، تمَّ طَمْسُ العديد من الكتب وانجرفَ اليهود إلى أسوأ درجات المعاصي. هذا واضح من نهاية سفر الملوك الرابع؛ لأنّه قد عُثِر بصعوبة على سفر التثنية، وقد دُفن في مكان ما في مزبلةٍ .(1)

(1) Chrys. hom. 3 in 1 Cor. 3.

كما قال يوحنا ذهبي الفم في تعليقه على الفصل الرابع من إنجيل متّى:(2)

تم طمس كثير من الأسفار النبويّة. ومن الممكن إدراك ذلك من تاريخ أخبار الأيام. بادت بعض الأسفار المقدّسة بسبب الإهمال وسقوط اليهود المستمر في المعصية، كما حرق اليهود أنفسهم بعض الأسفار الأخرى ومزَّقُوها .

(2) Chrys. hom. 9 in Mt. 4.

الوجه الخامس: النصارى أنفسهم اتّهموا اليهود بتحريف التوراة لإخفاء البشارة بالمسيح.

ومن هؤلاء قديس الكنيسة جيروم (توفي 420م) الذي قال -وهو ينتقد أخطاء الترجمة السبعينية للتوراة-: ليس هدفي، كما يظنّ أصحاب النوايا السيّئة، إدانة الترجمة السبعينيّة أنّها واقعة في الخطأ. ولا أرى أنّ عملي يحطُّ من قَدْرِ من قاموا على هذه الترجمة. والحقيقة أنّهم -بسبب أنّ عَمَلَهُم قد تمّ لأجل الملك بطليموس الإسكندري- لم يختاروا الكشف عن جميع الأسرار التي تحتويها الكتابات المقدسة، خاصة تلك التي تَعِدُ بمجيء المسيح .(1)

(1) Jerome, Preface to the Book of Hebrew Questions.

الفصل الثالث: انقطاع النبوة بعد يحيى

يزعم عامّة النصارى أنّ باب النبوّة قد أقُفل مع يوحنّا المعمدان (يحيى عليه السلام)، النبي المعاصر للمسيح عليه السلام وقريبه؛ فلا نبوّة بعد ذلك.(1) ولا حُجّة عند هؤلاء سوى أنّ موت ابن الله على الصّليب قد أنهى الحاجة إلى النبوّة، بالإضافة إلى أنّهم يقولون إنّه لا يُعرف نبيّ بعد رفع المسيح عليه السلام إلى السَّماء.

(1) المسيح نفسه نبي في النصرانية، وإن جهل ذلك عوام النصارى لاعتقادهم أنّ الألوهية لا تجتمع مع النبوة. انظر مثلا كتاب اللاهوت النظامي الشهير:

Wayne A. Grudem, Systematic Theology: An Introduction to Biblical Doctrine (Grand Rapids, MI: Zondervan.com, 2000), 764-766.

وقد أجاب على الدعوى السابقة الدكتور مجيل إيرناندث في بحثه الذي قدّمه في قرطبة بإسبانيا عام 1977 في المؤتمر الثاني للحوار الإسلامي المسيحيّ الذي عُقِد سنة 1977 بعنوان: الجذور الاجتماعية والسياسية للصُّورة المزيّفة التي كوَّنتها النصرانيّة عن النبيّ محمّد ؛ إذ قال فيه:

لا يوجد صاحب دعوة تعرَّض للتجريح والإهانة ظلمًا على مدَى التاريخ مثل محمد، وإنَّ الأفكار حول الإسلام والمسلمين ونبيِّهم محمّد استمرَّت تسودُها الخرافات حتى نهاية القرن الثاني عشر الميلادي، ولَم يمنع الاحتكاك المباشر بين الطائفتين من انتشار هذه الخرافات.

لقد سبَق أن أكَّدتُ في مناسبة سابقة الاستحالة -من الوجهة التاريخية والنفسية- لفكرة النبي المزيَّف التي تُنسب لمحمد، ما لَم نرفضْها بالنسبة لإبراهيم وموسى، وأصحاب النبوَّات الأخرى من العبريّين الذين اعتُبِروا أنبياءَ.

إنَّه لَم يحدثْ أنْ قال نبيٌّ بصورة بيِّنة وقاطعة أنَّ عالَم النبوَّة قد أُغْلِق، وفيما يتعلَّق بالشعب اليهودي، فإنَّ عالَم النبوَّة ما يزال مفتوحًا، ما داموا ينتظرون المسيح المخلِّص.

أمَّا فيما يتعلَّق بالنصرانية، فإنَّه لا يوجد تأكيد قطْعيٌّ يدلُّ على انتهاء عالَم النبوة، وأيُّ قارئ لرسائل القدِّيس بولس وآثار الحواريّين وسِفر الرؤيا، يعلم ذلك جيّدًا.

وفيما يتعلَّق بي، فإنّ لديّ يقينٌ أنَّ محمدًا نبيٌّ لدرجة أنّي حاولت في دراسةٍ لي كُتِبَتْ سنة 1968 أن أشرح أنّ محمّدًا كان نبيًّا حقًّا من وجهة النظر الدينية المسيحيّة .(1)

(1) ملف الحوار الإسلامي المسيحي بقرطبة- سكرتارية المؤتمر -نقله أحمد عبد الوهاب، اختلافات في تراجم الكتاب المقدس وتطوّرات مهمَّة في المسيحيّة (القاهرة: مكتبة وهبة، 1407ه/ 1987، ص 64-63).

كما شهد لنبوّة محمّد ﷺ كيث وارد،(2) القسيس واللاهوتي والفيلسوف البريطاني الذي يُعتبر من أشهر الرموز الفكرية في الغرب في الرد على تيار الإلحاد الجديد، خاصة أطروحات ريتشارد داوكنز. بل الأبعد من ذلك أنّه قال إنّ عامة اللاهوتيين الأكاديميين النصارى من زملائه يؤمنون هم أيضًا بنبوّة محمّد ﷺ.(3)

أعمال الرسل 11/ 27: وَفِي تِلْكَ الأَيَّام انْحَدَرَ أَنْبِيَاءُ [بروفِيتاي προφῆται] مِنْ أُورُشَلِيمَ إِلَى أَنْطَاكِيَةَ .

(2) كيث وارد (Keith Ward 1938 -): عضو الأكاديمية البريطانية. له اهتمام خاص باللاهوت المقارن وعلاقة العلم بالدين.

(3) حوار مصوّر بين الداعية البريطاني بول ويليامز وكيث وارد:

AMAZING !Revd Professor Keith Ward on Muhammad as a Prophet of God
https://www.youtube.com/watch?v=FkeoGRT_ATE. Retrieved.5.10.2021

لم تكن مشكلة الكنيسة الأولى غياب الأنبياء، وإنّما في كثرتهم؛ وهو ما ألجأها إلى إلغاء النبوّة لاحقًا.

وقد جاء في معجم هاربر للكتاب المقدس: تسبّب وجود كثرة من الأنبياء في مشكلات كبيرة مع النبوّة الكاذبة، وجعل من الضروري ابتكار اختبارات لتحديد صحّة الأقوال النبوية (متّى 7/ 15؛ 24/ 11، 24؛ مرقس 13/ 22؛ أعمال 13/ 6؛ 2 بطرس 2/ 1؛ 1 يوحنا 4/ 1؛ رؤيا 2/ 20؛ 19/ 20؛ 20/ 10). قد تكون الصعوبات في التعرّف على الأنبياء الكَذَبَةِ هي التي دفعت قادة الكنيسة إلى محاولة إلغاء النبوة كليّة، وربما عجّلت في اختفاء الأنبياء من المجتمع المسيحي .(1)

(1) P. J. Achtemeier, Harper’s Bible Dictionary (San Francisco: Harper & Row, 1985), p.830.

ولا يُعترض علينا هنا بالقول إنّ النبوّة اللاحقة لزمن المسيح تختلف في جوهرها عن السابقة لها. فإنّ الاسم وجوهر النبوّة فيهما واحد؛ فهي (نبوّة) في الحالين، ووحي إلهيُّ للبلاغ، والإنباء عن الغيب.

ومن المعلوم أنّ (النبيّ) في الكتاب المقدس هو شخص مُوحى إليه من الله ليبلّغ الناس ما يريده الله من شعبه، ويكشف لهم المستقبل .(1)

(1) Art. “Prophet”, M. F. Unger et al. The New Unger’s Bible Dictionary (Chicago: Moody Press, 1988).

وأمّا الاستدلال بقول المسيح: احْتَرِزُوا مِنَ الأَنْبِيَاءِ الْكَذَبَةِ الَّذِينَ يَأْتُونَكُمْ بِثِيَاب الْحُمْلَانِ، وَلِكِنَّهُمْ مِنْ دَاخِل ذِئَابٌ خَاطِفَةٌ! مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ. هَلْ يَجْتَنُونَ مِنَ الشَّوْكِ عِنَبًا، أو مِنَ الْحَسَكِ تِينًا؟ هكَذَا كُلُّ شَجَرَةٍ جَيّدَةٍ تَصْنَعُ أَثْمَارًا جَيِّدَةً، وَأَمَّا الشَّجَرَةُ الرَّدِيَّةُ فَتَصْنَعُ أَثْمَارًا رَدِيَّةً، لا تَقْدِرُ شَجَرَةٌ جَيِّدَةٌ أَنْ تَصْنَعَ أَثْمَارًا رَدِيَّةً، ولا شَجَرَةٌ رَدِيَّةٌ أَنْ تَصْنَعَ أَثْمَارًا جَيِّدَةً. كُلُّ شَجَرَةٍ لا تَصْنَعُ ثَمَرًا جَيِّدًا تُقْطَعُ وَتُلْقَى في النَّارِ. فَإِذًا مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ . (متّى 7/ 15-20)؛ فليس بحجّة للقول بانقطاع النبوة بعد يوحنّا المعمدان، وإنّما هو -في الحقيقة- حجّة على استمرار النبوّة بعد المسيح.

كما ادّعى النبوّة في النصف الثاني من القرن الثاني، منتانوس الذي انتشرت دعوته في أكثر من مكان في الإمبراطورية الرومانية، واستمرّت حتّى القرن السادس. وقد تحوّل إلى المونتانية ترتليان، وهو من أهم آباء الكنيسة في بداية القرن الثالث.(2)

(2) Ferdinand Christian Baur, The Church History of the First Three Centuries (London: Williams and Norgate, 1878), 1/245-256.

الفصل الرابع: النبي المُنتظر

يتكرّر في خطابات المنصّرين أنّه لم يكن أحدٌ ينتظِرُ (نبيّ آخِرِ الزّمان) عصرَ المسيح وبعده؛ وبالتالي ففكرة النبيّ المنتَظَرِ الواردة في البشارات القرآنية نقلًا عن أهل الكتاب، لا أساس لها.

وهذا الاعتراض لا يخلو من جهل واضح بالأناجيل والتاريخ؛ فإنّنا نقرأ في إنجيل يوحنّا 1/ 19-21 أنّه حين قال يوحنّا المعمدان للكهنة واللّاويين إنّه ليس المسيح (المنتظر)، سألوه: النَّبِيُّ أَنْتَ؟ ، بأداة التعريف لكلمة نبيّ ؛ دلالة على نبيّ معلوم، ومنتظَر.(1) ولمّا أنكر أنّه النبيّ . عَجِبُوا من أمره.

كما جاء في إنجيل يوحنّا 6/ 14-15: فَلَمَّا رَأَى النَّاسُ الآيَةَ الَّتِي صَنَعَهَا يَسُوعُ قَالُوا: إِنَّ هذَا هُوَ بِالْحَقِيقَةِ النَّبِيُّ الآتِي إلَى الْعَالَم! وَأَمَّا يَسُوعُ فَإِذْ عَلِمَ أَنَّهُمْ مُزْمِعُونَ أَنْ يَأْتُوا وَيَخْتَطِفُوهُ لِيَجْعَلُوهُ مَلِكًا، انْصَرَفَ أَيْضًا إِلَى الْجَبَلِ وَحْدَهُ .

فيهود القرن الأوّل كانوا في انتظار النبيّ الآتي إلى العالم . وكانوا يعلمون أنّ أعظم صفاته أنّه سيكون على خلاف كلّ أنبياء بني إسرائيل الذين ظهروا بعد سليمان عليه السلام ملكا، صاحب سلطان سياسيّ وعسكريّ.

ويُعلِّق فردناند دكسنجر -رئيس قسم الدراسات اليهودية في جامعة فيينا – على ما سبق بقوله: بإمكاننا أن نتعلّم من إنجيل يوحنّا (1/ 21، 6/ 14، 7/ 52، 9/ 17) أنّ توقّع ظهور “النبيّ” كان عظيمًا جِدًا (بين الناس زمن المسيح) .(2)

(1) See F Godet & T Dwight Commentary on the Gospel of John: With an historical and critical introduction New York: Funk & Wagnalls (1886, p.304).

(2) Ferdinand Dexinger, “Reflections on the Relationship Between Qumran and Samaritan Messianology“, in James I Charlesworth Hermann Lichtenberger and Gerbern S. Oegema, Qumran-Messianism: studies on the Messianic expectations in the Dead Sea scrolls (T bingen: Mohr Siebeck, 1998), p.94.

وانتظار نبيّ آخر الزمان ثابتٌ أيضًا قبل عصر المسيح؛ فإنّنا نعلم من خلال مخطوطات البحر الميت أنّ اليهود قبل عصر عيسى عليه السلام كانوا ينتظرون مُعلّم الاستقامة [موريه هتسيدق מורה הצדק] الذي عرّفوه أنّه النبي الذي جاءت البشارة به في سفر التثنية 18/ 18. وهو نبيّ آخر الزمان eschatological prophet، وهو غير المسيح المنتظر.(1)

ويقول الناقد ل. ستيفن كوك:(2) توجد أدلّة صلبة تُظهر أنّ جماعة قمران نفسها كانت تنتظر عودة النبوّة (1QS 9.9-11). توقَّعَ هذا المقطع مجيء ثلاث شخصيات أخرويّة، مسيحان ونبيّ. ويعتقد النقّاد عادة أنّ هذه الشخصيات الثلاث قد وردت الإشارة إليها أيضًا في نص 4Q175, 4QTestimonia، وهو وثيقة تتمثّل في سلسلة مقاطع من الكتاب المقدس يبدو أنّها ذات طابع مسيحانيّ/ أَخرويّ صارخ .(3)

(1) David Noel Freedman and Pam Fox Kuhlken, What Are the Dead Sea Scrolls and Why Do They Matter? Grand Rapids Mich: W.B.Eerdmans (2007), p.93.

(2) ل. ستيفن كوك (L. Stephen Cook، 1962-): أستاذ لغة العهد القديم وأدبياته في Virginia Theological Seminary.

(3) L. Stephen Cook, On the question of the Cessation of Prophecy in Ancient Judaism (T bingen Mohr Siebeck, 2011), p.81.

لقد استمرّ اليهود في إظهار تشوّفهم لهذا النبي الملك/ المسيح الملك في أكثر من عصر، ومن ذلك ما وقع منهم في فتنة شمعون بار كوخبا שמעון בר כוכבא الذي ثار، وحاول إقامة دولة يهوديّة في فلسطين في القرن الثاني الميلادي (بعد المسيح). وكتب الفيلسوف والفقيه اليهودي الأشهر في العصور الوسطى موسى بن ميمون -في سياق بيان أنّه لا يُشترط للإيمان بالمسيح الرئيس أن يكون صاحب معجزات-:(2)

يمكن تقديم دليل على ذلك من حقيقة أن الحاخام عكيفا [١٣٧-٤٠م] -أحد حكماء المشناه العظماء- كان أحد مؤيدي الملك بار كوزيبا، وكان يصفه بأنّه الملك المسيّاني. اعتبره هو وجميع حكماء جيله الملك المسيح حتى قُتل بسبب الخطايا .

وانتظار اليهود لهذا النبيّ ثابت أيضًا عصر البعثة المحمّدية؛ فقد جاء في القرآن:

﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ۚ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 89]، أي إنّ اليهود المجاورين للعرب زمن البعثة، كانوا ينتظرون ظهور نبيّ ينصرهم على أعدائهم، ويُعيد عِزَّهم.

(2) Maimonides, Mishneh Torah, Sefer Shoftim, Melachim, Milchamot, 11.3.

قال أبو العالية التابعيّ (توفي حوالي 90ه): كانتِ الْيَهُودُ تَسْتَنْصِرُ بِمُحَمَّد ﷺ عَلَى مُشْرِكِي الْعَرَبِ، يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ ابْعَثْ هَذَا النَّبِيَّ الَّذِي نَجِدُهُ مَكْتُوبًا عِنْدَنَا حَتَّى يُعَذِّبَ الْمُشْرِكِينَ ويقتُلَهُمْ. فَلَمَّا بَعَثَ الله مُحَمَّدًا وَرَأَوْا أَنَّهُ مِنْ غَيْرِهِمْ كَفَرُوا بِهِ حَسَدًا لِلْعَرَبِ .(1)

(1) الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن (دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان، 1422ه/2001م)، 240 /2.

الفصل الخامس: لا نبي بعد المسيح المنتظر

يقول النصراني المعترض: إذا كان يسوع هو المسيح الذي كان اليهود ينتظرونه؛ فلا معنى لبعثة نبيّ بعده!

وجواب الاعتراض السابق – باختصار -، من أوجه:

الوجه الأول: على مذهب اليهود، المسيح المنتظر لم يأت بعد؛ فيسقط الاعتراض السابق، وعلى مذهب النصارى يظهر الإشكال إن سلّمنا أنّ المسيحانيّة تقتضي انقطاع النبوّة. ولم يكشف لنا المعترض سبب وجوب انقطاع النبوّة بعد ظهور المسيح المنتظر .

الوجه الثاني: إن زعم المعترض أنّ ظهور (المسيح المنتظر) موجب لانقطاع النبوّة؛ لأنّه بظهوره يأتي الخلاص النهائي للبشريّة، وتنقطع الحاجة إلى طلب هداة للبشريّة؛ فجوابه أنّ الأناجيل نفسها مخبرة عن أنبياء في القرن الأول بعد المسيح -كما سبق بيانه-.

وقد عرّف معجم JPS للكلمات اليهوديّة العصر المسيحاني أنّه الوقت الموعود والمتوقّع للسّلام العالمي في المستقبل. يقال إنّه في العصر المسيحاني، سيعود الناس إلى التوراة وأرض إسرائيل، وسيُعاد بناء الهيكل في أورشليم، وستنتهي الحرب والمجاعة، وسيأتي عصر سلام وازدهار على الأرض .(1)

(1) J. Eisenberg and E. Scolnic, The JPS dictionary of Jewish Words (Philadelphia, PA: Jewish Publication Society, 2001), p.105.

التراث اليهودي صريح في أنّ المسيح المنتظر سيظهر مرّة واحدة فقط يأتي معها العصر المسيحاني.

الوجه الثالث: كلمة المسيح من العبرية [هماشيح]- “המשיח”. وهي من فعل مسح “משח” [ماشح] العبري. ومن أهم استعمالاتها الإشارة إلى أي شخص معيّن بصورة إلهيّة لمهمّة تؤثر على مصير الشعب المختار .(1)

وقد كان عيسى عليه السلام مسيحًا من المسحاء، كداود عليه السلام جعله الله هاديًا ومبشّرا ونذيرًا. ولذلك يقترن لقب المسيح في القرآن عادة بعبارة ابن مريم ؛ دلالة على أنّه واحد من المسحاء؛ فهو المسيح المولود من مريم عليها السلام. وليس في القرآن أو السنّة النبويّة أيّ إشارة إلى أنّه المسيح المنتظر .

الوجه الرابع: التراث اليهودي الذي يستدل به النصرانيّ علينا لإثبات أن يسوع هو المسيح المنتظر ، في حقيقته قاطع أنّ يسوع ليس هو هذا الموعود.

يقول موسى بن ميمون، في مشناه توراة، التي تُعدّ من أهم الكتب المرجعية عند اليهود، مختصِرًا صفات المسيح المنتظر:(2)

سيظهر الملك المسيح ويستعيد مملكة داود القديمة إلى سيادتها الأولى. وسيبني الهيكل ويجمع منفيي إسرائيل. ثم، في أيامه، سيعود احترام جميع الشرائع كما كان الأمر سابقًا. سنقدّم الذبائح والأضاحي، ونحفظ أيام السبت وأعياد اليوبيل حسب كل تفاصيلها كما هي مذكورة في التوراة .

(1) P. J. Achtemeier, Harper’s Bible Dictionary, p.630.

(2) Maimonides Mishneh Torah, Sefer Shoftim, Melachim, Milchamot, 11.1.

وأضاف قائلا:(1)

إذا نشأ ملك من بيت داود يفكر بجديّة في الشريعة، والالتزام بالوصايا بحسب التوراة المكتوبة والشفوية كداود سلفه، ويجبر إسرائيل على السير في (طريق التوراة) وإصلاح القصور في ذلك، ويقيم الحروب في سبيل الله؛ فمن الممكن بكلّ تأكيد أن نعتبره المسيح. إذا نجح في ما سبق، وبنى الهيكل في مكانه، وجمع المشتتين من إسرائيل، فهو بالتأكيد المسيح. سيطوّر بعد ذلك العالم بأسره، ويحفز جميع الأمم على خدمة الله معًا .

(1) Maimonides Mishneh Torah, Sefer Shoftim, Melachim, Milchamot, 11.4

ثم قال عن يسوع الكنيسة:(1)

تحدّث جميع الأنبياء عن المسيح على أنه مخلّص إسرائيل الذي سيجمع المشتتيز ويقوي احترامهم للوصايا. في المقابل، نسببت المسيحية في قتل اليهود بالسيف، وشتات بقاياهم وذلّهم، وتغيير التوراة، وأخطأ غالبية العالم وخدموا إلها غير الرب .

خلاصة الأمر أنّ الإيمان بفكرة المسيح المنتظر اليهوديّة، يُفضي إلى الإيمان أنّ يسوع مسيح مزيّف. وليس على المسلم أن يسلك طريق اليهود في اتّهام عيسى أنّه مسيح مزيّف، ولا متابعة النصارى أنّه المسيح المنتظر عند اليهود. وإنّما للمسلم أن يقف واحدا من موقفين:

الموقف الأول: الإيمان أنّ الأنبياء قد بشّروا بالمسيح الرئيس المنتظر، لكنّهم حرّفوا خبره؛ فأضافوا إلى صفاته ما يجعله مخلّص اليهود من الذلّ، ومَنْ يُعيد بناء الهيكل… وليس في ذلك حرج؛ فإنّ الكتاب محرّف، ولا شكّ في ذلك.

الموقف الثاني: القول إنّ مسألة المسيح الرئيس برمّتها، أكذوبة يهوديّة دخلت التراث اليهودي في عصر الذلّ والاستضعاف، أو قبل ذلك؛ طلبًا لبقاء ملك داود عليه السلام إلى الأبد.(1) ودفعت هذه الأمنية اليهود إلى تفسير كثير من النصوص بغير ما تدلّ عليه، مع إهمال السياق بصورة واضحة.

وهذا يعني أنّ عيسى عليه السلام ليس المسيح المنتظر ، وإنّما هو مسيح من المسحاء؛ ولذلك اقترنت تسميته بالمسيح في القرآن -عادة- باسمه وببنوّته لأمّه المسيح عيسى ابن مريم أو ببنوّته لأمّه فقط -وهو الغالب- المسيح ابن مريم .. فهو مسيح كبقيّة المسحاء. وهذا هو الأرجح، في حدود ما يُستنبط مما بين أيدينا من نصوص يهوديّة وتراث شفهي يهوديّ.

(1) يقول د. محمد خليفة عن عقيدة المسيحانية : عقيدة نشأت لعوامل سياسية معروفة في التاريخ الإسرائيلي القديم، ولكنّها تحوّلت بعد زوال هذه العوامل السياسية إلى عقيدة دينية ثابتة من عقائد اليهودية؛ فقد أدّى انقسام مملكة داود وسليمان المتحدة إلى مملكتين شمالية وجنوبية، ثم سقوط هاتين المملكتين؛ الأولى في يد الآشوريين، والثانية في يد البابليين.. أدى هذا إلى نشأة وتبلور فكرة سياسية صُبغت صبغة دينية في زمن السبي البابلي هدفها تعويض سقوط المملكة الأرضية، وجعل الأمل في إمكانية بعثها في المستقبل باقيا. وهذه الفكرة السياسية الدينية سميت بالمسيحانية. وهي فكرة غيبية حشرية تقوم على أساس الاعتقاد في قدوم مسيح مخلص وظيفته السياسية تحقق الخلاص القومي لشعبه (خليفة، ظاهرة النبوة الإسرائيلية، القاهرة: دار الزهراء، 1412ه/ 1991م، ص 83).

الفصل السادس: بشارات لم تهد أحدًا!

يقول بعض المنصّرين إنّ البشارات التي يحيل إليها المسلمون في كتبهم من الكتاب المقدس ليست حجّة؛ لأنّه لا يُعرف أنّ أحدًا من اليهود أو النصارى قد أَسْلَمَ بسببها.. إنّها تأويلات مُتعسّفة لا يرضاها كلُّ من يعرف الكتاب المقدّس!

أولًا: طبيعة البشارات النبويّة أنّها تخبر عن النبيّ القادم بصورة لا تمنع من لم يطلب الحقّ أن يكذّبه؛ فإنّ الإيمان بالأنبياء، اختبارٌ يُمْتَحَنُ به الناس.

قال أبو الحسن العامريّ:(1) ولن يجوز أن تكون ألفاظ البشارة به واقعة فيها على التصريح والإفصاح؛ لأنّها لو وقعت على ذلك لما تبيّن عند ظهوره منزلةُ العاقل والغبيّ، ودرجة المجتهد من المقصّر. وليس يُشكّ أنّها متى وقعت مرموزةً فهي لا محالة تصير معرّضةً للتأويلات. وكلَّ قول كان عرضة لها؛ فإنّ مسلك التلبيس فيه، وإيراد اللّبس عليه، لن يكون شاقًّا على الخبّ الفَطِن .(2)

(1) أبو الحسن العامري (؟- 381 ه/ 992م): فيلسوف نيسابوري، متعدد المعارف.

(2) أبو الحسن العامري، الإعلام بمناقب الإسلام، ص202.

ثانيا: كان رسول الله ﷺ يقول لليهود: يا معشر اليهود، ويلكم، اتقوا اللهَ، فوالله الذي لا إله إلا هو، إنّكم لتعلمون أنّي رسول الله حقًّا، وأني جئتُكم بحقٍّ، فأسلِموا .(3) وقد أَسْلَمَ منهم جماعةٌ.

(3) رواه البخاري، كتاب فضائل الصحابة، باب هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة، ح/ 3911.

وقال الحبر اليهوديّ الذي أسلم زمن البعثة، عبد الله بن سلام: يا معشر اليهود اتّقوا الله، فوالله الذي لا إله إلا هو، إنّكم لتعلمون أنه رسول الله، وأنه جاء بحقّ .(1)

ثالثا: أفضل ما كُتب في البشارة بـمحمّد ﷺ صدر عن قساوسةٍ أسلموا. وعلى رأس هذه المؤلّفات، كتاب القسيس الكلداني داود بنيامين كلداني(3) (عبد الأحد داود، بعد إسلامه) – محمد في الكتاب المقدس الذي تتبّع البشارات في النص بلغتَيْهِ العبرية واليونانية، بصورة علميّة شائقة.

كما ألَّف القسيس المصريّ سكرتير عام الإرساليات الأمريكية بأسوان إبراهيم خليل فيلبس(4) كتابه القيّم: محمد في التوراة والإنجيل والقرآن، مع مؤلّفات أخرى له مهمّة أفاد بها المكتبة العربية.

(3) وُلِدَ سنة 1867. أرسله الكاردينال فوجان إلى روما حيث تلقّى تعليمًا في الدراسات الفلسفية واللاهوتية في كلية ثم رُسّم كاهنا. نشر عدّة مقالات علمية في مجلات دينيّة مختلفة. انتدبه كبار رجال الدين الكلدان لتمثيل الكاثوليك الشرقيين في مؤتمر عقد في فرنسا. استقال سنة 1900 من كنيسته، وسافر إلى بريطانيا حيث انضمّ سنة 1904 إلى كنيسة الموحدين (المنكرة للتثليث). وفي طريق عودته إلى إيران، التقى بعدد من علماء الإسلام. وقد أسلم بعد مناظرتهم. (عبد الأحد داود، محمد ﷺ كما ورد في كتاب اليهود والنصارى، تعريب: محمد فاروق الزين، الرياض: مكتبة العبيكان، 1418ه/ 1997م، مقدمة المعرّب.)

(4) إبراهيم خليل فليبس: (ولد سنة 1919م في الاسكندرية، مصر) كان مدرّسا في كليّة اللاهوت في مصر قبل إسلامه.

ومن الظريف في هذا الشأن قصة الدكتور أحمد حجازي السقّا وتخصّصه في موضوع البشارات بالنبوة الخاتمة منذ مرحلة الدكتوراه وإلى وفاته، وهو أغزر الكتّاب تأليفًا في هذا الباب. فقد قال في كتابه البشارة بنبيّ الإسلام في التوراة والإنجيل -وهو أطروحته للدكتوراه-:

كنت أُعِدُّ رسالة الدكتوراه في كليّة أصول الدين – جامعة الأزهر – في موضوع مجلّة الأزهر وأثرها في الدعوة الإسلامية في سنة 1973م وذات يوم التقيتُ بـ قمص نصرانيّ ظنّ أنّي نصرانيٌ مثله، لأنّي كنت أقرأ في الكتاب المقدّس وأَحْمِلُ منه نسخةً أخرى لصديقٍ لي.

فسألني قائلًا: أَتَعْرِفُ أنَّ الإصحاح الثامن من سِفر دانيال النبيّ يُشير إلى معركةِ سنة 1967م التي حدثتْ بين المسلمين وبين اليهود في أرض فلسطين؟

قلتُ: قد قرأتُ ذلك في كتاب إظهار الحق ولكنّي لم أدرس جيّدًا.
قال: أُحِبُّ أن أَطَّلِعَ عليه!

ونزلنا من القطار إلى منزل الشيخ حامد عبد الحميد إبراهيم قلبه، في محطة المطريّة بمصر.
وفي الطريق سألتُه: أَمُحَمَّدٌ نبيّ المسلمين لا يشير إليه الكتاب المقدّس؟

قال: يُشير إليه في آيات كثيرة.

ثم سرد لي كثيرًا من هذه الآيات.

وفي منزل هذا الشيخ الذي كنت نازلًا عليه ضيفًا، قرأ ما أراد. ثم انصرف مندهشا لمّا عرف أنّي مسلم فيما بعد.
وكان بين الشيخ وبين أستاذنا صاحب الفضيلة الدكتور الشيخ محمد بن محمد أبو شهبة موعد آخر النهار، فاصطحبني معه. وقصَصْنا عليه ما حدث فتبسّم ضاحكًا وقال:

يعرفونه كما يعرفون أبناءَهم وكرَّرها كثيرًا. ثم قال وددتُ لو يكتبُ أحدٌ رسالةً في موضوع: البشارة بنبيّ الإسلام في التوراة والإنجيل فشرح الله صدري للّذي قال.

وتنازلتُ عن الموضوع الأول. وأشرف هو عليه وساعدني فيه كثيرًا.

ومن عجيبِ المصادفات أنّني التقيتُ بهذا القمص، واسمه جرجس سلمون فيلمون، وكيل الدير المحرق في القوصية بأسيوط، في مسجد الجامع الأزهر بعد سنتَيْنِ من الزّمان في حُجْرة الأساتذة وذكر لي نُصوصا أخرى .(1)

(1) أحمد حجازي السقا، البشارة بنبيّ الإسلام في التوراة والإنجيل (القاهرة: دار البيان، 1977)، ص46-45.

الفصل السابع: نبوءات، لكنّها غامضة!

يُكثِر النصارى الاعتراض على فهم المسلمين لنصوص الكتاب المقدس التي يرونها بشارات بنبيّهم ﷺ بالقول إنّها غير صريحة، ولا بيّنة الدلالة؛ بما يجعل الاستدلال بها -ضرورة- فاسدًا.

ونحن، وإن لم نسلّم لهم أنّ هذه النصوص ليست على هذه الصورة التي يدَّعونها من جهة الدلالة؛ فإنّنا نُذكّرهم أنّ هذا الشرط الذي وضعوه، حُجّة عليهم في حديثهم عن دلالات بشارات العهد القديم بيحيى وعيسى عليهما السلام، فإن اليهود في القدس قد أرسلوا إلى يحيى عليه السلام ليسألوه: مَنْ أَنْتْ؟ . ولمّا سألوه؛ أَنْكَرَ أن يكون المسيحَ. فَسَأَلُوهُ: مَاذَا إِذَنْ؟ هَلْ أَنْتَ إِيلِيَّا؟ قَالَ: لَسْتُ إِيَّاهُ! أَوَ أَنْتَ النَّبِيّ؟ فَأَجَابَ: لَا! فَقَالُوا: فَمَنْ أَنْتَ، لِنَحْمِلَ الْجَوَابَ إلى الَّذِينَ أَرْسَلُونَا؟ مَاذَا تَقُولُ عَنْ نَفْسِكَ؟ فَقَالَ: أَنَا صَوْتُ مُنَادِ فِي الْبَرَّيَّةِ: اجْعَلُوا الطَّرِيقَ مُسْتَقِيمَةً أَمَامَ الرَّبِّ، كَمَا قَالَ النَّبِيّ إِشَعْيَاءُ! (يوحنّا 1/ 19-23).

ونص إشعياء 40/ 3 الذي أحال إليه المعمدان: صَوْتُ صَارِخ فِي الْبَرِّيَّةِ: أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبّ. قَوِّمُوا فِي الْقَفْرِ سَبِيلًا لإِلَهِنَا . غامضٌ، وحَمْلُه على يحيى عليه السلام، ليس عليه دليلٌ قاطعٌ؛ ولذلك لم يفهم اليهود في عصره أنّه نصٌّ يبشّر بيحيى عليه السلام. كما أنّ الجماعة القمرانية التي عاش بعضها قبل المسيح بقرنين كانت تنسب نصَّ إشعياء السابق إلى حالها كما هو مذكور في كتابها قانون الجماعة Community Rule!

وجهل الحواريُّون – أيضًا- انطباق النبوءات الخاصة بـ إيليا على يحيى عليه السلام، فقد جاء في إنجيل متّى 17/ 9-13: وَفِيمَا همْ نَازِلُونَ مِنَ الْجَبَلِ، أَوْصَاهُمْ يَسُوعُ قَائِلًا: لا تُخْبِرُوا أَحَدًا بِمَا رَأَيْتُمْ حَتَّى يَقُومَ ابْنُ الإِنْسَانِ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ. فَسَأَلَهُ تَلَامِيذُهُ: مَاذَا إِذَنْ يَقُولُ الْكَتَبَةُ إِنَّ إِيلِيًّا لَابُدَّ أَنْ يَأْتِيَ قَبْلًا؟ فَأَجَابَهُمْ قَائِلًا: حَقًّا، إِنَّ إِيلِيَّا يَأْتِي قَبْلًا وَيُصْلِحُ كُلَّ شَيْءٍ. عَلَى أَنّي أَقُولُ لَكُمْ: قَدْ جَاءَ إِيلِيَّا، وَلَمْ يَعْرِفُوهُ، بَلْ فَعَلُوا بِهِ كُلَّ مَا شَاءُوا. كَذَلِكَ ابْنُ الإِنْسَانِ أَيْضًا عَلَى وَشْكِ أَنْ يَتَأَلَّمَ عَلَى أَيْدِيهِمْ. عِنْدَئِذٍ فَهِمَ التَّلَامِيذُ أَنَّهُ كَلَّمَهُمْ عَنْ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ .

بل ها هو نبي من أنبياء الله يعلن عدم معرفته بحقيقة النبوءات المتعلقة بالمسيح (إلهه!). فقد جاء في إنجيل يوحنّا 1/ 33 أن يوحنّا المعمدان قال: وَأَنَا لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُهُ، وَلكِنَّ الَّذِي أَرْسَلَنِي لأُعَمِّدَ بِالْمَاءِ هُوَ قَالَ لِي: الَّذِي تَرَى الرُّوحَ يَنْزِلُ وَيَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ هُوَ الَذي سَيُعَمِدُ بِالرُّوح الْقُدُسِ .

الفصل الثامن: البشارات بين التحريف والتدليس

يقول النصراني المعترض: كل دعاوى البشارات عن نبي الإسلام في الكتاب المقدس، ضعيفة، وفاسدة؛ لا تراعي لغة ولا تراعي دلالات السياق!

وقولنا في بشارات العهد القديم بيسوع المسيح، واضح لا لبس فيه؛ فإنها كلّها نصوصٌ لا علاقة لها بالإنباء عن ظهور يسوع المسيح، بل إنّ بعضها كان مصدرًا لتزوير قصّة يسوع المسيح نفسها؛ أي إنّ أصحاب الأناجيل قد أرادوا إثبات إنباء العهد القديم بظهور يسوع؛ فعَمَدوا إلى بعض النصوص التي لا تَعَلّق لها البتّة بالإنباء بالغيب أو التي لا تتحدّث عن ظهورِ إلهٍ أو نبيّ في فلسطين؛ فنَسَجُوا منها بعض تفاصيلِ قصّة ميلادِ المسيح أو صَلْبِه وقيامته من الموت؛ للإيهام بأنّ العهد القديم قد تنبَّأ بأمر يسوع.

على أنّ الوجه الأبرز لتلفيق البشارات بيسوع، ربط قصّة المسيح الإنجيليّة بنصوص توراتيّة دون أدنى رابط معقول، مع تحريف النص المقتبَس في كثير من الأحيان.

سنكتفي هنا بالإشارة إلى بعض أوجه التحريف والتدليس والمغالطة في النُّبوءات التي جاءَ في العهد الجديد أنّها وردت في العهد القديم؛

البشارة الأولى: الناصري!

الإشكال الأول: لم تُذكر الناصرة في العهد القديم البتة، وهو ما اعترفت به ترجمة The New American Bible، حيث جاء في هامشها: لم يُذكر اسم مدينة الناصرة في العهد القديم، ولم يُعثر على مثل هذه النبوءة فيه .(1)

(1) The New American Bible, Saint Joseph Edition (California: Benziger Publishing Company, 1971), p.13.

الإشكال الثاني: لا توجد في العهد القديم أدنى إحالة إلى ما ادّعاه مؤلّف إنجيل متى، ولذلك اعترف أعلام الكنيسة بالإشكال هنا:

قال الأب الكاثوليكي المفسّر ريموند براون(1): سيُدعى ناصريًّا: هو أصعب اقتباس في الإنجيل؛ إذ إنّه ليس هناك خلافٌ أنّه غير مرتبط بنصّ معلوم .(2)

قال المفسّر وليم باركلي(3) في شرحه لإنجيل متّى: يَضَعَنا متّى هنا أمام مشكلةٍ لا حلّ لها، ذلك لأنه لا يوجد عددٌ في العهد القديم بهذا المعنى. في الحقيقة، مدينة الناصرة نفسُها غير مذكورة على الإطلاق في العهد القديم. لم يستطع أحدٌ أن يحلّ بشكلٍ مُرْضٍ مشكلة نصِّ العهد القديم الذي كان في ذِهْنِ متّى .(4)

(1) ريموند براون (1928-1998): قسيس كاثوليكي وناقد كتابي ومفسّر شهير. من أبرز العلماء الكاثوليك في القرن العشرين. درّس في Union Theological Seminary.

(2) Raymond Brown, The Birth of the Messiah, p.223.

(3) وليم باركلي (William Barclay 1907-1978): لاهوتي ومفسر إسكتلندي. درّس النقد الكتابي في جامعة غلاسكو.

(4) William Barclay, The Gospel of Matthew (London: Westminster John Knox Press, 1968), p.46.

الإشكال الثالث: مدينة الناصرة -على الراجح- لم توجد زمن المسيح، وإنما أسّستْ (أو أعِيدَ تأسيسها) بعده. وقد أفاض في بحث ذلك تاريخيًّا أحد الباحثين المعاصرين.(3) والمعروف هو أنّ أقدم إشارة إلى الناصرة خارج الكتاب المقدّس، وَرَدَتْ فيما نقلَهُ يوسابيوس في القرن الرابع عن سكستس يوليوس أفريكانوس في بداية القرن الثالث، لكنّ الوصف الذي قدّمه أفريكانوس لا ينطبق جغرافيًّا على منطقة النّاصرة كما هي في الأناجيل؛ فهي قريةٌ لا مدينة، وتقع في يهوذا (في جنوب فلسطين) لا الجليل (شمال فلسطين)!(4)

(3) Ren Salm, The Myth of Nazareth: The invented town of Jesus (Cranford, N.J.: American Atheist Press, 2008).

(4) “Nazara and Cochaba, villages of Judea” “Na pov киі Koya a ouv Tovv”.
Cited in Eusebius, Church History, tr. Arthur Cushman McGiffert, 1.7.14 (New York: Christian Literature Company, 1890), p.39.

الإشكال الرابع: النصُّ اليونانيُّ لإنجيل متّى 2/ 23 وصفَ الناصرة بأنّها πόλις [بوليس] أي: مدينة؛ ويبعد أن يتجاهل المؤرّخون الأوائل الذين كانوا يهتمُّون بصورةٍ بارزة بالمدن، مدينةً آهِلةً بالسُّكَّان.

البشارة الثانية: القادم من مصر

فَقَامَ وَأَخَذَ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ لَيْلًا وَانْصَرَفَ إِلَى مِصْرَ. وَكَانَ هُنَاكَ إِلَى وَفَاةِ هِيرُودُسَ. لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ مِنَ الرَّبِّ بِالنَّبِيِّ الْقَائِلِ: مِنْ مِصْرَ دَعَوْتُ ابْني (متّى 2/ 14-15).

لَمَّا كَانَ إِسْرَائِيلُ غُلَامًا أَحْبَبْتُهُ، وَمِنْ مِصْرَ دَعَوْتُ ابْنِي . (هوشع 11/ 1).

الإشكال الأول: نصُّ هو شع 11/ 1: لَمَّا كَانَ إِسْرَائِيلُ غُلَامًا أَحْبَبْتُهُ، وَمِنْ مِصْرَ دَعَوْتُ ابْنِي . (هوشع 11/ 1)، وَرَد فيه فعل دعا في صيغة الماضي: קראתי [قراتي / دَعَوتُ]، ولا قرينة هنا تصرفه إلى المستقبل؛ ليكون نبوءةً.

الإشكال الثاني: سياق الحديث في الفصل 11 من سفر هوشع متعلّقٌ بخبرٍ ماضٍ، وهو دعوة الله بني إسرائيل أن يخرجوا من مصر بعد اضطهادهم من الفرعون زمن موسى عليه السلام.

البشارة الثالثة: أنهار ماء حيّ

وَفِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ الْعَظِيم مِنَ الْعِيدِ وَقَفَ يَسُوعُ وَنَادَى قِائِلًا: إِنْ عَطِشَ أَحَدٌ فَلْيُقْبِلْ إِلَيَّ وَيَشْرَبْ. مَن آمَنَ بِي، كَمَا قَالَ الْكِتَابُ، تَجْرِي مِنْ بَطْنِهِ أَنْهَارُ مَاءٍ حَيِّ (يوحنّا 7/ 37-38).

شهد كثيرٌ من علماء النصارى أنّ هذا النصّ الذي يقول مؤلّف إنجيل يوحنّا إنّ يسوع قد اقتبسه من العهد القديم، لا يوجد حَرْفُهُ في أيّ سِفر من أسفاره،

المفسّر الأب ريموند براون: الكلمات المقتبسة في يوحنّا لا تعكس بالضبط أيّ مقطع واحد في التوراة العبرية أو الترجمة السبعينيّة اليونانيّة .(2)

ويلاند ويلكر -المتخصص في النقد النّصّيّ-: من المهمّ الإشارةُ إلى أنّه لا يوجد مقطعٌ معروف في الأسفار يُشير إليه العدد 38 .(3)

(2) Raymond E. Brown, The Gospel according to John (I-XII): Introduction, translation, and notes, New Haven; London: Yale University Press, 2008, p.321.

(3) Wieland Willker, A Textual Commentary on the Greek Gospels, 4/237.
http://www.willker.de/wie/TCG/TC-John.pdf

الباب الثاني: البشارات، بين الفهم الإسلامي والمعارضات النصرانية

تمهيد: شروط البشارة بين المسلمين والنصارى

غياب المعيار

سنترك -في حديثنا التالي- المنهج النصراني في قراءة النبوءات وراءنا، ونكتفي بالمنهج الإسلامي الذي عليه عامة العقلاء في الحكم على صدق النبوءات وانطباقها على مقصودها؛ بالنظر في اللغة والسياق؛ لنشرح بشارات التوراة بـمحمّد ﷺ.

الفصل الأول: عبد اللّٰه الإسماعيلي

هُوَذَا عَبْدِي الَّذِي أَعْضُدُهُ، مُخْتَارِي الَّذِي سُرَّتْ بِهِ نَفْسِي. وَضَعْتُ رُوحِي عَلَيْهِ فَيُخْرِجُ الْحَقَّ لِلأُمَمِ.

لَا يَصِيحُ ولا يَرْفَعُ ولا يُسْمِعُ فِي الشَّارِعِ صَوْتَهُ.

قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لا يَقْصِفُ، وَفَتِيلَةً خَامِدَةً لا يُطْفِىُ. إِلَى الأَمَانِ يُخْرِجُ الْحَقَّ.

لَا يَكِلُّ ولا يَنْكَسِرُ حَتَّى يَضَعَ الْحَقَّ فِي الأَرْضِ، وَتَنْتَظِرُ الْجَزَائِرُ شَرِيعَتَهُ.

هكَذَا يَقُولُ الله الرَّبُّ، خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَنَاشِرُهَا، بَاسِطُ الأَرْضِ وَنَتَائِجِهَا، مُعْطِي الشَّعْبِ عَلَيْهَا نَسَمَةً، وَالسَّاكِنِينَ فِيهَا رُوحًا:

أَنَا الرَّبَّ قَدْ دَعَوْتُكَ بِالْبِرِّ، فَأُمْسِكُ بِيَدِكَ وَأَحْفَظُكَ وَأَجْعَلُكَ عَهْدًا لِلشَّعْبٍ وَنُورًا لِلأُمَم، لِتَفْتَحَ عُيُونَ الْعُمْيِ، لِتُخْرِجَ مِنَ الْحَبْسِ الْمَأْسُورِينَ، مِنْ بَيْتِ السَّجْنِ الْجَالِسِينَ فِي الظُّلْمَةِ.

أَنَا الرَّبُّ هذَا اسْمِي، وَمَجْدِي لا أُعْطِيهِ لآخَرَ، ولا تَسْبِيحِي لِلْمَنْحُوتَاتِ.

هُوَذَا الأَوَّلِيَّاتُ قَدْ أَتَتْ، وَالْحَدِيثَاتُ أَنَّا مُخْبِرٌ بِهَا. قَبْلَ أَنْ تَنْبَتَ أُعْلِمُكُمْ بِهَا .

غَنُّوا لِلرَّبِّ أُغْنِيَةً جَدِيدَةً، تَسْبِيحَهُ مِنْ أَقْصَى الأَرْضِ. أَيْهَا الْمُنْحَدِرُونَ فِي الْبَحْرِ وَمِلْؤُهُ وَالْجَزَائِرُ وَسُكَانُهَا،
لِتَرْفَعِ الْبَرِّيَّةُ وَمُدُنُهَا صَوْتَهَا، الدِّيَارُ الَّتِي سَكَنَهَا قِيدَارُ. لِتَتَرَنَّمْ سُكَّانُ سَالِعَ. مِنْ رُؤُوسِ الْجِبَالِ لِيَهْتِفُوا.

لِيُعْطُوا الرَّبَّ مَجْدًا وَيُخْبِرُوا بِتَسْبِيحِهِ فِي الْجَزَائِرِ.

الرَّبُّ كَالْجَبَّارِ يَخْرُجُ. كَرَجُلِ حُرُوبٍ يُنْهِضُ غَيْرَتَهُ. يَهْتِفُ وَيَصْرُخُ وَيَقْوَى عَلَى أَعْدَائِهِ.

قَدْ صَمَتُّ مُنْذُ الدَّهْرِ. سَكَتُّ. تَجَلَّدْتُ. كَالْوَالِدَةِ أَصِيحُ. أَنْفُخُ وَأَنَخُرُ مَعًا.

أَخْرِبُ الْجِبَالَ وَالآكَامَ وَأُجَفِّفُ كُلَّ عُشْبِهَا، وَأَجْعَلُ الأَنْهَارَ يَبَسًا وَأُنَشِّفُ الآجَامَ، وَأُسَيِّرُ الْعُمْيَ فِي طَرِيق لَمْ يَعْرِفُوهَا. فِي مَسَالِكَ لَمْ يَدْرُوهَا أُمَشِّيهِمْ. أَجْعَلُ الظُّلْمَةَ أَمَامَهُمْ نُورًا، وَالْمُعْوَجَّاتِ مُسْتَقِيمَةً. هذِهِ الأُمُورُ أَفْعَلُهَا ولا أَتَّرُكُهُمْ.

قَدِ ارْتَدُّوا إِلَى الْوَرَاءِ. يَخْزَى خِزْيًا الْمُتَّكِلُونَ عَلَى الْمَنْحُوتَاتِ، الْقَائِلُونَ لِلْمَسْبُوكَاتِ: أَنْتُنَّ آلِهَتُنَا!

أَيُّهَا الصُّمُّ اسْمَعُوا. أَيُّهَا الْعُمْيُ انْظُرُوا لِتُبْصِرُوا.

مَنْ هُوَ أَعْمَى إِلَّا عَبْدِي، وَأَصَمُّ كَرَسُولِي الَّذِي أُرْسِلُهُ؟ مَنْ هُوَ أَعْمَى كَالْكَامِلِ، وَأعْمَى كَعَبْدِ الرَّبِّ؟

نَاظِرٌ كَثِيرًا ولا تُلَاحِظُ. مَفْتُوحُ الأُذُنَيْنِ ولا يَسْمَعُ .

الرَّبُّ قَدْ سُرَّ مِنْ أَجْلِ بِرِّهِ. يُعَظّمُ الشَّرِيعَةَ وَيُكْرِمُهَا . (إشعياء 42/ 1-21).

هذه البشارة، من أهمّ النّصوص التي يجب أن يدورَ حولها البحث بين المسلمين والنصارى؛ لأنّ النصرانيّ مُلزَمٌ ضرورة أن يعتقد انطباقها على مسيح الكنيسة؛ إذ الوحيُ عنده قد نصّ على ذلك في إنجيل متّى، كما أنّ انطباق هذه البشارة على نبي الإسلام ﷺ وإن كان اجتهاديًّا، إلّا أنّه مُتَّفقٌ عليه بين عامّة علماء الإسلام الذي تحدّثوا في البشارات، منذ عصر الصّحابة.

التفسير النصرانيّ للبشارة

يؤمن النّصارى أنّ نصّ إشعياء 42/ 1-21 بشارةٌ بيسوع الكنيسة، لأنّ إنجيل متّى 12/ 15-21 قد جاء فيه: فَعَلِمَ يَسُوعُ وَانْصَرَفَ مِنْ هُنَاكَ. وَتَبِعَتْهُ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ فَشَفَاهُمْ جَمِيعًا. وَأَوْصَاهُمْ أَنْ لا يُظْهِرُوهُ، لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِإِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ الْقَائِلِ: هُوَذَا فَتَايَ الَّذِي اخْتَزْتُهُ، حَبِيسِي الَّذِي سُرَّتْ بِهِ نَفْسِي. أَضَعُ رُوحِي عَلَيْهِ فَيُخْبِرُ الأُمَمَ بِالْحَقِّ. لا يُخَاصِمُ ولا يَصِيحُ، ولا يَسْمَعُ أَحَدٌ فِي الشَّوَارِع صَوْتَهُ. قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لا يَقْصِفُ، وَفَتِيلَةً مُدَخِّنَةً لا يُطْفِىُ، حَتَّى يُخْرِجَ الْحَقَّ إِلَى النّصْرَةِ. وَعَلَى اسْمِهِ يَكُونُ رَجَاءُ الأمَمِ .

وذاك يضع النصارى في اختبارٍ صريح لصدق إلهاميّة الإنجيل؛ فإنّ عدم انطباق نصّ إشعياء 42 على المسيح ابن مريم – كما هو في التصوّر الكنسي -؛ يُبْطِلُ ضرورةَ ربّانية هذا الإنجيل، وتَبطُلُ معه دعوى عِصمة الكنيسة في اختيار الأسفار المقدسة. وعند سقوط هذه العصمة يسقط العهدُ الجديد برمّته.

الاختلافات بين نصّ متّى 12/ 15-21 ونص إشعياء 42/ 1-6

ولعل أبرز ما في الاقتباس حَذْفُهُ لَا يَكِلُّ ولا يَنْكَسِرُ حَتَّى يَضَعَ الْحَقَّ فِي الأَرْضِ، وَتَنْتَظِرُ الْجَزَائِرُ شَرِيعَتَهُ ؛ لأنّ مسيح الكنيسة قد انكسَرَ على الصّليبِ حتّى صاح إلهيْ إلهيْ لماذا تركتني؟ (متّى 27/ 46، مرقس 15/ 34)، كما أنّه لم تكن ليسوع شريعةٌ؛

قال الناقد هاغنر(1) هنا: على الرغم من أن نص الاقتباس يتّفق مع الترجمة السبعينية في بضع نقاط، إلا أنّه في الغالب يجب وصفُه بأنه غير سبعينيّ. من ناحية أخرى، لا يتّبع الاقتباسُ النصَّ الماسوري العِبريّ عن كثب أيضًا. ربما يكون متّى قد صاغ الترجمة من مصادر كانت متاحة له (الترجومات على سبيل المثال) أو أنْتَجَ ترجمتَهُ الخاصّة (كما هو رأي الناقدين ديفيس وأليسون) لكي يتناسب مع أغراضِهِ الخاصّة .(3)

وقال الناقد جون فنتون: من الواضح أنّ متّى لم يتّبع نصّ أيَّ من النُّسْخَتَيْن العبرية أو اليونانية، لكنه سار على أخذٍ نصوص حسبما رآها تناسب رأيهُ من أنّ النبوءة تحقَّقَتْ في يسوع وفي الكنيسة. ولقد حذفَ متّى سَطْرَيْنِ من إشعياء 42/ 1-4، ولكنَّهُ أبقى على السَّطْرِ الأخير الذي رأى أنّه يُحَقِّقُ هَدَفَهُ .(4)

(3) D. A. Hagner, Matthew 1-13. Word Biblical Commentary (Dallas: Word, Incorporated, 2002), p.336.

(4) John Charles Fenton, The Gospel of St. Matthew, p.195.

التفسير الإسلاميُّ للبشارة

وهذا ما فهمه أحد أعلام الصحابة منذ زمن النبوّة، فعن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ هل في التوراة، فقال: أجَلْ، والله إنّه لموصوفٌ في التوراة ببعض صِفَتِهِ في القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ وحرْزًا للأُمِّيِّين، أنت عبدي ورسولي، سَمَّيْتُكَ المتوكَّل، ليس بفظّ ولا غليظٍ، ولا سَخَّابٍ في الأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يُقيم به الملّةَ العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح به أعْيُنًا عُميا، وآذانا صُمّا، وقلوبا غُلفا .(1)

(1) رواه البخاري، كتاب البيوع، باب كراهية السخب في السوق، ح/ 2018.

الَّذِي أَعْضُدُهُ :

محمّدٌ ﷺ النبيّ المؤيد من الله -سبحانه -، الذي أفاض عليه بمعجزات هائلةٍ نَصَرَهُ بها على أعداء التوحيد. ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ [التوبة: 40].

مُخْتَارِي أي الذي اصطفاه الله من خلقه ليكون المبلِّغَ عنه وليكون حُجّته على العالمين. ومعلومٌ أنّ من أسماء نبيّ الإسلام ﷺ (المصطفى). قال الإمام ابن حجر في شرحه لحديث جبيرٍ بن مطعم في صحيح البخاري: … ومن أسمائه المشهورة: المختار والمصطفى والشفيع والمشفّع والصادق والمصدوق .(1)

(1) ابن حجر، فتح الباري شرح صحيح البخاري (بيروت: دار المعرفة، 1379ه)، 558/6.

وَضَعْتُ رُوحِي عَلَيْهِ :

﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: 52].

كما يُفهم من عبارة وَضَعْتُ رُوحِي عَلَيْهِ ، تأييدُ هذا العبدِ بالرُّوحِ القُدُسِ ومن معه من الملائكة. وقد كان ذلك لـمحمّد ﷺ في معركة بدرٍ وفي معارك أخرى له ولأمّته من بعده.

يُخْرِجُ الْحَقَ لِلأُمَمِ :

ومحمّد ﷺ هو الذي أُرسِلَ للأمم جميعًا، وقد كانت الأنبياء قبلَهُ تُرْسَلُ إلى قومِها خاصّةً. قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: 1]. وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ: 28].

قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لا يَقْصِفُ، وَفَتِيلَةً خَامِدَةً لا يُطْفِئُ :

وُصِفَ المبشَّرُ به هنا أنّه لَيِّنُ الجانب مع الضِّعاف؛ يستنصر بهم على الباطل ولا يبخسهم حَقَّهم وفضلهم. وهو ما يَظْهَرُ بصورة أوضح في ترجوم يوناثان (إشعياء 42/ 3):

الودعاء الذين يشبهون قَصَبةً مرضوضةً لا يَكْسِر، والفقراء الذين هم كَفَتِيْلَةٍ مُتَلَأْلِئَةِ معه، لا يُطْفِئ. بأمانةٍ يقضي بالعَدْلِ .

وقد كان محمّد ﷺ حَفِيًّا بالضِّعاف، لَيِّنَ الجانب معهم، يأخذ بأيديهم إلى الحقّ. قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: 159].

وقالت زوجُه عائشة رضي الله عنها: مَا ضَرَبَ رَسُولُ الله ﷺ بِيَدِهِ خَادِمًا لَهُ قَطُّ، ولا امْرَأَةً، ولا ضَرَبَ رَسُولُ الله ﷺ بِيَدِهِ شَيْئًا قَطُّ، إلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللهِ، ولا خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ قَطُّ، إِلَّا كَانَ أَحَبَّهُمَا إِلَيْهِ أَيْسَرُهُمَا، حَتَّى يَكُونَ إِثْمًا، فَإِذَا كَانَ إِثْمَا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنَ الْإِثْمِ، ولا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ مِنْ شَيْءٍ يُؤْتَى إِلَيْهِ، حَتَّى تُنْتَهَكَ حُرُمَاتُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ .(2)

(2) رواه أحمد، (ح/ 26065).

كما أَثْبَتَ سِفرُ إشعياء 36/ 6 وَصْفَ القَصَبَةِ المرضُوضة لمصرَ: إنَّكَ قَدِ اتَّكَلْتَ عَلَى عُكَّازِ هذِهِ الْقَصَبَةِ الْمَرْضُوضَةِ، عَلَى مِصْرَ، الَّتِي إِذَا تَوَكَّأَ أَحَدٌ عَلَيْهَا دَخَلَتْ فِي كَفِّهِ وَثَقَبَتْهَا. هكَذَا فِرْعَوْنُ مَلِكُ مِصْرَ لِجَمِيعِ الْمُتَوَكِّلِينَ عَلَيْهِ . وقد أوصى الرسول ﷺ بمصر وأهلها خيرًا فقال: إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ أَرْضًا يُذْكَرُ فِيهَا الْقِيرَاطُ، فَاسْتَوْصُوا بِأَهْلِهَا خَيْرًا؛ فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا .(1)

(1) رواه مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب وصية النبي ﷺ بأهل مصر -ح/ 2543.

إِلَى الأَمَانِ يُخْرِجُ الْحَقَّ :

لقد كان محمد ﷺ حاكمًا بين قومِه وجاء بشريعةٍ تسوسُ الأُمَمَ بالقِسطِ والبِرّ. أما يسوعُ الإنجيليُّ فما كان حاكِمًا على قومِهِ.

1- لَا يَكِلُّ ولا يَنْكَسِرُ حَتَّى يَضَعَ الْحَقَّ فِي الأَرْضِ :

التاريخ شاهد أنّ محمدًا ﷺ قد جاهَدَ باللِّسان والسِّنانِ وجمعَ بين المجادلة والمجالَدَة لسنوات حتّى يُقِيمَ شرع الله – سبحانه – على الأرض. ومحمد ﷺ هو الذي خُتِمَتْ رسالتُه بقول اللّٰه تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3].

وَتَنْتَظِرُ الْجَزَائِرُ شَرِيعَتَهُ :

لقد وصلت شريعةُ الإسلام إلى أقصى جُزُرِ الأرضِ. أما يسوعُ فلا شريعةَ له؛ إذ هو قد نسَخَ جميع الشرائع السابقة بِدَمِهِ المهدور على الصَّليب.

وقد نبَّهَ الناقد و.د. ديفيس بعد بحثٍ مُطوَّلٍ في تراث الأحبار، إلى أنّ دوائرَ منها كانت تنتظرُ أن يأتيَ المسيحُ المنتظرُ آخر الزمان بتوراةٍ جديدةٍ تنسخُ التوراة الأولى.(1)

أَنَا الرَّبُّ قَدْ دَعَوْتُكَ بالْبرِّ :

ولعلّ المعنى الأظهر

(1) W.D Davies Setting, pp.183-189 (Cited in: R.T. France, The Gospel of Matthew, Michigan: Wm. B. Eerdmans Publishing, 2007, p.183)

هو أنّ الله قد دعا هذا العبد إلى التزام البرّ.

فَأُمْسِكُ بِيَدِكَ وَأَحْفَظُكَ

تُخبر هذه البشارة أنّ الله حافِظٌ عَبْدَهُ. وقد جاء ذلك في محمّد ﷺ، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: 67]. وأمّا يسوع الإنجيليُّ فقد قُتِل على الصّليب الروماني بتحريضٍ يهوديَّ.

وَأَجْعَلُكَ عَهْدًا لِلشَّعْبِ وَنُورًا لِلأُمَم

تشير هذه النبوءة إلى أنّ هذا الآتي سينير الظُّلمةَ التي تعيشها الأُممُ. وقد قال تعالى في نبي الإسلام ﷺ: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحديد: 9].

لِتَرْفَعِ الْبَرَّيَةُ وَمُدُنُهَا صَوْتَهَا، الدِّيَارُ الَّتِي سَكَنَهَا قِيدَارُ .

قال المفسّر آدم كلارك: البريّة: أقلّ البلاد زرعًا، وأكثر الناس جلافة وبُعدًا عن التحضُّر سيعترفون بنعمةِ معرفة الله التي مُنِحتْ لهم بكرمٍ، وسيحتفلون بذلك بامتنانٍ. وبالصَّحراء (البريّة) يُقصد البلاد العربية الصحراوية Arabia Deserta .(1)

ولا علاقة للمسيح بقيدار ومسكنهم؛ فإنّ قيدار من نَسْلِ إسماعيل؛ وهو رمزٌ للعَرَبِ في هذا السّياق؛ فهو الابنُ الثاني لإسماعيل (تكوين 25/ 13).

(1) Adam Clarke The Holy Bible, Containing the Old and New Testaments (New York: B. Waugh, 1833), 3/813.

جاء في حزقيال 27/ 21: الْعَرَبُ وَكُلُّ رُؤَسَاءِ قِيدَارَ هُمْ تُجَّارُ يَدِكِ بِالْخِرْفَانِ وَالْكِبَاش وَالأَعْتِدَةِ. فِي هذِهِ كَانُوا تُجَّارَكِ .

بل لقد ذهب اثنان من أكبر علماء اليهود في القرون الوسطى، وهما موسى بن ميمون(2) وداود قِمحي(3) إلى المطابقة بين قيدار وقريش.(4)

(2) موسى بن ميمون (1135-1204): حاخام يهودي، ولد في قرطبة. كان متعدد الفنون، له اهتمام خاص بالفلسفة والدين والفلك والطب.

(3) داود قِمحي (1160-1235 דוד קמחי): حبر ومفسّر ونحوي يهودي شهير.

(4) Moses Maimonides, The Epistles of Maimonides: Crisis and Leadership, tr. and notes by Abraham Halkin (Philadelphia: Jewish Publication Society, 1993), pp. 126; 147

قطعَ الناقد تشارلز فوستر(3) أنّ كلّ مَنْ يعرِفُ الجغرافيا العربيّة، لا بدَّ أن يُقِرَّ أنّ أرض قيدار هي الحجاز، وتدخل فيها أهمُّ مدنها: مكّة والمدينة. فقال نصًّا في مطابقة نص إشعياء 42/ 10-11 للحجاز: إنّ اتفاق هذا الوصف التصويريّ مع مناطق الحجاز واضحٌ بصورةٍ كبيرةٍ ، واستدلَّ على ذلك بالحديث عن الصَّخْرِ والجبال حيث يُطلَقُ الكلام ليُسْمَعَ من الجُزُرِ؛ بما يَشْهَدُ أنّنا أمام منطقةٍ محاذيةٍ للبحرِ، مع وصفِ هذه المنطقة أنّها بريّة أو صحراء. وهي أوصاف لا يراها فوستر تنطبق إلّا على الحجاز.(1)

(3) تشارلز فوستر (Charles Forster 1787-1871) : قسيس إنجليكاني. صاحب كتاب: الإسلام مكشوفا.

(1) The Rev. Charles Forster, The Historical Geography of Arabia, Vol. 1, Section III, Settlements of Ishmael, (1844) 242-243.

لِتَتَرَنَّمْ سُكَّانُ سَالِعَ .

كلمة סלע [سلَع] محلّ خلاف بين المفسّرين؛ فالكلمة في العبرية تعني صخرة .(2)

وذهب فريق من المفسّرين إلى أنّها مرادفة لمنطقة البتراء. وفي هذا يقول تفسير The Cambridge Bible for Schools and Colleges فيها: (سكّان سلع) والتي يبدو أنّها البتراء. من الصعب تحديد الترجمة الأفضل. وتجدر الإشارة هنا إلى أن تعريف سلع أنّها البتراء -في أي من نصوص الكتاب المقدس – يُعارضه بشدّة كثيرٌ من العلماء .(3)

فالحجازُ بلدٌ جَبَلِيٌّ صَخْرِيٌّ، ومنه مكّة، والبتراءُ تقع في شمال البلاد العربية. علمًا أنّ المؤرّخ الأرمني النصراني توما الأرتسروني(4) الذي وُلِد في القرن التاسع الميلادي، قد ذكر أنّ نبي الإسلام كان يدعو إلى دينه في مكّة التي تقع في (فاران البتراء العربيّة).(5)

(2) Samuel Pike A Compendious Hebrew Lexicon (Cambridge: Hilliard & Metcalf, 1811), p.92.

(3) J .Skinner ,The Cambridge Bible for Schools and Colleges (Cambridge: The University Press, 1905), 22/30.

(4) Thomas Artsruni

(5) M. Brosset Collection D’Historiens Armeniens (L’Academie Imperiale Des Sciences, S.Petersbourg, 1894) Livre II ,4 ,p.89.

ويبقى الاحتمال الآخر أنّ [سِلَع] دون الحركات التي أضيفتْ إليها لاحقًا، هي سلع: جبلٌ معروفٌ في المدينة المنوّرة، كما في معجم البلدان لـياقوت(1) وغيره من كتب الجغرافيا واللّغة.

الرَّبُّ كَالْجَبَّارِ يَخْرُجُ. كَرَجُلِ حُرُوب يُنْهِضُ غَيْرَتَهُ. يَهْتِفُ وَيَصْرُخُ وَيَقْوَى عَلَى أَعْدَائِهِ :

يشير هذا النصّ إلى الحروب التي يقودها (العبد) المبشّر به، صاحب الملاحم. وقد كان محمد ﷺ كذلك.

أَخْرِبُ الْجِبَالَ وَالآكَامَ وَأُجَفِّفُ كُلَّ عُشْبِهَا، وَأَجْعَلُ الأَنْهَارَ يَبَسًا وَأُنَشِّفُ الآجَامَ .

جاء في تفسير ألبرت بارنز: يجب إلغاءُ وهدم كلّ ما ازدهر على أرض الوثنيّين، وكل ما اغْتَذَى من عبادة الأصنام، وكلّ معابد هؤلاء القوم، وأماكنهم المقدّسة، ومذابحهم، ومزاراتهم. وفي كل هذه المواضع ستحدث تغييراتٌ كبيرةٌ ودائمةٌ .(2)

(1) ياقوت الحموي، معجم البلدان (بيروت: دار صادر)، 236/3.

(2) Albert Barnes, Notes, Critical, Explanatory, and Practical, on the Book of the Prophet Isaiah (Glasgow: Bell & Bain ,1845) ,p537.

وَأُسَيِّرُ الْعُمْيَ فِي طَرِيق لَمْ يَعْرِفُوهَا .

قال جوزيف بنسون(1) في تعليقاته على الكتاب المقدس: أُسيّر الأعمى: الأمميُّون الجَهَلة تمّ تمثيلهم بالأعمى في إشعياء 42/ 7 وفي عدّة مواضعَ أخرى من الأسفار المقدّسة، كما تمّت إدانتهم بالعمى من طرفِ اليهود؛ بالقول إنّهم لا يعرفون طريق الحقّ الذي كان مخفيًا عنهم .(2)

وعرَبُ الحجاز هم الأمّة الأميّة التي لا تقرأ ولا تكتب، ولم تُرسَلْ إليها رسالةٌ من السّماء. قال تعالى: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُم مِّن كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا ۖ وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَّذِيرٍ﴾ [سبأ: 44]. وقال سبحانه: ﴿لِّتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: 46]. قال قتادة التابعيّ: ما أنزل الله على العرب كتابًا قبل القرآن، ولا بعث إليهم نبيًّا قبل محمد ﷺ .(3)

(1) جوزيف بنسون (Joseph Benson 1749-1821) : قسيس إنجليزي شهير. وقد كان من أعلام الكنيسة الميثودية في زمانه.

(2) Joseph Benson ,The Holy Bible with Notes (London :J.Kershaw. 42/16,1825).

(3) الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، 302/19.

يَخْزَى خِزْيًا الْمُتَّكِلُونَ عَلَى الْمَنْحُوتَاتِ، الْقَائِلُونَ لِلْمَسْبُوكَاتِ: أَنْتُنَّ آلِهَتُنَا :

محمد ﷺ هو العبد الذي واجه العرب المتكلين على الأصنام، القائلين لها: أَنْتُنَّ آلهتُنَا. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه للتابعي أبي الْهَيَّاج الأَسَدِيّ: أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ أَنْ لا تَدَعَ تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ ولا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ .(4)

(4) رواه مسلم، كِتَّاب الْجَنَائِزِ بَابُ الْأَمْرِ بِتَسْوِيَةِ الْقَبْرِ، (ح/ 1674).

مَنْ هُوَ أَعْمَى كَالْكَامِلِ، وَأَعْمَى كَعَبْدِ الرَّبِّ؟

النص العبري يقول:

מי [مِي] مَنْ

עור [عوير] أعمى

כמשלם [كمشلّام] كمسلم؛ فإنّ الكاف العبرية هي نفسها الكاف العربيّة وظيفةً هنا، والشين العبريّة تُقْلَبُ سينًا في العربيّة -مثال: كلمة שן [شين] العبرية تقابل سنْ -مفرد أسنان- العربية، משה –اسم النبي- يقابل موسى. كما أنّ الشدّة على اللام والألف بعدها من تخمين الأحبار، وليست في النسخ الأولى.

وقد ذهب الناقد نحميا ربّان Nehemiah Rabban إلى أنّ [مشلام] هنا هو العبد الذي يتحدث عنه هذا السفر.(2)

ويعترف المعجمي واللغوي الشهير فردريخ جزنيوس أنّ كلمة مسلم العربية جذرها من شلم العبري في العبرية.(3)

(2) Nehemiah Rabban, Yesha*yahu hasheni: nevu’ato, ‘ishiyuto ushemo (Jerusalem: Kirath Sepher, 1971).

(3) Friedrich Heinrich Wilhelm Gesenius, Gesenius’s Hebrew and Chaldee lexicon to the Old Testament Scriptures (London: Samuel Bagster, 1860), p.DCCCXXX

جاء تشارلز بارني(3) في تعليقه على هذا الكلمة في نصّنا هذا في إشعياء؛ إذ كتب: كلمة مِشلام (ربما الأولى مشلَم) تطابق الكلمة العربية مسلم .(4)

وجورج آدم سميث(5) في شرحه لسفر إشعياء،(6) ومعجم الكتاب المقدس لـجيمس هاستنجز.(7)

ועור [وعوير] وأعمى

כעבד [كعبدْ] كعبد

יהוה [يهوه] اللّٰه

(3) تشارلز فوكس بارني (Charles Fox Burney 1868-1925): أستاذ العبرية وتفسير الكتاب المقدس في كليّة القديس يوحنا، في إنجلترا.

(4) Charles Fox Burney, Outlines of Old Testament Theology (London: Rivingtons, 1903), p.113.

(5) جورج آدم سميث (George Adam Smith 1856-1942): أستاذ اللغة العبرية والعهد القديم في Free Church بغلاسكو، أسكتلندا، وعضو الأكاديمية البريطانية.

(6) George Adam Smith, The Book of Isaiah: Isaiah XL-LXVI (New York: Armstrong and son, 1902), p.263.

(7) Art. “Meshullam”, James Hastings, et al. eds. A Dictionary of the Bible (New York: C. Scribner’s sons, 1900), 3/351.

قال تعالى في محمّد ﷺ: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ﴾ [الضحى: 7]. وقال تعالى في العرب في القرن السابع: ﴿لِّتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ [يس: 6].

وتخصيص هذا العبد بصفةِ العَمَى فيه أيضًا إيحاءٌ إلى أُمّيَّتِهِ؛ فهو من أُمَّةٍ لم تعرفِ النبوّة. وهو أَمِّيٌّ لم يقرأكتابًا من أسفار السابقين. كما أنّ وَصْفَهُ بأنّه عبد لله، دلالة على أهمّ ما يدعو إليه؛ وهو إفراد الله بالعبادة.

يُعَظِّمُ الشَّرِيعَةَ وَيُكْرِمُهَا :

سبق بيان أنّ محمّدا ﷺ قد جاء بشريعة جديدة، في حين أنّ يسوع الكنيسة قد أَلْغَى العَمَلَ بالشّريعة على ما قَرَّرَهُ بولس في رسائلِه.

الخلاصة

يذهب المسلمون إلى أنّ نص إشعياء 42/ 1-21 بشارة بـمحمّد ﷺ، ويذهب النصارى أنّه بشارة بيسوع. وذاك اتّفاق بينّهما أنّ هذا النصّ إنباء عن حالِ آخرِ شخصيّة عظيمة تظهر آخر الزمان.

تُطابق بشارة إشعياء 42/ 1-21 حال بشريّة محمّد ﷺ وخلقه، وبيئته، وخصومه، وأمجاده، ونسبه، واسم من آمن بدعوته: المسلمون.

يلزم من فساد انطباق بشارة إشعياء على يسوع الكنيسة، سقوط إلهامية إنجيل متّى الواقع في الغلط هنا، وبقية أسفار العهد الجديد؛ لسقوط مرجعية الكنيسة في اختيار الأسفار المقدسة.

الفصل الثاني: الشريعة النارية من بلاد العرب

لما أدرك موسى عليه السلام أنّه مقبل على الموت قريبًا، قال لبني إسرائيل (تثنية 33/ 2-3):

جَاءَ الرَّبُّ مِنْ سِينَاءَ

وَأَشْرَقَ لَهُمْ مِنْ سَعِيرَ،

وَتَلأَلأ مِنْ جَبَلِ فَارَانَ، وَأَتَى مِنْ رِبْوَاتِ الْقُدْسِ، وَعَنْ يَمِينِهِ نَارُ شَرِيعَةٍ لَهُمْ. فَأَحَبَّ الشَّعْبَ .

حديث موسى عليه السلام قبل موته، إخبار لبني إسرائيل عن تجلٍّ للرسالة الإلهية في ثلاثة مواضع:

١- سيناء حيث استلم موسى عليه السلام الألواح.

٢- سعير في أرض يهوذا (يشوع 15/ 10) حيث ظهرت نبوات كثيرة في بني إسرائيل من داود عليه السلام إلى عيسى عليه السلام.

٣- البلاد العربية حيث سَيَتَلألأ الوحيُ بالنبوّة الخاتمة في (فاران)، وتظهر الشّريعة الخاتمة الناريّة التي تَحْرِقُ الشّرائع السابقة بنسخها، وينصرها عشرة آلاف مؤمن كما هو ظاهر من عامة الترجمات الإنجليزية للنصّ حيث عبارة (عشرة آلاف قدّيس) مكان (من ربوات القدس) هنا في ترجمة الفاندايك.

فما أخبر به موسى عليه السلام هو اختصارٌ لتاريخ النبوّة من زمنه حتى البعثة الخاتمة.

اعتراض 1: هذا النصُّ قيل لبني إسرائيل عن ماضيهم، وليس خبرًا عن مستقبل.

الجواب:

أَوَّلا: يتفق عامّة شُرَّاح الكتاب المقدّس أنّ حديث موسى عليه السلام إلى بني إسرائيل آخرَ حياتِه في تثنية 33/ 2-3 يماثِلُ حديث يعقوب عليه السلام إلى بَنِيْهِ آخر حياتِه في الفصل 49 من سفر التكوين. وقد بدأ يعقوب عليه السلام حديثه بقوله: اجْتَمِعُوا لأُنْبِتَكُمْ بِمَا يُصِيبُكُمْ فِي آخِرِ الأَيَّام (تكوين 49/ 1). وكذلك فعل موسى عليه السلام بالإخبار عمّا سيكون في المستقبل. عِلَّمًا أنّ النصّ السابق مباشرة لنصّ هذه البشارة يقول: وَهذه هِيَ الْبَرَكَةُ الَّتِي بَارَكَ بِهَا مُوسَى، رَجُلُ اللهِ، بَنِي إِسْرَائِيلَ قَبْلَ مَوْتِهِ (تثنية 33/ 1). والأصل في البركة أن يتعلّق حديثها كلّه بالمستقبل، إلا بقرينةٍ.

ثانيا: يذكر النقّاد المتخصصون في الدراسات التوراتيّة والإنجيليّة أنّ النبوءات قد ترد بصيغة الماضي كما المستقبل، ويُسمُّون النبوءات التي ترد في صيغة الزمن الماضي prophetic past tense/الماضي perfect tense؛ فيُستعمل في ذلك الماضي المنتهي في العبرية، وزمن aorist في اليونانية. وهو أمرٌ غيرُ نادرٍ في الكتاب المقدّس؛ حتّى قالوا: هذا الاستخدام لصيغ (الماضي النبوئي) للأحداث التي لا تزال في المستقبل، أمرٌ شائع في أسفار الأنبياء .(1)

(1) Herbert F Stevenson, Three Prophetic Voices: studies in Joel, Amos, and Hosea (Fleming H. Revell, 1971), p.72

والعلمُ بدلالة الماضي على المستقبل يَحصُلُ بالقرائن الناقلة أصلَ دلالة الزمن الماضي على الحادث المنصرم إلى المستقبل. ومن قرائنِ دلالة تعلّق حديث موسى عليه السلام هنا بالمستقبل، أنّه لم يعرف اليهود في تاريخهم حدثًا إلهيًّا عظيمًا ظهر فيه السُّلطان الإلهيّ أو الوحيُ بصورة عظيمة في سيناء ثم ساعير، ثم بصورة أعظم من ذلك وأبلغ تبلغ درجة التلألؤ في فاران.

حاول المنصّرون دفع الفهم الإسلامي للنصّ؛ فربطوا بين نَصِّنا ونصّ حبقوق 3/ 3: اللهُ جَاءَ مِنْ تِيمَانَ، وَالْقُدُّوسُ مِنْ جَبَلِ فَارَانَ. سِلَاه. جَلَالُهُ غَطَّى السَّمَاوَاتِ، وَالأَرْضُ امْتَلأَتْ مِنْ تَسْبِيحِهِ ؛ حيث ذكر تيمان التي تقع في أدوم، وسعير التي تقع أيضًا في أدوم.

والردُّ على ذلك من أوجهٍ:

أ- لا يوجد أيُّ حَدَثٍ في التوراة قبل موسى عليه السلام، وقع في فاران وأدوم حيث تجلَّى فيه تَلَأْلُؤُ مَجْدِ الله بصورة أَعْظم من تَجَلِّيْهِ في سيناء.

علما أنّ ترجمة New International Version الشهيرة تترجم تثنية 33/ 2 هكذا:

جاء الربُّ من سيناء وأشْرَقَ عليهم من سعير وتَلألأ من جبل فاران

جاء من الجنوب مع ربوات من القدّيسين، من منحدرات جَبَلِهِ .

وهذا يعني أنّ فاران تقع في الجنوب، وهي بلد جبليّة. وهذا حال الحجاز بسلسلتها الجبليّة الطويلة، وتقع مكة في الجهة الجنوبية من البلاد العربية التي تبدأ من البتراء Arabia Petraea.

وقد جاء بيان زمن نصّ حبقوق 3/ 3 في التعليق الوارد في هامش ترجمة NET Bible:

من الممكن ترجمة النصّ بصيغة الماضي، إلّا أنّ ذلك سيكون مُضَلِّلًا؛ لأن هذا الحديث ليس مجرّد تلاوةٍ لأعمالِ الله في تاريخ إسرائيل الماضي. يَصِفُ حبقوق هنا الظَّهورات الإلهيّة للبشر في المستقبل، بعبارات تُذكّرنا بالظهورات السّابقة… تَستخدم هذه الترجمة الإنجليزية صيغة المضارع في جميع هذه الأعداد لِتَجَنُّبِ سُوءِ الفَهْم، وتَتَّبعُ ترجمةُ New English استراتيجية مماثلةً .(1) وهو ما أكدتهُ إليزابث أكتماير(2) بقولها إنّنا هنا أمام رؤيةٍ مستقبليّة.(3)

(1) Biblical Studies Press. (2006) The NET Bible First Edition Notes (Hab 3: 3). Biblical Studies Press.

(2) إليزابث رايس أكتماير (Elizabeth Rice Achtemeier 1926- 2002): ناقدة أمريكية متخصصة في دراسات العهد القديم. دَرَّسَتْ في عدد من الكليات اللاهوتية، نُصِّبَتْ قسّيسة.

(3) E.R .Achtemeier Nahum-Malachi. Interpretation, a Bible commentary for teaching and preaching (Atlanta: John Knox Press, 1986), p.56.

وقد ذكر قديس الكنيسة جيروم أنّه سمع عبرانيًا يفسّر نص حبقوق 3/ 3 على أنّه نبوءة مستقبليّة، مقرًّا لمذهبه. ومما قاله هذا العبرانيّ إنّ هذا النص يُخبر عن قادم من الجنوب. وبيت لحم -بزعمه- من الجنوب؛ وبالتالي؛ فالبشارة هنا بيسوع.(1) والحقّ أنّ بلاد العرب هي الواقعة جنوب سيناء.

ربط التلمود نصّ تثنية 33/ 2 بنصّ حبقوق 3/ 3 (وإن كان في الماضي، بلا برهان) ببيان أنّ هذَيْنِ النَّصَّيْنِ يتعلّقان بعرض الوحي (النبوة) على غير أمّة بني إسرائيل؛ إذ تُدافع الأمم عن نفسها يوم القيامة أمام تُهمةِ إهمال التّوراة، بقولها إنّ التوراة لم تُعْرَضْ عليها سابقًا في الدُّنيا؛ فيأتيها الجواب بعبارة:

(1) Thomas P Scheck ed Ancient Christian Texts Commentaries on the Twelve Prophets: Jerome, 1/219.

أليس بإمكان المرء أن يقول إنّه مكتوب: “وقال: جاء الربُّ من سيناء، وأَشْرَقَ لهم من سعير” (تثنية ٣٣/ ٢)، ومكتوب: “الله جاء من تيمان” (حبقوق ٣/ ٣). عَمَّ كان اللّٰه يبحُث في سعير؟ وعمَّ كان يبحث في فاران؟ قال الحبرُ يوحنان: هذا يُعلّمنا أنّ القدّوسَ، تبارك، عرض التوراة على كلّ أمّة ولغةٍ، لكنّهم رفضوها حتّى وصل إلى إسرائيل فَقَبِلَوها .

تقع سعير خارج شبه جزيرة سيناء، في حين يُقرّر المنصّرون أنّ فاران تقع في سيناء؛ وذاك يجعل خطّ سيرٍ بني إسرائيل عجيبًا، لا يشهد له شيءٌ؛ وذلك بالمسير من جبل سيناء -الذي يقول النصارى إنه يقع في سيناء- إلى خارج سيناء حيث سعير (حيث الأردن حاليًا)، ثم العودة إلى شبه جزيرة سيناء حيث بريّة فاران -بزعمهم-!

أَعْظَمُ حَدَثٍ وقع لبني إسرائيل في سعير، هو هزيمتهم الشّديدة الموجِعة، لا نَصْرُهم. وهو ما بيَّنَهُ نصُّ تثنية 1/ 44: فَخَرَجَ الأَمُورِيُّونَ السَّاكِنُونَ فِي ذلِكَ الْجَبَلِ لِلِقَائِكُمْ وَطَرَدُوكُمْ كَمَا يَفْعَلُ النَّحْلُ، وَكَسَرُوكُمْ فِي سِعِيرَ إِلَى حُرْمَةَ .

كيف يكون حديث موسى عليه السلام متعلّقا بإسرائيل وماضيها في حين أنّ بقية الحديث يقول: חובב עמים أي محبّ للشعوب ؛ بما يعني أنّ الحديث ليس عن شعب إسرائيل وحدَهُ. وقد حَرَّفَتْ ترجمة الفاندايك العربيّة النصّ؛ بأن غَيَّرَتْ الكلمة إلى المفرد.

تَحَدَّثَ صاحبُ سِفر العدد -المنسوب إلى موسى عليه السلام- عن تاريخ بني إسرائيل ورحلاتهم في الفصل الثالث والثلاثين. وهو فصل شديدُ التّفصيل في خبر هذه الرّحلاتِ،(1) بدأه بقوله: هذِهِ رِحْلَاتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ أَرْضِ مِصْرَ بِجُنُودِهِمْ عَنْ يَدِ مُوسَى وَهَارُونَ . ولم يذكر فيه سعير، ولا جبلها.

اعتراض 2: لم يزعم اليهود البتة وجود علاقة لنصّ تثنية 33/ 2 بالنبوّة في الأماكن الثّلاث المذكورة؛ إذ السّياق يمنع ذلك!

الجواب:

لم يقرَّ اليهودُ أنّ نصّ تثنية 33/ 2 بشارةٌ بظهور النبوّة لاحقًا في فاران، لكنْ أقَرَّ كثيرٌ من علمائهم أنّ للحديث عن سيناء وسعير وفاران علاقةً بظاهرة الوحي والنبوّة، ومن ذلك:

سِفري دفاريم ספרי דברים:

سِفْري دفاريم، عملٌ حبري كُتِبَ أَصْلُه في العصر التّلمودي السّابق للإسلام. وقد جاء في الفصل 33، المقطع 343 منه:

وقال: جاء اللّٰه من سيناء: فلما ظهر القدوس المبارك يعطي التوراة لإسرائيل، لم يفعل ذلك بلغة واحدة بل بأربع لغات:

“وأشرق من سعير” هذه اللغة الرومية.

“ظهر من جبل فاران”- هذه اللغة العربية.

“أتى من ربوات القديسين”- هذه اللغة الآرامية .

مدراش تنحوما מדרש תנחומא:

مدراش تنحوما كتاب مدراشي يهودي يهتم بجواب الأسئلة التي تركتها التوراة بلا جواب نهائي. وقد اختلف النقاد في تأريخ مدراش تنحوما، والغالب نسبته إلى القرنين الثامن والتاسع.(1) وقد جاء فيه في التعليق على تثنية 33/ 2:

ثم قال: “جاء الرب من سيناء…”. هذا يعلّمك أنّ القدوس تبارك، أتى بالتّوراة إلى جميع أُمَمِ العالم، لكنّها لم تَقْبَلْهَا، حتى جاء إلى إسرائيل؛ فَقَبِلَها الإسرائيليُّون. ولذلك جاء: “وأشْرَقَ عليهم من سعير”. هؤلاء بنو عيسو من بني سعير. “ظَهَرَ من جبل فاران”. هؤلاء هم بنُو إسماعيل الذين وَرَدَ ذكرهم في (تكوين ٢١/ ٢١)، “وسَكَنَ في بريّة فاران” .

ترجوم يوناثان תרגום יונתן:

ترجوم يوناثان المنحول. سِفرٌ يهوديٌ أَلّف في القرن الثامن. وقد جاء فيه:

وقال: إنَّ الربَّ ظهرَ في سيناء ليعطي الشّريعة لشعبِه بيت إسرائيل، وبهاء مَجْدِ مَسْكَنِهِ أَشْرَقَ مِن سَعِيرَ ليعطي نفسه لبني عيسو، لكنهم لم يقبلوه. تَلألأ في الجلالة والمجد من جبل فاران، ليُعطي نفسه لبني إسماعيل. لكنّهم لم يَقْبَلُوهُ. عاد وكشفَ قداسَتَهُ لِشَعْبِهِ بيت إسرائيل، ومعه كثرةٌ كاثرةٌ من الملائكة .

فرقي دربي إليعازر פרקי דרבי אליעזר:

فرقي دربي إليعازر كتابُ أجادي يهوديّ، فيه شرحٌ لنصوص التوراة، يعود إلى القرن الثامن (أو التاسع) ميلاديًّا.(1) وقد جاء في الفصل 41 منه:

أشرق القدوس المبارك من جبل سعير وظهر لأهل عيسو، كما قيل، “وقال: جاء الربُّ من سيناء وأشرق لهم من سعير”. و”سعير” يمكن أن تعني فقط أبناء عيسو، كما يقال “فسكن عيسو في جبل سعير” (تكوين ٣٦/ ٨). قال لهم القدوس المبارك: “هل تقبلون التوراة؟” فقالوا له: “ما الذي كُتب فيها؟”. قال لهم: “لا تقتلوا” (خروج ٢٠/ ١٣، تثنية ٥/ ١٧). فقالوا له: “لا يسعنا أن نتخلى عن البركة التي أعطاها إسحاق لأبينا؛ لأنه قال له (بسيفك تعيش) (تكوين ٢٧/ ٤٠)”. ومن هناك عاد وظهر للإسماعيليّين، كما قيل: “تَلألا من جَبَل فاران” (تثنية ٣٣/ ٢). ولا تعني “فاران” إلا بني إسماعيل، كما قيل: “وأقام في بَرِّيَّةِ فاران” (تكوين ٢١/ ٢١). وقال لهم: “هل تقبلون التوراة؟” فقالوا له: “ما الذي كُتِبَ فيها”. قال لهم: “لا تَسْرقَوا” (خرِوج ٢٠/ ١٥). فقالوا له: “لا يمكنَنا أن نَتَخَلّى عن ما فعله آباؤنا؛ لأنهم سرقوا يوسف وأخذوه إلى مصر، لأنه مكتوب: (لأني قد سُرقت من أرض العبرانيين)” (تكوين ٤٠/ ١٥) .

راشي רש”י:

الحبر راشي(1) (توفي 1105م)، أشهر الأحبار المفسّرين للتوراة والتلمود في القرون الوسطى. كتب في تعليقه على تثنية 33/ 2 عن عبارة: من جبل فاران :

لأنّه ذهب هناك، وعرض على بني إسماعيل قبول التوراة؛ فما رَضُوا .

وكتب راشي أيضًا في تعليقه على حبقوق 3/ 3:

عندما جئتَ لتعطي التوراة، ذهبتَ إلى عيسو وإسماعيل، ولم يقبلاها .

وإذا قيل إنّ اليهود يتحدّثون هنا عن عرض النبوة على أبناء إسماعيل في فاران، دون إثبات ظهور النبوة هناك.. فالجواب أنّ التراث اليهودي يعترف هنا أنّ خبر فاران هنا متعلّق بدعوى النبوة، وهذا ما نريده في بيان دلالة السياق.

وأمّا القول إنّ أهل فاران -الإسماعيليين- لم يقبلوا النبوّة؛ فلا يستقيم مع نص تثنية 33/ 2؛ لأنّ النصّ يصف ظهور النبوّة في سيناء أنّه مجيء ، ويصف الأمر نفسه في فاران بعبارة أعظم: تَلألأ! ؛ بما يدلّ على قبول النبوّة لا رفضها، وأنّ الأمر الأوّل أعظم من الثاني. وهو ما جاء بصورة أوضح في حبقوق 3/ 3: وَالْقُدُّوسُ مِنْ جَبَل فَارَانَ. سِلاه. جَلاَلُهُ غَطَّى السَّمَاوَاتِ، وَالأَرْضُ امْتَلأَتْ مِنْ تَسْبِيحِهِ .

اعتراض 4: تقع فاران في سيناء كما هو معلوم، ولا علاقة لها بالبلاد العربيّة.

الجواب:

أَقَرَّتْ موسوعةُ الكتاب المقدّس Encyclopaedia Biblica أنّه ليس من السّهل فهم كلّ مقاطع العهد القديم المتعلقة بفاران .(2)

ويظهر هذا الاضطراب في إشارة الموسوعة اليهودية The Jewish Encyclopedia، تحت كلمة فاران ، إلى ثلاثة مواضع:

صحراء، توافق بادية التيه اليوم (تكوين 21/ 21…).

منطقة بين إسرائيل وأدوم، توافق اليوم منطقة قلعة النّحل (تثنية 1/ 1، ملوك الأول 11/ 18).

جبل أو سلسلةُ جبالٍ. وذكرت الموسوعة عند هذه النقطة منطقة فاران المشار إليها في سفر التثنية 33/ 2 وحبقوق 3/ 3.

(2) Art “Paran,” in T. K. Cheyne and J. Sutherland Black, eds. Encyclopaedia Biblica, 3/3583

ومن تناقضات الكتاب المقدس في أمر فاران أنّ نصّ سِفر العدد 13/ 3 يذكر أنّ الجواسيس قد خرجوا من بريّة فاران، في حين أنّنا نقرأ في سفر العدد 32/ 8 أنّ الجواسيس قد خرجوا من قَادَشَ بَرْنِيعَ.

لا يمكن أن تكون فاران الحقيقية في سيناء؛ لأسباب، منها:

يُميّز سِفر العدد 10/ 12 بين بريّة سيناء وبريّة فاران إذ جاء فيه: فَارْتَحَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ فِي رِحْلَاتِهِمْ مِنْ بَرِّيَّةِ سِينَاءَ، فَحَلَّتِ السَّحَابَةُ فِي بَرِّيَّةِ فَارَانَ .

أفضل طريق للخروج من اضطراب الكتاب المقدس في تحديد مكان فاران، البحث عن أشهر معلم لفاران، وهو ارتباط هذه المنطقة بإسماعيل عليه السلام؛ فقد جاء في التكوين 21/ 21: وَسَكَنَ فِي بَرّيَّةِ فَارَانَ، وَأَخَذَتْ لَهُ أُمُهُ زَوْجَةً مِنْ أَرْضِ مِصْرَ .

ولذلك عرَفَ شارلز غور(3) فاران أنّها الأرضُ التي سكَنَتْها القبائل الإسماعيليّة .(4)

(3) شارلز غور (Charles Gore 1853 – 1932): لاهوتي إنجليكاني إنجليزي. كان أسقفًا لأوكسفورد.

(4) Charles Gore A New Commentary on Holy Scriptures (New York Macmillan, 1962, p.53).

والبلاد العربية الواقعة بين حدود مصر واليمن، تُسمَّى مساحةٌ واسعةٌ منها بالحِجاز. والحِجازُ عند فريق من المؤرّخين العرب تُسمّى فاران. قال ابن ماكولا: الفارانيّ.. نِسْبَتُهُ إلى جبال فاران وهي جبال الحِجاز .(2) وقال السّمعانيّ: الفارانيّ: بفتح الفاء والرّاء بين الألفين وفي آخرها النُّون. هذه النّسبة إلى موضِعَيْنِ: أحدهما إلى جبال فاران، وهي جبالٌ بالحِجاز .(3)

إذن استقرَّ نَسْلُ إسماعيلَ في ما بين بلاد اليمن وجنوب الأُردن، وهو المكان المعروف إلى اليوم بالحجاز. ومن اللَّافت هنا أنّ الحَبْرَ سعديا الفيومي في ترجمته الشهيرة للتّوراة، قد ترجم نصّ تكوين 10/ 26-30 على الصورة التالية: وقحطان أولد المودد وسلف وحضرموت ويارح وهدورام وأوزل ودقلة وعوبال وأبيمال وسبأ وأوفير وحويلة ويوباب، كلَّ هؤلاء بنو قحطان. وكان مسكَنُهم من مكّة إلى أن تجيء إلى المدينة إلى الجبل الشرقيّ .(5)

(2) ياقوت الحموي، معجم البلدان (بيروت: دار الكتب العلمية، 1990م)، 255/4.

(3) السمعاني، الأنساب، تقديم وتعليق: عبد الله البارودي (بيروت: دار الجنان، 1408ه/ 1988م)، 331/4.

(5) سعديا الفيومي، تفسير التوراة بالعربيّة، نقله إلى الخط العربي وقدم له وعلّق عليه: سعيد مطاوع وأحمد الجندي (القاهرة: الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية، 2015)، ص 100.

الأصل العبري لنص تكوين 10/ 30 في المخطوطات المتاحة اليوم لا يذكر (مكة) وإنما يذكر משא [مشا/مسا]، وتُقرأ هذه الكلمة بالتحريك الماسوري المتأخّر: ميشا . وقرأتها المخطوطة السامرية: ماشا . والفارق في النطق بين مكة ومشا، هو الحرف الثاني. ومن الممكن تفسير انتقال نطق (مكة) إلى مشا بظاهرة تبادل الحروف في العربية بين الكاف والشين، وهي ظاهرة لها وجود إلى اليوم في بعض بلاد الخليج العربي.

وقد أشار كتاب تاريخ عالمي، من القصص الأولى إلى الزمن الحاضر في حديثه عن مكّة إلى أنّ بعض الكُتّاب قد طابقوا بين ميشا ومكّة .(2) كما عرّف ويليام بليكي مكّة في كتابه تاريخ الكتاب المقدس بقوله: ميشا: مكّة (؟) مكان في البلاد العربيّة. تكوين 10/ 30 .(3)

(2) George Sale et al., An Universal History, from the Earliest Account of Time (London: T. Osborne, 1748), 18/360.

(3) William Garden Blaikie, Bible History, in connection with the general history of the world (London: T. Nelson and Sons, 1859), p.452.

شهد اليهود قبل الإسلام وبعده أنّ العَرَبَ من نَسْلِ إسماعيل. وهنا بعض الشّهادات:

سِفر اليوبيلات:

كتاب اليوبيلات(2) (ويُسمى أحيانًا التكوين الصغير)، كتابٌ يهوديٌّ، تؤمن الكنيسة الأثيوبيّة بقداستِه. وهو يعود إلى القرن الثاني قبل الميلاد.(3)

جاء في اليوبيلات 20/ 11-13: وأَعطى (إبراهيمُ) لإسماعيل وأولادِه وأبناء قطورة هدايا. وأرسلهم بعيدًا عن إسحاق ابنه، وأعطى كلّ شيءٍ لإسحاق، ابنه. سافَرَ إسماعيلُ وأبناؤه، وأبناء قطورة وأبناؤهم، جميعًا، وسَكَنُوا من سيناء إلى مدخل بابل في كلّ الأرض التي تواجه الشّرق مقابل الصّحراء. واختلط بعضُهم ببعض. وهم يُسمّون العربَ والإسماعيليّين .(4)

(2) Book of Jubilees

(3) انظر شهادات النقاد في زمن التأليف:

Jeremy D Lyon, The Genesis Creation Account in the Dead Sea Scrolls (OR: Wipf and Stock Publishers, 2019), p.138.

(4) Robert Charles, The Book of Jubilees (SC: Jazzybee Verlag), p.60.

ترجوم أونكلوس תרגום אונקלוס:

ترجوم أونكلوس، ترجمة آرامية للتوراة تعود إلى تاريخ بين القرن الثاني والخامس. جاء فيه في ترجمة نصّ تكوين 37/ 25 إلى الآرامية ذكر كلمة عرب مكان إسماعيليين .

ثُمَّ جَلَسُوا لِيَأْكُلُوا طَعَامًا. فَرَفَعُوا عُيُونَهُمْ وَنَظَرُوا وَإِذَا قَافِلَةُ إِسْمَاعِيلِيِّينَ مُقْبِلَةٌ مِنْ جِلْعَادَ .

ترجوم أونكلوس الآرامي:

واتَّكَؤُوا ليأكلوا الخبز. ورفَعُوا أعيُنَهم ونظروا وإذا جماعة من العرب آتية من جلعاد .

التلمود:

سُمّي العرب في التلمود بالإسماعيليّين والعرب والطَّيِّئِين טייעא [طَيايْعا].(2) ومن النّصوص الدّالة على ذلك ما جاء في التّلمود البابلي:(3)

من رأى إسماعيل في المنام، فذاك فَأْلٌ حَسَنٌ أنّ صلاته سيُستجاب لها. وذاك فقط إذا كان المرئيّ إسماعيل بن إبراهيم، وليس أيّ طَيَّئِيّ كان .

يوسيفوس:

ذكر يوسيفوس، المؤرخ اليهودي الشهير الذي عاش في القرن الأول، العرب باعتبارهم من نَسْل إسماعيل. تقول الباحثة كارول باكوس:(4) نجد في كتابات يوسيفوس عدّة أمثلة يُعرَّفُ فيها الإسماعيليون بالعرب. كتب يوسيفوس -مثلًا- عن ختان إسحاق: (بعد ثمانيةِ أيّام خَتَنُوه على الفور؛ ومن ذلك الوقت كانت الممارسةُ اليهودية هي الخِتانُ بعد أيّام عديدة من الولادة. العرب يُؤَجِّلُون الحَفْلَ إلى السنة الثالثة عشر؛ لأنّ إسماعيل، مُؤَسِّسَ عِرْقِهِمْ، المولود من سَرِيَّةِ إبراهيم، تَمَّ خِتانُه في ذاك السّنّ). عَرَّفَ يوسيفوس أيضًا الإسماعيليّين أنّهم عربٌ عندما أعلنَ بصراحة قائلًا: لكن يهوذا، وهو أحد أبناء يعقوب، بعد أن رأى بعض التجّار العربَ من الإسماعيليّين ينقلون التوابل والبضائع السّورية .(1)

وتُلخّص الباحثة كارول باكوس في كتابها إسماعيل على الحدود: تصوير اليهودية الحاخاميّة للعرب الأوائل الموقف اليهوديّ من أصل العرب خارج نصوص الكتاب المقدس بقولها: تمّ تحديد هويّة العرب كأحفادٍ لإسماعيل بشكلٍ بَيِّنٍ في وقتِ تنقيح التّلمود، بل يعود الأمرُ في الواقع إلى الفترة الهلنستيّة .(2) (3)

(2) ‘Arabia “art in Cyrus Adler Isidore Singer eds The Jewish Encyclopedia (Funk & Wagnalls, 1909), 2/43; Reuven Firestone, An Introduction to Islam for Jews (Philadelphia: JPS/Jewish Publication Society, 2008), p.8.

(3) Babylonian Talmud Berakhot56 b

(4) كارول باكوس (Carol Bakhos): أستاذة اليهودية القديمة والدراسات اليهودية في جامعة كاليفورنيا.

(1) Carol Bakhos Ishmael on the border rabbinic portrayals of the first Arab (Albany: State University of New York Press, 2006), p.73.

(2) العصر الهلنستي بين 323 ق.م. و31 ق.م.

(3) Carol Bakhos, Ishmael on the Border: Rabbinic Portrayals of the First Arab, p.73.

أسرار الحبر شمعون بن يوحاي:

هذا كتابٌ يُنسب إلى الحبر شمعون بن يوحاي שמעון בר יוחאי الذي عاش في القرن الثاني. وقد نُسب إليه أكثر من كتاب رُؤْيَوِيِّ. وزمنُ تأليفه الحقيقيّ -على الأرجح- القرن السابع الميلادي/ القرن الأول الهجري.(4)

جاء في هذا الكتاب حديث عن دولة الإسلام، والفتوحات الإسلاميّة الأولى. وفيه نِسبةُ المسلمين ودولتهم إلى الإسماعيليّين. فقد بدأ الحديث بذكر أنّ شمعون تَخَفَّى المدّة ثلاثة عشر سنة في كَهْفٍ خوفًا من الإمبراطور، مَلِكِ أدوم، الذي أمر بتدمير إسرائيل.

(4) Robert G. Hoyland, Seeing Islam as others saw it: a survey and evaluation of Christian, Jewish and Zoroastrian writings on early Islam, p.308.

اعتراض 5: حديث موسى عليه السلام كان عن رُبى مدينة القدس كما في الترجمة العربية الأشهر، ترجمة الفاندايك: أَتَى مِنْ رِبْوَاتِ الْقُدْسِ ، ولم يكن عن عشرة آلاف قدّيس!

الجواب:

أولا: قولنا: إنّ الترجمة الصّواب أو الأقوى هي عشرة آلاف قدّيس ، ليس دعوى إسلاميّة، وإنّما هو اختيار عامّة الترجمات الإنجليزية، ويبدو أنّ من أكثر الأسباب لرفض قراءة عشرة آلاف قدّيس أنّه لا يوجد حدثٌ تاريخيٌّ في قصّة بني إسرائيل فيه عشرة آلاف قدّيس. وهو ما يظهر في قول المفسّر المحافِظِ آدم كلارك عن ترجمة عشرة آلاف قدّيس : ترجمة لا يوجد في أحداث التاريخ ما يسوّغها A translation which no circumstance of the history justifies .(1)

(1) Adam Clarke The Holy Bible Containing the Old and New Testaments (New York: B. Waugh and T. Mason, 1832), 1/799.

الخلاصة

بشّر موسى عليه السلام بوحي يظهر آخر الزمان في فاران، بصورة أعظم ممّا كان في عصر موسى عليه السلام مع ظهور شريعة جديدة، وعالمية، ينصرها عند ظهورها عشرة آلاف مؤمن. وتلك أمور لم تجتمع إلّا عند ظهور دعوة الإسلام الخاتمة في الحجاز.

يذهب جمهور المفسّرين النصارى إلى أنّ نص حبقوق 3/ 3 يطابق خبر تثنية 33/ 2-3. ولمّا كان نص حبقوق 3/ 3 قد جاء في صيغة المستقبل، وجب حمل نص تثنية 33/ 2-3 على المستقبل perfective of confidence.

اعترف اليهود أن نص تثنية 33/ 2-3 يتعلّق بأمر النبوّة في سيناء وسعير وفاران. وهو حق. كما ربطوا بين دعوى النبوة في فاران وذرية إسماعيل عليه السلام. وذاك حق أيضًا. وزعموا أنّ النبوّة قد رُفضت في فاران. وتلك دعوى باطلة. إذ إنّ نص تثنية 33/ 2-3 دال على أنّ حال فاران أفضل من سيناء وسعير؛ بما يدلّ أنّ النبوّة القادمة في فاران، أعظم من النبوّة التي كانت في سيناء وسعير.

الفصل الثالث: بشرى إبراهيم

قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنِّي عَبْدُ الله، وَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَأَبِي مُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ وَسَأُخْبِرُكُمْ عَنْ ذَلِكَ أَنَا دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، وَبِشَارَةُ عِيسَى، وَرُؤْيَا أُمِّي آمِنَةَ الَّتِي رَأَتْ .(1) فهل في التّوراة خبرٌ عن بشارةٍ إبراهيميّةٍ بِنَبِيّ عربيّ من نَسْلِهِ؟

(1) رواه الحاكم، وصحَّحَهُ، ووافقهُ الذهبّي، وصحَّحَهُ الأرنؤوط لغيره.

بشارة الربّ لإبراهيم عليه السلام: قَالَ الرَّبُّ لأَبْرَامَ: اذْهَبْ مِنْ أَرْضِكَ وَمِنْ عَشِيرَتِكَ وَمِنْ بَيْتِ أَبِيكَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُرِيكَ. فَأَجْعَلَكَ أُمَّةً عَظِيمَةً وَأُبَارِكَكَ وَأُعَظَّمَ اسْمَكَ، وَتَكُونَ بَرَكَةً. وَأَبَارِكُ مُبَارِكِيكَ، وَلَاعِنَكَ أَلْعَنُهُ. وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ . (تكوين 12/ 1-3).

بشارة الملاكِ لهاجرَ في شأن إسماعيل عليه السلام: فَوَجَدَهَا مَلَاكُ الرَّبِّ عَلَى عَيْنِ الْمَاءِ فِي الْبَرِّيَّةِ، عَلَى الْعَيْنِ الَّتِي فِي طَرِيقِ شُورَ. وَقَالَ: (يَا هَاجَرُ جَارِيَةَ سَارَايَ، مِنْ أَيْنَ أَتَيْتِ؟ وَإِلَى أَيْنَ تَذْهَبِينَ؟). فَقَالَتْ: (أَنَا هَارِبَةٌ مِنْ وَجْهِ مَوْلَاتِي سَارَايَ). فَقَالَ لَهَا مَلَاكُ الرَّبِّ: (ارْجِعِي إِلَى مَوْلَاتِكِ وَاخْضَعِي تَحْتَ يَدَيْهَا). وَقَالَ لَهَا مَلَاكُ الرَّبِّ: (تَكْثِيرًا أُكَثِّرُ نَسْلَكِ فَلَا يُعَدُّ مِنَ الْكَثْرَةِ). وَقَالَ لَهَا مَلَاكُ الرَّبِّ: (هَا أَنْتِ حُبْلَى، فَتَلِدِينَ ابْنَا وَتَدْعِينَ اسْمَهُ إِسْمَاعِيلَ، لأَنَّ الرَّبَّ قَدْ سَمِعَ لِمَذَلَّتِكِ. وَإِنَّهُ يَكُونُ إِنْسَانًا وَحْشِيًّا، يَدُهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ، وَيَدُ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَيْهِ، وَأَمَامَ جَمِيعٍ إِخْوَتِهِ يَسْكُنُ) . (تكوين 16/ 7-12).

بشارة الربِّ لإبراهيم عليه السلام في شأن إسماعيل عليه السلام: وَأَمَّا إسْمَاعِيلُ فَقَدْ سَمِعْتُ لَكَ فِيهِ. هَا أَنَّا أُبَارِكُهُ وَأَثْمِرُهُ وَأُكَثِّرُهُ كَثِيرًا جِدًّا(1). اثْنَيْ عَشَرَ رَئِيسًا يَلِدُ، وَأَجْعَلُهُ أُمَّةً كَبِيرَةً . (تكوين 17/ 20).

(1) عبارة كثيرًا جدًّا במאד מאד [بمِئود مِئود] في الأصل العبري، وإذا غُيّرتْ حركاتها قد يصير نُطقها: ماد ماد . ذهب كثيرٌ من اليهود الذين أسلموا إلى أنّها كلمة مشفّرة ، غَيَّرَها اليهودُ لإخفاء الاسم الشريف. وإذا قُرئَتْ بحساب الجُمَّل؛ كانت محمّد . فقد قال شموئيل بن يهوذا بن أيوب -مثلًا- وهو من اليهود الذين أسلموا- ما نصُّه: الإشارة إلى اسمّه ﷺ في التوراة: قال الله تعالى في الجزء إلثالث من السّفر الأول من التوراة مخاطبًا إبراهيم عليه السلام: “وأما في إسماعيل فقد قَبِلْتُ دُعاءَكَ. قد باركتُ فيه. وأثمره. وأكثِّرُهُ جِدًّا جِدًّا” ذلك قوله “وليشماعيل شمعتيخا هنى بيراختي أوثو وهفريتي أوثو وهربيتي بماد ماد” فهذه الكلمة بماد ماد إذا عَدَدْنا حساب حروفها بالجمّل وجدناه اثنين وتسعين. وذلك عدد حروف محمد ﷺ فإنّه أيضا اثنان وتسعون . (بَذل المجهود في إفحام اليهود، شموئيل بن يهوذا بن أيوب، تحقيق: عبد الوهاب طويلة، دمشق: دار القلم 1410ه – 1989م، ص 87-86).

بشارة الأمة العظيمة

يقول ابن سيراخ: لا تَشْتَهِ كثرةَ أولادٍ لا خيرَ فيهم، ولا تَفْرَحْ بالبنين المنافقين، ولا تُسَرَّ بكثرتهم إذا لم تكن فيهم مخافةُ الرَّبِّ.. ولدٌ واحد يتّقي الربَّ خير من ألفٍ منافقين، والموتُ بلا ولدٍ خيرٌ من الأولاد المنافقين (ابن سيراخ 16/ 1-3). ولمّا جَاءَ صَمُوثِيلُ إِلَى شَاوُلَ قَالَ لَهُ شَاوُلُ: مُبَارَكٌ أَنْتَ لِلرَّبِّ. قَدْ أَقَمْتُ كَلَامَ الرَّبِّ (1صموئيل 15/ 13). فالبركة مقترنة بسماع كلام الله، والعمل به.

اعترافات المفسّرين النّصارى واليهود

نقل الحبر والمفسّر بَحْيي بن أشر بن حلوا (בחיי בן אשר אבן חלואה 1255-1340) –أحد أشهر المفسّرين اليهود في الأندلس – في تفسيره لنصّ تكوين 17/ 20: وَأَجْعَلُهُ أَمَّةً كَبِيرَةً ، عن الحبر حننئيل חננאל قوله:(2)

نلاحظ أنّ هذه النبوءة قد تحقّقت لهم بعد ٢٣٣٣ سنة .

(2) Bahya ben Asher ben Hava, Bereshit-Chayey (Sole North American distributor, Lampda Publishers, 1998), p.272.

وعلّق الحِبر شَعووعل (שאוועל 1906-1982) بقوله: هذا رقم دقيق بالنظر إلى أنّ إبراهيم قد اختُتن عام 2047 بعد الخلق. وقد تأسّس الدين الإسلامي عام 4374 بعد الخلق. أضف إلى ذلك عشر سنوات أخرى حتى يبدأ الإسلام في الانتشار في جميع أنحاء العالم؛ وستصل إلى الرقم 2333 بعد ختان إبراهيم، تاريخ هذا التنبؤ .(3)

أشار أغابيوس (محبوب) بن قسطنطين -أُسْقُفُ مَنْبِجَ في القرن العاشر الميلادي، صاحب أول تاريخ نصرانيّ باللغة العربيّة- إلى وثيقةٍ أصدرها الإمبراطور البيزنطيّ هرقل المعاصر للرسول ﷺ أَمَرَ فيها حُكّامه في مصر وسوريا وأرمينيا أَلَّا يقاوموا العرب لأنّهم وَعْدُ الله في إسماعيل عليه السلام.(1)

(1) Hans K ng, Islam: past, present and future (Oxford: Oneworld, 2007), p.8. سواء صحّ وجود هذه الوثيقة أم لا، فهي دالة على فهم النصارى زمن الفتوحات الأولى أنّ مباركة الذريّة لم تتمّ إلا بظهور الإسلام.

جاء في تفسير الكتاب المقدس – الذي أشرفَ عليه جون دومّلو – التصريح أنّ نصّ تكوين 16/ 10: وَقَالَ لَهَا مَلَاكُ الرَّبِّ: (تَكْثِيرًا أُكَثِّرُ نَسْلَكِ فَلَا يُعَدُّ مِنَ الْكَثْرَةِ) ، هو وَعْدٌ تَحَقَّقَ في الجنسِ العربيّ .(2)

(2) “A promise fulfilled in the Arab race” John Dummelow, A Commentary on the Holy Bible, p.25.

يد الإسماعيليّين

جاء في نصّ البشارة بإسماعيل ونَسْلِهِ: يَدُهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ، وَيَدُ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَيْهِ (تكوين 16/ 12). والقارئ للعهد القديم؛ سيجد أنّ اسم الهاجريّين (أبناء هاجر) مقترن بالهزائم لا الانتصارات:

ولذلك قال ابن تيمية: مَعْلُومٌ أَنَّ يَدَ بَنِي إِسْمَاعِيلَ قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ ﷺ لَمْ تَكُنْ فَوْقَ أَيْدِي بَنِي إِسْحَاقَ، بَلْ كَانَ فِي بَنِي إِسْحَاقَ النُّبُوَّةُ وَالْكِتَابُ، وَقَدْ دَخَلُوا مِصْرَ زَمَنَ يُوسُفَ مَعَ يَعْقُوبَ، فَلَمْ يَكُنْ لِبَنِي إِسْمَاعِيلَ فَوْقَهُمْ يَدٌ ثُمَّ خَرَجُوا مِنْهَا لَمَّا بُعِثَ مُوسَى، وَكَانُوا مَعَ مُوسَى أَعَزَّ أَهْلِ الْأَرْضِ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ عَلَيْهِمْ يَدٌ ثُمَّ مَعَ يُوشَعَ بَعْدَهُ إِلَى زَمَنِ دَاوُدَ، وَمَلَكَ سُلَيْمَانُ الَّذِي لَمْ يُؤْتَ أَحَدٌ مِثْلَهُ وَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ بُخَتُنَصَّرَ فَلَمْ يَكُنْ لِبَنِي إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِمْ يَدٌ ثُمَّ بُعِثَ الْمَسِيحُ وَخُرِّبَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ الْخَرَابَ الثَّانِيَ، حَيْثُ أَفْسَدُوا فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ، وَمِنْ حِينِئِذٍ زَالَ مُلْكُهُمْ وَقَطَّعَهُمُ اللّٰه فِي الْأَرْضِ أَمَمًا، وَكَانُوا تَحْتَ حُكْم الرُّوم وَالْفُرْسِ، لَمْ يَكُنْ لِلْعَرَبِ عَلَيْهِمْ حُكْمٌ أَكْثَرُ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَلَمْ يَكُنْ لِوَلَدِ إِسْمَاعِيلَ سُلْطَانٌ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْأُمَم -لا أَهْلِ الْكِتَابِ، ولا الْأُمَّيِّينَ- فَلَمْ يَكُنْ يَدُ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ فَوْقَ الْجَمِيع، حَتَّى بَعَثَ الله مُحَمَّدًا؛ الَّذِي دَعَا بِهِ إِبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ حَيْثُ قَالا: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: 129]. فَلَمَّا بُعِثَ، صَارَ يَدُ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ فَوْقَ الْجَمِيع، فَلَمْ يَكُنْ فِي الأَرْضِ سُلْطَانٌ أَعَزُّ مِنْ سُلْطَانِهِمْ، وَقَهَرُوا فَارِسَ وَالرُّومَ وَغَيْرَهُمْ مِنَ الْأُمَم، وَقَهَرُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالْمُشْرِكِينَ وَالصَّابِئِينَ. فَظَهَرَ بِذَلِكَ تَحْقِيقُ قَوْلِهِ فِي التَّوْرَاةِ: (وَتَكُونُ يَدُهُ فَوْقَ الْجَمِيعِ وَيَدُ الْكُلِّ بِهِ). هَذَا أَمْرٌ مُسْتَمِرٌّ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ .(1)

(1) ابن تيمية، الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح، 223/5-225.

اعتراض 1:

قَصَرَت التوراة النبوّة على بني إسحاق عليه السلام؛ إذ جاء فيها: وَلكِنْ عَهْدِي أُقِيمُهُ مَعَ إِسْحَاقَ الَّذِي تَلِدُهُ لَكَ سَارَةُ فِي هذَا الْوَقْتِ فِي السَّنَةِ الآتِيَةِ (تكوين 17/ 21). كما أنّ العهد مع إسحاق، عهدٌ أَبَدِيٌّ (تكوين 17/ 19).

الجواب:

أولا: يزعم هذا الاعتراض أنّ الله لمّا أراد تبشير إبراهيم عليه السلام، إمامَ الموحّدين، أَخْبَرَهُ أنّ النبوة التي يُعرف بها الإله الحقُّ، ويُعبد بها، ستكون فقط في نَسْلِ إسحاق عليه السلام. وأمّا إسماعيل عليه السلام؛ فسيكون له نَسْلٌ كثيرٌ من الكافرين بالله. وهذا ليس من البشارة بشيء؛ إذ لن يَسْعَدَ إبراهيم عليه السلام؛ بالعِلمِ أنَّ نَسْلَهُ سيكون حَطَبَ جهنّم.

ثانيا: التوراة التي يذهب عددٌ من النقاد أنها مجموع وثائق مختلفة تمَّ الجمع بينها بلا توفيق جيّد،(1) تتناقض هنا؛ إذ إنّنا نقرأ في تكوين 17/ 9-11: وَقَالَ اللهُ لإِبْرَاهِيم: وَأَمَّا أَنْتَ فَتَحْفَظُ عَهْدِي، أَنْتَ وَنَسْلُكَ مِنْ بَعْدِكَ فِي أَجْيَالِهِمْ. هذَا هُوَ عَهْدِي الَّذِي تَحْفَظُونَهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، وَبَيْنَ نَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ: يُخْتَنُ مِنْكُمْ كُلُّ ذَكَرٍ، فَتُخْتَنُونَ فِي لَحْم غُرْلَتِكُمْ، فَيَكُونُ عَلَامَةَ عَهْدٍ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ . فالعهدُ هنا لِنَسْلِ إبراهيم كلّه، دون تخصيصٍ. وقد جاءت هذه البشرى لإبراهيم لمّا لم يكن عنده ولدٌ سوى إسماعيل عليه السلام. ومعلومٌ أنّ العرب (أبناء إسماعيل) كانوا يَخْتَنِنُونَ قبل الإسلام.

وقد صرّح مُعَظَّم اليهود في القرون الوسطى (موسى بن ميمون) بقوله في رسالته إلى اليمن: إنّ عدم إيماننا بنبوّة عمرو وزيد؛ لا يعود لكونهما ليسا من بني إسرائيل؛ كي نلجأ لتسويغ مذهبنا بنصّ الكتاب المقدّس: (من وسطك من إخوتك) (تثنية ١٨/ ١٨) -كما يظنُّ العوامّ-؛ إذ إنّ أيوب وزوفار وبلدد وإليفاز وإليهو كلَّهم أنبياء عندنا، رغم أنّهم ليسوا من إسرائيل. وكذلك فإنّ حنانيا بن عزور نبيّ كاذب؛ رغم أنّه من إسرائيل. وإنّما نحن نُصدّق النبيَّ أو نُكذّبه من جهة مُعْتَقَدِه، لا من جهة بيان جِنْسِه .(2)

(2) Moses Maimonides, Epistle to Yemen, X.

الاستدلال بأبديّة العهد، بمعنى قَصْر الأمر على نَسْلِ إسحاق عليه السلام، حُجّة على النصارى أيضًا؛ لأنّ دين الكنيسة قد خرج من نَسْل إسحاق إلى الأمم. وقد قال يسوع لبني إسرائيل: لِذلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَلَكُوتَ الله يُنْزَعُ مِنْكُمْ وَيُعْطَى لأُمَّةٍ تَعْمَلُ أَثْمَارَهُ . (متّى 21/ 43).

ثم إنّ بولس نفسه يقرّر أنّ العهد القديم مُخْبِرٌ أنّ رسالة السماء ستُعطى آخر الزمان إلى غير بني إسرائيل: لكِنِّي أَقُولُ: أَلَعَلَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا؟ بَلَى، إِلَى جَمِيع الأَرْضِ خَرَجَ صَوْتُهُمْ، وَإِلَى أَقَاصِي الْمَسْكُونَةِ أَقْوَالُهُمْ. لكِنِّي أَقُولُ: أَلَعَلَّ إِسْرَائِيلَ لَمْ يَعْلَمْ؟ أَوَلا مُوسَى يَقُولُ: أَنَا أُغِيرُكُمْ بِمَا لَيْسَ أُمَّةً. بِأُمَّةٍ غَبِيَّةٍ أُغِيظُكُمْ. ثُمَّ إِشَعْيَاءُ يَتَجَاسَرُ وَيَقُولُ: وُجِدْتُ مِنَ الَّذِينَ لَمْ يَطْلُبُونِي، وَصِرْتُ ظَاهِرًا لِلَّذِينَ لَمْ يَسْأَلُوا عَنِّي. أَمَّا مِنْ جِهَةِ إِسْرَائِيلَ فَيَقُولُ: طُولَ النَّهَارِ بَسَطْتُ يَدَيَّ إِلَى شَعْبٍ مُعَانِدٍ وَمُقَاوِمٍ (الرسالة إلى روما 10/ 18-21).

وقد أكّد آباء الكنيسة أنّ هِبَة النبوّة قد انتقلت من اليهود إلى أتباع يسوع. ومن ذلك قول جستين الشهيد في منتصف القرن الثاني -في حواره مع اليهودي تريفو -: عليك أن تفهم أنّ الهبات التي أَعطِيتْ لقومك من قبلُ من بين الأمم، قد انتقلتْ الآن إلينا .(1)

لمّا حضر يعقوبَ عليه السلام الموتُ، وَصَّى بَنِيْهِ وبارَكَهُم، وتحدّث عن كلّ ولدٍ. وقال عن بنيه جميعًا في شخص يهوذا: لا يزول صولجان الملك من يهوذا ولا مشترع من صُلْبه حتى يأتي شيلوه فتُطِيْعُه الشُّعوب (سِفر التكوين 49/ 10).

(1) Justin the Martyr, Dialogue with Trypho, 82.1.

اعتراض 2:

القول إنّ ذريّة إبراهيم عليه السلام من هاجَرَهم المسلمون، يعارض حقيقةَ أنّ المسلمين من أعراقٍ مختلفة، وليسوا فقط من نَسْلِ إسماعيل ابن هاجَرَ!

الجواب:

ومن المهمّ هنا الإشارة إلى أنّ اللَّقَبَ الذي كان غالبًا على وصف المسلمين من طرف النّصارى منذ البعثة وعلى مدى القرون الوسطى، هو لقب الهاجَرِيُّون ܡܗܓܪܝܐ [مَجْرَايا] عند السّريان، وΑγαρηνοί [أَجَرينوي] عند الناطقين باليونانية؛ نسبةً إلى هاجَرَ جَدَّةِ العَرَبِ. كما كانوا يُسَمَّوْنَ أيضًا بالإسماعيليّين.

الخلاصة

يؤمن النصارى -كالمسلمين- أنّ الملكوت سينزع من بني إسرائيل ويُعطى إلى غيرهم. ويستدلّون لذلك بنصوص من العهد القديم.

دلّت التوراة على بشارة الله سبحانه إسماعيل عليه السلام بثلاث بشارات: الكثرة في الذريّة، والبركة فيهم، والقوّة في أيديهم. ولا بركة في أمّة كافرة؛ فلزم من ذلك حمل البشارة على التوحيد والإيمان. ولم تتحقّق البشارات الثلاث في الإسماعيليين إلّا بظهور محمد ﷺ.

الفصل الرابع: مكة، أرض الحج المباركة

روى ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ مرَّ بِوَادِي الْأَزْرَقِ، فَقَالَ: أَيُّ وَادٍ هَذَا؟ فَقَالُوا: هَذَا وَادِي الْأَزْرَقِ، قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى عليه السلام هَابِطًا مِنَ الثَّنِيَّةِ، وَلَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللهِ بِالتَّلْبِيَةِ ، ثُمَّ أَتَى عَلَى ثَنِيَّةِ هَرْشَى، فَقَالَ: أَيُّ ثَنِيَّةٍ هَذِهِ؟ قَالُوا: ثَنِيَةُ هَرْشَى، قَالَ: كَأَنَّي أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى عليه السلام عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ جَعْدَةٍ عَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ، خِطَامُ نَاقَتِهِ خُلْبَةٌ وَهُوَ يُلَبِي .(1)

وقال ﷺ عن عيسى عليه السلام – بعد نزوله آخر الزمان – يُهل بالحج أو العمرة أو بهما معًا: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُهِلَّنَّ ابْنُ مَرْيَمَ بِفَجِّ الرَّوْحَاءِ، حَاجًّا أو مُعْتَمِرًا، أو لَيَثْنِيَنَّهُمَا .(2)

قال ابن تيمية: … وَحَجِّ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ الَّذِي بَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ، وَدَعَا النَّاسَ إِلَى حَجِّهِ وَحَجَّتْهُ الْأَنْبِيَاءُ، حَتَّى حَجَّهُ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ وَيُونُسُ بْنُ مَتَّى وَغَيْرُهُمَا .(3)

(1) رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله ﷺ إلى السماوات وفرض الصلوات -ح/ 241.

(2) رواه مسلم، كِتَابُ الْحَجِّ، بَابُ إِهْلَالِ النَّبِيَّ ﷺ وَهَدْيِهِ، (ح/ 2283).

(3) ابن تيمية، الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، ص 363-364.

الجواب في المزمور 84/ 4-8:

طوبى للسّاكنين في بيتك، أبدًا يُسبّحونك. سلاه.

طوبى لأناس عِزَّهم بك. طرق بَيْتِك في قلوبهم.

عابرين في وادي البكاء، يُصَيِّرُوْنَهُ ينبوعًا. أيضًا ببركات يغطون مورة.

يذهبون من قوة إلى قوة. يرون قدام اللّٰه في صهيون.

يا ربَّ إله الجنود، اسمعْ صلاتي، واصغ يا إلهَ يعقوب. سلاه .

أولا: مضمون المزمور 84

اتَّفَقَتْ عامّة التفاسير النصرانية أنّ المزمور 84 متعلّق بالحجّ إلى بيت الله. ومن ذلك قول الناقد مارفن إ. تايت(1) في التعريف بهذا المزمور: يُعبّر المزمور 84 عن شوقِ الحاجّ لِفَرَحِ المشاركة في معابد الربّ. إنه مزمور للحجّ، يمكن قراءته بشكلٍ مفيدٍ مع المزامير الأخرى التي تُعَبِّرُ عن التَّوْقِ لمعبد الله .(2)

(1) مارفن.إ. تايت (Marvin E. Tate): ناقد كتابي أمريكي. أستاذ تفسير العهد القديم في Southern Baptist Theological Seminary.

(2) Marvin E.Tate ,Psalms51-100 (Dallas: Word, Incorporated, 2002), p.361

ثانيا: مقصد الحجاج

القرآن: الحج يكون إلى الكعبة، بيت الله. قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: 26].

ثالثا: اسم المكان الذي يوجد فيه بيت اللّٰه

القرآن: بيت الله الكعبة موجود في بكّة، التي هي مكّة. قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 96].

رابعا: طبوغرافية الأرض التي فيها بيت اللّٰه

القرآن: مكّة طبوغرافيًّا على صورة وادٍ. قال تعالى: ﴿رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: 37].

المزمور 84: עמק הבכא [عيمق هبكا]؛ أي وادي بكّة.

سادسا: أَجْرُ مَنْ ينزل عند بيت اللّٰه

القرآن: بكّة أرضُ بركةٍ لمن يأتيها حاجًّا. قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 96].

وقد اختارت الترجمة السبعينيّة: γάρ εὐλογίας δώσει ὁ νομοθετῶν لأنّ المشرّع يمنح هناك بَرَكَتَهُ .

سابعاً: النَّبْعُ الذي يَتَفَجَّرُ عند بيت اللّٰه

العديد من المخطوطات العبرية التي تعود إلى القرون الوسطى، بالإضافة إلى الترجمة السبعينيّة، يُفهم منها أنّ الله هو الفاعل، وأنّ الوادي موضوعُ فِعْلِهِ: إنه [=الله] يجعله [=الوادي] ينبوعًا .. ولذلك اختارت ترجمة New English Bible: يجدون ماءً من الينبوع . ونِسْبَةُ الفعْلِ إلى الله تدلُّ على تمحور النّصّ هنا حول زَمْزَمَ الذي نبع بمعجزةٍ إلهيّةٍ.

ثامنا: السَّعْيُ بين جَبَلَيْنِ أَحَدُ أركان الحجّ

القرآن: السّعي بين جَبَلَي الصَّفَا والمرْوَة من شعائر الحج. قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ۚ وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 158]. وقال الرسول ﷺ: اسعوا؛ فإنّ الله كتب عليكم السَّعْيَ .(2)

النصّ في ترجمة الفاندايك: يذهبون من قوّةٍ إلى قوّةٍ ؛ وهي ترجمة ركيكةٌ، وقد جاءت الترجمة على صور أخرى مقبولة:

(2) رواه أحمد (421/6).

ينطلقون من جبل إلى جبل. ترجمة الأخبار السارة

ينطلقون من جبل إلى جبل. الترجمة العربية المشتركة

من ذروة إلى ذروة يسيرون. الترجمة العربية اليسوعية

من ذروة إلى ذروة يسيرون. الترجمة الكاثوليكية

يصعدون من علو إلى علو. ترجمة الشريف

وذاك وصف يطابق السعي بين الصفا والمروة.

اعتراض 2: مزمور 84/ 6 لا يَذْكُرُ مكانًا اسمهُ: بكة، وإنّما يتحدث عن وادي البكاء . وهذا أمْرٌ واضح تشهد له الترجمة العرية الأشهر (ترجمة الفاندايك)!

الجواب:

أَوَّلا: لم يكن النصّ واضحًا للمفسّرين والنقّاد. ولذلك قال ألبرت بارنز في مزمور 84/ 6: عابرين في وادي بكا Who passing through the valley of Baca : هذا العدد هو من أعسر الأعداد في كتاب المزامير. وقد كان -طبعًا- عرضة لتفسيرات متباينة جدًا .(1)

ثانيا: تعريب كلمة بكا على أنّها تعني بكاء، لا يستقيم لأنّ فعل بكى في العبرية آخره هاء ה، لا ألف א. (2)

(1) Albert Barnes, Notes, critical, explanatory, and practical, on the Book of psalms (London: Edward Knight), 2/376.

(2) F. Hossfeld, E. Zenger, L. M. Maloney and K. Baltzer, Psalms 2: A commentary on Psalms 51-100 (Minneapolis, MN: Fortress Press, 2005), p.355.

ثالثا: أهم الترجمات الإنجليزية (للبروتستانت والكاثوليك واليهود) تحتفظ بكلمة Baca دلالة على أنّها اسمُ عَلَمِ، مثل: King James Bible, New American Standard Bible, New English Translation, New International Version و New American Bible و JPS Tanakh.

رابعا: أشار كثير من الكُتّاب إلى أنّ بكا في مزمور 84/ 6 تشير إلى نباتٍ يُسمّى بكا ، يَنْبُتُ بصورةٍ خاصّةٍ في وادي مكّة، وقد سُمي بهذا الاسم؛ لأنّه إذا جُرِحَ يُخرِجُ سائلا كأنّه الدَّمْعُ. (2) ويُسمّى هذا النبات بلسم مكة .

وقد جاء في دائرة المعارف الكتابية تحت مادة بلسان : أما البلسان الحقيقيّ الذي ذَكَرَهُ المؤلفون القدماء فهو “بلسم مكة” الذي ما زالت مِصْرُ تستورِدُهُ من شبه الجزيرة العربية كما كان الأمر قديمًا، وهو عَصِيرُ الشّجرة المعروفة علميًّا باسم الحبشة .(3)

(2) C.B.Moll ,Briggs A commentary on the Holy Scriptures: Psalms (Scribner, Armstrong & Company, 1872), p.464.

(3) ويليم بباوي، وآخرون، دائرة المعارف الكتابية (القاهرة: دار الثقافة)، 189/2.

سبب تسمية وادي بكا وجودُ نباتِ البكا فيه. وهو ما قَرَّرَهُ أيضًا المفسّر اليهوديّ ابن عزرا في شرحه للنصّ الذي نحن بصدده:

اسم مكان، أو واد حيث تسمى الأشجار بكئيم .

اعتراض 6:

مكّة لم تظهر إلّا في عصر متأخّر، بعد عصر المسيح؛ بما يمنع تصديق أنه قد أحيل إليها في المزمور!

الجواب:

قال البروفسور إيان موريس -أستاذ تاريخ الشرق الأوسط، من جامعة سانت أندروز-:

هناك إجماع في الأوساط العلمية أن مكة هي مكورابا … جاء اسم مكورابا من اسم عربي جنوبي قديم، مثل مكراب، بمعنى : معبد، لذلك فمكروبا في القرن الثاني الميلادي كانت مركزا دينيا مميزا قبل الإسلام .(1)

كما صرّح صاحب كتاب تاريخ البلاد العربية، القديم والحديث أنّ القدم التاريخي للكعبة غير قابل للتشكيك فيه؛ إذ إنّ أصل الكعبة يمتد إلى ما قبل العصر المسيحي .(2)

(1) Ian D. Morris, Mecca Before Islam: 2) Macoraba. MARCH 24, 2017
http://www.iandavidmorris.com/mecca-before-islam-2-makoraba-macoraba/

(2) Andrew Crichton, The History of Arabia, Ancient and Modern (Edinburgh: Oliver & Boyd, 1834), 1/100.

اعتراض 7:

النصُّ يتحدّث عن صهيون أورشليم، لا صحراء العرب؛ إذ هو يذكر كلمة Zion!

الجواب:

أولا: كلمة ציון [صيون] ليس لها معنى واحد في كلّ حال. ولا يحسن بالباحث أن يُسارع إلى تبني معنى للكلمة قبل النظر. وقد جاء في موسوعة الكتاب المقدس: “The International Standard Bible Encyclopaedia” تحت مادة “Zion“:

هناك اضطراب عظيم نشأ قديمًا بسبب طلبٍ فهم واضح لتحديد المناطق المختلفة التي سُمّيَت Zion على مدى قرون .(1)

ثانيا: كلمة ציון [صيون]، تعني صهيون بكسر حرف الصادي (الصّاد) צ، كما تعني الأرض الجافّة بفتح حرف الصادي (الصّاد) צ؛ ولمّا كان النصّ العِبري الأقدم دون حركات؛ كان الترجيح مردّه السياق. والناظر في السّياق يرى أنّ النص السابق يتحدّث عن أرضٍ قد صارت ينبوعًا، بما يدلُّ أنّها كانت قبل ذلك جَدْبًا. ولذلك فتعريب صيون بالأرض الجدب أَوْلى من صهيون . وهو معنى الكلمة في:

إشعياء 32/ 2: كَسَوَاقِي مَاءٍ فِي مَكَانٍ يَابِس [صيون צָיוֹן] .

إشعياء 25/ 5: كَحَرّ فِي يَبَسٍ [صَيون צָיוֹן] .

ولذلك فالأَوْلى ترجمة النصّ: يَرون قدّام الله بأرضِ غير ذات زَرْع .(2) وقد عَلِمْتَ أنّ وصف مكّة أنها أرضٌ جدباءُ قد ورد في القرآن في دعوة إبراهيم عليه السلام: ﴿رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: 37].

(1) James Orr ed The International Standard Bible Encyclopaedia (Chicago: Howard-Severance Company, 1915), 5/3150.

(2) فيصل الكاملي، يجدونه مكتوبا عندهم (الرياض: مجلة البيان، 1434ه/ 2013م)، ص 140.

ثالثا: صهيونُ قد تُطْلَقُ مجازًا على أكثرَ من مكانٍ في الكتاب المقدّس. وقد جاء في معجم الكتاب المقدس: في مرّاتٍ كثيرةٍ في المزامير وشعر العهد القديم تمّ ذكر صهيون بصورة رمزيّة كـ”التلّة المقدّسة”، مسكن الله “مدينة الربّ”، وتظهر في العهد الجديد كـ”مدينة الله الحيّ، أورشليم السماويّة” .(1)

وجاء في مادة مزمور في دائرة المعارف الكتابية: وقد عبّرت المزامير بكل وضوح عن رجاء إسرائيل، فيما يعرف باسم (أغاني صهيون) (مز 48، 84، 87، 122). وصهيون هنا تتعدى معناها الضيق- أورشليم ومقادسها– لترمز لحالة البشر في المصالحة الروحية مع الله (مز 87/ 5-7)، كما تتخطي حدود اليهودية لتصبح مدينة عالمية بالنسبة إلى الصالحين وإلى المستقيمي القلوب (مز 125/ 4). كما أن هذه المزامير التاريخية تتوقع مملكة أرضية تتحقق بانتصار الله النهائي في أواخر الأيام… وفي النهاية يصل التاريخ إلي ذروته، حين يتحدث عن أورشليم الجديدة (انظر رؤ 21/ 22) الأبدية (مز 48/ 8، و11-13)، وإليها تأتي كل شعوب الأرض لتسجد لله .(2)

اعتراض 8:

المزمور 84 منسوب إلى أبناء قورح. ولا يعتقد المسلمون نبوتهم. ولذلك لا يجوز للمسلمين الاحتجاج بهذا المزمور.

(1) Dictionary of the Bible (Brockhampton Press, 1995), p.252.

(2) دائرة المعارف الكتابية، 243/4.

الجواب:

اللام التي يبدأ بها النص العبري وترجمته العربية، قد تدلّ على نسبة المزمور إلى بني قورح، وقد تدلّ على أنّ هذا المزمور موجّه إلى بني قورح. كأن تقول: (هذه الرسالة لك)؛ فقد يُفهم من ذلك أنّ هذه الرسالة ملكك، أو أنّها موجّهة إليك. والعبرية كالعربية في ذاك.

ولذلك قال المفسّر آدم كلارك عن علاقة بني قورح بهذا المزمور، بعد أن أشار إلى أنّهم كانوا مرنّمين في الهيكل (أخبار الأيام الثاني 20/ 19): ربما تم إرسال هذا المزمور إليهم ليُغنَّى، أو ربما يكون أحدهم مؤلّفه .(1)

(1) Adam Clarke, The Holy Bible: Containing the Old and New Testaments (New York: T. Mason & G Lane, 1837), 3/483.

إنّ كل الأوصاف الواردة في مزمور 84/ 4-10 تُوافِقُ أمر مكّة والحجّ إليها؛ ولذلك نقل اللاهوتيّ القسّ جورج بوش عن المفسّر روزِنْمولر قوله: إنّ الجزء الأوّل من المزمور [الرابع والثمانين] لا يُمكن إيضاحُه بمثال خَيْرٍ من -ولا يُسَأ فَهْمُ مقصدنا!- أولئك الذين يحجّون إلى مكّة !(1) والحقُ أنّ هذا المزمور لا ينطبق إلّا على الحجّ إلى مكّة!

ومن اللَّافت للنّظر أنّ المفسّر اليهوديّ الشهير ابن عزرا (1089-1167م) قد ذهب إلى أنّ بئر لَحِي روئي حيث بشّر الملكُ هاجَرَ بولادة إسماعيل عليه السلام (تكوين 16/ 14)، هو البئر الذي يُدعى في زمانه، بئر زمزم (زموم)(2) حيث يحجُّ عنده الإسماعيليّون.(3)

(1) نقله فيصل الكاملي، يجدونه مكتوبا عندهم، ص133 عن:

George Bush Illustrations of the Holy Scriptures (Philadelphia: J.B. Lippincott, 1865), p.396.

(2) من الواضح أنّ كلمة زموم هنا تعني زمزم ؛ فلا يوجد بئر زمن ابن عزرا باسم زموم كان العرب يحجّون إليه. فلا يوجد إلا بئر واحد يحجّ إلى مكانه العرب زمنه، هو بئر زمزم. وقد حدث التباسٌ عند الناسخين بسبب تشابه حرف الزاي ז والواو ו العبريين. ولذلك قال الحبر أريه قبلان: عرّف ابن عزرا هذا [البئر] أنّه زموم (أو زمزُم) حيث يقيم العرب احتفالا سنويًا. وهو زمزم قرب مكة .
Aryeh Kaplan, The Living Torah: The Five Books of Moses and the Haftarot (Moznaim Publishing Corporation, 1981), p.45.

(3) قال في تعليقه على تكوين 16/ 14: لأنه في كلّ سنة يقيم الإسماعيليون احتفالات هناك. ولا يزال موجودًا إلى اليوم .

Abraham ben Me r Ibn Ezra, Be-reshit (Hotsa’at Mosad ha-Rav Kuk, 1976), p.24.

الفصل الخامس: تاريخ ظهور الرسول ودولته

قد علمتَ إنباء أسفارِ أهل الكتاب بالأرض التي يخرجُ منها النبيُّ المنتظرُ، وما فيه من صفاتٍ، فهل أخبرَتْ أسفارُ الكتابِ عن زمن ظهوره؛ خاصّةً أنّ يهود الحِجاز في القرن السابع الميلادي كانوا ينتظرون في أيامهم نبيَّ آخرِ الزّمانِ، كما في خبر القرآن عنهم: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ۚ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 89]؟

المطلب الأول: الرؤيا الأَوْلى لدانيال

قال دانيال النبيّ: كُنْتُ أَرَى فِي رُؤْيَايَ لَيْلًا وَإِذَا بِأَرْبَع رِيَاح السَّمَاءِ هَجَمَتْ عَلَى الْبَحْرِ الْكَبِيرِ. وَصَعِدَ مِنَ الْبَحْرِ أَرْبَعَةُ حَيَوَانَاتٍ عَظِيمَةِ، هذَا مُخَالِفٌ ذَاكَ. الأَوَّلُ كَالأَسَدِ وَلَهُ جَنَاحَا نَسْرِ. وَكُنْتُ أَنْظُرُ حَتَّى انْتَتَفَ جَنَاحَاهُ وَانْتَصَبَ عَن الأَرْض، وَأُوقِفَ عَلَى رِجْلَيْنِ كَإِنْسَانٍ، وَأُعْطِيَ قَلْبَ إِنْسَانٍ. وَإِذَا بِحَيَوَانٍ آخَرَ ثَانٍ شَبِيِهِ بِالدُّبِّ، فَارْتَفَعَ عَلَى جَنْبٍ وَاحِدٍ وَفِي فَمِهِ ثَلَاثُ أَضْلُع بَيْنَ أَسْنَانِهِ، فَقَالُوا لَهُ هكَذَا: قُمْ كُلْ لَحْمًا كَثِيرًا. وَبَعْدَ هذَا كُنْتُ أَرَى وَإِذَا بِآخَرَ مِثْلِ النَّمِرِ وَلَهُ عَلَى ظَهْرِهِ أَرْبَعَةُ أَجْنِحَةِ طَائِرٍ. وَكَانَ لِلْحَيَوَانِ أَرْبَعَةُ رُؤُوسٍ، وَأَعْطِيَ سُلْطَانا.
بَعْدَ هذَا كُنْتُ أَرَى فِي رُؤَى اللَّيْلِ وَإِذَا بِحَيَوَانٍ رَابع هَائِل وَقَوِيّ وَشَدِيدٍ جِدًّا، وَلَهُ أَسْنَانٌ مِنْ حَدِيدٍ كَبِيرَةٌ. أَكَلَ وَسَحَقَ وَدَاسَ الْبَاقِيَ بِرِجْلَيْهِ. وَكَانَ مُخَالِفًا لِكُلِّ الْحَيَوَانَاتِ الَّذِينَ قَبْلَهُ، وَلَهُ عَشَرَةُ قُرُونٍ. كُنْتُ مُتَأَمَّلًا بِالْقُرُونِ، وَإِذَا بِقَرْنٍ آخَرَ صَغِيرِ طَلَعَ بَيْنَهَا، وَقُلِعَتْ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْقُرُونِ الأَولَى مِنْ قُدَّامِهِ، وَإِذَا بِعُيُونٍ كَعُيُونِ الإِنْسَانِ فِي هذَا الْقَرْنِ، وَفَمِ مُتَكَلِّم بِعَظَائِمَ.

كُنْتُ أَرَى أَنَّهُ وُضِعَتْ عُرُوشٌ، وَجَلَسَ الْقَدِيمُ الأَيَّام. لِبَاسُهُ أَبْيَضُ كَالتَّلْجٍ، وَشَعْرُ رَأْسِهِ كَالصُّوفِ النَّقِيِّ، وَعَرْشُهُ لَهِيبُ نَارٍ، وَبَكَرَاتُهُ نَارٌ مُتَّقِدَةٌ. نَهْرُ نَارٍ جَرَى وَخَرَجَ مِنْ قُدَّامِهِ.

أَلُوفُ أُلُوفٍ تَخْدِمُهُ، وَرَبَوَاتُ رَبَوَاتٍ وُقُوفٌ قُدَّامَهُ. فَجَلَسَ الدِّينُ، وَفُتِحَتِ الأَسْفَارُ.

كُنْتُ أَنْظُرُ حِينَئِذٍ مِنْ أَجْلِ صَوْتِ الْكَلِمَاتِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي تَكَلَّمَ بِهَا الْقَرْنُ. كُنْتُ أَرَى إِلَى أَنْ قُتِلَ الْحَيَوَانُ وَهَلَكَ جِسْمُهُ وَدُفِعَ لِوَقِيدِ النَّارِ. أَمَّا بَاقِي الْحَيَوَانَاتِ فَنُزِعَ عَنْهُمْ سُلْطَانُهُمْ، وَلِكِنْ أَعْطُوا طُولَ حَيَاةٍ إِلَى زَمَانٍ وَوَقْتٍ.

كُنْتُ أَرَى فِي رُؤَى اللَّيْلِ وَإِذَا مَعَ سُحُبِ السَّمَاءِ مِثْلُ ابْنِ إِنْسَانٍ أَتَى وَجَاءَ إِلَى الْقَدِيم الأَيَّام، فَقَرَبُوهُ قُدَّامَهُ.

فَأُعْطِيَ سُلْطَانًا وَمَجْدًا وَمَلَكُوتًا لِتَتَعَبَّدَ لَهُ كُلُّ الشُّعُوبِ وَالأُمَمِ وَالأَلَسِنَةِ. سُلْطَانُهُ سُلْطَانٌ أَبَدِيٌّ مَا لَنْ يَزُول، وَمَلَكُوتُهُ مَا لا يَنْقَرِضُ . (دانيالَ 7/ 2-14).

وقد جاء تفسير هذه الرؤيا كما سمعها دانيال، في الرؤيا نفسها:

هؤُلَاءِ الْحَيَوَانَاتُ الْعَظِيمَةُ الَّتِي هِيَ أَرْبَعَةٌ هِيَ أَرْبَعَةُ مُلُوكِ يَقُومُونَ عَلَى الأَرْضِ. أَمَّا قِدِّيسُو الْعَلِيِّ فَيَأْخُذُونَ الْمَمْلَكَةَ وَيَمْتَلِكُونَ الْمَمْلَكَةَ إِلَى الأَبَدِ وَإِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ.

حِينَئِذٍ رُمْتُ الْحَقِيقَةَ مِنْ جِهَةِ الْحَيَوَانِ الرَّابع الَّذِي كَانَ مُخَالِفًا لِكُلِّهَا، وَهَائِلًا جِدًّا وَأَسْنَانُهُ مِنْ حَدِيدٍ وَأَظْفَارُهُ مِنْ نُحَاسٍ، وَقَدْ أَكَلَ وَسَحَقَ وَدَاسَ الْبَاقِيَ بِرِجْلَيْهِ، وَعَنِ الْقُرُونِ الْعَشَرَةِ الَّتِي بِرَأْسِهِ، وَعَنِ الاَخَرِ الَّذِي طَلَعَ فَسَقَطَتْ قُدَّامَهُ ثَلَاثَةٌ. وَهذَا الْقَرْنُ لَهُ عُيُونٌ وَفَمٌ مُتَكَلِّمٌ بِعَظَائِمَ وَمَنْظَرُهُ أَشَدُّ مِنْ رُفَقَائِهِ.

وَكُنْتُ أَنْظُرُ وَإِذَا هذَا الْقَرْنُ يُحَارِبُ الْقِدِّيسِينَ فَغَلَبَهُمْ، حَتَّى جَاءَ الْقَدِيمُ الأَيَّام، وَأُعْطِيَ الدِّينُ لِقِدِّيسِي الْعَلِيِّ، وَبَلَغَ الْوَقْتُ، فَامْتَلَكَ الْقِدِّيسُونَ الْمَمْلَكَةَ. فَقَالَ هكَذَا: أَمَّا الْحَيَوَانُ الْرَّابِعُ فَتَكُونُ مَمْلَكَةٌ رَابِعَةٌ عَلَى الأَرْضِ مُخَالِفَةٌ لِسَائِرِ الْمَمَالِكِ، فَتَأْكُلُ الأَرْضَ كُلَّهَا وَتَدُوسُهَا وَتَسْحَقُهَا.

وَالْقُرُونُ الْعَشَرَةُ مِنْ هذِهِ الْمَمْلَكَةِ هِيَ عَشَرَةُ مُلُوكِ يَقُومُونَ، وَيَقُومُ بَعْدَهُمْ آخَرُ، وَهُوَ مُخَالِفٌ الأَوَّلِينَ، وَيُذِلُّ ثَلَاثَةَ مُلُوكِ. وَيَتَكَلَّمُ بِكَلَام ضِدَّ الْعَلِيِّ وَيُبْلِي قِدِّيسِي الْعَلِيِّ، وَيَظُنُّ أَنَّهُ يُغَيِّرُ الأَوْقَاتَ وَالسُّنَّةَ، وَيُسَلَّمُونَ لِيَدِهِ إِلَى زَمَانٍ وَأَزْمِنَةٍ وَنِصْفِ زَمَانِ. فَيَجْلِسُ الدِّينُ وَيَنْزِعُونَ عَنْهُ سُلْطَانَهُ لِيَفْنَوْا وَيَبِيدُوا إِلَى الْمُنْتَهَى.

وَالْمَمْلَكَةُ وَالسُّلْطَانُ وَعَظَمَةُ الْمَمْلَكَةِ تَحْتَ كُلِّ السَّمَاءِ تُعْطَى لِشَعْبِ قِدِّيسِي الْعَلِيِّ. مَلَكُوتُهُ مَلَكُوتٌ أَبَدِيٌّ، وَجَمِيعُ السَّلَاطِينِ إِيَّاهُ يَعْبُدُونَ وَيُطِيعُونَ. إِلَى هُنَا نِهَايَةُ الأَمْرِ. أَمَّا أَنَا دَانِيالَ، فَأَفْكَارِي أَفْزَعَتْنِي كَثِيرًا، وَتَغَيَّرَتْ عَلَيَّ هَيْئَتِي، وَحَفِظْتُ الأَمْرَ فِي قَلْبِي (دانيال 7/ 17-28).

والإشكال الكبير هنا هو أن المفسّرين النّصارى لم يجدوا أيّ حدثٍ له علاقة بعشرة ملوك وآخرُ بعدهم يفتك بثلاثة ملوك من الممكن ربط ظهوره بظهور المسيح؛ ولذلك قال الناقد إرنست لوكاس: لا يوجد اتّفاق حول تحديد شخصية هؤلاء الملوك العشرة .(2)

(2) Ernest CLucas, Daniel, in J. H. Walton, Zondervan Illustrated Bible Backgrounds Commentary (Old Testament) Volume 4: Isaiah, Jeremiah, Lamentations, Ezekiel, Daniel (Grand Rapids, MI: Zondervan, 2009), p.551.

التفسير الإسلامي

اتّفق عامة المفسّرين النّصارى على أمرين:

الأمر الأول: وفقًا للتفسير الذي قدّمه الملاك، فإنّ كلّ واحد من الوحوش الأربعة يمثل إمبراطورية:

الوحش الذي على شكل نسر مجنّح يمثّل الامبراطورية الكلدانية، التي كانت قوية نشطة؛ كالنّسر المنقضّ على عدوّه.

الوحش الثاني يمثّل الامبراطورية الميديّة الفارسية التي امتدَّتْ غزواتها حتى البحر الأدرياتيكي وأثيوبيا، وهكذا تحمل بين أسنانها ضلعًا من جسم كلٍّ من القارّات الثلاث في نصف الكرة الشرقيّ.

يرمز الوحش الثالث -بناء على طبيعته النّمريّة الشّرسة وذات القفزات السّريعة-إلى الزُّحوف العظيمة للإسكندر الأكبر، والذي انقسمت إمبراطوريّته بعد موته إلى آربع ممالك.

اعتنى الملاكُ ببيان تفاصيل الوحش الرابع؛ فذكر أنّه وحشٌ كبير وهائلٌ، ويُرمز به إلى الإمبراطورية الرّومانيّة في عنفوان قوّتها وازدهارها.

الأمر الثاني: الملوك العشرة الذين سيظهرون، سيحكمون بصورة متتابعة؛ الواحد بعد الآخر، ولا يكونون في زمن واحد.(2)

(2) J.J Collins ,F.M.Cross & A.Y.Collins Daniel: A commentary on the book of Daniel. Hermeneia-a critical and historical commentary on the Bible (Minneapolis: Fortress Press, 1993), p.320.

والتفسير الإسلامي ينطلق من الأمرين السابقين، وحَيْرَةِ النصارى في تحديد شخصيّة القرون العشرة؛ ليقدّم الجواب الذي يرفع الإشكال:

تمثّل القرون العشرة الأباطرة العشرة الأوائل الذين اضطهدوا شعوبهم. وما على المرء إلّا أنْ يُقَلِّبَ صفحات أي تاريخ للكنيسة خلال القرون الثلاثة الأولى، وحتى زمن ما يسمى باعتناق قسطنطين الكبير النصرانيّة؛ فلن يعثر على شيء سوى أهوال الاضطهادات العشرة الشهيرة. وقد ذكر إدوارد جيبون في كتابه: تاريخ انحدار الإمبراطورية الرومانية وسقوطها أنّ مؤرّخي الكنيسة في القرن الخامس قد حدّدوا عدد الاضطهادات التي عانوها من الرومان بعشر، من نيرون إلى ديوكلتيانوس.(1)

القرن الصغير الذي طلع بين القرون العشرة، إمبراطور يظهر للوجود بعد الاضطهادات العشر، وينافسه على السُّلطة ثلاثة أباطرة. هذا القرن الصغير هو الإمبراطور قسطنطين.. وقد عاشت الإمبراطورية الرومانية في عهده صراعًا مريعًا بين أربعة متنافسين، وكان قسطنطين واحدًا منهم، وكانوا كلّهم يتصارعون من أجل اللّباس الأرجوانيّ (الإمبراطوريّ)، وهم قسطنطين ومكسنتيوس ومكسيمينوس دايا وليسينوس. قتل قسطنطين مكسنتيوس سنة 312 في معركة جسر ميلفيو ، وقتل ليسينوس -إبّان تحالفه مع قسطنطين – مكسيمينوس دايا، وقتل قسطنطين ليسينوس سنة 325م بعد أن دبّ الخلاف بينهما.(2)

(1) Edward Gibbon, The History of the Decline and Fall of the Roman Empire (Fleischer, 1829), 2/370.

هذا القرن اضطهد قدّيسي العليّ. وهو ما فعله قسطنطين مع كلّ من أعلنَ دعوة التوحيد ولم يتابعْ شيعة أثناسيوس الشّركيّة المنتصرة في مجمع نيقية.

هذا القرن يظنّ أنّه يغيّر الأوقات والسنة. وقد أعلن قسطنطين مرسومًا ليكون يوم الأحد (يوم الشمس Sun day، وقسطنطين عابد للشمس) يوم العطلة، لا يوم السبت كما في شريعة التوراة.(1)

فعبارة: زَمَان وَأَزْمِنَةٍ وَنِصْفِ زَمَانٍ تُستعمَل في العرف القديم عادة بمعنى ثلاثة ونصف.(2)

(2) J.H Walton Zondervan Illustrated Bible Backgrounds Commentary (Old Testament) Volume:4 Isaiah Jeremiah ,Lamentations, Ezekiel ,Daniel ,p.552.

لم يبق إذن إلّا أن يكون الزمن الواحد معادلًا لعشر سنوات أو مئة سنة. ولا نجد في التاريخ ما يدعم انتصار المؤمنين بالله بعد حكم دام 35 سنة لأحد أباطرة الرومان. ونجد في المقابل أنّه بعد ثلاثة قرون ونصف من زمن حكم قسطنطين بدأت أكبر الفتوحات الإسلامية في عصر بني أميّة في أوروبا وآسيا وإفريقيا.

المطلب الثاني: الرؤيا الثانية لدانيال

أَلْهَمَ الله تعالى الملك بختنصر رؤيا مناميّة كشف له فيها عن الدّول والممالك التي سَتَعْقُبُ مُلْكَهُ، ومصير كلّ دولة ومملكة إلى أن تظهر للوجود دولة يدوم ملكها وسلطانها إلى الأبد.

وكان دانيال من ضمن هؤلاء، واستمهل الملك في أمرهم. ورَغِبَ إلى الله تعالى في إطلاعِهِ على الرؤيا وتأويلها؛ فأطلعه الله تعالى عليها؛ فجاء إلى نبوخذ نصر، وقال له:

أَنْتَ أَيُّهَا الْمَلِكُ كُنْتَ تَنْظُرُ وَإِذَا بِتِمْثَال عَظِيم. هذَا التِّمْثَالُ الْعَظِيمُ الْبَهِيُّ جِدًّا وَقَفَ قُبَالَتَكَ، وَمَنْظَرُهُ هَائِلٌ. رَأْسُ هذَا التِّمْثَالِ مِنْ ذَهَبِ جَيِّدٍ. صَدْرُهُ وَذِرَاعَاهُ مِنْ فِضَّةٍ. بَطْنُهُ وَفَخْذَاهُ مِنْ نُحَاسٍ. سَاقَاهُ مِنْ حَدِيدٍ. قَدَمَاهُ بَعْضُهُمَا مِنْ حَدِيدٍ وَالْبَعْضُ مِنْ خَزَفٍ.

كُنْتَ تَنْظُرُ إِلَى أَنْ قُطِعَ حَجَرٌ بِغَيْرٍ يَدَيْنِ، فَضَرَبَ التِّمْثَالَ عَلَى قَدَمَيْهِ اللَّتَيْنِ مِنْ حَدِيدٍ وَخَزَفٍ فَسَحَقَهُمَا. فَانْسَحَقَ حِينَئِذٍ الْحَدِيدُ وَالْخَزَفُ وَالنُّحَاسُ وَالْفِضَّةُ وَالذَّهَبُ مَعًا، وَصَارَتْ كَعُصَافَةِ الْبَيْدَرِ فِي الصَّيْفِ، فَحَمَلَتْهَا الرِّيحُ فَلَمْ يُوجَدْ لَهَا مَكَانٌ. أَمَّا الْحَجَرُ الَّذِي ضَرَبَ التِّمْثَالَ فَصَارَ جَبَلًا كَبِيرًا وَمَلاَ الأَرْضَ كُلَّهَا.

هذَا هُوَ الْحُلْمُ. فَنُخْبِرُ بِتَعْبِيرِهِ قُدَّامَ الْمَلِكِ. أَنْتَ أَيْهَا الْمَلِكُ مَلِكُ مُلُوكِ، لأَنَّ إِلهَ السَّمَاوَاتِ أَعْطَاكَ مَمْلَكَةً وَاقْتِدَارًا وَسُلْطَانًا وَفَخْرًا. وَحَيْثُمَا يَسْكُنُ بَنُو الْبَشَرِ وَوُحُوشُ الْبَرّ وَطُيُورُ السَّمَاءِ دَفَعَهَا لِيَدِكَ وَسَلَّطَكَ عَلَيْهَا جَمِيعِهَا. فَأَنْتَ هذَا الرَّأْسُ مِنْ ذَهَب.

وَبَعْدَكَ تَقُومُ مَمْلَكَةٌ أُخْرَى أَصْغَرُ مِنْكَ وَمَمْلَكَةٌ ثَالِئَةٌ أُخْرَى مِنْ نُحَاسٍ فَتَتَسَلَّطُ عَلَّى كُلِّ الأَرْضِ. وَتَكُونُ مَمْلَكَةٌ رَابِعَةٌ صَلْبَةٌ كَالْحَدِيدِ، لأَنَّ الْحَدِيدَ يَدُقُّ وَيَسْحَقُ كُلَّ شَيْءٍ. وَكَالْحَدِيدِ الَّذِي يُكَسِّرُ تَسْحَقُ وَتُكَسِّرُ كُلَّ هَؤُلَاءِ. وَبِمَا رَأَيْتَ الْقَدَمَيْنِ وَالأَصَابِعَ بَعْضُهَا مِنْ خَزَفٍ وَالْبَعْضُ مِنْ حَدِيدٍ، فَالْمَمْلَكَةُ تَكُونُ مُنْقَسِمَةً، وَيَكُونُ فِيهَا قُوَّةُ الْحَدِيدِ مِنْ حَيْثُ إِنَّكَ رَأَيْتَ الْحَدِيدَ مُخْتَلِطًا بِخَزَفِ الطِّينِ. وَأَصَابعُ الْقَدَمَيْنِ بَعْضُهَا مِنْ حَدِيدٍ وَالْبَعْضُ مِنْ خَزَفِ، فَبَعْضُ الْمَمْلَكَةِ يَكُونُ قَوِيّا وَالْبَعْضُ قَصِمًا. وَبِمَا رَأَيْتَ الْحَدِيدَ مُخْتَلِطًا بِخَزَفِ الطِّينِ، فَإِنَّهُمْ يَخْتَلِطُونَ بِنَسْلِ النَّاسِ، وَلكِنْ لا يَتَلَاصَقُ هذَا بِذَاكَ، كَمَا أَنَّ الْحَدِيدَ لا يَخْتَلِطُ بِالْخَزَفِ.

وَفِي أَيَّام هؤُلَاءِ الْمُلُوكِ، يُقِيمُ إِلهُ السَّمَاوَاتِ مَمْلَكَةً لَنْ تَنْقَرِضَ أَبَدًا، وَمَلِكُهَا لا يُتْرَكُ لِشَعْبَ آخَرَ، وَتَسْحَقُ وَتُفْنِي كُلَّ هذِهِ الْمَمَالِكِ، وَهِيَ تَثْبُتُ إِلَى الأَبَدِ. لأَنَّكَ رَأَيْتَ أَنَّهُ قَدْ قُطِعَ حَجَرٌ مِنْ جَبَل لا بِيَدَيْنِ، فَسَحَقَ الْحَدِيدَ وَالنُّحَاسَ وَالْخَزَفَ وَالْفِضَّةَ وَالذَّهَبَ. الله الْعَظِيمُ قَدْ عَرَّفَ الْمَلِكَ مَا سَيَأْتِي بَعْدَ هذَا. الْحُلْمُ حَقٌّ وَتَعْبِيرُهُ يَقِينٌ (سفر دانيال 2/ 31-45).

خلاصة هذه النبوءة أنّ ممالك أربعة ستقوم، وأثناء حكم المملكة الرابعة تظهر مملكة جديدة تسحق بقية الممالك وتبقى إلى الأبد.

التفسير النصراني

ما هي المملكة الرابعة؟

ويؤكّد الأسقف توماس نيوتن هذا التفسير بقوله: كلّ الكتّاب الأوائل، يهود ونصارى، يتفقون مع جيروم في تفسيره المملكة الرابعة بالروم .(2)

ما هي المملكة الأخيرة التي ستهزم الإمبراطورية الرومانية؟

ويردّ شيخ الإسلام ابن تيمية على هذه الدّعوى بقوله عن هذه البشارة: فهذا نَعْتُ محمّد لا نعت المسيح؛ فهو الذي بُعِثَ بشريعةٍ قويّةٍ، ودَقَّ جميع ملوك الأرض، وأمَمَهَا؛ حتى امتلأت الأرض منه ومن أمّتِه في مشارق الأرض ومغاربها .(1)

(1) ابن تيمية، الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، تحقيق علي ناصر وآخرون، 277/5.

التفسير الإسلامي

بشارة النبيّ دانيال تشير إلى ملكوتٍ جديدٍ يُحطم الممالك السابقة، ولا تَذْكُرُ تحوّل الملكوت الرابع إلى ملكوتٍ جديد، كما يزعم القسُّ بسيط!

كيف تكون المملكة الأخيرة هي دولة الرومان -على زعم القسّ – وهي تَسْحَقُ وَتُبِيدُ جَمِيعَ هَذِهِ الْمَمَالِكِ ، ومع ذلك يخبرنا القمصُ بسيط في الآن نفسه أنّ الأتراك (المسلمين) قد استولوا على الجانب الشرقي من هذه الإمبراطورية..

جاء في البشارة الدانياليّة أنّ المملكة الأخيرة تخْلُدُ إلى الأبَدِ . وهذا يمنع وَصْلَ مملكة الرومان بها؛ لأنّها قد اندثرَتْ، وما عاد أحدٌ يطالب بإعادتها إلى الوجود.

ختم المسيح نفسه النزاع، ورفع مبرّر الاختلاف؛ بقوله: ليست مملكتي من هذا العالم؛ ولو كانت مملكتي من هذا العالم؛ لكان حُرّاسي يجاهدون لكي لا أَسَلَّمَ إلى اليهود . (يوحنّا 18/ 36).

الدولة الأخيرة، هي دولة الإسلام التي حَكَمَتْ نصف العالم.

المطلب الثالث: أسبوع ميلاد صاحب الملكوت الأخير

دعوانا أنّ دولة (الملكوت الأخير) هي دولة الإسلام، تجد دعمًا من بعض الكتب الدينية اليهودية القديمة التي لا تعترف بها الكنيسة اليوم. ومنها كتاب ديني قديم اسمه عهد موسى اكتُشِفَ سنة 1861 م في مدينة ميلانو الإيطالية داخل مكتبة Ambrosian وتعود مخطوطَتُه إلى القرن السادس الميلاديّ، وهي باللغة اللاتينيّة عن أصلٍ عِبريّ أو آرامي.(1)

يُخبرنا هذا السِّفر أنّ موسى عليه السلام أعطى لتابعه يوشع بن نون كتابًا قبل موته يُنْبِئ بما سيحدث لليهود في العصور اللَّاحقة . ومما جاء فيه أنّ الله سيرسل النبيَّ المنتظر ليقيم الملكوت الإلهيّ بعد 250 أسبوعًا من وفاة موسى عليه السلام. والأسبوع في اصطلاح أهل الكتاب أنفسهم هو 7 سنين.

يقول النص في ترجمته الإنجليزية: for from my death and burial until his coming there shall pass 250 times : لأنه من بعد موتي ودَفْنِي حتّى مجيئِهِ سيمضي 250 زمنًا .

وقد عَلَّقَ المترجم جيمس تشارلزورث(2) مباشرة بعد هذا النص بقوله: أي 250 أسبوعًا من السّنين، أي 1750 سنة .(3) وهو تفسير يسير على منهج جمهور النقاد في تفسير معنى زمن ؛ فقد قال الناقد م.ر. جيمس: الأزمنة هنا تؤخذ عادة على أنّها أسابيع من السنين، وهذا يعطينا 1750 [سنة] .(1)

(1) The Assumption of Moses.

(2) جيمس ه. تشارلزورث (James H. Charlesworth -1940): ناقد كتابي أمريكي. أستاذ لغة العهد الجديد وأدبياته في Princeton Theological Seminary.

(3) “i e 250 year-weeks or 1,750 years .”James H .Charlesworth, The Apocrypha and Pseudepigrapha of the Old Testament (Oxford: Clarendon, 1963), 2/423.

(1) نقله فيصل الكاملي، يجدونه مكتوبا عندهم، ص 107، عن:

M.R James The Biblical Antiquities of Philo, p.289.

لا يُعرف التاريخ الدقيق لموت موسى عليه السلام؛ وكلُّ ما نعلمه أنّه عاش عُقودًا بعد الخروج من مصر إثر هلاك فرعونها في البحر. وعامّة الباحثين على أنّ زمن الخروج كان عند وفاة رمسيس الثاني أو ابنه مرنبتاح؛ وقد مات الأول في حدود سنة 1214 ق.م.، ومات الثاني سنة 1203 ق.م.

زمن ميلاد النبي المنتظر

-1214 + (1750 + عقود بقاء موسى عليه السلام مع بني إسرائيل في أرض التيه) = 536م + سنوات بقاء موسى عليه السلام مع بني إسرائيل في أرض التيه.

أو: -1203 + (1750 + عقود بقاء موسى عليه السلام مع بني إسرائيل في أرض التيه) = 547م + سنوات بقاء موسى عليه السلام مع بني إسرائيل في أرض التيه.

يظهر نبي آخر الزمان في النصف الثاني من القرن السادس الميلادي، قبل 587م (547+40).

وقد ولد محمد ﷺ سنة 571م. ولم يَعرف التاريخ صاحب سلطان دينيٍّ كَسَرَ أصنام الأمميّين (غير بني إسرائيل) كما يقول هذا السِّفر، وعَظّمَ الله ربَّ بني إسرائيل والعالمين في تلك الفترة، غيرَ محمّد ﷺ.

المطلب الرابع: قرن ميلاد صاحب الملكوت الجديد

سفر رؤيا إبراهيم كتابٌ يهوديٌّ يتحدّث عن قصّة إبراهيم عليه السلام. وهو يعود إلى القرن الأول قبل الميلاد أو القرن التالي بعده، وكُتب بالعبريّة أو الآراميّة، لكن لم يبق منه غير مخطوطات باللغة السّلافية. ظلّ فترة طويلة مُبَجَّلًا عند الكنيسة السّلافيّة. وهو يضمُّ مادّةً أقدم من زمن كتابته.(2)

جاء في سفر رؤيا إبراهيم أنّ إبراهيم عليه السلام رأى في المنام رجلا يعبد صنما، وكان أمامه مذبح، وعلى المذبح غلام مذبوح بين يدي الصّنَمِ. وكلَّ ذلك واقعٌ عند بناء عظيمٍ جميلٍ.

سأل إبراهيم عليه السلام الربَّ عن تفسير المنام؛ فأجابه الربّ أنّ هذا البناء هو الهيكل، وأنّ الصَّنَمَ هو تمثالٌ ينصبه ناسٌ يخرجون من صُلْبِه آخر الزّمان، وأنّ من يَسْفِكُ الدَّمَ هو من يُدَنِّسُ الهيكلَ.

ثم ظهر على جهة الشمال أناسٌ فُجَارٌ قتلوا بعض أهل اليمين وسَبَوا البقيّة، وأَحْرَقُوا الهيكل. فبَيَّنَ الربُّ لـإبراهيم عليه السلام أنّ سبب ما نال أهل اليمين ما فعلوه من شرّ واتّخاذهم الصَّنَمَ ومَكْرهم في الهيكل.

ثم بشّر الربُّ إبراهيم عليه السلام أنّه بعد اثنتي عشرة ساعة من تَسَلَّطِ الفُجّار على أهل اليمين، سيخرج رجلٌ من الشّمال، من ناحية الأمميّين (غير الإسرائيليّين)، يجتمع عليه الناس لتمجيده، ويكون لهم فَرَجًا. وقد آذاهُ بعض اليمين، غير أنّ بعضهم الآخر بَجَّلهُ. وكان الربُّ قد أخبر إبراهيم عليه السلام قبل ذلك أنّ الساعة تُساوي مئة عام.

(2) Isidore Singer, et al. eds, The Jewish Encyclopedia (New York: Funk and Wagnalls, 1916), 1/91-92; Wendell G. Johnson, ed. End of Days: An Encyclopedia of the Apocalypse in World Religions (California: ABC-CLIO, 2017), pp.15-16.

وأوصافُ هذا الرجل الذي يخرج آخر الزمان تنطبق على نبيّ الإسلام ﷺ:

فهو من الأمميّين.

ظهر بعد 12 ساعة من السّبي البابليّ الذي كان في القرن السادس قبل الميلاد. وبإضافة 1200 سنة بعد سنة 586 ق.م. حيث حُرِقَ هيكل (مسجد) سليمان عليه السلام نكون عند سنة 614 م. وقد بُعث محمّد ﷺ سنة 610م. وإذا كان حساب الزّمن هنا بالقرون لا السنوات؛ فلا اعتبار لاختلافِ الزمن بأربع سنواتٍ.

بعض الإسرائيليين آذَوْهُ، وآخرون منهم أسلموا.

كانت بعثة محمّد ﷺ فرجًا للأمم؛ لأنّها رسالة عالمية، للناس كافة، بعد أن كانت رسالةُ أنبياء إسرائيل للإسرائيليّين وحدَهُم.

الفصل السادس: البراكليتوس المنتظر عند يوحنا

وقد تنازع المسلمون والنصارى تعريف هذا البراكليتوس منذ زمن بعيد؛

كُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي فَاحْفَظُوا وَصَايَايَ، وَأَنَا أَطْلُبُ مِنَ الآبِ فَيُعْطِيكُمْ مُعَزّيًا آخَرَ لِيَمْكُثَ مَعَكُمْ إِلَى الأَبَدِ، رُوحُ الْحَقِّ الَّذِي لا يَسْتَطِيعُ الْعَالَمُ أَنْ يَقْبَلَهُ، لأَنَّهُ لا يَرَاهُ وَلا يَعْرِفُهُ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَعْرِفُونَهُ لأَنَّهُ مَاكِثٌ مَعَكُمْ وَيَكُونُ فِيكُمْ . (يوحنّا 14: 15-17).

أَمَّا الْمُعَزِّي، الرُّوحُ الْقُدُسُ، الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الآبُ بِاسْمِي، فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ . (يوحنّا 14/ 26).

وَمَتَى جَاءَ الْمُعَزِّي الَّذِي سَأُرْسِلُهُ أَنَا إِلَيْكُمْ مِنَ الآب، رُوحُ الْحَقِّ، الَّذِي مِنْ عِنْدِ الآب يَنْبَثِقُ، فَهُوَ يَشْهَدُ لِي . (يوحنّا 15/ 26).

لكِنِّي أَقُولُ لَكُمُ الْحَقَّ: إِنَّهُ خَيْرٌ لَكُمْ أَنْ أَنْطَلِقَ، لأَنَّهُ إِنْ لَمْ أَنْطَلِقْ لا يَأْتِيكُمُ الْمُعَزِّي، وَلكِنْ إِنْ ذَهَبْتُ أُرْسِلُهُ إِلَيْكُمْ. وَمَتَى جَاءَ ذَاكَ يُبَكِّتُ الْعَالَمَ عَلَى خَطِيَّةٍ وَعَلَى بِرٍّ وَعَلَى دَيْنُونَةٍ: أَمَّا عَلَى خَطِيَّةٍ فَلأَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ بِي. وَأَمَّا عَلَى بِرٍّ فَلأَنِّي ذَاهِبٌ إِلَى أَبِي وَلا تَرَوْنَنِي أَيْضًا. وَأَمَّا عَلَى دَيْنُونَةٍ فَلأَنَّ رَئِيسَ هذَا الْعَالَم قَدْ دِينَ. إِنَّ لِي أُمُورًا كَثِيرَةً أَيْضًا لأَقُولَ لَكُمْ، وَلكِنْ لا تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تَحْتَمِلُوا الآنَ. وَأَمَّا مَتَى جَاءَ ذَاكَ، رُوحُ الْحَقِّ، فَهُوَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ، لأَنَّهُ لا يَتَكَلَّمُ مِنْ نَفْسِهِ، بَلْ كُلُّ مَا يَسْمَعُ يَتَكَلَّمُ بِهِ، وَيُخْبِرُكُمْ بِأُمُورٍ آتِيَةٍ. ذَاكَ يُمَجِّدُنِي، لأَنَّهُ يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ. كُلُّ مَا لِلآبِ هُوَ لِي. لِهذَا قُلْتُ إِنَّهُ يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ. بَعْدَ قَلِيلٍ لا تُبْصِرُونَنِي، ثُمَّ بَعْدَ قَلِيلٍ أَيْضًا تَرَوْنَنِي، لأَنِّي ذَاهِبٌ إِلَى الآبِ . (يوحنّا 16: 7-16).

كما جاء في الرسالة الأولى ليوحنّا 2/ 1: يَا أَوْلَادِي، أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ هذَا لِكَيْ لا تُخْطِئُوا. وَإِنْ أَخْطَأَ أَحَدٌ فَلَنَا شَفِيعٌ [παράκλητον] عِنْدَ الآبِ، يَسُوعُ الْمَسِيحُ الْبَارُّ .

المطلب الأول: إشكالات في التفسير النصراني

يذهب عامّةُ النصارى إلى أنّ البراكليتوس الذي بشّر به المسيح، هو الروح القدس، الأقنوم الإلهي الثالث. وحجّتهم الأساسيّة نص يوحنّا 14/ 26: أَمَّا الْمُعَزِّي، الرُّوحُ الْقُدُسُ، الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الآبُ بِاسْمِي، فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ . (يوحنّا 14/ 26).

البراكليتوس.. والتوظيف الإنجيليّ

عبارة براكليتوس معروفة في الأدبيّات السابقة لإنجيل يوحنّا، لا تعني كلمة براكليتوس المعزّي ، كما هو شائع في كتابات النّصارى العرب وفريق من الكتّاب الغربيّين، ولم ترد بهذا المعنى في سياقات استعمالها في العهد الجديد، وإنّما هي بمعنى من يُستدعى للعَوْن؛ أي الدّفاع عن الغير لِدَفْعِ الإدانة عنه كما هو ظاهر في الكتابات اليونانية قبل الميلاد.

كما أنّ كلمة براكليتوس قد استُعملت بمعنى المدافع أو المحامي في كتابات فيلو الفيلسوف اليهوديّ الذي كان يكتب باليونانية(1).

(1) Gerhard Kittel, ed. The Theological Dictionary of the New Testament, tr. Geoffrey W. Bromiley, Grand Rapids: Wm. B. Eerdmans, 1968, 5/800-803.

ولذلك قال الأب متّى المسكين:

حسب مفهوم اللغة اليونانية القديمة واستعمالاتها، كما وردت في النصوص التفسيريّة، نجد المعنى ينحصر في الصّفة القضائية للشخص الذي يُمَكِّنُهُ القانون من الدّفاع والمحاماة والشفاعة عن الآخر، وقد وردت في اصطلاحاتِ الربّيّين اليهود بهذا المعنى (2).

(2) متّى المسكين، الباراكليت الروح القدس، ص 12 (نقله أحمد حجازي السقا، البشارة بنبي الإسلام في إنجيل عيسى، القاهرة: مكتبة المطيعي 1408هـ/ 1988م، ص 40).

فلكلمة بَراكليتوس استعمال قديم في التراث اليوناني السابق لا تلتئم مع هذه الكلمة في سياقِ نِسْبَتِها إلى الرّوح القدس؛ ولذلك ذهب عدد من النقّاد إلى التّشكيك في أصالةِ الصّورة التي عَرَضَ من خلالها صاحبُ إنجيل يوحنّا البراكليتوس، إذ رأوا أنّ البراكليتوس في صورته الأولى شخصٌ يظهر بعد المسيح لخلاصِ الناس، تمَّ الخلطُ بينه وبين الرّوح القدس لاحقًا. ومن هؤلاء Windisch وDelafosse وSpitta وSasse وBultmann وBetz(2).

(2) Raymond Brown, The Gospel according to John (XIII-XXI): Introduction, translation, and notes (New Haven; London: Yale University Press, 2008), p. 1135.

ولعلّه كان هناك تراثٌ نصرانيٌّ عن البراكليتوس لم يصل الفِرَقَ النصرانية الأُخرى عن طريق إنجيل يوحنّا، وإنّما عن طريق آخر؛ فقد لاحظ أنتوني كاسوريلا(3) أنّ الهرطقات المبكرة يبدو أنها قد حدّدت البراكليتوس على أنّه واحدٌ من شخصيّاتٍ (بشرية) مختلفة (4).

(3) أنتوني كاسوريلا (Anthony Casurella) (1946-2001): قسيس أمريكي. أستاذ العهد الجديد في Western Evangelical.

(4) Anthony Casurella, The Johannine Paraclete in the Church Fathers: A Study in the History of Exegesis (T bingen: Mohr, 1983), p.23

عدم انطباق صفات الروح القدس على البراكليتوس:

الرّوح القدس عند النصارى إلهٌ، وهو أحدُ الأقانيم الثلاثة، ولم يكن غائبًا عن المسيح؛ فقد نزل عليه عندما عمَّدَهُ يوحنّا المعمدان في نهر الأردن (متّى 3/ 16، مرقس 1/ 10، لوقا 3/ 22، يوحنّا 1/ 32). ولذلك لا يصحُّ أن يُقال إنّه الغائب المنتظر.

نزل الروح القدس على الحواريّين قبل يوم الخمسين، كما هو مذكور في إنجيل يوحنّا 20/ 22: وَلَمَّا قَالَ هذَا نَفَخَ وَقَالَ لَهُمُ: اقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ .

إذا قلنا إنّ الروح القدسَ هو موضوع بشارةِ المسيح، فكيف من الممكن أن نفهمَ قول المسيح إنّ هذا الآتي يوبّخ العالم؟!

ذكر المسيحُ أنّ التلاميذ ليس بإمكانهم إطاقة تلقّي الكثير من الحقائق الدينية في تلك الأيام: إِنَّ لِي أُمُورًا كَثِيرَةً أَيْضًا لأَقُولَ لَكُمْ، وَلكِنْ لا تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تَحْتَمِلُوا الآنَ. وَأَمَّا مَتَى جَاءَ ذَاكَ، رُوحُ الْحَقِّ، فَهُوَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ (يوحنّا 16: 12-13)؛ فكيف امتلك التلاميذ هذه القدرة بعد عشرةِ أيّام فقط من رَفْع المسيح، مع أنّ ظاهر كلام المسيح يُفيد أنّ جيل الحواريّين بأكمله عاجِزٌ عن فَهْمِ الكلام وتَحَمُّلِه؟!

كيف من الممكن فهم قول المسيح إنّ البراكليتوس لا يتكلَّمُ بِشيءٍ مِنْ عِندِهِ، بل يتكَلَّمُ بِما يَسمَعُ ويُخْبِر بِما سيَحدُث، في دائرة اعتقادِ النصارى أنّ الآب والابن والروح القدس هم ثلاثة أقانيم متوحّدة؟!

تذكر البشارة بالبراكلتوس أنّه يُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ ؛ وليس في العهد الجديد أنّ التلاميذ قد نَسُوا خبر المسيح، أو أنّ الروح القدس ذَكَّرهم بما نَسُوه.

لا معنى لعبارة يأخذ مما لي في ضوء العقيدة النصرانية؛ إذ الرّوح القدس إلهٌ كامل من إله كامل؛ فلا يحتاج إلى غيره.

كما جاء في موسوعة ذا انترناشونال سايكلوبيديا: في العصور المبكرة، اعتقد كثيرون أن البراكليتوس سيظهر شخصيًا على الأرض، وتظاهر سمعان المجوسي وماني ومونتانوس وبعض الآخرين بأنهم البراكليتوس المنتظر (1).

(1) H. T. Peck, ed., The International Cyclop dia (New York: Dodd, Mead & Company, 1990), 11/275

كما جاء في موسوعة الدين والآداب أنّ القول إنّ البراكليتوس، روح الحقّ، شخصٌ أو غير ذلك، كان محلَّ جَدَلٍ حام (2).

(2) J. Hastings, The Encyclopaedia of Religion and Ethics (New York: Charles Scribner’s Sons), 11/795.

المطلب الثاني: البراكليتوس هو أحمد

اتّفق عامّة علماء الإسلام أنّ البراكليتوس هو محمّد ﷺ، غير أنهم اختلفوا في طريق توجيه ذلك من الناحية اللغوية؛ فقال عامة المتأخّرين إنّ الكلمة اليونانية وقع فيها تصحيفٌ بسيطٌ، حَوَّلَ معناها من أحمد إلى شفيع أو محام ، وذهب أحد أعلام المفسّرين المتأخّرين إلى أنّه لا حاجة إلى افتراض أنّ كلمة براكليتوس مُصَحَّفة؛ فإنّ بشارة المسيح بـ أحمد ، ليست بشارة بنبيّ اسمه أحمد، وإنما هي بشارة بمن وُصِف أنه يُحمد.

1. بِرِكليتوس = أحمد

يذهب كثير من الكتّاب المسلمين المتأخّرين إلى أنّ كلمة براكليتوس παράκλητος محرّفة قليلة في صوائتها؛ فأصلها اليونانيّ الأوّل الذي قاله المسيح أو الذي تُرجم عن الآرامية الجليلية التي تكلّمها المسيح، هو: بِرِكليتوس περίκλυτος. وتعني هذه الكلمة: أحمد من الحمد والمدح.

قال الإمام الشوكاني: وأحمد اسم نبيّنا ﷺ وهو عَلَمٌ منقولٌ من الصّفة، وهي تحتمل أن تكون مبالغة من الفاعل؛ فيكون معناها أنّه أكثرُ حمدًا لله من غيره، أو من المفعول؛ فيكون معناها أنّه يُحْمَدُ بما فيه من خِصالِ الخير، أكثر ممّا يحمد غيره (1).

(1) الشوكاني، فتح القدير (بيروت: دار ابن كثير، دار الكلم الطيب 1414 هـ)، 263/5.

أَلَّفَ المنصّر ويليام سنت كلير تسدل(1) كتابًا ضد الإسلام، ترجمه إلى الإنجليزية المنصّر ويليام موير تحت عنوان مصادر الإسلام. وقال فيه إنّه من الراجح جِدًّا أنّ العرب قد الْتَبَسَ عليهم صوتيًّا اسم براكليتوس بـ بِرِكليتوس ؛ فأخذوا كلمة بِرِكليتوس التي تعني أحمد على أنّها اسم المُبَشَّر به في إنجيل يوحنّا(2).

(1) ويليام سنت كلير تسدل (William ST. Clair Tisdall) (1859 – 1928): قسيس ومنصّر إنجليكاني بريطاني. له اهتمام خاص بدراسة اللغات الشرقية القديمة.

(2) “There is in Greek another word which to the ear of a foreigner would have a nearly similar sound, namely Periclete (praised or celebrated) ;and it is extremely probable that the people of Arabia,not familiar with Greek, mistook its meaning thus and named the promised one Ahmed, or “the praised,””
W. St. Clair-Tisdall, The Sources of Islam: A Persian Treatise, translated and abridged by Sir William Muir (Edinburgh, Scotland: T. & T. Clark, 1901), p.63.

قال القمص سرجيوس -وكيل البطريركية بالإسكندريّة- في كتابه الذي ردّ فيه على المسلمين قولهم ببشارة الكتاب المقدّس بنبيّهم ﷺ هل تنبّأت التوراة أو الإنجيل عن محمد: نعم أن (كذا!) هناك في اليونانية كلمة أخرى، وهذا هجاؤها اليوناني(3) (περίκλυτος) ونطقها بالعربي بير كليتس وترجمتها إلى العربية: أحمد أو محمود (4).

(3) هكذا كتبها. ويبدو أنه أخطأ في نسخها.

(4) سرجيوس، هل تنبّأت التوراة أو الإنجيل عن محمد (د.ن، 1947م)، ص11.

قال الأنبا أثناسيوس أُسقف بني سويف في تفسيره لإنجيل يوحنّا في كتاب دراسات في الكتاب المقدس: إن لفظ بارقليط إذا حُرِّفَ نُطْقُه قليلًا يصير بيركليت ومعناه الحَمْدُ أو الشُّكر وهو قريبٌ من لفظِ أحمد (5).

(5) الأنبا إثناسيوس، دراسات في الكتاب المقدس، ص 119 (نقله أحمد حجازي السقا، البشارة بنبي الإسلام في التوراة والإنجيل، 272/2).

2. تصحيف الاسم

تأخّر التراث المكتوب: أُلَّفَ إنجيل يوحنّا آخرَ القرنِ الأَوّل أو بداية الثاني. وهو كما يبدو نَقْلٌ لتراثٍ مسيحانيّ متأخّر، وبالتالي فاستلامُ التّراث اليوحنّاي هذا الاسم على وجه الغلط في صوائته؛ محتمل، ولا نكارة فيه؛ لِسَبَبَيْنِ: أولّهما غرابة اسم أحمد في أدبيّات القرن الأول؛ وثانيهما شُهرة كلمة البراكليتوس بمعنى المحامي؛ فانحرفَ التّراث من المعنى الأَوّل إلى الثاني بخفاء وسُرْعةٍ، خاصّةً أنّ المسيح قد يكون حديثه عن البراكليتوس بالآرامية (على قول جمهور النقاد)؛ فلمّا حدثت الترجمة الْتَبَسَ على السّامعين الاسم غير المألوف لأحمد مع كلمة المحامي / الشّفيع الشهيرة.

المطلب الثالث: البراكليتوس المحمود

ذهب العلامة المفسّر ابن عاشور إلى أنّ كلمة أحمد في قوله تعالى: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: 6] ليست اسم علم، وله في ذلك تفصيل يَحْسُنُ نَقْلُهُ بِحَرْفِهِ.

قال رحمه الله:

وَلَا يُحْمَلُ قَوْلُهُ: ﴿اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: 6] عَلَى مَا يَتَبَادَرُ مِنْ لَفْظِ اسْمٍ مِنْ أَنَّهُ الْعَلَمُ الْمَجْعُولُ لِلدِّلَالَةِ عَلَى ذَاتٍ مُعَيَّنَةٍ لِتُمَيِّزَهُ مِنْ بَيْنِ مَنْ لا يُشَارِكُهَا فِي ذَلِكَ الاِسْمِ لِأَنَّ هَذَا الْحَمْلَ يَمْنَعُ مِنْهُ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِمُطَابِقٍ لِلْوَاقِعِ لِأَنَّ الرَّسُولَ الْمَوْعُودَ بِهِ لَمْ يَدْعُهُ النَّاسُ أَحْمَدُ فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَدْعُو النَّبِيءَ مُحَمَّدًا ﷺ بِاسْمِ أَحْمَدَ لا قَبْلَ نُبُوَّتِهِ وَلا بَعْدَهَا وَلا يُعْرَفُ ذَلِكَ.

وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي الْمُوَطَّأِ وَالصِّحَاحِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لِي خَمْسَةُ أَسْمَاءٍ: أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَنَا أَحْمَدُ، وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْكُفْرَ، وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي وَأَنَا الْعَاقِبُ . فَتَأْوِيلُهُ أَنَّهُ أَطْلَقَ الْأَسْمَاءَ عَلَى مَا يَشْمَلُ الاسْمَ الْعَلَمَ وَالصِّفَةَ الْخَاصَّةَ بِهِ عَلَى طَرِيقَةِ التَّغْلِيبِ. وَقَدْ رُوِيَتْ لَهُ أَسْمَاءٌ غَيْرُهَا اسْتَقْصَاهَا أَبُو بَكْرِ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي عَارِضَةِ الْأَحْوَذِيِّ وَ الْقَبَسِ .

فَالَّذِي نُوقِنُ بِهِ أَنَّ مَحْمَلَ قَوْلِهِ: ﴿اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: 6] يَجْرِي عَلَى جَمِيعِ مَا تَحْمِلُهُ جُزْءَا هَذِهِ الْجُمْلَةِ مِنَ الْمَعَانِي.

فَأَمَّا لَفْظُ اسْمِ فَأَشْهَرُ اسْتِعْمَالِهِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ثَلَاثَةُ اسْتِعْمَالَاتٍ:

أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْمُسَمَّى. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الاِسْمُ هُوَ الْمُسَمَّى. وَنَسَبَ ثَعْلَبٌ إِلَى سِيبَوَيْهِ أَنَّ الاسْمَ غَيْرُ الْمُسَمَّى (أَيْ إِذَا أُطْلِقَ لَفْظُ اسْمٍ فِي الْكَلَامِ فَالْمَعْنَى بِهِ مُسَمَّى ذَلِكَ الاِسْمِ) لَكِنْ جَزَمَ ابْنُ السَّيِّدِ الْبَطَلْيَوْسِيُّ فِي كِتَابِهِ الَّذِي جَعَلَهُ فِي مَعَانِي الاِسْمِ هَلْ هُوَ عَيْنُ الْمُسَمَّى، أَنَّهُ وَقَعَ فِي بَعْضِ مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِ سِيبَوَيْهِ أَنَّ الاسْمَ هُوَ الْمُسَمَّى، وَوَقَعَ فِي بَعْضِهَا أَنَّهُ غَيْرُ الْمُسَمَّى، فَحَمَلَهُ ابْنُ السَّيِّدِ الْبَطَلْيَوْسِيُّ عَلَى أَنَّهُمَا إِطْلَاقَانِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِاخْتِلَافٍ فِي كَلَامِ سِيبَوَيْهِ، وَتَوَقَّفَ أَبُو الْعَبَّاسِ ثَعْلَبٌ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: لَيْسَ لِي فِيهِ قَوْلٌ. وَلِمَا فِي هَذَا الاسْتِعْمَالِ مِنَ الاحْتِمَالِ بَطُلَ الاسْتِدْلَالُ بِهِ.

الاِسْتِعْمَالُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الاِسْمُ بِمَعْنَى شُهْرَةٍ فِي الْخَيْرِ وَأَنْشَدَ ثَعْلَبٌ:

لِأَعْظَمِهَا قَدْرًا وَأَكْرَمِهَا أَبًا … وَأَحْسَنِهَا وَجْهًا وَأَعْلَنِهَا سُمَى

سُمَى لُغَةٌ فِي اسْمٍ.

الاسْتِعْمَالُ الثَّالِثُ: أَنْ يُطْلَقَ عَلَى لَفْظٍ جُعِلَ دَالَّا عَلَى ذَاتٍ لِتُمَيَّزَ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ أَمْثَالِهَا، وَهَذَا هُوَ الْعَلَمُ.

وَنَحْنُ نَجْرِي عَلَى أَصْلِنَا فِي حَمْلِ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ عَلَى جَمِيعِ الْمَعَانِي الَّتِي يَسْمَحُ بِهَا الاسْتِعْمَالُ الْفَصِيحُ كَمَا فِي الْمُقَدِّمَةِ التَّاسِعَةِ مِنْ مُقَدِّمَاتِ هَذَا التَّفْسِيرِ، فَنَحْمِلُ الاسْمَ فِي قَوْلِهِ: ﴿اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: 6] عَلَى مَا يَجْمَعُ بَيْنَ هَذِهِ الاسْتِعْمَالَاتِ الثَّلَاثَةِ، أَيْ مُسَمَّاهُ أَحْمَدُ، وَذِكْرُهُ أَحْمَدُ، وَعَلَمُهُ أَحْمَدُ، وَلْنَحْمِلْ لَفْظَ أَحْمَدَ عَلَى مَا لا يَأْبَاهُ وَاحِدٌ مِنَ اسْتِعْمَالَاتِ اسْمِ الثَّلَاثَةِ إِذَا قُرِنَ بِهِ وَهُوَ أَنَّ أَحْمَدَ اسْمُ تَفْضِيلٍ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَسْلُوبَ الْمُفَاضَلَةِ مَعْنِيَّا بِهِ الْقُوَّةُ فِيمَا هُوَ مُشْتَقٌّ مِنْهُ، أَيِ الْحَمْدِ وَهُوَ الثَّنَاءُ، فَيَكُونُ أَحْمَدُ هُنَا مُسْتَعْمَلًا فِي قُوَّةِ مَفْعُولِيَّةِ الْحَمْدِ، أَيْ حَمْدِ النَّاسِ إِيَّاهُ، وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِمْ: الْعُودُ أَحْمَدُ ، أَيْ مَحْمُودٌ كَثِيرًا.

فَالْوَصْفُ بِـ أَحْمَدُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَعْنَى الْأَوَّلِ فِي اسْمٍ أَنَّ مُسَمَّى هَذَا الرَّسُولِ وَنَفْسُهُ مَوْصُوفَةٌ بِأَقْوَى مَا يُحْمَدُ عَلَيْهِ مَحْمُودٌ فَيَشْمَلُ ذَلِكَ جَمِيعَ صِفَاتِ الْكَمَالِ النَّفْسَانِيَّةِ وَالْخُلُقِيَّةِ وَالْخِلْقِيَّةِ وَالنَّسَبِيَّةِ وَالْقَوْمِيَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَعْدُودٌ مِنَ الْكَمَالَاتِ الذَّاتِيَّةِ وَالْعَرَضِيَّةِ.

وَيَصِحُّ اعْتِبَارُ أَحْمَدُ تَفْضِيلًا حَقِيقِيًّا فِي كَلَامِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَيْ مُسَمَّاهُ أَحْمَدُ مِنِّي، أَيْ أَفْضَلُ، أَيْ فِي رِسَالَتِهِ وَشَرِيعَتِهِ. وَعِبَارَاتُ الْإِنْجِيلِ تُشْعِرُ بِهَذَا التَّفْضِيلِ، فَفِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا فِي الْإِصْحَاحِ الرَّابِعَ عَشَرَ وَأَنَا أَطْلُبُ مِنَ الْأَبِ (أَيْ مِنْ رَبِّنَا) فَيُعْطِيَكُمْ فَارْقَلِيطًا آخَرَ لِيَبْقَى مَعَكُمْ إِلَى الْأَبَدِ رُوحُ الْحَقِّ الَّذِي لا يَسْتَطِيعُ الْعَالَمُ أَنْ يَقْبَلَهُ لِأَنَّهُ لا يَرَاهُ ولا يَعْرِفُهُ . ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا الْفَارْقَلِيطُ الرُّوحُ الْقُدُسُ الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الْأَبُ (اللَّهُ) بِاسْمِي فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ ، أَيْ فِي جُمْلَةِ مَا يُعَلِّمُكُمْ أَنْ يُذَكِّرَكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ. وَهَذَا يُفِيدُ تَفْضِيلَهُ عَلَى عِيسَى بِفَضِيلَةِ دَوَامِ شَرِيعَتِهِ الْمُعَبَّرِ عَنْهَا بِقَوْلِ الْإِنْجِيلِ لِيَبْقَى مَعَكُمْ إِلَى الْأَبَدِ وَبِفَضِيلَةِ عُمُومِ شَرْعِهِ لِلْأَحْكَامِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ .

وَالْوَصْفُ بِـ أَحْمَدُ عَلَى الْمَعْنَى الثَّانِي فِي الاسْمِ، أَنَّ سُمْعَتَهُ وَذِكْرَهُ فِي جِيلِهِ وَالْأَجْيَالِ بَعْدَهُ مَوْصُوفٌ بِأَنَّهُ أَشَدُّ ذِكْرٍ مَحْمُودٍ وَسُمْعَةٍ مَحْمُودَةٍ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ أَنَا حَامِلُ لِوَاءِ الْحَمْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهُ مَقَامًا مَحْمُودًا.

وَوَصْفُ أَحْمَدُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَعْنَى الثَّالِثِ فِي الاِسْمِ رَمْزٌ إِلَى أَنَّهُ اسْمُهُ الْعَلَمُ يَكُونُ بِمَعْنَى: أَحْمَدَ، فَإِنَّ لَفْظَ مُحَمَّدٍ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ حَمَّدَ الْمُضَاعَفِ الدَّالِ عَلَى كَثْرَةِ حَمْدِ الْحَامِدِينَ إِيَّاهُ كَمَا قَالُوا: فُلَانٌ مُمَدَّحٌ، إِذَا تَكَرَّرَ مَدْحُهُ مِنْ مَادِحِينَ كَثِيرِينَ. فَاسْمُ مُحَمَّدٍ يُفِيدُ مَعْنَى: الْمَحْمُودِ حَمْدًا كَثِيرًا وَرُمِزَ إِلَيْهِ بِأَحْمَدَ.

وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ الْجَامِعَةُ الَّتِي أَوْحَى اللَّهُ بِهَا إِلَى عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَرَادَ اللَّهُ بِهَا أَنْ تَكُونَ شِعَارًا لِجِمَاعِ صِفَاتِ الرَّسُولِ الْمَوْعُودِ بِهِ ﷺ صِيغَتْ بِأَقْصَى صِيغَةٍ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ إِجْمَالًا بِحَسَبِ مَا تَسْمَحُ اللُّغَةُ بِجَمْعِهِ مِنْ مَعَانِي. وَوُكِلَ تَفْصِيلُهَا إِلَى مَا يَظْهَرُ مِنْ شَمَائِلِهِ قَبْلَ بِعْثَتِهِ وَبَعْدَهَا لِيَتَوَسَّمَهَا الْمُتَوَسِّمُونَ وَيَتَدَبَّرَ مَطَاوِيهَا الرَّاسِخُونَ عِنْدَ الْمُشَاهَدَةِ وَالتَّجْرِبَةِ (1).

(1) الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، 182/28-185.

وقد انتصر للمعنى نفسه المستشرق المعروف مونتجمري وات قبل سنوات قليلة من صدور تفسير التحرير والتنوير للشيخ ابن عاشور، وذلك في مقالة بعنوان: اسمه أحمد . وكان من أهمّ ما ادّعاه، أنّه لم يُسمَّ طفل من أطفال المسلمين باسم أحمد قبل سنة 125 هـ، على خلاف اسمه محمّد الذي سُمّي به كثير من المسلمين منذ عصر البعثة.

ولذلك ترجم وات آية سورة الصف، هكذا:

ومبشّرًا برسول يأتي من بعدي اسمه يستحقّ حمدًا أبلغ (من اسمي) .

“announcing the good tidings of a messenger who will come after me whose name is more praised”(1)

(1) W Montgomery Watt, ‘His name is Ahmad’, Muslim World, Volume 43, Issue2 April 1953, pp. 110-117.

منبها كما يقول- إلى أن التراث الأول -كما نقله الطبري المعروف بتتبع أقوال المفسرين في كلّ مسألة- لم يُشِرْ إلى أنّ أحمد سورة الصّفّ، اسم لنبي الإسلام ﷺ.

وعلى هذا المذهب، يُكتفى بالنّظر في صفات البراكليتوس لمعرفة حقيقته. وبالنّظر في النصوص؛ نجد أنّ حظّ نبيّ الإسلام ﷺ من اسم (الشفيع / المحامي) وصفات البراكليتوس، أوسع من حظّ الروح القدس:

1. الشّفاعة، والدّفاع عن الغير، وظيفة الأنبياء لا الأقانيم. وقد أطلقَ اليهود لفظ الفرقليط على موسى(2).

(2) Gerhard Kittel, ed. The Theological Dictionary of the New Testament, tr. Geoffrey W. Bromiley, 5/802.

2. إِنَّ لِي أُمُورًا كَثِيرَةً أَيْضًا لأَقُولَ لَكُمْ، وَلكِنْ لا تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تَحْتَمِلُوا الآنَ . (يوحنّا 16: 12-13).

أ. يدلّ هذا النص على أنّ من رسالة الوحي ما لم يحن أوانه ليعرض أمام الناس حتى يفهموه، أو أنّ الأمم لم تتهيّأ لالتزامه، وإن كان مفهومًا. قال الإمام القرافي: قول المسيح لَهُ إنّه روح الحق الذي لم يطق العالم أن يقبلوه؛ لأنّهم لم يعرفوه؛ يشير إلى أنّه ﷺ بُعِثَ بالتوحيد في زمن غَلَبَ فيه الجَهْلُ وعبادة الأوثان وبيوت النار (3).

(3) القرافي، الأجوبة الفاخرة عن الأسئلة الفاجرة، تحقيق: بكر زكي عوض (القاهرة: مكتبة وهبة، 1407هـ 1987م)، ص 425.

3. وَأَمَّا مَتَى جَاءَ ذَاكَ، رُوحُ الْحَقِّ، فَهُوَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ (يوحنّا 16/ 13).

فما هو الحقُّ الذي أَرْشَدَ الرُّوح القدسُ الحواريّين إليه؟

وما الذي قاله الرُّوحُ القدسُ للحواريّين؟!

وما الذي أَخْبَرَ به؟!

وما الذي سَمِعَهُ لِيُخْبِرَ به؟!

لا شيء!

حتّى المجامعُ الكنسيّةُ التي قيل إنّها مؤيَّدةٌ بالرُّوح القدس، اخْتَلَفَتْ واضطربَتْ مرارًا!

4. كُلُّ مَا يَسْمَعُ يَتَكَلَّمُ بِهِ (يوحنّا 16/ 13).

النبيّ (נָבִיא) [نبي] في التعريف التوراتي، هو الذي يُنْبِئ عن الربِّ؛ أي يَتَكَلَّمُ (يُبَلِّغُ) كلَّ ما يسمعه من الربّ.

5. وَيُخْبِرُكُمْ بِأُمُورٍ آتِيَةٍ . (يوحنّا 16/ 13).

محمّد ﷺ صاحب النبوءات المعروفة من بعثته إلى يوم القيامة.

6. ذَاكَ يُمَجِّدُنِي (يوحنّا 16/ 14).

هل مَجَّدَ أَحَدٌ المسيح أكثر مما مجَّدَهُ محمّد ﷺ؟

وقد جاء هذا التكريم لالمسيح في الإسلام، بعد أن امتلأ التلمود اليهودي بذمّ المسيح وتحقيره.

وقد جَمَعَ جون كريستوف فجنزيل (Johann Christoph Wagenseil) في كتابه Tela Ignea Satanae نُصوصًا يهوديّة كثيرة تُحَقِّرُ المسيحَ.. بل لقد ظهر كتابٌ يهوديٌّ في القرون الوسطى -على الراجح في تأريخه- يَحْكِي قصّة المسيح، اسمه سفر حياة يشو (תולדות ישו – Toledot Yeshu). وقد اقتبسَ منه بصورة كبيرةٍ مارتن لوثر في كتابه Vom Schem Hamphoras لإدانة اليهود.

وهذا الكتاب يُمَثِّلُ خُلاصة التّشويه اليهوديّ لالمسيح وأُمِّهِ عَلَيْهَا السَّلَامُ. وأمّا أشهرُ كتاب علميٍّ في الموضوع؛ فهو كتاب يسوع في التلمود لـبيتر شافر (Peter Sch fer)، وفيه كَشَفَ المؤلّفُ طريقة الأحبار في إلغاز حديثهم عن يسوع، بأسلوبهم الخاص(1)؛ فإنّ اسم يسوع الأصلي قلّما يظهر في الكتب التلمودية. وهو يُختصر دائمًا باسم (ישו) الذي هو من تركيب الأحرف الأولى للكلمات الثلاث التالية: (יִמַּח שְׁמוֹ וְזִכְרוֹ) [يِمَّح شمو وزكرو] أي: لِيُمْحَ اسمُه وذِكْرُه. ومن المؤلّفات العربية التي عُنِيَتْ بكشف صورة المسيح في التلمود، كتاب تلفيق صورة الآخر في التلمود لـزياد منى(2).

(1) Peter Sch fer, Jesus in the Talmud, Princeton, N.J.; Woodstock, Oxfordshire: Princeton University Press, 2009.

(2) زياد منى، تلفيق صورة الآخر في التلمود، بيروت: قدمس للنشر والتوزيع، 1422هـ/2002م.

ولذلك قال إسرائيل شاحاك في كتابه الخطير الديانة اليهودية وموقفها من غير اليهود: ينبغى الإقرار من البداية أنّ التلمود والأدب التلمودي يحتويان على مقاطع عدوانية جِدًّا ووصايا موجّهة أساسًا ضد المسيحيّة على سبيل المثال، إضافةً للاتهامات الجِنسيّة البذيئة ضدّ يسوع. ينصُّ التلمود أنّ عقوبةَ يسوع في الجحيم هي إغراقُه في غائطٍ يَغْلِي… (1).

(1) إسرائيل شاحاك، الديانة اليهودية وموقفها من غير اليهود، تعريب حسن خضر (القاهرة: سينا للنشر، 1994)، ص 28.

ولم يَقْتَصِرْ أَمْرُ تلويث سُمعة المسيح وأُمّهِ على اليهود، بل قد أَنْكَرَ عُذريّة مريمَ كثيرٌ من النقّاد النّصارى؛ وهو ما رَصَدَهُ أحد الباحثين النّصارى في أمريكا مارك غالي (Mark Galli)، بقوله: تَشَكَّك كثيرٌ من العلماء المسيحيّين البارزين لا فقط في نظرية الخلق لمدة ستة أيام، ولكن أيضًا في العقائد المسيحيّة الكلاسيكيّة، مثل قيامة المسيح الجسديّة وولادته العُذريّة (2).

(2) Mark Galli, ‘The Virgin Birth: What’s the Problem Exactly?’, Christianity Today, December 20, 2017. <https://www.christianitytoday.com/ct/2017/december-web-only/virgin-birth-whats-problem-exactly.html&gt;.

وفي المقابل أظهر تفسير الكتاب المقدّس الجماعيّ الذي أشرفَ عليه دوملو (Dummelow) الإعجاب بموقف نبي الإسلام ﷺ من عيسى عَلَيْهِ السَّلَامُ بعد سَوْقِه للافتراءات اليهوديّة حول المسيح؛ فقد جاء فيه: من المهمّ أنْ نلاحظ أنّ محمّدًا رفَضَ بكلّ احتقارٍ هذه الافتراءات اليهوديّة (1).

(1) “It is interesting to notice that Mahomet indignantly repudiated these Jewish calumnies”. John Dummelow, ed., A Commentary on the Holy Bible, p.668.

وجاء في الاجتماع التاسع والأربعين بعد المائة المنعقد بتاريخ 28 أكتوبر 1965م في الفاتيكان: إنّ الكنيسة تَنْظُرُ بعين الإكرام والإجلال إلى المسلمين الذين يعبدون الله الأَحَدَ الحيَّ القيوم الرحمن القدير، فاطر السماء والأرض الذي كلّم البشر. فالمسلمون دأبهم الاستسلام من صميم نفوسهم لأحكام الله الخفيّة، كما استسلم للهِ إبراهيم الذي يَتَّخِذُونه لإيمانهم أُسوةً مستحبّةً. أَجَلْ إِنّهم لا يدينون بيسوع إلهّا، ولكنّهم يُجِلَّونه نبيًّا، كما أنَّهم يُكرمون والدته العَذْراء مريم… (2)

(2) “The Church has also a high regard for the Muslims. They worship God, who is one living and subsistent, merciful and almighty, the Creator of heaven and earth, who has spoken to men. They strive to submit themselves without reserve to the hidden decrees of God just as Abraham submitted himself to God’s plan, to whose faith Muslims eagerly link their own. Although not acknowledging him as God, they venerate Jesus as a prophet, his Virgin Mother they also honor and even at times devoutly invoke” Gavin D’Costa, ed., The Catholic Church and the World Religions, London: A&C Black, 2011, pp.90-91.

7. إِنَّهُ خَيْرٌ لَكُمْ أَنْ أَنْطَلِقَ، لأَنَّهُ إِنْ لَمْ أَنْطَلِقْ لا يَأْتِيكُمُ الْمُعَزِّي (يوحنّا 16/ 7).

يُفهم من النص السالف، أمران:

أوّلهما أنّ البراكليتوس لا يأتي إلّا بعد رفع المسيح. و الرُّوح القدس قد أتى قبل تجسّد المسيح وأثناء حياته على الأرض.

وثانيهما أنّ البراكليتوس أفضل من المسيح؛ لأنّ مجيء البراكليتوس خير من بقاء المسيح. وليس الروح القدس أفضل من المسيح، بإجماع النصارى. وأمّا محمّد ﷺ فَسَيِّدُ ولد آدم عَلَيْهِ السَّلَامُ. وهذا يتطابق مع فهم آية سورة الصفّ على الصّورة التي ذكرها ابن عاشور ومونتجمري وات؛ حيث النبي المبشَّرُ به، بِعْثتُهُ تستحقُّ حمدًا أبلغ.

لا إشكال في وصف البراكليتوس أنّه روح ؛ إذ إنّ العهد الجديد يستعمل كلمة الروح للحديث عن الأنبياء: أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، لا تُصَدِّقُوا كُلَّ رُوحٍ، بَلِ امْتَحِنُوا الأَرْوَاحَ: هَلْ هِيَ مِنَ اللَّهِ؟ لأَنَّ أَنْبِيَاءَ كَذَبَةً كَثِيرِينَ قَدْ خَرَجُوا إِلَى الْعَالَمِ . (1 يوحنَّا الأولى 4/ 1).

كلمة ينبثق في ترجمة الفاندايك العربية تقابل ἐκπορεύεται في الأصل اليوناني، وتعني سيخرج من . والمعنى أنّ الله سيرسله من عنده، لا أنّه جزء من الله.

اعتراض 3:

المسيح يقول إنّ روح القدس يمكث مع التلاميذ إلى الأبد. ونبيُّ الإسلام ظهر بعد قرون من وفاة التلاميذ.

إنّ مقصد البشارة أنّ رسالة البراكليتوس باقية إلى الأبد. وهو ما يزداد وضوحًا بحديث المسيح عن براكليتوس آخر . فذهاب البراكليتوس السابق، يعقبه ظهور براكليتوس جديد تبقى رسالته إلى آخر الزمان.

قول المسيح: سأُرْسِلُهُ أنا إِلَيْكُمْ (يوحنّا 15/ 26)، يشرحه قوله: أَنَا أَطْلُبُ مِنَ الآبِ فَيُعْطِيكُمْ مُعَزِّيًا… (يوحنّا 14/ 16). فما لالمسيح هنا من سلطان، إلا أنْ يدعوَ الله أن يرسل البراكليتوس.

اعتراض 5:

البراكليتوس لا يراه العالم ولا يعرفه، وأمّا الحواريُّون فيعرفونه. وذاك لا يَصْدُقُ على نبيّ الإسلام الذي لم يَعِشْ عصرَ الحواريّين؛ فَلِمَ يَعْرِفُه الحواريُّون؟

وفي الآية الثامنة والعشرين من الباب السابع من إنجيل يوحنّا هكذا: الذي أَرْسَلَني حقٌّ، الذي أنتم لستم تعرفونه .

المخطوطات متضاربةٌ في زمن فعل الكينونة ( كان ) في نص يوحنّا 14/ 17: رُوحِ الْحَقِّ الَّذِي لا يَسْتَطِيعُ الْعَالَمُ أَنْ يَقْبَلَهُ، لأَنَّهُ لا يَرَاهُ ولا يَعْرِفُهُ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَعْرِفُونَهُ لأَنَّهُ مَاكِثٌ مَعَكُمْ وَيَكُونُ فِيكُمْ ؛ فإنّ البردية 66 (القراءة الأصلية) المخطوطة الفاتيكانية ومخطوطة بيزا ومخطوطة واشنطون على استعمال فعل الكينونة في صيغة الزمن المضارع: يكون فيكم ἐστιν (إستن)، في حين جاء فعل الكينونة في البردية 75 والمخطوطة السينائية والمخطوطة السكندرية، وفي ترجمة لاتينية قديمة (المخطوطة g)، وترجمة الفولجاتا اللاتينية، والترجمتين الأرمينية والأثيوبية، وكثير من الآباء، وجل المخطوطات في المستقبل: ἔσται (إستاي) (سيكون فيكم).

وقد اختارت ترجمة New English Translation صيغة المستقبل. وقالت في هامشها: عندما يفكر المرء في ما كان سيكتبه المؤلف؛ فإنّ صيغة المستقبل تقف على أرضيّةٍ أقوى بكثير. يشير السّياق المباشر (في كل من 14/ 16 وفي الفصل ككلّ) إلى المستقبل، ويَعُدُّ لاهوتُ الكتاب قدوم الرّوح حدثًا مستقبليًّا مُؤكّدًا (انظر على سبيل المثال 7/ 39 و 16/ 7). من الممكن أن يكون الفعل المضارع قد نشأَ… على الأرجح من خطأ في التَّصَوُّرِ؛ إذ كان النُّسّاخ يُفكّرون في الدّور الحالي للرّوح. على الرغم من أنّ القرار صعب، إلّا أنّ زمن صيغة المستقبل هو الأصليّ على الراجح .

اعتراض 6:

مؤلّف إنجيل يوحنّا حدّد شخصية البراكليتوس بأنّها الروح القدس.

الخيار الأوّل: نقل مؤلّف إنجيل يوحنّا بشارة حقيقية بشخصية غير الروح القدس؛ لكنّ صاحب هذا الإنجيل حرّفها عَمْدًا، أو وَصَلَتْهُ مُحَرَّفةً، أو لم يَفْهَمْهَا؛ فَنَقَلَها مع تَخْلِيطٍ.

الخيار الثاني: أشار المفسّر ش.ك. بارت(1) إلى وجود ثلاث قراءات لنص يوحنّا 14/ 26 في المخطوطات:

1- الروح القدس في عامة المخطوطات.

2- قراءة الروح في المخطوطة السينائية السريانية التي تعود إلى القرن الرابع.

3- قراءة روح الحق (τὸ πνεῦμα τῆς ἀληθείας) في بعض المخطوطات.

وعلّق بقوله عن قراءة الروح : هذه القراءة القصيرة قد تكون القراءة الأصلية؛ وهي تفسّر القراءتين الأخريين (2).

(1) شارلز كنكزلي بارت (Charles Kingsley Barrett) (1917 – 2011): قسيس ولاهوتي بريطاني بارز. اشتهر بتفسيره لعدد من أسفار العهد الجديد؛ كإنجيل يوحنا وسفر أعمال الرسل.

(2) C.K. Barrett, The Gospel According to St. John: An Introduction with Commentary and Notes on the Greek Text (Philadelphia: Westminster John Knox Press, 1978), p.467.

أي إنّه لا يوجد داع عند النسّاخ لإسقاط كلمة القدُس من نص يوحنّا 14/ 26؛ في حين أنّ إضافة القدُس متوقّعة لتعيين شخص البراكليتوس، كما أنّ إضافة الحق متوقّعة لمطابقة نص يوحنّا 14/ 17 رُوحُ الْحَقِّ الَّذِي لا يَسْتَطِيعُ الْعَالَمُ أَنْ يَقْبَلَهُ .

الخيار الثالث: قد تُفهم هذه العبارة بمعنى الروح ذات القداسة ؛ وصفًا لالمسيح أنّه قدّوس الله (ὁ ἅγιος τοῦ θεοῦ)(2) (يوحنّا 6/ 69)، وممّا قد يؤيّد ذلك أنّ الأصل اليوناني لنصّ يوحنّا 14/ 26 يقول: (τὸ πνεῦμα τὸ ἅγιον)، وترجمتها حرفيًا: الروح القدس لا روح القدس ؛ إذ إنّ كلمة روح وكلمة قدس قد سُبقتا بأداة التعريف. وبالتالي قد تكون هذه العبارة في أصلها نعتًا للبراكليتوس؛ وهو: أمّا البراكليتوس، الروح، المقدس، الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الآبُ بِاسْمِي، فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ ؛ فإنّ كلمة ἅγιον (هجيون) تترجم عادة إلى مقدّس (3).

(2) ترجمة الفاندايك العربية محرّفة: ابن الله الحيّ .

(3) وردت عبارة الروح القدس في إنجيل يوحنا في 20/20، 26/14، 39/7، 33/1. ولم ترد العبارة في اليونانية معرّفة الروح القدس إلا في نصّنا هذا (يوحنا 14/ 26). علمًا أن كلمة القدس لا أصل لها في أقدم مخطوطاتِ نصّ يوحنّا 7/ 39، ولذلك حُذِفَتْ في عامّة الترجمات الحديثة.

كما لاحظ النقّاد أنّ الضمير المستخدم في نص يوحنّا 14/ 26 لهذه الروح، هو المُذَكَّرُ، لا المحايِدِ اليونانيّ. وفي هذا يقول القسّ فهيم عزيز عن البراكليتوس: وهذه الكلمة تختلف عن كلمة الروح القدس في أنّ هذه الأخيرة تأتي في صيغة المحايد اليوناني، أي الذي لا هو مُذَكَّرٌ ولا هو مُؤَنَّثٌ (neuter). أمَّا اللَّفْظُ بارقليط فإنّه يأتي في المذكّر، وهذا يعني أنّه شخصيّة محدَّدةٌ (1).

(1) فهيم عزيز، الروح القدس، ص87 (نقله جمال الشرقاوي، نبي أرض الجنوب في الأسفار اليهودية والمسيحية، القاهرة: دار هادف، د.ت.، ص 337).

الخلاصة

البراكليتوس لا يمكن أن يكون الروح القدس؛ لأنّ صفاته لا تنطبق على روح القدس.

البراكليتوس كلمة يونانية قد تكون محرّفة قليلا عن كلمة يونانية أخرى تعني: أحمد ، نقلها صاحب إنجيل يوحنا دون دقة في اللفظ والسياق، بسبب تشوّه التراث الذي وصله عن المسيح آخر القرن الميلادي الأوّل.

البراكليتوس، كلمة تعني في اليونانية المدافع أو المحامي. وصفاته في إنجيل يوحنّا مطابقة لصفات نبي الإسلام ﷺ.

الخاتمة

أمرُ البشارة بالمبعوث لخلاص الناس، عظيم في النصرانية بصورة أعظم من مقابلها في الإسلام؛ فإنّ نصوص الأناجيل قد صرّحت بمواضع البشارة بيسوع في العهد القديم كما في نُسَخ القرن الأول الميلادي، بما يلزم من خطأ دعوى تعلّق تلك النصوص بيسوع؛ سقوط عقيدة إلهامية الأناجيل، في حين أنّ في الآيات القرآنيّة خبر البشارة بنبيّ الإسلام ﷺ كما في النصوص الأولى للوحي المنزّل على الأنبياء السابقين، لا كما هي -ضرورة- في القرن السابع الميلادي.

ليس في العهد الجديد شيء في إثبات أنّ النبوّة قد خُتِمت بظهور يوحنا المعمدان أو يسوع. وأمّا اليهود فقد كانوا ينتظرون نبيّ آخر الزمان بعد عصر يسوع.

آمن بولس أنّ الوحي سينتقل من بني إسرائيل إلى غيرهم. وأشار كبار الأحبار إلى صحّة النبوة خارج بني إسرائيل.

يشترك المسلمون والنصارى في الإيمان بأنّ بعض نصوص العهد القديم تبشّر برأس دينهم –يسوع أو محمّد ﷺ-. وهذا النوع من النصوص عظيم القيمة في بحث البشارات؛ لاتّفاق الطرفين أنّ هذه النصوص صادقة، ودلالتها بِشاريّة، ومضمونها متعلّق بـ الرجل العظيم الذي على جميع الأمم اتباعه حتّى آخر الزمان. وقد بحثنا واحدة من هذه البشارات (إشعياء 42: 1-21). واكتشفنا أنّها تنطبق بصورة واضحة على نبيّ الإسلام ﷺ، وأنّ صاحب إنجيل متّى قد اضطر لتحريفها لتنطبق على يسوع.

النصوص التوراتية التي تمّ بحثها في هذا الكتاب، تنتهي في مجموعها إلى الإشارة إلى نسب الرسول ﷺ، وأرضه، وعصره، وصفاته، وشريعته، وفتوحاته، وربّما اسمه. وهي بذلك كافية في إثبات حقيقة بشارة الأوّلين بنبيّ الإسلام ﷺ.

الحمد لله رب العالمين

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

اكتشاف المزيد من مدونة التاعب

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة