معرض الكتاب هذا العام كان مميزاً, فقد حصلت فيه على كتاب ما كنت أحلم أن أراه في مصر ! بالإضافة إلى ذلك وجدت العديد من الكتابات التي ترد صراحة على زكريا بطرس, وفوق هذا كله, حدث في المعرض بعض النقاشات الرائعة في مختلف المجالات ولكني أريد أن أقص عليكم قصة الشاب المسيحي الذي يدرس في الكلية الإكليريكية.
أمام مكتبة مسيحية مشهورة وقفت أتنسم الهواء العليل, ونظرت حولي إلى المكتبات المختلفة في محاولة اختيار أي مكتبة أدخل, وجدت أحد الشباب الذين تعرفت عليهم قدراً في المعرض مُقبلاً عليَّ وأخبرني بأن أحد الإخوة في المكتبة المسيحية وهناك شخص يحاوره مدعياً أنه يدرس في الكلية الإكليريكية ويعرف اللغة اليونانية.
وجدت السرور يظهر على وجهي والفرح يملأ قلبي وقلت في داخلي لعل هذه هي الفرصة المناسبة لإقامة حوار راقي علمي مع أحد المتخصصين, فذهبت تجاه المكتبة وكلي أمل في حوار مثمر, ودخلت إلى المكتبة وأنا أمثل أنني جئت من أجل السؤال عن سبب تأخير الأخ في المكتبة, وبدأت توجيه الكلام لزميلي المسلم:
التاعب : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, أيه يا مولانا اتأخرت ليه جوه ؟ في حاجه عجبتك ولا ايه ؟
كَعْب : لا أبداً يا أخي انا بس قاعد هنا بتكلم مع الأستاذ, بيدرس في الكلية الإكليريكية ويعرف يوناني
ثم نظر الأخ تجاه الأستاذ المسيحي وقال له …
كَعْب : على فكرة الأخ محمد (يقصدني أنا) هو كمان بيدرس يوناني
فنظر إليَّ الأستاذ المسيحي وقال …
الشاب : كويس أوي, وانت بأه درست يوناني خلاص وخلصت ولا لسه بتدرس ؟
التاعب : لسه ماشي في السكه يعني, بس انا بدرس يوناني عشان اقرأ المخطوطات القديمة, البردية 66 و75 والسينائية وكده
الشاب : جميل أوي, على فكره اللغة اليونانية من اللغات الي الكلمة الواحدة فيها ممكن يكون ليها اكثر من عشرين معنى
على سبيل المثال كلمة محبة في اليوناني ليها تلت كلمات, واحدة لمحبة الله, و واحدة لمحبة أخوك, وواحدة للمحبة الزوجية
من هنا أدركت أنه لم يفهم أن سبب دراستي لليونانية كانت لكشف التحريف وليس لترجمة النص, فذهبت معه إلى قضية ترجمية حتى أعلم مدى تمكنه في اللغة اليونانية …
التاعب : طيب وكلمة ايجينيتو (εγενετο) حضرتك تترجمها ايه ؟
سكت الشاب المسيحي ولم يتكلم, ففهمت أنه مدعي معرفة ولكنه في الحقيقة لا يعرف, فأثرت أن أتأكد من مدى علمه لعله سمع بعض الكلمات اليونانية البسيطة ويستطيع التمييز …
التاعب : كاي هو لوجوس ساركس ايجينيتو (και ο λογος σαρξ εγενετο) تترجمها ايه ؟
الشاب : محبة !
في هذه اللحظة كنت سأطلق ضحكة مدوية ولكني مسكت نفسي حتى لا أحرجه, فقد ظهر لي من هذا الشاب أنه محترم ولكن لعله قصد بعض التفاخر على المسلمين … إلى هنا كان يتابع الحوار اثنان من زملائي, ثم جاء بجانبي معاذ. ما أدركته في نهاية الحوار أن الشاب المسيحي كان يعتقد أنني أضفت كلمة رابعة تحمل معنى المحبة ! فإنه كان يتحدث عن ثلاث كلمات تحمل معاني مختلفة للمحبة وأنا سألته عن كلمة يونانية فظن أنها كلمة أخرى تعني محبة ! فلنكمل الحوار.
التاعب : محبة أذاى ؟! كاي هو لوجوس ساركس ايجينيتو …….. والكلمة …. ؟
الشاب : صار جسداً !
التاعب : فين صار بأه في النص اليوناني ؟!
الشاب : مفيش في النص اليوناني !
التاعب : أمال النص اليوناني بيقول ايه ؟!
الشاب : انت تترجمها لأيه ؟!
أريد لفت انتباه القارئ أن الحوار كان سريعاً, وكان جميع المستمعين يلاحظون بشدة تواضع مستوي هذا الذي يدرس في الكلية الإكليريكية, ولعل هذا يوضح لنا أكثر لماذا يكون مستوى القسيس المتخرج من هذه الكلية ضعيفاً للغاية. أما أصدقائي الذي كانوا يتابعون الحوار فقد كانوا في غاية السعادة والإستمتاع, حقيقة كان حوار رائعاً ومسلياً …
التاعب : أيه رأيك لو ترجمتها …. والكلمة كوِّنت جسد !
الشاب : أيوه صح
التاعب : طيب ممتاز جداً !
الشاب : والقرآن كمان بيقول كده !
التاعب : أيوه تمام وانا مؤمن بكده ! الجسد مخلوق بالكلمة … كن فيكون, فين بأه التجسد !
وجدت نظرة دهشة على وجه الشاب المسيحي, لقد أدرك أنه وقع في فخ, وكان الموقف ظريفاً جداً بالنسبة لجميع المتابعين, ثم بدأ المسيحي يتدارك الموقف …
الشاب : بس القرآن بيقول كلمته وروح منه !
التاعب : القرآن بيقول ان المسيح مخلوق بالكلمة, والنص اليوناني بيقول الكلمة كوِّنت جسد, فين التجسد في الكتاب المقدس ؟!
في هذه اللحظة تدخل مدير المكتبة وارتفع صوته قائلاً …
المدير : يا أستاذ فلان, لو سمحت بعد اذنك كده مينفعش, هنا مكان شغل, الحوارات ديه مش هنا, التجمع ده بيطفش الزباين !
ابتسمت لهذا الشاب المسيحي وخرجت من المكتبة وأنا سعيد جداً بالمستوي العلمي الذي يخرج من الكلية الإكليريكية !
ملحوظة: كتبت الحوار بحسب ما تذكرت
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
