القائمة إغلاق

خُلاصة كتاب: هذه رسالات القرآن فمن يتلقاها، تأليف: الشيخ فريد الأنصاري

بسم الله الرحمن الرحيم

خُلاصة كتاب: هذه رسالات القرآن فمن يتلقاها

تأليف: الشيخ فريد الأنصاري

تحميل الخُلاصة: [DOC] [PDF]

أساس الكتاب

  • قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ ‌يُبَلِّغُونَ ‌رِسَٰلَٰتِ ‌ٱللَّهِ وَيَخۡشَوۡنَهُۥ وَلَا يَخۡشَوۡنَ أَحَدًا إِلَّا ٱللَّهَۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبٗا﴾ [الأحزاب: 39] فهل من عبدٍ، حقَّ عبدٍ لله، يجعل حياته وَقْفًا على دين الله، يتلقَّى كلمات الله، ويُبلِّغ رسالاته!

تقديم

  • أوصيك بالتَّمسُّك بحبل القرآن الكريم؛ الذي هو حبل الله المتين، الممدود من السماء إلى الأرض؛ فطرفه الأعلى بيده سبحانه، وطرفه الآخر بيد من أخذ به من عباد الله الصالحين.
  • «مسند أحمد» (19/ 305 ط الرسالة): «عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إِنَّ لِلَّهِ أَهْلِينَ مِنَ النَّاسِ، قِيلَ: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: أَهْلُ الْقُرْآنِ، هُمْ ‌أَهْلُ ‌اللهِ ‌وَخَاصَّتُهُ» (صحَّحه الألباني في صحيح الجامع الصغير.)
  • واعلم أخي الحبيب أن كل الناس مُبتلى؛ وإنما يوفى الصابرون يوم القيامة أجرهم بغير حساب. فمن لم يصبر على ما ابتلاه الله به؛ فإنه لا يكون أهلاً عند الله لحمل أمانة الدعوة إلى الله!
  • ﴿‌وَمَنۡ ‌أَحۡسَنُ ‌قَوۡلٗا مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ﴾ [فصلت: 33]
  • يقول ابن عطاء الله السكندري فيما يُعرف بـ “الحِكَم العطائية“: الناس يمدحونك، لِمَا يظُنُّوه فيك! فَكُن أنت ذامًّا لنفسك لِمَا تعلمه منها!
  • إذا ابتلاك اللهُ في نُقطة ضعفك؛ فذلك، حتى تَخْلُصَ للهِ، وللهِ وحده، فلا يكون منك شيء لغيره! وتذكَّر قِصَّة إبراهيم مع ابنه.
  • «الداء والدواء – ابن القيم» (ص190، 191): «وَلَمَّا سَأَلَ إِبْرَاهِيمُ عليه السلام الْوَلَدَ فَأُعْطِيَهُ، وَتَعَلَّقَ حُبُّهُ بِقَلْبِهِ، فَأَخَذَ مِنْهُ شُعْبَةً، غَارَ الْحَبِيبُ عَلَى خَلِيلِهِ أَنْ يَكُونَ فِي قَلْبِهِ مَوْضِعٌ لِغَيْرِهِ، فَأَمَرَهُ بِذَبْحِهِ، وَكَانَ الْأَمْرُ فِي الْمَنَامِ لِيَكُونَ تَنْفِيذُ الْمَأْمُورِ بِهِ أَعْظَمَ ابْتِلَاءً وَامْتِحَانًا، وَلَمْ يَكُنِ الْمَقْصُودُ ذَبْحَ الْوَلَدِ، وَلَكِنَّ الْمَقْصُودَ ذَبْحُهُ مِنْ قَلْبِهِ؛ لِيَخْلُصَ الْقَلْبُ لِلرَّبِّ، فَلَمَّا بَادَرَ الْخَلِيلُ عليه الصلاة والسلام إِلَى الِامْتِثَالِ، وَقَدَّمَ مَحَبَّةَ اللَّهِ عَلَى مَحَبَّةِ وَلَدِهِ، حَصَلَ الْمَقْصُودُ فَرُفِعَ الذَّبْحُ، وَفُدِيَ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ.»
  • من الجهل أن يخفى على الإنسان مُراد التَّكليف؛ فإنَّه موضوعٌ على عكس الأغراض؛ فينبغي للعاقل أن يأنس بانعكاس أغراضه؛ فإن دَعَا وسأل بُلُوغ غرض تعبَّد الله بالدُّعاء؛ فإن أُعطِي مراده شكر، وإن لم يَنَل مُراده فلا ينبغي أن يلحّ في الطَّلب؛ لأنَّ الدُّنيا ليست لبُلُوغ الأغراض؛ وليقل لنفسه: ﴿‌وَعَسَىٰٓ ‌أَن ‌تَكۡرَهُواْ شَيۡـٔٗا وَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ﴾ [البقرة: 216]
  • الدُّنيا وُضِعَت للبلاء؛ وينبغي على العاقل أن يُوطِّنَ نفسه على الصَّبر.
  • ثمَّ لِيُسَلِّ نفسه بأنَّ المنع ليس عن بُخْل؛ وإنَّما هو لمصلحة لا يعلمها، وليُؤجَرَ الصَّابرُ عن أغراضه، وليعلم الله الذين سلَّموا ورضوا! وإنَّ زَمَن الابتلاء مقدارٌ يسيرٌ، والأغراض مُدَّخرة تُلقَى بعد قليل، وكأنَّه بالظُّلمة قد انجلت، وبفجر الأجر قد طلع!
  • وذلك؛ لأنَّ الله تعالى كتب لها الشُّيُوع والذّيوع؛ وما ذاكَ إلَّا لإخلاص مؤلِّفها الذي صدق الله تعالى فصدقه.

الرِّسالة الأولى: في تحديد الوجهة

  • إنَّ الله سبحانه وتعالى يبعث له من يتلقَّى رسالاته من جديد؛ على سبيل التَّجديد لهذا الدِّين في النفوس. ﴿يُرِيدُونَ لِيُطۡفِـُٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَٰهِهِمۡ ‌وَٱللَّهُ ‌مُتِمُّ نُورِهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ﴾ [الصف: 8]
  • إنَّ المسلمين في كثير من الأقطار يعانون اليوم أزمة غياب التَّداول الاجتماعي للقرآن الكريم، وهو: الانخراط العملي في تصريف آيات الكتاب في السلوك البشري العام، تلاوةً وتزكيةً وتعلُّمًا. حتى يستقيم المُجتمع كلّه على موازين القرآن.
  • إنَّ مُشكلتنا أنَّنا نشتغل حول القرآن، وليس بالقرآن، وفي القرآن! أمَّا الاشتغال بالقرآن وفي القرآن، فهو: عمل يتَّخِذ كتاب الله أساسَ مشروعه، وصُلب عمله ومنهاجه، تلاوةً، وتزكيةً، وتعلُّمًا، وتعليمًا!
  • إنَّه دُخُول في مسلك القُرآن، تَلَقِّيًا لآياته، وخُضُوعاً لحركته التَّربوية في النَّفس، ومكابدة لحقائقه الإيمانية، واستيعاباً لأحكامه وحِكَمِهِ، في طريق حمل النَّفس على التَّحقُّق بمنازلها، والتَّخلُّق بأخلاقها!
  • هذا المنهاج هو عين الالتزام بمنهاج النبوة في إصلاح النفس والمجتمع!
  • إنَّه تمثُّل حقيقي بحياة الصَّحابة الكرام، واتِّباع للطريقة العِلْمِيَّة الحَقَّة في تجديد الدِّين، سواء على المُستوى الفردي أو الجماعي.
  • هذا المنهاج يحكم بالانضواء تحت هيمنة «القرآن» والخضوع لتوجيهه وأولوياته!
  • إنَّ حفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب مهم جدًّا، لكنَّه لا يُمثِّل بمفرده حقيقة ما نحن فيه! رغم أنَّ تعميم الحفظ والاستظهار لكتاب الله، أو لبعضه، من أهم خُطُوات السَّير فيه!
  • الحفظ الذي مارسه أصحاب رسول الله ﷺ، حيث كانوا يتلقون خمس آيات أو عشرًا، فيدخلون في مكابدة حقائقها الإيمانية ما شاء الله، فلا ينتقلون إلى غيرها إلَّا بعد نجاحهم في ابتلاءاتها! ومِن ثمَّ يصير حفظ القرآن بهذا المسلك مشروع حياة!
  • إنَّما الحافظ للشيء هو الحافظ المُتحقِّق بحكمته، العامل بمقتضاه، المُكابِد لما تلقَّى عنه من حقوق الله!
  • لقد أجمع العُلماء والدُّعاة على أنَّ هذ الدِّين، كتاباً وسُنَّة، منهاج حياة!
  • إنَّ أحقّ ما تُوهَب له الأعمار كتاب الله تعالى!
  • وما كان تنجيم القرآن، وتصريف آياته على مَدَى ثلاث وعشرين سنة، إلَّا خدمة لهذا المقصد الرَّبَّاني!
  • ولم يكن ينزل على الرسول ﷺ من القرآن آيّ جديد؛ حتى يكون الآي السَّابق قد ارتفعت له في نفوس أصحابه أسوار عالية وحُصُون، على قَصْدِ بناء عمران الرُّوح العظيم، الذي بلبناته الفردية ارتفع صرح الأُمَّة وتألف!
  • إنَّ الدُّخُول الجماعي المؤلَّف من المؤمنين الرَّبانيين، في هذا المشروع القرآني العُمْرِيّ، هو أساس تجديد الدِّين، واستنبات جيل الفتح المبين!
  • أزمة العمل الإسلامي في مُخالفة مراتب الأولويات الدَّعوية، كما هي مُقرَّرة في الكتاب والسُّنَّة! راجع كتاب: البيان الدعوي وظاهرة التضخم السياسي، وكتاب: الأخطاء الستة للحركة الإسلامية بالمغرب. تأليف الشيخ فريد الأنصاري.
  • يجب على كل مُسلم: تلاوة للآيات بمنهج التَّلقِّي، وتزكيةً للنُّفُوس بمنهج التَّدبُّر، وتعلُّمًا وتعليمًا للكتاب والحكمة بمنهج التَّدارُس!
  • نور القرآن لا يمتَدّ شُعاعه إلى الآخرين؛ إلَّا باشتعال قلب حامل كلماته، وتوهّجه بحقائقه الإيمانية الملتهبة!

الرِّسالة الثَّانية: مجالس القرآن منهاج الغرباء

  • إنَّ الحامل لجمرةٍ واحدةٍ من جمر آية واحدة، يكتوي بلهيبها، ويستهدي بنورها؛ لأنفع لنفسه وللنَّاس -بإذن الله- من مئات الحفاظ للقرآن كاملاً.
  • قال تعالى: ﴿‌وَقَلِيلٞ ‌مِّنَ ‌ٱلۡأٓخِرِينَ﴾ [الواقعة: 14]، وفي حق نوح عليه السلام: ﴿‌وَمَآ ‌ءَامَنَ ‌مَعَهُۥٓ ‌إِلَّا ‌قَلِيلٞ﴾ [هود: 40]، وفي حقّ موسى عليه السلام: ﴿فَمَآ ءَامَنَ لِمُوسَىٰٓ ‌إِلَّا ‌ذُرِّيَّةٞ ‌مِّن قَوۡمِهِۦ عَلَىٰ خَوۡفٖ مِّن فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِمۡ أَن يَفۡتِنَهُمۡۚ وَإِنَّ فِرۡعَوۡنَ لَعَالٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلۡمُسۡرِفِينَ﴾ [يونس: 83]
  • «صحيح البخاري» (5/ 2157): «حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ‌عُرِضَتْ ‌عَلَيَّ ‌الْأُمَمُ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ وَالنَّبِيَّانِ يَمُرُّونَ مَعَهُمُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ.»
  • «الأذكار للنووي ت الأرنؤوط» (ص160): «قال أبو عليّ الفُضيل بن عِياض رضي الله عنه ما معناه: الزمْ طرقَ الهدَى، ولا يضرُّكَ ‌قلّةُ ‌السالكين، وإياك وطرقَ الضلالة، ولا تغترَّ بكثرة الهالكين»
  • «صحيح مسلم» (8/ 159): «وَإِنِّي ‌خَلَقْتُ ‌عِبَادِي ‌حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا، وَإِنَّ اللهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَقَالَ: إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لِأَبْتَلِيَكَ وَأَبْتَلِيَ بِكَ، وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَابًا لَا يَغْسِلُهُ الْمَاءُ، تَقْرَؤُهُ نَائِمًا وَيَقْظَانَ»
  • معلوم أنَّ بضعة رجال من النَّصارى المُوحّدين، ممَّن بقي على دين عيسى عليه السلام، من غير تحريف ولا تبديل؛ قد فرُّوا بدينهم – خوفاً من اضطهاد الكنيسة البيزنطية، القائمة على عقيدة التثليث، وعبادة الصَّليب – وتفرَّغوا لعبادة الله بعيداً في أطراف الجزيرة العربية.
  • قصَّة سلمان الفارسي «مسند أحمد» (39/ 144 ط الرسالة): «قَالَ: أَيْ بُنَيَّ، وَاللهِ مَا أَعْلَمُهُ أَصْبَحَ عَلَى مَا كُنَّا عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ آمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَهُ، وَلَكِنَّهُ قَدْ ‌أَظَلَّكَ ‌زَمَانُ ‌نَبِيٍّ هُوَ مَبْعُوثٌ بِدِينِ إِبْرَاهِيمَ يَخْرُجُ بِأَرْضِ الْعَرَبِ، مُهَاجِرًا إِلَى أَرْضٍ بَيْنَ حَرَّتَيْنِ بَيْنَهُمَا نَخْلٌ، بِهِ عَلَامَاتٌ لَا تَخْفَى: يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ، وَلَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ، فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَلْحَقَ بِتِلْكَ الْبِلَادِ فَافْعَلْ»
  • ﴿‌وَقَالَ ‌ٱلرَّسُولُ يَٰرَبِّ إِنَّ قَوۡمِي ٱتَّخَذُواْ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ مَهۡجُورٗا﴾ [الفرقان: 30]
  • إنَّ تأسيس «مجالس القرآن»، والسُّلُوك إلى الله عبر مدارجها الرَّبَّانِيَّة، لهو المفتاح الرئيس للوُلُوج إلى مدرسة رسول الله ﷺ، والسَّير على خُطاه في تجديد الدِّين، ومنهاج الدَّعوة إلى رب العالمين!
  • إنَّنا نعيش اليوم أزمة خفية في تحديد مفهوم الدِّين؛ تترتَّب عنها أزمة أخرى في تحديد مسلكه ومنهاج تجديده!
  • «صحيح البخاري» (5/ 1949): «جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ، يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ؟ قَدْ غُفِرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَقَالَ (أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ ‌رَغِبَ ‌عَنْ ‌سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي
  • والعبرة بعُمُوم اللَّفظ في كُلِّ مَن خالف النبي ﷺ، وسار على غير منهاجه، في الدِّين والدَّعوة جميعاً!
  • «المعجم الكبير للطبراني» (22/ 188): عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ، قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «أَبْشِرُوا، أَلَيْسَ تَشْهَدُونَ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ؟» قَالُوا: بَلَى قَالَ: «‌إِنَّ ‌هَذَا ‌الْقُرْآنَ ‌سَبَبٌ طَرَفَهُ بِيَديِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ فَتَمَسَّكُوا بِهِ فَإِنَّكُمْ لَنْ تَضِلُّوا، وَلَنْ تَهْلَكُوا بَعْدَهُ أَبَدًا»
  • «صحيح البخاري» (4/ 1919): «عَنْ عُثْمَانَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ
  • يا شباب الإسلام، هذا نداء الله فمن يجيبه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسۡتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ ‌إِذَا ‌دَعَاكُمۡ ‌لِمَا يُحۡيِيكُمۡۖ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيۡنَ ٱلۡمَرۡءِ وَقَلۡبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ﴾ [الأنفال: 24]
  • قد جعل اللهُ “الرُّوح” اسمًا من أسماء القرآن!
  • قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ ‌رُوحٗا ‌مِّنۡ ‌أَمۡرِنَاۚ مَا كُنتَ تَدۡرِي مَا ٱلۡكِتَٰبُ وَلَا ٱلۡإِيمَٰنُ وَلَٰكِن جَعَلۡنَٰهُ نُورٗا نَّهۡدِي بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنۡ عِبَادِنَاۚ وَإِنَّكَ لَتَهۡدِيٓ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ﴾ [الشورى: 52]
  • قال تعالى: ﴿يُنَزِّلُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ ‌بِٱلرُّوحِ ‌مِنۡ ‌أَمۡرِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦٓ أَنۡ أَنذِرُوٓاْ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱتَّقُونِ﴾ [النحل: 2]
  • قال تعالى: ﴿‌رَفِيعُ ‌ٱلدَّرَجَٰتِ ‌ذُو ٱلۡعَرۡشِ يُلۡقِي ٱلرُّوحَ مِنۡ أَمۡرِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ لِيُنذِرَ يَوۡمَ ٱلتَّلَاقِ﴾ [غافر: 15]
  • وجمهور المفسرين على أن المقصود بلفظ “الرُّوح” في هذه الآيات إنَّما هو الوحي والقرآن!
  • إنَّ نداء الدَّعوة بالقرآن هو نداء عام لكل مُسلم ومُسلمة.
  • حُضُور العلماء في الإشراف على المجالس القرآنية ومسيرتها الدعوية ضرورة شرعية!
  • يكفي أن يحوز على رصيد من العلم بالعربية، يكفيه لفهم خطاب القرآن على الإجمال. وله – بعد ذلك – في كتب التفسير، وفي إرشاد أهل العلم، ما يُسدِّد خطوه في التَّدرُّج بمنازل القرآن.
  • وإنَّما كان المخاطبون بهذا القرآن في البدء قوماً أمِّيِّين، لا يكتبون ولا يقرؤون! ولا معرفة لهم حتى بمبادئ العُلُوم … وإنَّما كانوا على فطرة صافية من اللَّسان العربي، تلقُّوا بها كلمات الله؛ فجعلت منهم خير أُمَّة أخرجت للنَّاس!
  • قال تعالى: ﴿‌هُوَ ‌ٱلَّذِي ‌بَعَثَ فِي ٱلۡأُمِّيِّـۧنَ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ﴾ [الجمعة: 2]

الرِّسالة الثَّالثة: إنَّه وحيٌ، فتعرَّضوا له!

  • هذا كتاب الله بين أيدينا، فكيف نقتبس نوره؟ كيف نتلقَّى رسالاته؟ كيف نشعر بوقع كلماته في قلوبنا؟ كيف نكتشف ذلك النُّور الذي تتحدَّث عنه الآيات؟ وكيف نتلقَّى ذلك الرُّوح الذي تَفيض به الكلمات؟
  • المُشكلة اليوم هي أنَّنا نقرأ القرآن على أنَّه مُجرَّد مُصحف لا روح فيه! والمُشكلة هي أنَّ الشُّعُور بهذه الحقيقة العظيمة اليوم (أنَّ القرآن وحيٌ وروح)، شُعُور مَيِّت لا حياة فيه! وكأنَّ الطَّبيعة التَّنزيلية للقرآن شيء كان وانتهى، ولا معنى له اليوم في حياتنا المُعاصرة!
  • إنَّ أهمّ فصل في تعريف القرآن المجيد هو أنه: كلام الله ربّ العالمين! وما كان لكلام الحي الذي لا يموت أن يبلى أو يموت! ولكنَّ الذي يموت هو شعورنا نحن! والذي يبلى هو إيماننا نحن!
  • هذا شيء مُهم جداً، فكون القرآن وحياً هو المعراج الرَّئيس الذي به يرتقي القارئ له إلى سماء القرآنية! وهو معنى مُصاحب لطبيعته أبداً، بمعنى أنَّ صِلَة القُرآن بالسماء هي صِلَة أبدية!
  • صلة الإنسان بالسماء عن طريق القرآن الكريم
  • الوحي نورٌ حاضرٌ، وروحٌ حيٌّ، يتدفَّق الآن في كل آيات القرآن، وينبع من تحت كلِّ كلماته، شلالات من كوثرٍ ثَجَّاج!
  • انقطع الوحي التاريخي، أي انقطع فعل التنزيل الذي كان في الزمان والمكان، ولكن بقي الوحي القرآني، أو (الوحي/ القرآن)! والوحي هُنا صِفَة اسمية من أسماء القرآن المجيد، قال تعالى: ﴿قُلۡ إِنَّمَآ ‌أُنذِرُكُم ‌بِٱلۡوَحۡيِۚ﴾ [الأنبياء: 45]، وقال تعالى: ﴿‌إِنۡ ‌هُوَ ‌إِلَّا ‌وَحۡيٞ يُوحَىٰ﴾ [النجم: 4]
  • «صحيح البخاري» (4/ 1907): «قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ ‌عَاقِلٌ ‌لَا ‌نَتَّهِمُكَ، وَقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَتَتَبَّعَ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ»
  • ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ ‌لِأُنذِرَكُم ‌بِهِۦ وَمَنۢ بَلَغَۚ﴾ [الأنعام: 19]
  • فالوحي – كما ترى – له دلالتان: الوحي الحَدَث، أي النُّزُول الخَفِيّ مِن السَّماء، وهو سبب النُّبُوَّة، وهو الذي انقطع. والوحي الصِّفة، وهو لا ينقطع أبدًا. فلك أن تقول: القرآن هو الوحي، والوحي هو القرآن.
  • قد يقول قائل: هذه حقائق بدهية فَلِمَ العناء؟ أقول: نعم؛ ولكنَّنا ننساها فنضل الطريق إلى القرآن! وإنَّما مُشكلة أجيالنا المُعاصرة أنَّها أضاعت بَدَهِيَّاتِهَا! حتى صِرنا في حاجة إلى إعادة تقرير معنى «الدِّين» نفسه!
  • النور، تلك هي طبيعة الوحي وصبغته، والنُّور روح، لكنَّه روح يسري في كلمات القرآن بخفاء، وإنَّما المؤمنون وحدهم يبصرون جداوله الرقراقة، وهي تتدفَّق بالجمال والجلال!
  • إنَّما هُما تابع ومتبوع، فالمتبوع داعية يرى بنور الله، ويسير على بصيرة من ربَّه؛ والثاني مؤمن بالنُّور مُصدِّق بدعوة صاحبه، يسير على خُطاه وهديه.
  • ذلك هو القرآن الوحي، إنَّه حجرٌ كريم، بل إنَّه نجمٌ عظيمٌ وقع على الأرض! ولم يزل معدنه النفيس يشتعل بين يدي كل من فَرَكَه بقلبه، وكابده بروحه، تخلُّقًا وتحقُّقًا!
  • ﴿‌قَدۡ ‌جَآءَكُم ‌بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَنۡ أَبۡصَرَ فَلِنَفۡسِهِۦۖ وَمَنۡ عَمِيَ فَعَلَيۡهَاۚ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيۡكُم بِحَفِيظٖ﴾ [الأنعام: 104]
  • ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ ‌يَجۡعَل ‌لَّكُمۡ ‌فُرۡقَانٗا وَيُكَفِّرۡ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ﴾ [الأنفال: 29]
  • ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱصۡبِرُواْ ‌وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ [آل عمران: 200]

الرِّسالة الرَّابعة: حول مفهوم التَّدبُّر

  • يبدو أنَّ أحد الأسباب التي تكمن وراء هذا الإعراض هو «تَهَيُّب» الإقبال على القرآن مُباشرةً ودون واسطة. ولكن هُنالك أيضاً صِنف من المُسلمين يخافون أن يعملوا فكرهم في آيات الله، وإن كان بحُضُور التَّفسير!
  • فما هي الضوابط التي ينبغي الالتزام بها أثناء تدارس القرآن أو تدبره؟ ما الذي يضمن أن العبد لن ينجرف وراء خواطر شيطانية، وهو يظنها رحمانية؟ وإلى أي حد يمكن أن يقول «برأيه» في استخراج معاني القرآن وحقائقه الإيمانية؟
  • لقد أشرت إلى بعض حقائق التدبر في كتيب «مجالس القرآن». عشرين ضابطاً لمجلس التَّدارُس والتَّدبُّر.
  • أحببتُ نزعَ ما يلقيه الشيطان في النَّفس – تحت ستار الورع وذريعة التقوى! من الصَّدّ عن تدبُّر كتاب الله!
  • لا بُدَّ من بيان أنَّ التَّدبُّر هو غير التَّفسير! فالتَّفسير بيان وشرح للمعنى، بينما التَّدبُّر اتِّعاظ بالمعنى واعتبار به وتذكُّر! وبينهما فرق كبير!
  • إنَّ التَّفسير من الفَسْرِ، وهو: الكشف والبيان؛ لأنَّه يكشف اللِّثام عن معانيه اللُّغوية والسِّياقية والشَّرعية، باستعمال قواعد التَّفسير المعروفة عند أهله. وهذا هو علم التفسير.
  • الشيخ العلامة «عبد الرحمن حبنَّكة الميداني» رحمه الله، له كتاب بعنوان: «قواعد التَّدبُّر الأمثل لكتاب الله»، فوجدنا أنما هو كتاب في قواعد التفسير!
  • التَّدبُّر من التَّفعُّل، وهو بمعنى النَّظر إلى العاقبة، وما يمكن أن تؤول إليه، لمعرفة أسبابها ومُقدِّماتها، وهذا لا يُوجَد في كُتُب التَّفسير إلَّا نادراً؛ لأنَّه – في الغالب – عمل قلبي شخصي، ونظر نفسي لا ينوب فيه أحدٌ عن أحدٍ!
  • إنَّ التَّدبُّر هو مرحلة ما بعد التَّفسير، أي ما بعد الفهم للآية. والفَهْم المطلوب لتحصيل التَّدبُّر إنَّما هو الفهم الكُلِّيّ العام، أو بعبارة أخرى: الفَهْم البسيط. ولا يُشتَرَط في ذلك تحقيق أقوال المُفسِّرين، والغوص في دقائق كُتُب التفسير!
  • يُمكن لأيّ شخص أن يتدبَّر القرآن بعد التَّحقُّق من المعنى المشهور للآية، يقرؤها من أيّ تفسير أو يسمعها.
  • إنَّ التَّدبُّر حركة نفسية باطنية! تنظر إلى صيرورة النفس في الزمان والمكان، بالنِّسبة إلى احتمالين، الأول: احتمال مُتابعة القرآن والاستسلام لأحكامه وحكمه. والثاني: عكسه، وهو النكوص، والتَّمرُّد، والجُحُود، والعصيان! ففي كلا الأمرين ينظر المُتأمِّل إلى مآل الحال المُحتمل! ذلك هو التَّدبُّر!
  • إنَّه إذن ضربٌ من المُحاسبة للنَّفس في ضوء القرآن، والمُراقبة لأحوالها، في صيرورتها الذَّاتية والاجتماعية.
  • يكفي المُتدبِّر للقرآن أن يعلم المعنى العام للآية أو السورة، مِمَّا أُثِرَ عن جمهور السَّلف؛ ليدخل في مسلك التَّدبُّر! ولا شَكَّ أنَّ عِلْم العالم وخبرة المُفسِّر تعطيه فُرصة أكبر بكثير؛ لتعميق التَّدبُّر في الآيات، والوُصُول بها إلى أرقى منازل الإيمان!
  • جمهور المُعجم القرآني من الميسور المعلوم، بل إنَّ كثيراً منه مُتداول في اللهجات العامِّيَّة العربية!
  • التَّدبُّر ليس حِكراً على المُفسِّرين ولا على الجيولوجيين، وإن كان لهؤلاء وأولئك من العِلْم ما يجعلهم يتفوَّقون ويسبقون به غيرهم، إذا أخلصوا النَّظر لله! نعم، ولكنَّ الله قد أتاح لكُلِّ ذي عينين، وأذنين، وقلب حي، أن يسلك إلى ربه عبر ما يسر الله له من التَّدبُّر والتَّفكُّر.
  • قال أحدُ الحدَّادين: أمَّا أنا، فإنَّه لرُبَّما أصابتني أحياناً شرارةٌ طائشةٌ من هذا الحديد المجمَّر بين يديَّ؛ فتثقب ثوبي ثمَّ جلدي، فيكون لها من الألم الشديد ما الله به عليم! وإنَّ ذلك ليكفيني ترهيباً وتحذيراً من نار جهنم! هذه مُجرَّد ذرَّة من نار الدُّنيا، فترى كيف تكون نار الآخرة! وإنَّني لأرى بعيني أنَّ نار الدنيا هاته التي بين يديَّ لدليل كافٍ على وُجُود نار الآخرة!
  • ﴿فَإِنَّهَا ‌لَا ‌تَعۡمَى ‌ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَلَٰكِن تَعۡمَى ٱلۡقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ﴾ [الحج: 46]
  • ﴿‌أَفَلَا ‌يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَۚ وَلَوۡ كَانَ مِنۡ عِندِ غَيۡرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخۡتِلَٰفٗا كَثِيرٗا﴾ [النساء: 82]
  • ﴿‌أَفَلَا ‌يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ أَمۡ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقۡفَالُهَآ﴾ [محمد: 24]
  • فإذا كان الكافر – وهو المجرد قطعاً من كل قواعد التفسير ومناهجه – مأموراً بالتَّدبُّر فالمُسلم أولى وأحرى!
  • إنَّ المُسلم – أيّ مُسلم – إنَّما عليه أن يصطحب مُختصرا صغيراً من كُتُب التَّفسير، كتفسير الجلالين مثلاً، أو أحد مُختصرات ابن كثير، أو غيرهم؛ حتى يضبط بوصلة الاتِّجاه العام لمعنى الآيات، ثم يشرع آنئذ في التَّدبُّر للقرآن!
  • التَّدبُّر – بما هو تذكُّر واعتبار – فهو لعامَّة المسلمين.
  • المُفسِّر عالم وفقيه، يقوم ببيان الحقائق القرآنية والأحكام الشرعية، والتَّصدُّر للفتوى، بينا المُتدبِّر مُجرَّد مُتَّعِظ وواعظ. وقد يجمع اللهُ للمرءِ بين الخيرين، والعالم الحق لا يصح له إلَّا ذلك! ومِن ثمَّ جاز لنا أن نقول: كل عالم أو كل مُفسِّر مُتدبِّر، وليس كل مُتدبِّر مُفسِّرًا!
  • إنَّ الذي يمتنع عن تدبُّر القرآن أو ينهي غيره عن ذلك؛ بدعوى أنَّ التَّدبُّر أمرٌ خاصٌّ بعُلماء التَّفسير؛ إنَّما هو جاهل بهذا الفرق الجوهري الكبير بين التَّفسير والتَّدبُّر! وأخشى أن يكون الشيطان قد لبَّس عليه تلبيساً؛ ليحرمه – هو في نفسه – من نور القرآن.
  • مُصطلح «التَّدبُّر» في القرآن قريب من مصطلح «التَّفكُّر» وإن لم يكونا مُترادفين؛ فكأنَّ «التَّدبُّر» ينصرف استعماله غالباً إلى تأمُّل القرآن، بينما «التَّفكُّر» ينصرف استعماله إلى تأمُّل الكون المنظور!
  • إذا تأمَّلتَ وجدتَ نتيجة كلٍّ مِن التَّدبُّر والتَّفكُّر واحدة، ألَا وهي: الاتِّعاظ والاعتبار!
  • النَّظر التَّفكُّري في الكون ليس عملاً عقليًّا مُعقَّدًا، خاصًّا بعلماء الفيزياء والكيمياء والفلك والرياضيات والبيولوجيا والطبيعيات…إلخ! نعم، هُم مشمولون بأمره، بل هم أولى به! ولكن، لعلَّ فلَّاحاً بسيطًا، يصِل إلى عِبَر للقلب لا يتحقَّق بها المُتخصِّص الخبير! لأنَّ نتائج كُلٍّ من التَّدبُّر والتَّفكُّر مَحْضُ هبة من الرحمن، ومُجرَّد هُدًى منه تعالى!
  • إنَّ التَّدبُّر والتَّفكُّر يؤولان معاً إلى مصطلح قرآني مركزي ثالث، ألَا وهو: التَّذكُّر. قال تعالى: ﴿كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ إِلَيۡكَ مُبَٰرَكٞ ‌لِّيَدَّبَّرُوٓاْ ءَايَٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ [ص: 29]
  • يختص «التَّدبُّر» بتحصيل الذِّكرى عن طريق النَّظر في الآيات القرآنية! بينما يختص «التَّفكُّر» بتحصيل الذكرى بالآيات الكونية! وأحدهما يؤدِّي إلى الآخر، فالتَّدبُّر للقرآن يقودك إلى التَّفكُّر في الوُجُود، والتَّفكُّر في الوُجُود يعود بك إلى القرآن!
  • ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكۡرَىٰ ‌لِمَن ‌كَانَ ‌لَهُۥ ‌قَلۡبٌ أَوۡ أَلۡقَى ٱلسَّمۡعَ وَهُوَ شَهِيدٞ﴾ [ق: 37]
  • إنَّ المُتدبِّر أو المُتفكِّر – كليهما – في حاجة إلى التَّحقُّق بأمرين اثنين، الأول: الفهم العام للآية قراءة، أو سماعاً إن كان أُمِّيًّا، ويحسن أن يكون ذلك بمجلس مُدارسة، تعلُّمًا وتعليمًا، على منهاج رسول الله ﷺ مُعلِّم الأُمِّيِّين. الثاني: إخلاص النَّظر لله! وكلاهما بمقدور جميع النَّاس.
  • السُّنَّة هي البيان الرئيس للقرآن الكريم ومفاهيمه.
  • «صحيح ابن حبان: التقاسيم والأنواع» (7/ 722): «قَالَ ابْنُ عُمَيْرٍ: أَخْبِرِينَا ‌بِأَعْجَبِ ‌شَيْءٍ ‌رَأَيْتِهِ ‌مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالَ: فَسَكَتَتْ ثُمَّ قَالَتْ: لَمَّا كَانَ لَيْلَةٌ مِنَ اللَّيَالِي، قَالَ: “يَا عَائِشَةُ، ذَرِينِي أَتَعَبَّدُ اللَّيْلَةَ لِرَبِّي”، قُلْتُ: وَاللهِ إِنِّي لأُحِبُّ قُرْبَكَ، وَأُحِبُّ مَا يَسُرُّكَ، قَالَتْ: فَقَامَ فَتَطَهَّرَ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، قَالَتْ: فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ حِجْرَهُ، قَالَتْ: ثُمَّ بَكَى وَكَانَ جَالِساً، فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ لِحْيَتَهُ، قَالَتْ: ثُمَّ بَكَى فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ الأَرْضَ، فَجَاءَ بِلَالٌ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ، فَلَمَّا رَآهُ يَبْكِي، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لِمَ تَبْكِي وَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ؟! قَالَ: “أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا، لَقَدْ نَزَلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ آيَةٌ، وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَهَا وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} [آل عمران: 190]، الآيَةَ كُلَّهَا» قال الألباني: إسناده جيد، وحسنه في صحيح الترغيب.
  • على المؤمن أن يجعل تفكُّره في الظَّواهر الكونية مُرتبطاً بتدبُّره للآيات القرآنية.
  • قال تعالى: ﴿وَوُضِعَ ٱلۡكِتَٰبُ فَتَرَى ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُشۡفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَٰوَيۡلَتَنَا ‌مَالِ ‌هَٰذَا ‌ٱلۡكِتَٰبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةٗ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحۡصَىٰهَاۚ وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرٗاۗ وَلَا يَظۡلِمُ رَبُّكَ أَحَدٗا﴾ [الكهف: 49]. كان الفضيل بن عياض إذا قرأ هذه الآية يقول: يا ويلتاه! ضجُّوا إلى الله تعالى من الصَّغائر قبل الكبائر!
  • ثمرة التَّدبُّر والتَّفكُّر هو تهييج النَّفس على العَمَل، وتنشيط القلب على السَّير، وتوثيق إرادة النَّفس على عزائم الأعمال!

الرِّسالة الخامسة والأخيرة: الإخلاص بوصلة الطَّريق!

  • إنَّ قوافل الدُّعاة وصُفُوف العاملين للإسلام، لهي أوَّل ما يرميه إبليس بفتن التَّشتيت والتَّفتيت، وعواصف التَّشريد والتَّبديد!
  • إنَّنا ننسى ونغفل عن وُجُود شيء اسمه «الشَّيطان»، ولا نكاد نتذكَّر وُجُوده إلَّا عندما نقرأ بعض آيات من القرآن! وما لنا وللشَّيطان؟ إنَّه بعيدٌ عنَّا! إنَّه هُناك في أعالي البحار النَّائية! فلا يخطر بالبال أنَّه هو يُدير معركة الشر من هناك، ويقود جنده في أوساطنا، بل في أعماق أنفسنا!
  • ﴿‌إِنَّ ‌ٱلشَّيۡطَٰنَ ‌لَكُمۡ ‌عَدُوّٞ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوًّاۚ إِنَّمَا يَدۡعُواْ حِزۡبَهُۥ لِيَكُونُواْ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ﴾ [فاطر: 6]
  • ننسى أنَّ قُرناء السُّوء من شياطين الجِنّ يعملون لحساب إبليس في كل مكان! أم أنَّ الشيطان غير موجود؟ أم أنَّ القرين وهمٌ؟
  • قرأتُ القرآنَ، فوجدتُ أنَّ دعوة الإسلام دينٌ! دينٌ يُعْبَدُ به الله الواحد القهار، وليست شيئاً آخر! ما هي بانتماءات ولا شعارات، ولا أحزاب، ولا ألقاب!
  • ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ ‌فَٱعۡبُدِ ‌ٱللَّهَ ‌مُخۡلِصٗا لَّهُ ٱلدِّينَ * أَلَا لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلۡخَالِصُۚ﴾ [الزمر: 2-3] ومعنى الخالص: النَّظيف الصافي على أكمل ما يكون الصَّفاء!
  • ﴿قُلۡ إِنِّيٓ أُمِرۡتُ أَنۡ أَعۡبُدَ ٱللَّهَ ‌مُخۡلِصٗا ‌لَّهُ ٱلدِّينَ﴾ [الزمر: 11]
  • ﴿وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُواْ ٱللَّهَ ‌مُخۡلِصِينَ ‌لَهُ ‌ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُواْ ٱلزَّكَوٰةَۚ وَذَٰلِكَ دِينُ ٱلۡقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5]
  • إنَّ العمل الإسلامي الخالص لا يُمجِّدُ الرُّمُوز والقيادات التي تتحولُ في قلوب الأتباع إلى أوثان معنوية! وإنَّما يُمَجِّدُ الله الواحد القهّار!
  • «صحيح مسلم» (6/ 47): قال رسول الله ﷺ: إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ، رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، ‌وَرَجُلٌ ‌تَعَلَّمَ ‌الْعِلْمَ ‌وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ، وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ.
  • «صحيح البخاري» (3/ 1034): «عَنْ أَبِي مُوسَى رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلذِّكْرِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ، فَمَنْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: ‌مَنْ ‌قَاتَلَ ‌لِتَكُونَ ‌كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»
  • «سنن النسائي» (6/ 49): «عن أبي أُمامةَ الباهليّ قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ، فقال: أرأيتَ رجلًا غَزَا يَلْتَمِسُ الأجرَ والذِّكْر، ما له؟ فقال رسولُ الله ﷺ: “لا شَيْء له”، فأعادَها ثلاثَ مرَّات؛ يقولُ له رسولُ الله ﷺ: “لا شَيْء له”، ثم قال: “إنَّ الله ‌لا ‌يَقْبَلُ ‌من ‌العملِ إلا ما كان له خالصًا، وابتُغِيَ به وَجْهُهُ“»
  • إنَّ الإخلاص هو الدِّين! وإنَّ الإخلاص هو الدَّعوة! وما فَقَدَ عبدٌ الإخلاصَ فيهما إلَّا فَقَدَ الدِّين والدَّعوة جميعاً!
  • المُخلصون هُم الذين يحضرون في المغارم ويغيبون عند المغانم!
  • لا طريق إلى الله إلَّا طريق الإخلاص! وأنْ ليس لشهادة: أن لا إله إلا الله، التي هي عنوان الإسلام، من معنى غير الإخلاص!
  • كيف السبيل إلى التَّحقُّق بالإخلاص؟! الإخلاص قَرَارٌ ومُكابدة! أو قُل: عزيمة ومُجاهدة!
  • قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ ‌يَرۡجُونَ ‌رَحۡمَتَ ‌ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [البقرة: 218] فكما ترى هذه مراتب ثلاث: الإيمان، والهجرة، والجهاد. فالإيمان أساس لا يصح عمل بدونه!
  • هجرة الروح إلى منزلة الإخلاص.

من أهمّ كتب الشيخ:

  • مجالس القرآن.
  • جمالية الدين.
  • بلاغ الرسالة القرآنية.
  • الفطرية بعثة التجديد المقبلة.
  • أبجديات البحث في العلوم الشرعية.

الحمد لله رب العالمين

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

اكتشاف المزيد من مدونة التاعب

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading