القائمة إغلاق

خُلاصة كتاب: الإسلام بين الشرق والغرب، تأليف: علي عزتبيجوفيتش

 

بسم الله الرحمن الرحيم

خُلاصة كتاب:

الإسْلَامُ بَيْنَ الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ

تأليف: علي عزتبيغوفيتش

نقله إلى العربية وراجعه وقدم له: عبد الرحمن أبو ذكري

طابقه على الأصل البوسنوي: كريم علي الماجري

طبعة: تنوير للنشر والإعلام

تحميل الخُلاصة: [DOC] [PDF]

فهرس الموضوعات:

تصدير: مِن ضِيق الواحِدِيَّة إلى سَعَة الثُّنائيَّات.. 4

مُقدِّمات.. 7

على سبيل التَّقديم. 7

فهرس المفاهيم المُتقابلة. 10

القِسْم الأوَّل: اسْتِعْرَاضُ الْمُقَدِّمَاتِ الْمَنْطِقِيَّة. 10

الفَصْل الأوَّل: الخَلْق والنُّشُوء 10

دارون ومايكل آنجيلو. 10

المثالية الأصلية. 12

ازدواجية العالم الحي16

معنى الإنسانية. 17

الفَصْل الثَّاني: الثَّقافة والحَضَارَة 21

الأداة والعبادة؛ تاريخان متباينان. 21

انعكاس ازدواجية الحياة 21

التَّعليم والتَّفكُّر. 22

التَّعليم التِّقني والتَّعليم الكلاسيكي.. 23

الثَّقافة الجماهيريّة. 24

الرِّيف والمدينة. 25

الطَّبَقَة العَامِلَة. 25

الدِّين والثَّورة 25

التَّقدُّم ضِدّ الإنسان. 25

تشاؤم المسرح. 28

العَدَمِيَّة. 28

الفَصْل الثَّالِث: ظاهرة الفَنّ. 29

الفن والعلوم الطبيعية/ المادية. 29

الفَنّ والدِّين. 31

الفَنّ والإلحاد. 31

العَالَم المَادِّيّ للفَنّ. 32

دراما الوجه الإنساني. 32

الفَنَّان وعَمَلُه. 32

الفَنّ والنَّقْد. 32

الفَصْل الرَّابع: الأخلاق. 33

الالتزام والمنفعة. 33

النِّيَّة والعَمَل. 34

التَّدريب والتَّربية. 35

الأخلاق والعقل. 36

العلوم الطبيعية/ المادية والمشتغلون بها، أو كانط ونقادُه الاثنان. 37

الأخلاق والدِّين. 38

الأخلاقي والنَّافِع، أو أخلاق المصلحة العامَّة المزعومة. 40

الأخلاق بلا إله.. 42

الفَصْل الخامِس: الثَّقافة والتَّاريخ. 43

الهيومانية الأوَّلية. 43

الفَنّ والعُلُوم الطَّبِيعِيَّة/ المَادِّيَّة. 44

الفَلْسَفَةُ الأَخْلَاقِيَّةُ وَالتَّارِيخُ. 44

الفَصْل السَّادِس: الدّرامَا والطُّوبيا 44

المُجتمع المثالي. 44

الطوبيا والقيم الأخلاقية. 45

الأتباع والهراطقة. 45

المُجتَمَع والجماعة. 46

الهُوِيَّة الشَّخصِيَّة و الفَرْد الاجتماعي 46

الطوبيا والأسرة 47

القِسْمُ الثَّاني: الإسْلامُ؛ وِحْدَةٌ ثُنَائِيَّةُ القُطْبِ.. 49

الفَصْل السَّابع: موسى، وعيسى، ومحمد. 49

الآن وهنا 49

الدِّين المُجرَّد 50

الاستجابة للمسيح وجحده 51

الفَصْل الثَّامِن: الإسلام والدِّين. 53

ثنائية قطب أركان الإسلام الخمسة. 53

دِينٌ اسْتَقْبَلَ الطَّبِيعَة. 55

الإسلام والحياة 57

الفَصْل التَّاسِع: الطَّبيعة الإسلامية للقانون. 57

وَجْهان للقانون. 57

العِقَاب والدِّفَاع الاجتماعي.. 58

الفَصْل العَاشِر: عن استحالة تحقُّق الدِّين المُجرَّد والمَادِّيَّة الخَالِصَة. 60

يسوع والمسيحية. 60

ماركس والماركسية. 61

الزَّوَاج. 61

نوعان من الخرافات.. 62

الفَصْل الحَادِي عَشَر: الطَّريق الثَّالِث خارج نِطَاق الإسلام. 63

العَالَم الأنجلوسكسوني. 63

تنازل تاريخي وديمقراطية اجتماعية. 64

التَّسليم لله.. 64

 

تصدير: مِن ضِيق الواحِدِيَّة إلى سَعَة الثُّنائيَّات

يَعْرِف أستاذنا عبد الوهاب المسيري ﷲ الواحِدِيَّة المادية بأنها توحّد الإنسان والطبيعة،

يواصل الأستاذ موضحًا أنه في مثل هذا العالم الواحِدي الأمَلَس، ينتفي الإنسان المركب وتسقط كرامته الإلهية؛

وفي هذا النسق الجهنمي، تصير الحواس هي مصدر المعرفة وأداتها الوحيدة، وتُسْتَمد المنظومات المعرفية والأخلاقية من العالم الطبيعي / المادي، وتُرَدُّ الأخلاق كافة إلى الاعتبارات المادية (الاقتصادية والاجتماعية والسياسية)،

هذه الواحدة التي يصطليها الإنسان في بعض أطوار الحضارة الحتمية، لا تسلَّط على الواقع إلا بتغييب الألوهية، أو بما اعتبره نيتشه موتاً للإله.

ولا يعود ثمة طريق لاستنقاذ الإنسان سوى استعادة هذه الثنائيات التوحيدية تارة أخرى،

وثنائيات هذا الكتاب التجديدي الفذ قَبس صادق من الثنائية التوحيدية الأساسية الكبرى (الخالق والمخلوق)، ولما تولَّد عنها من ثنائيات مركزية (ثنائية الإله والإنسان، وثنائية الإنسان والعالم، وثنائية الإله والعالم).

فهو في بنائه لبنية هذا النص الكلامي المتين، آخذ بيد قارئه؛ ليكشف له وجهه في الحالين: حين يستمد من ربه الحق، وحين يوكل إلى نفسه؛ مُعيّناً إياه على خوض تجربة الاختيار الواعي المسؤول بين الرؤيتين الكونيتين، وما يتمخض عنهما من آثار في الوجود.

قصد المؤلف إلى أن تحقيق الإسلام واقعًا إنما هو مراوحة بين ثنائية،

فالإسلام يُشكل ثنائياته الخاصة ويعبر عن وجوده وتنزله من خلالها، وإن جعلتها ضغوط العصر أكثر حدة وأشد استقطابًا.

لقد وقع إيجاد الإنسان -بادئ أمره- من عدم؛ فتولّدت ثنائية الخالق والمخلوق، ثم لما أهبط إلى الأرض مُكلفًا، تولّدت ثنائيتان أخريان (الإله والعالم، والإنسان والعالم)،

إن الإنسان الذي أهبط إلى الأرض كُرْهًا، يُدرك إدراكًا قطعيًّا أنه لا يمكن أن يصير إلهًا، وما تأليه الكاذب إلا أداة يستعملها جوزًا للتسلط على الخلق واستغلالهم بصرفهم عن ربهم الحق.

فإن إدراك المسافة بين الإله والعالم وبين الإنسان والطبيعة ليس بالوضوح القطعي نفسه؛ إذ هما مدار التكليف، وببيانهما ابعث الرسل وأنزلت الكتب. لينزل الوحي مُذَكِّرًا الإنسان بكرامته، وأنه متى التصق بالطبيعة، صار شيئًا ماديًا لا قداسة له ولا قيمة؛ صار أدنى مرتبة من الحيوان الأعجم.

ومتى توهم اتحاد الإله بالطبيعة؛ مات الإله فانتفت الأخلاق والقيم، وسقطت الشرائع وصارت الطوبيا ممكنة؛ أي صارت الحضارة معبودًا مبتغى، بوصفها الفردوس الأرضي المرغوب لأنه الفردوس الوحيد الممكن في هذا النسق الكفري المتنكر لليوم الآخر.

إن تعطيل الثنائيات التوحيدية في الوجود يؤدي إلى توليد ثنائيات جديدة ، تُبنى على الرؤية الكونية الجديدة ؛ ثنائيات شرك تُبنى على رؤية الشرك للكون.

إذ أثبتت التجربة الإنسانية أن العالم مكوّن بالفعل من ثنائيات، وأن محاولة الحضارة الغربية الملحدة تصفية هذه الثنائيات -نظريًّا- إلى واحدية مادية، بترويج السيولة؛ تؤدي في واقع الأمر إلى إعادة تقسيم العالم من جديد، و خلق ثنائيات جديدة؛ تنتمي إلى الرؤية الكونية للشرك، لكنها لا تُفضي إلى واحدية عملية مطلقًا.

ولعل المثال الأبرز على ما نذهب إليه هو ما يتمخض عن ترويج الشذوذ و التحول الجنسي في واقعنا الراهن، والذي يُراد به تقويض الفطرة البيولوجية الإنسانية الراسخة. فإن الشواذ أو المتحولين جنسيًا أو المخنثين لا ينجرفون إلى سيولة عبثية كاملة، وإنما يُعيدون إنتاج الثنائيات الفطرية إنتاجًا مشوهًا. وما أيسر أن يجد الدارس والمراقب المتفحص عددًا من القرائن الدامغة على أن كافة هذه العلاقات الشاذة، تحكمها ثنائية الذكر – الأنثى الأولية نفسها، وإن أعيد إنتاجها داخل نفس الجنس! فداخل علاقة السحاقيات، تضطلع أنثى بدور الذكر، وتضطلع الأخرى بدورها الأنثوي الطبيعي/ المادي، وهو ما يتحقق نفسيًا واجتماعيًا ليكفل للعلاقة الاستمرار بقدر من التوازن؛

والأمر نفسه يتحقق داخل علاقة الشواذ من الذكور؛ فإن الطرف السلبي المتلقي يتخنث تخنثًا واضحًا لا تخطئه عين الإنسان سليم الفطرة.

فإننا سنجد كذلك إعادة إنتاج للثنائيات على المستوى النظري، لا بوصفه تنظيراً مُجرَّداً؛ وإنما بوصفها عملية تخطيط مُنظَّم لإحلال ثنائيات شرك محل ثنائيات التوحيد، وذلك لإحكام سيطرة القائم بترشيد الواقع على سياقه.

فإن الحضارة المهيمنة، … تحاول إعادة إنتاج كافة الأقطاب الدينية ، والتي قد تُفسد عليها هيمنتها على الإنسان-الشيء،

إن الحضارة تدفع بالإنسان دفعًا إلى توهُم الطوبيا، حتى يركن إلى الدنيا التي لفّقها له القائم بترشيد الواقع، وينسى اليوم الآخر؛ فيسهل من ثم السيطرة عليه وتوظيفه وحوسلته.

نجد أن الرؤية الكونية الإسلامية نقيض لهذا الوهم على طول الخط؛ فهي ترسخ أن الدنيا خُلقت دار حرب وبلاء، ولم تُخْلَقْ دار سلام وقرار، وأن الإنسان خُلِق في كبد دائم في سبيل عروجه إلى الله وتحقق خلاصه، وما الراحة في هذا الوجود الناقص سوى استثناء هامشي مختلس لا يعول عليه. لهذا، يعني الإسلام بالإنسان وتنشئته وتربيته، ويتعهّد روحه تعهدًا دائمًا؛ ليتقوّى بالله ويشتد عوده بترسخ إيمانه.

وما أن بدأت أُدرك قصور التحصيل بغير مكابدة، حتى شرعت أبواب المعرفة تُفتَح لي. وصحيح أن كلنا يُكابد الحياة يوميًا، بيد أن مكابدة ما نتعلمه تبدأ بمحاولة تمثله تَمثُلا واعيًا؛ فلا شيء يُنضج المعرفة ويُعمقها ويَختبر قدراتها الحقيقية مثل محاولات تنزيلها.

لقد جعلتني الحركة بالمعرفة أشهد ما لم أكن لأشهده أبدًا بالتحصيل الساكن؛

ما أفضى بي إلى عقد عدة حلقات خاصة لشرح الكتاب الذي بين يديك في عام ٢٠١٢م. وقد استمرت عشرة أسابيع، وكان اللقاء الواحد يتجاوز الساعات الثلاث أحيانًا.

وليس من المستغرب أن الله تعالى قد أنطقني في أول تلك الحلقات بمقولة اشتهرت عني بعدها: كل نصّ بشري لا يعود بك للوحي الإلهي؛ فلا يعوَّل عليه .

مُقدِّمات

على سبيل التَّقديم

يَتَّسِمُ العالم الحديث بمجابهة أيديولوجيّة حادَّة، وكُلُّنَا متورِّط فيها، سواء بوصفنا مشاركين فيها أو ضحايا لها. فما منزلة الإسلام في هذه المواجهة الجسيمة؟ ألهُ دورٌ في تشكيل العالم القائم؟

وثَمَّةَ ثلاثة رؤى متكاملة للكون فحسب: الرؤية الدينيَّة [المجرَّدة]، والرؤية المادّيّة، والرؤية الإسلاميّة.

في هذا الكتاب، يُحمَّلُ لفظ Religion على المعنى الذي يطويه في أوروبا؛ أي الإيمان بوصفه تجربة باطنية لا تتجاوز علاقة شخصيّة مع الرب، وهي على هذا النحو تعبِّر عن نفسها في الدوغما والطقوس فحسب. وبمقتضى ذلك، لا يُمكن تصنيف الإسلام على أنّه دين [بهذا المدلول]، فهو أرْبَى من كونه دينًا [مجرَّدًا]، بما أنّه يحتوي الحياة.

وتُفسِّرُ كلُّ رؤيةٍ منها عن نفسها بوصفها دينًا مسيحيًّا، وأيديولوجية مادّيَّة، وإسلامًا. وجنس الأيديولوجيات والفلسفات والمذاهب كلّه، من أقدم العصور وإلى اليوم؛ يُمكن اختزالُهُ إلى إحدى هذه الرؤى الأساسيّة الثلاث للكون. وتتَّخذ الأولى لنفسها من وجود الروح نقطة انطلاق، [وتنبثق] الثانية من وجود المادَّة، [وتتّسع] الثالثة للوجود المتزامن للروح والمادَّة.

والإسلام هو اسم وحدة الروح والمادَّة، وأسمى الصور التي قد يكونها الإنسان نفسه.

ويكمن السبب في جميع إخفاقات الإنسان في الإنكار الديني للاحتياجات البيولوجيّة للإنسان، أو الإنكار المادي لأشواقه الروحيّة.

إن الازدواجية ألصق المشاعر الإنسانية، بيد أنها ليست بالضرورة هي أسمى الفلسفات الإنسانية؛

ففي الواقع، وبما أننا كائنات بشرية؛ فإننا نعيش واقعين اثنين. إن بوسعنا إنكار هذين العالمين، بيد أنه لا يُمكننا التخلُّص منهما؛ لأن الحياة لا تعتمد كثيرًا على إدراكنا لها.

ونحن لا نحوز برهاناً عقلياً على وجود عالم آخر، بيد أننا يتملكنا شعور جليّ بأن الإنسان لم يوجد لينتج ويستهلك فحسب.

إن الدين كما يُدرك في الغرب لا يحدو إلى التقدّم، والعلوم الطبيعية/ المادية لا تحدو إلى الفلسفة الهيومانية.

إلا أنه في واقع الأمر، ما من دين مُجرَّد ولا علوم طبيعية خالصة،

وقفنا على ما يُسمَّى بالتأويل البطولي للتاريخ، وتأويل توماس كارلايل مثال عليه؛ إذ تُفسِّر كافة الحوادث التاريخية بردِّها إلى تأثير بعض الشخصيات العظيمة: الأبطال.

والدعوة الدينية إلى تقويض الشهوات، تعيِّن أن يكون لها نقيضها المُكافِئُ في الإلزام الحضاري بابتداع شهوات جديدة دون انقطاع.

إن المسيحية تمنحنا خلاصًا، بيد أنه خلاص جواني فحسب. والاشتراكية تمنحنا خلاصًا برانيًا فحسب.

إن تعاليمهما المتعارضة، تشطر الحياة والحقيقة ومصير الإنسان فيما بينهما.

وثمة بعض الحقائق الأساسية، التي يرتكز عليها كل أحد في هذه الحياة، بقطع النظر عن فلسفته [التي يأخذ بها]. وقد تبينها الإنسان بفعل سلامة الإدراك، أو عبر النجاحات والإخفاقات. هذه الحقائق هي: الأسرة، والأمن المادي، والسعادة، والاستقامة، والصدق، والعافية، والتربية، والحرّيَّة، والمنفعة، والسلطة، والمسؤولية، وما إليها.

فشَرَعَت المسيحية -التي صارت كنيسة- بالحديث عن العمل، والثروة، والسلطة، والتعليم، والعلوم الطبيعية/ والمادية، والزواج، والتشريعات القانونية، والعدالة الاجتماعية، وما إلى ذلك. ومن جهة أخرى، تتحدث الفلسفة المادية -التي صارت أيديولوجية اشتراكية أو نظامًا ودولة- عن الهيمانية، والأخلاق، والفن، والخلق، والعدالة، والمسؤولية، والحرية، وهلمَّ جرا.

بيد أن الحقائق تظل على ما هي عليه بصرف النظر عن اعترافنا بها.

وفي بعض الدول الاشتراكية، يُكافأ العمل حُسْنُ الأداء بحافز أخلاقي [معنوي] عِوضًا عن الحافز المادي. إلا أن الحوافز الأخلاقية لا يُمكن للفلسفة المادية تفسيرها. والحال هو نفسه في الدعوات إلى الإنسانية والعدالة والمساواة والحرية وحقوق الإنسان، وهَلْمَ جَرّاء التي تُعَدُّ كلها ذات أصل ديني.

ومع ذلك، وحتى نستوعب العالم استيعابًا صحيحًا؛ فمِن المهم معرفة فحوى التصورات التي تحكم هذا العالم والوقوف على أصلها الحقيقي.

وثَمَّةَ إسلام واحد فحسب، بيد أن مثله مثل الإنسان؛ له روح وجسد.

إنَّ الإسلام لم يكن أبدًا مُجرَّد شعب، وإنَّما هو بالأحرى دعوة أُمَّة كي تأمر بالمعروف وتنهى عن المُنكر، أي أن تؤدِّي مُهمَّة أخلاقية.

ولأجل مستقبل حركة الإنسان العملية، فإن الإسلام يقصد إلى الدعوة لصياغة إنسان متزن في روحه وجسده، ومُجْتَمع ستُحفظ قوانينه ومؤسساته الاجتماعية والسياسية هذا الاتزان، ولا تنتهكه.

فإنَّ الإسلام مستقل أيديولوجيًا؛ أي غير منحاز.

فقد قُسِّم الكتاب إلى قسمين: الأول مقدمات منطقية، تُعالِج مسألة الدين في عمومها. والثاني يستعرض الإسلام، أو بتعبير أدق يستعرض جانبًا من جوانبه: ثنائية القطب.

هذا الكتاب يُعَدُّ- من باب أولى- مُحاولة لترجمة الإسلام إلى اللغة التي يتكلمها الجيل الجديد ويستوعبها.

فهرس المفاهيم المُتقابلة

فإن الاعتقاد بأن المادة – لا الوجدان – هي القاعدة الأولية للعالم (في الرؤية الكونية المادية)، يعقبها على الدوام أو يصحبها عدد من التصورات، والمعتقدات، والآراء القمينة بها.

القِسْم الأوَّل: اسْتِعْرَاضُ الْمُقَدِّمَاتِ الْمَنْطِقِيَّة

الفَصْل الأوَّل: الخَلْق والنُّشُوء

ليس الإنسان مُصمَّمًا مُجاراةً لدارون، ولا الكون مُصمَّمٌ مُجاراةً لنيوتن.

دارون ومايكل آنجيلو

أصل الإنسان هو حجر الزاوية لكل رؤية للكون. فأي سجال يدور حول الكيفية التي ينبغي أن يحيا بها الإنسان يُعيدنا دومًا إلى مسألة أصل الإنسان.

وتَعُدُّ العلوم الطبيعية / المادية أصل الإنسان نتيجة عملية صناعية طويلة من الارتقاء؛

[نجد] الإنسان ابناً للطَّبيعة ويظل جزءًا منها.

وعلى النقيض من ذلك، يتحدث الدين والفن عن خَلْق الإنسان، وأنه ليس نتاج عملية صناعية، وإنما ثمرة فعل إلهي؛ ليس شيئًا مستمرًا وإنما فعل مُباغَتٍ مأساوي مُفْجِع، وقع مرة واحدة.

أما اللحظة الحاسمة [عند هذه العلوم] في ترسيم الحدود بين الإنسان والحيوان؛ فكانت هي: مشي [الإنسان] مُنتَصِب القامة، وصنعه الأدوات أو تسخيرها [لخدمته]، وبداية تكوُّن الأصوات [التي صارت لغة].

فإن الإنسان [في هذا التصور] ابن للطبيعة، ينمو في أحضانها ولا ينفصل عنها.

يُدَّعي الماديون أن … الفارق بين الإنسان والحيوان فارق في الدرجة لا في النوع؛ أي أنه ليس ثمة جوهر إنساني مميز،

والإنسان نظام كأي نظام غيره [مما تحفّل به] الطبيعة / المادة، يخضع بدوره للقوانين العامة والحتميَّة للطبيعة / المادة .

Ivan P. Pavlov: Experimental Psychology , Essays in Psychology and Psychiatry (Citadel Press, 1962).

وبحسب تعبير فريدريش إنجلز: إن الإنسان نتاج بيئته وعمله.

ثم تتكفّل البيولوجيا باستكمال عناصر هذه الصُّورة؛ إذ تُرينا أنَّ كلّ شيء يرتدّ إلى الصُّورة الأوَّلِيَّة للحياة ويُختزَل فيها، وهذه الأخيرة بدورها هي – في نهاية المطاف – عملية فيزيائية كيميائية، وتلاعب بالجزئيات، وصراع للقوى داخلها. [لكن] الحياة والضَّمير والرُّوح الإنساني لا وُجُود لها في الواقع، فما الأمر سوى أشكال مُعقَّدة مِن الصِّراع والتَّفاعُل المُتبادل بين قُوَى [عمياء]، ولهذا؛ فليس هُناك جوهر إنساني أصلي لا يقبل التَّحلُّل.

فإن الفن متصوّر فقط، إن كان الإنسان مبايناً للطبيعة/ المادة، وإذا كان غريباً فيها؛ أي كان هوية [مُتمايزة]. إن الفن كله سردية ممتدة لغُربة الإنسان في [داخل] الطبيعة/ المادة.

يُمثّل دارون ومايكل أنجلو تصويرين متناقضين كُلّيًا عن الإنسان، ويُجسّدان حقيقتين متعارضتين عن أصله، دون أن تكون لأحد التصويرين مقدرة التسلّط على الآخر، أو الإطاحة به؛ فإن أحدهما تدعمه كثرة كاثرة من الحقائق الدامغة، بينما الآخر تتشبث به قلوب البشر جميعًا.

إذ عن الإنسان وحده؛ قد توجد حقيقتان متعارضتان. وباقترانهما فحسب؛ يمكن أن يمنحانا الصورة الكاملة والحقيقية للإنسان.

وقد جاء الإفصاح عن كون الإنسان -بوصفه كائناً بيولوجياً- يطوي طبيعة حيوانية من الدين؛

إِذْ يَقْضِي الدِّينُ بِأَنَّ الحيوانية وَجْهٌ مِنْ وجوه الإِنسان.

إن المذهب الهيوماني و الهيومانية ؛ كلاهما مُشتق من [اللفظة اللاتينية هيومانيتاس Humanitas ] التي تعني طبيعة إنسانية ،

لقد أبدع رافائيل لوحاته بروحه لا بيده.

إن الارتقاء البيولوجي وحده، حتى إن أمكن له التمدُّد إلى أجل غير مُسمَّى؛ ما كان بوسعه منحنا لوحات رافائيل، ولا حتى رسوم كهوف ما قبل التاريخ الأولية.

إن الإنسان ليس مجموع وظائفه البيولوجية المختلفة، وذلك كما أن اللوحة الفنية لا يمكن اختزالها إلى كمية الألوان المستخدمة فيها، أو أن تُختزل القصيدة إلى تراكيبها.

إن الإنسان فوق كافة ما يُمكن أن تقوله عنه [شتى] العلوم الطبيعية/ المادية مُجتمعة.

المثالية الأصلية

إن الحيوان طبيعي/ مادي. أما الإنسان فإنه متعال على الطبيعة/ المادة،

إذ يتحقق وجود الإنسان فقط عندما يُناقض المسار العام للوجود، أي عندما يُناقض الآلية الكلية التي تمثلها [ثنائية] الفراغ والعدم.

ونحن نزعم أن الإنسان قد ارتقى، ولكن هذا يصدق على تاريخه البشري البراني الفاني فحسب؛ إذ إن الإنسان مخلوق كذلك.

وإذا كان الإنسان ابناً للطبيعة/ المادَّة؛ فكيف تسنَّى له المبادرة بالتمرُّد عليها؟!

أما تصور تضحية الإنسان بنفسه في سبيل آخرين، أو وضعه حدّاً لحياته، أو امتناعه عن أي من رغباته، أو التخفيف من ثورة ملذّاته الحسية؛ فلم تكن لتصدر أبداً من عقله.

وعلى خلاف ذلك، تُضعِف المبادئ الأخلاقية – في كلا المجتمعين المتحضِّر والبدائي – كفاءة الإنسان في المنافسة المحمومة التي تفرضها المخلوقات على بعضها.

وكذلك تنتمي اللغة إلى الشق الطبيعي والحيواني، عوضًا عن الشق الروحي للإنسان؛ إذ نجد صيغة بدائية من اللغة عند الحيوان.

إن اللسانيات -بعكس الفن- يمكن تحليلها تحليلاً علميًا [كَمِّيًّا ماديًا]، بل وبواسطة مناهج رياضية دقيقة.

وعمومًا، فما من شيء [خَلْق] في الإنسان لا يوجد في الأطوار العليا من الحيوانات والفقاريات والحشرات. فثمة شعور، وذكاء، ووسيلة أو أكثر من وسائل الاتصال، والرغبة في إشباع الحاجات، والانضمام إلى مُجْتَمَعات، وصيغة من صِيَغ الاقتصاد. وبالنظر من هذه الزاوية؛ قد يبدو الإنسان كأنه يحوز شيئًا مشتركًا مع عالم الحيوان.

وقد يبدو ارتقاء الحيوانات منطقيًا تدريجيًا، وميسور الإدراك، مقارنة بارتقاء الإنسان البدائي؛

لم يطرأ أي تغيير على الحيوان، بينما سارع الإنسان إلى خلق عالمه الخاص؛

لقد وجد [مبدأ] التضحية في جميع الأديان بلا استثناء، وظلّت طبيعته مُبهمة، بل عبثية؛ إذ إن التضحية حقيقة من نسق آخر ومن عالم آخر.

إن المنفعة [مبدأ] حيواني، أما التضحية فهي [ذروة] إنسانية. إن المنفعة هي أحد التصورات الأساسية في السياسة أو الاقتصاد السياسي، [أما] التضحية فهي أحد المبادئ الرئيسة للدين والأخلاق.

فمن الأحوال المُستغربَة، التي ظهرت في أواخر العصر الحجري القديم و [مطلع] العصر الحجري الحديث؛ التشويه الذاتي للجسد. إذ شرع البشر بقطع [بعض] أجسامهم؛ فجدعوا أنوفهم، وبتروا آذانهم، وجذموا أصابعهم، وما شابه ذلك. وأسبغوا على هذه الأفعال دلالات خُرافية… وما من حيوان يُقدِم على شيء مثل هذا! كما يخلص ويلز.

H. G. Wells: A Short History of the World, p. 64.

و[أما] التشويه الذاتي اللاعقلاني، الذي [يُقدم عليه] الإنسان البدائي؛ فهو أمر براني دخيل كليًا على الحيوانات.

وليس من الواضح ما إذا كان الكائن الذي يشبه الإنسان والقرد، … ليس من الواضح ما إذا كان إنساناً أو قرداً. إلا أن وجود أي لون من ألوان العبادات أو المحرمات سيُبَدِّد أية شكوك.

فإن الفارق الحاسم بين الإنسان والحيوان ليس جسدياً ولا عقلياً؛ إنه أولاً وفوق كل شيء، فارق روحي، يُسْفِرُ عن نفسه في حضور مقدار من وجدان ديني وأخلاقي وجمالي.

[بل ارتبط ظهور الإنسان] بظهور أول عبادة يعرف بها معنى الحُرمة. ومن سخريّات القدر أن الإنسان البدائي الذي تمتع قبل خمسة عشر ألف سنة بالتطلع إلى الزهور، ومظاهر الحيوانات، ثم رسمها على جدران كهفه؛ كان – من هذا المنظور – أقرب إلى الإنسان الحقيقي من الأبيقوري الحديث ، الذي يعيش فقط لإشباع لذائذه الحسّيَّة، ويفكر يومياً في لذائذ جديدة، أو أقرب من نزيل المدينة الحديثة العادي، الذي يعيش معزولاً في قفصه الإسمنتي، محروماً من كافة المشاعر والإحساسات الجمالية الأولية.

إن الإنسان لا يتصرف بوصفه ابناً للطبيعة، وإنما بوصفه غريباً في داخلها. وشعوره الأساسي هو الخوف، إلا أنه ليس الخوف البيولوجي الذي تستشعره الحيوانات، ولكنه خوف روحي كوني، وبدائي؛

فَإِذَا كُنَّا أَبْنَاءً لِهَذَا الْعَالَمِ؛ فَلَنْ يَبْدُو لَنَا فِيهِ شَيْءٌ نَجِسٌ وَلَا مُقَدَّسٌ. إِنَّ هذه التصورات مناقضة للعالم الذي نعرفه. وهي برهان على أصلنا الآخر، الذي لا يُمكننا أن نتذكر شيئاً عنه.

وليس بوسعنا العثور على أية آثار لعبادات أو محرّمات، ولا حتى في أكثر أنواع الحيوانات تطوراً. لكن أينما ظهر الإنسان؛ تبعه الدين والفن، في حين أن العلوم الطبيعية/ المادية حديثة [النشأة] نسبيّاً.

لاحظ بلوتارخ موقفاً: إننا قد نجد مُدُناً بغير أسوار، ولا ملوك، ولا حضارات، ولا آداب، أو مسارح؛ إلا أن الإنسان لم تقع عينه على مدينة قط بغير دور للعبادة أو عُبّاد ؛ راجع:

Plutarch’s Morals, ed. William W. Goodwin (Little, Brown & Co., 1883).

وقد قال برغسون بعدها بحوالي عشرين قرناً: لقد وُجِدَت ولا زالت توجد مجتمعات إنسانية بغير علوم طبيعية/ مادية، ولا فن، ولا فلسفة؛ بيد أنه لم يوجد مجتمع إنساني قط بغير دين ؛ راجع:

Henri Bergson: Les deux sources de la morale et de la religion (Librairie Felix Alcan, 1932), p. 105.

إن ظاهرة الحياة الحيوانية، أو التطلع إلى السماء، وهي ظاهرة نموذجية للإنسان وغريبة على الحيوانات كافة؛ تظل بغير تفسير منطقي، ويبدو أنها نزلت من السماء حرفياً.

فحتى إن تصوَّرنا إن هذا الطور يمتد إلى ما لا نهاية؛ فإن ظهور العبادات والمحرمات لا يبدو ممكناً.

فقد كان تصور نيتشه للسوبرمان من إلهام دارون.

ويلا ريب، كانت صورة مماثلة تدور بخلد الشاعر السوفييتي أندريه فوزنيشينسكي؛ إذ أنشأ يقول: ستكون حواسيب المستقبل قادرة -نظريا- على الاضطلاع بكل ما يفعله الإنسان؛ عدا أمرين: أن تكون متدينة، وأن تنظم شعرا .

وقد وجدت رسومه في كهوف الصحراء الكبرى، وفي آلتاميرا بإسبانيا، وفي لاسكو بفرنسا، ومؤخراً في ماشييكا ببولندا. وكثير من هذه الصور يعتقد أنها ترجع إلى أكثر من ثلاثين ألف سنة. وقد اكتشف رهط من علماء الآثار السوفيات قبل وقت غير بعيد مجموعة من الأدوات الموسيقية صُنعت قبل عشرين ألف سنة بالقرب من مدينة تشرنيغوف [شمالي] أوكرانيا.

إن كل ما يُسمَّى بالفن التشكيلي فنّ وثني في أصله، وهذه هي السبيل التي يتعين أن نفسر بها عدم تسامح الإسلام وبعض الأديان الأخرى الأقل ميلاً للتجسيد تجاه هذا اللون من الفن.

ويمكن كذلك شهود الاختلاف عن الحيوان في تمرّد الإنسان؛ فالحيوان لا يتمرد على مصيره الحيواني، كما قرّر ألبير كامو: إن الإنسان وحده هو الذي يَتَمَرَّد؛ إنه الحيوان الوحيد الذي يأبى أن يكون حيوانًا.

إن إتلاف المتاع، وإظهار الاستهانة بالمتاع المادي النافع، وإعلاء المبدأ فوق الأشياء – ولو كان ذلك مُجرَّد ادعاء – هو [مسلك] نموذجي للبشر، وما من شيء مُشابِه – ولا حتى مَسْحَة منه – يُمْكِنُ الوقوف عليه في عالم الحيوانات.

لقد كانت نظرية دارون تُعَدُّ -لوقت طويل- التفسير النهائي لأصل الإنسان، مثلما كان يُفترض يومًا أن نظرية نيوتن للكون هي النظرية النهائية فيما يتعلق بهذا الكون.

تُعيّن تجديد نظرية دارون. فإن نظرية النشوء والارتقاء لم تستطع تفسير المرحلة الدينية الأولى للبشرية

تفسيرًا مُرضيًا- ولا الظاهرة نفسها في العصور الحديثة. لِمَ كان الإنسان أقل رضا -نفسيًا- عندما يصير أحسن حالًا من الوجهة المادية؟ ولم تزداد حالات الانتحار والأمراض العقلية، مع ارتفاع مستويات المعيشة والتعليم؟ ولم لا يعني التقدم زيادة في الإنسانية أيضًا؟

ازدواجية العالم الحي

إن جميع قوانين الطبيعة ترجع إلى القصور الحراري، الذي يعني الاختلال الشامل، والحالة القصوى للاتساق الخامد. وعلى عكس ذلك، فإن الخاصية الأساسية للكائن الحي هي حالة: نقيض القصور الحراري ؛ [أي] مقدرته على استدعاء المركب من البسيط، والنظام من الفوضى، والإبقاء على نظام- حتى لو مؤقتًا- في مستوى أعلى من الطاقة.

لأن الحياة حركة معاكسة لأرباح القوانين الآلية ، على حد تعبير نيقولاي كوزنتزوف؛

إن إخفاق البيولوجيا في تفسير الحياة حقيقة لا يمكن التغاضي عنها في صمت.

في: عام ١٩٥٠م؛ صاغ آندريه جورج سؤالاً واحدًا فحسب؛ للمشتغلين بالبيولوجيا والفيزياء والأطباء: ما هي الحياة؟ وكانت جميع الإجابات التي تلقاها غامضة ومتحفظة.

كما يذهب بيير ليبين. وإلى الآن؛ فلا نعرف ماهية الحياة. بل إننا غير قادرين على إنتاج تعريف كامل ودقيق لظاهرة الحياة .

Jean Rostand, Life: The Great Adventure (Scribner, 1956).

إن الحياة معجزة أكثر منها ظاهرة.

دعنا نختم بتصوّر الفيلسوف الإسلامي العظيم؛ أبو حامد الغزالي: إن كافة المعجزات طبيعية، والطبيعة كلها معجزة.

ومن هنا يستحيل القول بأن الحياة قد نشأت بالصدفة خلال أربعة مليارات وخمسمائة مليون سنة، التي يُفترض أنها عمر وجود الأرض.

حتى إن كان الكون كله متخما بمواد كيميائية، تتحد دوماً بعضها مع بعض؛ فإن المليارات العشرة من الأعوام – منذ نشأة الكون- لن تكون كافية لإنتاج أي نوع من البروتين.

وعندما درس البريطانيان فرد هويل – الرئيس السابق للجمعية الفلكية الملكية – وشاندرا فيكراماسنغ – من جامعة كارديف- الإشكالية نفسها؛ عينا فرضية [مفادها] أن الحياة لم تنشأ على الأرض، وإنما استُجْلِبَت إليها بمعونة من سحب الغُبَار الكوني، [الآتية] من أعماق الكون. وبمقتضى رأيهما؛ فإن النشاط الحيوي في الكون لا بُدَّ أنه بدأ قبل خَلْق الأرض.

إذا عثرنا – في حفرية أثرية- على حجرين موضوعين بنظام مُعيَّن، أو قُطِعَا لغرض ما؛ فإننا جميعاً سنستنبط قطعاً أنه عمل إنسان في زمان أسبق. فإذا عثرنا – على مقربة من الحجارة نفسها- على جُمجُمة بشرية أكثر كمالاً وتعقيداً – بشكل لا يُضاهَى- من الأدوات الحجرية؛ فإن بعضنا لن يفكر في أنها من صنع وجود مُتقصَّد.

وقد كان ظهور النظرية النسبية العامة راجعًا إلى حقيقة أن آينشتاين أدرك أن ثمة إشكالية، حيثما بدا كل شيء [لغيره] واضحًا ومُحدّدًا.

فلا حاجة للتدبُّر إن كان كل شيء واضحًا ،

إننا لا نستطيع تفسير الحياة بطريق العلوم الطبيعية / المادية وحدها؛ لأن الحياة مُعجزة وظاهرة في آن معًا. وإن التعجُّب والدهشة هما أسمى أشكال إدراكنا للحياة.

معنى الإنسانية

السعي إلى اللذة والفرار من الألم ؛ بهذه العبارة التي صيغت بعناية، حدَّد مُفكّران ماديّان شهيران – أبِيْقور في العصر القديم، والبارون دولباخ في العصور الحديثة – المُنطلَقات الأساسيَّة للحياة، لا الحياة الإنسانية وحدها، بل وحياة الحيوانات كذلك؛ إذ تؤكد المادية دومًا على المشترَك بين الحيوانات والإنسان، بينما يؤكد الدِّين على ما يجعلهما مختلفين.

لم يجعل دارون الإنسان حيوانًا، إلا أنه جعله واعيًا بأصله الحيواني. وبسبب هذا الوعي واصل الآخرون استنباط الاكتشافات الملائمة أخلاقيًا وسياسيًا على حدّ سواء.

وبينما يُعرب ألبير كامو عن أن الإنسان حيوان يأبى أن يكون كذلك ،

Albert Camus: L’Homme r volt .

ليبدو الدين كأنه يقول: راقب ما تفعله الحيوانات، وافعل العكس. هي تلتهِم؛ فيجب عليك الصوم، هي تختلط اختلاطًا جنسيًّا؛ فيجب أن تعف، هي تعيش في قطيعان؛ فيجب أن تحاول العيش منفردًا، هي تسعى إلى اللذة وتفرّ من الألم؛ فعليك تعريض نفسك للمشاق. خلاصة القول: أنها تعيش بأجسادها، وعليك الحياة بروحك.

إن نبذ هذه الحالة الحيوانية، هذه الرغبة السلبية التي لا يمكن أن تفسرها النظريات الداروينية والعقلانية؛ هي الواقع الحاسم للحياة الإنسانية على هذا الكوكب.

الحيوان ساذج، بريء من الإثم، ومُحايد أخلاقيًّا كأنه شيء من الأشياء.

لكننا إن منحنا الإنسان حريّته، واعتبرناه مسؤولًا، فإننا سنستشفُّ وجود الإله، صراحة أو ضمنًا. فإن الله وحده هو القادر على أن يخلق كائنًا حُرًّا، والحرية يُمكن أن تنشأ بفعل الخلق فحسب.

رُبّما ينجح الإنسان، آجلًا أو عاجلاً، خلال هذا القرن أو بعد مليون عام من الحضارة المتواصلة؛ في تشييد [كائن] مُحاكاة لنفسه، … بيد أن شيئًا واحدًا يظل محتومًا؛ أنه لن يحظى بالحرّيّة، وسيُقدَّر فقط على أداء ما بُرمِجَ عليه.

وبغير مسحة إلهيّة، ما كانت نتيجة النشوء والارتقاء لتصير إنسانًا، وإنما حيوان أكثر تطوُّرًا، حيوان سوبر، كائن بجسم إنسان وذكائه، لكنّه دون قلب أو هويّة.

ربما يكون ذكاؤه الخالي من التوزّع الأخلاقي أكفأ، لكنه في الوقت نفسه أشد قسوة.

قد يختار الإنسان مخالفة الشرائع الأخلاقية، بيد أنه لا يستطيع – كأنه مسخ- البقاء خارج الإطار الأخلاقي؛ بمنأى عن الخير والشر. فإنه لا يستطيع كَفَّ نفسه [عن الوجود].

إن الخبرة الأخلاقية العملية، تكشف [أن] انحدار الإنسان إلى الإثم أعظم من سعيه إلى العمل الصالح. فتبدو مقدرته على التردي في أعماق الإثم أكبر من السمو إلى ذرى الفضيلة.

فإن البشر دوماً أخيار أو أشرار، إلا أنهم ليسوا أبرياء بحال، وقد يكون هذا هو المدلول الجوهري لقصّة الكتاب المقدّس عن السقوط، والخطيئة الأولى.

إنما يتعامل السيكولوجي مع بعض الصور الظاهرة للحياة الجوانية.

فإن بوسعنا القول: إن السيكولوجيا هي علم النفس وليست علم الروح أي إنها علم عن مستوى البيولوجيا وليست عن الذاتي؛ إذ ثَمّة ثلاث دوائر (الآلية، والبيولوجية، والذاتية)، تُناظِرُ الدرجات الثلاث للواقع (المادة، والحياة، والهوية).

إن مساواة البشر والمؤاخاة بينهم ممكنة فقط، إن كان الإنسان مخلوقاً من مخلوقات الله. فإن مساواة بني آدم واقع روحي، وليس طبيعياً أو جسمانيّاً أو عقليّاً.

فإذا لم يعترف بالقيمة الروحية للإنسان – هذا الواقع ذي الصبغة الدينية- يتبدد الأساس الحقيقي الوحيد للمساواة الإنسانية. وتصير المساواة – حينئذ- مُجرّد شعار، بلا أساس ولا مضمون.

وبمُجرَّد استبعاد النهج الديني؛ يحفل المجال الشاغر بصيغ مختلفة من التفاوت؛ عرقيًا، وقوميًا، واجتماعيًا، أو سياسيًا.

ومن الأيسر على العلوم الطبيعية/ المادية، بعد الملاحظة الموضوعية ؛ أن تؤكد التفاوت بين البشر، وحينئذ تصير العنصرية العلموية مُتَصوَّرة فعلاً، بل منطقية.

فـوَحْدَها أخلاق الأديان الموحى بها سلَّمَت تسليمًا واضحًا لا لبس فيه- بالمساواة بين البشر جميعًا، بوصفهم مخلوقات لله. فحتى أفلاطون ذهب إلى القول بعدم المساواة بين بني الإنسان، بوصفها حتمية.

إن الأنظمة الدينية والأخلاقية التي لا تعترف بخلود الروح، أو تصوّرها تصويراً مضطرباً؛ لا تعترف كذلك بهذه المساواة. فإن لم يكن ثَمَّة إله؛ فإن البشر غير متساوين بداهة، وعلى صورة ميؤوس منها.

في بيت الله؛ فإن رجلاً فقيراً وأعمى يمكن أن يقوم إلى جانب ملك أو نبيل، وربما كان خيراً منهما [بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ].

وكلما كانت مكانة الإنسان الاجتماعية متدنية؛ كان استجلاء كرامته أعظم سحراً.

ليست الإنسانية إحساناً وعفواً وتقبلاً، رغم أن ذلك هو المحصلة الحتمية لها. لكنَّ الإنسانية هي تحقيق الإنسان وإقرار حريته في المقام الأول، أي توكيد قيمته بوصفه إنساناً.

من الإنساني أن نُبيِّن أن الإنسان مسؤول عن أفعاله، وأن نجازيه بها.

إن اختزال إنسان إلى وظيفة مُنتِج ومُستهلِك، حتى إن أنزل كل إنسان منزلته في الإنتاج والاستهلاك؛ لا يومئ إلى الإنسانية، وإنما إلى سلب الإنسانية وتقويضها.

إن ترويض البشر لإنتاج مواطنين مستقيمين ومطيعين، يُعدُّ كذلك [عملاً] غير إنساني.

والتعليم كذلك قد يكون غير إنساني؛ إن كان مُتحيَّزاً، موجَّهاً، وتلقينياً. إذا لم يكن يعلِّم الفرد كيف يُفكر تفكيراً مستقلاً، وإذا كان يكرس إجابات مُبتذلة فحسب، وإذا كان يعدُّ البشر فقط لوظائف شتَّى عوضاً عن توسعة آفاقهم، وبذا [نطاق] حريتهم.

إن كل تلاعب بالخلق، حتى إن كان ذلك لمصلحتهم؛ [عمل] غير إنساني. أن تُفكر نيابة عنهم، وتُحرِّرهم من مسؤولياتهم والتزاماتهم؛ هو كذلك [عمل] غير إنساني. إن الخُلَّة الإنسانية تُلزمنا. فعندما وهب الله الإنسان المقدرة على الاختيار، وتوعده بالعذاب الأليم؛ فقد أرسى سبحانه بأسمى صورة قيمة الإنسان بوصفه إنساناً. إن علينا التزام النموذج الذي عينه الله؛ دعنا نترك الإنسان يُجاهد لنفسه، عوضاً عن المجاهدة نيابة عنه.

إن الهيومانية الإلحادية متناقضة؛ لأنه إن لم يكن ثمة إله؛ فليس ثمة إنسان أيضاً.

وإن من لا يقر بخلق الإنسان لا يدرك المدلول الحقيقي للإنسانية.

إن الإنسان وليد بيئته ؛ لقد كانت هذه المسلَّمة الرئيسة للمادية بمثابة نقطة الانطلاق لكافة النظريات اللاإنسانية التالية في القانون، وفي الاجتماع، وفي مباشرة التلاعب ببني البشر.

وكافة النظريات المغربية والمشابهة، عن أولوية المجتمع فوق الأفراد، وعن اضطرار الإنسان للإذعان للمجتمع إلى آخره تنتمي كذلك إلى هذا [النطاق اللاإنساني]. فإن الإنسان يجب ألا يطيع أحداً [طاعة العبادة]؛ فلا ينبغي أن يصير أداة. فإن كل شيء يجب أن يُطوّع للإنسان، ويجب أن يُطيع هو الله وحده. فهذا هو المدلول الجوهري للإنسانية.

الفَصْل الثَّاني: الثَّقافة والحَضَارَة

ليس بإمكاننا أن نلفظ الحضارة، حتى إن استهوانا ذلك. إن العمل الوحيد اللازم والمستطاع هو أن نُقوّض أسطورتها.

الأداة والعبادة؛ تاريخان متباينان

ثمة حقيقتان متضاربتان، متصلتان بظهور الإنسان: الأداة الأولى والعبادة الأولى.

بيد أنه عندما ثبّت الحجر أمام عينيه، ونظر إليه بوصفه رمزاً إلى الروح؛ فإنه قد عمل بذلك عملاً صار الخاصيّة العامة واللازمة للإنسان في جميع أنحاء العالم، وهو عمل جديد تماماً في [مسيرة] تطوّره حتى ذلك الوقت.

ومن الممكن تفسير الجانب البيولوجي لظهور الإنسان بالتاريخ السابق. [لكنّ] الجانب الروحي لظهوره لا يمكن الاستدلال عليه أو تفسيره بأي شي كان يوجد قبله. فقد تحدّر الإنسان من عالم آخر، من السماء؛ كما قرّر الدين ذلك بتصوير بديع.

انعكاس ازدواجية الحياة

لكنَّ الحضارة استئناف للحياة الحيوانية ذات البُعد الواحد، والتبادل المادي بين الإنسان والطبيعة.

إن جماع الثقافة هو أثر الدين على الإنسان، أو أثر الإنسان على نفسه، كما أن جماع الحضارة هو عمل الذكاء وانطباع أثره على الطبيعة، على العالم البراني؛ إذ تعني الثقافة: فن أن تكون إنساناً ، وتعني الحضارة: فن الاشتغال والإدارة، وصناعة الأشياء على هيئة مُتقَنة . إن الثقافة صياغة مستمرة للذات ، والحضارة هي التغيير المستمر للعالم .

والحضارة استمرار للتقدم التقني لا الروحي، على نفس النمط الذي يُعدّ به الارتقاء الدارويني استمرارًا للتقدم البيولوجي لا الإنساني.

فإن الحضارة ليست خيراً ولا شراً في ذاتها.

في الحضارة؛ يزداد اعتماد الإنسان على المادة باستمرار.

تُعنى كل ثقافة (جرّاء طبيعتها الدينية)؛ بإنقاص عدد الاحتياجات الإنسانية، أو [خفض] درجة إشباعها؛ لتوسع بهذه الطريق [مجال] الحرية الجوانية للإنسان.

الحضارة المحكومة بمنطق مقلوب – كان عليها رفع شعار مضاد: ابتكر شهوات جديدة دائماً وإلى الأبد .

إن حامل الثقافة هو الإنسان، وحامل الحضارة هو المجتمع. وغرض الثقافة هو القوة الذاتية التي تُدْرَكُ بواسطة التنشئة، وغرض الحضارة هو التسلط على الطبيعة بواسطة العلوم الطبيعية/ المادية. فهذه العلوم والتقنية والمدن والدول؛ تنتمي إلى الحضارة. أدوات الحضارة هي الفكر واللغة والكتابة.

التَّعليم والتَّفكُّر

الحضارة تُعلِّم والثقافة تُبصِّر. تحتاج واحدة إلى دَرْس، والثانية إلى تفكُّر.

والتفكّر، بوصفه جُهْدًا جوانيًّا للتعرُّف إلى الذات، وإلى مكانة الإنسان في العالم؛ عمل جَدّ مختلف عن الدَرْس والاطّلاع، وحشد المعرفة بالوقائع وعلاقاتها.

يُفضي التفكُّر إلى الحكمة والرِفق والطمأنينة،

إن التدريس [الذي نتعرّض له] يُعزّز حضارتنا فحسب، ولا يساهم بشيء في ثقافتنا.

والتفكر انغماس في الذات؛ إنه سعي لبلوغ حقيقة حياة الإنسان ووجوده، وإدراكهما بواسطة كينونة الإنسان. ولهذا السبب، لا يحاول التفكر الإجابة على تساؤلات المجتمع أو الجنس البشري، وإنما هي محض التساؤلات التي يطرحها الإنسان على نفسه.

إن التعليم بنفسه لا يُربي بني الإنسان، ولا يجعلهم أخيارًا، أو أكثر حرية، أو أكثر إنسانية؛ وإنما يجعلهم أبرع، وأكفأ، وأعظم نفعًا للمجتمع. لقد أظهر التاريخ أن الرجال والشعوب المتعلمين يمكن التلاعب بهم، ويُمكنهم كذلك خدمة الشر، ربما أكثر فاعلية من الشعوب المتخلفة. إن تاريخ الإمبريالية سلسلة من القصص الواقعية عن شعوب مُتحضرة، شنَّت حروبًا جائرة استئصالية واستعبادية ضد شعوب متخلفة وأقل تعلُمًا، كانت تذود عن حُرياتها.

التَّعليم التِّقني والتَّعليم الكلاسيكي

فالتعليم المدرسي في العالم المتحضر عقلي أكثر مما ينبغي، وليس إنسانيًا بما فيه الكفاية.

وهو في أحسن الأحوال قد تعلّم كيف يفكر، بيد أنه لم يُبصِر.

فهذا التعليم موجّه إلى غاية مُحدّدة، ومعنيّ بالتسلط على الطبيعة؛ على العالم البراني.

إن القوتين العظميين في العالم، الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي؛ هما القوتان العسكريتان الأشد، بيد أنهما ليستا أكثر بلدان العالم ثقافة. هذان البلدان يُفردان أكبر الاعتمادات المالية للبحث وللتعليم (الاتحاد السوفيتي ٤,٢٪ والولايات المتحدة ٢,٨٪ من الدخل القومي).

وفي البلدان الرأسمالية، يتواءم التعليم عموماً مع المقتضيات الاقتصادية، ويخدم النظام الصناعي. والتعليم وظيفي في كلا الحالين، وفي خدمة النظام.

وفي المؤتمر الأول للتعليم السوفيتي، الذي عُقد سنة ١٩١٨م؛ طرح لينين المبدأ التالي: إن عملنا في حقل التعليم الغرض منه تحطيم الطبقة البورجوازية، ونحن نعلن أنه ما من مدرسة خارج [نطاق] السياسة. فهذا كذب ونفاق .

Vladimir Lenin: The Lenin Anthology, ed. Robert C. Tucker (Norton, 1975).

إن المدرسة مُكوّن من مكونات الحضارة. وهي تُساهم في الثقافة إلى الدرجة التي لا تجعل منها إسطبلًا لترويض الخيل ؛ نظرًا لأنها تُنمّي التفكير النقدي، وتخلي مكانًا لحرّية الإنسان الروحيّة.

الثَّقافة الجماهيريّة

فكل ثقافة تربية للإنسان، بينما الثقافة الجماهيريّة مُجرّد إشباع للحاجات.

ومن الأخطاء الشائعة مطابقة الثقافة الجماهيرية بالثقافة الشعبية.

والثقافة الشعبية قائمة على الإجماع والمشاركة، بينما القاعدة المهيمنة في الثقافة الجماهيرية هي التلاعب.

فهل ثمة من يعتقد حقًا أنه يستطيع التأثير في برامج التلفاز، إلا إذا كان ينتمي بطبيعة الحال إلى الفئة القليلة التي تصنعها؟! إن ما يُسمَّى بـ وسائل الإعلام الجماهيري -الصحافة، والراديو، والتلفاز- هي في الواقع وسائل للتلاعب الجماعي بالجماهير.

فقد صار التلفاز يحل باطراد محل الأدب؛

التلفاز قد حل محل الأدب والفكر، وقلّص بالتالي النشاط الفكري؛ إذ يجود بإجابات مبتذلة لكافة إشكالات الحياة.

فليس ثمة حاجة إلى القوة الغاشمة، لتوجيه الشعب ضد إرادته.

لقد أظهرت سيكولوجية الجماهير ورسّخت الخبرة أن من الممكن حمل الخلق -بواسطة التكرار واللجوح– على القبول بخرافات لا علاقة لها بالواقع.

وهكذا؛ أمسى التلفاز تهديداً للحرية، أخطر من الشرطة والجندرمة، والسجون ومعسكرات الاعتقال.

الجندرمة في أصلها كلمة أوروبية (Gendarmerie) تُطلق على قوّات شرطة عسكرية ذات طابع قهري. لكن علي عزت يستخدمها مجازًا فلسفيًا وسياسيًا ليصف بها الدولة الحديثة حين تتحوّل إلى أداة ضبط وقمع بدل أن تكون إطارًا أخلاقيًا يخدم الإنسان.

وهي تتطلب تعاون عدد كبير من البشر، أو عملهم الجماعي؛ مُنظَّمِين في آلية (جماعية) شبيهة، تُدار مركزيًّا.

الرِّيف والمدينة

ويتَنَاقَصُ التديُّن بالتناسُب مع حجم المدينة،

ينال القرويُّ فرصة لمُشاهَدة السماء المرصَّعة بالنجوم، والحقول، والزهور، والأنهار، والزروع، والحيوانات. فهو يعيش موصولاً بالطبيعة وعناصرها.

ينبغي لنا التماس تفسير لتدين القر وي وإلحاد العامل الصناعي الحضري.

الطَّبَقَة العَامِلَة

إن المصنع يُنهك الشخصية الفردية ويجور عليها.

الدِّين والثَّورة

وحتى عندما تكون الثورة معادية للدين في أهدافها، فإنها [تظل] طريقة من طرق إظهار الدين عبر مشاركة الجماهير، وذلك بوصفها دراما إنسانية.

إن مُجتمعًا عاجزًا عن التدين هو مجتمع عاجز كذلك عن الثورة. والبلدان المتأججة ثوريًا هي البلدان صاحبة المشاعر الدينية الحيَّة كذلك.

التَّقدُّم ضِدّ الإنسان

وبحسب الفيزيائي الأمريكي روبرت أوبنهايمر، أبي القنبلة الذرية؛ فقد حقق الجنس البشري تقدّماً تقنياً ومادياً إبّان الأربعين سنة الماضية، أكثر مما حققه خلال الأربعين قرناً الماضية.

وقد صار إدمان الكحول في قرننا [العشرين] هذا، عقدة البلدان الغنية والمتقدمة. وإذا كان الكحول أو المخدرات مهرباً؛ فعن أي مهرب يبحث الأغنياء، ومن أي شيء يهربون؟!

وفي مواجهة واقع أن عشر أهل السويد رجالاً أو نساءً اعتادوا معاقرة الخمر؛ طبقت الحكومة السويدية زيادات بالغة ومُتعاقبة على ضرائب الكحول، لكنّ [الآثار] الناجمة عن هذه الزيادات] كانت ضئيلة.

ولا ريب أن الغزو الوحشي للمواد الإباحية [يتغذّى من] الجذور نفسها؛ فإن أكثر الدول تحضُراً فرنسا والدنمارك وألمانيا الغربية تتبوأ كذلك المركز الأول هاهنا.

وأكبر مُدُنِ المقامرة في العالم تقع في مناطق الحضارة الباذخة: دوفيل، ومونت كارلو، وماكاو، ولاس فيجاس.

وفي كلية هانتر بنيويورك؛ فإن أكثر من نصف الطلاب يتعاطون الماريغوانا، وهي الخطوة الأولى في اتجاه تعاطي مخدرات أشد.

وعقب الحرب العالمية الثانية، وفي تلك البلدان صاحبة الثراء والرخاء الاقتصادي نفسها؛ ظهر جيل شاب بائس، يحوز كل شيء لكنه لا يريد شيئاً. أولئك هم الـ بيتنيكس beatniks ، أو من يسمون بـ الجيل المهزوم ؛ الذين بشَرُوا بفلسفة العبث.

البيتنيكس هم المنتمون إلى حركة اجتماعية أمريكية تعود إلى خمسينات القرن العشرين وستينياته. وقد كانوا يتبنون العداء لنمط الحياة المادية؛ فبدئوا تيار الاتساق العام وأيديولوجيته الاستهلاكية، وعبّروا عن أنفسهم من خلال صيغ فنية شتى؛ مثل: الأدب والشعر والموسيقى والتصوير. كما كانت لهم خبرات روحية وجنسية، وتجارب في الارتحال وتعاطي المخدرات. (المعرِّب)

كيف يمكن تفسير هذا الواقع الذي يفيد أن عدد [حالات] الانتحار والأمراض النفسية، تتناسب طرديًّا مع مرتبة الحضارة؟! إنه واقع لافت، من المنظور السيكولوجي؛ إذ يصير البشر أقل قناعة بتحسُّن حياتهم؛ كما يشكو أخصائي نفسي أمريكي.

وتحتفظ السويد بالرقم القياسي [لحالات] الانتحار، والسكارى، والمرضى النفسيين، بينما هي في الوقت نفسه تتصدر العالم في الدخل القومي، و [مستوى] الإلمام بالقراءة والكتابة، وفي [معدلات] التوظيف، وجودة الضمان الاجتماعي.

وفي عام 1968م، نشرت منظمة الصحة العالمية في جنيف لائحة لمقارنة لمتوسط حوادث الانتحار في عدة بلدان. وفي ذلك العام، تبوأت المراكز الثماني الأولى على اللائحة: ألمانيا الغربية، والنمسا، وكندا، والدنمارك، وفنلندا، والمجر، والسويد، وسويسرا.

وبحسب البحث الذي أجراه رئيس الخدمة الطبية، الدكتور أنطوني ريل؛ فإن عدد [حالات] الانتحار في الجامعات البريطانية أكبر ست مرات من المتوسط القومي، بينما عدد [حالات] الانتحار في جامعة كمبردج أكبر عشر مرات من عدد [حالات] الانتحار في أوساط الشباب البريطاني -ككل- من العمر نفسه.

وكل ما قيل عن الولايات المتحدة، وألمانيا، وإنكلترا، أو السويد؛ ينطبق كذلك على اليابان، رغم أنها [تقع] في الجانب الآخر من العالم، وداخل دائرة شديدة الاختلاف.

بيد أن معضلة المخدرات في أوساط الشباب أمكن تتبّعها إلى بيت الأبوين؛ فقد كتب فلاديتا يرويتش، الطبيب النفسي اليوغوسلافي: … إن تحلُّل المجتمع الأبوي وتفسُّخ الأسرة، المتفشي في جميع أنحاء العالم، يخلق مناخًا من التسطُّح الجواني، و [يسمح] بمتنفَّسين في العالم البراني: [إمّا] الغضب والتمرد، أو حالة إذعان وبلادة ولامبالاة؛ تؤدي إلى تعاطي المخدرات.

NIN, Belgrade, February 9, 1969

وقد اقترح روجر رويل، مدير مركز هارفارد للبحوث الاجتماعية؛ إنشاء لجنة خاصة داخل مجلس الشيوخ الأمريكي، لدراسة تأثير التقنية على الإنسان والمجتمع؛ قال: نظرًا للظروف الجديدة؛ فستطول حياة الإنسان ثلاثة عقود، لكنّها ستكون حياة باردة تافهة.

فإن الإنسان لا يصلح للحياة بحواسه وحدها.

وبسبب غزو الحضارة؛ يتقهقر خط الغابات البرازيلية ١٠-١٥ كيلومتراً كل عام، لتغلب الصحراء على المساحات الخضراء. وقد تلوثت أكثر من ٨٠٪ من المياه العذبة في الولايات المتحدة بالمخلفات الصناعية.

فقد قتلت السيارة منذ اختراعها بشراً أكثر مما فعلت كل الحروب [التي شهدها] القرن العشرون، وقس على ذلك أمثلة لا حصر لها؛ فما السبيل إلى النجاة من هذا التقدم ؟

إن الحضارة لا يمكن دحضها من داخلها، وإنما من خارجها فحسب، أي بواسطة الثقافة؛

تشاؤم المسرح

إن الفلسفة الإسكندنافية، منذ نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، فلسفة تشاؤمية لأقصى درجة؛ إذ تعتبر المصير الإنساني مصيرًا تراجيديًّا (مأساويًّا) بشكل ميؤوس منه، وأن المحصلة النهائية لكافة المساعي الإنسانية للبحث عن خلاص؛ ظلمة وضياع.

وهل يولد الشعور باللذة المادية شعورًا بالتيه الاجتماعي؟

الرخاء هو [الصورة] البرانية، و[العبث] هي الصورة الجوانية للحياة في [ظل] الحضارة. ولنُعبِّر عن ذلك تعبيرًا ديالكتيكيًّا: فَكُلّما زادت البسْطة والرخاء؛ تعاظم الشعور بالخواء والقنوط.

هذه التراجيديا المتواصلة للثقافة اليابانية خلال سبعين عامًا، تتزامن مع اختراق الحضارة الغربية وتصوراتها المادية لثقافة اليابان التقليدية.

إن العدمية وفلسفة العبث هما ثمار أغنى أقاليم العالم، وأكثرها تحضُّرًا.

إن إخفاق الحضارة في تصفية إشكالية السعادة الإنسانية، بواسطة العلوم الطبيعية/ المادية، والقوة، والثروة، وبمجرد تبينها والإقرار بها؛ سيكون لها الوقع السيكولوجي الأشد على النوع الإنساني. وسيكون ذلك مبدأ تفحص بعض تصوراتنا الأولية، والمُجْمَع عليها إلى الآن. وأول ما سيُعاد النظر فيه هو تصور العلوم الطبيعية/ المادية الباطل عن الإنسان. فإذا لم تحسم الحضارة إشكالية السعادة الإنسانية؛ فسيغدو تصور الدين عن أصل الإنسان حقاً، وتصور العلوم الطبيعية/ المادية باطلاً؛ إذ ليس ثمة خيار ثالث.

العَدَمِيَّة

إن عبارة سارتر الشهيرة: إن الإنسان عاطفة تافهة؛ [عبارة] دينية بمغزاها علاوة على روحها. ففي الفلسفة المادية، ما من عاطفة ولا تفاهة؛ فإمكان التفاهة محال لأنه ما من مشاعر.

إن الإقرار بأن الإنسان عاطفة تافهة، يستتبع أن الإنسان والعالم ليسا مُستقيمين مُتناغمين. هذا التوجه الراديكالي حيال العالم، كان مُفتتح الأديان كافة.

إن البحث عن الألوهية دين، لكن ليس كل بحثٍ إيجاد.

إن فلسفة العبث لا تتحدث عن الدين مباشرة، ولكنها تُعبّر بجلاء عن الاعتقاد بأن الإنسان والعالم ليسا مصنوعين بالمعيار نفسه. إنها تُعبّر عن القلق، وهو بدرجاته كلها، عدا غايته: قلق ديني. إن الإنسان غريب في هذا العالم، غريب عند كل من العدمية والدين؛ مع العدمية هو غريب ضال ضلالاً لا أمل معه، ومع الدين هو مصحوب بأمل في الخلاص.

إن تأملات ألبير كامو يمكن استيعابها فقط بوصفها هواجس مؤمن مُخَيّب: في عالم انقشعت منه الأوهام بغتة، واحتجب الضياء؛ يشعر الإنسان كأنه غريب. إنه تغريب دون أي مهرب؛ إذ ما من ذكريات عن وطن مضيّع، أو أية أمل في بلوغ أرض ميعاد… لو أنني كنت شجرة بين الشجر… لكان لهذه الحياة مغزاها، أو أفضل من ذلك؛ لم تكن هذه الإشكالية لتنشأ، لأني سأكون جزءًا لا يتجزأ من هذا العالم، الذي أتمرد عليه الآن بكل ضميري… إن كل شيء مباح، بما أن الإله غير موجود والإنسان يموت.

Albert Camus: L’Etranger.

والإقرار السالف ليس فيه شيء يشترك به مع الإلحاد السطحي المتحقق للمفكرين العقلانيين. بل على العكس؛ فإن هذه لعنة صامتة لروح أنهكها البحث عن الله، دون أن تجده [ﷺ]. إنه إلحاد القنوط .

إن إنكار التقدُّم [المادي] يمكن فحسب أن تمتد جذوره في فلسفة دينية، على الأقل في مبانيها الأساسية.

وهذا النقد للحضارة ليس دعوة إلى لفظها؛ إذ ليس بإمكاننا أن نلفظ الحضارة، حتى إن استهوانا ذلك. إن العمل الوحيد الممكن والمستطاع هو أن نُقوِّض أسطورتها؛ إذ سُيفضي تفكيك هذه الأسطورة إلى مزيد من أنسنة العالم، وهي أعظم مهمة تضطلع بها الثقافة.

الفَصْل الثَّالِث: ظاهرة الفَنّ

الفن والعلوم الطبيعية/ المادية

إن وجود عالم آخر (مستوى آخر)، فوق العالم الطبيعي/ المادي؛ هو المقدمة الأولية لكل دين وفن. فإن وُجِدَ عالم واحد فحسب؛ سيكون الفن مُحالاً. والواقع أن كل عمل فني انطباع عن عالم لا ننتمي إليه ولم نُخْلَق منه؛ [عالم] طُرِدنا إليه. إن الفن حنين إلى الماضي (نوستالجيا)، أو ذكرى [تعاودنا].

الإنكار الدارويني للخلق – بما أنه كفر بهذا الفعل – هو الإنكار الأشد راديكالية، لا للأديان وحدها، وإنما للأخلاق والفن والقانون كذلك.

وثمَّة مراتب ثلاث للواقع، معهودة ومعقولة في كوننا هذا: المادة، والحياة، والهوية الشخصية.

وتتصل العلوم الطبيعية/ المادية والفن بعضها ببعض، … تدور الأولى حول علاقات الكم، بينما نجد موضوع الثاني علاقات القيم.

لا يوجد سوى الكم في العالم المادي، والكميات كلها قابلة للمقارنة فيما بينها. والماهية هُنا مُجرَّد شكل من أشكال الكم.

إن العلوم الطبيعية/ المادية ممكنة؛ لأنه لا توجد ماهية في الطبيعة. إن علوماً للماهية أو تصور لها مُحال [في الطبيعة]. فإن الطبيعة قد تكون مُبهجة أو مروّعة، غائية أو فوضوية، ذات مغزى أو لا معنى لها؛ إذ يمكن أن تحوز ماهية [أو خصيصة نوعية] فقط في علاقتها بمطلب ما، وبالتالي؛ في علاقتها بالإنسان.

فكيف يمكن شرح الفارق بين لوحة أصلية ونسختها [المقلَّدة]، بواسطة الكم؟! إن الأصلية تحوز قيمة الجمال، و كل نسخة قبيحة .

ليس هناك عمل جماعي في إبداع الفن. فإن العمل الفني موصول على الدوام بهوية الفنان الشخصية، وبوصفه خلقاً، و تشكيلاً للإنسان ، فهو ثمرة روح، وعليه؛ كان فعلاً [ذاتياً] غير قابل للقسمة [على جماعة]. [بيد أن] العمل الجماعي مُتصوّر في العلوم الطبيعية/ المادية؛ لأن موضوعها مُكوّن من تفاصيل، فهو بالتالي مُناسب للتحليل والعزل والتقسيم.

إِنَّ العُلُومَ الطَّبِيعِيَّةَ/ المَادِّيَّةَ تَسْتَخْرِجُ [مِمَّا هُوَ مَوْجُودٌ]، وَالفَنُّ يُبْدِعُ. إِنَّ ضَوْءَ النَّجْمِ النَّائِي، الَّذِي اطَّلَعَتْ عَلَيْهِ العُلُومُ الطَّبِيعِيَّةُ/ المَادِّيَّةُ؛ قَدْ وُجِدَ قَبْلَ اطِّلاعِهَا عَلَيْهِ. وَالضِّيَاءُ الَّذِي يَصْبُغُهُ الفَنُّ عَلَيْنَا بَغْتَةً؛ قَدْ أَبْدَعَهُ الفَنُّ بِنَفْسِهِ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ نَفْسِهَا. وَبِغَيْرِ الفَنِّ، مَا كَانَ لِهَذَا الضِّيَاءِ أَنْ يُولَدَ. إِنَّ العُلُومَ الطَّبِيعِيَّةَ/ المَادِّيَّةَ تُعَالِجُ مَا هُوَ قَائِمٌ، وَالفَنُّ خَلْقٌ بِذَاتِهِ؛ انْبِعَاثُ الغَضِّ.

يُؤَكِّدُ فْرَانْسِيس بِيكُون، أَبُو العُلُومِ الطَّبِيعِيَّةِ/ المَادِّيَّةِ الأُورُوبِيَّةِ؛ تَأْكِيدًا وَاضِحًا عَلَى الخاصية الوظيفية أو النفعية لهذه العلوم: إن المعارف الصحيحة هي الوحيدة التي تزيد تسلُّط الإنسان في العالم ،

إن جوهر الأعمال الفنية مُلَغَّزٌ بذات درجة إِلْغَازِ مَفْهُومِ التَّقْوَى، أو دلالة الحُرِّيَّة الجوانِيَّة، وقد خابت كافة المساعي للإحاطة به إحاطة عقلانية، مِثْلَهَا في ذلك مثل مساعي تعريف الحياة.

الفَنّ والدِّين

وبوسع ائتلاف الفن والدين حل اللغز المشهور لنشيد الإنشاد، وهو نص دنيوي – [كما يتجلى] واضحًا – ذو قيمة فنية رفيعة، ويوجد في الكتاب المقدس.

وإذا لم يكونا منفصلين؛ فما من لُغْز، ولا عجب -إذن- في أن يجد نشيد الإنشاد مكانته بين ثنايا نص ديني. وفي النهاية؛ كان ذلك لُغْزًا فقط عند متأوّلي الكتاب المقدس من المتبحرين [المشتغلين بدراسته]، [لكن] المؤمنين [به] لم يستشعروا في ذلك شيئًا محيرًا قط.

ورغم أن فن العمارة هو الأكثر وظيفية والأقل روحانية من بين الفنون جميعها، فإنه يُبْرِهِنُ على صبغة القداسة فيه بواسطة الإنشاء الذي لا يكِلُّ لدور العبادة.

إن الإلحاد لا يمكن أن يستوعب أبدًا طبيعة الفن، كما أن الدين المجرد لن يستوعب أبدا طبيعة العلوم الطبيعية/ المادية.

الفَنّ والإلحاد

وبحسب بعض البيانات، فثمَّة ستِّين مليون إنسان مسجَّلين بمدارس الاتحاد السوفييتي في ١٩٦٥م. إلا أنه مُجرَّد تعليم، تبرز صبغته المتحيزة فقط بالتلقين الأيديولوجي والسياسي غير النقدي.

العَالَم المَادِّيّ للفَنّ

إن السوسيولوجيا تبغي العثور على العمومي والمشترك، والفن يبغي العثور على الاستثنائي والفذ.

إن الإنسان يقاوم التصنيف .

فلا يتحدث الفن عن الإنسان في العموم، وإنما يتعامل دوماً مع إنسان مُعيَّن:

دراما الوجه الإنساني

يتحدَّث الدين عن الروح، ويتحدَّث الفن عن الشَّخصية، وهذان ليسا سوى أسلوبين [مختلفين] للتعبير عن التصوّر نفسه. ينشغل الدين بالروح، ويسعى الفن لبلوغها؛ أن يعرضها أمام أنظارنا.

وتومئ الرؤوس المنحوتة، التي عُثر عليها في أريحا، ويرجع تاريخها إلى ستة آلاف سنة قبل الميلاد؛ إلى أن إنسان العصر الحجري قد اعتقد أن الرأس هي مستقرّ الروح.

الفَنَّان وعَمَلُه

فإن غرض الفن هو الإبداع نفسه، والعمل [الفني] هو الناتج العرضي الحتمي. إن جوهر الفن توق، ورغبة، وهذا جواني في الروح، وليس برانياً في العالم.

فإن الدعاء المفتقر إلى الحرارة أو الحضور الجواني؛ ليس سوى لغو، في أي عالم كان وفي أي إدراك.

إن العمل الفني مُحَصِّلَة توهج اضطرم حينًا في روح، لكنه ليس هو الوهج نفسه، وإنما هو دليل أو أثر تخلَّف بعده.

الفَنّ والنَّقْد

وقد شكا آينشتاين في خطاب إلى توماس مان، بعد قراءة كتاب لفرانتر كافكا؛ فقال: لم أستطع قراءته. إن الدماغ البشري ليس مُعقَّداً بما يكفي لإدراك مراميه! . لقد تمكَّن النَّقاد من التغلُّب على كافكا نفسه، لا فارق بينهم.

إن القرآن والإنجيل ليسا كُتبًا لاهوتية.

يمكن للمسيحية أن توجد في الواقع بوصفها تاريخًا ليسوع فحسب، لا بوصفها لاهوتًا. إن يسوع والأناجيل مظهر من مظاهرها، وبولس والكنيسة مظهر آخر.

إن الفن في بحثه عن الإنساني، قد صار بحثًا عن الله. ولئن كان ثمة فنانون مُلحدون في الواقع، فإن ذلك الإلحاد الاسمي لا يُغيّر شيئًا؛ … وثمة لوحات ومنحوتات وقصائد لا دينية، بيد أنه ما من فنّ لا ديني. وظاهرة الفنان-الملحد، [وهي] شديدة النُّدْرَة في واقع الأمر؛ يُمكن عَزْوُها إلى التناقضات الحتمية في الإنسان،

الفَصْل الرَّابع: الأخلاق

ثمَّة مُلحدون على خُلُق، ولكن ما من إلحادٍ أخلاقيّ.

الالتزام والمنفعة

إن الالتزام والمنفعة حلقتان إضافيتان في تلك السلسلة؛ الأولى هي الاصطلاح الأساسي للأخلاق، بينما تؤدي الأخرى دوراً مُشابهاً في السياسة.

فإن المبادئ الأخلاقية لا هي بالوظيفية ولا بالعقلانية. فإذا غامر إنسان بحياته، بدخول منزل يحترق لينقذ طفلاً لجاره، وقَفَلَ يحمل الطفل ميتاً بين ذراعيه؛ أيمكننا القول إن هذا الفعل كان عديم القيمة؛ لأنه كان جهيضاً؟ إن الأخلاق هي التي تُضفي قيمة على هذه التضحية المهدورة ظاهرياً،

إن لم يكن ثم وجود سوى لهذا العالم -حبيس المكان والزمان- وسوى لهذه الطبيعة/ المادة اللا مبالية بالعدل والجور؛ فإن تضحية أي بطل وخسارته الدنيوية -في نُصْرة العدل- تصيرُ عبئًا.

إن عظمة أي عمل بطولي ليست في نجاحه بما أنه في الغالب عقيم، ولا في معقوليته بما أنه في الغالب لا معقول.

الحق أن القيم الأخلاقية بوصفها ظاهرة من ظواهر الحياة الإنسانية الواقعية لا يمكن تفسيرها تفسيراً عقلانياً؛ ففيها تكمن أول براهين الدين العملية، وربما برهانه الوحيد. فإن السلوك الأخلاقي إما أن يكون عبثاً وإما أن يكون له مغزاه ومعناه في وجود الله.

فلا يسعى كثير من الناس [في حركتهم] بمقتضى قانون الفضيلة، لكن هذه الأقلية الصغيرة [الملتزمة] هي مفخرة الجنس البشري، ومفخرة كل إنسان. … الأحيان الاستثنائية التي نسمو فيها فوق نفوسنا، بتغافلِنا عن منافعنا ومصالحنا؛ هي وحدها الجواهر الأبدية لحياتنا.

ليس الإنسان محايدًا أخلاقيًا بحال. وهذا هو السبب دائمًا في أنه إما أن يكون مستقيمًا وإما أن يكون فاسدًا أخلاقيًا، وإما أن يجمع بين الاستقامة والفساد [في آن معًا] وهو الأكثر شيوعًا.

النِّيَّة والعَمَل

توجد الأشياء وجودًا موضوعيًا/ برانيًا في عالم الطبيعة/ المادة. والأرض تدور حول الشمس، سواء عرفنا ذلك أم لم نعرفه، وسواء أعجبنا أم لم يُعجبنا. ويُمكن حتى أن نبغض ذلك، بيد أننا لا نستطيع إغفاله ولا تغييره. ومن المنظور الأخلاقي، فإن [هذه] الحقائق لا معنى لها. فلا هي بالخير ولا هي بالشر، وهي عدم بقدر ما يتصل ذلك بالقيم الأخلاقية.

وكثير من الناس لا يعرفون سبيلًا إلى إماطة الجور، بيد أن كل إنسان يُمكِّنه بغض الجور، واستنكاره في باطنه، وفي هذه الحقيقة بالذات؛ يكمن معنى الإنابة. إن الفضيلة ليست في الفعل ذاته؛ إنما هي في النزوع إلى العيش عيشًا مستقيمًا، في إنهاك الإرادة [طلبًا للحق]، وفي الجهاد لأجل [تحقيق] الخلاص. فليس من الإنسانية أن تكون مثاليًا [لا تأثم]، وبالتالي معصومًا. فأن تكون إنسانًا [يعني] أن تأثم وتتوب.

فإن النيَّة، والتوق الفني، والتقوى؛ تتسبّب جوانياً بعضها إلى بعض، وبينهم كذلك وبين إسقاطاتهم المادية والدنيوية [البرانية] العلاقة نفسها: السلوك، والعمل الفني، والشعيرة الدينية. إن الأولى خبرات روحية [جوانية]، والأخرى وقائع [برانية] في الحياة الدنيا.

والسؤال الذي يثور حينئذ، ما إذا كانت الأعمال يجب أن تُحاكم بنيَّاتها، أم بتبعاتها؟ الأولى رسالة كل دين، وأما الأخرى فشعار كل أيديولوجية أو ثورة. فهما منطقان متعارضان؛ أحدهما يعكس إنكار العالم، والآخر يعكس إنكار الإنسان.

ويعبّر ديفيد هيوم عن فكرة شبيهة: ليس للفعل أهلية أخلاقية في ذاته. ولكي نكتشف القيمة الأخلاقية لإنسان ما؛ فيتعيّن علينا النظر في باطنه. ولأننا لا نستطيع فعل ذلك مباشرة، فإننا نصرف نظرنا إلى الأفعال، بيد أنها كانت ولا تزال مُجرَّد مؤشرات على الإرادة الجوانية، وبالتالي؛ فهي مؤشرات كذلك على التقييم الأخلاقي .

David Hume: A Treatise of Human Nature; Being an Attempt to Introduce the Experimental Method of Reasoning Into Moral Subject (Collins, 1962).

إن عملاً انعقدت عليه النية هو عمل أُدِّي بالفعل في [دار] الخلود. وينتج أداؤه البراني مظهرًا دنيويًّا، ومن ثَمَّ؛ مشروطًا، وزائفا، وعَرَضيًّا، بل عبثيًّا. إن النيّة حُرَّة، والأداء خاضع لقيود وقوانين وشروط. إن النيّة مَلَكتنا قلبًا وقالبًا، والأداء يتضمن شيئًا غريبًا وطارئًا في ذاته.

والإنسان خَيْرٌ إن أراد أن يكون خَيْرًا، بحسب فهمه. غير أن هذا الخير قد يُعدُّ شَرًّا في رأي غيره. والإنسان شرير إن أراد فعل الشر، حتى إن كان ذلك [الشر] خَيْرًا لغيره، أو من منظورهم.

التَّدريب والتَّربية

إن الصحوة والهداية ذاتيتان، وهما ثمرة حركة للروح. ومن منظور الدين، فإن كل سلطان برّاني [يسعى] إلى استئصال الشر؛ [مآله] الخيبة. وهذا هو المغزى الحقيقي لـ عدم مقاومة الشر عند المسيحية والبوذية.

وهذا هو السبب، كذلك؛ في أن التدريب لا أثر له على السلوك الأخلاقي للإنسان.

إن التربية تَشْتَمِل على مساهمتنا، ومثابرتنا. ولهذا؛ كانت ثمرة التربية دومًا مختلفة، ولا يُمكن توقعها.

فإذا كانت جريمة ما نتاجًا لاختيار حُرّ، أو إرادة شريرة؛ فإن إعادة التأهيل بواسطة إجراء برّاني ليس لها إلا فرصة نجاح ضئيلة. وعلى النقيض من ذلك؛ فإذا كان الجرم مُحَصَّلة أوضاع وطبائع سيئة، فإن الجاني يُمكن إعادة تأهيله بواسطة تغيير تلك الأوضاع، أو تشكيل طبائع جديدة.

[ويُعدُّ] التدريب، بوصفه حيوانيا بالأساس؛ نظامًا من الضوابط والإجراءات يُتَّخَذُ لفرض سلوك مُعيَّن فوق إنسان ما، وهو ما يُسمَّى بـ السلوك الصحيح . إن التربية تخص الإنسان، والتدريب مُصمَّمٌ للحيوان.

إن عظَمة الإنسان ليست في أعماله الصالحة ابتداءً، وإنما في مقدرته على الاختيار. وكُلُّ من يحد هذا الاختيار أو يُقيِّده؛ فإنما يُمتهنُ الإنسان. إن الخير لا وجود له فيما وراء إرادة الإنسان، ولا سبيل لإثبات الخير بالإكراه؛ إذ إن شرط الخير حرية [الاختيار]، والحرية والإكراه متضادان.

إن التدريب، حتى حين يَفرِضُ السلوك الصحيح ؛ فإنه [يكون] لا أخلاقيًا بالضرورة وغير إنساني.

الأخلاق والعقل

إن محاولة تأسيس فلسفة الأخلاق على العقل، لا يمكن أن تحملنا أبعد مما يُسَمَّى بالفضيلة الاجتماعية، وقواعد السلوك الواجب لصيانة جماعة بعينها، وهو في الواقع نمط من أنماط الضبط الاجتماعي.

فمن المحال البرهنة علميًّا على أن شيئًا ليس بالخير، بالمعنى الأخلاقي للفطرة، مثلما هو محال اكتشاف التفاوت العلمي الدقيق بين الفن والكيتش [الفن الهابط]، أو بين الجميل والقبيح. إن الطبيعة/ المادة أو العقل (بما أنهما شيء واحد)، لا تُفرّق بين الصواب والخطأ، وبين الخير والشر. فهذه الخصائص النوعية لا وجود لها في الطبيعة/ المادة.

وما يُقرّ به القلب ببساطة، لا يمكن للعلوم الطبيعية/ المادية برهنته أو تفسيره.

فإننا نلتزم إذن بسلوك بغير أن نعرف سببًا، عصيانًا لعقلنا، وبدافع من يقين لا نظير له؛ لأننا نؤمن [بشيء].

وبحسب هاتشسون، فإن المقدرة على إدراك الأخلاقيات لا تعتمد على الذكاء أو التعليم. فإن الأحكام الأخلاقية لا وساطة فيها للعقل؛ إذ هي مباشرة.

والتناقض بين العلوم الطبيعية/ المادية والفلسفة الأخلاقية، ينعكس كذلك في الحياة اليومية؛ إذ تستسيغ العلوم الطبيعية/ المادية -مثلاً- التلقيح الاصطناعي لحيْل النساء بأطفال في أنبوب اختبار، علاوة على القتل الرحيم (euthanasia).

هذه الإجراءات لا يمكن تصوّرها بدون العلوم الطبيعية/ المادية، بما أنها مُحصلته.

والتَّعْقيم لتحسين النَّسْل (eugenic sterilization)، والتجارب على الإنسان، والتلقيح الاصطناعي، والقتل الرحيم؛ [كلها إجراءات] عقلانية ومنطقية بالكامل. وما من حُجج علمية وعقلانية ضدها. فكيف إذن يمكن للعلوم الطبيعية/ المادية تفادي إساءة توظيف نفسها؟!

إن القتل الرحيم، والتلقيح الاصطناعي، والتعقيم، واستزراع الأعضاء، والإجهاض، وما شابهها؛ هي مجال للعلوم الطبيعية/ المادية فقط، بقدر ما تتعلَّق بإجراءات العمل. [لكن] تطبيقها مسألة أخلاقية، وليس للعلوم الطبيعية/ المادية اتخاذ أي قرار هاهنا.

لقد صار التلقيح الاصطناعي إلى الطب البشري عن طريق الجراحة البيطرية.

إن تقدُّم العلوم الطبيعية المادية، مهما كان ضخمًا ومدهشًا، فلا يستطيع أن يُصوّر الأخلاق والدين [بوصفهما] غير ضروريين. فإن العلوم الطبيعية المادية لا تهدي البشر إلى الكيفية التي يَحْيَون بها، ولا تُرسي معايير القيم.

العلوم الطبيعية/ المادية والمشتغلون بها، أو كانط ونقادُه الاثنان

الفكر يحدد الألوهية، والإنسان والحياة يصادقان عليها.

إِنَّ كُلَّ مَا يَتَفَوَّهُ بِهِ المُشْتَغِلُ بِالعُلومِ الطَّبيعيَّةِ/ الماديَّةِ، ويُفكِّرُ فيهِ، ويعتقِدُهُ، لَيسَ [داخِلاً] بِالضَّرورَةِ في العُلومِ الطَّبيعيَّةِ/ الماديَّةِ. فإِنَّ هذه العُلومَ مُجَرَّدُ جُزء مِنَ انطِباعِهِ الكامِلِ عَنِ العَالَمِ، جُزءٌ [يُعَدُّ] نَتيجَةً لوَظيفَةِ عَقلِهِ النَّقديَّةِ، المُقارِنَةِ، والتَّصنيفيَّةِ. وبفعلِ ذلِكَ، فإِنَّ العقلَ يلفظُ كُلَّ ما يتطلَّبُ تأويلاً خارقاً للطَّبيعَةِ/ المادَّةِ، ويَستَبقي فقَط ما ارتَكِزَ عَلى سِلسلَةِ الأسبابِ والمآلاتِ الطَّبيعيَّةِ/ المادِّيَّةِ، وما يُمكِنُ البَرهَنَةُ عَليهِ – إِن أمكنَ – عَبْرَ التَّجرِبَةِ والمُلاحَظَةِ.

وتَنحَبِسُ العُلومُ الطَّبيعيَّةُ/ الماديَّةُ في الغالِبِ عِندَ هَذِهِ الحُدودِ، لَكِنَّ المُشتغِلَ بِها يَسْتَأنِفُ [إِلَى مَا وَرَاءَها]؛ لأَنَّهُ إِنسانٌ.

طرَب التعلّم؛ شعور جليل بأسمى قيمة أخلاقية.

الأخلاق والدِّين

يمكن إقامة الأخلاق على الدين وحده، بيد أن الدين والأخلاق ليسا [شيئًا] واحدًا. إن الأخلاق بوصفها نظامًا؛ لا توجد بغير دين، مع أن الأخلاق بوصفها ممارسة، وبوصفها مطلبًا سلوكيًّا مخصوصًا؛ لا تعتمد على التدين اعتمادًا مباشرًا.

ويُؤوّل الإلحاد في النهاية إلى إبطال الأخلاق، وكل تحوّل أخلاقي حقيقي يبدأ بإحياء ديني. إن الأخلاق دينٌ تحوّل إلى قواعد للسلوك، أي إلى تصرُّف إنسان حيال إنسان آخر، بمقتضى حقيقة وجود الله. فإن وَجَبَ علينا الوفاء بالتزاماتنا، بقطع النظر عن المشاق والمخاطر التي نواجهها (فإن هذا يُعَدّ سلوكًا أخلاقيًّا، تمييزًا له عن السلوك المدفوع بالمنفعة)؛ [فإن] مثل هذا اللزوم يمكن تسويغه فحسب إن كان هذا العالم وهذه الحياة ليسا هما العالم الوحيد والحياة الوحيدة. وهذه هي نقطة البداية المشتركة لكل من الأخلاق والدين.

لقد ولدت الأخلاق من خلال التحريم، وظلّت إلى اليوم نهيًا [عن إتيان أفعال معينة]. والتحريم ديني بطبيعته، وحسب أصله.

ويُمكن اعتبار الأخلاق المسيحية هاهنا بمثابة مثال، لا بوصفها الأخلاق الوحيدة، وإنما بوصفها أشهر [المنظومات الأخلاقية] وأشدها جلاءً.

وبطبيعة الحال، يُمكن للتحريم أن يكون له مغزى عقلاني أيضاً، بيد أن النفعيّة لم تكن قَطُّ غاية أولية [للتحريم].

ومثلها مثل الإنسان، فإن الأخلاق هي الأخرى غير عقلانية، وغير طبيعية/ مادية، ومتجاوزة للطبيعة/ المادة. فلا وجود لإنسان طبيعي/ مادي ولا لأخلاق طبيعية/ مادية؛ إذ إن الإنسان داخل حدود الطبيعة/ المادة ليس إنساناً، فهو -في أحسن الأحوال- حيوان أنعم عليه بعقل. والأخلاق داخل حدود الطبيعة/ المادة ليست فضيلة، وإنما هي بالأحرى ضرب من الأثرة، ضرب من الأثرة المُتزَّمِتَة والمُطَّلِعَة [على أنماط البشر].

وفي الصراع الدارويني في سبيل البقاء، لا يربح الأفضل (بـالمدلول الأخلاقي)؛ إذ وحده الأقوى والأجود تأقلمًا هو الذي يفعل.

وإذا كان كل تقدُّم بيولوجي -فضلاً عن التقدُّم التقني- يمكن العثور عليه في نظرية دارون بشأن الانتخاب الطبيعي، حيث الأقوى يسحق الأضعف بل يمحقه؛ فإن الأخلاق يتعين أن تكون على النقيض من هذه الخاصية الجوهرية للتقدم.

وحده نيتشه طبّق القوانين البيولوجية ومآلاتها باطراد على المجتمع الإنساني. وكانت العاقبة نبذ الحب والعفو، وتسويغ القسوة والبغضاء.

إذا كانت تصورات نيتشه استمرارًا فلسفيًا لدارون، فإن هتلر واشتراكيته القومية [النازية] كانا اشتقاقًا سياسيًا من كلا المذهبين.

إن الجسد مقبرة الروح؛ ففي وجوده الأرضي لا تبلغ الروح مقصدها قط، والمعرفة الحقة تدنو فقط بعد الموت.

وقد سَبَقَ مُفَكّران جُليلان آخران – إبكتيتوس وسينيكا – إلى دين محدد (المسيحية)، بواسطة تأملات مشابهة. وثَمَّة قرائن شديدة التحديد على أن إبكتيتوس كان مسيحيّاً مُستتراً، وأن سينيكا تراسل مع بولس [الطرسوسي]. وفي كتابه عن أعلام ومشاهير الرجال؛ أدرج جيروم [هيرونيموس] اسم سينيكا في لائحة كُتَّاب الكنيسة.

والمسيحية نموذج مُدهش للاتساق المثالي، ولتجانس مُتبادل قوي، وشبه ائتلاف لدين عظيم وفلسفة أخلاقية عظيمة.

لكن يمكن الإشارة إلى أن الفلاسفة الأخلاقيين المتدينين يسودون، بينما يكاد المُلحدون يكونون استثناء كاملاً.

وبالتالي، فمن الممكن تصور وجود شخص مُتدين في الواقع بيد أنه عديم الأخلاق، والعكس بالعكس. إن الدين جنسٌ من أجناس المعرفة، والأخلاق حياةٌ تُقَام بِمُقتضى هذه المعرفة.

إن الدين هو الجواب على سؤال كيفية التصور والاعتقاد، في حين أن القيم الأخلاقية هي الجواب على سؤال كيفية الاشتهاء والتطلُّع، أو كيفية العيش والتصرف.

آمنوا وعملوا الصالحات ، هذه العبارة التي تكرَّرت في القرآن أكثر من خمسين مرّة؛ تدلّ على ضرورة جمع شيء يميل البشر إلى تفريقه. إنها تعكس الفارق بين الدين في آمنوا ، والأخلاق في عملوا الصالحات ، بالإضافة إلى الأمر المُلزم بأن يدورا معًا.

إنه لا يأمر بأن: آمن، وستصير إنسانًا صالحًا، وإنما يأمر بالعكس: كُن إنسانًا صالحًا وستؤمن. وردًا على سؤال كيف يُمكن أن يؤمن الإنسان ويزيد إيمانه؛ فإن الجواب: اعمل صالحًا، وبذلك ستجد الله عبر عملك وسلوكك لا بالتفكُّر في ذلك فحسب.

الأخلاقي والنَّافِع، أو أخلاق المصلحة العامَّة المزعومة

وقد كان جيرمي بنتام، المنظِّر الأيديولوجي للأخلاقيات النفعيَّة؛ واضحاً ومنطقياً بالقدر نفسه: لقد أخضعت الطبيعة / المادة الجنس البشري لحكم سيِّدين: اللذَّة والألم؛ فوحدهما يسوسان أفعالنا .

وبحسب فيلسوف القرن الثامن عشر، الفرنسي كلود هلفتيوس؛ فإن كل سلوك إنساني موجه دوماً إلى النقطة الأقل مقاومة، وما من إنسان يُقدم علي شيء إلا إن كان يعتقد أنه إما سيزيد لذته أو يُخفِّف ألمه بمثل هذه الحركة. ومثلما لا يستطيع الماء الاندفاع صعوداً؛ فإن الإنسان لا يستطيع مخالفة قانون طبيعته هذا.

وكلّ الخبرة الإنسانيّة في حقل الأخلاق، تدحض الرأي المادي الآنف، بما أنّ البشر قد ميّزوا ما يكدرهم في العموم بوصفه أخلاقياً: التقشّف، والتبتّل، والتضحية المادية، والصوم، وبعض الأنماط المختلفة من الزهد والإمساك، والتضحية في سبيل المبادئ أو في سبيل خير الآخرين، وما شابهها. إن الأخلاق النفعيّة مناقضة لتصوّر الإنسان المتحضّر عن الأخلاق، وذلك كما هي بالنسبة لتصوّر الإنسان البدائي.

إن الأخلاق ليست مُربحة بحسب الإدراك العام للفظة.

إن بوسعنا تصوّر مواقف شتّى، يكون فيها الجور أو الباطل مُربحين.

إن حماية المُسنّ والهرم، أو رعاية المعاق أو المريض مُتَعَذَّرُ البُرْء؛ ليس بالأمر المفيد.

وواقع أن السلوك الأخلاقي قد يكون مفيدًا أحيانًا، لا يعني أن الشيء يصير أخلاقيًا لأنه قد ثبتت فائدته في حقبة مُعيّنة من الخبرة الإنسانية.

يلزم الخلق التحرر من ربقة الهوس بالمنفعة. إن الإنسان المستقيم حقًا هو الذي يتقبل التضحية، ويظل مُخلِصًا لمبادئه -عوضًا عن منافعه- حين يواجه الإغواء الحتمي.

وقد كشف استطلاع ستيس كيفوفر [وتقريره]، أن المجرمين الأمريكان يسلبون مئات الملايين من الدولارات، وغالبًا ما يتمتعون بغنيمتهم بغير تشويش. إن الجريمة مُربحة، [كما يَخلُصُ] المشتغلون بالإجرام، خصوصًا لهؤلاء الذين يُنظّمونها [ويُديرونها]، ولا يرتكبون الجرائم بأنفسهم مثل المافيا وسائر العصابات الأخرى.

إن تكلفة إنتاج فيلم إباحي تبلغ عَشْر تكلفة إنتاج فيلم روائي، وربحه أكبر عشر مرات من الروائي. وأكثر أمثلة الجرائم المقنّنة إثارة للذهول، هي تلك التي [تُرتكب] على نطاق واسع: الحروب العدوانية، واحتلال بلدان أجنبية، واضطهاد الأقليات، وهَلُمَّ جرًّا. وهل بوسعنا الزعم بأن الإسبان لم يربحوا من إبادة هنود المكسيك وهنود أمريكا الوسطى والجنوبية، أو أن المستوطنين البيض لم يربحوا من الإبادة المنهجية لهنود أمريكا الشمالية، أو أن القوى الكولونيالية كلها لم تجن منفعة مادية باستغلال البلدان المحتلّة ونهبها؟ بوسعنا إذن أن نخلُص إلى أن الجريمة مربحة، شريطة ألا يوجد إله.

بالعقل وحده -بغير إله- يستحيل إرساء أخلاق الإيثار أو التضحية؛ [بوصفها] الفضيلة الحقة.

والتمييز بين المنفعة الرائجة والمنفعة الأخلاقية – إن استطعنا استساغة هذا التعبير – يَفْتَرِضُ التمييز بين العالمين: الزائل والخالد.

والمصلحة العامة ليست هي قطعًا منفعة النوع البشري؛ إذ هي دومًا منفعة جماعة محدودة ومُغَلَّفَة، سواء أكانت [مجموعة] سياسية أم قومية أم طبقية.

وبينما تُجَاهِرُ الأخلاقِيَّاتُ الدينية بمبدأ التصدي للشر، وهو مبدأ يُمكن العثور عليه في صيغة كامنة أو ظاهرة في كافة القيم الأخلاقية، التي تتبني على الدين؛ فإنَّ الأخلاق النَّفْعِيَّة تُجَاهِرُ بالمبدأ المُناقِض، أي المعاملة بالمثل.

وكذلك أُطْلِقَ على الأخلاقيَّاتِ النَّفْعِيَّةِ في الأدبيَّاتِ الإنجليزية: أخلاقِيَّاتُ المآلات؛ فإن الشيء يكون أخلاقيًّا أو لا أخلاقيًّا، بحسب المآلات الحسنة أو السيئة التي يتمخض عنها. غير أن الأخلاق الأصيلة، كما رأينا؛ لا تكترث في واقع الأمر للمآلات بحال، إلى المدى الذي يُبْطَلُ معه الأفعال كُلِّيًّا، بوصفها التعبير البراني عن سلوك الإنسان. إن الأخلاق الأصيلة معنيّة بالنوايا والبواعث فحسب. أن ترغب، وأن تعمل؛ فهذا إنساني، وهاهنا ينتهي نطاق الفلسفة الأخلاقية. فإن العواقب والمآلات بيد الله تعالى.

الأخلاق بلا إله

وقد تمخض هذا عن تجلي ظاهرتين تُبَلْبلان المبحث: الملحدون المتمسكون بالأخلاق، والمؤمنون الذين انعدمت أخلاقهم.

وعلى الأرجح، سيبهت كثير من الأشخاص غير المتدينين؛ إذا اطلعوا على تصورات أو قوانين مُجتَمَع إلحادي حقيقي، أو إذا واجهتهم -بغتةً- صورة عالم مُلحد إلحاداً مُطرَّداً.

ثمة ملحدون على خُلُقٍ، ولكن ما من إلحاد أخلاقي.

لقد كان النوع الإنساني يعيش لآلاف السنين تحت حُكْمِ الدين. وقد تغلغل الدين في كُلِّ مناحي الحياة: الأخلاق، والقوانين، والمعتقدات، بل حتى اللغة.

ليس في الإمكان تشكيل نظام إلحادي مُطَّرِدٍ بينما تُشْبَعُ كافة التقاليد الثقافية دينًا ساكنًا ومخْفِيًا.

فإن القضية الحقيقية ليست فيما إذا كان الملحد (المادي) يُمكِنه الدعوة إلى الفضيلة أو إلى الإنسانية، وإنما المسألة هي ما إذا كان بوسعه فعل ذلك، ويظل على ما هو عليه؛ أي داخل حدود الأيديولوجية المادية.

وهكذا، فقد انتهينا إلى خلاصتين؛ الأولى: أن الأخلاق بوصفها مبدأ لا وجود لها بغير دين، بينما الأخلاق العملية [قد توجد]. … والثانية: أن النظام الأخلاقي لا يُمكن أن يتأسس على الإلحاد. بيد أن الإلحاد لا ينسخ الأخلاق، على الأقل ليس في صورتها الدنيا: الانضباط الاجتماعي.

إن كنت أعيش اليوم فحسب، وعلىَّ الموت والاندثار غدًا؛ فلم يجب ألا أعيش كما أهوى، وبغير التزامات إن أمكنني ذلك؟!

الفَصْل الخامِس: الثَّقافة والتَّاريخ

الهيومانية الأوَّلية

لقد دخل الإنسان التاريخ برأس مال أخلاقي أولي هائل، لم يُرَقِّه أو يُرِثْهُ عن سلفه المزعوم من الحيوان.

ربما هي التي دفعت ليو فربنيوس، الإثنولوجي الألماني المعروف والخبير المتمكن [في شؤون] إفريقيا؛ إلى أن يكتب: الأفارقة مُتَحَضّرون حتى النخاع، والنظر إليهم بوصفهم برابرة خيال أوروبي .

من الميسور بطبيعة الحال أن نُدرك أن فربنيوس استعمل لفظة مُتحضّرين ؛ إذ أراد أن يقول إنهم راقون . راجع:

Leo Frobenius: The Childhood of Man (Meridian Books, 1960).

وتاريخ القارة الأمريكية وحدها، يمكن أن يُتيح لنا استخراج الخلاصة المناقضة. ألم يُهلك الإسبان المتحضرون (والغزاة) ـ بأشنع طريق لم يُسمع بمثله ـ لا مجرد ثقافة المايا والأزتك فحسب، وإنما أبادوا كذلك شعوب الإقليم أنفسهم؟! ألم يُبد المستوطنون البيض (أيجب علينا أن نذكر تـحدرهم من بلدان متحضرة؟!) قبائل وعشائر السكان الهنود الأصليين ـ التي كتب عنها مورغان ـ إبادة منظمة، وفق نهج غير مسبوق في التاريخ الحديث؟!

وخلال ثلاثمئة سنة، استمرت تجارة الأطلنطي المخزية في العبيد الزنوج، جنبًا إلى جانب تطور الحضارة الأورو-أمريكية، وذلك باعتبار [هذه التجارة] المقوم التأسيسي [لهذه الحضارة]، والذي لم يقطع قبل عام 1865م.

هل كانت العصور الوسطى حقًا عصر الظلمات والشقاء الكامل؟!

لقد أبدعت العصور الوسطى أعمالاً فنية جليلة، وأنجزت توليفة من فلسفة عظيمة هي الفلسفة الإغريقية ودين عظيم هو المسيحية.

الفَنّ والعُلُوم الطَّبِيعِيَّة/ المَادِّيَّة

إن كتابات شيشرون الأخلاقية؛ مثل: في نهاية الخير والشر ، و في الصداقة لا تزال وثيقة الصلة بالمقام الحالي، بينما كتاباته عن تنظيم العمل أو نظم الدولة -وهي موضوعات نماذجية للحضارة- [تنطوي على] مُفارقة تاريخية كاملة. والكتاب الذي [دونه] مؤلف روماني مجهول، وحوى بعض الرسوم الشائقة لمعدات حربية؛ هو [نص] ذو قيمة تاريخية فحسب، بيد أننا لا يمكننا ادعاء الشيء نفسه على كتاب سينيكا عن السعادة، أو أشعار فرجيل.

الفَلْسَفَةُ الأَخْلَاقِيَّةُ وَالتَّارِيخُ

الفَلْسَفَةُ موضوع ساكن [مداره] لَمْ نَحْيَا، والحضارة تَقْدِمُ متواصل [شُغْلَهُ] كيف نحيا. إحداهما استطلاع لمغزى الحياة، والأخرى قضيتها طريقة [عيش] هذه الحياة.

وكافة قضايا اليوم ومعضلاته، كانت معروفة في الفلسفة الأخلاقية قبل أكثر من ألفي سنة مضت. وكافة مُعَلِّمي البشرية الكبار، سواء أكانوا أنبياء مثل موسى وعيسى ومحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أو من غير الأنبياء أمثال كونفوشيوس وغوتاما بوذا، وسقراط وكانط، وتولستوي ومارتن بوبر، الذين يغطي [وجودهم] الحقبة منذ القرن السادس قبل الميلاد وحتى اليوم (توفي مارتن بوبر في ١٩٦٥م)؛ قد أرشدوا بالضرورة إلى الأخلاق نفسها، وتمييزاً لها عن القواعد المتصلة بالنظم الاجتماعية، وطرائق الإنتاج؛ فإن الحقائق الأخلاقية ثابتة خالدة.

إن الوصايا الأخلاقية الجوهرية لا تتأثر بالزمان والمكان، أو الأحوال الاجتماعية.

الفَصْل السَّادِس: الدّرامَا والطُّوبيا

المُجتمع المثالي

إن الإصرار على أن الشر بَرَانيٌّ، وأن الإنسان شريرٌ لأن الظروف التي يحياها سيئة، وأن التغيُّرات في هذه الظروف ستُحدِث تغييرًا في الإنسان، وأن الإلحاح على أن الإنسان نتاج للأوضاع البرانية؛ هو من المنظور الديني أشد التصورات التي نشأت في الإدراك الإنساني الحادية ووحشية.

تُعالج الدراما الإنسان، والطوبيا تتناول العالم.

وعلى النقيض من ذلك، فإن الدين يرى في ختام كل شيء، لا القصور الحراري ولا السلام الأبدي؛ وإنما يوماً مروعاً للحساب، فلا تسوية تامة ولا تكافؤ وإنما دراما.

الطوبيا والقيم الأخلاقية

إن الماركسية طوبياً؛ لأنها ـ على وجه التحديد ـ علموية،

وكل نظام لا يُراعي فردانية بني الإنسان، ويُريد أن ينظر إليه -فقط- بوصفه مُنتمياً إلى المجتمع، بقطع النظر عن كل هذه الحقائق المعاكسة؛ [هو نظام] يبدأ من افتراضات باطلة.

أما الإنسان، فإنه في أغلب الأحيان يتحدث عن مصلحة المجتمع، بينما يعمل في واقع الحياة لمصلحته الخاصة؛ وهي حقيقة تنشأ عنها صعوبات عملية في الأنظمة الاشتراكية (مُعضلة الافتقار [إلى الشعور] بالمسؤولية، الشائعة في كافة الدول التي تنتمي إلى هذا النوع [من الأنظمة]).

الأتباع والهراطقة

ثمة جنس من البشر يكبرون السلطة القاهرة، ويستهويهم الضبط [الفوقي]، ويعبدون النظام البراني المُشابه لما عليه أمر الجيش؛ حيث يُعرَفُ مَنِ الَّذِي يُصدِرُ الأوامر، ومن الذي ينصاع لها .

هؤلاء هم البشر الذين يحوزون ذهنية الأتباع. يُرضيهم أن يكونوا أتباعًا ليس إلَّا؛ إذ يرغبون في الأمان، والنظام، والاستقرار. يُحبون أن يحمدهم رؤساؤهم، ويجنحون إلى أن يكونوا أوعية [تَتَلقَّى] العطف.

يرغب الأتباع في أن تملكهم سُلطة، والسُّلطة يُرضيها أن تملِك أتباعًا.

فإذا انعدمت السُّلطة؛ فإن الأتباع يبتدعونها.

وعلى الجهة الأخرى، ثمة هؤلاء المنكودون، الممقوتون، أو الملعونون؛

لا يتقبلون تصور كون الملك يمنحهم رواتبهم [وأعطياتهم]، بل على العكس؛ يزعمون أنهم [هم الذين] يُطعمونه (ليست الحكومة هي التي تعولنا، وإنما نحن نعول الحكومة).

بيد أن عُشَّاق الحُرِّيَّة والمتمردِّين لا يُسبِّحون [إلَّا بحمد] الله وحده. والواقع أن عبادة الأصنام لا تعوق الاسترقاق ولا الإخضاع [للبشر]، والدين الحق لا يعوق الحرِّيَّة.

المُجتَمَع والجماعة

تتعيّن التفرقة بين المجتمع وهو نَفْرٌ برّاني من الأفراد الذين التقوا على أساس من المنفعة، وبين الجماعة وهي تجمُّع جواني من البشر التّام على أساس من شعور بالانتماء.

يُفرّق المؤلف بين المجتمع society المنظَّم تنظيمًا مؤسسيًّا حديثًا بلا روابط إنسانية حقيقية تجمعه، و الخلقة/الطائفة/الجماعة community الأقرب عنده للُّحمة التقليدية للتكوين الاجتماعي التلقائي؛ إذ تلتقي على أسس إنسانية أعمق، ولا تشترط وجودًا تنظيميًا بالضرورة. (المعرب)

إن المجتمع يتأسّس على احتياجات ماديّة، وعلى مصالح، والجماعة تتأسس على احتياجات روحيّة، وعلى غايات.

وباختراعها للمجتمع؛ تدمّر الحضارة الرابط المباشر والجواني والذاتي بين البشر، وتُنشئ عوضًا عنه علاقات برانية مُجهّلة الأطراف وغير مباشرة.

أنشأت الحضارة مؤسسات لرعاية البشر، وأوكلت رعاية أفرادها إلى المسؤولين.

إذ لا يمكن تأسيس وحدة حقيقية بين الناس إلا على أساس التعاطف والحب والمرحمة، والتضحية في سبيل الآخرين، وبالتالي؛ على أساس مشاعر بعينها لا يعرفها إلا الدين.

الهُوِيَّة الشَّخصِيَّة و الفَرْد الاجتماعي

لا يَتَّجِهُ الدين إلى تنظيم العالم البرّاني؛ إذ إنه شعور والتزام، وليس رغدًا أو نمطًا لمعيشة أفضل.

فلا تعرف الدراما تصور الأمن الاجتماعي ، ولا تُدرك الطوبيا مفهوم الكرامة الإنسانية .

وتنبئ الحقائق الآنفة عن صلة مباشرة بين الطوبيا ونظريات النشوء [في مسألة] أصل الإنسان.

وبالتالي، فإن الطوبيا مذهب للملحدين، لا للمؤمنين.

إن إمكانية المجتمع المثالي صارت محالًا منذ لحظة الخلق، منذ لحظة أنسنة الإنسان . منذ تلك اللحظة فصاعداً؛ صار الإنسان في مواجهة صراع واضطراب وسخط ودراما أبدية: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [سورة البقرة، الآية رقم ٣٦.]

وبالتالي، فإن الاعتقاد في إمكانية الطوبيا تفاؤل ساذج، ينبني على إنكار الروح الإنساني.

الطوبيا والأسرة

إن بين الأسرة والمجتمع اختلافًا كبيرًا؛ فمبدأ الارتباط داخل الأسرة هو الحب أو العاطفة، وفي المجتمع هو المنفعة أو الذكاء، أو كلاهما.

وبحسب ماركس، فإن محو الأسرة (انقراضها) يعني التنشئة الاجتماعية للإنسان، وتحوله إلى كائن اجتماعي بالكلية . وانتقال كافة أساسيات الوجود الإنساني -اجتماعية، ومادية، وأخلاقية- من الأسرة إلى المجتمع.

والكاتبة الفرنسية سيمون دو بوفوار، وهي الناشطة الشهيرة في حركة تحرير المرأة في فرنسا وبلدان أخرى، شديدة الحسم؛ إذ تقول: ستظل المرأة خاضعة مُستعبدة إلى أن تُحطَّم خُرافة الأسرة، وخُرافة الأمومة وغريزتها .

An interview in the New York magazine: Saturday Review, September 1975.

وبوسعنا تتبع إبطال الأسرة في مظاهر شتى: عدد الزيجات يتناقص أكثر فأكثر، ومعدل الطلاق يتزايد، وعدد النساء العاملات يصير أكبر، وثمة تفاقم في أعداد الأطفال غير الشرعيين،

وإن لم يكن للروح الإنساني وجود، فإن الرجل المسن يصير أكثر شيء لا حاجة لهذا العالم به.

لقد حَمَتِ الأديان جميعها الأسرة، بوصفها عُشَّ الإنسان، [ودَعَّمَت] الأم بوصفها المُعلِّم الأول غير القابل للاستبدال.

وبقطع النظر عن الأسماء التي نطلقها على هذه المؤسسات، فإن ثمة مُشْتَرَكًا واحدًا فيما بينها جميعًا: غياب الأم، وإسناد الأطفال إلى رعاية موظفين.

إن الأم تَلِدُ إنساناً وتُربيه، بينما الروضة تنشئ عضواً في مجتمع؛ مستوطناً مُستقبلياً لطوبيا. فإن الروضة مصنع؛ آلة تعليمية.

والحضارة لن تتحقق أبدًا تحققًا كاملاً حتى تحطم الإنسان بوصفه هويَّة شخصية [مُتَفَرِّدَة].

وموقفنا من الزواج والأسرة، والتعليم والأبوين، أو كبار السن؛ يعتمد على ما نُبصِرُهُ في الإنسان، أي على فلسفتنا في الإنسان.

وفي كافة البلدان المتحضرة، بوسعنا أن نرصد إما بوّازًا في مُعدَّل المواليد وإما تناقصًا، إما بسبب وظيفة الأم وإما بسبب الرغبة في نمط عيش رغيد بغير التزامات، وهو مُجَدِّدًا للمال المباشر لإبطال القيم الدينية والثقافية.

لقد صاغت الحضارة من المرأة موضوعًا للعبادة أو للتوظيف، بيد أنها سلبت منها هويتها الشخصية، وهي الشيء الوحيد الجدير بالإعجاب والتقدير.

لقد وصمت الحضارة الأمومة بوجه خاص، وفضّلت على مهمة الأم صنعة البائعة، وعارضة الأزياء، ومُعلّمة أطفال الآخرين، والسكرتيرة، وعاملة التنظيف. وكانت الحضارة هي التي نادت بأن الأمومة رقّ، ووعدت بتحرير المرأة منها. فهي تتفاخر بأعداد النساء اللائي بترتهُنّ (وتقول: حَرَّرْتُهُنَّ) من الأسرة والأطفال، حتى يَصِرْنَ عاملاتٍ بأجور أقل. وعلى النقيض من ذلك، عظَّمت الثقافة الأم دومًا.

وخصيصتهما المشتركة هي إسقاط العلاقات الوالدية؛ ففي الروضة نجد الأطفال دون آبائهم، والوالدين في دور المسنين من دون أطفالهم.

إن الأسرة، وعمادها الأم؛ تنتمي إلى تصور ديني للأشياء. وذلك على المنوال نفسه الذي تنتمي به الروضة، بالإضافة إلى موظفيها؛ إلى التصور الآخر.

القِسْمُ الثَّاني: الإسْلامُ؛ وِحْدَةٌ ثُنَائِيَّةُ القُطْبِ

الفَصْل السَّابع: موسى، وعيسى، ومحمد

الآن وهنا

ثمة تاريخان للإسلام: أحدهما هو السابق على سيدنا محمد [ﷺ]، والآخر هو اللاحق عليه.

ومن بين [هذه] الشرائع، تُمثل اليهودية الجنوح اليساري إلى هذا العالم؛ فإن كافة تصورات الفكر اليهودي ونظرياته معنيّة [بإنشاء] فردوس على الأرض.

إن اليهود لم يؤمنوا قط بتصور الخلود إيماناً تاماً. وقد ظل الصدوقيون يجحدونه في زمن عيسى (عَلَيْهِ السَّلَامُ). ويُصرح موسى بن ميمون، أكبر مفكر يهودي في العصور الوسطى؛ أن الخلود مسألة مجردة (وهو أشبه ما يكون بإنكار للتصور ذاته). ويذهب فيلسوف يهودي آخر كبير -باروخ سبينوزا- أبعد من ذلك، ويدعي أن العهد القديم يسكت تماماً عن [أمر] الخلود.

ففي كتابات سبينوزا، من الممكن استبدال اصطلاح الإله بـ الطبيعة / المادّة أنَّى ظهَر، بل إنه يُعطي توجيهات صريحة بهذا المعنى، وبإسقاط أية خصائص شخصية وفردية -أو شعورية- من تصور الألوهية؛ فإنه يقربُ بين هذين التصورين تقريباً لا محدود.

وفي نصوص النبوات اليهودية، فإن الماشيح – بوصفه آخذاً بالثأر، أو مُنفّذاً للعدالة- مُبجّل مُعظَّم. إن الماشيح – كما تشوف إليه اليهود- لم يكن نبياً يتعذب ويموت، وإنما بطل قومي، وملك أرضي؛ سيؤسس مملكة الشعب المختار.

إن تصور فردوس هنا على الأرض هو في الأساس تصور يهودي في صبغته كما هو في أصله.

وكل الثورات والطوباويات والأيديولوجيات الاشتراكية، وسائر التصورات التي تلتَمِسُ فردوساً على الأرض؛ هي في جوهرها يهودية، نشأت من العهد القديم.

إن تصور البنائين الأحرار (الماسون) عن النهضة الأخلاقية للجنس البشري، عن طريق العلوم الطبيعية/ المادية؛ تصور [مادي] وضعي ويهودي.

وبحسب [الاقتصادي والمؤرخ الألماني] فرنر سومبارت، فإن تاريخ اليهودية هو تاريخ التطور التجاري للعالم. وقد كانت العلوم النووية تُعرَف بادئ الأمر بأنها: العلوم اليهودية . وكذلك، يُمكِن للاقتصاد السياسي أن يحمل هذا اللقب. وليس من قبيل المصادفة أن تكون أكبر الأسماء في الفيزياء الذرية والاقتصاد السياسي والاشتراكية أسماء يهودية بغير استثناء تقريباً.

لم يساهم اليهود دومًا في الثقافة، بيد أنهم ساهموا في الحضارة على الدوام. ويبدو أنهم كانوا يُهاجِرون باستمرار من [كل] حضارة آفلة إلى تلك التي نجمها في صعود.

فإن كل المدن الكبرى في العالم، خصوصًا مُدن أمريكا؛ هي مواطئ الأقدام التي تكتب تاريخ اليهود.

لقد كان اليهود في كل الأحوال نُقلة التقدّم البراني، وذلك كما كان المسيحيون حَمَلة التقدّم الجواني.

الدِّين المُجرَّد

وإنّ الواقعيَّة الفجَّة للعهد القديم لا يُمكِن تجاوزها إلا بالمثاليَّة الحاسمة كذلك للعهد الجديد.

أما الجمع بين هذين المطلبين في بوتقة واحدة؛ فهو ما سيقع مع الإسلام الذي بعث به محمد ﷺ بعد رَدْح من الزمن.

وبحسب بعض الكُتّاب، فإن إنجيل مرقيون – الذي عُدَّ أسوة لمار مرقس- يُعتبر أن يسوع قد أبطل شريعة موسى، وأنه خالف يهوه – إله العدالة ومُخلص عالم الشهود – إلى إله الحب الذي برأ عالم الغيب.

ولما كانت المسيحية والدين [المجرّد] مُناهضين مبدئيًّا لاستخدام العنف، فإنهما لا يستطيعان -بوجه عام- التأثير مباشرة في أي شيء قد يحسّن الوضع الاجتماعي للإنسان. إن التغيّرات الاجتماعية لا تُستفتح بالصلاة والفلسفة الأخلاقية، وإنما بالشوكة تُعزّزها تصورات [راسخة]، أو مصالح [كاسحة].

وَأَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ، أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، بَارِكُوا لَاعِنِيكُمْ، وَصَلُّوا لِأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ ، وَلَا تُقَاوِمُوا الشَّرَّ، بَلْ مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الْأَيْمَنِ؛ فَحَوِّلْ لَهُ الْآخَرَ أَيْضًا ؛ هذه الدعوات تخالف طبيعة المنطق العملي لحياة الإنسان، إلى درجة أنها توجهنا إلى التنقيب عن معناها الآخر والواقعي.

ومن ثم، كان ظهور المسيح مُعْلِمًا في تاريخ العالم ﴿آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ وقد دَمَجَت الرؤية والمرامي التي صُرِّحَ بها في كافة المساعي الإنسانية منذاك فَصَاعِدًا.

الاستجابة للمسيح وجحده

يمكن للدين أن يؤثر في الدنيا، فقط إن صار هو نفسه دنيوِيًا ، وعلمانيًا؛ ينتمي إلى هذا العالم، أي إن أقحم في السياسة بالمعنى الأوسع للفظة.

إن الإسلام مسيحيّة أُعيد توجيهها إلى الدُّنيا.

يشتمل الإسلام على مكوّن يهودي خالص، بيد أنه يحوي كذلك مكوّنات غير يهودية.

ومهما يكن من أمر، فإن ما وقع في مكة لا يمكن تسميته إسلامًا بعد؛ فقد بلغ الإسلام أوجه في المدينة المنورة.

لقد كان [صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] في مكة نذيرًا بالمعتقد الديني [المجرَّد]، وصار في المدينة مبشرًا بالمعتقد الإسلامي [المُرَكَّب].

لقد بدأ الإسلام تصوفًا وتم بوصفه دولة. لقد استجاب الدين [المجرد] لدنيا الوقائع وصار إسلامًا.

إن سجود الملائكة للإنسان، الذي عَلَّمَه الله الأسماء كلها؛ يُرَسّخ أرجحية الحياة والإنسان والدراما على المثالية المستقرة والمُخلَّدة.

إن المسيحية لم تَبْلُغ قط الوعي الكامل بإله واحد. والواقع أن المسيحية تحوز فقط تصورًا واضحًا للمُقَدَّس، ولا تحوز مثله للإله. وقد كانت [غاية] مَبْعَث محمد ﷺ جَعْلَ صورة إله الأناجيل أوضح، وأقرب إلى الذهن الإنساني ومتصوُّرُه.

إن الإله في الأناجيل أب، وفي القرآن رب. هو في الأناجيل محبوب، وفي القرآن مَهاب.

وبقطع النظر عن كل الأزمات التاريخية التي

مرّ بها؛ فقد ظل الإسلام أصفى شريعة توحيدية ، بحسب غوستاف لوبون. إن روح الإنسان تُدْرِك المقدس فَحَسب، ومِن خلال الدماغ؛ يتحول المقدس إلى تصور للإله الواحد الأحد: الله.

إن الإله المسيحي رب العالم الفردي (البشر والأرواح) فحسب، بينما يأخذ إبليس بأزِمَّة العالم المادي.

إن عقيدتي الإسلام الأساسيتين (الله أكبر، ولا إله إلا الله)؛ هما في الوقت نفسه أشد أدوات الإسلام ثورية.

لا إله إلا الله ممقوتة من أصحاب السلطان في كل زمان ومكان.

وقارن مبدأ عصمة البابا المسيحي، بعصمة الإجماع الإسلامي: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَجْمَعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ ؛ كما ورد في الحديث المروي عن النبي [ﷺ].

وقد ظهر موقف الإسلام حيال الحضارة في علاقته بالقراءة والكتابة، وذلك بوصفهما أحد أقوى روافع الحضارة. وقد ذُكِرت صنعة الكتابة في أول مقطع أوحي به من القرآن الكريم. إن الكتابة غريبة غربة جوانية عن الدين [المجرد].

وقد ظلت الأناجيل تقليدًا شفاهيًا لزمان طويل، ولم تُدَوَّنْ إلا بعد يسوع بجيل كامل، بحسب ما بلغنا. وعلى العكس، فقد اعتاد محمد [صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] إملاء أقسام من القرآن على كاتبه فور تنزلها، وهو تصرف كان يسوع سيعنقه إلى حد بعيد، وكان سيصير أقرب إلى [أفعال] الفريسيين المستحقين للمؤاخذة.

وحينما يُمجد القرآن الجهاد، أو حتى يأمر به عوضًا عن الاحتمال والإذعان؛ فإنه لا [يُقرر] تشريعًا دينيًا أو أخلاقيًّا، وإنما بالأحرى تشريعًا اجتماعيًا-سياسيًا. لقد كان محمد [صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] مقاتلًا. وقد سُجّل مؤرّخ متحدّثًا أنه [﴿صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ﴾] كان يحوز تسعة سيوف، وثلاثة رماح، وسبعة دروع، وثلاثة تروس، وأسلحة أخرى. وفي هذا الصدد، يشبه محمدًا موسى؛ النبي المقاتل .

وقد كان لتحريم الخمر في الإسلام صبغة اجتماعية بالأساس؛ لأن الخمر إثم اجتماعي في المقام الأول.

ولا يرى المسيحيون بأسًا في استحالة النبيذ رمزيًّا إلى دم يسوع أثناء [طقوس] القربان المقدس.

فإن الإسلام حين يحرّم الخمر، فإنه يؤدي وظيفة العلم الطبيعي، لا الدين المُجرَّد.

وقد أثبتت البروتستنتيَّة العقلانيَّة وجودها، بوصفها أشد استعصاءً على التحدي الثوري. ومن هذا المنظور، فإن الصيغة البروتستنتية من المسيحية أقرب إلى الإسلام من تلك الكاثوليكية.

ونتيجة لأسباب تاريخيَّة ومواجهات سياسية بين المسيحيَّة والإسلام، فإن قرابتهما قد جرى في الغالب التغاضي عنها. وأُغْفِل أن الإسلام يؤمن بالإنجيل بوصفه كتابًا مُنَزَّلًا، وبعيسى [عليه السلام] بوصفه نبيًّا.

الفَصْل الثَّامِن: الإسلام والدِّين

ثنائية قطب أركان الإسلام الخمسة

فإن الصلاة لا تقتصر على كونها شعيرة [روحية]، ولكنها كذلك نظافة شخصيّة، وتربية للنفس؛

وثمّة شيء عسكري بالفعل في هذا الاغتسال الصباحي بالماء البارد، وفي الصلاة في تشكيل متراص.

والحركات البدنية للصلاة بسيطة إلى حد ما، بيد أنها تستخدم كافة أجزاء جسم الإنسان تقريباً. خمسة صلوات في اليوم بوضوء (أو اغتسال)، ويجب أن يؤدّى أوّلها قبل شروق الشمس، وتؤدّى الأخيرة في غسق الليل؛ لهي بالفعل أدوات مخصوصة معلومة، فيها قوة وبأس لمواجهة الفجور والاسترخاء.

﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾. إن التصريح بأن النظافة البدنية هي أحد مظاهر الاعتقاد، يمكن أن يصدر في [داخل نظام] الإسلام فحسب. ففي كل الأديان المعروفة؛ يُعَدُّ الجسد خارج نطاق النعمة الإلهية .

إن الحياة تعزل البشر، والمساجد تجمع شملهم مرَّة أخرى، وتَمزجهم بعضهم ببعض. إنها مدرسة يوميَّة للتجانس والمساواة والمشاركة والمصافاة.

هذا التوجه الاجتماعي للصلاة (عمليَّة إضفاء الطابع الاجتماعي عليها)، يكتمل بصلاة الجمعة، التي تُعَدُّ صلاة مدنيَّة أو سياسيَّة على وجه التقريب؛ إذ إنها تُقام في وقت الإجازة [الأسبوعيَّة]، في المسجد الجامع، ويؤمّها أحد مسؤولي الدولة. وخطبة الجمعة (التي تسبق الصلاة)، [وتُعَدُّ] شقها الأساسي؛ هي في الأصل بيان سياسي.

وحين تأسَّسَت جماعة المدينة المنوّرة الإيمانيَّة (وهي اللحظة التاريخيَّة التي تحوَّلَت فيها جماعة إيمانيَّة مُجَرَّدَة إلى دولة)، شرع حضرة سيدنا محمد [صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] بمعاملة الزكاة بوصفها فريضة شرعيَّة،

وبإعلان الزكاة [بوصفها فريضة]، شرع الإسلام في اتخاذ شكل الحركة الاجتماعية، ولم يَعُدْ يؤدي وظيفة الدين [المجرَّد] فحسب.

إن الزكاة استجابة لظاهرة ليست أحادية الجانب بذاتها، لأن العَوْز ليس إشكالية اجتماعية فحسب؛ إذ إن سببه ليس هو الافتقار وحده، وإنما الخُبث [الذي تنضح به الأرواح الإنسانية] أيضًا. إن الفاقة هي شقه البراني، والإثم هو شقه الجواني.

إن كل حلّ اجتماعي يجب أن يتضمن حلًا إنسانيًا؛ فيجب ألا يغير العلاقات الاقتصادية وحدها، وإنما العلاقات بين الإنسان [وأخيه] الإنسان كذلك. ويجب أن تكون مسألة التوزيع العادل للمال على نفس قدر [أهمية] التنشئة السوية للأفراد،

إن [أداء] الزكاة يقتضي فتح خزائن المال والقلوب. إن الزكاة نهر عظيم من الأموال يتدفق من قلب إلى قلب، ومن إنسان إلى إنسان. إن الزكاة تستأصل الفقر من بين الفقراء، وتمحو اللامبالاة من بين الأغنياء، وهي تقلل الفوارق المادية بين الناس، وتُقرِّبُهم بعضهم من بعض.

إن تدابير الإسلام الاجتماعية محدودة بحدود استئصال العوز، ولا تمتد إلى التسوية في الملكية [بين الناس]،

هذا الوقف، بسمته الشائع وأهميته؛ لا شبيه له في المجتمعات غير الإسلامية.

وقد رُوي عن عبد الله بن مسعود [ﷺ] قوله: أمرتُمْ بالصلاة والزكاة، فمن لم يزك فلا صلاة له .

وقد اعتمد أبو بكر الصديق -أول خلفاء رسول الله [ﷺ]- المنطق نفسه حين عزم على قتال من منعوا الزكاة، ويُروى أنه قال: والله لأُقاتلنَّ مَن فرّق بين الصلاة والزكاة .

والشهادتان يُجْهَرُ بهما أمام شهود،

بيد أن من يجهر بالشهادتين ينتسب كذلك إلى جماعة اجتماعية-سياسية، وهو ما يستتبع التزامات قانونية، وليس مُجرَّد التزامات أخلاقية.

الصوم ليس قضية اعتقاد مُجرَّد في الإسلام، فهو ليس مُجرَّد مسألة شخصية تخص الفرد؛ وإنما هو بالمثل التزام اجتماعي.

إن الإسلام لا يلعن الأرض، بل على العكس تماماً؛ [جعل منها صَعِيداً طيباً] عند فقد الماء، وأجاز استعمال [تراب] الأرض للوضوء بغير ماء.

والإسلام أقل ما يكون طريقة تفكير، وأكثر ما يكون نمط حياة. وكافة تفاسير القرآن الكريم، تُظهر أنه بغير الحديث، ومن ثم بغير حياة؛ لا يعود [القرآن] مفهوما فهما تامًا. وبواسطة تأويل حياته [صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] فحسب؛ يُظهر الإسلام نفسه بوصفه فلسفة عملية، وبوصفه مشروعا شاملا للحياة.

والإجماع هو اتفاق آراء المجتهدين (جميعًا عند الإمام الشافعي، وجمهورهم عند الطبري والرازي) على حكم شرعي مُعيَّن.

وفي الإجماع، ثم وجه نوعي (أرستقراطي ونخبوي) وآخر كمي (ديمقراطي)؛ في آن معًا.

دِينٌ اسْتَقْبَلَ الطَّبِيعَة

فلا يحتوي القرآن الكريم على حقائق علم طبيعي جاهزة،فإنه ينطوي على موقف علمي جوهري؛ عناية بالعالم البَرَّاني، وهو شيء استثنائي بالنسبة للدين.

فالقرآن يومئ إلى حقائق كثيرة للغاية في الطبيعة، ويدعو الإنسان إلى الاستجابة لها.

إن الإنسان ينظر، ويبحث، ويُدرك لا الطبيعة التي خلقت نفسها؛ وإنما عالم هو آية من آيات الله.

إن العالم المادي ليس لملكوت الشيطان، ولا الجسد بمقام للخطيئة.

لما كان الاعتقاد بأية صلة بين النجوم والمصير الإنساني دخيلاً على الإسلام، فقد تعيّن على عقيدة التوحيد [مُتضافرة] مع العقلانية [الإسلامية] أن تُحوِّل هذا التنجيم إلى فَلَك.

هذا الاهتمام المتوثِّب بالفلك والعلوم الطبيعية إبَّان القرون الأولى من تاريخ الإسلام، كان تَبَعة مباشرة [لتنزُّل] القرآن.

لم يكن المسجد أبداً – طوال تاريخه – مُجرَّد مكان للعبادة؛

بالمسجد الذي أُلحِقت به مدرسة (المسجد – المدرسة)،

وتكمن الأهمية البالغة للإسلام في واقع أنه لم يذهل عن وجود المكابدة، ومكافحة المكابدة؛ والتي تُعدّ جوهر التاريخ الإنساني.

وثَمَّة قدر معلوم من التقشُّف هاهنا، ليُعادِل غرائزنا فحسب، أو لِيُمدِّنا بتوازُن بين البدن والروح، وبين الطبائع الحيوانية والبواعث الأخلاقية.

نعم؛ إن الإسلام يُدافِع عن حياة طبيعية، ويُناهِض التزهُّد، ويُدافِع عن الثراء ويُناهِض الفقر، ويَلْتَمِس [امتداد] سُلطان الإنسان على الطبيعة، لا فوق هذا الكوكب وحده، وإنما في سائر الكون كذلك إن أمكن.

ومهما كان افتراض العفّة والقمع المسيحي ساميًا، فإن التصور الإسلامي لحياة جنسيّة معتدلة وموجّهة؛ يلائم الإنسان على نحو أفضل، لأنه يعترف بالمسألة [ابتداءً].

المسلم سيكون أشد انسجامًا مع بيئته من أي جنس آخر من بني البشر؛ نظرًا للتوازن بين المتطلبات الجسدية والأخلاقية. والتعاليم المسيحية، مثلها في ذلك مثل أية تعاليم مثالية؛ تؤدي إلى قلق وإحباط بسبب التعارض الواضح بين الرغبات والواقع، وبين النظر والعمل. إن الاضطرابات العصابية والتشوهات، التي لحقت بالإنسان الغربي، هي جزئيًّا حصيلة الصراعات الجوانية بين المُثل المسيحية للإنسان، والمُثل السياسية للمجتمع التي نمت مستقلة عن المُثل العليا المسيحية وفي معزل عنها.

إن المسلمين ليسوا قديسين، حتى وهم يصلون ويصومون.

ويمكن تعريف الإسلام بوصفه موجباً لحياة جسمانية وحياة روحية معاً، في العالمين البراني والجواني، أو بحسب التعبير القرآني: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾. وانطلاقًا من هذا التعريف، يمكننا الزعم بأن الخلق جميعًا، أو أكثرهم؛ مسلمون بالقوة [الكامنة فطريًا].

كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه . ولا يُمكن للإنسان أن يصير مسيحيًّا؛ إذ ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.

كان الإنسان أشد براهين الإسلام سُطُوعًا.

الإسلام والحياة

ورغم أن العقاب إجراء قمعي، فإنه من الممكن أن يعمل أيضًا بوصفه عُنصرًا أخلاقيًا فعالًا. وإذا كان العقاب عادلاً، فإن له قيمة تربوية لكل من المذنب ومن عداه من الناس. إن الخوف مَبْتَدَأُ الأخلاق. وذلك كما أن مخافة الله مَبْتَدَأُ محبته.

ومن حيث المبدأ، ليس للقوة علاقة بالأخلاق، بيد أنه ما من عدل بغير قوة في الحياة الواقعية. إن العدل وحدةُ مدلولات القُوَّة والإنصاف.

فإن للعمل وجهاً أخلاقياً ووجهاً اقتصادياً في آن. إنه عامل مُقاوِمٌ للشرور والأهواء، وذلك كما يُعَدُّ عاملاً مُناهضاً للفقر.

الانسجام بين الفلسفة الأخلاقية والعلوم الطبيعية/ المادية، وقاعدة تُمثل الجوهر الذي نُطلق عليه: التوجه الإسلامي.

ويعتمد الأثر الإنساني في مسار التاريخ على مستوى الوعي وقوة الإرادة.

إن التاريخ رواية متواصلة [لآثار] مجموعات صغيرة من أهل الحزم والجسارة والفطنة من البشر، الذين خلفوا دَمْعَة لا تُمحى على مسار الأحداث التاريخية، وتدبَّروا تغيير مجراها.

إن لنا سلطانًا فوق الطبيعة [المُسخَّرة]، وفوق التاريخ كذلك؛ إن نحن حَزَمنا سلطانًا فوق نفوسنا. وهذا هو موقف الإسلام من التاريخ.

الفَصْل التَّاسِع: الطَّبيعة الإسلامية للقانون

وَجْهان للقانون

إن الحقوق ثابتة فقط إذا كانت أصيلة، وليست [صادرة عن] إرادة ملك، أو برلمان، أو طبقة اجتماعية؛ أي إذا كانت ممنوحة له من الطبيعة أو من الإله، وقد ترسَّخت فقط بِخَلْقِ الإنسان. إن الحقوق مظهر من مظاهر الكرامة الإنسانية، وهي بذلك تتجاوز الزمان والأحوال والتاريخ، وتمتد [وصولاً] إلى فعل الخلق [نفسه].

إن حجر الزاوية في شرعية أي نظام اجتماعي هو طريقة معاملته للمعارضين والأقليات. إن سلطان القوي واقع، وليس حقاً.

ولهذا، يكافح كل شعب في سبيل دستور، ويحاول كل ملك التخلص منه]. ويذهب إرنست بلوخ محقاً إلى أن: كل ديكتاتورية هي تعطيل للقانون .

إن الإقرار بأن القانون إرادة الطبقة الحاكمة هو إبطال لجوهر القانون.

فكيف يُمكن تقييد السلطان القوي سوى بواسطة المبادئ الدينية؟

إن كل قانون قد بدأ بوصفه عُرْفاً، فلم يكن ثمة فارق بين العُرْف والأخلاق، وهو ما ترك بصماته على اللغة.

إن الدولة والحكومة تعبيرٌ عن السلطة المادية، والقضاء والقانون [تعبير] عن [السلطة الأخلاقية. والإقرار بأن السلطة الأخلاقية للقضاء والقانون، يُمكِنها مُعادَلَة السلطة المادية للدولة؛ يعني الإقرار بهيمنة الفكرة فوق الأشياء، والروح فوق المادة.

إن القانون يُمكن قمعه، أو إخضاعه إلى حدّ ما، بيد أنه لا يُمكن تفويضه أو اختزاله إلى عدم، شأنه في ذلك شأن الإنسان.

يُجاهد الحكم الإنساني ليقتدي بحكم الله تعالى؛ بالعدل الإلهي. وكلما أخذنا نية الفاعل في حكمنا بعين الاعتبار؛ دنونا أكثر من حكم الله. ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَٰكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ۚ﴾. وإننا بتقبلنا للنية [القصد، حتى في أهون مراتبها؛ فإننا نُقرّ بوجود الله، وبالتالي نكفر بالمادية.

العِقَاب والدِّفَاع الاجتماعي

ترتبط مسألة تسويغ العقوبة المسلّطة على الجاني قطعًا بالقضية التقليدية، المتمثلة فيما إذا كان الفعل حُرًّا أم تُمليه عوامل موضوعية برانية (تركيبة شخصية الجاني نفسه، أو البيئة المحيطة، أو كليهما).

الأول يذهب إلى أن استعمال العقوبة مُسوّغ بسبب الاختيار الحر الذي يحوزه كل إنسان، ويذهب [الرأي] الثاني إلى أن العقوبة بلا جدوى؛ لأن الفعل الإجرامي قد سبق تقديره؛

فإذا كانت هذه هي الحال؛ فما من مجال للعقوبة، وإنما للدفاع عن المجتمع -الدفاع الاجتماعي – أي للإجراءات التي يلجأ إليها المجتمع، لحماية نفسه من المفسدين الأبرياء؛ فينشأ الموقف الأول عن الحرية أو عن الهوية الشخصية، والثاني عن الحتمية أو عن المجتمع.

وقد تأسست وجهة النظر الأولى على الاعتقاد بأن الإنسان بوسعه الاختيار بين أن يكون صالحاً أو طالحاً، وتنطوي الأخرى على [اعتبار] أن الإنسان لا هو بالصالح ولا بالطالح؛ إذ إن الأحوال [والبيئة] تُعَيِّنُ سلوكه.

إن العقوبة على قدر الإثم، بينما يعتمد الإجراء الدفاعي على درجة الخطر الاجتماعي (أي الموضوعي) للمذنب، وعلى حجم خطورة المجرم من منظور المجتمع.

إن إجراءات الدفاع الاجتماعي يمكن أن تتخذ صيغًا شديدة التزمت والجور في حال الاحتراز أو الوقاية الشاملة. وقد استعملت معايير من هذا النوع في بعض البلدان بحق المعارضين السياسيين. والمثال المتطرف على ذلك هو حملات التطهير الستالينية، التي أبيد إبّانها ما يقرب من عشرة ملايين شخص، بحسب بعض الإحصاءات.

حملة التطهير ليست عقوبة، وإنما تقنية استباقية للمجتمع من عناصر غير مرغوب فيها.

إن الإنسانية توكيد على الإنسان بوصفه كائنًا حُرًّا ومسؤولًا، فلا شيء يمتهنُ الإنسان أكثر من ادعاء انعدام مسؤوليته.

إن المقصود من العقوبة لا يشترك في شيء، مع هذا العالم [وأغراضه]. إن غايته استئناف التوازن الأخلاقي، الذي خُرّب بالجريمة المرتكبة.

إن فكرتي القصاص والعقوبة، ترجع أصولها إلى التصور الديني: أن الإثم يستجلب غضب الرب.

الفَصْل العَاشِر: عن استحالة تحقُّق الدِّين المُجرَّد والمَادِّيَّة الخَالِصَة

يسوع والمسيحية

عند تناول مسألة إمكانية تحقق الدين المجرد في العالم، هناك مثال محوري لا يُمْكِن إغفاله؛ أي الإخفاق التاريخي للمسيحية. ولكي نعرض المسيحية، ونستوعب تطورها التاريخي؛ يتعين علينا تمييز حياة المسيح عن تاريخ المسيحية. ومنذ البدء، كان المسيح [قائمًا] في جهة، بينما [تقع] المسيحية في الجهة الأخرى.

وقد وبخ يسوع أول خلفائه بطرس؛ لأنه لا يهتم بما لله، وإنما بما للخلق، ورغم أن بطرس كان حجر الزاوية الذي قامت عليه الكنيسة.

فإن المسيحية بوصفها كنيسة هي: مُفارَقَةٌ للمسيح.

وفي عام ٣١١م، أصدر الإمبراطور الروماني غاليريوس مرسومًا بالتسامح مع المسيحية، ولم يمر وقت طويل حتى اعترف الإمبراطور قسطنطين بالدين الجديد. وبإنشاء مؤسَّسة قوية من جماعة إيمانية، ومنح الكنيسة سُلطة سياسية؛ فإن الإمبراطور قسطنطين قطع خطوة تاريخية حاسمة باتجاه تشويه المسيحية. وإبَّان القرن الرابع، أرسى المجمع الكنسي عقيدة الكنيسة، وصار الطقس الكنسي مُفعمًا بالحيوية، [إذ اكتسى] بشعائر احتفالية مُستعارة من الأديان الوثنية. وفي ذلك الوقت، ظهرت عبادة القديسين ومريم العذراء. وفي مطلع القرن الخامس الميلادي، أعلن الإمبراطور ثيودوسيوس الثاني المسيحية دينًا للدولة، وأصدر في عام ٤٣٥م مرسومًا مُناهضًا للوثنيين.

وقد دُوِّن أكثر العهد الجديد خلال أواخر القرن الثاني الميلادي، وارتُضي الصليب أخيرًا في نيقية [المجمع المسكوني الأوَّل] عام ٣٢٥م، وذلك بوصفه رمزًا للمسيحية.

وعلى نقيض ذلك، نجد أن مذاهب الرهبنة، التي تمخض عنها الاستلهام الصادق للدين؛ قد نشأت على الدوام خارج مؤسسة الكنيسة.

لقد كان المسيح هو أبو المسيحية، وبولس الطرسوسي (أو أوغسطين) هو أبو الكنيسة. اجتلب الأول الفلسفة الأخلاقية المسيحية، واجتلب الثاني اللاهوت المسيحي.

لقد كانت تعاليم المسيح بوصفها دينًا [مُجرَّدًا] أقرب إلى أفلاطون، وكان اللاهوت المسيحي أقرب إلى أرسطو.

وقد أحالت الكنيسة دومًا إلى بولس ورسائله، وأحال الإيمان والأخلاق دومًا إلى المسيح والأناجيل.

إن المسيح والأناجيل في جانب، والكنيسة واللاهوت يقبعان في الجانب الآخر. الأول هو الفكرة، والثاني هو الواقع.

ماركس والماركسية

إن العبودية لم تُبْطَلْ لأسباب أخلاقية، وإنما لأنها لم تَعُدْ تلائم المصالح والاحتياجات الاقتصادية.

برنامج الحزب الشيوعي الأمريكي لا يختلف اختلافًا جوهريًّا عن برنامج الأحزاب الشيوعية في كوستاريكا وإندونيسيا.

الشيوعيّة تستمد طاقتها من المصادر نفسها، التي يستمد منها الدين والروحانية الباطنية طاقتهما، وعليه؛ فحيثما لا يوجد دين، تصير الشيوعية فاقدة لمعنى وجودها أصلاً.

إن التعريفات الذكية والمنطقية لها مكانتها في الكُتب المدرسية، بيد أننا جميعًا نلجأ في الممارسة العملية إلى استعمال تصوّرات أقل تزمّتًا؛ إذ إنها أقرب إلى الإنسان والحياة.

إن تجريم فعل آثم اعتراف بأنه ثمرة حرية الاختيار الإنساني، وإلا فإن هذا التجريم سيصير عبثًا.

لكنَّ من المقطوع به أنه لا يمكن للمرء أن يُمسي مُلحداً ومادياً صرفاً مُتسقاً مع ذاته، حتى إن رغب في ذلك من كل قلبه.

الزَّوَاج

إن الدين المُجَرَّد يستلزمُ العَذَار، وتُبيح الفلسفة المادية -بالأساس- الحرية الجنسية الكاملة. بيد أن كلا المذهبين، حين يُوَاجِهَانِ بإشكالاتٍ عِدَّةٍ أثناء تطبيقهما؛ يُدْنُوَانِ من مؤسسة الزواج بوصفها حلًا ووسطًا.

وفي المسيحية الأصليّة لا مكان للزواج. لقد أمر يسوع بالعفَّة الكليَّة [العِذَار]: قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لَا تَزْنِ * وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا؛ فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ . هذه الكلمات يُمكن فقط أن تعني أنه بحسب تعاليم يسوع، فإن على الإنسان المجاهدة في سبيل العفة الكلية.

فمن المنظور المسيحي، لا يُعَدُّ الزواجُ حَلَّا مُؤَسَّسًا على مبدأ [نظري]، وإنما حَلَّ فَرْضَهُ الواقع العملي (أو السبب الزني ؛ كما ذهب بولس).

ومع ذلك، تظل المسافة بين الزواج الكاثوليكي والمدني ضخمة، وذلك بسبب قضية الطلاق بشكل رئيس. إن الزواج الذي يُعدُّ سرًّا مقدسًا يجب ألا ينحل؛ لأنه قد يتحوَّل حينئذ إلى اتفاق. وبالمثل، فإن زواجًا غير قابل للانحلال مُطلقًا؛ سيفقد كليًّا خاصيّة كونه تعاقدًا، وذلك إذ يصير شيئًا مُقدَّسًا ما من [مُفكَّر] وضعِيٍّ مُستعدٍّ لقبوله.

نوعان من الخرافات

فإن العلوم الطبيعيّة يُمكن أن تُعين الدين على ردّ الخرافات الباطلة. فإذا فُصِلاً؛ فإن الدين يَجُرُّ إلى الرّجعية، وتَجُرُّ العلوم الطبيعيّة إلى الإلحاد.

وعقل الإنسان لا يُخطئ في الشؤون المتعلقة بالعالم غير العضوي (الفيزياء، والفلك، وما إلى ذلك)، لكنه حائر مُرتبك في ميدان الحياة.

وقد خَلُصَتْ العلوم البيولوجية المادية إلى أن الإنسان هو في الواقع حيوان، والحيوان هو في الواقع شيء، والحياة هي في نهاية المطاف حركة آلات؛ أي لا حياة فيها.

انتهى البحث العلمي في الحقل الإنساني بسلسلة من عمليات النفي: أنكر العقل أولًا وجود الإله، ثم بمقتضى نمط التدرّج التنازلي؛ أنكر الإنسان، ثم الحياة، وأخيرًا انتهى إلى خلاصة مفادها أن كل شيء محض عبث، وتأثير متبادل للقوى الجزئية. لم يستطع العقل العثور على شيء آخر في العالم سوى نفسه: الآلية والسببية.

الفَصْل الحَادِي عَشَر: الطَّريق الثَّالِث خارج نِطَاق الإسلام

العَالَم الأنجلوسكسوني

العالَم الأنجلوسكسوني مُصطلح حضاري-سياسي وثقافي، لا عِرقيّ بالمعنى الضيّق، يُشير إلى الدول والمجتمعات التي تشكّلَت هويتها الحديثة على اللغة الإنجليزية، والقانون الإنجليزي، والتجربة التاريخية البريطانية، ثم امتدّ ذلك عبر الاستعمار والهجرة وبناء الدول الحديثة.

عندما يُقال العالم الأنجلوسكسوني فالمقصود شبكة دول تُشترك في:

اللغة: الإنجليزية كلغة أساسية للحكم والتعليم والثقافة.

النظام القانوني: قانون السوابق القضائية (Common Law).

الفلسفة السياسية: الليبرالية السياسية، الحكم البرلماني/الدستوري، أولوية الفرد.

النموذج الاقتصادي: الرأسمالية الليبرالية واقتصاد السوق.

الإطار الحضاري: إرث بريطاني ثم أمريكي في الإدارة، والإعلام، والبحث العلمي.

استُخدم مصطلح Anglo-Saxons (الأنجلوسكسون) لوصف المجموعة الثقافية واللغوية المشتركة الناتجة عن هذا الاندماج.

المعنى الأصلي للكلمة: في أصلها التاريخي: الأنجلوسكسوني = إنسان منحدر من قبائل الأنجل والساكسون في إنجلترا المبكرة.

[وسواء أكانت] دينِيَّة أم لا دينية؛ فإن أوروبا ستظلُّ دومًا تُفكِّر داخل إطار البدائل المسيحية: إمَّا ملكوت الرب، وإما الفردوس الأرضي.

تبدأ مُقدِّمة أوّل ترجمة إنكليزية رسميَّة للكتاب المقدَّس بالكلمات التالية: لقد [اقتضت] حكمة الكنيسة الأنغليكانية، منذ بدء طقوسها العلنية؛ انتهاج السبيل الوسطى بين حدَّين [مُتطرّفين] . ويبدو أن هذا التوجه قد صار أول قانون للحياة الدينية والعملية الإنكليزية.

روجر بيكون كان هو مُبدئ التطور الروحي الإنكليزي اللاحق ورائده. فمنذ البدء، نظم بيكون بنية الفكر الفلسفي الإنكليزي بكُليَّتها على أساسين منفصلين: التجربة الجوانيّة التي تؤدّي إلى الاستنارة الباطنة (الدين)، والرصد والملاحظة اللذان يؤديان إلى علوم طبيعية مادّية حقة (العلوم التجريبية).

بيد أنه ثمة حقيقة أخرى مهمة مُرتبطة ببيكون، ولم يَجُرِ الاعتراف بها أو استعراضها قط كما ينبغي: أن أبا الفلسفة والعلوم الطبيعية الإنكليزية كان في الواقع تلميذاً للعرب. لقد تأثر بيكون تأثراً قوياً بالمفكرين الإسلاميين، وبخاصة ابن سينا؛ الذي كان بيكون يَعُدُّه أعظم فيلسوف منذ أرسطو.

وتنتمي إلى هذه الباقة كذلك، الفلسفة الإنكليزية المسماة بـ فلسفة الحس السليم ، وصيغة جون ستيوارت مل للتوفيق بين الفرد والمجتمع.

تنازل تاريخي وديمقراطية اجتماعية

إنها دليل على فشل تنظيم الحياة وفقاً لمبدأ واحد فحسب.

ففي كل مكان، تبدو الجماهير كأنها تُطالب بضرب من المسيحية يصحبها برنامج اجتماعي، أو بنوع من الاشتراكية بغير إلحاد وديكتاتورية: اشتراكية ذات وجه إنساني .

وبالتالي، فإن اتجاهات التطور في المجتمعات المعاصرة ليست أحادية الاتجاه، وإنما مُتقاربة ممدودة، وتتبغّيا موقفًا ووسطًا مُشابهًا جدًّا لموقف الإسلام.

إن الإسلام يقتضي رفضاً وواعياً للافتراض الديني أو الاجتماعي الأحادي، وتقبلاً طوعياً لـ المبدأ ثنائي القطب . إلا أن التذبذب، والانحراف، والتنازلات الحتمية الآنفة؛ تُمثل انتصاراً للحياة وللواقع الإنساني فوق الأيديولوجيات الأحادية والاستشارية، وبهذا؛ يصير انتصارًا غير مباشر للتصور الإسلامي.

التَّسليم لله

فهل القَدَر موجود، وآية هيئة يَتَّخِذ؟

لقد أُلقي الإنسان على سطح هذه الأرض، ورُكِّبَ مُعتمداً على عدة حقائق لا سلطان له عليها. إن حياته تتأثر بعوامل نائية تماماً وعوامل دانية للغاية، على حَدٍّ سواء.

وكُلّما تنامت معرفتنا بالعالم؛ يتنامى معها إدراكنا لكوننا لن نصير أبداً سادة مصيرنا كُلّيّاً. وحتى إن تخيّلنا أعظم تقدّم ممكن للعلوم الطبيعية/ المادية؛ فإن حجم العوامل الخاضعة لحكمنا سيظل هيّناً على الدوام، مُقارَنة بحجم تلك [العوامل] المتجاوزة لسيطرتنا.

ومحاولة الإسلام تنظيم العالم، بواسطة التربية والتعليم وسنن التشريعات، هو المدى الأضيق للحلول التي يطرحها، بينما يُمثِّلُ التسليم لله مداها الأوسع.

ولا ريب أن: الإنسان مكلف بإصلاح كل شيء يمكن إصلاحه في هذا العالم .

وفي هذه المسألة، يختلف الإسلام جذريًّا عن المثالية الضحلة والتفاؤل السطحي للفلسفة الأوروبية، وسرديتها الساذجة عن الأفضل من كافة العوالم الممكنة .

الحمد لله رب العالمين

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

اكتشاف المزيد من مدونة التاعب

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading