بسم الله الرحمن الرحيم
خُلاصة كتاب: تثبيت حُجِيَّة السُّنَّة ونَقْض أُصُول المُنكرين
تأليف: أحمد يوسف السيد
مُقدِّمات الإلحاد
- فالإلحاد الصريح ليس إلا نتيجة لتراكمات من الشبهات والشكوك والمواقف التي لم يكن عند المُتأثِّر بها من اليقين ما يدفع به أثرها المضاد للإيمان، ولا من المنهج المعرفي والنقدي ما يضعها به موضعها الذي لا ينبغي أن تتجاوزه وتتعداه، ولا من المعرفة التفصيلية بالشريعة ما يرد بها تفاصيل ما اشتبه عليه.
- الدائرة الواسعة التي يمكن أن نُسمِّيها: مُقدِّمات الإلحاد، هي الدائرة التي تأثَّر بها عدد كبير جداً من المُنتسبين إلى الإسلام، ويُمكن أن نصفها بالظاهرة، بخلاف الإلحاد الصَّريح.
- إنكار الثَّوابت الشرعية
- إنكار حُجِّيَّة السُّنَّة
- إنكار بعض الحدود الشرعية
- التشكيك في منزلة الصحابة
- التكذيب ببعض الأخبار النبوية الصحيحة
- التَّأثُّر بالمفاهيم الفكرية الغربية
- الحرية الغربية
- الغلو في المنهج العلمي التجريبي
- خلل في مصادر التلقي الشرعية
- رفض الإجماع
- عدم وجود منهجية في التعامل مع النص الشرعي
القسم الأول: ركائز حُجِّيَّة السُّنَّة
- أهم الركائز الكبرى التي يعتمد عليها في تثبيت حُجِّيَّة السُّنَّة ومكانتها في الإسلام، هي ثلاث ركائز:
- القرآن الكريم.
- التَّواتُر.
- الإجماع.
الرَّكيزة الأولى لحُجِّيَّة السُّنَّة: القرآن الكريم
- دلالة القرآن على أصل حُجِّيَّة السُّنَّة
- الأوامر القرآنية العامة بطاعة الرسول ﷺ.
- دلالة القرآن على أنَّ السُّنَّة وحي
- دلالة القرآن على أنَّ السُّنَّة بيان له
- دلالة القرآن على دوام حُجِّيَّتها
- دلالة القرآن على حفظ السُّنَّة
- لزوم حفظ بيان القرآن
دلالة القرآن على أصل حُجِّيَّة السُّنَّة
الأمر العام لجميع الأُمَّة بطاعة الرسول ﷺ
- عُمُوم الخِطاب القرآني للأُمَّة
﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]
﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا كَآفَّةٗ لِّلنَّاسِ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [سبأ: 28]
﴿قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡ جَمِيعًا ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِيِّ ٱلۡأُمِّيِّ ٱلَّذِي يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَٰتِهِۦ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ﴾ [الأعراف: 158]
- الأمر القرآني العام بطاعة الرسول ﷺ
- إطلاق لفظ الطاعة والاتباع للرسول ﷺ
﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: 31-32]
﴿تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [النِّساء: 13-14]
﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً﴾ [النِّساء: 65]
﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً﴾ [النِّساء: 80]
﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً﴾ [النِّساء: 115]
﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُواْۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ﴾ [الحشر: 7]
﴿فَلۡيَحۡذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ يُصِيبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63]
«جِمَاعُ العِلْم – الشافعي» (ص8): «فهل تجد السَّبيل إلى تأدية فرض الله عز وجل في اتِّباع أوامر رسول الله ﷺ، أو أحد قبلك أو بعدك، مِمَّن لم يُشاهد رسول الله ﷺ، إلَّا بالخبر عن رسول الله ﷺ.» (وفي هذا الكتاب نصّ مُحاورته من مُنكر السُّنَّة!)
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلًا﴾ [النساء: 59]
«الإحكام في أصول الأحكام – ابن حزم» (1/ 97): «المراد بهذا الرَّدّ إنَّما هو إلى القرآن والخبر عن رسول الله ﷺ، لأنَّ الأُمَّة مُجمعة على أنَّ هذا الخطاب مُتوجَّه إلينا وإلى كل مَن يُخلَق ويُركَّب روحه في جسده إلى يوم القيامة من الجِنَّة والنَّاس.»
دلالة القرآن على أنَّ السُّنَّة وحي
- أفعال النبي ﷺ في أمر الدِّين والتَّعبُّد:
- وحي
- اجتهاد
- أقرّه الله تعالى عليه
- صحَّحه الله تعالى له
- الاستدلال بالقرآن على وحي السُّنَّة:
- الإخبار بإنزال الحكمة المعطوفة على الكتاب.
- الإخبار بأنَّ الله تكفَّل ببيان القرآن.
- آيات دالَّة على نزول الوحي على النبي ﷺ:
- الإخبار بنزول الملائكة.
- آيات تحويل القبلة.
- آيات سورة التحريم.
- فتح مكَّة.
الحكمة المعطوفة على الكتاب
- ذهب أكثر المفسرين من أئمة المُسلمين من مُختلف المذاهب الفقهية إلى أنَّ الحكمة المعطوفة على الكتاب إذا كانت مُتعلقة بنبينا محمد ﷺ فالمراد بها سُنّته.
﴿كَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِيكُمۡ رَسُولٗا مِّنكُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِنَا وَيُزَكِّيكُمۡ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمۡ تَكُونُواْ تَعۡلَمُونَ﴾ [البقرة: 151]
﴿وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَٱلۡحِكۡمَةِ يَعِظُكُم بِهِۦۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ﴾ [البقرة: 231]
﴿لَقَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ بَعَثَ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ﴾ [آل عمران: 164]
﴿وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمۡ تَكُن تَعۡلَمُۚ وَكَانَ فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكَ عَظِيمٗا﴾ [النساء: 113]
﴿هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلۡأُمِّيِّـۧنَ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ﴾ [الجمعة: 2]
﴿وَٱذۡكُرۡنَ مَا يُتۡلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ وَٱلۡحِكۡمَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [الأحزاب: 34]
- قد ثبت بالتَّواتر المُفيد للقطع أنَّ النبي ﷺ قد علَّم أصحابه كثيراً من أُمُور الدِّين مِمَّا لم يذكره الله في نصّ القرآن، مثل:
- صفة الصلوات الخمس ومواقيتها.
- صيغ الأذان.
- التَّشهُّد.
- أحكام الإمامة.
- سجود السهو.
«الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية» (6/ 68): «وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْمَنْقُولِ الْمُتَوَاتِرِ أَنْ يَكُونَ فِي الْقُرْآنِ بَلْ كَمَا تَوَاتَرَ عَنْهُ فِي شَرِيعَتِهِ مَا لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ، وَهُوَ مِنَ الْحِكْمَةِ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ كَذَلِكَ، وَتَوَاتَرَ عَنْهُ مِنْ دَلَائِلِ نُبُوَّتِهِ مَا لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ، وَهُوَ مِنْ بَرَاهِينِهِ وَآيَاتِهِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ: {وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [النساء: 113] فَالْحِكْمَةُ نُزِّلَتْ عَلَيْهِ، وَهِيَ مَنْقُولَةٌ فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ.»
- إنَّ مُنكري السُّنَّة يقفون من الإمام الشافعي موقفاً عدائياً، ويحملونه تبعات كثير من الخلل الفكري الطارئ على الأمة – وحاشاه – فإنَّ محمد شحرور يربط، في كتابه: الدولة والمجتمع، يدَّعي أنَّ الإمام الشافعي هو أوَّل من قال إنَّ مُصطلح الحكمة الذي ورد في التنزيل الحكيم، النساء ١١٣ وآل عمران ٨١، يقصد به السُّنَّة واستقلالها بالتَّشريع، واعتبارها وحياً من نمط مغاير لوحي التنزيل؛ أي: اعتبارها إلهاماً.
- تفسير الحكمة المعطوفة على الكتاب: بالسُّنَّة، قد ذكره غير واحد من كِبار أئمَّة الإسلام السَّابقين للشَّافعي، من أهل العِلْم بالشَّرع وبلسان العرب.
«تفسير الطبري» (19/ 108): «واذكرْنَ ما يُقرَأُ في بيوتكنَّ مِن آياتِ كتابِ اللهِ والحكمةِ، ويعنى بالحكمةِ: ما أُوحى إلى رسولُ اللهِ ﷺ مِن أحكامِ دينِ اللهِ، ولم يَنزلْ به قرآنٌ، وذلك: السنةُ. (…) عن قتادةَ في قولِه: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ}: أي السُّنَّةِ، قال: يمْتنُّ عليهم بذلك.»
«تفسير ابن كثير – ط العلمية» (1/ 317): «وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ يَعْنِي الْقُرْآنَ، وَالْحِكْمَةَ يَعْنِي السُّنَّةَ، قَالَهُ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ وَأَبُو مَالِكٍ وَغَيْرُهُمْ، وَقِيلَ: الْفَهْمُ فِي الدِّينِ وَلَا مُنَافَاةَ.»
- غير أنَّ الشافعي يُعَد أشهر مَن قرَّر هذا المعنى من المُتقدِّمين، وناظر فيه، وذكره في غير موضع من كتبه، وهو من أوسع عُلماء الشريعة معرفة باللغة مع علمه بالكتاب والسُّنَّة وعمل المسلمين.
«جِماع العِلم – الإمام الشافعي» (ص6):
- «قلت: قال: الله عز وجل: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [الجمعة: 2]
- قال: فقد علمنا أن الكتاب كتاب الله فما الحكمة؟
- قلت: سنة رسول الله ﷺ.
- قال: أفيحتمل أن يكون يعلمهم الكتاب جملة والحكمة خاصة وهي أحكامه
- قلت: تعني بأن يبين لهم عن الله عز وعلا مثل ما بين لهم في جملة الفرائض من الصلاة والزكاة والحج وغيرها فيكون الله قد أحكم فرائض من فرائضه بكتابه وبين كيف هي لسان نبيه ﷺ.
- قال: إنه ليحتمل ذلك.»
«جِماع العلم – الإمام الشافعي» (ص7):
- «قلت: قال: الله عز وجل: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً} [الأحزاب: 34]. فأخبر أنَّه يُتلَى في بيوتهن شيئان.
- قال: فهذا القرآن يتلى فكيف تتلى الحكمة؟
- قلت: إنما معنى التلاوة أن ينطق بالقرآن والسنة كما ينطق بها.
- قال: فهذه أبين في أنَّ الحكمة غير القرآن من الأولى.»
«الرسالة للشافعي» (ص78): «فذكر الله الكتاب وهو القُرَآن، وذكر الحِكْمَة، فسمعتُ مَنْ أرْضى من أهل العِلْم بالقُرَآن يقول: الحكمة سنة رسول الله ﷺ.»
- ومُحصِّل القول أنَّ تفسير الحكمة بالسُّنَّة قد قال به أكثر المُفسِّرين، وأنَّ ذلك مُقتضى العطف، ومفهوم بعض سياقات الآيات، ومُقتضى موافقة قول الله سبحانه: ويُعلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ، لِمَا تواتر من تعليم النبي ﷺ لأُمَّته من أحكام الإسلام، ما لم يُذكر في نصّ القرآن.
الآيات الدَّالة على نُزُول الوحي على النبي ﷺ
- الآيات الدَّالة على نُزُول الوحي على النبي ﷺ في مقامات مُعيَّنة بأحكام وأخبار ليست مذكورة في نصّ القرآن. والاستدلال بهذه الآيات على درجتين:
- الأولى: عدم انحصار الوحي في القرآن.
- الثانية: أنَّ مِن سُنَّة النبي ﷺ ما هو وحي.
دلالة آيات الإخبار بنُزُول الملائكة في بدر
- جاء في سورة آل عمران أنَّ النبي ﷺ وَعَدَ أصحابه بأنَّ الله سيُمدّهم بثلاثة آلاف من الملائكة مُنزَلين، وذلك يوم بدر، والإيحاء بهذا الخبر ليس مذكوراً في القرآن! قال تعالى:
﴿إِذۡ تَقُولُ لِلۡمُؤۡمِنِينَ أَلَن يَكۡفِيَكُمۡ أَن يُمِدَّكُمۡ رَبُّكُم بِثَلَٰثَةِ ءَالَٰفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُنزَلِينَ﴾ [آل عمران: 124]
«التحرير والتنوير – الطَّاهر ابن عاشور» (4/ 72): «وَالْمَعْنَى: إِذْ تَعِدُ الْمُؤْمِنِينَ بِإِمْدَادِ اللَّهِ بِالْمَلَائِكَةِ، فَمَا كَانَ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ لَهُمْ تِلْكَ الْمَقَالَةَ إِلَّا بِوَعْدٍ أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ يَقُولَهُ.»
دلالة آيات تحويل القبلة
- من المعلوم أنَّ النبي ﷺ كان يتوجَّه أوَّل الإسلام في صلاته إلى الشام، حتى بعد هجرته إلى المدينة، حتى نزل عليه قول الله سبحانه:
﴿قَدۡ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجۡهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبۡلَةٗ تَرۡضَىٰهَاۚ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥۗ ﴾ [البقرة: 144]
- أين الأمر الإلهي للنبي ﷺ باستقبال القبلة السابقة للكعبة؟!
- من المعلوم أنَّ هذا الأمر ليس مذكوراً في القرآن، فيكون هذا دليلاً على أنَّ نُزُول الوحي على النبي ﷺ ليس مُنحصراً في النَّصّ القرآني.
- محلّ الاستدلال هو أنَّ القبلة كانت إلى غير الكعبة، وفي أنَّ النبي ﷺ كان راغباً في أن تكون إليها، ولم يُحقِّق رغبته إلَّا لأنَّه مأمورٌ بخلافها.
دلالة آيات سورة التحريم
﴿وَإِذۡ أَسَرَّ ٱلنَّبِيُّ إِلَىٰ بَعۡضِ أَزۡوَٰجِهِۦ حَدِيثٗا فَلَمَّا نَبَّأَتۡ بِهِۦ وَأَظۡهَرَهُ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ عَرَّفَ بَعۡضَهُۥ وَأَعۡرَضَ عَنۢ بَعۡضٖۖ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِۦ قَالَتۡ مَنۡ أَنۢبَأَكَ هَٰذَاۖ قَالَ نَبَّأَنِيَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡخَبِيرُ﴾ [التحريم: 3]
- ومن المعلوم أن إنباء الله نبيه – بالوحي – بما نبّأت به زوجته ليس مذكوراً في نصّ القرآن.
دلالة فتح مكَّة مع آيات تحريمها
- من المعلوم أنَّ اللهَ سُبحانه قد حرَّم مكة، وجعلها آمنة، وسماها: المسجد الحرام، وذكر هذا في كتابه العزيز في مواضع كثيرة، منها قوله:
﴿إِنَّمَآ أُمِرۡتُ أَنۡ أَعۡبُدَ رَبَّ هَٰذِهِ ٱلۡبَلۡدَةِ ٱلَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُۥ كُلُّ شَيۡءٖۖ وَأُمِرۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ﴾ [النمل: 91]
- ثُمَّ نجد أنَّه قد تواتر في نقل العامَّة والخاصَّة أنَّ النبي ﷺ قد حاصر مكَّة بجيشه وسلاحه بعد أن نقض المشركون العهد معه، ثمَّ فتحها ودخلها، وقد تواتر عنه أنَّه قام يوم فتحها في الناس قائلاً: إنَّ الله قد أحلَّها لي ساعة من نهار، ثم نجد أنَّ الله في كتابه أثنى على هذا الفتح بقوله: ﴿إِذَا جَآءَ نَصۡرُ ٱللَّهِ وَٱلۡفَتۡحُ﴾ [النصر: 1]
- أين ورد الإذن من الله لنبيه ﷺ بفتح مكَّة بالسلاح، بعد أن نصَّ سُبحانه على تحريمها؟! فالإذن بذلك – إذاً – ممَّا أوحى اللهُ لنبيه.
دلالة القرآن على أنَّ الرسول ﷺ مُبَيِّن له
- إثبات أنَّ للقُرآن بياناً تكفَّل اللهُ به، وأنَّه على لسان رسوله ﷺ.
«الإحكام في أصول الأحكام – ابن حزم» (1/ 104): «ثمَّ لم يختلف فيه مُسلمان في أنَّ ما صحَّ عن رسول الله ﷺ أنَّه قال، ففرض اتِّباعه، وأنَّه تفسيرٌ لمُراد الله تعالى في القرآن، وبيان لمجمله.»
- الأصل الأول: الله تكفَّل ببيان القرآن
﴿لَا تُحَرِّكۡ بِهِۦ لِسَانَكَ لِتَعۡجَلَ بِهِۦٓ * إِنَّ عَلَيۡنَا جَمۡعَهُۥ وَقُرۡءَانَهُۥ * فَإِذَا قَرَأۡنَٰهُ فَٱتَّبِعۡ قُرۡءَانَهُۥ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيۡنَا بَيَانَهُۥ﴾ [القيامة: 16-19]
«تفسير ابن كثير – ط العلمية» (8/ 286): «ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ أَيْ بَعْدَ حِفْظِهِ وَتِلَاوَتِهِ نُبَيِّنُهُ لَكَ وَنُوَضِّحُهُ وَنُلْهِمُكَ مَعْنَاهُ عَلَى مَا أَرَدْنَا وَشَرَعْنَا.»
﴿وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلذِّكۡرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: 44]
«تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن» (10/ 109): «(وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ) يَعْنِي الْقُرْآنَ. (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنَ الْأَحْكَامِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ بِقَوْلِكَ وَفِعْلِكَ، فَالرَّسُولُ ﷺ مُبَيِّنٌ عَنِ اللَّهِ عز وجل مُرَادَهُ مِمَّا أَجْمَلَهُ فِي كِتَابِهِ مِنْ أَحْكَامِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يُفَصِّلْهُ.»
- الأصل الثاني: القرآن فيه أوامر مُجملة، لا يُمكن امتثالها إلَّا بمعرفة بيان الرسول ﷺ فيها، مثل الصَّلاة، والصِّيام، والزَّكاة، والحَّجّ، وغيرها.
- الأصل الثالث: التَّواتُر عن النبي ﷺ بأنَّه قام ببيان كثير ممَّا أُجمل في القرآن، وثُبُوت ذلك عنه قد تحقَّق بأعلى ما يُمكن أن يُثبَت عند البشرية من تواتر.
«الرسالة للشافعي» (ص91): «فلم أعلم من أهل العلم مُخالفاً في أنَّ سُنن النبي ﷺ من ثلاثة وُجُوه، فاجتمعوا منها على وجهين (…) أحدهما: ما أنزل اللهُ فيه نصّ كتاب، فبَيَّنَ رسول الله ﷺ مثلَ ما نصَّ الكتاب. والآخر: ممَّا أنزل اللهُ فيه جُملةَ كتاب، فبيَّن عن الله معنى ما أراد. وهذان الوجهان اللَّذان لم يختلفوا فيهما.»
الشيخ خليل ملا خاطر، في كتابه: السُّنَّة وحي: «وهذا البيان الذي تكفَّل اللهُ تعالى به: إمَّا أن يكون قرآناً لاحقاً؛ ينزله في كتابه، مثل القرآن النَّازل، أو لا. فإن كان قرآناً افتقر هو الآخر إلى بيان آخر أيضاً، وهكذا يحتاج القرآن إلى قرآن تال ليُبيِّنه، ويكون التَّسلسُل.» (هذا الكلام يحتاج إلى تعليق!)
دلالة القرآن على دوام حُجِّيَّة السُّنَّة
دلالة القرآن على حفظ السُّنَّة
- لا يقِلّ إثبات معنى دوام الحُجِّيَّة أهمِّيَّة عن إثبات أصلها، فإن مُنازعة كثير من المُشككين في السُّنَّة إنَّما هي في قضية حفظها والثِّقة في طريقة نقلها، لا في أصل الاحتجاج بها.
- إذا أقرّ أحدهم بدلالة آيات طاعة الرسول ﷺ على حُجِّيَّة سُنّته، ثمَّ نازع في حفظها، حاججناه بدلائل دوام الحُجِّيَّة، واستمرار الحاجة إليها.
دوام حاجة المؤمنين للسُّنَّة
الدَّليل الأوَّل
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلًا﴾ [النساء: 59]
- الخطاب في الآية عام لأهل الإيمان إلى يوم القيامة برَدّ نزاعاتهم إلى الكتاب والسُّنَّة، ولا يتِمّ العمل بهذه الآية إلا إذا كان الكتاب والسُّنَّة محفوظين، ليكونا فصلاً للنِّزاع بين المؤمنين، فإن لم يُحفظا فقد بطل مقتضى الآية.
- الآية مُصَدَّرة بخطاب الله للذين آمنوا، فتشمل كل من دخل في وصف الإيمان إلى يوم القيامة، حتى يقوم الدَّليل على التَّخصيص وإخراج مَن لم يُعاصر زمن الخطاب من أهل الإيمان، فهي كسائر الآيات العامَّة التي يأمر الله فيها أهل الإيمان وينهاهم.
- فالأصل في خطاب المؤمنين بالأمر والنهي في القرآن أن يكون شاملاً لكل من آمن إلى يوم القيامة، وهذا هو المقتضى الضروري لكون النبي ﷺ خاتم الأنبياء، ولكون القرآن حُجَّة على سائر البشر.
«الإحكام في أصول الأحكام – ابن حزم» (1/ 97): «والبرهان على أنَّ المُراد بهذا الرَّدّ إنَّما هو إلى القرآن والخبر عن رسول الله ﷺ، لأنَّ الأُمَّة مُجمعة على أنَّ هذا الخطاب مُتوجَّه إلينا وإلى كل مَن يُخلَق ويُركَّب روحه في جسده إلى يوم القيامة من الجِنَّة والنَّاس.»
- إثبات شُمُول الآية للكتاب والسُّنَّة:
«التحرير والتنوير – الطَّاهر ابن عاشور» (5/ 97): «وَإِنَّمَا أُعِيدَ فِعْلُ: وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ مَعَ أَنَّ حَرْفَ الْعَطْفِ يُغْنِي عَنْ إِعَادَتِهِ إِظْهَارًا لِلِاهْتِمَامِ بِتَحْصِيلِ طَاعَةِ الرَّسُولِ لِتَكُونَ أَعْلَى مَرْتَبَةً مِنْ طَاعَةِ أُولِي الْأَمْرِ، وَلِيُنَبِّهَ عَلَى وُجُوبِ طَاعَتِهِ فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ، وَلَوْ كَانَ أَمْرُهُ غَيْرَ مُقْتَرِنٍ بِقَرَائِنِ تَبْلِيغِ الْوَحْيِ لِئَلَّا يَتَوَهَّمَ السَّامِعُ أَنَّ طَاعَةَ الرَّسُولِ الْمَأْمُورَ بِهَا تَرْجِعُ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ فِيمَا يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ دُونَ مَا يَأْمُرُ بِهِ فِي غَيْرِ التَّشْرِيعِ، فَإِنَّ امْتِثَالَ أَمْرِهِ كُلِّهِ خَيْرٌ.»
- كما أنَّ الرَّد إلى الله لا يكون مُباشرةً، وإنَّما بالرَّد إلى كتابه، فإنَّ المُراد بالرَّد إلى الرسول ﷺ هو الرَّد إلى قضائه وحُكمه.
«الإحكام في أصول الأحكام – ابن حزم» (1/ 97، 98): «وحتى لو شغَّب مُشغِّب بأنَّ هذا الخطاب إنَّما هو مُتوجَّه إلى مَن يُمكن لقاء رسول الله ﷺ، لَمَا أمكنه هذا الشَّغب في الله عز وجل، إذ لا سبيل لأحدٍ إلى مُكالمته تعالى، فبطل هذا الظَّنّ وصحّ أنَّ المُراد بالرَّدّ المذكور في الآية التي نصصنا إنَّما هو إلى كلام الله تعالى، وهو القرآن، وإلى كلام نبيه ﷺ المنقول على مُرُور الدَّهر إلينا جيل بعد جيل. وأيضاً فليس في الآية المذكورة ذكر للقاء ولا مُشافهة أصلاً، ولا دليل عليه، وإنَّما فيه الأمر بالرَّدّ فقط. ومعلومٌ بالضَّرورة أنَّ هذا الرَّدّ إنَّما هو تحكيم أوامر الله تعالى. وأوامر رسوله ﷺ موجودة عندنا، منقول كل ذلك إلينا، فهي التي جاء نصّ الآية بالرَّدّ إليها دون تكلُّف تأويل ولا مُخالفة ظاهر.»
- ومنها الإجماع:
عبد العزيز الكناني رحمه الله، قال عن هذه الآية، «الحيدة والاعتذار في الرد على من قال بخلق القرآن» (ص32): «هذا ما لا خلاف فيه بين المؤمنين وأهل العلم، إن رددناه إلى الله فهو إلى كتابه، وإن رددناه إلى رسوله بعد وفاته؛ فإنَّما هو إلى سُنَّته، وإنَّما يشُكُّ في هذا المُلحدون.»
وقال شيخ الإسلام ابن القيِّم رحمه الله، في كتابه: «إعلام الموقعين عن رب العالمين» (1/ 39 ط العلمية): «ومنها أنَّ النَّاسَ أَجْمَعُوا أَنَّ الرَّدَّ إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ هُوَ الرَّدُّ إلَى كِتَابِهِ، وَالرَّدَّ إلَى الرَّسُولِ ﷺ هُوَ الرَّدُّ إلَيْهِ نَفْسِهِ فِي حَيَاتِهِ وَإِلَى سُنَّتِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ.»
احتياج المؤمنين في كلّ الأزمان للكتاب والسُّنَّة في فصل النِّزاعات:
- علَّقت هذه الآية الكريمة الأمر بالرَّدِّ إلى الكتاب والسُّنَّة على أمر يتجدَّد في كلِّ حينٍ بين الناس، وهو التنازع بينهم، وجعلت هذا الرَّدّ علامة على الإيمان بل وشرطاً فيه.
- والمُتأمِّل في هذه العُمُومات الواردة في الآية، سواء في أوَّلها بالأمر العام بطاعة الله وطاعة رسوله، أو في عُمُوم مورد النِّزاع المُستفاد من كلمة (شيء) في الآية، ثمَّ بذكر حُسن العاقبة التي تترتَّب على هذا الرَّد، والذي هو مطلب كل مؤمن؛ يُدرك عُمُوم احتياج أهل الإيمان إليها في كل الأزمان.
- وهذا يقتضي أمراً مُهمًّا، وهو أن يحفظ الله الكتاب والسُّنَّة حتى يَتِمّ بهما فصل النِّزاعات النَّاشئة بين المؤمنين.
الدَّليل الثاني
﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9]
- من أهل العِلْم مَن رأى أنَّ هذه الآية يُستدلّ بنصِّها ولفظها وظاهرها على حفظ السُّنَّة مع القرآن (على أساس أنَّ السُّنَّة داخلة في مُجمل معنى الذِّكر)؛ لإنَّها من الوحي الذي أنزله الله تعالى.
- صحَّ أنَّ كلام رسول الله ﷺ كلّه في الدِّين وحي من عند الله، لا شكَّ في ذلك، لا خلاف بين أحد من أهل اللغة والشريعة في أنَّ كل وحي نزل من عند الله تعالى فهو ذكرٌ مُنزَّل، فالوحي كلّه محفوظ بحفظ الله تعالى له.
- هذه الآية تدُلُّ على حفظ السُّنَّة حتى على تقدير ألَّا تكون داخلة في الذِّكر، بناءً على كون تمام حفظ القرآن لا يتحقَّق إلَّا بحفظها.
قال المُعلِّمي اليماني في كتابه: الأنوار الكاشفة لما في كتاب «أضواء على السنة» (12/ 43، 44 ضمن «آثار المُعلِّمي»): (فأمَّا السُّنَّة فقد تكفَّل اللهُ بحفظها أيضاً؛ لأنَّ تكفُّله بحفظ القرآن يستلزم تكفُّله بحفظ بيانه وهو السُّنَّة، وحفظ لسانه وهو العربية، إذ المقصود بقاء الحُجَّة قائمة، والهداية باقية، بحيث ينالها من يطلبها؛ لأنَّ محمداً ﷺ خاتم الأنبياء، وشريعته خاتمة الشرائع. (…) فالشَّأن في هذا الأمر هو العِلْم بأنَّ النبي ﷺ قد بلَّغ ما أُمِرَ به، التَّبليغ الذي رضيه الله منه، وأنَّ ذلك مظنَّة بلوغه إلى من يحفظه من الأُمَّة، ويُبلِّغه عند الحاجة، ويبقى موجوداً بين الأُمَّة، (…) ومن طالع تراجم أئمَّة الحديث من التَّابعين فَمَن بعدهم، وتدبَّر ما آتاهم الله تعالى من قُوّة الحفظ والفهم، والرَّغبة الأكيدة في الجدّ والتَّشمير لحفظ السُّنَّة وحياطتها، بان له ما يُحيِّر عقله، وعلم أنَّ ذلك ثمرة تكفُّل الله تعالى بحفظ دينه – وشأنهم في ذلك عظيم جداً – أو هو عبادة من أعظم العبادات وأشرفها.)
الدَّليل الثالث
﴿يُرِيدُونَ لِيُطۡفِـُٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ * هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِينِ ٱلۡحَقِّ لِيُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُشۡرِكُونَ﴾ [الصف: 8-9]
- إنَّ الله تكفَّل بإتمام نوره وإظهار دينه، والسُّنَّة من الدِّين، فهي داخلة في هذا التَّكفُّل المُقتضي للحفظ ليستمرّ الظُّهُور. فإنَّ إظهار الدِّين على الأديان يقتضي حفظه ليظلَّ ظاهراً، وإلَّا صار مثلها في الضَّياع والتَّحريف ولم يصِحّ ظُهُوره عليها!
- والظُّهُور لا يكون دائماً بالسَّيف والسِّنان، بل قد يكون بالحُجَّة والبيان، فإنَّ دين الإسلام ظاهر على كلِّ ما سِواه في كلِّ زَمَنٍ وحينٍ مِن جِهَةِ الحُجَّة والبيان.
لُزُوم حِفْظ بيان القرآن
- إنَّه يُتعذَّر العَمَل ببعض ما أمر اللهُ به في كتابه، دون الرُّجوع إلى سُنَّة نبيه ﷺ. ولذلك، فإنَّ تمام حفظ القُرآن لا يتحقَّق إلَّا بحفظ بيانه؛ لأنَّه – لولا ذاك – سيظلَّ القرآن في أهمِّ أوامره مُجملاً، لا يُدرى وجه بيانه ولا يُقدَر على امتثاله.
- هب أنَّ ما ثبت في سُنَّة النبي ﷺ من عدد الصلوات ومواقيتها وصفتها وأركانها، وما ثبت فيها من أنصبة الزكاة وتفصيل المال المُزكَّى من غيره، وما ثبت فيها من مواقيت الحجّ المكانية ورمي الجمار وتفاصيل النُّسُك، ونحو ذلك، هب أنَّ ذلك كلّه قد ضاع؛ فهل يُمكن أن يُمتثل أمر الله في كتابه؟ أم يكون في الكتاب أوامر أكدَّها اللهُ وثبَّت فرضها ثمَّ لا يُعلم وجه امتثالها!
- هذا كلّه يستلزم أن يحفظ الله البيان ليتمّ حفظ القرآن مُرشداً هادياً، لا أن يُحفَظ نصّه فقط دون قُدرةٍ على امتثاله!
الرَّكيزة الثانية لحُجِّيَّة السُّنَّة: التَّواتُر
- هناك أموراً كثيرة ثبتت عن النبي ﷺ بنقل مُتواتر، لا يتطلَّب معرفة ذلك أي علوم خاصَّة (مثل: علم الحديث)، ولا يختلف كلّ من يَنْسِب نفسه إلى شيء من العلم بالشرع في أنَّ هذه الأمور ثابتة عنه ﷺ.
- تواتر عن النبي ﷺ أنَّه كان يُصلِّي بالنَّاس خمس صلوات في اليوم والليلة بسُجُود ورُكُوع وقيام وقُعُود، وتكبير وتسليم، وأنَّه وقف بعرفة يوم التاسع من ذي الحِجَّة، وأنَّه رمى الجمار أيام التَّشريق، ونحو ذلك ممَّا شاهده آلاف الناس، وعملوه، وعمله مَن بعدهم اقتداءً بمُشاهدتهم إيَّاهم. ولا سبيل لإنكار وُقُوع ذلك إلَّا بإلغاء اعتبار الخبر مصدر للمعرفة، وفي ذلك تنكُّر للحقائق، ولما يجده الإنسان من نفسه ضرورةً.
«الإحكام في أصول الأحكام – ابن حزم» (1/ 104): وجدنا الأخبار تنقسم قسمين، خبر تواتر، وهو ما نقلته كافَّة بعد كافَّة حتى تبلغ به النبي ﷺ، وهذا خبرٌ لم يختلف مُسلمان في وُجُوب الأخذ به، وفي أنَّه حقٌّ مقطوعٌ على غيبه؛ لأنَّ بمثله عرفنا أنَّ القرآن هو الذي أتى به محمد ﷺ، وبه علمنا صِحَّة مبعث النبي ﷺ، وبه علمنا عدد رُكُوع كل صلاة وعدد الصَّلوات وأشياء كثيرة من أحكام الزكاة وغير ذلك ممَّا لم يُبيَّن في القرآن تفسيره، (…) ومن أنكر ذلك كان بمنزلة من أنكر ما يُدرَك بالحواس الأول ولا فرق، ولزمه أن يُصدِّق بأنَّه كان قبله زمان ولا أن أباه وأمه كانا قبله ولا أنه مولود من امرأة.
«المستصفى – أبو حامد الغزالي» (ص106): «أَمَّا إثْبَاتُ كَوْنِ التَّوَاتُرِ مُفِيدًا لِلْعِلْمِ فَهُوَ ظَاهِرٌ، … ثُمَّ لَا يَسْتَرِيبُ عَاقِلٌ فِي أَنَّ فِي الدُّنْيَا بَلْدَةً تَسَمَّى بَغْدَادَ وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْهَا، وَلَا يُشَكُّ فِي وُجُودِ الْأَنْبِيَاءِ، بَلْ فِي وُجُودِ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، بَلْ فِي الدُّوَلِ وَالْوَقَائِعِ الْكَبِيرَةِ. فَإِنْ قِيلَ لَوْ كَانَ هَذَا مَعْلُومًا ضَرُورَةً لَمَا خَالَفْنَاكُمْ. قُلْنَا مَنْ يُخَالِفُ فِي هَذَا فَإِنَّمَا يُخَالِفُ بِلِسَانِهِ أَوْ عَنْ خَبْطٍ فِي عَقْلِهِ أَوْ عَنْ عِنَادٍ، وَلَا يَصْدُرُ إنْكَارُ هَذَا مِنْ عَدَدٍ كَثِيرٍ يَسْتَحِيلُ إنْكَارُهُمْ فِي الْعَادَةِ لِمَا عَلِمُوهُ وَعِنَادُهُمْ.»
- التواتر المقصود هو ما يُسمِّيه كثير من المُتأخِّرين بالتَّواتُر المعنوي، وإن كان قد يُسمَّى عند بعض من تقدَّمهم: تواتر لفظي.
«الفقيه والمتفقه – الخطيب البغدادي» (1/ 276): «فَأَمَّا التَّوَاتُرُ: فَضِرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: تَوَاتُرٌ مِنْ طَرِيقِ اللَّفْظِ، وَالْآخَرُ تَوَاتُرٌ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى. فَأَمَّا التَّوَاتُرُ مِنْ طَرِيقِ اللَّفْظِ: فَهُوَ مِثْلُ الْخَبَرِ بِخُرُوجِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَوَفَاتِهِ بِهَا، وَدَفْنِهِ فِيهَا، وَمَسْجِدِهِ، وَمِنْبَرِهِ، وَمَا رُوِيَ مِنْ تَعْظِيمِهِ الصَّحَابَةَ، وَمُوَالَاتِهِ لَهُمْ، وَمُبَايَنَتِهِ لِأَبِي جَهْلٍ، وَسَائِرِ الْمُشْرِكِينَ، وَتَعْظِيمِهِ الْقُرْآنَ، وَتَحَدِّيهِمْ بِهِ، وَاحْتِجَاجِهِ بِنُزُولِهِ، وَمَا رُوِيَ مِنْ عَدَدِ الصَّلَوَاتِ وَرَكَعَاتِهَا وَأَرْكَانِهَا وَتَرْتِيبِهَا، وَفَرْضِ الزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ، وَنَحْوِ ذَلِكَ وَأَمَّا التَّوَاتُرُ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى: فَهُوَ أَنْ يَرْوِيَ جَمَاعَةٌ كَثِيرُونَ يَقَعُ الْعِلْمُ بِخَبَرِهِمْ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حُكْمًا غَيْرَ الَّذِي يَرْوِيهِ صَاحِبُهُ، إِلَّا أَنَّ الْجَمِيعَ يَتَضَمَّنُ مَعْنًى وَاحِدًا، فَيَكُونُ ذَلِكَ الْمَعْنَى بِمَنْزِلَةِ مَا تَوَاتَرَ بِهِ الْخَبَرُ لَفْظًا، مِثَالُ ذَلِكَ: مَا رَوَى جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ عَمَلَ الصَّحَابَةِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَالْأَحْكَامُ مُخْتَلِفَةٌ، وَالْأَحَادِيثُ مُتَغَايِرَةٌ، وَلَكِنَّ جَمِيعَهَا يَتَضَمَّنُ الْعَمَلَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ، وَهَذَا أَحَدُ طُرُقِ مُعْجِزَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ تَسْبِيحُ الْحَصَى فِي يَدَيْهِ، وَحَنِينُ الْجِذْعِ إِلَيْهِ، وَنَبْعُ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، وَجَعْلُهُ الطَّعَامَ الْقَلِيلَ كَثِيرًا، وَمَجُّهُ الْمَاءَ مِنْ فَمَهِ فِي الْمَزَادَةِ، فَلَمْ يَنْقُصْهُ الِاسْتِعْمَالُ، وَكَلَامُ الْبَهَائِمِ لَهُ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يَكْثُرُ تَعْدَادُهُ إِذَا ثَبَتَ هَذَا.»
أنواع الأخبار المتواترة المُثبتة لحُجِّيَّة السُّنَّة
النوع الأول: تواتر أخبار الغيب عن النبي ﷺ
- لقد اعتنى عُلماء المُسلمين بتدوين الأخبار الغيبية التي ذكرها رسول الله ﷺ، وتتبَّعوا ما وقع منها على مرِّ التَّاريخ، وجعلوا ذلك من أهم دلائل نبوته ﷺ.
- إنَّ الله سبحانه وتعالى قد أخبر في كتابه أنه عالم الغيب وحده، وأنه لا يطلع على غيبه أحداً إلَّا مَن ارتضى من رسول، فعُلِمَ بذلك أنَّ ما يقوله النبي ﷺ من أخبار الغيب إنَّما هو من عند الله سبحانه وتعالى، وبالتَّالي فهو وحي من الله سبحانه وتعالى، وليس هذا الوحي مِمَّا ذُكِرَ في نَصِّ القرآن.
- إنَّ الله قد أثبت في كتابه أنَّه يُطلع رسله على الغيب، وليس معنى ذلك أنَّه يُطلعهم على جميع الغيب. وقد أبقت السُّنَّة على هذا الغيب الذي هو من خصوصية الله، كما ثبت في حديث جبريل في البخاري ومسلم أنه سأل النبي ﷺ عن السَّاعة فقال: (ما المسئول عنها بأعلم من السَّائل).
النوع الثاني: تواتر الأحاديث القدسية عن النبي ﷺ
- لقد تواتر عن الرسول ﷺ أنه حدَّث بأحاديث عن ربه سبحانه وتعالى، وكان يُصدِّرها بقوله: (قال الله تعالى)، أو يقول راويها عنه: (فيما يرويه عن ربِّه عزَّ وجلَّ). وقد صحَّ مِن هذه الأحاديث شيء كثير، حتى بلغت في جمع بعض المعاصرين لها، وهو الشيخ مُصطفى العدوي في كتابه: الصحيح المسند من الأحاديث القدسية، ١٨٥ حديثاً قدسيًّا صحيحاً.
- ولسنا نستدل هُنا على المُنكرين بأفراد هذه الأحاديث، وإنَّما بمجموعها الذي يُفيد تواتراً معنويًّا في نسبة النبي ﷺ كلاماً إلى ربِّه سبحانه ليس مذكورا في نصّ القرآن. ولا سبيل للنبي ﷺ إلى معرفة ما قاله الله سُبحانه إلَّا بالوحي .
النوع الثالث: تواتر بيان النبي ﷺ للقرآن
- وقد تقدم ما يكفي من الكلام في ذلك في الفصول المتقدمة.
الرَّكيزة الثالثة لحُجِّيَّة السُّنَّة: الإجماع
- إنَّ عدم اعتبار السُّنَّة حُجَّة لَمِن أولى ما يدخل في قول الله تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلۡهُدَىٰ وَيَتَّبِعۡ غَيۡرَ سَبِيلِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصۡلِهِۦ جَهَنَّمَۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا﴾ [النساء: 115]
- من المعلوم – قطعاً – من جِهَة النَّقل المُتواتِر، أنَّ أصحاب النبي ﷺ بعد موته، كان يقضي قاضيهم على الملأ بسُنَّته وهديه، في الحُدُود والنِّكاح والمواريث والبيع وغيرها من أبواب العبادات والمعاملات، سواء أكان ذلك مِمَّا ذُكِر في نصّ القرآن أم لا، ولا يُنكر بعضهم على بعض، بل يُقرُّونه، ويمضونه في أموالهم وأعراضهم وسائر أحوالهم، ويُسنِد من يسأل منهم عن مصدره في ذلك إلى النبي ﷺ، فيرضى منه بهذه النِّسبة، ويقنع بها، وقد يطلب منه مزيد تحقُّق وتثبُّت، إن ظنَّ المُستفهم احتمال وهم الناقل، فإذا تحقَّقت: أقرَّ ورضي. مع أنَّهم – في ذات الوقت – يُنكرون ما يُحدثه النَّاس من الأعمال الدِّينية مِمَّا لا أصل له في كتاب الله وسُنَّة رسوله ﷺ.
- ومَن يُطالع أقضية الصَّحابة وفتاواهم في الكُتُب المُسندة التي جمعت أخبارهم، كمُصنَّف عبد الرَّزاق، ومُصنَّف ابن أبي شيبة، سيجد مئات الأخبار المُسندة الصَّحيحة المُثبتة لذلك.
- وقد ثبت عن الصَّاحبة رضي الله عنهم مقام آخر كذلك؛ ألَا وهو تبليغ السُّنَّة للتَّابعين، وتعليمهم إيَّاها قولاً وعملاً، وهذا بمجموعه مُتواتِر تَوَاتُر معنوي لا ارتياب في قطعيته عند أهل السِّيَر والحديث وغيرهم من علماء الشريعة، وكُتُب الآثار والأخبار مليئة بذلك.
«الإحكام في أصول الأحكام – ابن حزم» (1/ 113): «فصحَّ بهذا إجماع الأُمَّة كلها على قبول خبر الواحد الثقة عن النبي ﷺ، وأيضاً فإنَّ جميع أهل الإسلام كانوا على قبول خبر الواحد الثقة عن النبي ﷺ، يجري على ذلك كلّ فرقة في علمها كأهل السُّنَّة والخوارج والشيعة والقدرية، حتى حَدَث مُتكلِّمو المُعتزلة بعد المائة من التاريخ، فخالفوا الإجماع في ذلك.»
«التَّمهيد – ابن عبد البر» (1/ 192 ت بشار): «وأجمعَ أهلُ العِلم مِن أهْلِ الفقهِ والأثَرِ في جميع الأمْصارِ فيما علِمْت، على قَبُولِ خبرِ الواحِدِ العَدْل، وإيجابِ العَملِ به، إذا ثبتَ ولم يَنْسَخْه غيرُه مِن أثَرٍ أو إجْماع، على هذا جميعُ الفقهاءِ في كلِّ عصرٍ مِن لَدُن الصحابةِ إلى يومِنا هذا، إلَّا الخَوارجَ وطوائفَ مِن أهْلِ البِدَع، شِرْذِمَةٌ لا تُعَدُّ خِلافًا.»
«تلقيح الفهوم في تنقيح صيغ العموم – العلائي» (صـ397): «العُلماء مُتَّفقون في كلِّ عصرٍ على التَّمسُّك في إثبات الأحكام بآيات القرآن العظيم وأحاديث السُّنَّة.»
وقال شيخ الإسلام ابن القيِّم رحمه الله، في كتابه: «إعلام الموقعين عن رب العالمين» (1/ 39 ط العلمية): «ومنها أنَّ النَّاسَ أَجْمَعُوا أَنَّ الرَّدَّ إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ هُوَ الرَّدُّ إلَى كِتَابِهِ، وَالرَّدَّ إلَى الرَّسُولِ ﷺ هُوَ الرَّدُّ إلَيْهِ نَفْسِهِ فِي حَيَاتِهِ وَإِلَى سُنَّتِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ.»
القسم الثَّاني: نقض أُصُول مُنكري السُّنَّة
قضايا منهجية في تثبيت حُجِّيَّة السُّنَّة ومُناقشة مُنكريها
«مجموع الفتاوى – ابن تيمية» (19/ 203): «لابُدَّ أن يكون مع الإنسان أُصُول كُلِّيَّة تُرَدُّ إليها الجُزئيَّات ليتكلَّم بعلمٍ وعدلٍ، ثمَّ يعرف الجزئيات كيف وقعت؟ وإلَّا فيبقى في كذب وجَهْل في الجُزئيَّات، وجهل وظلم في الكُلِّيَّات؛ فيتولَّد فسادٌ عظيمٌ.»
قواعد الاستدلال بالسُّنَّة على مُنكرها
- إن أراد المُنكِر أن يستدِلّ علينا ببعض الرِّوايات التي يُثير بها شُبهة، فإنَّنا نرُدُّ عليه بروايات أخرى ترسم الصُّورة الكُلِّيَّة للباب الذي شبَّه فيه المُشبِّه، فنكشف له خطأ الانتقاء غير المنهجي، ونستدِلّ عليه من جنس ما استدَلَّ به علينا.
- إذا كانت الأحاديث المذكورة من أخبار الغيب التي ثبت تحقُّقها، فإنَّ في ذلك قدر من الاحتجاج زائد على مُجرَّد كونها خبر مروي.
- أن نُثبت له قطعية الرواية التي أنكرها – إن كانت كذلك – عن طريق عرض طُرُقها المُتعاضدة، القاطعة لاحتمالات الوهم والخطأ، وبيان الأحوال المُكتنفة لها من جهة أسانيدها، وليثبت – هو – خلاف ذلك إن استطاع.
- أن يكون المُخالف مِمَّن يقبل مِن السُّنَّة أشياء ويَدَع أخرى، وليس مِمَّن استقرَّ قوله على إنكار جميعها، فقد يصلح مع بعض هؤلاء الاستدلال بشيء من السُّنَّة، فنُثبت له صِحَّة الرِّوايات التي نحتجّ بها، ونطلب منه بيان وجه معارضته لها.
السُّنَّة المُتواترة حُجَّة
- لا يُمكن التَّشكيك في أنَّ النبي ﷺ قد أقام أُمُور من شعائر الإسلام العظام، وتبعه عليها جميع أصحابه، دون أن يكون لها ذكر في نصّ القرآن.
- وأعني بها ما نقلته الأُمَّة عن الأُمَّة، والعامَّة عن العامَّة، جيلاً بعد جيل، من الشَّعائر التَّعبُّدِيَّة، مِمَّا لم يختصّ المُحدِّثون وحدهم بروايته؛ كإقامة خمس صلوات في اليوم والليلة، بقدر ركعاتها المعروف، وكاعتبار المواقيت المكانية للحاجّ والمُعتمر، وكرمي الجمار، ونحو ذلك، فإنَّ ثُبُوت ذلك عن النبي ﷺ من جِهَة التَّواتُر العملي، الذي تنقله الكافَّة عن الكافَّة، أمرٌ لا شَكَّ فيه ولا ارتياب.
- المُراد هو إسقاط القضية المركزية الكبرى عند مُنكري السُّنَّة، ألَا وهي الزَّعم بأنَّنا لا نحتاج في إقامة ديننا لأيِّ شيءٍ مُفصَّلٍ لم يُذكر في نصِّ القرآن.
مَحَلّ النِّزاع مع مُنكر السُّنَّة
- هل يُقام شيء من الدِّين لم يُذكر في نصِّ القرآن؟ أم لا. بصرف النَّظر عن طريقة نقله. هل الإشكال في أصل لُزُوم اتِّباع أمر النبي ﷺ إذا لم يُذكر – هذا الأمر – في نصِّ القرآن؟ أم أنَّ مُنازعتك في طريقة نقله؟
- إذا قال مُنكر السُّنَّة إنَّه لا يَثِق بطريقة نقلها، نقول له: على ماذا بنيت عَدَم ثقتك هذه؟ هل بنيتها على عِلْمٍ تفصيليٍّ بها؟ فإن قال نعم، ناظرناه في ذلك وأثبتنا له دِقَّة منهج المُحدِّثين وكفايته في تأمين نقل السُّنَّة.
أهمِّيَّة عِلْم الحديث
- المُحتجُّون بالسُّنَّة يثقون في منهج المُحدِّثين، ويُثبتون بمئات الأدِلَّة والشَّواهد أنَّ قوانين عِلْم الحديث تُشكِّل منظومة نقدية توثيقية مُتكاملة، تعتمدُ منهج المُقارنة والعرض والاعتبار والاختبار أساس في التَّوثيق والتَّوهين، كما أنَّها تُخضِع المُتُون للنَّقد ولو حَسُنت ظواهر أسانيدها.
- المُسلمون يفخرون بهذا العلم الذي لا مثيل له في تاريخ البشرية، والذي إنَّما نضج بسبب إدراك عُلماء الأُمَّة وصالحيها أهمِّيَّة السُّنَّة النبوية، وضرورة توثيقها وحمايتها من الدَّخَن، ويعتمدون هذا العِلْم أصلاً في توثيق الأخبار.
- غير أنَّ المُتتبِّع لِطُعُونات المُنكرين وإشكالاتهم يجدها — دائماً — قاصرة عن التَّصوُّر الصَّحيح لمنهج المُحدِّثين.
تعامُل المُشكِّكون المُضطرب مع السُّنَّة
- يتعامل المُشكِّكون في السُّنَّة باضطراب مع الأحاديث والأخبار، فقد يصف المُشكِّك بعض الأحاديث بأنَّها حُجَّة، لأنَّها تؤيِّد معتقده. والمُصيبة أنَّ هذه الأحاديث غالباً لا تصِحّ مِن جِهَة الإسناد أصلاً!
- على سبيل المثال: محمود أبو رية، في كتابه: «أضواء على السُّنَّة المُحمَّدِيَّة»، قال: (وقد جاءت أحاديث صحيحة وآثار ثابتة). والذي يقرأ كتابه ويرى مقدار التَّشكيك في الأحاديث الصَّحيحة الواقع فيه، يتعجَّب من سلاسة حكمه بالصِّحَّة.
- نحن نرُدُّ على مَن يُحاول إلزامنا بما نُصحِّحه مِن السُّنَّة: بأنَّنا نؤمن بمجموع الأحاديث في الباب، لا بحديثٍ واحدٍ يجعله المُخالف أصلاً، فيُعارض به غيره مِمَّا هو أصحّ منه، أو مِمَّا يكون ناسخ له، ونحو ذلك.
حجم المُشكلة عند مُنكر السُّنَّة
- في العادة لا يستطيع هؤلاء سَرْد عشرين حديثاً مِمَّا يدَّعون نكارته، وأكثرهم لا يبلغ العشرة مِمَّا يستنكر. ولا نسبة للعدد الذي استنكرتموه أمام أضعافه – عشرات المرَّات – من العدد المقبول؛ فهل تنقضون أصل الطَّريقة كلها بسبب هذه النِّسبة النَّادرة؟
- وكثيرٌ مِمَّا يُسْتَنكَر من الأحاديث إنَّما يكون بسبب إساءة فهمها، أو عدم ضمّ أحاديث الباب الأخرى إليها، أو بسبب الظَّنّ الخاطئ بأنَّها تُخالف أمراً ضروريًّا لا تثبت ضرورته عند تحقيق النَّظر، وغير ذلك من وُجُوه الاستنكار غير المُحرَّرة.
- ثم إنَّ بعض ما يُسْتَنكَر من الأحاديث مِمَّا يُكرِّر المُشكِّكون ذكره كثيراً، لا يثبت من جِهَة الإسناد عند التَّحقيق؛ كحديث أكل الدَّاجن لآية الرَّجم، وحديث أنَّ البرق سوط الملك والرعد صوته، وحديث محاولة النبي ﷺ الانتحار حين فتر عنه الوحي، وغيرها.
- معرفتنا بضعف هذه الأحاديث، التي يستنكرها مُنكر السُّنَّة، إنَّما نشأت من قوانين طريقة نقل السنة نفسها – أعني قوانين علم الحديث – وفي ذلك تقوية لهذه القوانين لا توهين لها.
المعاني المُستنكَرة في السُّنَّة موجودة في القرآن
- كثيرٌ من الأحاديث الصَّحيحة التي يستنكرها المُشكِّكون في السُّنَّة يكون لها نظائر في القرآن من جهة المعنى.
- مثال ذلك: قول من يُنكر عُقُوبة الرَّجم الثَّابتة في السُّنَّة، لأنَّها مِمَّا تستعظمه النَّفس، فنقول له: وما قولك في قطع اليد والرجل من خِلاف، الوارد في سورة المائدة؟
- الواقع أنَّ المُشكِّك استنكر الرَّجم مِن جِهَة نفسية؛ فنقول له: ليست عقوبة قطع اليد والرِّجل خالية من جنس المعنى الذي استنكرته في الرجم، وقد تحصل المُنازعة في الدَّرجة لا في الجنس.
- ما هوَّن عُقُوبة القطع عند المُنكر أمران، الأول: أنَّها حُكم الله سبحانه، الثاني: سببها وهو قطع الطريق، إذ فيه اعتداء على النَّاس. ونحن نقول كذلك في الرَّجم؛ فإنَّه حُكم الله وقضاؤه، وقد ثبت ذلك بالتَّواتُر على لسان رسوله ﷺ.
- على أنَّ ثمَّة فارق بين العقوبتين، وهو أنَّ تنفيذ الرَّجم قد أُحِيط بسياج من التَّثبُّت والتَّحوُّط وشهادة الشُّهُود بصفة مُعيَّنة يصعب تحقُّقها في حالة من حالات الزِّنا المُستترة، بخلاف عقوبة قطع الطَّريق.
- وهناك أمثلة أخرى مثل: أحاديث القتال في سبيل الله، والأحاديث المعارضة لقيم الحُرِّيَّة الغربية والحداثة، ونحو ذلك.
ادِّعاء التَّعارض في السُّنَّة قد يُدَّعى في القرآن
- المُنكرون يدَّعون أنَّ السُّنَّة مليئة بالرِّوايات المُتعارضة، بينما يقوم هؤلاء المُنكرون بالتَّعامُل مع الآيات القرآنية التي يكون بينها تعارض في الظاهر، أو يُثار حولها إشكال من الملاحدة وغيرهم، بقدر من التَّأويل أو التَّحريف غير المقبول، فيُجيزون لأنفسهم ما يستنكرونه على غيرهم.
معرفة السُّنَّة وقاية مِن إنكارها
- من المعاني المُهِمَّة التي يؤدِّي حُضُورها في النَّفس إلى تعظيم السُّنَّة، ومعرفة قدرها ومكانتها وأهميتها في الإسلام، كما يؤدِّي غيابها إلى هوان منزلتها، وسُهُولة التَّأثُّر بالشُّبُهات المُثارة ضدَّها:
- ما تتضمَّنه السُّنَّة من المعاني السُّلُوكِيَّة والأخلاقية العظيمة، التي ترقى بالبشرية إلى الدَّرجات العُلَا من الكمال الإنساني، وما تحويه من إرشادات مُهمَّة تُحقِّق توازن الإنسان مع نفسه ومع أهله وجاره ورحمه وصديقه، وتجمع له بين الإحسان في عبادة ربِّه، وبين الإحسان إلى نفسه وإلى الناس.
- إنَّ الذي يكون عارفاً بجمال السُّنَّة وأهمِّيَّتها للتَّعامُل والسُّلُوك في مُختلف جوانب الحياة، يُدرك قدرها وسُمُوّ مصدرها، ويكون لها في نفسه عظمة ومهابة، بخلاف من هو جاهلٌ بها، بعيدٌ عنها، ثمَّ يتلقَّى الشُّبُهات حول بعض نُصُوصها، فإنَّه لا تكون لديه الوقاية النَّفسِيَّة من جُحُودها وإنكارها.
- وبهذا يظهر الارتباط بين مُحتوى السُّنَّة السُّلُوكيّ الأخلاقيّ، وبين تثبيت حُجِّيَّتها.
إنكار السُّنَّة يؤدِّي إلى هَدْم الدِّين عمليًّا
- لمعرفة قدر الأسئلة والاستشكالات التي تُواجِه مُنكري السُّنَّة يكفي أن تستعرض العبادات التي يقوم بها المُسلمون في اليوم، والأسبوع، والشَّهر، والعام، ثُمَّ ترى مَدَى إمكانية إقامة المفروضات الواجبات منها؛ على فرض عَدَم وُجُود نُصُوص السُّنَّة، لتُدرِك خطورة القول بإنكار هذه النُّصُوص.
- كم أركان الإسلام؟ وما الدَّليل؟ وما هي الصَّلوات المفروضة؟ وكم عدد ركعاتها؟ وما الدَّليل على وُجُود صلاة تُسمَّى الظُّهر؟ ومتى ينتهي وقتها؟ وما الدَّليل على صِحَّة ما يعمله المُسلمون في مساجدهم من أداء خمس صلوات في الأوقات المعلومة؟
- فإن قال المعترض: الدَّليل هو التَّواتُر العملي المُنتهي إلى النبي ﷺ. نرُدُّ عليه بالآتي: على ماذا اعتمد النبي ﷺ في أداء الصَّلوات بهذه الطَّريقة؟ هل اعتمد على النَّصّ القرآني؟ أم على وحي من الله تعالى – خارج النَّصّ القرآني، عيّن فيه هذه الكيفيات؟
- وهل التَّشهُّد في الصَّلاة مشروع؟ وماذا يفعل المُصلِّي إذا سَهَى فشَكَّ في صلاته أو زاد فيها ونقص؟ هل يسجد للسَّهو؟ ما الدَّليل؟ وما صفة الأذان للصَّلاة؟
- هل كل من ملك شي ً من المال تجب عليه الزَّكاة؟ أم أنَّ هُناك نِصاباً مُعيَّناً إذا بلغه المال تجب زكاته؟ فالذي يملك خَمْس غرامات من الذَّهب، هل تجب عليه زكاته؛ لئلَّا يدخل في الوعيد الوارد في القرآن على الذين يكنزون الذَّهب والفِضَّة؟
- وما القدر الذي إذا أخرجه المرء من ماله تكون قد برئت ذمّته وامتثل الأوامر القرآنية بإيتاء الزَّكاة؟ فالذي يملك مليار ريال مثلاً، وزكَّى منها مائة ريال فقط، هل تبرأ ذِمَّته؟
- وما المقدار الذي يجب إخراجه في زكاة الحُبُوب والثِّمار ليكون المُسلم مُمتثلاً لقول الله تعالى: ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُۥ يَوۡمَ حَصَادِهِۦ﴾ [الأنعام: 141]، وهل هُناك فرق بين ما سُقِي بالنَّضح وبين ما سقته السَّماء؟
- وأيضاً: هل على الحائض صوم؟ وما الدَّليل من نصّ القرآن؟ وهل تقضي الحائض ما فاتها من الصَّلوات؟ أم تقضي فوات الصِّيام فقط؟ نريد دليلاً واضحاً من نصّ القرآن.
- وهل على مَن جامع أهله في رمضان كفَّارة؟ ما الدَّليل؟ وهل تُشرع صدقة الفطر في نهاية شهر رمضان؟ ما الدَّليل؟ وما مقدارها؟
- وأيضاً: هل هُناك مواقيت مكانِيَّة لا يتجاوزها الحاجّ إلَّا بإحرام؟ سَمُّوا لنا هذه المواقيت، ومن الذي وقتها؟ وهل ما يعمله المُسلمون اليوم من جمع الصَّلاتين في عرفة صحيح؟ وما الدَّليل من القرآن على رمي الجمرات؟ وهل هُناك طواف للوداع؟
- والأسئلة أكثر من ذلك في العبادات والمعاملات، بل إنَّ كل دليل يُستدَلّ به على حُجِّيَّة السُّنَّة، فهو سؤال يُعترض به على المُنكرين! فهل يستقيم بعد ذلك قول مَن قال: السُّنَّة إنَّما هي ركام مِن المرويَّات، والآخذون بها عابدون للأسانيد!؟
أُصُول مُنكري السُّنَّة النَّبَوِيَّة
- الأصل الأوَّل: إسقاط الحاجة إليها بدعوى الاستغناء بالقرآن الكريم.
- الأصل الثاني: حَصْر السُّنَّة المُعتبرة في المُتواتِر منها.
- الأصل الثالث: الطَّعن في نَقَلَتِهَا واتِّهامهم.
- الأصل الرابع: دعوى ضياعها وعدم حفظها استناداً إلى تأخُّر كتابتها وتدوينها.
- الأصل الخامس: إسقاط مكانة عِلْم الحديث والتَّشكيك في منهجية المُحدِّثين وطُرُقهم في تصحيح الأخبار وتضعيفها.
- الأصل السادس: استنكار أحاديث وروايات مُعيَّنة من السُّنَّة الصَّحيحة لتوهُّم مُعارضتها لِمَا هو أرجح منها.
الأصل الأوَّل: الاستغناء بالقرآن الكريم
دليلهم الأول: ﴿وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ تِبۡيَٰنٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُسۡلِمِينَ﴾ [النحل: 89]
- لا شكَّ في كون القرآن تبيان لكل شيء، ولكنَّ الشَّأن في تحرير وجه التِّبيان الذي جاء به القرآن، فهم يحصرونه في طريق النَّصّ على كل حُكم بعينه؛ وهذا تضييق لدلالة اللفظ لا نقبله؛ فإنَّ طُرُق التِّبيان واسعة، منها النَّصّ، ومنها الإشارة، ومنها الإحالة، وغير ذلك.
- نجد أنَّ الله يُرشد في القرآن إلى طاعة أمر رسوله ﷺ واجتناب نهيه، وذلك في عشرات المواضع؛ فمن يتَّبع ما أمر به الرسول مِمَّا لم يُذكر نصُّه في القرآن، فإنَّما يكون مُتَّبِعاً للقرآن في الحقيقة.
«زاد المسير في علم التفسير (ابن الجوزي)» (2/ 578): «فأمَّا قوله تعالى: لِكُلِّ شَيْءٍ فقال العلماء بالمعاني: يعني: لكل شيء من أمور الدين، إِمَّا بالنَّص عليه، أو بالإِحالة على ما يُوجِب العِلْم، مثل بيان رسول الله ﷺ أو إجماع المسلمين»
«التفسير الوسيط لطنطاوي» (8/ 218): [وهذا التبيان إما في نفس الكتاب، أو بإحالته على السنة لقوله- تعالى-: … وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا …، أو بإحالته على الإجماع كما قال- تعالى-: وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى … أو على القياس كما قال: فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ والاعتبار: النظر والاستدلال اللذان يحصل بهما القياس. فهذه أربعة طرق لا يخرج شيء من أحكام الشريعة عنها، وكلها مذكورة في القرآن، فكان تبياناً لكل شيء فاندفع ما قيل: كيف قال الله- تعالى- وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ ونحن نجد كثيراً من أحكام الشريعة لم يعلم من القرآن نصاً، كعدد ركعات الصلاة، ومقدار حد الشرب، ونصاب السرقة وغير ذلك …]
- ولمنكري السنة اعتراض، يقولون إنَّ كلمة الرسول في القرآن يُراد به الرِّسالة لا الشَّخص المُرسَل، ويقولون: إنَّ كلَّ شيءٍ فعله النَّبي ﷺ مِمَّا لم يُذكر في نصِّ القرآن، فإنَّما فعله بمُقتضى النُّبُوَّة لا الرِّسالة، والنُّبُوَّة لا يصدر عنها شيء مُلزِم شرعاً.
- الرَّد في قوله تعالى: ﴿مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدۡ أَطَاعَ ٱللَّهَۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ عَلَيۡهِمۡ حَفِيظٗا﴾ [النساء: 80]، فالكاف في “أرسلناكَ” ظاهرة في أنَّ المُراد بالرسول هنا: الشَّخص المُرسَل، لا الرِّسالة.
- كما في قوله تعالى تعالى: ﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُواْۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ﴾ [الحشر: 7]، لفظ “الرسول” هُنا لا يحتمل معنى الرِّسالة؛ وذلك لأنَّ الله سبحانه وتعالى قال: ﴿مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ كَيۡ لَا يَكُونَ دُولَةَۢ بَيۡنَ ٱلۡأَغۡنِيَآءِ مِنكُمۡۚ﴾. فالحديث هُنا عن الفيء الذي وقع لرسول الله في غزوة بني النَّضير.
- وبالنِّسبة لتفريقهم المُبتدع بين الرَّسول والنَّبي، فقد جاء في القران جمعهما في سياق امتداح الاتِّباع، وذلك في قوله: ﴿ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلۡأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُۥ مَكۡتُوبًا عِندَهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ يَأۡمُرُهُم بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَىٰهُمۡ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡخَبَٰٓئِثَ وَيَضَعُ عَنۡهُمۡ إِصۡرَهُمۡ وَٱلۡأَغۡلَٰلَ ٱلَّتِي كَانَتۡ عَلَيۡهِمۡۚ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِۦ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ مَعَهُۥٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ * قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡ جَمِيعًا ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِيِّ ٱلۡأُمِّيِّ ٱلَّذِي يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَٰتِهِۦ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ﴾ [الأعراف: 157-158]
دليلهم الثَّاني: ﴿مَّا فَرَّطۡنَا فِي ٱلۡكِتَٰبِ مِن شَيۡءٖۚ﴾ [الأنعام: 38]
«تفسير الطبري» (9/ 232): «فالربُّ الذي لم يُضيِّعْ حفظَ أعمال البهائم والدوابِّ في الأرضِ، والطيرِ في الهواءِ، حتى حفِظ عليها حركاتِها وأفعالَها، وأثبَت ذلك منها في أمِّ الكتاب، وحشَرها ثم جازاها على ما سلَف منها في دار البلاءِ، أحْرَى ألَّا يُضَيِّعَ أعمالَكم، ولا يُفَرِّطَ في حِفْظِ أفعالِكم التي تَجْتَرِحُونها أيُّها الناسُ، حتى يَحْشُرَكم فيُجازيَكم على جميعِها إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًّا فشرًّا»
«تفسير القرآن الثري الجامع» (14/ 188): «ويؤيِّد ذلك قوله تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِى الْكِتَابِ مِنْ شَىْءٍ} [الأنعام: 38]، ويشمل ذلك سنة رسول الله ﷺ قولاً، وفعلاً، وتقريراً»
«زاد المسير في علم التفسير (ابن الجوزي)» (2/ 26): [قوله تعالى: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ في الكتاب قولان: أحدهما: أنه اللوح المحفوظ. روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس: ما تركنا شيئا إلا وقد كتبناه في أم الكتاب، وإلى هذا المعنى ذهب قتادة، وابن زيد. والثاني: أنه القرآن. روى عطاء عن ابن عباس: ما تركنا من شيء إلا وقد بيناه لكم. فعلى هذا يكون من العام الذي أريد به الخاص، فيكون المعنى: ما فرطنا في شيء بكم إليه حاجة إلا وبيناه في الكتاب، إما نصاً، وإما مجملاً، وإما دلالة، كقوله تعالى: وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ أي: لكل شيء يحتاج إليه في أمر الدين.]
دليلهم الثالث: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثِۭ بَعۡدَهُۥ يُؤۡمِنُونَ﴾ [المرسلات: 50]
«تفسير الطبري» (10/ 603): «وقوله: {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ}. يقولُ: فبأيِّ تخويفٍ وتحذيرٍ وترهيبٍ، بعد تحذيرِ محمدٍ ﷺ وترهيبِه، الذي أتاهم به من عندِ اللهِ في آي كتابه يُصَدِّقون، إن لم يُصدِّقوا بهذا الكتاب الذي جاءَهم به محمدٌ ﷺ من عندِ اللهِ تعالى»
«تفسير السمرقندي = بحر العلوم» (1/ 572): «فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ يعني: إن لم يؤمنوا بالقرآن فبأي حديث يؤمنوا بعد القرآن. لأن هذا آخر الكتب نزولاً وليس بعده كتاب ينزل.»
«التفسير الوسيط لطنطاوي» (5/ 446): «وقوله: فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ أى: إذا لم يؤمنوا بالقرآن وهو أكمل كتب الله بيانا، وأقواها برهانا، فبأي كلام بعده يؤمنون؟ والجملة الكريمة مسوقة للتعجب من أحوالهم. ولقطع أي أمل في إيمانهم لأنهم ما داموا لم يؤمنوا بهذا الرسول المؤيد بالمعجزات، وبهذا الكلام المعجز الجامع لكل ما يفيد الهداية، فأحرى بهم ألا يؤمنوا بغير ذلك.»
- ولا يكتفي منكرو السُّنَّة بدعوى استغنائهم بالقرآن الكريم، بل يرون أنَّ اتِّباع السُّنَّة ضلال وزيغ وانحراف، بل إنَّ كثير منهم يرى أنَّ اتِّباعها شرك بالله، وتحكيم لغيره، وتقديم لأعراف الآباء وسُنَّة الأجداد والسَّادة والكبراء على أمر الله وشرعه، وقد نقل الدكتور خادم حسين بخش في كتابه: (القرآنيون وشبهاتهم حول السنة)، بعض أقاويل كبرائهم في إطلاق أوصاف الكفر والشرك على من يأخذ بالأحاديث مع القرآن، ورد عليهم.
- وإذا كان أمر اتِّباع السُّنَّة عندهم بهذا القدر من الزَّيغ والضَّلال، فكيف يكون القرآن – على ذلك – هادياً ومبيناً مع كلِّ ما فيه من الآيات التي أطلقت لُزُوم طاعة أمر الرسول ﷺ ولم تُقيِّده؟ ألَا يكون نُزُول هذه الآيات فتنة وإضلالاً للخلق – إن كان اتِّباع سُنَّة النبي شِرك؟
الأصل الثاني: حَصْر السُّنَّة المُعتبرة في المُتواتر
- هذا القول لمُنكري السُّنَّة لا يتَّفِق مع حقيقة قولهم القائم على الاستغناء بالقرآن، وعدم اتِّخاذ مصدر ديني سِواه، فإنَّ حكمهم بقبول فريضة الصَّلوات الخمس لأجل تواتر نقلها عملياً، لا يلغي سؤال المصدر الذي استُمِدّ منه تحديد الفرض بخمس صلوات، والذي – في الواقع – ليس آية من القرآن.
- فحقيقة فعلهم هو نقل المُشكلة من سؤال المصدر والتَّشريع، إلى سؤال النَّقل والتَّوثيق، وهذا حِياد عن طبيعة الإشكال وحقيقته.
- لقد اعتنى عُلماء أهل السُّنَّة بذكر أدِلَّة إيجاب اتِّباع أخبار الآحاد الصَّحيحة عن النبي ﷺ، وناقشوا أدِلَّة المُخالفين واعتراضاتهم.
ادِّعاء أنَّ أخبار الآحاد لا تُفيد إلَّا الظَّنّ
- من جِهَة الشَّرع، فلأنَّ النبي ﷺ كان يُقيم الحُجَّة على الأمم، في أصل دين الإسلام، بآحاد من أصحابه يبعثهم إليهم – وهذا معلوم بطرق كثيرة، وهو من العلم العام الذي لا يختلف فيه لشهرته وعموم نقله.
- وأمَّا من جهة مُخالفة الحال؛ فلأنَّ المُوافقين والمُخالفين في هذا الباب يتحصَّل لهم اليقين في كثير من أحوالهم بأخبار آحاد لم تصل إلى حدِّ التواتر؛ والأمثلة على ذلك أكثر من أن تُحصر من أخبار الزَّواج والوفاة والولادة والنَّجاح والفشل والرِّبح والخسارة. . . إلخ.
- أخبار الآحاد «الصَّحيحة» التي نُقِلَت بها السُّنَّة، فيها ما يُفيد اليقين، وفيها ما يُفيد الظَّنّ الرَّاجح، بحسب أحوال الرُّواة والأسانيد والقرائن لكُلِّ رواية بعينها.
ادِّعاء أنَّ اتِّباع الظَّنّ مذموم في القرآن
- هذا فيه تعميم غير صحيح، فقد جاء في القران ذمّ نوع من الظَّنّ وامتداح آخر.
- جاء في الذَّم قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٍۖ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّۖ وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغۡنِي مِنَ ٱلۡحَقِّ شَيۡـٔٗا﴾ [النجم: 28]
- وجاء في المدح قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلۡخَٰشِعِينَ * ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ رَبِّهِمۡ وَأَنَّهُمۡ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ﴾ [البقرة: 45-46]، والظَّنّ في هذه الآية معناه: اليقين.
«تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن» (1/ 375): «وَالظَّنُّ هُنَا فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ بِمَعْنَى الْيَقِينِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تعالى: {إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ} وقوله: {فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها}»
«أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن – الشنقيطي» (4/ 166 ط عطاءات العلم): «قوله تعالى: {وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنَّ المُجرمين يرون النَّار يوم القيامة، ويظُنُّون أنَّهم مواقعوها، أي مخالطوها وواقعون فيها. والظَّنّ في هذه الآية بمعنى اليقين؛ لأنَّهم أبصروا الحقائق وشاهدوا الواقع. وقد بيَّن تعالى في غير هذا الموضع أنَّهم موقنون بالواقع (…) ومن إطلاق الظَّنّ على اليقين قوله تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إلا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيهِ رَاجِعُونَ} أي يوقنون أنهم ملاقوا ربهم. وقوله تعالى: {قَال الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}، وقوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ} فالظَّنُّ في هذه الآيات كلّها بمعنى اليقين. والعرب تُطلِق الظَّنَّ على اليقين وعلى الشَّكّ.»
«لقاء الباب المفتوح – ابن عثيمين» (لقاء 171): «{إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ} أي: ما يتبعون إلَّا الظَّنّ، والمُراد بالظَّنّ هُنا الوهم الكاذب، وليس المُراد بالظَّنّ هُنا الرَّاجح مِن أحد الاحتمالين، وانتبه لهذه النُّقطة: الظَّنّ يأتي بمعنى التُّهمة، ويأتي بمعنى رُجحان الشيء، ويأتي بمعنى اليقين، قال الله تعالى: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ} [البقرة:46] المُراد اليقين، لا يكفي الظَّنّ في اليوم الآخر، لا بُدَّ من التَّيقُّن.»
إشكاليَّات رفض أحاديث الآحاد
- الله سُبحانه قد شرع في كتابه الأخذ بشهادة الشُّهُود، وهُم آحاد.
- النظر في قلة الأحاديث المُتواترة من السُّنَّة أو ندرتها، مع وُجُود عشرات النُّصُوص القرآنية المُرشدة إلى اتِّباع سُنَّة النبي ﷺ. إذا حُصِر مدلول كلّ تِلْك النُّصُوص القرآنية في السُّنَّة المُتواترة، فستقع مُفارقة كبيرة بين قدر التَّوصية القرآنية وبين واقع الأمر الموصى به.
- إذا عرَّفنا المُتواتر بأنَّه ما وَرَدَ بأكثر مِن طريق صحيح، وأفاد القطع، بحسب ما يعتبره مُتقدِّمو المُحدِّثين من قرائن الرِّواية وأحوال الرُّواة وتفاوتهم في الضَّبط والإتقان = فلا شكَّ أنَّه كثير جدًّا في السُّنَّة، وهو الأصَحّ في التَّعامل مع مُصطلح المُتواتر.
- ثمَّ إنَّك إذا اعتبرت واقع الأحاديث المُتواترة بمعناها الشائع، فلن تجد فيها القدر التَّفصيلي الحاكم في النِّزاع بمثل ما هو موجود في السُّنَّة الآحادية.
- العُلماء أجمعوا على الأخذ بخبر الآحاد. وقد نقلنا أقوالهم سابقاً.
- حصر قبول الأخبار النَّبوية في التَّواتُر أمر مُبتدَع. ثبت عن أصحاب رسول الله ﷺ، بطرق كثيرة يفيد مجموعها القطع، أنَّهم كانوا يتلقّون عنه مُباشرة، ويحتجّون به دون اشتراط التَّواتر، ويُقيمون دينهم واعتقاداتهم بناءً على ذلك.
الأصل الثالث: الطعن في نقلة السُّنَّة واتهامهم
- إنَّ اتِّهام بعض مشاهير حملة السُّنَّة وناقليها لَمِن أُصُول الإشكالات التي اعتمد عليها المُستشرقون في طعنهم على سُنَّة النبي ﷺ. وكثير مِمَّا يعتمدونه للطَّعن فيهم لا يقوم على أصلٍ صحيحٍ من جهة الثُّبُوت.
- يجب أولاً تحقيق مدى دلالة تلك الأخبار على إسقاط عدالة الراوي أو أهليته للنقل الصحيح، ثمَّ الموازنة بين مجموع ما نُقل عن الراوي من سيرته وحياته، وعدم حصر مُعطيات تقييمنا له في رواية مُعيَّنة يكون محلَّها الصَّحيح في النَّقد أنَّها من زلَّات بني آدم التي لا يسلم منها أحدٌ غير معصوم.
الأصل الرَّابع: النَّهي عن كتابة السُّنَّة وتأخُّر تدوينها
أولاً: دعوى عَدَم حِفْظ السُّنَّة
- نسأل صاحب هذه الدَّعوى سؤال: مِن أين لك أنَّ الله لم يحفظ السُّنَّة؟ أثبت دعواك أوَّلاً، وإلَّا فلا قيمة لسؤالك، فإن أتيت بدليل فمن حقِّك أن تبحث عن الإجابة، وأمَّا أن تدِّعي دعوى مُرسلة دون برهان ثمَّ تطلب من النَّاس أن يجيبوا عنها، فهذا لا يستقيم.
- قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9]، لا تدُلّ على (نفي) الحفظ لغير القرآن، وإنَّما تُثبته للقرآن.
- وحتى لو قلنا بأنَّ الذِّكر لا يشمل السُّنَّة، فإنَّ الذي لا ريب فيه أنَّ السُّنَّة مُبيِّنة للقرآن، فإنَّ مِن تمام حفظ القرآن حفظ بيانه، وحفظ لسانه.
- فعلمنا بذلك أنَّ السُّنَّة تُبيِّن مُجمل القرآن؛ فكان من لازم حفظه حفظها، وإلَّا فلن يُمكن للمُسلم امتثال ما أمر الله به مُجملاً في القرآن الكريم.
- والواقع شاهد على حفظ الله للسُّنَّه، وهذا ما عليه أئمَّة الإسلام وفُقهاء المِلَّة.
- وجود الصَّحيح والضَّعيف في السُّنَّة، بُرهان ضِدّ المُشكِّك، لأنَّ تمييز الضَّعيف عن الصَّحيح، والثَّابت عن المكذوب، إنَّما يدل على العناية لا الإهمال، وعلى الضَّبط والإتقان لا على خلافهما.
ثانياً: مسألة حديث النَّهي عن كتابة السُّنَّة
- إنَّ من أبرز المحاور التي يرتكز عليها القائلون بضياع السُّنَّة: محور عَدَم كتابتها في العهد النَّبوي والرَّاشدي، ونحن نرُدّ بسؤال: ما التَّلازُم بين النَّهي عن كتابة السُّنَّة وبين عَدَم حُجِّيَّتها؟
- إنَّ الذي نهى عن كتابة السُّنَّة ﷺ، هو الذي أمر بحفظها وتبليغها، ونهى عن رد ما زاد منها على القرآن، كما في حديث الأريكة، فكيف ينتقون من السُّنَّة ما يُوافق آراءهم، ويتركون منها ما يخالفها؟
- النَّهي عن كتابة السُّنَّة قد قُوبل بنُصُوص أخرى تُرخِّص في كتابتها. وكل ما جاء من النُّصُوص في النَّهي عن الكتابة ضعيف، إلَّا حديث أبي سعيد رضي الله عنه، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني، ولا حرج». فإنَّه مُصحَّح عند جماعة من أهل العلم، ولكن ما وجه تقديمه عندكم على نصوص الرُّخصة؟!
- هناك مسالك لأهل العلم في الجمع بين هذه النُّصُوص:
- فمنهم من سلك مسلك التَّرجيح؛ وذلك بترجيح أحاديث الرُّخصة على أحاديث النَّهي لتفاوت رُتَب ثُبُوتها.
- ومنهم من سلك مسلك الجمع بالقول بنسخ حديث النَّهي عن الكتابة بأحاديث الرُّخصة في الكتابة، وأنَّه إنَّما نهي عن الكتابة أوَّل الأمر خشية اختلاط السُّنَّة بالقرآن، فلمَّا أمن ذلك رخَّص فيها.
- ومنهم من قال إن ذلك لإبقاء سُنَّة الحفظ التي كانت عند العرب، وقيل غير ذلك.
- وقد وقع في بداية الأمر خلاف في جواز كتابة الحديث، ثم زال الخلاف!
«مقدمة ابن الصلاح = معرفة أنواع علوم الحديث – ت عتر» (ص183): «ثُمَّ إِنَّهُ زَالَ ذَلِكَ الْخِلَافُ وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَسْوِيغِ ذَلِكَ وَإِبَاحَتِهِ، وَلَوْلَا تَدْوِينُهُ فِي الْكُتُبِ لَدُرِسَ فِي الْأَعْصُرِ الْآخِرَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.»
ثالثاً: تأخُّر تدوين السُّنَّة
- لا يفتأ المُشكِّكون في السُّنَّة من طرح قضية تأخُّر تدوينها للتَّوصُّل إلى إسقاط الثِّقة بها، وادِّعاء تحريفها وضياعها، حتى صارت هذه الشُّبهة من الشُّبهات المركزية في الخطابات الحداثية والعلمانية وفي أطروحات من يعرفون ب (القرآنيين).
- ثغرات هذا الطَّرح كالآتي:
- حصر التَّوثيق في الكتابة، وإهمال وسائل التَّوثيق الأخرى.
- الجهل بصُوَر العناية بالسُّنَّة في القرنين الأوَّل والثَّاني.
- الجهل بوُجُود الكتابة المُبكِّرة للحديث النَّبوي.
- التَّصوُّر الخاطئ لآلية تدوين أصحاب الكُتُب المشهورة للسُّنَّة في القرنين الثاني والثالث.
- هُم يعتقدون وُجُود مرحلة فراغ استمرَّت لقرن ونصف أو قرنين، بين وقت النبي ﷺ وبين أصحاب الكُتُب المشهورة للسُّنَّة؛ فيفترضون تعامل هؤلاء المُصنِّفين مع أكوامٍ من الرِّوايات التَّاريخية غير المُوثَّقة، ومِن ثمَّ لملمتها في كتبهم.
إثبات العناية بالسُّنَّة عبر المراحل الزَّمنِيَّة
- الأمر الأوَّل: إثبات العناية المُبكِّرة بالسُّنَّة.
- الأمر الثَّاني: إثبات صِحَّة قوانين المُحدِّثين وآليتهم في توثيق الأخبار.
العناية بها زمن النُّبُوَّة
- لقد ثبت عن النبي ﷺ بأصَحّ الأسانيد، ومن طُرُق كثيرة جداً تُفيد القطع بما انتهت إليه أنَّه قال، في «صحيح البخاري»:
- مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ.
- لَا تَكْذِبُوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَلِجْ النَّارَ.
- مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيَّ كَذِبًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ.
- إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ، مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ.
«صحيح البخاري» (1/ 52): «قَالَ أَنَسٌ: إِنَّهُ لَيَمْنَعُنِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ حَدِيثًا كَثِيرًا أَنّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيَّ كَذِبًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ).»
- هذه الأحاديث هي اللَّبنة الأولى التي بنى عليها المُحدِّثون قواعدهم، وفيها إشارة ضمنية إلى جواز رواية الحديث عن النبي ﷺ؛ لأنَّ التَّحذير من الكذب عليه يُفهم منه تجويز النَّقل الصَّادق المُتثبَّت عنه ﷺ. فقد حذر ﷺ من الكذب عليه، في الوقت الذي حثَّ على التَّبليغ عنه في مقامات مُتعدِّدة.
- وقد جاء في صحيح مُسلم في المُقدِّمة أنَّ الرسول ﷺ قال:
صحيح مسلم، بَاب النَّهْيِ عَنِ الرِّوَايَةِ عَنِ الضُّعَفَاءِ وَالِاحْتِيَاطِ فِي تَحَمُّلِهَا.
قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ. يَأْتُونَكُمْ مِنَ الأَحَادِيثِ بِمَا لَمْ تَسْمَعُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ. فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ. لَا يُضِلُّونَكُمْ وَلَا يَفْتِنُونَكُمْ.»
قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ لِيَتَمَثَّلُ فِي صُورَةِ الرَّجُلِ. فَيَأْتِي الْقَوْمَ فَيُحَدِّثُهُمْ بِالْحَدِيثِ مِنَ الْكَذِبِ. فَيَتَفَرَّقُونَ. فَيَقُولُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ: سَمِعْتُ رَجُلًا أَعْرِفُ وَجْهَهُ، وَلَا أَدْرِى مَا اسْمُهُ، يُحَدِّثُ.»
«الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي» (ص35): «وَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِأَنَّ فِي أُمَّتِهِ مِمَّنْ يَجِيءُ بَعْدَهُ كَذَّابِينَ، فَحَذَّرَ مِنْهُمْ، وَنَهَى عَنْ قَبُولِ رِوَايَاتِهِمْ، وَأَعْلَمَنَا أَنَّ الْكَذِبَ عَلَيْهِ لَيْسَ كَالْكَذِبِ عَلَى غَيْرِهِ، فَوَجَبَ بِذَلِكَ النَّظَرُ فِي أَحْوَالِ الْمُحَدِّثِينَ، وَالتَّفْتِيشُ عَنْ أُمُورِ النَّاقِلِينَ، احْتِيَاطًا لِلدِّينِ، وَحِفْظًا لِلشَّرِيعَةِ مِنْ تَلْبِيسِ الْمَلْحِدِينَ.»
- لا شكَّ في أنَّ التأسيس الأوَّلي لعِلْم الحديث وقواعد التَّثبُّت مُستفاد من الشَّرع نفسه، ومن كلام المصطفى ﷺ، إضافة إلى التوجيه الرباني في سورة الحجرات: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن جَآءَكُمۡ فَاسِقُۢ بِنَبَإٖ فَتَبَيَّنُوٓاْ أَن تُصِيبُواْ قَوۡمَۢا بِجَهَٰلَةٖ فَتُصۡبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلۡتُمۡ نَٰدِمِينَ﴾ [الحجرات: 6]
- النبي ﷺ كان يُشجِّع بعض أصحابه الذين اعتنوا بأحاديثه.
- لما رأيت من حرصك على الحديث.
صحيح البُخاري (99)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (لَقَدْ ظَنَنْتُ – يَا أَبَا هُرَيْرَةَ – أَنْ لَا يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ، لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ، أَوْ نَفْسِهِ.)
سُنن الترمذي (2848)، قال رسول الله ﷺ: «نَضَّرَ اللهُ امْرَأً سَمعَ مِنَّا شيئًا، فَبلّغَهُ كما سَمعَ، فَرُبَّ مُبلَّغٍ أوْعَى من سامعٍ.»
صحيح البخاري (87): حدَّث رسول الله ﷺ وفد عبد القيس بحديث، ثمَّ قال لهم: «احْفَظُوهُ وَأَخْبِرُوهُ مَنْ وَرَاءَكُمْ.»
مُسند أحمد (6510)، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: كُنْتُ أَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ أَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، أُرِيدُ حِفْظَهُ، فَنَهَتْنِي قُرَيْشٌ، فَقَالُوا: إِنَّكَ تَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ تَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ بَشَرٌ، يَتَكَلَّمُ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا. فَأَمْسَكْتُ عَنِ الْكِتَابِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: اكْتُبْ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا خَرَجَ مِنِّي إِلَّا حَقٌّ.
صحيح البخاري (113) قال أبو هريرة: مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلَا أَكْتُبُ.
«صحيح البخاري» (105): «عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، ذُكِرَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: (فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ – قَالَ مُحَمَّدٌ وَأَحْسِبُهُ قَالَ – وَأَعْرَاضَكُمْ، عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، أَلَا لِيُبَلِّغ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الْغَائِبَ)»
«سنن الترمذي» (2855): عن المِقْدامِ بن مَعْدي كَربَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: “ألا هل عسى رجلٌ يَبْلُغهُ الحديثُ عَنِّي وهو مُتَّكئٌ على أرِيكتِه، فيقولُ: بيننا وبينَكُم كتابُ اللهِ، فما وجدنا فيهِ حلالًا استَحْللناهُ. وما وجدنا فيهِ حرامًا حَرَّمْناهُ، وإنَّ ما حَرَّم رسولُ اللهِ كما حَرَّم اللهُ”
«صحيح البخاري» (4604): «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود قَالَ: (لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُوتَشِمَاتِ، وَالْمُتَنَمِّصَاتِ وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ، الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ). فَبَلَغَ ذَلِكَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي أَسَدٍ يُقَالُ لَهَا أُمُّ يَعْقُوبَ، فَجَاءَتْ فَقَالَتْ: إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكَ لَعَنْتَ كَيْتَ وَكَيْتَ، فَقَالَ: وَمَا لِي لَا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَمَنْ هُوَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَقَالَتْ: لَقَدْ قَرَأْتُ مَا بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ، فَمَا وَجَدْتُ فِيهِ مَا تَقُولُ، قَالَ: لَئِنْ كُنْتِ قَرَأْتِيهِ لَقَدْ وَجَدْتِيهِ، أَمَا قَرَأْتِ: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}. قَالَتْ: بَلَى، قَالَ: فَإِنَّهُ قَدْ نَهَى عَنْهُ.»
سُنن ابن ماجه (13)، سُنن أبي داود (4605)، سُنن الترمذي (2854)، قال رَسُولَ اللهِ ﷺ: «لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ، يَأْتِيهِ الْأَمْرُ مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ، فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللهِ اتَّبَعْنَاهُ.»
صحيح البخاري (87): حدَّث رسول الله ﷺ وفد عبد القيس بحديث، ثمَّ قال لهم: «احْفَظُوهُ وَأَخْبِرُوهُ مَنْ وَرَاءَكُمْ.»
أولاً: عناية الصَّحابة بسُنَّة النبي ﷺ في حياته وبعد موته
- إنَّ كثيراً من روايات الصَّحابة مُتلقَّاة بواسطة صحابة آخرين عن النبي ﷺ، مِمَّا يدُلُّ على عنايتهم بسماع الحديث فيما بينهم.
- روايات ابن عباس رضي الله عنهما الكثيرة عن النبي ﷺ، مع أنَّه لم يسمع منه إلَّا أحاديث قليلة، فقد تُوفِّي رسول الله ﷺ وهو شابٌّ صغير.
- كما أنَّه قد تواتر عن أصحاب رسول الله ﷺ أنَّهم لم يقتصروا في فتاواهم وأقضيتهم على ما في القرآن، بل ضمُّوا إليه السُّنَّة كمصدر تشريعي، كما في القصة المشهورة التي نقلها جم غفير في شأن أبي بكر الصديق رضي الله عنه مع فاطمة الزهراء رضي الله عنها.
صحيح البخاري (2926)، «عَنْ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ رضي الله عنها، أَنَّ فَاطِمَةَ عليها السلام، ابْنَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: سَأَلَتْ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَنْ يَقْسِمَ لَهَا مِيرَاثَهَا، مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ). فَغَضِبَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَهَجَرَتْ أَبَا بَكْرٍ، فَلَمْ تَزَلْ مُهَاجِرَتَهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ، وَعَاشَتْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، قَالَتْ: وَكَانَتْ فَاطِمَةُ تَسْأَلُ أَبَا بَكْرٍ نَصِيبَهَا مِمَّا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ خَيْبَرَ وَفَدَكٍ، وَصَدَقَتَهُ بِالْمَدِينَةِ، فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ عَلَيْهَا ذَلِكَ وَقَالَ: لَسْتُ تَارِكًا شَيْئًا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْمَلُ بِهِ إِلَّا عَمِلْتُ بِهِ، فَإِنِّي أَخْشَى إِنْ تَرَكْتُ شَيْئًا مِنْ أَمْرِهِ أَنْ أَزِيغَ»
- الحُكم الوارد في الحديث ليس مذكوراً في القرآن الكريم، ولكنَّ أبو بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه تمسَّك بالحُكم، بالرَّغم من أنَّه كان في حرج من ردّ طلب فاطمة.
- عمر بن الخطاب رضي الله عنه توقَّف في أخذ الجزية من المجوس، حتى شهد عنده عبد الرحمن بن عوف أنَّ النبي ﷺ أخذها، فعمل بذلك.
صحيح البخاري (2987): «وَلَمْ يَكُنْ عُمَرُ أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ الْمَجُوسِ، حَتَّى شَهِدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ»
- وهذا حكمٌ عامٌّ يتعلَّق بالدَّولة الإسلامية، بناه عمر على حديث سمعه من شخصٍ واحدٍ، وهو عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، واشتهرت هذه الحادثة ونقلها المُحدِّثون وأصحاب السِّير والمغازي.
صحيح مسلم (140): عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: لَا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمُ الْمَسَاجِدَ إِذَا اسْتَأْذَنَّكُمْ إِلَيْهَا، فَقَالَ بِلَالُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: وَاللهِ لَنَمْنَعُهُنَّ! فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللهِ فَسَبَّهُ سَبًّا سَيِّئًا مَا سَمِعْتُهُ سَبَّهُ مِثْلَهُ قَطُّ، وَقَالَ: أُخْبِرُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَتَقُولُ: وَاللهِ لَنَمْنَعُهُنَّ!
صحيح البخاري (6441): «عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ عُمَرُ: لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَطُولَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ، حَتَّى يَقُولَ قَائِلٌ: لَا نَجِدُ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ، أَلَا وَإِنَّ الرَّجْمَ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى وَقَدْ أَحْصَنَ، إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ، أَوْ كَانَ الحمل أَوِ الِاعْتِرَافُ، أَلَا وَقَدْ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ»
ثانياً: عناية التَّابعين بسُنَّة النبي ﷺ
- قال التَّابعي الفقيه: عُروة بن الزُّبير رحمه الله تعالى:
«تهذيب التهذيب» (9/ 63): «لقد رأيتُني قبل موت عائشة بأربع حِجَج أو خمس حِجَج، وأنا أقول: لو ماتتْ اليوم ما ندمتُ على حديثٍ عندها إلا وقد وَعيتُه.»
- هُناك دوائر من التَّابعين المُتيقِّظين، مُحيطة بالصَّحابة المُكثرين من الرِّواية، ثمَّ دوائر من تابعي التَّابعين مُحيطة بدوائر التَّابعين، وهكذا إلى مرحلة التَّدوين الشامل في مُصنَّفات السُّنَّة.
- إذا اختلف الرُّواة عن الصَّحابي الواحد، أو عن التَّابعي الواحد، في رواية خبر ما، فإنَّ المُحدِّثين يُقدِّمون رواية أصحاب الدَّائرة الأولى على مَن بعدهم، ويتفاوت إخراج أصحاب كُتُب السُّنَّة لأصحاب هذه الدَّوائر بحسب شرط صاحب الكتاب.
- مثال ذلك: قال ابن رجب رحمه الله تعالى، في كتابه “شرح علل التِّرمذي“:
- أصحاب الزهري خمس طبقات:
- الطَّبقة الأولى: جمعت الحفظ والإتقان، وطول الصُّحبة للزُّهري، والعِلْم بحديثه، والضَّبط له.
- الطَّبقة الثانية: أهل حفظ وإتقان، لكن لم تطل صحبتهم للزهري، وإنما صحبوه مُدَّة يسيرة، ولم يمارسوا حديثه، وهم في إتقانه دون الطَّبقة الأولى.
- الطَّبقة الثَّالثة: لازموا الزُّهري، وصحبوه، ورووا عنه، ولكن تُكُلِّم في حفظهم.
- الطَّبقة الرَّابعة: قوم رووا عن الزُّهري، من غير مُلازمة، ولا طول صُحبة، ومع ذلك تُكُلِّم فيهم.
- الطَّبقة الخامسة: قوم مِن المتروكين والمجهولين … خرَّج ابن ماجه لبعضهم، ومن هُنا نزلت درجة كتابه عن بقية الكُتُب، ولم يعدَّه من الكُتُب المعتبرة سوى طائفة من المُتأخِّرين.)
- الإمام المُحدِّث النَّسائي يقول: «اختلف سالم ونافع في ثلاثة أحاديث، وسالم أجلّ مِن نافع (يعني: قدراً وعلماً)، وأحاديث نافع الثَّلاثة أولى بالصَّواب.» فانظر كيف حدَّد قدر الاختلاف بينهما بِدِقَّة، ثمَّ رجَّح قول نافع، ولم يمنعه كونهما غاية في الحفظ والضَّبط من أن يتنبه لهذا النَّقد الدَّقيق.
ثالثاً: كتابة الحديث في زَمَن التَّابعين
- الدكتور محمد مصطفى الأعظمي، في كتابه: (دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه)، الذي نال به درجة الدكتوراة من جامعة كامبريدج بامتياز، تتبَّع أسماء الذين كتبوا الحديث من الصَّحابة والتَّابعين وتابعيهم.
- طبقة القرن الأوَّل من التَّابعين: 53 كتبوا الحديث، أو كتب عنهم.
- طبقة تابعي القرن الثاني: 99 تابعي ممن كتبوا، أو كتب عنهم.
صحيح البخاري (34)، بَاب: كَيْفَ يُقْبَضُ الْعِلْمُ. «وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ: انْظُرْ مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاكْتُبْهُ، فَإِنِّي خِفْتُ دُرُوسَ الْعِلْمِ وَذَهَابَ الْعُلَمَاءِ، وَلَا تَقْبَلْ إِلَّا حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ، وَلْتُفْشُوا الْعِلْمَ، وَلْتَجْلِسُوا حَتَّى يُعَلَّمَ مَنْ لَا يَعْلَمُ، فَإِنَّ الْعِلْمَ لَا يَهْلِكُ حَتَّى يَكُونَ سِرًّا.»
مُقدمة صحيح مسلم، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: «إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ.»
رابعاً: العناية بالسُّنَّة في وقت أتباع التَّابعين
«شرح علل الترمذي، ابن رجب الحنبلي» (1/ 341): «والذي كان يكتب في زمن الصحابة والتابعين، لم يكن تصنيفاً مُرتَّباً مُبوَّباً، وإنَّما كان يُكتب للحفظ والمُراجعة فقط، ثمَّ إنَّه في زمن تابعي التَّابعين صُنِّفت التَّصانيف، وجمع طائفة من أهل العِلْم كلام النبي ﷺ، وبعضهم جمع كلام الصَّحابة.»
- مُوطَّأ الإمام مالك: مرتب على الكتب والأبواب، وفيه كلام النبي ﷺ، وكلام بعض الصحابة، وكلام مؤلفه.
- ابن جريج: صنف في السنن والطهارة والصلاة وتوفي عام 150هـ.
- محمد بن إسحاق: صنف في المغازي، وقد توفي عام 151هـ.
- معمر بن راشد الأزدي: صنف الجامع وتوفي عام 153هـ.
- ابن أبي عروبة: صنف السنن والتفسير وتوفي عام 157هـ.
خامساً: العصر الذَّهبي للسُّنَّة تصنيفاً ونقداً
- اجتمع في هذه المرحلة عدد كبير من أفذاذ عُلماء الحديث، بحيث لم يجتمع في عصر قبله ولا بعده مثل هذا العدد لعلماء مُتمكِّنين من الحديث والأسانيد والعلل والرِّجال.
- اجتمع فيه الأئمة: يحيى القطَّان، وعبد الرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وأبو حاتم الرازي، وأبو زرعة الرازي، وجماعة كبيرة من المحدثين.
- جمع البُخاري الأحاديث التي يجمعها رابط الصِّحة العُليا. وهو إنَّما ابتدع جمع الصَّحيح من الحديث وإفراده في كتاب مُستقِلّ.
- في النِّهاية: الطَّعن في السُّنَّة بدعوى عَدَم تدوينها ينقصه إدراك واقع الرِّواية وطبيعة نقلها، وحيثيات ذلك، فالتَّدوين موجود مُنذ الزَّمن الأول، والتَّوثيق الذي قام به المُحدِّثون لنقل السُّنَّة كان غاية في التَّثبُّت والتَّحوُّط، بل هو أثبت من كثير مما هو موجود في تراث الأمم من المخطوطات والصُّحُف القديمة التي يجهل كثيرٌ من كُتَّابها ومؤلِّفيها.
الأصل الخامس: إسقاط مكانة عِلْم الحديث
- الدكتور أسد جبرائيل رستم، وهو لبناني نصراني كان يدرس بالجامعة الأمريكية ببيروت، اطَّلع عن كَثَب على تُراث المُحدِّثين وكُتُبهم في مُصطلح الحديث، فأدهش لذلك. قال في كتابه: (مُصطلح التَّاريخ):
- (أوَّل مَن نظَّم نقد الرِّوايات التاريخية، ووضع القواعد لذلك: عُلماء الدِّين الإسلامي؛ فإنَّهم اضطروا اضطراراً إلى الاعتناء بأقوال النَّبي، وأفعاله؛ لفهم القرآن وتوزيع العدل. فقالوا: إن هو إلَّا وحيٌ يوحى، ما تلي منه فهو القرآن، ومالم يُتلَ منه فهو السُّنَّة؛ فانبروا لجمع الأحاديث ودرسها وتدقيقها، فأتحفوا علم الحديث بقواعد لا تزال في أسسها وجوهرها مُحترمة في الأوساط العلمية حتى يومنا هذا.)
- (أكببتُ على مُطالعة كُتُب المُصطلح وجمعت أكثرها، وكنتُ كُلَّما ازددتُ اطلاعاً عليها ازداد وَلَعي بها وإعجابي بواضعيها.)
- (وما إن بدأت بالعمل حتى أيقنت أنِّي أمام أعظم مجموعة لكُتُب الحديث النَّبوي في العالم، ففي خزائن هذه المكتبة (الظاهرية بسوريا) عدد لا يُستهان به من أُمَّهات المخطوطات في هذا العلم، وقسم منها يحمل خُطُوط أعاظم رجال الحديث؛ ومن أهمّ ما وجدتُ فيها: نُسخة قديمة من رسالة القاضي عياض (ت٥٤٤ه) في علم المُصطلح، كتبها ابن أخيه سنة (٥٩٥ه) … وقد سَمَا القاضي عياض إلى أعلى درجات العلم والتَّدقيق في عصره.)
- (والواقع أنَّه ليس بإمكان أكابر رجال التَّاريخ في أوروبا وأمريكا أن يكتبوا أحسن منها في بعض نواحيها، وذلك على الرَّغم من مُرُور سبعة قرون عليها؛ فإنَّ ما جاء فيها من مظاهر الدِّقة في التَّفكير والاستنتاج، تحت عنوان «تحرِّي الرِّواية والمجيء باللَّفظ» يُضاهي ما ورد في الموضوع نفسه في أهم كُتُب الفرنجة في ألمانيا وفرنسا وأمريكا وبلاد الإنجليز.)
- (ولو أنَّ مؤرِّخي أوروبا في العُصُور الحديثة اطلعوا على مُصنَّفات الأئمة المُحدَّثين، لما تأخَّروا في تأسيس علم المثودولوجيا حتى أواخر القرن الماضي.)
- في المُقابل نجد بعض جَهَلَة المُسلمين مِن مُدَّعي التَّجديد والتَّنوير، يُشكِّكون في قيمة هذا العلم، بل يرون أنَّه عِلْمٌ زائفٌ.
- علم المثودولوجيا، يُشير إلى دراسة المناهج التي يستخدمها المؤرِّخون في البحث والتَّحقيق التَّاريخي. ويُعد هذا العلم جزءًا من فلسفة التاريخ، حيث يهتم بفهم وتحليل كيفية تجميع وتفسير المعلومات التاريخية.
- أسد رستم، يُعرّف المثودولوجيا على أنَّها العلم الذي يدرس “القواعد والمبادئ التي تُوجّه المؤرخين في عملهم، بهدف تحقيق الموضوعية والدقة في كتابة التاريخ”.
- أحكام مُنكري السُّنَّة على عِلْم الحديث، ليست صادرة عن عِلْم ومعرفة به، ولذلك جاءت اعتراضاتهم عليه منقوصة، مُشوَّهة، مُضطربة.
- يجب على المُتخصِّصين في عِلْم الحديث أن يهتمُّوا بإبراز جوانب العظمة في هذا العلم.
- علم الحديث لم ينشأ في بيئة مُنعزلة عن واقع الرِّواية، فهو وإن كان قد تأسَّست أُصُوله مع نُزُول الوحي، وذلك بالتَّأكيد على التَّثبُّت في الأنباء، وتغليظ الكذب على رسول الله ﷺ، إلَّا أنَّ تطوُّره وتشعُّبه جاء مُواكباً للتَّحدِّيات المُحيطة بواقع الرِّواية.
- لأجل ذلك كلِّه؛ طوَّر العُلماء والمُحدِّثون الأدوات الضَّامنة لمعرفة ما صَحَّ مِن الرِّواية، مِمَّا لَمْ يَصِحّ، وتفرَّغ أُناسٌ مِن الجهابذة لهذه المُهمَّة العظيمة، وتوفَّرت لديهم الآلة المُناسبة، مع دِقَّة الفَهْم والنَّظر، وبذل أقصى الجُهد في الرِّحلة والدِّراسة والمُقارنة.
تميُّز المُحدِّثين في منهجهم النَّقدي
- اشتراط المُحدِّثين سلامة أسانيد الرِّوايات في الظَّاهر، من جِهَة اتِّصالها وعدالة رواتها وضبطهم.
- عناية المُحدِّثين باستخراج العِلَل الخَفِيَّة، وعَدَم الاكتفاء بشُرُوط الصِّحَّة الظَّاهرة.
- تحديث المعلومات عن الرُّواة برصد الإشكالات الطَّارئة، وعَدَم الاكتفاء بالحُكم المُسبق.
- نقدهم للمُتُون، ولو صحَّت أسانيدها في الظَّاهر.
سلامة الأسانيد من جهة الاتصال والعدالة والضبط
- يشترط المُحدِّثون لقبول الرِّوايات والأخبار شُرُوط تعود إلى ظواهر الأسانيد وأخرى إلى بواطنها.
- فأمَّا الشروط التي تعود إلى الظَّاهر فهي للتَّصفية الأوَّلِيَّة، ثمَّ ينخلون بعد ذلك المُصفَّى مِن الرِّوايات بالبحث عن عِلَلِها الباطنة، فيستبعدون كثير من الأخبار التي صَحَّت ظواهر أسانيدها بعد نخل باطنها والتَّدقيق فيها، ويبقون ما ظهر صفاؤه بعد التَّنقية الظاهرة والباطنة.
- هذه المنهجية الصَّارمة لا تجدها في أي ميدان تاريخي للأمم.
- الشُّرُوط الظَّاهرة التي يشترطها المُحدِّثون لِصِحَّة الرِّوايات الحديثية ثلاثة:
- عدالة الرُّواة النَّاقلين للخبر.
- ضبطهم لما ينقلون ويروون.
- اتصال أسانيد أخبارهم بألَّا يكون فيها انقطاع ظاهر ولا باطن.
الشَّرط الأوَّل: عدالة الرُّواة
- العدالة هي نزاهة الرَّاوي في باب الصِّدق، وسلامته الدِّينية من الفِسْق. لأنَّ الذي يتجرَّأ على الحرام ويتهاون في ارتكابه، قد يتجرَّأ ويكذب على رسول الله ﷺ. بل إنَّهم يدرجون في ذلك مَن كان مجهول الحال من الرُّواة مِمَّن لا يعرف حاله.
- إنَّ شرط العدالة ليس إلَّا بوَّابة شُرُوط تصحيح الحديث، وليس كافياً عند المُحدِّثين كون الرَّاوي صالحاً صلاحاً حقيقياً في الباطن والظَّاهر حتى يحكموا على حديثه بالصِّحة.
- وذلك لأنَّهم اختبروا أحاديثهم التي رووها فوجدوا أنَّ شرط الضَّبط والإتقان غير مُتحقِّق فيهم، فأسقطوا الاحتجاج بأحاديثهم، مع حفظهم لمقامهم في الصَّلاح والعبادة والفضل.
الشَّرط الثَّاني: الضَّبط والإتقان
- قد يكون الراوي عدلاً صالحاً، ولكنَّه لا يضبط الأخبار، فيخشى من خطئه وغلطه.
- كيف يعرف النُّقَّاد ضبط الرَّاوي وإتقانه؟ عن طريق اختبار الأحاديث والمُتُون التي رواها وحدَّث بها الرَّاوي، وهذه الطَّريقة هي العُمدة في الجَرْح والتَّعديل. ورُبَّما حكموا على الرَّاوي بالكذب وهم لا يعرفون شخصه، وإنَّما بناءً على ما روى.
- أحمد بن إبراهيم الحلبي، وهو راوٍ قد روى أحاديث مُنكرة المتن منها: أنَّ النبي ﷺ كان يُناغي القمر وهو صغير، فيشير له إلى اليمين فيذهب يميناً.
- فهذا الراوي، قد حكم عليه أحد أئمَّة الحديث الكبار، وهو أبو حاتم الرَّازي بالكذب مع تصريحه بأنَّه لا يعرفه، وإنَّما حكمه عليه من خلال حديثه فقط، فقد جاء في كتاب (الجرح والتعديل) لعبد الرحمن بن أبي حاتم، أنَّ أبا حاتم قال عنه: لا أعرفه، وأحاديثه باطلة موضوعة كلَّها ليس لها أُصُول، يدل حديثه على أنه كذَّاب.
- وسأل المروذي الإمام أحمد عن راوٍ اسمه: جابر الجعفي: يتهم في حديثه بالكذب؟ قال أحمد: «من طعن فيه فإنَّما يطعن بما يخاف من الكذب». قال المروذي: الكذب؟! فقال الإمام أحمد: «إي والله وذلك في حديثه بيِّن».
- وقال ابن معين – إمام الجرح والتَّعديل – عن روح بن عبادة: «ليس به بأس صدوق، حديثه يدل على صدقه».
- ومن أهم وسائل اختبار أحاديث الرَّاوي عند نُقَّاد المُحدِّثين: معارضتها ومقارنتها بأحاديث الثِّقات.
قال ابن الصَّلاح في كتابه (عُلُوم الحديث) «يُعرف كون الرَّاوي ضابط بأنَّ نعتبر -أي: نعرض ونختبر- روايته بروايات الثِّقات المعروفين بالضَّبط والإتقان، فإن وجدنا رواياته موافقة -ولو من حيث المعنى- لرواياتهم، أو مُوافقة لها في الأغلب، والمُخالفة نادرة، عرفنا حينئذ كونه ضابط ثبت، وإن وجدناه كثير المُخالفة لهم عرفنا اختلال ضبطه ولم نحتجّ بحديثه.»
- قال يحيى بن معين: «قال لي إسماعيل بن عُلَيَّة يوماً: كيف حديثي؟ قلت: أنت مُستقيم الحديث. قال: فقال لي: وكيف علمتم ذاك؟ قلت له: عارضنا بها أحاديث الناس، فرأيناها مُستقيمة. قال: فقال: الحمد لله.» والمعنى أنهم أجروا عملية اختبار ومُقارنة لمروياته وأحاديثه بمرويات باقي المُحدِّثين الثِّقات.
- كذلك هناك طريقة: سؤال الرَّاوي واختباره مُباشرةً.
- اختبار حمَّاد بن سلمة لشيخه ثابت البناني، حيث قال: كنتُ أظنُّ أنَّ ثابتاً البناني لا يحفظ الأسانيد، فحمَّاد كان يخلط له الأسانيد مُتعمِّداً؛ لأنَّه يريد أن يعرف هل يُميِّز ثابتٌ بين ما روى عن أنس، وما روى عن عبد الرحمن بن أبي ليلى؟ فإذا لم يُميِّز، علم أنَّ حفظه ليس بذاك، وإذا تنبَّه، علم بهذا الامتحان أنَّه مُتقنٌ يَقِظٌ.
أُمُور يُراعيها المُحدِّثون أثناء التَّحقُّق من شرطي العدالة والضَّبط
- الأمر الأوَّل: البُعد عن المُحاباة
- جاء في «تهذيب التَّهذيب» لابن حجر رحمه الله، في ترجمة أبان أبي عياش: ما أراني يسعني السُّكُوت عنه.
- بل إنَّ مِن الأئمة مَن تكلَّم في ضعف ضبط أبيه أو ولده للرِّواية، كل ذلك حفظاً لجناب السُّنَّة النَّبوِيَّة.
- الأمر الثاني: قبول أحاديث المُخالفين في الاعتقاد؛ تقديماً لمصلحة السُّنَّة والرِّواية
- واجه المُحدِّثون في زمن الرِّواية إشكال انتشار الفِرَق التي تُخالف طريقة الصَّحابة والتَّابعين في أبواب الاعتقاد، كالقدرية والخوارج والشيعة والنَّواصب، وكان كثيراً من المُنتمين لهذه الفرق يطلبون الحديث ويحضرون مجالسه ويجتهدون في تحصيله.
- طائفة من نُقَّاد الحديث قدَّموا مصلحة الرِّواية والسُّنَّة، حيث عُرِفَ بعض هؤلاء المُبتدعة بجودة الحفظ، وكثرة ما عندهم من الرِّوايات الصَّحيحة.
- اشترط النُّقَّاد لقبول رواية هؤلاء أن يكونوا معروفين بالصِّدق والسَّلامة الدينية؛ بحيث لا يُعرف عنهم الفسق في العمل والسُّلُوك، كما أن بدعتهم لا تصل بهم إلى حدِّ الكُفر بالله.
- واشترط كثير منهم مع ذلك ألَّا يكونوا من رؤوس المُبتدعة الدَّاعين إلى بدعتهم، وعلى هذا الرَّأي استقرَّ عمل أكثر المُحدِّثين.
- وهذا يُبطل قول من يطعن في المُحدِّثين بدعوى المُؤثِّرات المذهبية.
الشَّرط الثَّالث: اتِّصال الإسناد
- بعد تأكُّد المُحدِّثين من سلامة رُواة الخبر من جِهَة استقامة السُّلُوك، ومن جهة الحفظ والضَّبط، فإنَّهم ينظرون إلى كيفية رواية كلّ واحد منهم للخبر وأدائه له، هل روى الخبر عن شيخه بصيغة تُفيد عَدَم الانقطاع بينهما، مثل: (سمعت، وحدَّثني، وأخبرني)، أم رواه بصيغة تدُلّ على عَدَم الاتِّصال كـ (نُبِّئت عن فلان، وبلغني أنَّ فلاناً قال)، أم رواه بصيغة غير صريحة في الاتِّصال ولا في الانقطاع كـ (عن، وقال)؟
- الانقطاع في الرِّواية قد يكون ظاهراً، كأن يروي راوٍ عن شيخ توفي قبل مولده، أو أن تكون صيغة الأداء صريحة في الانقطاع ك (بلغني عن فلان) ومعرفة هذا النَّوع من الانقطاع لا عناء فيها. وقد يكون الانقطاع في الرواية خفيًّا.
- الرَّاوي المُدلِّس حين يروي الرِّواية التي لم يسمعها، فإنَّه يجتنب الألفاظ الصَّريحة في السَّماع، نحو «سمعتُ، وحدَّثني» ويستبدلها بالألفاظ المُحتملة لأنَّه لا يريد أن يكذب، ويُعَدّ هذا التَّدليس نوع من الانقطاع الخفي، وقد ذمَّه طائفة من كبار المُحدِّثين كشعبة ابن الحجاج
عناية المُحدِّثين باستخراج العِلَل الخَفِيَّة
«الفروسية المحمدية – ابن القيم» (ص245، 246): «وَقد علم أَن صِحَة الْإِسْنَاد شَرط من شُرُوط صِحَة الحَدِيث وَلَيْسَت مُوجبَة لصِحَّته فَإِنَّ الحَدِيث إِنَّمَا يَصح بِمَجْمُوع أُمُور، مِنْهَا صِحَة سَنَده، وَانْتِفَاء عِلَّته، وَعدم شذوذه ونكارته، وَأَن لَا يكون راويه قد خَالف الثِّقَات أَو شَذَّ عَنْهُم»
- الخُطوة المُهمَّة التي ينتقل إليها المُحدِّثون بعد التَّأكُّد من سلامة الإسناد في
- ظاهره هي: جمع سائر أسانيد الحديث وطرقه، ثمَّ المُقارنة بينها، والنَّظر في مَدَى الاتِّفاق والاختلاف بين الرُّواة، ثمَّ ترجيح رواية الأثبت والأوثق حال الاختلاف.
- قال الإمام علي بن المديني: «إنَّ الحديث إذا لم تُجمع طُرُقَه، لم يتبيَّن خطؤه»
- وقال الخطيب البغدادي: «السَّبيل إلى معرفة عِلَّة الحديث أن يُجمع بين طُرُقه، ويُنظر في اختلاف رواته، ويُعتبر بمكانهم من الحفظ ومنزلتهم في الإتقان والضَّبط.»
- ولأهل الحديث البارعين، نظر دقيق في استخراج عِلَل الأسانيد، شبَّهوه بنظر الصيرفي الحاذق في اكتشاف زيف الذَّهب.
الاختلاف بين الثِّقات
- إنَّ مِن أدَقّ وأغمض أبواب عِلْم عِلَل الحديث: التَّعامُل مع الأحاديث التي اختلف الثِّقات في رواياتها، وهو باب يُظهِر بِحَقٍّ، عُلُوّ كعب أئمَّة المُحدِّثين، ويُبرِز قيمة هذا العِلْم.
- يقول ابن رجب – وهو أحد أئمَّة المُحقِّقين في عِلْم الحديث: (اعلم أنَّ معرفة صِحَّة الحديث وسقمه تحصل من وجهين: أحدهما: معرفة رجاله وثقتهم وضعفهم، ومعرفة هذا هيِّن؛ لأنَّ الثِّقات والضُّعفاء قد دُوِّنوا في كثيرٍ من التَّصانيف. والوجه الثاني: معرفة مراتب الثِّقات وترجيح بعضهم على بعض عند الاختلاف، إمَّا في الإسناد، وإما في الوصل والإرسال، وإمَّا في الوقف والرَّفع ونحو ذلك، وهذا هو الذي يحصل من معرفته وإتقانه وكثرة مُمارسته الوُقُوف على دقائق عِلَل الحديث.)
- قال ابن رجب رحمه الله تعالى: «أصحاب الزُّهرِيّ (أي: تلاميذه)، خمس طبقات، وهُم خلقٌ كثيرٌ يطول عددهم، واختلفوا في أثبتهم وأوثقهم.)
- فهذا النَّصُّ الذي تتِمّ المُقارنة فيه بين اثنين من كبار حُفَّاظ الحديث على الإطلاق، وهما: الإمام مالك، وسُفيان بن عُيَينة، تجد أن ترجيح أحدهما على الآخر يكتنفه رصدٌ دقيقٌ لعدد الأخطاء التي وقع فيها كلّ واحد منهما، ممَّا يؤدِّي إلى تقديم الأقلّ خطأً على الأكثر، وإن كان كلاهما في دائرة قليلي الخطأ من جِهَة العُمُوم.
تحديث المعلومات عن الرُّواة
- إذا حَكَمَ المُحدِّثون على راوٍ بأنَّه ثِقَة، فهل يعني ذلك أنَّه سيظَلّ ثِقَة طول عمره؟ الجواب: لا، فإنَّ الرُّواة قد تعتريهم حالات عارضة تُؤثِّر في قدراتهم الذِّهنية، وقد يختلف مُستوى أدائهم للحديث بحسب ظُرُوف الحياة وما فيها من مصائب وكوارث، وبحسب تقدُّمهم في السِّن، كما أن بعض الرُّواة إنَّما يكون إتقانه وضبطه إذا كانت معه صحفه التي دوَّن فيها الأحاديث التي سمعها، فإذا سافر دون أن يحملها معه فحدَّث من حفظه، فإنَّ مُستوى أدائه ينزل عن درجته حال استقراره.
- وكثيراً ما يُعبِّر المُحدِّثون عن التَّغيُّر الطَّارئ على ذهن الرَّاوي بلفظ: الاختلاط، ولهم دِقَّة في تمييز المُختلطين ودرجات الاختلاط، وتمييز مَن روى عنه قبل اختلاطه وبعده.
- يُقال إنَّ عطاء بن السائب كان في آخر عمره قد ساء حفظه، وذَكَرَ عن علي بن المديني عن يحيى بن سعيد قال: من سمع من عطاء بن السائب قديم، فسماعه صحيح، وسماع شعبة وسفيان من عطاء بن السائب صحيح، إلَّا حديثين عن عطاء بن السائب عن زاذان قال شعبة: سمعتهما منه بأَخَرَةٍ.
- ومن الأمور الدقيقة في الأحوال العارضة: أنَّ المُحدِّثين رصدوا تغيُّر جودة رواية الراوي في بعض البلدان دون بعض؛ فقد جاء في كتاب «شرح علل الترمذي» لابن رجب رحمه الله مُتحدِّثاً عن طائفة من الرُّواة فقال: (النوع الثاني: من ضعف حديثه في بعض الأماكن دون بعض.)
نقد المُتُون، ولو صحَّت الأسانيد في الظاهر
- يُردِّد بعض المُعاصرين شُبهة أثارها المُستشرقون في أنَّ المُحدِّثين لم تكن لهم عِناية بنقد المُتُون، وهذا الكلام لا يُمكن أن يصدر عن عارفٍ بطريقة المُحدِّثين إلا إن غلبته الخصومة، ونزعه الهوى، فإنَّ نقد مُتُون الأحاديث من أهم طُرُق الحُكم على الرَّاوي بالصِّدق أو الكذب، وبالضَّبط أو الضَّعف.
- شيخ الإسلام ابن القيم، له كتاب في قضية نقد المتن، هو: «المنار المُنيف في الصَّحيح والضَّعيف»، ومما جاء فيه قوله: (وسألتَ: هل يُمكن معرفة الحديث الموضوع – أي: المكذوب – بضابط، من غير أن يُنظر في سنده؟ فهذا سؤالٌ عظيمُ القَدْرِ، وإنَّما يعلم ذلك من تضلَّع من معرفة السُّنَن الصَّحيحة واختلطت بلحمه ودمه، وصار له فيها ملكة، وصار له اختصاص شديد بمعرفة السُّنَن والآثار، ومعرفة سيرة رسول الله ﷺ وهديه فيما يأمر به وينهى عنه، ويخبر عنه، ويدعو إليه ويحبه ويكرهه، ويشرعه للأُمَّة بحيث كأنَّه مخالط للرسول ﷺ، كواحد من أصحابه. فمثل هذا يعرف من أحوال الرسول ﷺ وهديه وكلامه وما يجوز أن يخبر به وما لا يجوز مالا يعرفه غيره، وهذا شأن كل مُتِّبع من متبوعه، فإن للأخص به الحريص على تتبع أقواله وأفعاله من العلم بها، والتمييز بين ما يصح أن ينسب إليه، وما لا يصح، ما ليس لمن لا يكون كذلك، وهذا شأن المقلدين مع أئمتهم، يعرفون أقوالهم ونصوصهم ومذاهبهم، والله أعلم.)
- ثم ذكر أمثلة على الأحاديث الباطلة المكذوبة، ثمَّ قال: (والأحاديث الموضوعة عليها ظُلمة وركاكة ومجازفات باردة تنادي على وضعها واختلاقها على رسول الله ﷺ، مثل حديث: من صلى الضحى كذا وكذا ركعة أعطي ثواب سبعين نبي، وكأنَّ هذا الكذَّاب الخبيث لم يعلم أنَّ غير النبي، لو صلى عمر نوح عليه السلام، لم يُعطَ ثواب نبي واحد.)
- (ونحن نُنبِّه على أُمُور كُلِّيَّة يُعرَف بها كون الحديث موضوعاً) … (ومنها: تكذيب الحِسّ له كحديث: «الباذنجان لما أكل له»، و «الباذنجان شفاء لكل داء» قبَّح الله واضعهما، فإن هذا لو قاله يوحنس أمهر الأطباء لسخر الناس منه … إلخ) … (ومنها: سماجة الحديث وكونه مِمَّا يُسخر منه) … (ومنها: مُناقضة الحديث لما جاءت به السُّنَّة الصَّريحة مُناقضة بيِّنة) … (فمن الباب: أحاديث مدح من اسمه محمد أو أحمد، وأنَّ كلّ مَن يُسمَّى بهذه الأسماء لا يدخل النَّار، وهذا مُناقضٌ لما هو معلوم من دينه ﷺ أنَّ النار لا يجار منها بالأسماء والألقاب، وإنَّما النَّجاة منها بالإيمان والأعمال الصَّالحة.)
الأصل السَّادس: توهُّم مُعارضة الأحاديث الصَّحيحة لما هو أرجح منه
- من بين آلاف الأحاديث الصَّحيحة التي لم يتعرَّض لها المُشكِّكون في السُّنَّة بالإنكار أو الاعتراض، نجد أنَّ نسبة النُّصُوص التي أثاروا شُبُهات حولها لا تكاد تتجاوز 2% من مجموعها، ولكنَّهم يجعلون هذه النِّسبة الضَّئيلة جِدًّا سبباً في إسقاط ما بقي من الأحاديث الصَّحيحة.
- من الإشكاليات التي يقع فيها المُشكِّكون:
- عَدَم تحقيق شُرُوط إثبات المُعارضة.
- انعدام المنهجية العلمية المُنضبطة في التَّعامل مع النُّصُوص المُشكلة.
- عَدَم الاجتهاد في فهم طريقة الأصوليين والمُحدِّثين التي يتعاملون بها مع النُّصُوص المشكلة.
- الدَّافِع لتعجُّل هؤلاء في رَدِّ الأحاديث الصَّحيحة حال توهُّم التَّعارض راجع إلى تنكُّرهم لقيمة السُّنَّة، وانعدام مكانتها في نُفُوسهم، فوُجُود التَّعظيم للنَّصّ القُرآني في نُفُوسهم يقودهم إلى التَّأنِّي في النَّظر، وعَدَم الاستعجال في الرَّدّ.
الأخطاء المنهجية التي يقع فيها منكرو الأحاديث الصَّحيحة
- إقامة دعوى التَّعارض على أحاديث غير ثابتة.
- لا يصِحّ الحُكم على حديث بأنَّه يُعارض القرآن أو العقل أو الحِسّ، مالم يكن ثابتاً من جهة إسناده، ومن باب أولى فإنَّه لا يصِحّ الطَّعن في عُمُوم السُّنَّة بدعوى تضمُّنها أحاديث تُعارض ما سبق ذكره، ثمَّ لا تكون تِلْك الأحاديث ثابتة.
- سبب الاختلاف في التصحيح: منهجية المُحدِّثين في النَّقد كانت في أول أمرها مُحكمة مُتقنة صافية المورد، ثمَّ تأثَّر كثير من مُتأخِّري المُحدِّثين ببعض روافد العُلُوم الأخرى التي لا تتواءم مع طبيعة علم الحديث، إضافة إلى توفُّر عوامل كثيرة مُساعدة للمحدِّثين المُتقدِّمين لم تعد مُتوفِّرة بتمامها في الزَّمن المُتأخِّر، ولا يعني هذا غلق باب الاجتهاد في التَّصحيح والتَّضعيف، بل التَّنبيه إلى أهمية الرُّجُوع إلى تُراث المُحدِّثين الأوائل، وخاصَّة في حال الاختلاف.
- مُعارضة الأحاديث بما هو دونها من حيث الثُّبُوت أو الدَّلالة. ثمَّ يتبيَّن عند التَّحقيق أنَّما عورضت به لم يكن أمراً قطعياً من جهة ثُبُوته، أو من جهة دلالته.
خاتمة
- إنَّ ظُهُور مُنكري السُّنَّة والمُشكِّكين فيها، إنَّما يزيدنا يقيناً بمكانتها؛ لأنَّ مِمَّا جاءت به السُّنَّة: الإخبار عن ظُهُورهم، والكشف عن حالهم.
الحمد لله رب العالمين

جزاكم الله كل خير استاذنا الفاضل