القائمة إغلاق

خُلاصة كتاب: خُلاصة تاريخ التَّشريع الإسلامي، تأليف: عبد الوهاب خلَّاف

بسم الله الرحمن الرحيم

خُلاصة كتاب: خُلاصة تاريخ التَّشريع الإسلامي

تأليف: عبد الوهاب خلَّاف

تحميل الخُلاصة: [DOC] [PDF]

تمهيد في بيان المُراد من التشريع

التَّشريع في الاصطلاح الشرعي والقانوني: هو سَنّ القوانين التي تعرف منها الأحكام لأعمال المُكلَّفين، وما يحدث لهم من الأقضية والحوادث.

إن كان مصدر هذا التشريع هو الله سبحانه وتعالى بواسطة رسله وكتبه؛ فهو التشريع الإلهي، وإن كان مصدره الناس سواء أكانوا أفراداً أم جماعات؛ فهو التَّشريع الوضعي.

مرجع هام: الفكر السَّامي في تاريخ الفقه الإسلامي، ج2، محمد الحسن الحجوي الثعالبي.

العهود التَّشريعية الإسلامية أربعة أقسام:

  • الأول: عهد الرسول ﷺ، وهو عهد الإنشاء والتَّكوين، ومُدّته 12 سنة وأشهر، من بعثته سنة ٦١٠م إلى وفاته سنة ٦٣٢م.
  • الثاني: عهد الصَّحابة، وهو التَّفسير والتَّكميل، ومُدّته 90 سنة بالتَّقريب، من وفاة الرسول ﷺ سنة ١ ١ هجرية، إلى أواخر القرن الهجري الأوَّل.
  • الثالث: عهد التَّدوين والأئمَّة المُجتهدين، وعهد النُّمُوّ والنُّضج التَّشريعي، ومُدّته ٢٥٠ سنة من سنة ١٠٠ إلى سنة ٣٥٠ هجرية.
  • الرابع: عهد التَّقليد، وهو عهد الجُمُود والوُقُوف، وقد ابتدأ من أواسط القرن الهجري الرابع، ولا يعلم نهايته إلَّا الله.

عهد الرسول ﷺ

لم تزد عن ٢٢ سنة وبضعة أشهر، خلَّف نُصُوص الأحكام في القرآن والسُّنَّة، وخلَّف عِدَّة أُصُول تشريعية كُلِّيَّة، وخلَّف أُسُس التَّشريع الكامل.

الفترة الأولى: مُدّة وُجُود الرسول ﷺ بمَكَّة.

أكثر آيات القرآن في هذه الفترة خاصَّة بالعقيدة والخُلُق والعِبَر من سِيَر الماضين.

الفترة الثانية: مُدّة وُجُود الرسول ﷺ بالمدينة.

في هذه الفترة عَزَّ الإسلام، وكثر عدد المُسلمين، وتكوَّنت منهم أُمَّة وصارت لهم شؤون دولة، ودعت الحاجة إلى التَّشريع وسَنّ القوانين لتنظيم علاقة أفراد الأُمَّة النَّاشئة بعضهم ببعض، وتنظيم علاقاتهم بغيرهم في حالتيّ السِّلم والحرب، ولهذا شُرِّعت بالمدينة أحكام الزَّواج والطَّلاق، والإرث، والمُداينة، والحُدُود، وغيرها. والسُّور المَدَنِيَّة في القرآن اشتملت على آيات الأحكام مع ما اشتملت عليه من آيات العقائد والأخلاق والقصص.

كانت السُّلطة التَّشريعية في هذا العهد لرسول الله ﷺ وحده، فإذا عرضت الحادثة أو شجر الخلاف أو خطر السُّؤال أو الاستفتاء رجعوا إلى الرسول ﷺ، وكل ما صدر عنه عن هذه الأحكام هو تشريع للمُسلمين، وقانون واجب عليهم أن يتَّبعوه، سواء أكانت من وحي الله أم من اجتهاده نفسه.

كان للتَّشريع في عهد الرسول ﷺ مصدران: الوحي الإلهي، واجتهاد الرسول ﷺ نفسه.

وكل ما صدر عن اجتهاده كان قانوناً واجباً اتِّباعه مع قانون الوحي الإلهي.

والأحكام الاجتهادية التي لم يُلهم الله بها الرسول ﷺ، بل صدرت عنه بحثه ونظره هي أحكام نبوية بمعانيها وعباراتها. وهذه لا يُقرُّه اللهُ عليها إلَّا إذا كانت صواباً، وأمَّا إذا لم يُوفَّق الرسول ﷺ فيها إلى الصواب، أرشده الله عزَّ وجلَّ إلى الصَّواب عن طريق وحي القرآن الكريم.

ومثال ذلك: حادث افتداء أسرى بدر، فإنَّ المُسلمين في غزوة بدر وقع في أيديهم سبعون أسيراً من المُشركين، ولم يكن قد شُرِع حُكم الأسرى، فاجتهد الرسول ﷺ فيما يفعل بهم واستشار بعضاً من أصحابه، وقد أدَّى اجتهاد الرسول ﷺ إلى قبول الفداء، فبيَّن اللهُ له الصَّواب بقوله سُبحانه: ﴿‌مَا ‌كَانَ ‌لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُۥٓ أَسۡرَىٰ حَتَّىٰ يُثۡخِنَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنۡيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلۡأٓخِرَةَۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ﴾ [الأنفال: 67]

ومثاله أيضاً: حادث إذن الرسول ﷺ لمن اعتذروا وتخلَّفوا عن غزوة تبوك، فإنَّ الله سُبحانه بيَّن له الصَّواب بقوله: ﴿‌عَفَا ‌ٱللَّهُ ‌عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمۡ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعۡلَمَ ٱلۡكَٰذِبِينَ﴾ [التوبة: 43]

فمن هذا يُستنتج أنَّ التَّشريع في عهد الرسول ﷺ كان إلهيًّا كلّه، لأنَّ مصدره إمَّا وحي الله في القرآن، وإمَّا اجتهاد الرسول ﷺ الذي هو تعبير عن إلهام إلهي، وإمَّا اجتهاد الرسول ﷺ ببحثه ونظره، ولكنَّه ملحوظ برعاية الله له، فإن جاء صواباً أقرَّه اللهُ عليه، وإن جاء غير صواب ردّ اللهُ رسوله إلى الصَّواب فيه.

إذا طرأت حاجة إلى تشريع، كان الرسول ﷺ ينتظر وحي الله بآية أو آيات فيها حكمة، فإن لم يُوحَ إليه، عَلِمَ أنَّ الله وكَّل التَّشريع في هذه الواقعة إلى اجتهاده، فاجتهد مُهتديًا في اجتهاده بالقانون الإلهي، وروح التَّشريع، وتقديره المصلحة، ومشورة أصحابه.

المبادئ العامَّة التي بُنِي عليها التَّشريع الإسلامي

الأوَّل: التَّدرُّج في التَّشريع.

الحكمة في هذا التَّدرُّج الزَّمني أنَّه يُيسِّر معرفة القانون بالتَّدرُّج مادة فمادة، ويُيسِّر فهم أحكامه على أكمل وجه بالوُقُوف على الحادثة والظُّرُوف التي اقتضت تشريعها.

الثَّاني: التَّقليل من التَّقنين، فمن المبادئ المُقرَّرة في الشَّريعة الإسلامية أنَّ الأصل في الأشياء الإباحة، وعلى هذا لا حرج من تقليل التَّقنين.

الثَّالث: التَّيسير والتَّخفيف.

الرَّابع: مُسايرة التَّشريع مصالح النَّاس.

ما خلَّفه هذا العهد من آثار تشريعية

المصدر التَّشريعي الأول، وهو الوحي الإلهي، صدرت عنه آيات الأحكام في القرآن، والمصدر التَّشريعي الثاني، وهو اجتهاد الرسول ﷺ، صدرت عنه أحاديث الأحكام، ومجموعة نُصُوص هذه الآيات والأحاديث هي ما خلَّفه هذا العهد من آثار تشريعية، وهي القانون الأساسي للمُسلمين، وهي أساس التَّشريع ومرجع كلّ مُجتهد إسلامي في أيّ عصر من العُصُور.

مقدار النُّصُوص في هذه المجموعة

عدد آيات الأحكام المُتعلِّقة بالعبادات وما يلحق بها من الجهاد نحو ١٤٠ آية.

عدد الآيات المُتعلِّقة بالمُعاملات والأحوال الشخصية والجنايات والقضاء والشهادة نحو 200 آية.

عدد أحاديث الأحكام في أنواعها المُختلفة نحو ٤٥٠٠ حديث، كما ذكره ابن القيم في «إعلام المُوقِّعين» وأكثرها تبيين لما أُجمِل من أحكام القُرآن أو تقرير وتوكيد، وباقيها تشريع، سكت عنها القرآن.

وأمَّا أحاديث الأحكام فقد جمعها رُواة الأحاديث حسب أبواب الفقه، فأحاديث البيع مجموعة في باب البيع، وأحاديث الرهن والشركة والحدود وغيرها كذلك.

ومن اليسير أن تجمع في كل فرع قانوني آيات الأحكام الخاصَّة به، وأُمَّهات أحاديث الأحكام الخاصَّة به، وبعض آثار الصحابة والتَّابعين التي فيها تفسير لنصّ من هذه النُّصُوص، وتكون هذه المجموعة هي الأحكام الأساسية التي وردت في القرآن والسنة خاصة بهذا الفرع من القوانين.

أسلوب النُّصُوص في هذه المجموعة

وسبب آخر لتنوع هذه الأساليب أنَّ القرآن لم يُقصد منه بيان ما تضمَّنه من عقائد وأخلاق وتشريع فحسب، وإنَّما قصد منه مع هذا: إعجاز النَّاس عن أن يأتوا بمثله ليكون برهاناً على صدق الرسول ﷺ، ومن وُجُوه الإعجاز تنوُّع أساليب البيان.

بعض النُّصُوص تتَّبِع بيان الحُكم ببيان عِلَّته وحِكمة تشريعه، وبعضها تُقرِّر الحُكم مُجرَّداً عن بيان عِلَّته، والحكمة في هذا أنَّ الشارع ببيانه عِلَّة التَّشيع وحكمته في بعض الأحكام يلفت العُقُول إلى أنَّ الأحكام التَّشريعية ليست تعبُّدِيَّة، وإنَّما هي مُعلَّلة بمصالح النَّاس، ويفتح باب الاجتهاد في تشريع كلّ ما يُحقِّق مصلحة أو يدفع مفسدة.

أنواع الأحكام ثلاثة أقسام

  • القسم الأوَّل: أحكام اعتقادية.
  • القسم الثَّاني: أحكام خُلُقِيَّة.
  • القسم الثَّالث: أحكام عَمَلِيَّة.

النّوع الأوَّل: فهو أساس الدِّين، لأنَّ تكوين العقيدة وتقويم الخُلُق هُما الأساس الذي يبنى عليهما كلّ تشريع وتقنين.

أمَّا النّوع الثَّالث: وهو الأحكام العَمَلِيَّة، فهذا هو الفِقْه، وهو المُراد من الأحكام عند الإطلاق.

  • العبادات بأنواعها نحو ١٤٠ آية.
  • الأحوال الشخصية من زواج وطلاق وإرث ووصية وحجر وغيرهم نحو سبعين آية.
  • المجموعة المدنية من بيع وإجارة ورهن وشركة وتجارة ومداينة وغيرها نحو سبعين آية.
  • المجموعة الجنائية من عُقُوبات وتحقيق جنايات نحو ثلاثين آية.
  • القضاء والشهادة وما يتعلق بها نحو عشرين آية.
  • في كلِّ بابٍ من هذه الأبواب كثير من الأحاديث.

وبهذا خلَّف عهد الرسول ﷺ تشريعاً كاملاً وافياً بحاجة المُسلمين في كل بيئة.

عهد الصَّحابة

ابتدأ بوفاة رسول الله ﷺ، وانتهى في أواخر القرن الأوَّل الهجري. السُّلطة التَّشريعية فيه تولَّاها رؤوس أصحاب الرسول ﷺ، مثل: أنس بن مالك.

هذا العهد هو عهد التَّفسير التَّشريعي، وفتح أبواب الاستنباط.

رأى العُلماء من الصَّحابة والرُّؤوس فيهم أنَّ عليهم واجباً تشريعياً لا بُدَّ أن يقوموا به، وهذا الواجب هو أن يُبيِّنوا للمُسلمين ما يحتاج إلى التَّبيين والتَّفسير من نُصُوص الأحكام في القرآن والسُّنَّة، وأن ينشروا بين المُسلمين ما حفظوا من آيات القرآن وأحاديث الرسول ﷺ.

الصَّحابة لم يكتسبوا هذا الحقّ التَّشريعي من تعيين الخليفة أو انتخاب الأُمَّة، وإنَّما كسبوه بمُميِّزاتهم الشَّخصية التي امتازوا بها، فقد طالت صُحبتهم للرسول ﷺ وحفظوا عنه القرآن والسُّنَّة، وشاهدوا أسباب نُزُول الآيات ووُرُود السُّنَن، وكثير منهم كانوا مُستشاري الرسول ﷺ في اجتهاده.

من أشهر المُفتين من الصَّحابة:

بالمدينة: الخُلفاء الأربعة الرَّاشدون، وزيد بن ثابت، وأُبَيّ بن كعب، وعبد الله بن عمر، وعائشة.

وبمكَّة: عبد الله بن عبَّاس.

وبالكوفة: علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود.

وبالبصرة: أنس بن مالك، وأبو موسى الأشعري.

وبالشَّام: معاذ بن جبل، وعُبادة بن الصَّامت.

وبمصر: عبد الله بن عمرو بن العاص.

وعدد من عُرفوا من الصَّحابة بالإفتاء: حوالي 130 ما بين رجل وامرأة.

المُفتون في أوَّل هذا العهد أكثريتهم العظمى بالمدينة، وبعد أن امتدَّت الفُتُوح الإسلامية تفرَّقوا بالأمصار، ولهذا كان التَّشريع في أوَّل هذا العهد باجتهاد الجماعة.

مصادر التَّشريع في هذا العهد: القرآن، والسُّنَّة، واجتهاد الصَّحابة.

القياس: هو حمل معلوم على معلوم، في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما بأمرٍ جامعٍ بينهما، من إثبات حكم أو صفة أو نفيهما.

رسول الله ﷺ لمَّا بعث معاذ بن جبل إلى اليمن:

  • أقضي بكتاب الله.
  • أقضي بسُنَّة رسول الله ﷺ.
  • أجتهد رأيي.

ما طرأ على مصادر التَّشريع

تدوين القرآن ونشره على المُسلمين كافَّة. وذلك أنَّ رسول الله ﷺ في حياته اتَّخذ كُتَّاباً لتدوين ما يوحى إليه من القرآن، فكان إذا أوحي إليه بآية أو آيات من القرآن، قرأها على المُسلمين فيكتبها من حضر من كُتَّاب وحيه، ويحفظها منهم عدد كثير، وقد توفي الرسول ﷺ وكل آيات القرآن مُدوَّنة، ولكن لم تُكوَّن من هذه المُدوَّنات مجموعة واحدة.

فأشاروا على أبي بكر أن يجمع كلّ ما دُوِّن فيه من القرآن ويُضَم بعضه إلى بعض، فعهد أبو بكر بهذا إلى زيد بن ثابت من أشهر كُتَّاب الوحي، ومن أحفظ الصَّحابة للقرآن.

وأتمّ جمع ما دُوِّن، وضَمَّ بعضه إلى بعض مُرتَّباً مضبوطاً على ملأ من المُهاجرين والأنصار، وبقيت هذه المجموعة عند أبي بكر، ثمَّ خلفه في حفظها عمر، ثمَّ خلفته في حفظها أم المؤمنين حفصة بنت عمر.

أخذ الخليفة عثمان بن عفَّان هذه المجموعة من أمّ المؤمنين حفصة، وعهد إلى زيد بن ثابت وبعض الصَّحابة أن يكتبوا منها عِدَّة نُسَخ لتُنشر في أمصار المُسلمين. فكتبوا سِتّ نُسَخ، احتفظ الخليفة عثمان لنفسه بواحدة، ووزَّع الباقيات بالمدينة ومكَّة والكوفة والبصرة ودمشق، وصارت مرجع المُسلمين يحفظون منها. والأثر التَّشريعي الخالد لهذا التَّدوين أنَّ آيات الأحكام في القرآن بهذا التَّدوين تواتر نقلها كتابة ومشافهة.

أمَّ المصدر التِّشريعي الثاني، وهو السُّنَّة، فإنَّ الخليفة الثاني عمر بن الخطاب فكَّر في تدوينها، لكنَّه بعد التَّروي والتَّشاور، خشي أنَّ تدوينها يؤدِّي إلى أن تلتبس السُّنَّة بالقُرآن.

عبد الله بن عمرو بن العاص، كانت له صحيفة اسمها (الصَّادقة)، دوَّن فيها الأحاديث التي سمعها من رسول الله ﷺ بنفسه.

الصَّحابة اتَّخذوا بعض احتياطات رأوا فيها ما يكفل الوُثُوق من رواية الأحاديث، وتحرِّي الرُّواة في نقلها، فقد كان أبو بكر لا يقبل الحديث من راوٍ إلَّا إذا أيَّده شاهد.

كان لعَدَم تدوين السُّنَّة من فجر الإسلام أثران:

بذل جُهُود في بحث رُواة الأحاديث ودرجات الثِّقة بينهم، وانقسمت الأحاديث باعتبار رُواتها إلى أحاديث قطعية الوُرُود وأحاديث ظَنِّيَّة الوُرُود، والظَّنِّيَّة إلى (صحيح وحسن وضعيف)، ووُضِعَ فنّ رواية الحديث.

عَدَم التَّدوين منع من جمع المُسلمين على مجموعة واحدة من السُّنَّة.

كان تقدير الصَّحابة لفتاويهم أنَّها آراء فردية، إن تكن صواباً فمن الله، وإن تكن خطأ فمن أنفسهم، وكانوا يقيسون ما لا نصَّ فيه على ما فيه نصّ.

في خلافة أبي بكر وأوَّل خلافة عمر، كانت هُناك جمعية تشريعية مُكوَّنة من رؤوس الصَّحابة، وما يصدر عنهم من الأحكام يُعتبر حكم جماعتهم.

روى الإمام البغوي في كتابه: (مصابيح السُّنَّة): كان أبو بكر إذا ورد عليه الخصوم، نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضي بينهم قضى به، وإن لم يجد في الكتاب وعلم من رسول الله في ذلك الأمر سُنَّة قضى بها، فإن أعياه خرج فسأل لمسلمين وقال: هل علمتم أنَّ رسول الله قضى في ذلك بقضاء؟ فرُبَّما اجتمع عليه النَّفر، كلهم يذكر عن رسول الله ﷺ فيه قضاء، فيقول أبو بكر: الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ عن نبينا. فإن أعياه أن يجد فيه سُنَّة عن رسول الله ﷺ، جمع رؤوس الناس وخيارهم، فإن أجمع رأيهم على أمر قضى به.

وكان عمر يفعل ذلك: هل كان فيه لأبي بكر قضاء، وإلَّا دَعَا رؤوس المُسلمين، فإذا اجتمعوا على شيء قضى به. وبهذا الاجتماع كان الاختلاف في الآراء نادراً. وأكثر الأحكام التي يُقال فيها: إنَّها أجمع عليها الصَّحابة شُرعت في هذه الفترة من هذا العهد.

من النَّتائج الحتمية لتفرُّق رؤوس الصَّحابة في مُختلف الأمصار أن يقع اختلاف بينهم في أحكام كثيرة من الوقائع لعدة أسباب:

أولها: أنَّ أكثر نُصُوص الأحكام في القرآن والسُّنَّة ليست قطعية الدَّلالة على المُراد منها، بل هي ظَنِّيَّة الدَّلالة، بسبب أنَّ في النَّصّ لفظاً مُشتركاً لُغةً بين معنيين أو أكثر. أو أنَّ فيه لفظاً عامًّا يحتمل التَّخصيص. أو لفظاً مُطلقاً يحتمل التَّقييد.

ثانيها: أنَّ السُّنَّة لَم تكُن مُدوَّنة، ولم تجتمع الكلمة على مجموعة منها وتُنشر بين المُسلمين لتكون مرجعاً لهم على السَّواء، وكثيراً ما كان يرجع بعض المُفتين منهم عن فتواه إذا عَلِمَ مِن الآخر سُنَّة لم يكن يعلمها.

ثالثها: أنَّ البيئات التي يعيشون بها مُختلفة والمصالح والحاجات التي يُشرِّعون لها مُتفاوتة.

كانت خطة الصَّحابة في المبادئ التَّشريعية العامَّة التي راعوها في تشريعهم هي الخطة الإسلامية؛ وهي الاقتصار على تشريع ما تدعو إليه الحاجة فقط، ومُسايرة المصالح، وعَدَم سبق الحوادث بالتَّشريع، ورعاية التَّيسير والتَّخفيف.

ما خلَّفه هذا العهد من الآثار التَّشريعية

الأوَّل: شرح قانوني لِنُصُوص الأحكام في القُرآن والسُّنَّة. وكانوا في تقدير آرائهم يستندون إلى ملكتهم اللِّسانية، وملكتهم التَّشريعية، وما وقفوا عليه من حُكم التَّشريع وأسباب نُزُول القرآن، ووُرُود السُّنَّة.

الثَّاني: عِدَّة فتاوى اجتهادية صدرت من الصَّحابة في وقائع لا نصّ على حكمها؛ وقد عُنِي بعض رجال الحديث في أول العهد بتدوين السُّنَّة بأن يُدوِّنوا فتاوى الصَّحابة في مُختلف أبواب الحكم مع السُّنَّة.

بعد أن قتل عثمان بن عفان وبُويع بالخلافة علي بن أبي طالب ونازعه عليها معاوية بن أبي سفيان، نتج عن هذا انقسام المُسلمين إلى أحزاب ثلاثة: الخوارج، والشِّيعة، وأهل السُّنَّة والجماعة، وهم جمهور الأُمَّة.

الخوارج: جماعة من المُسلمين نقموا من عثمان سياسته في خلافته، ونقموا من معاوية تولِّيه الخلافة بالقُوَّة، ونقموا من علي قبول التَّحكيم، وسلكوا في تأييد مبدئهم، والانتقام من خُصُومهم كل وسائل العنف والشِّدة في حربهم، وفي تأييد عقيدتهم.

والخوارج كانوا لا يأخذون بالأحكام التي وردت في أحاديث رواها عثمان أو علي أو معاوية أو رواها صحابي مِمَّن ناصروا واحداً منهم، وبهذا كان لهم فقه خاص.

الشِّيعة: جماعة من المُسلمين أحبُّوا علي بن أبي طالب وذُرِّيَّته وأفرطوا في المحبَّة، ورأوا أنَّه هو وذُرِّيَّته أحقّ بالخلافة.

والشِّيعة رَدُّوا أحاديث كثيرة رواها عن الرسول ﷺ جمهور الصَّحابة، وبهذا كان لهم أيضاً فقه خاصّ.

أمَّا جمهور المُسلمين: وهم أهل السُّنَّة والجماعة، رأوا أنَّ الخليفة يُنتخب من أكفّاء قريش إن وُجد، ويؤولون ما كان بينهم من خُصُومات بأنَّها كانت اجتهادية في أُمُور سياسية لا ترتبط بكفر ولا إيمان.

وجمهور المُسلمين كانوا يحتجُّون بكُلِّ حديثٍ صحيحٍ رواه الثِّقات العُدُول بلا تفريق بين صحابي وصحابي.

بعض رؤوس التَّشريع من الصَّحابة:

  • زيد بن ثابت (من رؤوس التَّشريع بالمدينة).
  • عبد الله بن عباس (رأس التشريع بمكة).
  • عبد الله بن مسعود (رأس التشريع بالعراق).
  • عبد الله بن عمرو بن العاص (رأس التشريع بمصر).

زيد بن ثابت

هو سعيد زيد بن ثابت الضَّحاك النَّجَّاري الأنصاري. شهد غزوة الخندق وما بعدها من المشاهد، وأعطاه الرسول ﷺ راية بني النَّجَّار يوم تبوك، كان من أحفظ الصَّحابة للقرآن، وكان يكتب لرسول الله ﷺ الوحي والرَّسائل، فتعلَّم السُّريانية في سبعة عشر يوماً، وتعلَّم العبرانية في خمسة عشر يوماً، وكان يكتب لأبي بكر وعمر في خلافتهما، ووُلِّي بيت المال لعثمان، وهو الذي جمع القرآن، وقال عنه أبو بكر وعمر: إنَّك شابٌّ ثِقة لا نَتَّهِمك.

كان زيد رأساً بالمدينة في القضاء والفتوى والقراءة والفرائض، قال عنه رسول الله ﷺ: أفرضُكم زيد. وقال الشعبي: غلب زيد النَّاس على اثنتين: الفرائض، والقرآن. وقال عنه عبد الله بن عبَّاس: زيد بن ثابت من الرَّاسخين في العِلْم. ما كان عمر ولا عثمان يُقدِّمان على زيد بن ثابت أحداً في القضاء والفرائض والفتوى. رُوِي له عن رسول الله ﷺ اثنان وتسعون حديثاً.

عبد الله بن عباس

هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي ابن عم رسول ﷺ، كان يُقال له: الحبر والبحر لكثرة علمه. وُلِد قبل الهجرة بثلاث سنين حين كان بنو هاشم بالشعب. دعا له رسول الله ﷺ وقال: اللهم فقِّهه في الدِّين وعلِّمه التَّأويل، وقد انتهت إليه الرِّياسة في الفتوى والتَّفسير، وكان أكثر الصَّحابة إفتاءً على الإطلاق.

هو أحد العبادلة الأربعة، وأحد السِّتَّة المُكثرين لرواية الحديث، فقد رُوِي له ألف وستمائة وستون حديثاً، اتَّفق الشيخان منها على خمسة وتسعين، وانفرد البخاري منها بمائة وعشرين، ومسلم بتسعة وأربعين، وجُلّ مروياته عن كبار الصَّحابة. كان يقول: وجدتُ عامَّة حديث رسول الله ﷺ عند لأنصار.

العبادلة الأربعة هم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، عبد الله بن الزُّبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص.

قال عنه عبد الله بن مسعود: ترجمان القرآن ابن عباس. وكان ابن عمر يقول: ابن عباس أعلم أُمَّة محمد بما نزل على محمد. وعلى ابن عباس يدور علم أهل مكَّة في التَّفسير والفقه.

عبد الله بن مسعود

هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسعود بن غافل الهذلي، ويُقال عنه: ابن أم عبد. قال: لقد رأيتني سادس سِتَّة ما على ظهر الأرض مُسلم غيرنا.

هاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة، وشهد بدراً وأحداً والمشاهد كلِّها، وهو الذي أجهز على أبي جهل يوم بدر، وشهد له رسول الله ﷺ بالجنة.

في البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري قال: قدمت أنا وأخي من اليمن فمكثنا حيناً لا نرى ابن مسعود وأمّه إلَّا من أهل بيت رسول الله ﷺ، وقال حذيفة: لا نعلم أحداً أقرب سمتاً ودلاً وهدياً برسول الله من ابن أم عبد. وقال عقبة بن عامر: ما أدري أحداً أعلم بما نزل على محمد من عبد الله.

صح عنه أنَّه قال: أخذت من في رسول الله ﷺ سبعين سورة، ورُوِي له ثمانمائة وثمانية وأربعون حديثاً، اتفق البخاري ومسلم منها على أربع وستين، وانفرد البخاري بواحد وعشرين، ومسلم بخمسة وستين.

قَدِم ابن مسعود في آخر عمره من الكوفة إلى المدينة، ومات بها سنة ٣٢ه.

عبد الله بن عمرو بن العاص

أسلم عبد الله قبل أبيه عمرو، وكان أصغر منه باثنتي عشرة سنة، وكان عالماً بالقرآن وبالكُتُب السَّماوية السَّابقة، وقد امتاز بأنَّه ما كان يكتفي بحفظ ما سمعه من رسول الله ﷺ، بل كان يكتبه. وقد استأذن رسول الله ﷺ في الكتابة.

قال أبو هريرة: ما كان أحداً أحفظ لحديث رسول الله مني، إلَّا عبد الله بن عمرو بن العاص، فإنَّه كان يكتب ولا أكتب.

وقال مُجاهد: أتيت عبد الله بن عمرو فتناولت صحيفة تحت مفروشه فمنعني، قلت: ما كنت تمنعني شيئاً، قال: هذه الصَّادقة، ما سمعت عن رسول الله ﷺ ليس بيني وبينه أحد.

وقد شهد مع أبيه فتح مصر، واختط بها وروى عنه أهلها أكثر من مائة حديث، وكان مرجعهم في شؤونهم التَّشريعية يفتيهم ويُعلِّمهم.

عهد التدوين والأئمة المجتهدين

هذا العهد ابتدأ في أول القرن الثاني الهجري، وانتهى في أواسط القرن الرابع الهجري. فهو بالتقريب ٢٥٠ سنة. وسُمِّي عهد التَّدوين والأئمَّة المُجتهدين لأنَّ حركة الكتابة والتَّدوين نشطت فيه، فدُوِّنت السُّنَّة، وفتاوى المُفتين من الصَّحابة والتَّابعين وتابعيهم، وموسوعات في تفسير القرآن وفقه الأئمَّة المُجتهدين، ورسائل في عِلْم أصول الفقه، وهذا هو العهد الذَّهبي للتَّشريع الإسلامي.

القرآن مُدوَّن ومنشور بين خاصَّة المُسلمين وعامَّتهم، والسُّنَّة مُدوَّن أكثرها من بدء القرن الثاني الهجري، وكذلك فتاوى الصَّحابة والتابعين.

إنَّ المُسلمين في ذلك العهد كانوا شديدي الحرص على أن تكون جميع أعمالهم من عبادات ومُعاملات وعقود وتصرُّفات على وفق أحكام الشريعة الإسلامية. فلهذا كانوا في كُلِّيَّاتهم وجُزئيَّاتهم يرجعون إلى أولي العِلْم والفِقْه يستفتونهم عن الحكم الشرعي.

العقول الرَّاجحة كالبذر الصَّالح، إذا وجد التُّربة الطَّيِّبة والجوّ المُلائم نَمَا وأتى ثمرته، ولا خير في صلاح البذر إذا خبثت التُّربة وفسد الجوّ، كما أنَّه لا خير في طيِّب التُّربة، وحُسن الجوّ، إذا فسد البذر.

في أواخر القرن الأوَّل لازم الصَّحابة الذين تصدُّوا للإفتاء والتَّشريع في مُختلف الأمصار جماعة من التَّابعين أخذوا عنهم القرآن، ورووا عنهم السُّنَّة، وحفظوا فتاويهم، وفهموا منهم أسرار التَّشريع، وطُرُق الاستمداد للأحكام، مثل: سعيد بن المسيب بالمدينة، وعلقمة بن قيس، وسعيد بن جبير بالكوفة، حتى أنه روى أنَّ عبد الله بن عباس كان إذا حجَّ أهل الكوفة واستفتوه، قال لهم: أليس فيكم سعيد بن جبير؟

وقد لازم هؤلاء التَّابعين في حياتهم جماعة من تابعي التَّابعين تلقُّوا عنهم ما تلقُّوه عن الصَّحابة؛ من القرآن والسُّنَّة، وأخذوا عنهم ما علموه من الفقه وأسرار التَّشريع.

ولازم تابعي التَّابعين، جماعة من طبقة الأئمَّة الأربعة المُجتهدين، ومُعاصريهم من رجال التَّشريع، فلما انقرض رجال التَّشريع من الصَّحابة، خلفهم في تولِّي سُلطة التَّشريع تلاميذهم من التَّابعين، وخلف هؤلاء تلاميذهم من تابعي التَّابعين، وخلف هؤلاء تلاميذهم من الأئمَّة الأربعة المُجتهدين وأقرانهم، فكان رجال التَّشريع في كلّ مصر من أمصار المُسلمين طبقات، وكل طبقة يُعَدّ رجالها تلاميذ لسلفهم وأساتذة لخلفهم.

في المدينة أشهر أساتذة التَّشريع من الصَّحابة:

عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت.

وأشهر تلاميذ هؤلاء: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وسائر فقهاء المدينة السَّبعة، وهم: القاسم بن محمد، وخارجة بن زيد، وأبا بكر بن عبد الرحمن بن حارث بن هشام، وسليمان بن يسار، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود.

وأشهر تلاميذ هؤلاء: محمد بن شهاب الزهري، ويحيى ابن سعيد.

وأشهر من خلف هؤلاء: مالك بن أنس وأقرانه.

في مكة، أشهر أساتذة التَّشريع من الصَّحابة:

عبد الله ابن عباس.

وأشهر تلاميذه: عكرمة ومجاهد وعطاء.

وأشهر تلاميذهم: سفيان بن عيينة، ومفتي الحجاز مسلم بن خالد.

وأشهر من خلف هؤلاء: الشَّافعي في حياته الأولى.

في الكوفة، أشهر أساتذة التَّشريع من الصحابة:

عبد الله ابن مسعود.

وأشهر تلاميذه: علقمة بن قيس، والقاضي شريح.

وأشهر تلاميذهما: إبراهيم النخعي.

وأشهر تلاميذه: حماد بن أبي سليمان، أستاذ أبي حنيفة وأصحابه.

في مصر أشهر أساتذة التشريع من الصحابة:

عبد الله بن عمرو بن العاص.

وأشهر تلاميذه: مفتي مصر: يزيد بن حبيب.

وأشهر تلاميذه: الليث بن سعد وأقرانه من بني عبد الحكم.

وأشهر من خلف هؤلاء: الشافعي في حياته الأخيرة.

لم يكتسب رجال التَّشريع من كلِّ طبقة من هذه الطَّبقات سُلطة التَّشريع من تعيين الخليفة أو انتخاب الأُمَّة، وإنَّما وثق المُسلمون بهم كما وثقوا بأساتذتهم من الصَّحابة، واطمأنوا إلى عدالتهم وضبطهم وعلمهم وفقههم فرجعوا إليهم يسألهم الولاة والقضاة في الأقضية والخُصُومات.

كانت مصادر التَّشريع في هذا العهد أربعة:

القرآن، والسُّنَّة، والإجماع، والاجتهاد بالقياس، أو بأي طريق من طُرُق الاستنباط.

كان المفتي إذا وجد نصًّا في القرآن أو السُّنَّة يدُلّ على حُكم ما أستفتي فيه، وقف عند النَّصّ ولا يتعدَّى حكمه، وإذا لم يجد في الواقعة نصًّا ووجد سلفه من المُجتهدين أجمعوا في هذه الواقعة على حُكم وقف عنده وأفتى به، وإذا لم يجد نصًّا على حكم الواقعة، ولا إجماعاً على حكم فيها اجتهد واستنبط الحُكم بالطُّرُق لتي أرشد إليها الشَّارع للاستنباط.

القُرَّاء السَّبعة هم:

  1. عبد الله بن كثير الداري المكي (ت 120ه)
  2. عبد الله بن عامر اليحصبي الشامي (ت 118ه)
  3. عاصم بن أبي النَّجود الأسدي الكوفي (ت 127ه).
  4. أبو عمرو بن العلاء البصري (ت 154ه).
  5. حمزة بن حبيب الزيات الكوفي (ت 156ه).
  6. نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم المدني (ت 169ه).
  7. أبو الحسن علي بن حمزة الكسائي النحوي الكوفي (ت 189ه).

المصحف الذي دُوِّن في عهد عثمان ابن عفان، ومنه نُسخت عِدَّة مصاحف ووُزِّعت في الأمصار كان مكتوباً بالخط الكوفي بلا نقط ولا شكل، وكان الاعتماد في قراءته على التَّلقِّي من الحفظة.

وبهذا التَّنافس في حفظ القرآن والتَّزايد في حفظته، وهذا الإصلاح والتَّهذيب في رسمه، وشكله ونقطه، وتمييز كلّ حرف بما يُعين على النُّطق به صحيحاً، تمَّت للمصدر التَّشريعي الأوَّل وسائل التَّكميل والضَّبط والتَّيسير.

الخليفة عمر بن عبد العزيز كتب في عهد خلافته إلى والي المدينة أبي بكر محمد بن عمر بن حزم: انظر ما كان من حديث رسول الله فاكتبه، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء.

وكلَّف أيضاً بهذا التَّدوين محمد بن شهاب الزهري، فقام كلٌّ منهما بتدوين ما استطاع تدوينه من السُّنَّة.

في سنة 140ه دوَّن الإمام مالك بن أنس كتابه: الموطأ. وفي القرن الثاني الهجري دوَّن أصحاب المسانيد في السُّنَّة مسانيدهم. والمسند هو: ما تجمَّع فيه الأحاديث حسب رواتها. وأقدم ما وصل إلينا منها مُسند الإمام أحمد.

وفي القرن الثالث الهجري دُوّنت كُتُب صحاح السِّتَّة وهي:

  • البخاري: محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه.
  • مسلم: أبو الحسين مسلم ابن الحجاج بن مسلم بن ورد بن كوشاذ، القشيري النيسابوري.
  • أبو داود: سُليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شدَّاد الأزدي، السجستاني.
  • النَّسائي: أحمد بن شُعيب بن علي بن سنان بن بحر بن دينار، أبو عبد الرحمن النَّسائي.
  • التّرمذي: محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضَّحَّاك السلمي التّرمذي، أبو عيسى.
  • ابن ماجه: محمد بن يزيد أبو عبد الله بن ماجه، القزويني.

ولكن بقيت السُّنَّة بعد تدوينها فيها مجال للاختلاف. وقد فكَّر الخليفة المنصور العباسي في أن يُكوِّن مجموعة من السُّنَّة وينشرها بين المُسلمين، ويُجمِع كلمتهم عليها والرُّجُوع إليها، فأمر إمام المدينة (مالك بن أنس) أن يكتب من السُّنن كتاباً يتجنَّب فيه رخص ابن عباس وشدائد ابن عمر، فكتب الإمام مالك كتابه «الموطأ».

وأراد المنصور أن ينفذ فكرته، ويحمل الناس على الرُّجُوع إليه وحده، فقال له مالك: «لا سبيل إلى ذلك يا أمير المؤمنين لأنَّ الصَّحابة افترقوا بعد الرسول كل يتبع ما صحَّ عنده، وكلهم على هدى، وكلهم يريد الله.» فعدل المنصور عمَّا أراد.

كانت الخُطة التَّشريعية في هذا العهد هي خُطَّة أساتذتهم من الصَّحابة في رُجُوعهم إلى مصادر التَّشريع وفي مبادئهم العامَّة التي راعوها في تشريعهم.

أسباب اختلاف الأئمَّة المُجتهدين وتكوّن المذاهب:

  • فهم المُراد من النُّصُوص يختلف باختلاف العُقُول ووجهات النَّظر.
  • السُّنَّة لم يكن علمهم بها وحفظهم لها على السَّواء، ورُبَّما وقف بعضهم منها على ما لم يقف عليه الآخر.
  • المصالح التي تُستنبط لأجلها الأحكام يختلف تقديرها باختلاف البيئات التي يعيش فيها رجال التَّشريع.

كل هذا مع اتِّفاقهم على مصادر التَّشريع، وترتيب رُجُوعهم إليها، والمبادئ التَّشريعية العامَّة، أي أنَّهم اختلفوا في الفُرُوع فقط، ولم يختلفوا في أُصُول التَّشريع.

ويرجع اختلاف الخُطَّة التَّشريعية للأئمَّة المُجتهدين إلى اختلافهم في أُمُور ثلاثة: الأوَّل: في تقدير بعض المصادر التَّشريعية. والثَّاني: في النَّزعة التَّشريعية. والثالث: في بعض المبادئ اللُّغوية التي تُطبَّق في فهم النُّصُوص.

أوَّلاً: في طريق الوُثُوق بالسُّنَّة والميزان الذي تُرجَّح به رواية على رواية، وذلك أنَّ الوُثُوق بالسُّنَّة مبني على الوُثُوق برواتها، وكيفية روايتها.

هذا الاختلاف في طريق الوُثُوق بالسُّنَّة أدَّى إلى أنَّ بعضهم احتجَّ بسُنَّة لم يحتجّ بها الآخر، وبعضهم رجَّح بسُنَّة هي مرجوحة عند الآخر، وعن هذا نشأ اختلاف الأحكام.

ثانياً: الاختلاف حول الفتاوى الاجتهادية التي صدرت عن أفراد الصَّحابة.

أبو حنيفة ومن تابعه خطّته بالنسبة إليها أن يأخذ بأيَّة فتوى منها، ولا يتقيَّد بواحدة مُعيَّنة، ولا يخرج عنها جميعاً. والشَّافعي ومن تابعه خطّته بالنِّسبة إليها أنَّها فتاوى اجتهادية فردية صادرة من غير معصومين، فله أن يأخذ بأيَّة فتوى منها، وله أن يُفتي بخلافها كلِّها، وعن هذا نشأ أيضاً اختلاف في الأحكام.

ثالثاً: في القياس. مع اتِّفاقهم على أنَّه حُجَّة، اختلفوا فيما يصلح أن يكون عِلَّة للحُكم ويُبنى عليه القياس، ونشأ عن هذا أيضاً اختلاف في الأحكام.

وأهم الأسباب التي أدت إلى اختلاف هاتين النَّزعتين هي:

أولاً: إنَّ الأحاديث وفتاوى الصَّحابة لم تكن كثيرة في العراق كثرتها في الحجاز. فالحجازيون وجدوا عندهم ثروة من الآثار اعتمدوا عليها في تشريعهم وركنوا إليها، وأمَّا فقهاء العراق فلم تكن لديهم هذه الثروة، فاعتمدوا على عقولهم.

ثانياً: إنَّ العراق كانت فيها الفتن التي أدَّت إلى افتراء الأحاديث وتحريفها لأنَّها كانت مهد الشيعة ومقرّ الخوارج، فلهذا تشدَّدوا في قبول الرِّواية والتزموا أن يكون الحديث مشهوراً بين أهل الفِقْه.

ثالثاً: إنَّ بيئة العراق غير بيئة الحجاز، والأقضية والحوادث في البلدين مُختلفة، لأنَّ دولة الفرس خلَّفت في العراق أنواع من المُعاملات والعادات والنُّظُم، لم يعهد مثلها في بلاد الحجاز.

وأمَّا اختلافهم في بعض المبادئ الأُصُولِيَّة اللُّغوِيَّة: فقد نشأ من اختلاف وجهات النَّظر في استقراء الأساليب العربية.

الخُطَّة التَّشريعية لكل مُجتهد في هذا العهد كانت قائمة على طريق ثقته بالسُّنَّة، وتقديره لفتاوى الصَّحابة، ومسلكه في القياس، ونزعته في فهم النُّصُوص وتأويلها وتعليلها، ومبادئه التي سار عليها من استقائه الأحكام الشَّرعية والأساليب العربية، وبني عليها استنباطه.

ما خلَّفه هذا العهد من آثار تشريعية

أهمّ ما خلفه هذا العهد من الآثار التَّشريعية ثلاثة:

الأول: صِحاح السُّنَّة التي دُوّنت فيه، على طريق المسانيد، أو حسب أبواب الفقه.

الثاني: تدوين الفقه وأحكامه وجمع المسائل المُرتبطة بموضوع واحد بعضاً مع بعض، وتعليل الأحكام والاستدلال عليها. مثل:

كتاب الكافي للحاكم الشهيد، في فُرُوع الحنفية.

وفي مذهب الإمام مالك كتاب المُدَّونة الكبرى التي رواها سحنون عن ابن القاسم عن الإمام مالك. وهي مجموعة من الأسئلة والأجوبة عن مسائل الفِقْه وردت للإمام مالك.

وفي مذهب الإمام الشَّافعي كتاب: الأم، الذي أملاه الشافعي على تلاميذه بمصر.

ثالثاً: تدوين علم الفقه، ففي كثير من موضوعات (الموطأ) أشار الإمام مالك إلى مبادئه وقواعده التَّشريعية، ولكن أوَّل مَن جمع هذه القواعد مُرتَّبة مُعلَّلة مقاماً على كل قاعدة منها برهانها، هو الإمام محمد بن إدريس الشافعي في رسالته المشهورة في علم الأصول، ولذا اشتهر أنَّه واضع علم أصول الفقه، والحقيقة أنَّه رتَّبه وصاغ قواعده صوغاً علميًّا، ولم يبتدئ وضعه.

الإمام أبو حنيفة

هو النعمان بن ثابت، ولد بالكوفة سنة ٨٠ ه، وتوفي ببغداد سنة ١٥٠ ه. تلقى أبو حنيفة الفقه عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود، وكان أبو حنيفة خزازاً بالكوفة.

قال عن نفسه: إنِّي آخذ بكتاب الله إذا وجدته، فما لم أجده أخذت بسُنَّة رسول الله ﷺ والآثار الصِّحاح عنه التي فشت في أيدي الثِّقات، فإذا لم أجد في كتاب الله ولا سُنَّة رسول الله أخذت بقول أصحابه من شئت وأدع من شئت، ثم لا أخرج عن قولهم إلى قول غيرهم، فإذا انتهى الأمر إلى إبراهيم والشعبي والحسن وابن سيرين وسعيد بن المسيب، فعليَّ أن أجتهد كما اجتهدوا.

حتى الذين كانوا يقفون عند المروي من السُّنَّة ويهابون التَّكلُّم بالرَّأي، انتهى بكثير منهم إلى الأخذ بالرأي تحت اسم القياس والمصالح المُرسلة، كما يظهر ذلك من مُراجعة كتب المذاهب الأربعة وغيرها.

سُمِّيت جملة ذلك بمذهب أبي حنيفة مع أنَّها خليط من آرائه وآراء تلاميذه، ولم يُفكِّر أحد منهم في الانفصال من أستاذه كما انفصل الشافعي عن أستاذه مالك بن أنس، وكما انفصل أحمد عن أستاذه الشافعي.

ومن أشهر أصحاب أبي حنيفة صاحباه: أبي يوسف، ومحمد بن الحسن.

فأمَّا أبي يوسف فهو يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، ولد سنة 112ه، وتوفي سنة ١٩٣ه، وكان يشتغل أوَّلاً برواية الحديث، ثمَّ اتصل بأبي حنيفة فكان أكبر أصحابه وأفضل مُعين له، وهو الذي نشر مذهب أبي حنيفة لأنَّه كان قاضي القضاة في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد؛ فكان لا يُولِّي قاضياً إلَّا إذا كان على مذهب أبي حنيفة.

وأما محمد بن الحسن فقد ولد سنة ١٣٢ه، وتوفي سنة ١٨٩ه، نشأ بالكوفة، وكان يحضر مجلس أبي حنيفة وهو صغير السِّنّ، فأتمَّ دراسته على أبي يوسف، وهو الذي جمع مسائل فقه أبي حنيفة وتولَّى كتابتها وأملاها في كُتُبه السِّتَّة المشهورة.

الإمام مالك

هو مالك ابن أنس الأصبحي، أصله من اليمن، وقد كان أحد أجداده (أبو عامر) من أصحاب رسول الله ﷺ. وُلِدَ مالك سنة ٩٣ه بالمدينة المُنوَّرة، وتوفي بها سنة ١٧٣ه ولم يرحل عن المدينة إلى غيرها من البلاد، وكان إماماً في الحديث وإماما في الفقه معاً.

كان اعتماده في فتواه على كتاب الله أوَّلاً، ثمَّ على السُّنَّة، ولكنَّه كان يُقدِّم عمل أهل المدينة على خبر الواحد إذا كان مُخالفاً له؛ وذلك لاعتقاده أنَّ أهل المدينة توارثوا ما كانوا يعملون به عن سلفهم، وسلفهم توارثوه عن الصَّحابة، فكان ذلك أثبت عنده من خبر الواحد.

لكنَّ الشافعي وبعض الأئمَّة خالفوه في هذا بحُجَّة أنَّ كثير من السُّنَّة حمله بعض الصَّحابة معهم إلي الأمصار والبُلدان المفتوحة، التي رحلوا إليها واستقرُّوا فيها، فليست السُّنَّة كلّها محصورة في عَمَل أهل المدينة.

وقد تلقَّى الشافعي عنه الحديث وتفقَّه به وحضر دروسه أهل مصر وأهل المغرب وأهل الأندلس وانتفعوا به انتفاعاً كبيراً ونقلوا مذهبه ونشروه في بلادهم.

الإمام الشافعي

هو محمد بن إدريس الشافعي القرشي، يلتقي نسبه مع النبي ﷺ في عبد مناف. وُلِدَ سنة ١٥٠ه بمدينة غزَّة، يتيماً، ثم انتقلت به أمّه إلى مكة، وتوفي بمصر سنة ٢٠٤ه.

وقد حفظ الشافعي القرآن في صِباه ثمَّ خرج إلى قبائل هذيل ببادية العرب وكانوا من أفصح العرب، فاستفاد الفصاحة منهم، وحفظ كثيراً من أشعارهم، وقد كان يُضرب به المثل في الفصاحة.

تفقَّه الشافعي في مكَّة على شيخ الحرم ومُفتيه مسلم بن خالد، ثمَّ رحل إلى المدينة بعد أن حفظ (الموطأ) وقرأه على مالك، وأخذ العلم عنه، فمالك هو الأستاذ الثاني للشافعي، ثم سافر إلى العراق ثلاث مرات والتقي خلالها بأصحاب الإمام أبي حنيفة.

الإمام أحمد

هو أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني المروزي، ولد بمدينة مرو سنة ١٦٤ه، وتوفي ببغداد سنة ٢٤١ه. تلقي الحديث عن أكابر المُحدِّثين من أهل عصره، وتلقَّى عنه الحديث الأئمة العظام ومنهم البخاري ومسلم.

وقد غلب عليه الاشتغال بالحديث، حتى لُقِّب بإمام أهل السُّنَّة، وصنَّف مُسنده المشهور في سِتَّة مُجلَّدات، وأخذ الفقه عن الإمام الشافعي ولازمه مُدَّة مقامه ببغداد، فهو تلميذ للشَّافعي في الفقه. ومِن كُتُب مذهبه، كتاب «المُغني» لابن قدامة.

عهد التَّقليد

هذا هو العهد الذي فترت فيه هِمَم العُلماء عن الاجتهاد المُطلق، والتزموا اتِّباع ما استمدُّوه من الأئمَّة المُجتهدين السَّابقين من الأحكام.

ابتدأ هذا العهد من مُنتصف القرن الرَّابع الهجري بالتَّقريب.

أسباب وُقُوف حركة الاجتهاد

أهمّ العوامل التي أدَّت إلى هذا الوُقُوف والتزام تقليد السَّابقين أربعة:

أوَّلاً: انقسام الدَّولة الإسلامية إلى عِدَّة ممالك يتناحر مُلُوكها ووُلاتها وأفرادها، فدبَّ الانحلال العامّ وفترت الهِمَم في العُلُوم والفُنُون.

وثانياً: أنَّه لما انقسم الأئمَّة المُجتهدون في العهد الثالث إلى أحزاب، وصار لكلِّ حزبٍ مدرسة تشريعية، لها نزعتها وخطّتها، عني تلاميذ كل مدرسة أو أعضاء كلّ حزب بالانتصار إلى مذهبهم وتأييد أصوله وفروعه بكل الوسائل.

وثالثاً: أنَّه لمَّا أهمل المسلمون تنظيم السُّلطة التَّشريعية ولم يضعوا نظاماً كفيلاً بأن لا يجترئ على الاجتهاد إلا من هو أهل، دبَّت الفوضى في التَّشريع والاجتهاد، وادَّعى الاجتهاد من ليس أهلاً له.

ورابعاً: أنَّ العُلماء فشت فيهم أمراض خُلُقِيَّة، حالت بينهم وبين السُّمُوّ إلى مرتبة الاجتهاد، فقد فشا بينهم التَّحاسد والأنانية.

قسم عُلماء كل مذهب إلى طبقات:

الطَّبقة الأولى: أهل الاجتهاد في المذهب: ومن هؤلاء الحسن بن زياد في الحنفية، وابن القاسم وأشهب في المالكية، والبويطي والمازني في الشافعية.

الطَّبقة الثَّانية: أهل الاجتهاد في المسائل التي لا رواية فيها عن إمام المذهب.

الطَّبقة الثَّالثة: أهل التَّخريج: يقتصرون على تفسير قول مُجمل من أقوال أئمَّتها أو تعيين وجه مُعيَّن لحكم يحتمل وجهين.

الطَّبقة الرَّابعة: أهل التَّرجيح: وهؤلاء يوازنون بين ما روي عن أئمّتهم من الرِّوايات المُختلفة، ويُرجِّحون بعضها على بعض من جِهة الرِّواية، أو من جهة الدِّراية.

الطَّبقة الخامسة: أهل التَّقليد المحض.

الحمد لله رب العالمين

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

اكتشاف المزيد من مدونة التاعب

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading