بسم الله الرحمن الرحيم
خُلاصة كتاب: الطريق إلى القرآن
تأليف: إبراهيم بن عُمر السكران
مدخل
يتحدثون عمَّا يرونه من فرق مُبهر في حياتهم، وعن فرقٍ عظيمٍ في فهمهم وصحة نظرهم واستقرار تفكيرهم؛ ببركة هذا القرآن.
حديث بعض الصالحين إذ يبثون شجواهم عما يجدونه في أنفسهم بعد تلاوة القرآن.
حال النبي ﷺ إذا راجع ودارس القرآن مع جبريل كيف يكون أجود بالخير من الريح المرسلة كما في البخاري … فكيف بنفوسنا الضعيفة المحتاجة إلى دوام العلاقة مع هذا القرآن.
الله جل وعلا ينوع ويعدد التوجيهات لتعميق العلاقة مع القرآن.
· فتارةً يحثنا صراحة على التدبر ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ﴾ [محمد: 24]
· وتارةً يحثنا على الإنصات إليه ﴿وَإِذَا قُرِئَ ٱلۡقُرۡءَانُ فَٱسۡتَمِعُواْ لَهُۥ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ﴾ [الأعراف: 204]
· وتارةً يأمرنا بالتفنن في الأداء الصوتي ﴿وَرَتِّلِ ٱلۡقُرۡءَانَ تَرۡتِيلًا﴾ [المزمل: 4]
· يأمرنا بالتهيئة النفسية قبل قراءته بالاستعاذة من الشيطان ﴿فَإِذَا قَرَأۡتَ ٱلۡقُرۡءَانَ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ﴾ [النحل: 98]
· يغرس في نفوسنا استبشاع البعد عن القرآن ﴿وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يَٰرَبِّ إِنَّ قَوۡمِي ٱتَّخَذُواْ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ مَهۡجُورٗا﴾ [الفرقان: 30]
· ينبهنا على فضله، وتيسيره للذكر ﴿وَلَقَدۡ يَسَّرۡنَا ٱلۡقُرۡءَانَ لِلذِّكۡرِ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ﴾ [القمر: 17]
١- سطـوة القـرآن
السطوة الغريبة التي تخضع لها النفوس عند سماعه.
اعتنيت عناية بالغة بتتبع قصص وأخبار حديثي العهد بالإسلام.
ما هو أكثر مؤثر يدفع الإنسان الغربي لاعتناق الإسلام؟
سمعوا القرآن وشعروا بشعور غريب استحوذ عليهم … وهم لا يعرفون اللغة العربية أصلاً!
إنها سطوة القرآن.. والله يقول: ﴿لَوۡ أَنزَلۡنَا هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ عَلَىٰ جَبَلٖ لَّرَأَيۡتَهُۥ خَٰشِعٗا مُّتَصَدِّعٗا مِّنۡ خَشۡيَةِ ٱللَّهِۚ﴾ [الحشر: 21]
فطفق أبو بكر يعبد ربه في داره، ولا يستعلن بالصلاة ولا القراءة في غير داره، ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدًا بفنـاء داره وبرز فكان يُصلِّي فيه ويقرأ القرآن، فيتقصَّـف عليـه نسـاء المُشركين وأبناؤهم يعجبون وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلاً بكَّاءً لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين. (رواها البُخاري في صحيحه).
ومعنى: يتقصَّف: أي يزدحمون ويكتظُّون حوله مـأخوذين بجمـال القرآن.
الله – جل وعلا – عرض هذه الظاهرة البشرية أمام القرآن على أنَّها دليل وحجة.
تأمل معي هذا المشهد المدهش الذي يرويه ربنا جل وعـلا عـن سطوة القرآن في النفوس: ﴿قُلۡ ءَامِنُواْ بِهِۦٓ أَوۡ لَا تُؤۡمِنُوٓاْۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ مِن قَبۡلِهِۦٓ إِذَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ يَخِرُّونَۤ لِلۡأَذۡقَانِۤ سُجَّدٗاۤ * وَيَقُولُونَ سُبۡحَٰنَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعۡدُ رَبِّنَا لَمَفۡعُولٗا * وَيَخِرُّونَ لِلۡأَذۡقَانِ يَبۡكُونَ وَيَزِيدُهُمۡ خُشُوعٗا ۩﴾ [الإسراء: 107-110]
استمع إلى انفعال وتأثر قوم آخرين بآيات الوحي، يقول تعالى: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنۡ حَمَلۡنَا مَعَ نُوحٖ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡرَٰٓءِيلَ وَمِمَّنۡ هَدَيۡنَا وَٱجۡتَبَيۡنَآۚ إِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُ ٱلرَّحۡمَٰنِ خَرُّواْۤ سُجَّدٗاۤ وَبُكِيّٗا ۩﴾ [مريم: 58]
وقوم آخرون في عصر الرسالة ذكر الله خبرهم في معرض المـدح والتثمين الضمني في صورة أخاذة مبهرة يقول تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىٰٓ أَعۡيُنَهُمۡ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمۡعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلۡحَقِّۖ يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱكۡتُبۡنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ﴾ [المائدة: 83]
ليس تأثير القرآن في النفوس والقلوب فقط … بل – أيضاً – تأثيره الخارجي على الجوارح.
يقول تعالى: ﴿ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحۡسَنَ ٱلۡحَدِيثِ كِتَٰبٗا مُّتَشَٰبِهٗا مَّثَانِيَ تَقۡشَعِرُّ مِنۡهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُمۡ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمۡ وَقُلُوبُهُمۡ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ﴾ [الزمر: 23]
لاحظ كيف يرسم القرآن مراحل التأثر، تقشعر الجلود، ثم تلين، إنها لحظة الصدمة بالآيات التي يعقبها الاستسـلام الإيمـاني، بـل والاستعداد المفتوح للانقياد لمضامين الآيات.
ما تصنعه الآيات القرآنية من ترويض النفـوس والقلـوب لخالقها ومولاها.
فإن كنت من هؤلاء؛ فاحمد الله يا أخي الكريم على العافية، وتذكر قول الله سبحانه: ﴿فَوَيۡلٞ لِّلۡقَٰسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ﴾ [الزمر: 22]
حين يوفقك ربك فيكون لك حزب يومي من كتاب الله، يجب عليك استشعار منة الله وفضله عليك أن أكرمـك بهذه السويعة مع كتاب الله. ولكن إذا التفتـت الـنفس لذاتها بعد العمل الصالح نقص مسيرها إلى الله.
وقد نبهنا الله على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنۡ أَحَدٍ أَبَدٗا وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ﴾ [النور: 21]
وقول الله: ﴿وَقَالُواْ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي هَدَىٰنَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهۡتَدِيَ لَوۡلَآ أَنۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُۖ﴾ [الأعراف: 43]
الإنسان بعد العبادة يحتاج إلى عبادة أخرى وهي الشكر والحمد. ويحتاج لعبادة الاستعانة قبل العبادة، ويحتاج لعبادة الشكر بعد العبادة. وهذه الاستعانة بالله عامة في كـل شـيء.
السطوة أصل معناها كما يقول ابن فارس: [أصل يدل على القهر والعلو].
وهـذا المعنى نظير وصف الله للقرآن بالإزهاق: ﴿وَقُلۡ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَزَهَقَ ٱلۡبَٰطِلُۚ إِنَّ ٱلۡبَٰطِلَ كَانَ زَهُوقٗا﴾ [الإسراء: 81]
ونظير وصف الله للقرآن بالدمغ: ﴿بَلۡ نَقۡذِفُ بِٱلۡحَقِّ عَلَى ٱلۡبَٰطِلِ فَيَدۡمَغُهُۥ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٞۚ وَلَكُمُ ٱلۡوَيۡلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: 18]
اللهم اجعلنا من أهل القرآن، اللهم أحي قلوبنا بكتابك، اللهم اجعلنا ممن إذا استمع للقرآن اقشعر جلـده ثم لان جلـده وقلبـه لكلامك، اللهم اجعلنا ممن إذا سمع ما أنزل إلى رسـولك تفـيض عيوننا بالدمع، اللهم اجعلنا ممن إذا تليت عليهم آيات الرحمن خروا سجدًا وبكياً، اللهم إنا نعوذ بك ونلتجئ إليك ونعتصم بجنابك ألَّا تجعلنا من القاسية قلوبهم من ذكر الله.
٢- تأمل .. كيف انبهروا !
«صحيح البخاري» (4/ 1839): «عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنه قَالَ:
سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ، فَلَمَّا بَلَغَ هَذِهِ الْآيَةَ: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ. أَمْ خَلَقُوا السماوات وَالأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ. أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ}. كَادَ قَلْبِي أَنْ يَطِيرَ.»
هذا وهو مشرك، وفي لحظـة عـداوة تستعر إثر إعياء القتال، وقد جاء يريد تسليمه أسرى الحرب.
يقول تعالى: ﴿وَإِذۡ صَرَفۡنَآ إِلَيۡكَ نَفَرٗا مِّنَ ٱلۡجِنِّ يَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوٓاْ أَنصِتُواْۖ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوۡاْ إِلَىٰ قَوۡمِهِم مُّنذِرِينَ * قَالُواْ يَٰقَوۡمَنَآ إِنَّا سَمِعۡنَا كِتَٰبًا أُنزِلَ مِنۢ بَعۡدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلۡحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٖ مُّسۡتَقِيمٖ﴾ [الأحقاف: 29-30]
وأخبر الله في موضع آخر عمَّا استحوذ على هؤلاء الجن مـن التعجب فقال تعالى: ﴿قُلۡ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسۡتَمَعَ نَفَرٞ مِّنَ ٱلۡجِنِّ فَقَالُوٓاْ إِنَّا سَمِعۡنَا قُرۡءَانًا عَجَبٗا * يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلرُّشۡدِ فَـَٔامَنَّا بِهِۦۖ وَلَن نُّشۡرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَدٗا﴾ [الجن: 1-2]
«صحيح البخاري» (4/ 1927): «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (اقْرَأْ عَلَيَّ). قَالَ: قُلْتُ: أَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: (إِنِّي أَشْتَهِي أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي). قَالَ: فَقَرَأْتُ النِّسَاءَ حَتَّى إِذَا بَلَغْتُ: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا}. قَالَ لِي: (كُفَّ، أَوْ أَمْسِكْ). فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَذْرِفَانِ.»
لقد اشتكى رسول الله ﷺ من كفار قومه حين وقعوا في صـفةٍ بشعةٍ، فواحسرتاه إن شابهنا هؤلاء الكفار في هذه الصفة التي تذمر منها رسول الله، وجأر بالشكوى إلى الله منها، يقول رسول الله ﷺ في شكواه: ﴿وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يَٰرَبِّ إِنَّ قَوۡمِي ٱتَّخَذُواْ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ مَهۡجُورٗا﴾ [الفرقان: 30]
القضية لن تكلفنا الكثير، إنما هي دقائق معدودة من يومنا نجعلها حقاً حصرياً لكتاب الله.
٣- منـازل الأشعـريين
القرآن إذا خيم سكون الليل يكون عالماً آخر.. ثمة قدر إضافي في جلال القرآن لحظة سكون الليل.
«صحيح البخاري» (4/ 1547): «عَنْ أَبِي مُوسَى: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (إِنِّي لَأَعْرِفُ أَصْوَاتَ رُفْقَةِ الْأَشْعَرِيِّينَ بِالْقُرْآنِ حِينَ يَدْخُلُونَ بِاللَّيْلِ، وَأَعْرِفُ مَنَازِلَهُمْ مِنْ أَصْوَاتِهِمْ بِالْقُرْآنِ بِاللَّيْلِ، وَإِنْ كُنْتُ لَمْ أَرَ مَنَازِلَهُمْ حِينَ نَزَلُوا بِالنَّهَارِ»
النبي ﷺ كان يسمع القرآن بالنهار قطعاً، فلماذا جذبته قـراءة الأشعريين وصار يتلفت إلى منازلهم إذن؟ لا أدري. لكنني أميل إلى أنها أسرار القرآن بالليل.
«صحيح مسلم» (2/ 193): عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَبِي مُوسَى: لَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا أَسْتَمِعُ لِقِرَاءَتِكَ الْبَارِحَةَ! لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ».
ففي صحيح البخاري عن أسيد بـن حضـير قال:”بينما هو يقرأ من الليل سورة البقـرة، فرفعـت رأسـي إلى السماء، فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح، فخرجـت حـتى لا أراها، قال رسول الله “وتدري ما ذاك؟” قال: لا. قال رسول الله: ” تلك الملائكة دنت لصوتك، ولو قرأت لأصبحت ينظر النـاس إليها لا تتوارى منهم”
«صحيح البخاري» (4/ 1916): «عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ قَالَ:
بَيْنَمَا هُوَ يَقْرَأُ مِنَ اللَّيْلِ سُورَةَ الْبَقَرَةِ، وَفَرَسُهُ مربوط عِنْدَهُ، إِذْ جَالَتِ الْفَرَسُ، فَسَكَتَ فَسَكَتَتْ، فَقَرَأَ فَجَالَتِ الْفَرَسُ، فَسَكَتَ وَسَكَتَتِ الْفَرَسُ، ثُمَّ قَرَأَ فَجَالَتِ الْفَرَسُ، فَانْصَرَفَ، وَكَانَ ابْنُهُ يَحْيَى قَرِيبًا مِنْهَا، فَأَشْفَقَ أَنْ تُصِيبَهُ، فَلَمَّا اجْتَرَّهُ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ حَتَّى مَا يَرَاهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ حَدَّثَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: (اقْرَأْ يَا ابْنَ حُضَيْرٍ، اقْرَأْ يَا ابْنَ حُضَيْرٍ).
قَالَ: فَأَشْفَقْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ تَطَأَ يَحْيَى، وَكَانَ مِنْهَا قَرِيبًا، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَانْصَرَفْتُ إِلَيْهِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي إِلَى السَّمَاءِ، فَإِذَا مِثْلُ الظُّلَّةِ فِيهَا أَمْثَالُ الْمَصَابِيحِ، فَخَرَجَتْ حَتَّى لَا أَرَاهَا، قَالَ: (وَتَدْرِي مَا ذَاكَ). قَالَ: لَا، قَالَ: (تِلْكَ الْمَلَائِكَةُ دَنَتْ لِصَوْتِكَ، وَلَوْ قَرَأْتَ لَأَصْبَحَتْ يَنْظُرُ النَّاسُ إِلَيْهَا، لَا تَتَوَارَى مِنْهُمْ).»
«سنن النسائي» (3/ 257): عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ «أَنَّ شُرَيْحًا الْحَضْرَمِيَّ ذُكِرَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَا يَتَوَسَّدُ الْقُرْآنَ».
ما معنى “لا يتوسد القرآن”؟ المعنى أنه لا ينام بالليل ويترك حزبه من القـرآن، لكـن البلاغة النبوية العظيمة صوَّرت من ينام عن القرآن كأنه اتخذ القرآن وسادة!
والنص له وجهان، إما أن يكون الرسول ﷺ يمدح من لا يتوسد القرآن، أو يذم من يتوسد القرآن، ورجح ابن الجوزي في غريبـه والسندي في حاشيته الوجه الأول.
الله تعالى أثنى مرة على قوم بذلك، فقـال تعـالى في وصفهم: ﴿لَيۡسُواْ سَوَآءٗۗ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ أُمَّةٞ قَآئِمَةٞ يَتۡلُونَ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ وَهُمۡ يَسۡجُدُونَ﴾ [آل عمران: 113]
الله جل جلاله يثمن منهم هذا الموقف ويخلده في كتابه العظيم.
أخذت مرة أتأمل مثل هذه الأخبار القرآنية النبوية عن جـلال القرآن في الليل، وأخذت أتساءل: ما سبب ذلك يا ترى؟ هل هناك تفسير علمي لذلك؟
في أصل التكوين البشري يحتاج الإنسان إلى السكينة بالليـل، والوحي الإلهي من أعظم أسباب السكينة، ولذلك فإن المعرض عن القرآن يصاب بالآلام النفسية كما قال تعالى: ﴿وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةٗ ضَنكٗا وَنَحۡشُرُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَعۡمَىٰ﴾ [طه: 124]
تعليق التاعب: الآية لا تعني بالضرورة الآلام النفسية.
٤- مع القلوب الصخرية
دعنا يا أخي ندردش دردشة المحبوسين يتشاجون لبعضهم كيف يهربون من معتقلات خطاياهم.
ووجدت العلاج الحقيقي الفعال الناجع المذهل في دواء واحد فقط، دواء واحد لا غير، وكلما استعملته رأيت الشفاء في نفسي، وكلما ابتعدت عنه عادت لي أسقامي، هذا العلاج هو بكل اختصار: تدبُّر القرآن.
كل تقصير يقع فيه الإنسان، سواء كان تقصيرًا علمياً بالتأويل والتحريف للشريعة، أو كان تقصيرًا سلوكياً بالرضوخ لدواعي الشهوة، فإنه فرع عن قسوة القلب.
قسوة القلب ناشئة عن البعد عن الوحي، فإذا قسا القلب تجرأ الإنسان على الميل بالشريعة مع هواه، وإذا قسا القلب تهاون الإنسان في الطاعات واستثقلها، وإذا قسا القلب عظمت الدنيا في عين المرء فأقبل عليها وأهمل حمل رسالة الإسلام للناس، وإذا قسا القلب ضعفت الغيرة والحمية لدين الله.
العلاج لما يحيك في هذه الصدور هو مداواتها بتدبر القرآن. بالله عليك تأمل في قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَتۡكُم مَّوۡعِظَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَشِفَآءٞ لِّمَا فِي ٱلصُّدُورِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [يونس: 57]
في الصدور شهوات تتشوف، وفي الصدور شبهات تنبح
فإذا شفيت الصدور وجدت خفة نفس في الطاعات، وإذا شفيت الصدور انقادت للنصوص بكل سلاسة ونفرت من التأويل والتحريف، وإذا شفيت الصدور تعلقت بالآخرة واستهانت بحطام الدنيا، وإذا شفيت الصدور امتلأت بحمل هم إظهار الهدى ودين الحق على الدين كله.
هل تظن يا أخي أن تحريف معاني الشريعة لا صلة له بقسوة القلب؟! أفلا تقرأ معي يا أخي قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقۡضِهِم مِّيثَٰقَهُمۡ لَعَنَّٰهُمۡ وَجَعَلۡنَا قُلُوبَهُمۡ قَٰسِيَةٗۖ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ﴾ [المائدة: 13]
٥- الشاردون
حالات الانحراف بينها تفاوت كبير، فبعضهم مشكلته “عِلْمِيَّة” بسبب رهبة عقول ثقافية كبيرة انهزم أمامها، وبعضهم مشكلته “سُلُوكِيَّة” بسبب ضعفه أمام لذائذ اللَّهو والتَّرفيه، فإما تعتريه شبهة تقوده للتَّمرُّغ في الشَّهوات، وإمَّا تغلبه شهوة فيتطلَّب لها الشُّبهات والمخارج والحِيل.
القرآن له سر عجيب في صناعة الإخبات في النفس البشرية: ﴿وَلِيَعۡلَمَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤۡمِنُواْ بِهِۦ فَتُخۡبِتَ لَهُۥ قُلُوبُهُمۡۗ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ﴾ [الحج: 54]
مفتاح الهداية مقارنة هدي القرآن بسلوكيات التيارات الفكرية.
تغطية وتبرير التقصير بحيل التأويل الذي جعله الله سببا للمسخ: ﴿وَلَقَدۡ عَلِمۡتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعۡتَدَوۡاْ مِنكُمۡ فِي ٱلسَّبۡتِ فَقُلۡنَا لَهُمۡ كُونُواْ قِرَدَةً خَٰسِـِٔينَ﴾ [البقرة: 65]
مجرد المعصية بالصيد في اليوم المحرم لا تستحق المسخ، فقد جرى من بني إسرائيل ما هو أكثر من ذلك ولم يمسخهم الله، ولكن الاحتيال على النص بالتأويل ضاعف شناعتها عند الله جل وعلا.
تعظيم القرآن لمرجعية الصحابة في فهم الإسلام، وربطه فهم الإسلام بتجربة بشرية، كقوله تعالى: ﴿فَإِنۡ ءَامَنُواْ بِمِثۡلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِۦ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْۖ وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا هُمۡ فِي شِقَاقٖۖ فَسَيَكۡفِيكَهُمُ ٱللَّهُۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ﴾ [البقرة: 137]
وقوله تعالى: ﴿وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلۡأَوَّلُونَ مِنَ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحۡسَٰنٖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُ وَأَعَدَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي تَحۡتَهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ﴾ [التوبة: 100]
الوحي ليس نصاً مفتوحاً، بل هو مرتبط بالاهتداء بتجربة بشرية سابقة، فيأمرنا صريحا أن نؤمن كما آمن الصحابة، وهذا كله يبين أن الإسلام ليس فكرة مجردة مفتوحة الدلالات يذهب الناس في تفسيرها كل مذهب، بل هناك “نموذج سابق” حاكم للتفسيرات اللاحقة للنص.
بيان القرآن لتفاهة الدنيا، وما في القرآن من بيان الله لحقارة الكافر وانحطاطه حيث جعله القرآن في مرتبة الأنعام والدواب والحمير والكلاب والنجاسة والرجس والجهل واللا عقل والعمى والصمم والبَكم والضلال والحيرة.
ما في القرآن من عناية شديدة بالتحفظ في العلاقة بين الجنسين.
٦- تطويـل الطـريق
ادِّعاء: ضرورة مُقاومة وتفنيد الأفكار الضالة الجديدة عبر دراسات فكرية موسعة؛ وذلك من أجل الحفاظ على: سلامة التصورات الإسلامية من الاجتياح العلماني المعاصر، وهذا يُعتبر: المبالغة في التعويل على الدراسات الفكرية، لأن: أمر الانحرافات الفكرية المعاصرة أسهل بكثير مما نتصور.
لو نجحنا في تعبئة الشباب المسلم للإقبال على القرآن، وتدبر القرآن، ومدارسة معاني القرآن، لتهاوت أمام الشاب المسلم -الباحث عن الحق- كل التحريفات الفكرية المعاصرة ريثما يختم أول “ختمة تدبر”.
قراءة واحدة صادقة لكتاب الله، تصنع في العقل المسلم ما لا تصنعه كل المطولات الفكرية بلغتها الباذخة وخيلائها الاصطلاحي، فهي كفيلة بقلب كل حيل الخطاب الفكري المعاصر رأساً على عقب.
من كان معه إيمان وخوف من الله فسيحمله على الانقياد والانصياع الله سبحانه.
من كانت نفسيته المعرفية سوية، أعني أنَّها تنظر في “جوهر البرهان” وليس في “شكليات الخطاب” فلن يحتاج إلا لقراءة القرآن بتجرُّد.
قال الإمام ابن تيمية في حادثة مشابهة في كتابه “الرد على المنطقيين“: [وبعض النَّاس: يكون الطريق كلما كان أدق وأخفى وأكثر مقدمات وأطول كان أنفع له، لأن نفسه اعتادت النظر الطويل في الأمور الدقيقة، فإذا كان الدليل قليل المقدمات، أو كانت جلية، لم تفرح نفسه به، فإن من الناس من إذا عرف ما يعرفه جمهور الناس وعمومهم، أو ما يمكن غير الأذكياء معرفته، لم يكن عند نفسه قد امتاز عنهم بعلم، فيحب معرفة الأمور الخفية الدقيقة الكثيرة المقدمات]
أعطوني ختمة واحدة بتجرُّد، أعطيكم مسلماً حنيفاً سُنِّيًّا سلفِيًّا.
٧- مِن مناطق التَّدبُّر
ماذا أتدبَّر بالضَّبط في القرآن؟
أعظم وجوه ومفاتيح الانتفاع بالقرآن تدبر ما عرضه القرآن من: حقائق العلم بالله.
وكثيرًا من المنتسبين للفكر المعاصر يظن الأهم في القرآن هو التشريعات العملية، وأما باب العلم الإلهي فهو قضية ثانوية، ولا يعرف أن هذا هو المقصود الأجـل والأعظـم.
قال الإمام ابن تيمية: [فإن الخطاب العلمـي في القـرآن أشرف من الخطاب العملـي قـدرًا وصـفة] (درء التعـارض، 5/ ٣٥٨).
وأنا شخصياً إذا التقيت بشخصية غربية متميـزة في الفكـر أو القانون أو غيرها من العلوم أجاهد نفسي مجاهدة على احترام تميزه، لأنني كلما رأيتهم في غاية الجهل بالله سبحانه وتعـالى، امـتلأت نفسي إزراءً بهم، ما فائدة أن تعرف تفاصيل جزء معين من العلـوم وأنت جاهل بأعظم مطلوب للإنسان.
من يتأمَّل في حال أئمَّة السَّلف، ستسـتحوذ عليه الدهشة من عمق علمهم بالقرآن وما فيه من أسـرار المعرفـة الإلهية، وشدة استحضار الآيات وربط ما بينها، ليست معرفة آحاد وأفراد الألفاظ فقط، بل معرفة السلف بالقرآن مركبة، فتجـدهم يلاحظون منظومة لوازم معاني القرآن، ويستخلصون قي تقريراتهم حصيلة توازنات هذه المعاني القرآنية.
ومن وجوه الانتفاع بالقرآن تدبر أخبار الأنبياء الـتي ساقها القرآن وكررها في مواضع متعددة، فهي “نماذج” يريد القرآن أن يوصل من خلالها رسائل تضمينية، فإنَّ تدبر أخبار الأنبياء، وأخبار الطغـاة، وأخبـار الصالحين، في القرآن، ومحاولة تفهم وتحليل الرسالة الضمنية فيهـا؛ من أعظم مفاتيح الانتفاع بالقرآن.
ومن أعظم وجوه الانتفاع بالقرآن أن يضع الإنسـان أمامه على طاولة التدبر كل الخطابات الفكرية المعاصرة عن النهضة والحضارة والتقدم والرقي والإصلاح والاستنارة الخ، ويضع كـل القضايا التي يرون أنها هي معيار التقدم والرقي، ثم يتدبر قارئ القرآن أعمال الإيمان التي عرضها القرآن كمعيار للتقدم والرقي.
القلب المعمور بالتقوى يبصر ما لا يبصره مـن أغطشـت عينه النزوات.
الإمام ابن تيمية: [ومن المعلوم أنه في تفاصيل آيات القرآن من العلم والإيمان ما يتفاضل الناس فيه تفاضلاً لا ينضبط لنا، والقرآن الذي يقرأه النـاس بالليـل والنهار يتفاضلون في فهمه تفاضلاً عظيما ً، وقد رفع الله بعـض الناس على بعض درجات] (درء التعارض: 7/ ٤٢٧).
يجب أن يستحضـر متدبر القرآن أن جمهور قرارات القرآن وأحكامه علـى الأعيـان والأشياء إنما هي “أمثال”، بمعنى أن القرآن يقدم في الأصل نماذج.
من أعرض عن تدبر القرآن فإن الله قدر عليه أصلاً ذلك الانصراف لأن الله تعالى سبق في علمه أن هذا الإنسان لا خير فيه، ولو كان في هذا المعرض خير لوفقه الله للتدبر والانتفاع بالقرآن، وقد شرح القرآن هذا المعنى في قولـه تعـالى: ﴿وَلَوۡ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمۡ خَيۡرٗا لَّأَسۡمَعَهُمۡۖ وَلَوۡ أَسۡمَعَهُمۡ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعۡرِضُونَ﴾ [الأنفال: 23]
هذا القرآن ينبوع يتنافس الناس في الارتشاف منه بقدر منازلهم، كما قال الإمام ابن تيمية: [والقرآن مـورد يـرده الخلق كلهم، وكل ينال منه على مقدار ما قسـم الله لـه] (درء التعارض:7/ ٤٢٧).
٨- كل المنهج في أم الكتاب
«صحيح البخاري» (4/ 1623): «عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى قَالَ:
كُنْتُ أُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ، فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ أُجِبْهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي، فَقَالَ: (أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ: {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ}). ثُمَّ قَالَ لِي: (لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ السُّوَرِ فِي الْقُرْآنِ، قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ). ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ، قُلْتُ لَهُ: أَلَمْ تَقُلْ: (لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ). قَالَ: ({الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}: هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي، وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ).»
كم من الوقت منحناه لتدبر هذه السورة العظيمة والتساؤل عن مغزى هذا التعظيم الإلهي لها؟
فبالله عليك تأمل في هذه الآيات الثلاث التي ذكر الله تعـالى في الحديث القدسي في صحيح مسلم أنها نصف الفاتحة، حين قـال: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين).
«صحيح مسلم» (2/ 9): عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
«قَالَ اللهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ. فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: {الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}، قَالَ اللهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وَقَالَ مَرَّةً: فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي، فَإِذَا قَالَ: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ.»
فيما يخصّ موضوع: جدل المذاهب الفكرية المعاصرة حول قضية: (ترتيب الأولويات). سألتك بالله هل رأيت واحدًا منهم يتحدث عن الثناء علـى الله وتوقير الله وتعظيم الله باعتباره أولوية من أولويات الإصلاح؟
كيف تحيروا في أعظم المطالب، وبعضـهم فيـه ذكـاء واطلاع، ولكن هذه الأمور بابها التوفيق الإلهي.
تقديم المعمول (إياك) على العامـل (نعبد) يفيد الحصر، فلا يعبد إلا الله، والعبادة لفظ شـامل، فـإذا نطقت بهاته الجملة التي لا تتجاوز كلمتين ﴿إيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ تهاوت أمام ناظريك كل المألوهات من دون الله.
﴿إيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ هي جوهر مشروع الإصلاح، وهـي قاعـدة النهضة، وهي مختبر الحضارة، وهي معيار التقـدم، وهـي خطـة التنمية.
المطلوب الأكبر وهو (العبادة) لا يكون إلا بـ (الاستعانة).
إذا كان الله سبحانه اختار أن يكون دعاء أعظم سورة في القرآن هو “سؤال الهداية” فهذا يعني أن الضلال وشيك خطير مخوف، وإلا لم يفرد الله سؤال بهذه الخصوصية، لو كان الضلال أمراً مُستبعداً.
في المواضع العظيمة، لا يُختار من الدعاء إلا أعظمـه، وأعظـم الدعاء ما خاف الإنسان من ضده.
دل هذا على أننا نسير في حقل ألغام من الانحرافات، دل هذا على أن هذه الحياة الدنيا محفوفة بكلاليب الباطل تلتقط الناس يمنة ويسرة.
الله تعالى يوضح لنا الصراط بأنه صراط الذين أنعم عليهم، ومن أعظم من يدخل هذا الوصف أصـحاب الـنبي ﷺ.
يقع الصراط المستقيم بين طريقين، طريق المغضوب علـيهم، وهم الذين حصلوا العلم وأهملوا العمل، وطريق الضـالين، وهـم الذين اجتهدوا في العمل بلا علم، وأهل الصراط المستقيم جمعـوا العلم والعمل.
٩- دوّي اللَّيالي الرَّمضانية
المساجد صارت تتفاوت كـثيرًا في توقيـت صـلاتي التراويح والتهجد بحسب ما يرتاح له أهل كل حـي ويتوافقـون عليه.
آيات قرآنية كثيرة تُشير لخصوصية القرآن في رمضان.
ليس فقـط إنزال القرآن اختار الله له رمضان، بل حتى (مراجعة القرآن) مـع النبي ﷺ اختار الله لها رمضان!
«صحيح البخاري» (4/ 1911): «عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ:
كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ، وَأَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، لِأَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ، يَعْرِضُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْقُرْآنَ، فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ، كَانَ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ.»
الساعات الرمضانية هي أشرف الأزمان وأليقها بالقرآن.
أبو العباس ابن تيمية رحمه الله يقول: [بل من أجلِّ مقصود التراويح قراءة القرآن فيها، ليسمع المسلمون كلام الله] (الفتاوى 23/ ١٢٢).
الصيام يهذب النفس البشرية فتتهيأ لاستقبال القرآن، ففي أيام الصـيام تكـون النفس هادئة ساكنة بسبب ترك فضول الطعام، وهذا يعني أن من أعظم ما يعين على تدبر القرآن وفهمه التَّقلُّـل من الفضول، مثل فضول الطعام، وفضول الخلطة مع الناس، وفضول النظـر، وفضول السماع، وفضول تصفح الإنترنت.
10- الحبل النَّاظِم في كتاب الله
كنت أتأمل كيف ابتلى الله العباد بأمور توافق هواهم، وبأمور أخرى تعارضها، فآمن بعض الناس بما يوافق هواه وترك غيره. والمراد من ذلك شيء آخر، شيء آخر يختلف كثيرًا عما يتصور كثير ممن تضررت عقـولهم بالثقافة الغربية المادية.
المراد عمارة النفوس بتعظيم الله والاستسلام المطلق له.
وكنت أتأمل كيف يذكر الله النسخ في القرآن، ثم يختم ذلك ببيان دلالـة هذه الظاهرة التشريعية، وهي عمارة النفوس بتعظيم القدرة الإلهية.
وكنت أتأمل كيف ذكر الله مسألة من مسائل شروط الصـلاة وهي (استقبال القبلة)، ثم تغييرها من بيت المقـدس إلى الكعبـة، وبرغم كونها مسألة فقهية بحتة، إلا أن القرآن ينبهنا أن وظيفة هذه الحادثة التاريخية كلها هي “اختبار” النفـوس في مـدى تعظيمهـا واستسلامها الله؟ هذا جوهر القضية!
آيات القصاص تختم بـ “تقوى الله”: ﴿وَلَكُمۡ فِي ٱلۡقِصَاصِ حَيَوٰةٞ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 179]
وآيات الصيام تلحق أيضاً بالتقوى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]
وآيات الوصية تختم كذلك بالتقوى: ﴿كُتِبَ عَلَيۡكُمۡ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ إِن تَرَكَ خَيۡرًا ٱلۡوَصِيَّةُ لِلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَ بِٱلۡمَعۡرُوفِۖ حَقًّا عَلَى ٱلۡمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 180]
وكنت أتأمل كيف ذكر الله حالة “الخوف” من الأعداء ونحوها، فلم يسقط الصلاة، بل أمر الله بها حتى في تلك الأحـوال الصـعبة.
القرآن يريد النفس البشرية مشدودة الارتباط بالله جل وعلا في جميع الأحوال، يريد من المسلم أن يكون الله حاضرًا في كل سكنة وحركة.
وحتى في المشاعر بين الزوجين إذا سارت الأمور في غير مجاريها فإن القرآن يحرك في النفوس استحضار الغيبيات والأبعاد الإيمانيـة حيث يقول تعالى: ﴿فَإِن كَرِهۡتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡـٔٗا وَيَجۡعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيۡرٗا كَثِيرٗا﴾ [النساء: 19]
بالله عليـك تخيـل المسلم وقد لبس لأمة الحرب، وصار على خط المواجهة، والعـدو يتربص، والنفوس مضطربة قلقة، والأزيز يمخر الأجواء، والدم تحت الأرجل، ومع ذلك لم يقل الله دعوا الصلاة حتى تنتهوا، بل لم يقل دعوا “صلاة الجماعة”! وإنما شرح لهم كيف يصلوا جماعة في هذه اللحظات العصيبة.
﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمۡ فَأَقَمۡتَ لَهُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَلۡتَقُمۡ طَآئِفَةٞ مِّنۡهُم مَّعَكَ وَلۡيَأۡخُذُوٓاْ أَسۡلِحَتَهُمۡۖ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلۡيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمۡ وَلۡتَأۡتِ طَآئِفَةٌ أُخۡرَىٰ لَمۡ يُصَلُّواْ فَلۡيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلۡيَأۡخُذُواْ حِذۡرَهُمۡ وَأَسۡلِحَتَهُمۡۗ وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡ تَغۡفُلُونَ عَنۡ أَسۡلِحَتِكُمۡ وَأَمۡتِعَتِكُمۡ فَيَمِيلُونَ عَلَيۡكُم مَّيۡلَةٗ وَٰحِدَةٗۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ إِن كَانَ بِكُمۡ أَذٗى مِّن مَّطَرٍ أَوۡ كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَن تَضَعُوٓاْ أَسۡلِحَتَكُمۡۖ وَخُذُواْ حِذۡرَكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٗا مُّهِينٗا * فَإِذَا قَضَيۡتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمۡۚ فَإِذَا ٱطۡمَأۡنَنتُمۡ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَۚ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتۡ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ كِتَٰبٗا مَّوۡقُوتٗا﴾ [النساء: 102-103]
هل تعرف في الدنيا كلها شاهد على حب وتعظيم الله جل وعلا للارتباط بالله واستمرار مناجاته أكثر من ذلك!
بل هل يوجد رجل فيه شيء من الورع وخوف الله يهمل صلاة الجماعة وهو في حال الأمن والرفاهية وعصر وسائل الراحة؛ وهـو يرى ربه تعالى يطلب من المقاتلين صلاة الجماعـة ويشـرح لهـم تفاصيل صفتها بدقة، وهم تحت احتمالات القصف والإغارة؟!
هل تستيقظ نفوس افترشت سجاداتها في غرفها ومكاتبها تصلي “آحادًا” لتتأمل كيف يطلب الله صلاة “الجماعة” بـين السـيوف والسهام والدروع والخنادق؟!
الآن انتهى المقاتل من صلاة الجماعة، فيرشده القرآن لاستمرار ذكر الله.
واصلت الآية الحديث عن انتهاء حالة الخوف، وبدء حالة الاطمئنان، ويتصل الكلام مرةً أخـرى لـربط النفوس بالله.
إنها بوابة استحضار الله وتذكره، يقول الله سبحانه: ﴿إِنَّنِيٓ أَنَا ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدۡنِي وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكۡرِيٓ﴾ [طه: 14]
هكذا بكل وضوح، يقيم المسلمون الصـلاة ليتذكرون الله جل وعلا.
حتى تعليم الجوارح وكلاب الصيد يجب أن يستحضر المؤمن أنها تعليم مما علم الله، ما أشد كثافة حضور العلاقة بالله في القرآن. ﴿وَمَا عَلَّمۡتُم مِّنَ ٱلۡجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُۖ﴾ [المائدة: 4]
ذكر الله تعالى قصة موسى ﷺ إذ أمر قومه بدخول (الأرض المقدسة) والتي ذكر بعض أهل التفسير أا الطـور ومـا حولهـا.
القرآن يكثف دائرة الضوء على أمرٍ آخر أهم وهو أن يرتبط الفؤاد بالله سبحانه وتعالى وهو يصارع هذه البلاءات، يقول الله: ﴿وَإِن يَمۡسَسۡكَ ٱللَّهُ بِضُرّٖ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَۖ وَإِن يَمۡسَسۡكَ بِخَيۡرٖ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾ [الأنعام: 17]
ويقول ربنا في موضعٍ آخر مشابه: ﴿وَإِن يَمۡسَسۡكَ ٱللَّهُ بِضُرّٖ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَۖ وَإِن يُرِدۡكَ بِخَيۡرٖ فَلَا رَآدَّ لِفَضۡلِهِۦۚ يُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۚ وَهُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [يونس: 107]
لعلك لمحت معنى آخر، وهو أن الآيتين كليهما لم يتحدثا فقـط عن أن كاشف الضر هو الله، بل المدهش أنهما أشارتا كـذلك إلى أن من مسَّك بهذا الضر هو الله سبحانه أيضاً!
فصار مبتدأ الأمر ومنتهاه مـن الله وإلى الله، فماذا بقي في القلب لغير الله!
هذه التغيرات التي تطرأ على الفرد والمجتمع بشكل عام يريد بهـا الله أن نعود إليه كما يقول الله: ﴿وَبَلَوۡنَٰهُم بِٱلۡحَسَنَٰتِ وَٱلسَّيِّـَٔاتِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ﴾ [الأعراف: 168]
ومن التعابير الشمولية التي استعملها القرآن لتربية هذه الحقيقـة الكبرى في النفوس قول الله سبحانه في خواتيم سورة الأنعام: ﴿قُلۡ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحۡيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُۥۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرۡتُ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ﴾ [الأنعام: 162-163]
قد يعرف الكثير من الناس اليـوم كيف يصلي لله، وكيف يحج لله، لكن القليل من النـاس يـدرك كيف يحيا حياته لله، وكيف يموت لله؟! وهذه الآية العظيمة تزكي النفوس بهذا المقام العظيم الذي هو لب القرآن.
وإذا تأمل متدبر القرآن هذه الآية ﴿وَمَا رَمَيۡتَ إِذۡ رَمَيۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ﴾ [الأنفال: 17] لوجد فيها إثباتاً ونفياً، فأثبت لرسول الله رمياً، ونفـى عنه رمياً آخر، فالمثبت هو الحذف والإلقاء، والمنفي هو الإيصـال والتبليغ.
في قصَّة الثلاثة الذين خُلِّفوا: ليس العجب فقط أنهم تعلقوا بالله، بل العجب إشارة الآية إلى المبدأ والمنتهى، أعني إشارتها إلى أنه لا نجاة من الله إلا إلى الله! فالله هاهنا هو المخوف، والله نفسه هو الملاذ! هذه هي القلـوب الـتي يحبها الله.
﴿وَعَلَى ٱلثَّلَٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّىٰٓ إِذَا ضَاقَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ وَضَاقَتۡ عَلَيۡهِمۡ أَنفُسُهُمۡ وَظَنُّوٓاْ أَن لَّا مَلۡجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلَّآ إِلَيۡهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيۡهِمۡ لِيَتُوبُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [التوبة: 118]
ليس مـن الأدب أن تدعوا الله أثناء الأزمة ثم تغفل عن التعلق بالله بعد تحسن الأحوال.
متدبر القرآن يجد في سورة الكهف تعريفاً مدهشاً للصحبة الصالحة، يقول الله تبارك وتعالى لنبيه: ﴿وَٱصۡبِرۡ نَفۡسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ وَلَا تَعۡدُ عَيۡنَاكَ عَنۡهُمۡ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَا تُطِعۡ مَنۡ أَغۡفَلۡنَا قَلۡبَهُۥ عَن ذِكۡرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمۡرُهُۥ فُرُطٗا﴾ [الكهف: 28]
واخجلاه من زمانٍ صرنا نستحي فيه من حقائق القرآن!
شـاهد كيف يشرح موسى وظيفة الاستعانة بأخيه هارون في سورة طـه: ﴿وَٱجۡعَل لِّي وَزِيرٗا مِّنۡ أَهۡلِي * هَٰرُونَ أَخِي * ٱشۡدُدۡ بِهِۦٓ أَزۡرِي * وَأَشۡرِكۡهُ فِيٓ أَمۡرِي * كَيۡ نُسَبِّحَكَ كَثِيرٗا * وَنَذۡكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرٗا﴾ [طه: 29-36]
لو قدَّم اليوم بعض الدعاة نصيحة للثُّوَّار على الحكومات العربية الفاسدة بأن يكثروا من (ذكر الله) لعدَّ كثير من المُستغربين ذلـك دروشة وسذاجة!
ليس المطلوب فقط تنفيذ أحكام القرآن، بل لابـد أن يقوم في القلب معنى آخر يظهر به “ذل العبودية” الله سبحانه وتعالى، وهو طأطأة القلب ورقته فور تلقيه القرآن، يقول الله: ﴿وَلِيَعۡلَمَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤۡمِنُواْ بِهِۦ فَتُخۡبِتَ لَهُۥ قُلُوبُهُمۡۗ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ﴾ [الحج: 54]
وأما الذي رأيته شخصياً فلا أعرف مطلوبـاً عمليـاً ردده القرآن بعد التوحيد مثل موضوع (ذكر الله). أما المطلوب الخبري بعد التوحيد فربمـا كان (المعاد) والله أعلم.
وما أحسن قول أبي العباس ابـن تيميـة رحمـه الله: [والمقصود هنا أن الخليلين -محمد وإبراهيم- هما أكمل خاصة الخاصة توحيدًا، وكمال توحيدهما بتحقيق إفراد الألوهية، وهو أن لا يبقى في القلب شيء لغـير الله أصـلاً] (منـهاج السـنة: 5/ 355).
اللهم لا تجعل في قلبي وقلوب إخواني شيء لغيرك أصلاً.
إن الدعاة إلى الله الذي يحاولون دوماً توظيف الأحداث للتذكير بالله هؤلاء أعلم الناس بحقائق كتاب الله، وإن أولئك المفتونين الذين يسخرون من ربط الأحداث بالله، ويسمون ذلك (المبالغة في تديين الحياة العامة) تشويهاً لهذا الدور النبيل؛ هؤلاء هم أجهل الناس بدين الله الذي وضحه في كتابه ببيان هو في غاية البيان.
نقل الإمام ابن تيمية: [ولهذا قال بعض السـلف: مـن سره أن يكون أقوى الناس فليتوكـل علـى الله] (الفتـاوى: 10/ ٣٣).
قال الإمام ابن تيمية: [فإن القلب بيت الإيمان بالله تعالى ومعرفته ومحبته] (الفتاوى: 18/ ١٢٢).
وقال الإمام ابن القيم في النونية: [فالقلب بيت الرب جـل جلالـه، حبـاً وإخلاصـاً مـع الإحسان] (النونية بتحقيق العمير: ٣٦٦).
المقصود عمـارة القلوب بالأعمال التي يحبها الله سبحانه، وخلوصه مـن الالتفـات والانقياد لغير الله، على طريقة التأله السلفي المهتدي.
فما أقرب الساعة التي سيسألنا الله جميعـاً عن تحقيق مراده، وسيكون السؤال حينها على (أسـاس القـرآن) يقول الله: ﴿قَدۡ كَانَتۡ ءَايَٰتِي تُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَكُنتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡ تَنكِصُونَ﴾ [المؤمنون: 66]
خاتمة
هذه الجولات السريعة في عظمة كتاب الله، وأسرار التـدبر المهيبة.
· قواعد التدبر الأمثل للشيخ عبد الرحمن حبنكة الميداني رحمه الله.
· تحزيب القرآن للشيخ د. عبد العزيز الحربي.
· تعليم تدبر القرآن الكريم للدكتور هاشم الأهدل.
· المراحل الثمان لطالب فهم القرآن للدكتور هاشم الأهدل.
· فن التدبر للشيخ د. عصام العويد.
أولاً وقبل كل شيء يجب على الإنسان أن يتضرع إلى الله ويدعوه ويلح عليه أن يجعله من أهل القرآن، وأن يفتح عليه في فهم كتابه، والعمل به، فإن الإنسان لا يفتح عليه في العبودية بمجرد الجهود الشخصية والتخطيط للإنجاز. وكل أبواب الخير من العلم والديانة إنما هي من باب الاستعانة.
ثانياً: يحتاج المسلم إلى وضع حزب يومي للتدبر.
فجعل النبي ﷺ النطاق الزمني لتحزيب القرآن بين (شهر- أسبوع) فلا يكون أكثر من شهر ولا أقل من أسبوع.
«سنن أبي داود» (2/ 56 ت محيي الدين عبد الحميد): «قَالَ أَوْسٌ: سَأَلْتُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَيْفَ يُحَزِّبُونَ الْقُرْآنَ، قَالُوا: ثَلَاثٌ، وَخَمْسٌ، وَسَبْعٌ، وَتِسْعٌ، وَإِحْدَى عَشْرَةَ، وَثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَحِزْبُ الْمُفَصَّلِ وَحْدَهُ»
يقول الإمام ابن تيمية: [فالصحابة إنما كانوا يحزبونه سورًا تامَّة، لا يحزبون السورة الواحدة] (الفتاوى: 13/ ٤٠٨).
ومن الرائع ألَّا يُغلب الإنسان على ورده من التدبر مهما كانت الظروف، والورد اليومي من القرآن كما سمعت أحد الصالحين يقول: في اليوم الأول كالجبل وفي الثاني كنصف الجبل وفي الثالث كلا جبل وفي اليوم الرابع مثل الغذاء الذي تتألم لفقده.
ثالثاً: أن يكون الأصل هو التدبر الشخصي، والتفسير مُعين.
والقرآن كما قسمه ابن عباس أربع مراتب [التفسير على أربعة أوجه: تفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير تعرفه العرب من كلامها وتفسير تعرفه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله.]
ليس كل القرآن يحتاج لتفسير.
فيقرأ الإنسان في المصاحف المهمشة بالتفاسير
· التفسير الميسر الصادر عن مجمع الملك فهد.
· تفسير ابن سعدي.
· تفسير الجلالين.
الإمام العلامة أضخم مرجعية فقهية سنية معاصرة ابن عثيمين رحمه الله حين سُئل عن طريقة طلب العلم وأولى العلوم بالعناية والاهتمام قال: [نقول: ابدأ بالتفسير قبل كل شيء، لكن هذا لا يعني ألا تقرأ غيره، لكن ركز أولا ً على علم التفسير. وطريقة ذلك: أن تفكر أنت أولاً في معنى الآية، قبل أن تراجع الكتب، فإذا تقرر عندك شيء فارجع إلى الكتب، وذلك لأجل أن تمرن نفسك على معرفة معاني كتاب الله بنفسك، ثم إن الإنسان قد يفتح الله عليه من المعاني ما لا يجده في كتب التفسير، خصوصاً إذا ترعرع في العلم وبلغ مرتبة فيه فإنه قد يفتح له من خزائن هذا القرآن الكريم ما لم يجده في غيره] (الباب المفتوح، لقاء ٨٦)
رابعاً: من أجمل الأمور أن يضع الإنسان لأهل بيته برنامجا في التفسير فيقرأون ويتبارون في الاستنباط ثم يراجعون التفسيرات المختصرة، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَٱذۡكُرۡنَ مَا يُتۡلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ وَٱلۡحِكۡمَةِۚ﴾ [الأحزاب: 34]
فالنبي ﷺ كان يتلو على نسائه القرآن، وهذا له أثر لا يتصوره الكثيرون في تحبيب الأهل في القرآن والإقبال على الاستنباط منه.
هذا القرآن عجيب في تصحيح المفاهيم وتزكية النظرات والتصورات.
خامساً: لا أعلم درساً شرعيا في كل علوم الإسلام أسسه النبي ﷺ وأصَّله نظريا بنفسه إلا تدارس القرآن
«صحيح مسلم» (8/ 71): عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ.»
ولقد تأملت سيرة الصحابة في سير أعلام النبلاء، وبعض طبقات ابن سعد، وبعض حلية أبي نعيم؛ فهالني والله ما رأيت من إقبالهم وتكثيف جهودهم في القرآن.
ابن تيمية، حين اعتقل المرة الأخيرة في قلعة دمشق وسحبت منه الكتب والأقلام أقبل على القرآن وقال: [قد فتح الله علي في هذه المرة من معاني القرآن ومن أصول العلم بأشياء كان كثير من العلماء يتمنوّا وندمت على تضييع أكثر أوقاتي في غير معاني القرآن.] (العقود الدرية: ٤٤).
هذا أبو العباس يندم على تضييع أكثر أوقاته في غير معاني القرآن، برغم أنه من أئمة التفسير أصلاً! فماذا نقول نحن المقصرين مع كتاب الله؟!
اللهم اجعلنا من أهل القرآن.
الحمد لله رب العالمين
