القائمة إغلاق

خُلاصة كتاب: مسلكيات، تأليف: الدكتور إبراهيم السكران

 

بسم الله الرحمن الرحيم

خُلاصة كتاب: مسلكيَّات

تأليف: الدكتور إبراهيم بن عُمر السَّكران

تحميل الخُلاصة: [DOC] [PDF]

مَدْخَلٌ

لفت انتباهي في كتاب الله كثرة اقتران مفردتي (العلم) و (الإيمان)، فجعلهما الله لقباً على طائفة، فقال: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ ‌أُوتُواْ ‌ٱلۡعِلۡمَ وَٱلۡإِيمَٰنَ﴾ [الروم: 56]، وأخبر عن رفعة من جمعهما فقال: ﴿‌يَرۡفَعِ ‌ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ دَرَجَٰتٖۚ﴾ [المجادلة: 11]

ونبهنا كيف يقود أحدهما إلى الآخر فقال: ﴿‌وَٱلرَّٰسِخُونَ ‌فِي ‌ٱلۡعِلۡمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ﴾ [آل عمران: 7]، وقال: ﴿‌لَّٰكِنِ ‌ٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ مِنۡهُمۡ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ﴾ [النساء: 162]

وامتن الله على رسوله بهما سويا فقال: ﴿‌مَا ‌كُنتَ ‌تَدۡرِي مَا ٱلۡكِتَٰبُ وَلَا ٱلۡإِيمَٰنُ﴾ [الشورى: 52]، وقال أبو العباس ابن تيمية: (فإن الخير كله، أصله وفصله، منحصر في العلم والإيمان).

ابن تيمية، اقتضاء الصراط المستقيم، تحقيق د. ناصر العقل، مكتبة الرشد، صـ (1/ ٣٧٢).

وفي هذا الكتاب الذي بين يديك حصيلة تمعُّنات وتفحُّصات في بعض مسالك (العلم)، وبعض مسالك (الإيمان). القسم الأول لتأملات مسالك العلم، والقسم الثاني لتأملات مسالك الإيمان.

القسم الأول

جِسْر التَّعَب

سيثور مع غبار هذه الأوراق شيء من الحزن وستشعر أنك ما زلت في أدنى الوادي، بينما طموحاتك وأمنياتك وأحلامك ما زالت هي الأخرى تعانق السحاب!

تفسير الإخفاق، وتعثر الخطط والطموحات، له عوامل كثيرة.

الخطط فوق الصخور والأرجل ما زالت ناعمة ما حفيت بعد.

ما زال في كثير من النفوس وهم مطمور أنه يمكن أن يبلغ المرء المجد وهو لم يكابد المشاق ويلعق الصبر.

المطالب الكبرى لا تحصل للمرء وهو مستكمل راحته وطعامه وشرابه ونومه وأوقات استرخائه.

معالي الأمور، والطموحات الكبرى … لا تكشف وجهها لك، حتى تمسح العرق عن جبينك بيد ترتعش من العناء.

أخطر مشكلة تهدد التربية الدعوية (نقص الجدية).

والعلم جعله الله ثمينا لا يجلب في الأسواق المخفضة.

المتضرر الأكبر في حياتهم هو النوم والطعام والشراب والترفيه.

لما كان الإمام مسلم بن الحجاج يصنف كتابه «الصحيح» الذي هو أحد مفاخر هذه الأمة، وبلغ -رحمه الله- أحاديث الصلاة، وبلغ منها تحديدا أحاديث مواقيت الصلاة، جاء لحديث عبد الله بن عمرو المشهور في تحديد أوقات الصلاة، وكان هذا الحديث جاء بروايات متفرعة متعددة، فرتبها ترتيبا حسنا استوعب اختلاف الطرق فيها عن قتادة عن أبي أيوب عن عبد الله بن عمرو، فلما رأى رحمه الله صنيعه هذا أراد أن يوصل رسالة لقارئ كتابه أن هذه النتيجة الحديثية التي توصل إليها في حديث عبد الله بن عمرو لم تأت إلا بالعناء المضني، فأخرج بعدها أثرا عن الإمام الحافظ يحيى بن أبي كثير (ت١٢٩ه) يقول فيه:

«صحيح مسلم» (2/ 105): (612) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: «لَا يُسْتَطَاعُ الْعِلْمُ ‌بِرَاحَةِ ‌الْجِسْمِ».

يقول القاضي عياض (ت ٥٤٤ه) في كتابه إكمال المعلم: [قال لنا بعض شيوخنا: إنَّ مُسلماً رحمه الله أعجبه ما ذكر في الباب، وعرف مقدار ما تعب في تحصيله وجمعه من ذلك، فأدخل بينها هذا الخبر تنبيها على هذا، وأنه لم يحصل ما ذكر إلا بعد مشقة وتعب في الطلب، وهو بين، والله أعلم] القاضي عياض، إكمال المعلم بفوائد مسلم، تحقيق د. يحي إسماعيل، دار الوفاء، صـ (2/ ٥٧٧).

ومن تأمل في ضخامة العلم، وقصر العمر، وكثرة متطلبات الحياة؛ أدرك حقا أن عبارة الإمام يحيى بن كثير هذه (لا يستطاع العلم براحة الجسم) أنها: حُفِرَت حُرُوفها بإزميل التَّجارب.

يقول ابن القيم: [الكمالات كلها لا تنال إلَّا بحظ من المشقَّة، ولا يعبر إليها إلا على جسر من التعب] ابن القيم، مفتاح دار السعادة، تحقيق عبد الرحمن قائد، نشر مجمع الفقه، صـ (٢/ ٥ ٨٩).

أشار لذلك ابن القيم حين شرح مسائل القدر الكوني وحكمة الله فيه فقال: [قد استقرت حكمته سبحانه أنَّ السَّعادة والنَّعيم والرَّاحة لا يوصل إليها إلَّا على جسر المشقَّة والتَّعب، ولا يدخل إليها إلَّا من باب المكاره والصبر وتحمل المشاق] ابن القيم، شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، تحقيق الحساني عبد الله، دار التراث، صـ (٤٤٨).

الإمام الحافظ الزاهد أبو إسحاق إبراهيم الحربي (٢٨٥ه)، صاحب الكتاب المشهور تاريخيا عن (غريب الحديث)، وهو من تلاميذ الإمام أحمد بن حنبل، حيث نقل عنه ابن تيمية عبارة تهز النفوس. يقول ابن تيمية: [قال إبراهيم الحربي: أجمع عقلاء كل أمة على أن النعيم لا يُدرك بالنعيم] ابن تيمية، قاعدة في المحبة، مطبوعة ضمن جامع الرسائل، تحقيق محمد رشاد سالم، صـ (2/ ٣٩٣).

وهذه العبارة التي حكاها ابن تيمية، رواها الخطيب البغدادي في تاريخه عن إبراهيم الحربي بصيغة مختلفة قليلاً. جاء في تاريخ الخطيب قول الحافظ إبراهيم الحربي رحمه الله: [الرجل هو الذي يدخل غمّه على نفسه، ولا يغمّ عِياله … وأفنيت من عمري ثلاثين سنة برغيفين، إن جاءتني بهما أمي أو أختي أكلت، وإلَّا بقيت جائعاً عطشان إلى الليلة الثانية] الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، تحقيق بشار عواد معروف، دار الغرب، صـ (٦/ ٥٢٢).

مثل هذا النمط استثنائي لا أظن يطيقه إلَّا النوادر في التاريخ.

قال ابن القيم في تأثر واضح بعبارة إبراهيم الحربي: [العقلاء قاطبة مُتَّفقون على استحسان إتعاب النُّفُوس في تحصيل كمالاتها، وكل من كان أتعب في تحصيل ذلك؛ كان أحسن حالاً وأرفع قدراً] ابن القيم، شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، تحقيق الحساني عبد الله، دار التراث، صـ (٤٤٩).

بل حتى اللذائذ الدنيوية التي يطلبها الناس كالمال والصيت والمنصب الخ، فإنها أيضا تتطلب العبور على جسر التعب، كما قال ابن تيمية: [لذات الدنيا لا تنال غالبا إلا بنوع من التَّعب] ابن تيمية، مجموع الفتاوى، صـ (20/ ١٤٦).

من أعظم ما يعين النفس على تحمل هذا التعب الذي تتطلبه المعالي؛ أن يستحضر المرء الثمرة، وأن يستدعي في ذهنه حسن العاقبة، يقول ابن الجوزي في استعارة مكثفة: [تلمّح فجر الأجر يهُن ظلام التَّكليف] ابن الجوزي، المدهش، دار الكتب العلمية، صـ295.

عبارة مُتداولة بين أهل العلم: [بقدر ما تتعنَّى تنال ما تتمنَّى].

قال ﷺ في جملة مُكثفة بيانية جميلة: [حُفَّت الجنَّة بالمكاره] صحيح مسلم: (٢٨٢٢).

فالجنة لا يوصل إليها إلا بمكابدة ما تكرهه النفوس من ترك الهوى والشهوات.

رسم النبي ﷺ مشهد المؤمن وهو يتحمَّل الكلفة والجهد بقوله: [الدُّنيا سجن المؤمن] صحيح مسلم: (٢٩٥٦).

تأمل -مثلا- كيف يذكر الله تقليل أهل الجنة لنومهم في الدنيا وسهرهم في عبادة الله، كما قال الله: ﴿إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَبۡلَ ذَٰلِكَ مُحۡسِنِينَ * كَانُواْ ‌قَلِيلٗا ‌مِّنَ ‌ٱلَّيۡلِ مَا يَهۡجَعُونَ * وَبِٱلۡأَسۡحَارِ هُمۡ يَسۡتَغۡفِرُونَ﴾ [الذاريات: 16-18]

يقول الله عن أهل الشمال: ﴿إِنَّهُمۡ كَانُواْ ‌قَبۡلَ ‌ذَٰلِكَ ‌مُتۡرَفِينَ﴾ [الواقعة: 45]

ومن أعظم مصادر معرفة هذه المعنى تدبر أخبار وقصص الأنبياء في القرآن، وما عانوه مع أممهم.

ولخص ابن القيم جزءا من المشهد بقوله: [وبالجملة: فالغايات الحميدة في خبايا الأسباب المكروهة الشاقة] ابن القيم، إغاثة اللهفان، تحقيق محمد عزير شمس، نشرة مجمع الفقه، صـ (2/ 817).

يقول المتنبي: [وإذا كانت النفوس كباراً … تعبت في مُرادها الأجسام] ديوان المتنبي، دار بيروت، صـ (٢٦٠).

هل هذا يعني أن الإنسان يبحث عن التعب والنصب؟ أليس هذا يخالف تيسير الإسلام وأن المشقة تجلب التيسير؟

يجب التمييز بين مستويين للمشقة دلت عليهما النصوص: أولهما (المشقة المعتادة التبعية) والثاني (المشقة المقصودة بالأصالة).

فأما المشقة المعتادة التبعية، أي التي تكون تابعة للعبادة، ولازمة لها، ولا يمكن التخلص منها؛ فهذه يحمد للإنسان أن يتحملها ويجاهد نفسه عليها.

وأما المشقة المقصودة بالأصالة، فهي مشقة منفصلة عن العبادة، يتكلف الإنسان وجودها، ويستدعيها، فليست في مصلحة العمل ولا منفعته.

(المشقة المعتادة التبعية) المحمود تحملها كقوله ﷺ لعائشة في العمرة: [أجرك على قدر نصبك] البخاري (١٧٨٧)، مسلم (١٢١١)، بنحوه.

وذكر الله الأجر على «التعب والجوع والعطش»، ثلاثتها في قوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ ‌لَا ‌يُصِيبُهُمۡ ظَمَأٞ وَلَا نَصَبٞ وَلَا مَخۡمَصَةٞ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَطَـُٔونَ مَوۡطِئٗا يَغِيظُ ٱلۡكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنۡ عَدُوّٖ نَّيۡلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِۦ عَمَلٞ صَٰلِحٌۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ [التوبة: 120]

قال ﷺ: [والذى يقرأ القرآن، ويتتعتع فيه، وهو عليه شاق؛ له أجران] مسلم (١٨٩٨).

قال أبو العباس ابن تيمية: [فكثيرا ما يكثر الثواب على قدر المشقة والتعب، لا لأن التعب والمشقة مقصود من العمل، ولكن لأن العمل مستلزم للمشقة والتعب] ابن تيمية، مجموع الفتاوى، صـ (10/ ٦٢٢).

وأخشى إن لم نبادر عاجلا بالصعود إلى جسر التعب أن نصطدم يوما بتصرم العمر دون تحقق شيء من تلك الطموحات، وما أقسى خيبة نهاية النفق.

اللهم ارحم الإمام يحي بن أبي كثير إذ قال: (لا يستطاع العلم براحة الجسم).

وارحم يا الله إبراهيم الحربي إذ قال: (أجمع عقلاء كل أمة أن النعيم لا يدرك بالنعيم).

مأزق المُترقِّب

هو إلى الآن ليس جزءا من أي مشروع … ولم يبدأ الخطوة الثانية في أي حلم سبق أن فتح له ملفا في جهازه المحمول.

هذه أزمة الإنسان المترقب.

الإنسان المترقب حدث تحول مهم في حياته.

هو يتحرق كثيرا ويتمنى أن يصنع شي لنفسه وللآخرين، ولكنه واقف كالمشلول … لماذا؟ المترقب ذاته لا يدري.

ما إن يتجاوز لهيب الحماسة حتى يتبدد كل شيء ويعود لذات برنامجه اليومي في التفرج على المنتجين.

لدى المترقب مشكلة يمكن تسميتها مشكلة «ترحيل المهام».

وهكذا أحرق المترقب عمره عبر آلية «ترحيل المهام».

المرحلة الذهبية للتحصيل العلمي هي مرحلة الذروة في قوة الملكات … وأي غبن أن تبدأ المعركة بعد أن تخور قواك.

أنت في كل لحظة تنفق من رصيدك الزمني … فإما أن تشتري به علما وعملا رابحا … أو يذهب في الترقب والتفرج في صفقة خاسرة.

الحديث الذي رواه البخاري عن النبي ﷺ أنه قال: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ) البخاري (٦٤١٢).

الفاروق عمر بن الخطاب في الأثر المروي عنه: (إني أكره الرجل يمشي سبهللا، لا في أمر الدنيا، ولا في أمر الآخرة) ابن الأثير، النهاية، تحقيق رائد صبري، بيت الأفكار، صـ (٤١١).

عن ابن مسعود رضي الله عنه حيث يقول: (إني لأمقت الرجل أن أراه فارغا، ليس في شيء من عمل الدنيا ولا عمل الآخرة) مُصنف ابن أبي شيبة (٣٤٥٦٢).

وقد جمع ابن عبد القوي في بيت واحد حديث البخاري وأثر عمر المشهور، حيث قال رحمه الله: [ولا يذهبن العمر منك سبهللا … ولا تغبنن النعمتين، بل اجهد] ابن عبد القوي، عقد الفرائد وكنز الفوائد، نشرة محمد الجميح، صـ (2/ ٣٩٨).

مُشكلة «التَّقطُّع والتَّرحُّل» في أنصاف المشروعات.

ومن ذلك قول بدر الدين ابن جماعة (ت٧٣٣ه): (وكذلك يحذر من التنقل من كتاب إلى كتاب من غير موجب، فإنه علامة الضجر وعدم الإفلاح) ابن جماعة، تذكرة السَّامِع والمُتكلِّم، تحقيق السيد الندوي، دار رمادي، صـ (١٧٣).

العلامة ابن عثيمين يقول في كتابه الذي جمعه من خطبه وسماه الضياء اللامع: (وإن من الحكمة أن من ابتدأ بعمل وارتاح له فليستمر عليه، فمن بورك له في شيء فليلزمه، وبعض الناس يبدأ الأعمال ولا يتممها، فيمضي عليه الوقت سبهللا من غير فائدة … فيضيع عمله وينقضي عمره بلا فائدة، وكذلك في الأعمال الأخرى كل يوم له عمل، وكل يوم له رأي، فيضيع الوقت عليه من غير فائدة)

قال أبو العباس ابن تيمية: [فالعبد إذا أخذ من غير الأعمال المشروعة بعض حاجته، قلت رغبته في المشروع وانتفاعه به، بقدر ما اعتاض من غيره، بخلاف من صرف نهمته وهمته إلى المشروع، فإنه تعظم محبته له ومنفعته به، ولذا تجد من أكثر من سماع القصائد لطلب صلاح قلبه تنقص رغبته في سماع القرآن، ومن أدمن على أخذ الحكمة والآداب من كلام حكماء فارس والروم، لا يبقى لحكمة الإسلام وآدابه في قلبه ذاك الموقع، ومن أدمن قصص الملوك وسيرهم لا يبقى لقصص الأنبياء وسيرهم في قلبه ذاك الاهتمام، ونظير هذا كثير] ابن تيمية، اقتضاء الصراط المستقيم، تحقيق د. ناصر العقل، مكتبة الرشد، صـ (١/ ٤٨٣).

وهكذا القدرات الذهنية فهي ليست شي مختلفا كليا عن القدرات البدنية، بل كثير من القوانين التي تجري على القدرات البدنية تجري ذاتها على القدرات الذهنية، ومنها قانون (اللياقة).

القدرات الذهنية تضمر وتضعف إذا لم يمارس العقل المران الذهني العميق، ولذلك كان لفظ الرياضة في التراث الإسلامي يشمل ثلاثة مستويات: البدن والذهن والنفس، كما يقول ابن تيمية: (لفظ الرياضة يستعمل في ثلاثة أنواع: «رياضة الأبدان» بالحركة والمشي، ورياضة النفوس» بالأخلاق الحسنة، ورياضة الأذهان» بمعرفة دقيق العلم والبحث عن الأمور الغامضة).

وقال ابن تيمية: (كان كثير من علماء السنة يرغب في النظر في العلوم الصادقة الدقيقة كالجبر والمقابلة وعويص الفرائض والوصايا والدور: لشحذ الذهن) ابن تيمية، الرد على المنطقيين، تحقيق عبد الصمد الكتبي، مؤسسة الريان، صـ (٢٩٩).

بل يتطور الأمر إلى حالة أخطر، وهو كونه ينفر من المسائل العلمية الدقيقة وينفد وقود احتماله وطاقة التركيز لديه، ويصبح عقله يعمل بنظام الوجبات السريعة.

إلباس العجز جُبَّة الحِكْمَة

خرج البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة) صحيح البخاري (١٨٩٧).

وبسبب هذا التفاوت بين غزارة شعب الإيمان، ومحدودية القدرات البشرية وقصر العمر، ينشأ في النفوس التجاذب والتوتر.

من أعظم شعب العلم (حفظ العلم في الصدور) كما قال ربنا: ﴿‌بَلۡ ‌هُوَ ‌ءَايَٰتُۢ بَيِّنَٰتٞ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَۚ وَمَا يَجۡحَدُ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَّا ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ [العنكبوت: 49]، ولو لم يكن في فضل حفظ العلم إلا بركة دعاء سيدي رسول الله ﷺ لكفى: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً ‌سَمِعَ ‌مِنَّا ‌حَدِيثًا، ‌فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ» سنن أبي داود (٣٦٦٠)، سنن الترمذي (٢٦٥٦).

قال رسول الله ﷺ لأحد شباب الصحابة: (ماذا معك من القرآن؟) فقال الشاب: (معي سورة كذا، وسورة كذا، وسورة كذا …) وأخذ يعدد سورا، ثم أعاد النبي ﷺ السؤال بتدقيق أكثر يكشف منزلة الحفظ في نفس رسول الله ﷺ حيث قال له النبي ﷺ: (أتقرؤهن عن ظهر قلبك؟)، فقال الشاب: نعم، فقال النبي ﷺ: (انطلق فقد زوجتكها فعلمها من القرآن) صحيح البخاري (٥٠٣٠)، صحيح مسلم (١٤٢٥)، ولم أجد التصريح باسم المبهم، وصرح بكونه شاب في مسند ابن أبي شيبة (١٠٢).

فبعضهم إذا لم يستطع حفظ العلم لا يعترف لنفسه بالعجز ولا يجتهد في تحفيز إخوانه ممن يستطيع ذلك، بل تراه يخذل إخوانه عن حفظ العلم.

المصيبة فيمن يقول: (افهم ولا تحفظ!)

حفظ المتون هو «جزء» جليل من حفظ العلم، ولكنه ليس هو حفظ العلم بالـ «مُطابقة»، فحفظ العلم أوسع من ذلك كثيرا، حيث يدخل في حفظ العلم: حفظ ألفاظ القرآن والحديث، وأسماء الأعلام ووفياتهم، ومعاني اللغة والتعريفات، وأشهر الأقوال في المسألة، والتسلسل التاريخي للمذاهب والبدع، ومواطن المسائل ومظانها، وحفظ الموضوعات التي تعرض لها كل كتاب مهم في بابه.. إلخ.

كل عناصر العلم هي من أبواب حفظ العلم.

تكرار اللفظ المعين طريق عملي فعال لحفظ العلم، لكنه ليس هو الطريق الوحيد، بل الصحيح أن كل وسائل «معاناة العلم» بإدمان النظر فيه وتقليبه، وتأمله وتدبره: بالشرح والتلخيص والتعليم والتحقيق والتحرير والمدارسة والمباحثة والفتيا … الخ. كلها من وسائل حفظ العلم ورسوخه في الذهن.

معاناة العلم تثمر الخبرة به … فالخبرة فيها قدر زائد على مجرد العلم المحض، وهي الناتجة عن معاناة العلم وتقليبه وإدمان النظر فيه وتفحصه وتمعنه.

ومن شعب العلم (التبحر) وسعة الاطلاع.

قال ابن عبد الهادي عن شيخه البحر ابن تيمية: (لا تكاد نفسه تشبع من العلم، ولا تروى من المطالعة، وقل أن يدخل في علم من العلوم، في باب من أبوابه؛ إلا ويفتح له من ذلك الباب أبواب) ابن عبد الهادي، طبقات علماء الحديث، تحقيق أكرم البوشي وزميله، مؤسسة الرسالة، صـ (4/ ٢٨٢).

ووفرة المصادر تتيح لمن يروم الكتابة والتأليف النقول التي يحتاجها، ويظهر أثر ذلك في كتابه، كما قال ابن حجر عن الأذرعي: (وجمع الكتب حتى اجتمع عنده منها ما لم يحصل عند غيره، وظفر من النقول ما لم يحصل لأهل عصره، وذلك بين في تصانيفه) ابن حجر، إنباء الغمر بأبناء العمر، تحقيق د. حسن حبشي، نشرة لجنة إحياء التراث الإسلامي، صـ (1/ ٢٤١).

وتحقيق وتحرير المسائل هو مخ العلم، ومقارنة المصادر هي مفتاح التحقيق.

ومن أعظم ثمرات مقارنة المصادر أنها تفرز لك (المعلومة) عن (القراءة والتفسير)، فكم من مُعطىً قرأته في كتاب تظنه معلومة مسلمة يبنى عليها، فلما قارنت المصادر تبين أنها رأي وتوجيه واستنتاج من المؤلف.

فتجد بعضهم لا يعترف لنفسه بالعجز عن الجدية في القراءة وسعة الاطلاع، وعدم قدرته على الاستفادة من الكتب الكثيرة.

قول بدر الدين بن جماعة (ت٧٣٣ه): (ينبغي لطالب العلم أن يعتني بتحصيل الكتب المحتاج إليها ما أمكنه، لأنها آلة التحصيل، ولا يجعل تحصيلها وكثرتها حظه من العلم، وجمعها نصيبه من الفهم، كما يفعله كثير من المنتحلين للفقه والحديث) ابن جماعة، تذكرة السامع والمتكلم، تحقيق السيد الندوي، دار رمادي، صـ (٢٢٥).

كلما رأيت انفجار المعارف في عصرنا، وتنوع أساليب العرض والمعالجة، ثم رأيت طالب علم يزهد في سعة الاطلاع؛ إلا انقبض قلبي، وخشيت أن ينشأ جيل إسلامي ينكسر معرفيا أمام التيارات المنحرفة.

ومن أعظم شعب العلم، شعبة (فقه مسائل التراث) وشعبة (فقه النوازل).

ومن أعظم وسائل الدعوة اليوم التسلح بقدر أساس من الثقافة المعاصرة، فإن العلم الشرعي غذاء، والثقافة المعاصرة وعاء، والوعاء الجميل يفتح شهية المتلقي للغذاء النافع … برغم ما يعتري خطاب هؤلاء المثقفين الإسلاميين من بعض القصور الناشئ عن قلة الخبرة بعلوم الشريعة، فكيف لو جمع بينهما في نموذج (العالم المثقف)؟!

ومن لم يعرف الثقافة المعاصرة لم يعرف كيف تشكل عقل الجيل الجديد؟ وكيف تفكر النخب المعاصرة المأزومة مع الإسلام؟ فالثقافة المعاصرة «لغة» ومن لم يعرف لغة قوم كيف يدعوهم؟

ابن تيمية يروي كيف نقد الثقافة الفلسفية في عصره باستيعاب شامل ودقيق؛ وهو قريب العهد من الاحتلام.

يجب أن يوجه العالم طلابه إلى أن يؤصلوا أنفسهم في العلوم الشرعية، ثم يكونوا أنفسهم تكوينا ثقافيا ممتازا بحسب الطاقة والإمكان.

ومن ذلك أنك تجد من شعب الإيمان (الصدع بالحق) وتحمل ما يترتب عليه تبعا من الابتلاء، بل إن حمل رسالة الإسلام ذاتها لا تسلم من تهديدات القوى الدنيوية أصلا، وجاء في القرآن التنبيه على مقام (الصبر) بعد مقام (النهي عن المنكر) كما قال الله: ﴿وَٱنۡهَ ‌عَنِ ‌ٱلۡمُنكَرِ ‌وَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ﴾ [لقمان: 17]

ثم قد يرى الفقيه والداعية عجزه عن ذلك، فلا يصارح بعضهم نفسه بعجزه، ويدعو لمن قام بالفرض الكفائي ورفع المعرة عنه؛ بل يحاول أن يلبس عجزه جبة الحكمة، ويلمّح للصادعين بمهامز التَّهوُّر والتَّعجُّل وقِلَّة العِلْم والوعي والعاطِفَة والحماس ونحو هذا المعجم البارد.

ومن أعظم شعب الإيمان نصرة المجاهدين في سبيل الله، الملتزمين بالضوابط الشرعية للجهاد، المجافين للغلو، والمتسامين بأخلاقيات المجاهد في سبيل الله … نضرتهم بالكلمة والريال وقنوت النازلة وأكف الضراعة إذا هبطت الأسحار. قال تعالى: ﴿وَإِنِ ٱسۡتَنصَرُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ ‌فَعَلَيۡكُمُ ‌ٱلنَّصۡرُ﴾ [الأنفال: 72]، ثمَّ إنك تجد بعض من حاول نصرة هؤلاء المظلومين شعر بإحراجات داخلية فتداهمه الخيالات المرتعشة حتى يقوده الذعر ليس إلى الاعتراف بعجزه، أو على الأقل يقول لنفسه أن لديه مصالح دعوية راجحة تمنعه من نصرة المظلوم، ونحو هذا.

فَنُّ القِرَاءَةِ الجَرْدِيَّة

(الكتب البديعة كثيرة، والعمر قصير، والصوارف تتزايد).

لا يمكن الفرار من التفكير في استثمار الوقت المخصص للقراءة إلى أقصى ما يمكن تحقيقه من الأرباح المعرفية.

ومن وسائل استثمار (وقت القراءة) ما يسمى بـ (قراءة الجرد) وهي المطالعة السريعة للكتاب بحيث يلتقط القارئ من خلالها: هيكل الكتاب، وأسئلته الرئيسية، ومظان المسائل فيه، والتصورات العامة في الكتاب.

ويحدد من خلال هذا الجرد: ما مدى احتياجه للكتاب؟

تمثل قراءة الجرد (قراءة استكشافية مسبقة).

أنماط أخرى للقراءة طبعا، كقراءة الضبط والتصحيح والتأمل والاستظهار والحفظ، الخ.

من أهمّ مَن خصَّص فصولا أو استطرادات جمع فيها هذه النظائر: المقري التلمساني (ت١٠٤١ه) في كتابه: فتح المتعال في مدح النعال، والمحبي (ت١١١١ه) في كتابه: خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر، وجمال الدين القاسمي (ت١٣٣٢ه) في كتابه: قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث، وعبد الحي الكتاني (ت١٣٨٢ه) في كتابه: فهرس الفهارس والأثبات ومعجم المعاجم والمشيخات والمسلسلات.

في كتابه الشهير تاريخ بغداد ترجم الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ ه) للمحدث إسماعيل الحيري، وكان إسماعيل هذا يختص بميزة إسنادية، وهو علو إسناده في رواية صحيح البخاري … فانتهز الخطيب البغدادي الفرصة، وقرأ على الحيري صحيح البخاري كاملا في مدة استثنائية، حيث يروي الخطيب البغدادي القصة بنفسه قائلا:

(ولما كان قبل خروجه بأيام خاطبته في قراءة كتاب «الصحيح» فأجابني إلى ذلك، فقرأت جميعه عليه في ثلاثة مجالس، اثنان منها في ليلتين، كنت أبتدئ بالقراءة وقت صلاة المغرب وأقطعها عند صلاة الفجر … وقرأت عليه في الجزيرة من ضحوة النهار إلى المغرب، ثم من المغرب إلى وقت طلوع الفجر، ففرغت من الكتاب) الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، تحقيق بشار عواد، دار الغرب، صـ (٧/ ١٧ ٣).

الذهبي ذكر هذه القصة في كتابه «سير أعلام النبلاء» ثم عقَّب الذهبي بعدها بقوله: (قلت: هذه والله القراءة التي لم يسمع قط بأسرع منها)، كما نقل الذهبي القصة ذاتها في كتابه الآخر «تاريخ الإسلام» ثم قال: (وهذا شيء لا أعلم أحدا في زماننا يستطيعه).

الذهبي، سير أعلام النبلاء، إشراف شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، صـ (١٨/ ٢٨٠).

الذهبي، تاريخ الإسلام، تحقيق بشار عواد معروف، دار الغرب، صـ (19/ ١٨٢).

هذه الواقعة فيها شاهد لسرعة وطلاقة القراءة، وشاهد آخر لا يقل عنه وهو الجلد والدأب وصلابة التحمل والصبر على المطالعة.

وذكر ابن رجب نموذجا للكتب التي كتبها ابن تيمية بسرعة فقال: (قلت: وقد كتب «الحموية» في قعدة واحدة، وهي أزيد من ذلك، وكتب في بعض الأحيان في اليوم ما يبيض منه مجلد) ابن رجب، ذيل طبقات الحنابلة، صـ (4/ ٥٠١).

والحموية طبعت في مجلد، وهي أحد أهم الكتب الأصول في دراسة عقيدة أهل السنة، وهي غزيرة بالحجج والنصوص، وكثيرا ما يستغرق تدريسها في المساجد زهاء سنة، وقد كتبها في جلسة واحدة رحمه الله.

وفي واحد من عيون كتب التراجم، وهو كتاب الحافظ السخاوي الذي سماه (الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر)، وشرح فيه السخاوي أحوالا علمية في غاية الفرادة والإبهار لشيخه الحافظ ابن حجر (ت ٨٥٢ ه)، ومنها منجزات ابن حجر العلمية أثناء رحلاته:

[وقرأ صحيح مسلم بالمدرسة المنكوتمرية على الشرف أبي الطاهر الربعي في أربعة مجالس، سوى مجلس الختم، وذلك في نحو يومين وشيء، فإنه كان الجلوس من بكرة النهار إلى الظهر … وكذا قرأ كتاب النسائي الكبير على الشرف المذكور في عشرة مجالس كل مجلس منها نحو أربع ساعات، وأسرع شيء وقع له أنه قرأ في رحلته الشامية معجم الطبراني الصغير في مجلس واحد بين صلاتي الظهر والعصر … ومن الكتب الكبار التي قرأها في مدة لطيفة «صحيح البخاري»، حدث به الجماعة من لفظه بالخانقاه البيبرسية في عشرة مجالس، كل مجلس منها أربع ساعات] السخاوي، الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر، تحقيق إبراهيم عبد المجيد، دار ابن حزم، صـ (1/ ١٦١-١٦٣) مُختصرا؛ وقارن بذيل ابن فهد صـ (٣٣٦).

ومن أشهر شروح صحيح البخاري شرح العلامة شهاب الدين القسطلاني (ت٩٢٣ه) وهو يعتني بضبط اللفظة ومعناها على الاختصار، وفيه ميزة عظيمة إذ يدرب قارئه على العلم بأسماء رجال الحديث وضبطها فهو يكرر إيضاح الاسم في كل موضع يتكرر، فلا يخرج منه قارئه إلا ورجال البخاري كأنهم أهل حيه.

يقول الزبيدي في ترجمة أبي الحسن المذكور: [ثم سمع علي «الصحيح» ثاني مرة مشاركا مع الجماعة، مناوبة في القراءة، في أربعة مجالس، وكان مدة القراءة من طلوع الشمس إلى بعد كل عصر] الزبيدي، المعجم المختص، تحقيق نظام يعقوبي ومحمد العجمي، دار البشائر، صـ (٥٣٢).

وجعل هذه القراءة الجماعية من طلوع الشمس إلى العصر، أي بواقع عشر ساعات متواصلة على الأقل.

الشيخ العلامة جمال الدين القاسمي (ت١٣٣٢ه) روى قصة عن نفسه: [أقول: وهذه الكتب قرأتها بإثر بعضها، فأجهدت نفسي وبصرى، حتى رمدت بأثر ذلك، شفاني الله بفضله، وأشفقت من العود إلى مثل ذلك، وتبين أن الخيرة في الاعتدال، نعم لا ينكر أن بعض النفوس لا تتأثر بمثل ذلك لقوة حواسها، وللإنسان بصيرة على نفسه، وهو أدرى بها] القاسمي، قواعد التحديث، تحقيق مصطفى شيخ، مؤسسة الرسالة، صـ (٤٥٤).

نماذج منتخبة من قرون الإسلام، بما يؤكد حضور نمط (القراءة الجردية) بين أهل العلم، وأنها ليست تقنية طارئة استحدثها المعاصرون.

أننا من خلال القراءة السريعة نخشى ألَّا نفهم؟!

وهذا غير دقيق بتاتا، فكثير من الناس يتصور أن البطء في القراءة يثمر دوما الفهم، وهذا صحيح جزئيا، ولكنه ليس كل شيء، بل هناك مستوى من الفهم لا يمكن إلا بالقراءة السريعة! وهي «التصورات العامة للكتاب»

عالم الرياضيات والفيزياء الفرنسي المعروف باسكال (ت١٦٦٢م) في رسالة صغيرة له ضمنها بعض تأملاته يقول فيها:

(When we read too fast or too slowly, we understand nothing)

وترجمتها: (حين نقرأ بسرعة شديدة، أو ببطء شديد؛ فإننا لا نفهم شي)

فهذا تصور يغيب عن الكثير من المعنيين بالقراءة والاطلاع!

التصورات العامة للكتاب ليست موجودة في «المفردات» بل في «الروابط» بين المفردات، وهذه الروابط لا تتضح للذهن إلا إذا تم وصلها بسرعة.

وتخيل معي لو أن طالب علم قرر جرد مطولات الإسلام في فترة وجيزة، مثل: الكتب الستة، وتفسير الطبري، وتفسير القرطبي، والتمهيد لابن عبد البر، وفتح الباري لابن حجر، والمغني لابن قدامة، ونهاية المطلب للجويني، ومجموع فتاوى ابن تيمية، وتاريخ الإسلام للذهبي، فماذا سيحصل من: التصورات الشرعية الكلية، ومظان المسائل، وهياكل الفنون، ومواطن الاتفاق والاختلاف؟!

بل هل يسمح العمر بقراءة مثل هذه المطولات إلا بنمط القراءة الجردية التي طبقها السلف؟

العمر قصير، ومطولات الإسلام كبيرة، وفيها أمتع ما في الدنيا.

التَّصْنِيفُ التَّحْصِيلِيّ

تواطأت عبارات كثير من أهل العلم على التعجب والتساؤل حول كثرة مؤلفات الإمام النووي وشهرتها في الأقطار، في مقابل قصر عمره العلمي.

فمؤلفات النووي في الحديث والفقه واللغة والأعلام صارت «مصادر مرجعية» بين المتخصصين، برغم أن النووي طلب العلم متأخرا، ومات مبكرا! فالنووي ابتدأ في طلب العلم متأخرا نسبيا سنة (٦٤٩ه) وكان عمره حينها كما أخبر هو عن نفسه (١٩ سنة).

يقول النووي عن نفسه: (فلما كان عمري تسع عشرة سنة؛ قدم بي والدي إلى دمشق في سنة تسع وأربعين، فسكنت المدرسة الرواحية) ابن العطار، تحفة الطالبين ترجمة الإمام محي الدين، مطبوع ضمن كتاب: الإيجاز شرح سنن أبي داود للنووي، تحقيق مشهور آل سلمان، الدار الأثرية، صـ (٤٥).

ثم توفي النووي رحمه الله سنة (٦٧٦ه) وكان عمره حين توفي (٤٥) عاما، والعلماء في سن الأربعين يبتدئ للتو عطاؤهم العلمي الدقيق المحرر.

يقول الشيخ عن نفسه أنه مكث ست سنوات في طلب العلم ثم بدأ التأليف، أي أنه بدأ التأليف وعمره (٢٥سنة).

(وذكر لي -رحمه الله- أنه كان لا يضيع له وقتا في ليل ولا نهار؛ إلا في وظيفة من الاشتغال بالعلم، حتى في ذهابه في الطرق ومجيئه يشتغل في تكرار محفوظه، أو مطالعة، وأنه بقي على التحصيل على هذا الوجه نحو ست سنين، ثم إنه اشتغل بالتصنيف) المصدر السابق، صـ (٦٤).

العلامة جمال الدين الإسنوي (٧٧٢ه) صاحب الكتاب المشهور (التمهيد في تخريج الفروع على الأصول).

يقول الإسنوي: (ووقوع هذا للشيخ محيي الدين النووي أكثر، وذلك أنه لما تأهل للنظر والتحصيل، رأى من المسارعة إلى الخيرات أن جعل ما يحصله ويقف عليه تصنيفا، ينتفع به الناظر فيه، فجعل تصنيفه تحصيلا، وتحصيله تصنيفا …، ولولا ذلك لم يتيسر له من التصانيف ما تيسر، فإنه رحمه الله دخل دمشق للاشتغال وهو ابن ثمانية عشرة سنة، ومات ولم يستكمل ستا وأربعين) الإسنوي، المهمات في شرح الروضة والرافعي، تحقيق الدمياطي، دار ابن حزم، الطبعة الأولى، ١٤٣٠ه، صـ (1/ 99).

(فجعل تصنيفه تحصيلا، وتحصيله تصنيفا) وهو تعبير يمهد الطريق لنحت مصطلح (التصنيف التحصيلي).

جعل طلبه وتحصيله للعلم في صيغة مؤلفات فورا.

يقول النووي في مقدمته التي شرح فيها آداب طالب العلم: (وينبغي أن يعتني بـ «التصنيف» إذا تأهل له، فبه يطلع على حقائق العلم ودقائقه، ويثبت معه، لأنه يضطره إلى كثرة التفتيش والمطالعة والتحقيق والمراجعة، والاطلاع على مختلف كلام الأئمة ومتفقه، وواضحه من مشكله، وصحيحه من ضعيفه، وجزله من ركيكه، وما لا اعتراض عليه من غيره، وبه يتصف المحقق بصفة المجتهد) النووي، المجموع شرح المهذب، تحقيق محمد نجيب المطيعي، مكتبة الإرشاد، صـ (٥٦/١).

فكرة التصنيف التحصيلي، أو «التأليف بهدف التعلم».

حافظ الدنيا في عصره الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣هـ) نقل عبارة تحث على تحويل الكتابة الشخصية للتعلم إلى كتابة تصنيفية، يقول الخطيب: (ينبغي أن يفرغ المصنف للتصنيف قلبه، ويجمع له همه، ويقطع به وقته، وكان بعض شيوخنا يقول «من أراد الفائدة فليكسر قلم النسخ وليأخذ قلم التخريج») الخطيب، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، تحقيق محمد عجاج الخطيب، مؤسسة الرسالة، صـ (2/ ٤٢٨).

علق على هذه العبارة البقاعي (ت ٨٨٥ه) تلميذ الحافظ ابن حجر، حيث قال: (أي: لأن الناسخ لا يتأمل في الغالب ما يكتبه، وإن تأمل لم يمعن، بخلاف المخرج، فإنه يحتاج أن يتأمل حق التأمل) البقاعي، النكت الوفية بما في شرح الألفية، تحقيق ماهر الفحل، مكتبة الرشد، صـ (2/ ٣٩٤).

ولاحظ في هذه العبارة التي نقلها الخطيب البغدادي عن شيوخه أنها تدعو طالب العلم أن يتوقف عن مرحلة معينة من طلب العلم، وينتقل إلى مرحلة أخرى، فينتقل من التلقي المحض، إلى التلقي بالمقارنة والتمحيص.

المقطع الذي يتحدث فيه الخطيب البغدادي عن التصنيف؛ ليس المقصود به الانتقال للتصنيف لنفع الناس، بل المقصود به التصنيف لإفادة الطالب نفسه.

طالب العلم يؤلف ويصنف ليبني نفسه علميا.

ولذلك تجد في مقدمات كثير من كتب أهل العلم قولهم أنه صنفه لنفسه أصالة.

الشيخ سفر الحوالي يقول عن نفسه: [فاطلعت على أمهات النظريات والاتجاهات في السياسة، والاقتصاد، والعلم، والاجتماع، والأدب، والفن، وكنت كلما ازددت إيغالا في الاطلاع ازدادت ثقتي، وقوي عزمي على إكمال الطريق، ومع أن المراجع المذكورة آخر الرسالة لا تساوي إلا جزءا مما قرأت، فإنني لا أشعر بشيء من الخسارة، بل أحمد الله تعالى الذي أراني الفكر الجاهلي الأوروبي على حقيقته] الحوالي، العلمانية، دار الهجرة، صـ (١١).

هل هذا قاصر على «التصنيف»؟ لا، طبعا، بل سائر أنواع الإنتاج والعطاء العلمي مفيدة في التحصيل، فمثلا: (تدريس العلم) يظن بعض الناس أنه مرحلة تأتي بعد الانتهاء من العلم، وهذا غير دقيق، بل تدريس العلم وسيلة من وسائل التعلم.

إن الخليل بن أحمد سمى التعليم دراسة!

قال الخليل بن أحمد: (اجعل تعليمك دراسة لعلمك) الماوردي، أدب الدنيا والدين، تحقيق محمد كريم راجح، دار اقرأ، صـ (٩٢).

يروي الأعمش عن إسماعيل بن رجاء (أنه كان يجمع صبيان الكتاب، فيحدثهم، لئلا ينسى حديثه) سنن الدارمي (٦٢٩)، جامع بيان العلم صـ (١٣٩).

الناقد الأدبي الأشهر إدوارد سعيد (ت ١٤٢٤ه)، جعل عنواناً في أحد كتبه: (لطالما تعلمت أثناء الدرس)، يقول في هذا الفصل: [عندما بدأت التدريس في أيامي الأولى، كنت أفرط في التحضير، كنت أخطط لكل ثانية من الدرس. فيما بعد، اكتشفت أن تعليقات الطلاب يمكنها أن تحفز أفكارا ونقاشات لم أكن أتوقعها مسبقا، وفي كثير من الأحيان كان ذلك يجد مكانه في كتاباتي] إدوارد سعيد، السلطة والسياسة والثقافة، ترجمة نائلة حجازي، دار الآداب، صـ (٣٠٥).

أحد أقران الشيخ إبراهيم السكران يقول: [ظللت زمانا أمتنع عن تدريس بعض المتون الصغيرة التي كنت أظنني أتقنتها، وفي الفصل الماضي اضطررت بسبب الوظيفة لتدريس بعض المسائل الشرعية، فإذا بي أكتشف أن المستفيد الأكبر من التعليم هو المعلم، هذه حقيقة لا يدركها إلا من جرب؛ فثمة ثغرات بينة في فهم بعض المسائل لا تنكشف إلا في قاعة الدرس، بل ثمة استنباطات وفتوحات، وربط بين الأبواب لا يتجلى إلا مع التدريس، ولعل هذا من بركة نشر العلم وتعليمه.]

تصور منتشر وشائع، وهو أن التأليف والتصنيف لا يكون إلا بعد الانتهاء من طلب العلم، وانقضاء مرحلة التحصيل، وهذا تصور تسبب في أضرار على الحالة العلمية والتصنيفية.

فإذا تأملت العلاقة بين احتياجاتنا العلمية الواقعية الماسة، والكوادر المتميزة القادرة على البحث والكتابة؛ رأيت هناك نوعا من الفتور في التجاوب السريع ونشر الأبحاث والأوراق العلمية.

هذا العذر فرع عن تصور أن التصنيف وسيلة عطاء محض، وهذا تصور خاطئ، فالتصنيف والتأليف هو وسيلة تلق أيضا، ووسيلة لتمتين التأصيل العلمي لطالب العلم.

وأن طالب علم أراد أن يدرس علم أصول الفقه -مثلا – ويؤصل نفسه فيه، فلو حفظ متنا معتمدا، أو عمد إلى القراءة والتأمل والاستظهار في كتاب مميز: كـ المستصفى، أو إحكام الآمدي، أو التحبير للمرداوي، أو البدر الطالع للمحلي؛ لحصل شيئا جيدا.

التصنيف من وسائل التعلم، وهكذا سائر أوجه الإنتاج والعطاء، كتدريس العلم، والقضاء، والفتيا، والخطابة، ونحوها، فكلها وسائل تعلم للشخص ذاته أولا.

القِسْمُ الثَّانِي

لِقَاءُ العَظِيمَين

ما أعظم ملف يمكن أن يليق باجتماع أهم شخصيتين فكريتين، أو أهم شخصيتين سياسيتين في العالم العربي أو الإسلامي؟

دعني أنقل لك الآن هذا الخبر التاريخي عن اللقاء عالي الطبقة الذي ضم أهم شخصيتين إطلاقا في أرشيف بني آدم.

أحببت أيضا أن أؤكد أن مكان اللقاء هو أيضا مكان متفرد … موقع استثنائي.

أما الشخصيتان محل اللقاء: إبراهيم بن آزر بن ناحور، ومحمد بن عبد الله بن عبد المطلب … صلى الله عليهما وآلهما وسلم.

ول ابن تيمية: (وأفضل الخلق: محمد ﷺ، ثم إبراهيم صلى الله عليهما وسلم) ابن تيمية، اقتضاء الصراط المستقيم، تحقيق د. ناصر العقل، مكتبة الرشد، ص (2/ ٨٣٣).

التقى محمد بإبراهيم -صلى الله عليهما وسلم- لما أسري برسول الله ثم عرج به إلى السماء السابعة.

(ثم مررت بإبراهيم فقال: مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح، قلت من هذا؟ قال: هذا إبراهيم) صحيح البخاري (٣٣٤٢).

وجاء في بعض الروايات أن النبي ﷺ التقى بإبراهيم، وإبراهيم مسند ظهره إلى البيت المعمور، والله أعلم.

(قال رسول الله تقية لقيت إبراهيم ليلة أسري بي، فقال: يا محمد، أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر) سنن الترمذي (٣٤٦٢)، مسند أحمد (٢٣٥٥٢)، وغيرهم.

إنه أبونا إبراهيم مهتم بنا … ويوصل سلامه لنا عبر محمد صلى الله عليهما وسلم

وهو أبونا بنص القرآن: ﴿مِّلَّةَ ‌أَبِيكُمۡ إِبۡرَٰهِيمَۚ﴾ [الحج: 78]

فتخيل أن رجلا ذهب إلى الله، ثم يرسل لك وصية بعد أن انتقل عن الدنيا؟ فكيف ستكون أهمية وصيته؟

هي قيعان، لكي يغرس المؤمن فيها أشجاره بقوله: (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر).

وتخيل أنك تدل صديقا أو قريبا على فضل «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر» … فكلما قالها هذا الصديق أو القريب، غرست له شجرة في الجنة، وغرست لك مثلها، كما في صحيح مسلم (من دل على خير فله مثل أجر فاعله) صحيح مسلم (١٨٩٣).

الإمام النووي (ت٦٧٦ه) اعتبر أنه صارت لأهل الحديث رواية متصلة السند إلى النبي إبراهيم … فإن أهل الحديث يروون هذا الحديث عن الصحابة، والصحابة يروونه عن نبينا محمد ﷺ، ومحمد يرويه عن إبراهيم الخليل!

يقول الإمام النووي: (وقد من الله الكريم علينا وجعل لنا رواية متصلة، وسببا متعلقا بخليله إبراهيم -عليه السلام- كما من علينا بذلك في حبيبه وخليله وصفيه محمد بكلف) النووي، تهذيب الأسماء واللغات، إدارة الطباعة المنيرية، صـ (١/ ١٠٠)

هل تتوقع لو اجتمع اليوم اثنان من المفكرين العرب أن يكون اجتماعهم معنيا بقضية (ذكر الله) كما اهتم بها أعظم رجلين في تأريخ البشرية في اجتماعهما في السماء السابعة؟! لا أظن ذلك … ويبهجني أن أكون مخطئا.

النهضة والتقدم والتطور والرقي في ميزان الأنبياء تختلف كثيرا عن الموازين المادية المعاصرة.

صَفَاءُ الأنْبِجَانِيَّة

تعني مُفردة «الصلاة» صورة المصطفين في المسجد فقط.

ولعل ذلك بعض مما صدق الله به حدس الشيخ شهاب الدين ابن مُرِّي، فقد كان رحمه الله متأثرا ببعض خلل المتصوفة، ثم انفتح له باب الحق بعد اقترابه من ابن تيمية، فشغف بشيخ الإسلام … وصار في مدينة القاهرة يصدع بالحق في مسائل الاستغاثة والتوسل والزيارة … فابتلي كشيخه وسجن وجلد ثم نفي من مصر إلى الشام.

ولما مات شيخه ابن تيمية معتقلا في القلعة أرسل التلميذ الموجوع بفقد شيخه يوصي بقية إخوانه وزملائه بالاهتمام بكتب شيخهم ابن تيمية ونسخها وأطلق قسمه التاريخي وقال: (فلا تيأسوا من قبول القلوب القريبة والبعيدة لكلام شيخنا …، ووالله إن شاء الله ليقيمن الله سبحانه لنصر هذا الكلام ونشره وتدوينه وتفهمه، واستخراج مقاصده واستحسان عجائبه وغرائبه، رجالا هم إلى الآن في أصلاب آبائهم) ابن مري، قطعة من مكتوب الشيخ الزاهد شهاب الدين بن مري، تحقيق محمد الشيباني، مكتبة ابن تيمية، ١٤٠٩ه، صـ (١٨).

وما وجدت إلى هذه الساعة أعذب من ترجمة البزار لشيخه ابن تيمية … ففيها وقائع وشهادات حية رواها البزار كأنك تجلس مع الشيخ.

يقول البزار عن شيخه ابن تيمية: (وكان إذا أحرم بالصلاة يكاد يخلع القلوب لهيبة إتيانه بتكبيرة الإحرام، فإذا دخل في الصلاة ترتعد أعضاؤه حتى يميد يمنة ويسرة) البزار، الأعلام العلية، تحقيق صلاح الدين المنجد، دار الكتاب الجديد، صـ (٣٧).

الحافظ ابن كثير له في وصف أحوال ابن القيم عبارات مبهرة: (وكنت من أصحب الناس له، وأحب الناس إليه، ولا أعرف من أهل العلم في زماننا أكثر عبادة منه، وكانت له طريقة في الصلاة يطيلها جدا، ويمد ركوعها وسجودها، ويلومه كثير من أصحابه في بعض الأحيان فلا يرجع، ولا ينزع عن ذلك، رحمه الله) ابن كثير، البداية والنهاية، تحقيق د. عبد الله التركي، دار هجر، صـ (18/ ٥٢٣).

قال شيخ الإسلام ابن القيم: (فالصلاة وضعت على هذا النحو، وهذا الترتيب، لا يمكن أن يحصل ما ذكرناه من مقاصدها التي هي جزء يسير من قدرها وحقيقتها، إلا مع ا لإكمال والإتمام والتمهل الذي كان رسول الله كية يفعله) ابن القيم، الصلاة وحكم تاركها، تحقيق المنشاوي، مكتبة الإيمان، صـ (122).

قال التابعي الجليل المحدث زاهد البصرة أبو محمد ثابت البناني (ت١٢٣ه) (كنت أمر بابن الزبير، وهو يصلي خلف المقام، كأنه خشبة منصوبة لا يتحرك) البغوي، معجم الصحابة، تحقيق: محمد الأمين الجكني، مكتبة دار البيان، صـ (3/ ٥١٧).

وقال التابعي الجليل إمام التفسير مجاهد بن جبر: (كان ابن الزبير إذا قام في الصلاة كأنه عود، من الخشوع) مصنف ابن أبي شيبة، تحقيق محمد عوامة، دار القبلة، حديث رقم (٧٣٢٢).

التابعي الجهبذ العابد الذي كان يسمى سيد القراء وهو محمد بن المنكدر، حيث يقول: (لو رأيت ابن الزبير وهو يصلي لقلت غصن شجرة يصفقها الريح، وإن المنجنيق ليقع ههنا وههنا ما يبالي) أبو نعيم، حلية الأولياء، تحقيق سامي جاهين، دار الحديث، صـ (1/ ٤٠٦).

فالمشهد العملي نفسه يقتبسه لاحق عن سابق … وينقل المشهد العملي نفسه بكل صمته وهالته بالأسانيد أيضا … قال الإمام أحمد في مسنده: (حدثنا عبد الرزاق قال: أهل مكة يقولون: «أخذ ابن جريج الصلاة من عطاء، وأخذها عطاء من ابن الزبير، وأخذها ابن الزبير من أبي بكر، وأخذها أبو بكر من النبي ﷺ». قال عبد الرزاق: ما رأيت أحداً أحسن صلاة من ابن جريج) مسند الإمام أحمد (٧٣).

فتبدأ مصابيح الإخبات من رسول الله صلى الله ﷺ، مرورا بأبي بكر الذي يتذكر القارئ حديث البخاري عنه حين ضايقته قريش فهم بالهجرة للحبشة، فلقيه ابن الدغنة أحد سادات العرب.

[فطفق أبو بكر يعبد ربه في داره، ولا يستعلن بالصلاة، ولا القراءة في غير داره، ثم بدا لأبي بكر، فابتنى مسجدا بفناء داره وبرز، فكان يصلي فيه، ويقرأ القرآن، فيَتَقَصَّفُ عليه نساء المُشركين وأبناؤهم، يعجبون وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلا بكاء، لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن] البخاري (٢٢٩٨).

وفي صحيح البخاري إشارة إلى شِدَّة إقبال أبي بكر على صلاته وسكونه فيها (وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته) صحيح البخاري (٦٨٤).

يقول ابن جريج: (كان عطاء بعد ما كبر وضعف يقوم إلى الصلاة فيقرأ مائتي آية من سورة البقرة وهو قائم، لا يزول منه شيء ولا يتحرك) أبو نعيم، حلية الأولياء، تحقيق سامي جاهين، دار الحديث، صـ (٣/ ٨٠).

هذا بعدما طعن في السن! فكيف كان عطاء يا ترى يصلي أيام فتوته وشبابه؟!

يقول ابن عيينة: (قلت لابن جريج: ما رأيت مصليا مثلك، فقال: لو رأيت عطاء؟!) أبو نعيم، حلية الأولياء، تحقيق سامي جاهين، دار الحديث، صـ (3/ ٨١).

ابن جريج تأخر طلبه العلم كما ذكر في ترجمته، وذكروا أن سبب ذلك هو ما قاله عن نفسه: (كنت أتتبع الأشعار الغريبة والأنساب، فقيل لي: لو لزمت عطاء؟ فلزمته ثماني عشرة سنة، أو تسع عشرة سنة إلا أشهرا) ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، نشرة مجلس دائرة المعارف العثمانية، صـ (5/ ٣٥٦).

قال ابن المديني: (ما كان في الأرض أحد أعلم بعطاء من ابن جريج).

سنتناول هاهنا أحد هذه المشاهد من صلاة رسول الله ﷺ … وهو مشهد «الأنبجانية» …

كان من رجالات قريش «أبو جهم بن حذيفة»، وأهدى للنبي ﷺ «خميصة»، والخميصة كساء من لبس الأشراف في أرض العرب، ويكون فيها أعلام … فلما لبسه النبي ﷺ وكبر للصلاة نظر في الأعلام التي على طرفي الكساء، فلما سلم ﷺ، جاء متضايقا لأهله وطلب منهم أن يعيدوا «الخميصة» إلى أبي جهم، ويطلبوا من أبي جهم كساء آخر تطيباً لقلب أبي جهم حتى لا يقع في قلبه شيء من رد هديته، والكساء الآخر هو «الأنبجانية» وهو كساء ليس فيه أعلام وهو أقل من الخميصة ثمنا وقيمة عند العرب.

«صحيح البخاري» (1/ 147): «عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى ‌فِي ‌خَمِيصَةٍ ‌لَهَا ‌أَعْلَامٌ، فَنَظَرَ إِلَى أَعْلَامِهَا نَظْرَةً، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: (اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هَذِهِ إِلَى أَبِي جَهْمٍ، وأتوني بِأَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمٍ، فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي آنِفًا عَنْ صَلَاتِي). وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَى عَلَمِهَا وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ، فَأَخَافُ أَنْ تَفْتِنَنِي).» صحيح البخاري (٣٧٣)، صحيح مسلم (٥٥٦).

وفي رواية في مسند الإمام أحمد أنهم راجعوا النبي ﷺ في هذا الطلب لعله يعدل عنه: (فقالوا: يا رسول الله، إن الخميصة هي خير من الأنبجانية، قال: فقال: «إني كنت أنظر إلى علمها في الصَّلاة») مسند الإمام أحمد (٢٤١٩٠).

القصة الأخرى في البخاري نفسه، عن قرام عائشة، والقرام هو ضرب من النسيج فيه نقوش ويتخذ ستارة في البيوت.

«صحيح البخاري» (1/ 147): «عَنْ أَنَسٍ: ‌كَانَ ‌قِرَامٌ ‌لِعَائِشَةَ، سَتَرَتْ بِهِ جَانِبَ بَيْتِهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (أَمِيطِي عَنَّا قِرَامَكِ هَذَا، فَإِنَّهُ لَا تَزَالُ تَصَاوِيرُهُ تَعْرِضُ فِي صَلَاتِي).»

حياتهم كلها … من الأزياء … وأثاث المنزل … يتحكم فيها مطلب الخشوع.

كنت أقول في نفسي لو رآنا هؤلاء فكيف سيصفون صلاتنا؟ ما التشبيه الذي سيطرأ على أذهانهم ليشبهونا به؟

ما معنى «الخشوع»؟

للبحر أبي العباس ابن تيمية طريقة أخرى تفرد بكمية وكثافة حضورها في تفسيره لألفاظ النصوص، يمكن تسميتها «مبدأ الاكتفاء النصي الذاتي» … الآثار نفسها تتضمن تفسيرها بنفسها.

(لا حاجة بنا مع بيان الرسول لما بعثه الله به من القرآن أن نعرف اللغة قبل نزول القرآن …، والعلم بمعاني القرآن ليس موقوفا على شيء من ذلك؛ بل الصحابة بلغوا معاني القرآن كما بلغوا لفظه) ابن تيمية، جواب الاعتراضات المصرية، تحقيق محمد عزير شمس، نشرة مجمع الفقه، صـ (١٠).

كيف فسر ابن تيمية معنى «الخشوع»؟ سنبحث في النصوص الشرعية ذاتها عن معنى «الخشوع».

قال تعالى: ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنَّكَ تَرَى ‌ٱلۡأَرۡضَ ‌خَٰشِعَةٗ فَإِذَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡهَا ٱلۡمَآءَ ٱهۡتَزَّتۡ وَرَبَتۡۚ﴾ [فصلت: 39]

يقول أبو العباس عليه شآبيب الرحمة في رسالته المشهورة: القواعد النورانية: (فالخشوع يتضمن السكينة والتواضع جميعا …، وقال تعالى «ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت»، فأخبر أنها بعد الخشوع «تهتز» والاهتزاز حركة، وأنها «تربو» والربو الارتفاع، فعلم أن الخشوع فيه: سُكُون وانخفاض) ابن تيمية، القواعد النورانية، تحقيق د. أحمد الخليل، دار ابن الجوزي، صـ (٧٤).

هذه هي الحال التي يريدها الله منا في الصلاة: أن نكون في سكون … هذين الوصفين (السكون) و(الإطراق) كليهما جاء النص عليهما في الصلاة في الصحيحين.

فأما السكون ففي صحيح مسلم عن جابر بن سمرة عن النبي ﷺ أنه قال: (اسْكُنُوا في الصَّلاة) صحيح مسلم (٤٣٠).

وأما الإطراق والتذلل بخفض الرأس وإنزال العينين في الصلاة ففي صحيح البخاري عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: («ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم؟!» فاشتد قوله في ذلك، حتى قال: «لينتهن عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم») صحيح البخاري (٧٥٠).

في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: (تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان، قام فنقرها أربعا، لا يذكر الله فيها إلا قليلا) صحيح مسلم (٦٢٢).

وجدت ابن تيمية يقرصني ويقول: (فبين النبي ﷺ في هذا الحديث أن صلاة المنافق تشتمل على: التأخير عن الوقت الذي يؤمر بفعلها فيه، وعلى النقر الذي لا يذكر الله فيه إلا قليلا) ابن تيمية، مجموع الفتاوى، صـ (15/ 235).

فأول خطوة في هذا الشأن هي في طريقة إنشاء وتصميم المسجد الذي سيصلى فيه من الأساس … لشارع نهى عن زخرفة المساجد لأنها تشغل المصلين.

في الصحيحين قال ﷺ (إذا قرب العشاء، وحضرت الصلاة، فابدؤوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب، ولا تعجلوا عن عشائكم) البخاري (٦٧٢)، مسلم (٥٥٧)

في صحيح مسلم (إذا وضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة، فابدؤوا بالعشاء، ولا يعجلن حتى يفرغ منه) صحيح مسلم (٥٥٩).

صحيح مسلم عن أبي قتادة (بينما نحن نصلي مع رسول الله ﷺ، فسمع جلبة، فقال: «ما شأنكم؟» قالوا استعجلنا إلى الصلاة، قال «فلا تفعلوا، إذا أتيتم الصلاة فعليكم السكينة») صحيح مسلم (٦٠٣).

ففي البخاري: (إذا أقيمت الصلاة، فلا تقوموا حتى تروني وعليكم بالسكينة) صحيح البخاري (٦٣٨).

ثم قبل أن يكبر المصلي إماما أو منفردا فقد ندبه النبي ﷺ لوضع سترة تحجز نظر المصلي لتحفظ عليه خشوعه وترد بصره لئلا يتفلت في الوسط المحيط … فإن النفوس إذا لم توضع لها حدود استرسلت … وحاجة النفوس للحدود عام في الطعام والسماع والكلام والنظر ونحوها من موارد الحس.

وفي البخاري عن أنس بن مالك قال: (لقد رأيت كبار أصحاب النبي ﷺ يبتدرون السواري عند المغرب) صحيح البخاري (٥٠٣)، صحيح مسلم (٨٣٧).

ففي الصحيحين قال ﷺ: (لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه، لكان أن يقف أربعين خيرا له، من أن يمر بين يديه) صحيح البخاري (٥١٠)، صحيح مسلم (٥٠٧).

حديث وائل بن حجر في صفة صلاة النبي ﷺ (ثم وضع يده اليمنى على اليسرى) صحيح مسلم (٤٠١).

وهذا الفهم لحكمة «وضع اليدين على الصدر» شائع بين العلماء، قال النووي: (قال العلماء والحكمة في وضع إحداهما على الأخرى أنه أقرب إلى الخشوع ومنعهما من العبث) النووي، شرح صحيح مسلم، تحقيق خليل الميس، دار القلم، صـ (٣٥٨/٤).

ثم تدبر كيف نهى النبي عن تسوية محل السجود إلا بأقل حركة، ففي الصحيحين عن معيقيب (أن رسول الله ﷺ قال في الرجل يسوي التراب حيث يسجد: «إن كنت لا بد فاعلا فواحدة») صحيح البخاري (١٢٠٧)، صحيح مسلم (٥٤٦).

في الصحيحين عن أنس (كنا نصلي مع رسول الله ﷺ في شدة الحر، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض، بسط ثوبه، فسجد عليه) صحيح البخاري (١٢٠٨)، صحيح مسلم (٦٢٠).

وقال ابن حجر منبها على خلفيات هذا الحكم: (وفيه مراعاة الخشوع في الصلاة لأن الظاهر أن صنيعهم ذلك لإزالة التشويش العارض من حرارة الأرض) ابن حجر، فتح الباري، تحقيق محب الدين الخطيب، دار الريان، صـ (1/ ٥٨٨).

ففي البخاري أن النبي ﷺ قال: (إذا نعس أحدكم في الصلاة فلينم، حتى يعلم ما يقرأ) صحيح البخاري (٢١٣).

فصارت فضيلة الصف لها نوع ارتباط بكمية المسافة بين الجنسين في المسجد …كما قال: (خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها) صحيح مسلم (٤٤٠).

التواتر اللفظي المجرد قوته في الثبوت فقط، وأما التواتر المعنوي فقوته في الثبوت والدلالة كليهما.

نبهنا النبي ﷺ ما الذي يحدث بعد انتهاء التثويب أي إقامة الصلاة فقال ﷺ: (حتى إذا قضى التثويب، أقبل الشيطان حتى يخطر بين المرء ونفسه، يقول له: اذكر كذا، اذكر كذا … لما لم يكن يذكر من قبل، حتى يظل الرجل ما يدري كم صلى) صحيح البخاري (٦٠٨)، صحيح مسلم (٣٨٩).

وفي رواية: (فهناه ومناه، وذكره من حاجاته ما لم يكن يذكر) صحيح مسلم (٣٨٩).

وتأمل قوله «فهناه ومناه» أي هيج عليه المطامع والأماني.

الله جل جلاله يجيب عبده إذا قرأ الفاتحة فيقول له: «حمدني عبدي … أثنى علي عبدي … مجدني عبدي … إلخ» … أترانا ننطق آيات الفاتحة ونحن ننتظر جواب ربنا؟ (صحيح مسلم ٣٩٥)

ثم إذا أمن الإمام أكرمنا الله بهذا الفضل (إذا أمن الإمام فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه) صحيح البخاري (٧٨٠).

في البخاري (كنا يوما نصلي وراء النبي مية فلما رفع رأسه من الركعة قال: «سمع الله لمن حمده»، قال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، فلما انصرف النبي قال: «من المتكلم؟!»، قال الرجل: أنا، قال النبي «رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها أول») صحيح البخاري (٧٩٩)، صحيح مسلم (٦٠٠).

فإذا بلغ المصلي موضع «التحيات» أرشده النبي لقول: «السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين» وذكر النبي ﷺ من فضلها (فإنكم إذا قلتموها أصابت كل عبد لله صالح في السماء والأرض) صحيح البخاري (٨٣١)، صحيح مسلم (٤٠٢).

قال النووي عن قول النبي يليف «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه»: (لو قدرنا أن أحدنا قام في عبادة وهو يعاين ربه سبحانه وتعالى؛ لم يترك شي مما يقدر عليه من الخضوع والخشوع وحسن السمت واجتماعه بظاهره وباطنه على الاعتناء بتتميمها على أحسن وجوهها إلا أتى به) النووي، شرح صحيح مسلم، تحقيق خليل الميس، دار القلم، صـ (1/ ٢٧٢)٠

جَنَاح الذُّل

﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنًاۚ إِمَّا يَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوۡ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوۡلٗا كَرِيمٗا * وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا ‌جَنَاحَ ‌ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحۡمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرٗا﴾ [الإسراء: 23-24]

بعض الكلمات تحفر حروفها في الذهن.

هي استعارة قرآنية خلبت اهتمامي. ما مراد الله سبحانه بهذا التركيب؟

وماذا أراد الله أن يوحي من المعاني من جزء العبارة الأول لجزء العبارة الثاني؟

(الجناح) جزء حسي في الطيور ركبه الله فيها تخفق به وتتنقل.

لماذا أضاف الله هذا (الجناح) الحسي المعروف، إلى (الذل) الذي هو سلوك أخلاقي وجزء منه شعور معنوي؟

ما هي الدلالة ا لمتطلب إيحاؤها من لفظ الجناح بما يخدم مفهوم الذل؟

العلاقة بين الجناح والذل أربع علاقات:

العلامة القفال الشاشي الكبير (ت٣٦٥ه)، طرح وجهين للعلاقة بين الجناح والذل:

الوجه الأول فهو أنه لما كان الطائر ينشر جناحه ويرفعه إذا أراد التحليق والصعود، ويخفض جناحه إذا أراد الهبوط والنزول، فناسب أن يصور التذلل للوالدين بأنه كأنه خفض جناح من الطأطأة والخضوع.

الوجه الثاني فجوهره أن الطائر يحنو على فراخه فيلفهم بجناحه ويسبله عليهم تعطفا وشفقة.

(في تقريره وجهان: الأول: أن الطائر إذا أراد ضم فرخه إليه للتربية خفض له جناحه، ولهذا السبب صار خفض الجناح كناية عن حسن التربية، فكأنه قال للولد اكفل والديك بأن تضمهما إلى نفسك كما فعلا ذلك بك حال صغرك. والثاني: أن الطائر إذا أراد الطيران والارتفاع نشر جناحه، وإذا أراد ترك الطيران وترك الارتفاع خفض جناحه؛ فصار خفض الجناح كناية عن فعل التواضع من هذا الوجه) تفسيره مفقود، ولم يقع بأيدينا، انظر نقل المفسرين هذا التحليل عن القفال الشاشي في: الرازي، مفاتيح الغيب، دار الفكر (20/ ١٩٢).

الأديب ضياء الدين ابن الأثير (ت٦٣٧ه) يطرح تحليلا ثالثا للعلاقة بين الجناح والذل، ففي كتابه «المثل السائر» اعتبر أن الطائر إذا أدركه الإعياء والوهن خفض جناحه، فصور التذلل للوالدين بهذه الصورة:

(فإن الجناح للذل مناسب، وذاك أن الطائر إذا وهن أو تعب بسط جناحه، وخفضه وألقى نفسه على الأرض) ابن الأثير، المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، تحقيق أحمد الحوفي وزميله، دار نهضة مصر، صـ (2/ 153).

العالم المتفنن الشهاب الخفاجي (ت١٠٦٩ه) فقد أشار إلى وجه رابع، وهو أنه لما كان الطائر يحلق ويطير شامخا، فإذا فاجأه الجارح والبازي شله الذعر وأعياه الطيران ولصق بالأرض وخفض جناحيه كالمطرق الذليل، فناسب أن يصور التذلل للوالدين كأنه خفض جناح الطائر المستسلم المطرق:

(وأيضا: هو إذا رأي جارحا يخافه لصق بالأرض، وألصق جناحيه، وهي غاية خوفه وتذلُّله) الشهاب الخفاجي، عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي، دار صادر، صـ (6/ ٢٤).

حينما أرى شابا عليه سيماء الاستقامة لكنه يجادل والده بمنطق الند ويستظهر عليه الحجة.

هل هذا خفض جناح الذل كما يخفض الطير جناحه للهبوط؟

هل هذا خفض جناح الذل كما يسبل الطير جناحه لفراخه حنوا عليهم؟

أهذا خفض الجناح كما يخفض الطير جناحه من الوهن؟

هل هذا الإطراق الذي يريده الله أمام الوالدين كما يطرق الطير استسلاما أمام البازي؟

ذكر أصحاب علم القراءات أن كلمة «الذل» في هذه الآية أنزلها الله بقراءتين، بضم الذال «الذُّل» وهي القراءة المشهورة، ولكن ثمة قراءة أخرى لعلها أشد دلالة على التَّذلُّل منها وهي قراءة كسر الذال «الذِّل» … وما الفرق بينهما؟

يقول أبو الفتح ابن جني أثناء توجيهه القراءتين: (ومن ذلك قراءة ابن عباس وعروة بن الزبير في جماعة غيرهما «جناح الذل»، قال أبو الفتح: «الذِّل» في الدَّابة ضِدّ الصُّعُوبة، و «الذُّل» للإنسان وهو ضِدّ العِزّ، وكأنهم اختاروا للفصل بينهما الضمة للإنسان والكسرة للدابة) ابن جني، المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها، تحقيق علي ناصف وزميله، نشرة لجنة إحياء التراث الإسلامي، صـ (١٨/٢).

وجدت بعض أهل العلم استشكل مسألة وقوع الأب في المنكر، وهل ينكر عليه ابنه؟ ومنشأ الإشكال أن النفوس تشعر بأن من ينهاها عن المنكر أنه إنما يخاطبها بفوقية.

فالإمام أحمد نقل عنه ابن مفلح في الآداب الشرعية في الفصل المعقود لهذه المسألة أنه قال: «ليس الأب كالأجنبي»، والغزالي في كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الإحياء قسم الحسبة لخمس مراتب، وجعل اثنتان منها تليق من الابن للوالد وهما مرتبة التعريف ومرتبة الوعظ اللطيف، والبقية لا تليق.

يقول القرافي: (المسألة الأولى: أن الوالدين يؤمران بالمعروف وينهيان عن المنكر، قال مالك: ويخفض لهما في ذلك جناح الذل من الرحمة) القرافي، الفروق، (ف ٢٧٠).

في واحدة من أعجب القصص التي مرت بي أن التابعي الجليل ميمون بن مهران الذي روى عن أبي هريرة وعائشة وغيرهم، رزقه الله بابن عالم، وهو الحافظ عمرو بن ميمون بن مهران (ت ١٤٥ ه)، وهو من رجال الصحيحين، وكان هذا الابن بارا بأبيه، وقد جاء في ترجمته:

(قال الحلبي: حدثني عمرو بن ميمون بن مهران، قال: خرجت بأبي أقوده في بعض سكك البصرة، فمررت بجدول، فلم يستطع الشيخ يتخطاه، فاضطجعت له، فمر على ظهري) ابن عساكر، تاريخ دمشق، تحقيق محب الدين العمروي، دار الفكر، صـ (٦١/ ٣٥٢).

فانظر إلى هذه الصورة الرفيعة من خفض جناح الذل.

أكنت يا عمرو بن ميمون أحد أنواع البلاغة البشرية التي يتحدث عنها قول الله: واخفض لهما جناح الذل؟

ومن أغبى الأوهام المنتشرة اليوم توهم أن «بر الوالدين» مربوط بكمية الخدمات الحسية المادية، يبدو أن عصر الماديات في أحسن أحواله لا ينتج إلا تدينا ماديا أيضا!

البر المعنوي يفوق قيمة البر المادي بقدر ما تفوق الوجاهة قيمة الخبزة.

إنَّها القِيَم المعنوية التي قال عنها دنقل يوما: «هي أشياء لا تشترى».

الإمام الحافظ عبد الله بن عون (ت١٥١ه) من كبار أتباع التابعين، فقد أدرك طبقة من تأخرت وفاتهم من الصحابة لكن لم يسمع منهم، وهو إمام أهل البصرة في زمانه، وشيخ الأئمة المشاهير الكبار كشعبة بن الحجاج وعبد الله بن المبارك.

لاحظ رحمه الله أن مما يدخل في خفض جناح الذل للوالدين «مراعاة مستوى ا لصوت»!

فقد جاء في ترجمته رحمه الله: (عن عبدالله بن عون: أنه نادته أمه فأجابها، فعلا صوته صوتها؛ فأعتق رقبتين) أبو نعيم، حلية الأولياء، تحقيق سامي جاهين، دار الحديث، صـ (2/ ٣١٨).

لعلك تتذكر الآن أن الله في كتابه جعل عتق الرقبة من الكفارات في المناهي العظيمة.

ولم يكن رفع صوته جدالا أو معارضة … ومع ذلك حاسب هذا الإمام العظيم نفسه … وكقر عن أمر لا يعده أكثر الناس إلا سلوكا طبيعيا … ومع ذلك كله أعتق هذا الإمام رقبتين تكفيرا عن هذا العمل!

وجاء هذا المعنى أيضا عن التابعي الجليل محمد بن سيرين (ت١١٠ه) فكان (إذا كلم أمه كلمها كالمصغي إليها بالشيء)، و(إذا كان عند أمه، ورآه رجل لا يعرفه، ظن أن به مرضا من خفضه كلامه عندها) ابن عساكر، تاريخ دمشق، تحقيق محب الدين العمروي، دار الفكر، صـ (53/ ٢١٦).

ومن تجليات «خفض جناح الذل» كمال الأدب في طريقة النظر للوالدين … وخضوع العيون للعيون … وهذا من عيون تفسيرات السلف لهذه الاستعارة القرآنية، فقد روي عن عطاء وعروة من ضمن تفسيرهم لهذه الآية أنهما قالا: (ولا تحد بصرك إليهما، إجلالا وتعظيما) خرجه ابن أبي حاتم وغيره عنهما.

يقول المناوي في فيض القدير: (العقوق كما يكون بالقول والفعل؛ يكون بمجرد اللحظ المشعر بالغضب) المناوي، فيض القدير، تحقيق أحمد عبد السلام، دار الكتب العلمية، صـ (5/ ٥٥١).

كان للإمام التابعي الجليل محمد بن المنكدر شقيق اسمه عمر بن المنكدر … ومحمد اشتهر بالعلم والرواية فقد روى عن أبي هريرة وعائشة وابن عباس وغيرهم، بينما اشتهر عمر بالعبادة والتنسك وغلبت عليه … وروى الإمام ابن سعد في طبقاته بإسناده قال: (قال محمد بن المنكدر: بات عمر يصلي، وبت أغمز رجلي أمي، وما أحب أن ليلتي بليلته) ابن سعد، الطبقات الكبرى، تحقيق محمد عطا، دار الكتب العلمية، صـ (5/ ٣٥٨).

بقي الإمام ابن المنكدر عامة ليله يدلك رجلي أمه … ويخفف إعياءها … ويطيب خاطرها … ويؤانس وحدتها … ويتقرب إلى الله بذلك … ما ترك محمد ابن المنكدر رجلي أمه بل صرح أنه يعتقد أن بر الوالدين أجل في ميزان الله من التهجد.

يدير مقود شأنه باتجاه ما قرر ولا يفكر في استرضاء والديه أولا … وغالب هذه القرارات ينزع منها البركة … والعاقل الحصيف هو الذي يسترضي والديه قبل أن يقدم … ولا أقبح من الاستخفاف باسترضاء الوالدين … والشعور أنهما لا يدركان ما يدرك الابن.

مسألة «أثر التقوى على العلم».

عبارة الإمام أحمد الشهيرة التي رواها المروذي أن أحمد قال: (عبد الوهاب الوراق رجل صالح، مثله يوفق لإصابة الحق).

إظهار الاحترام لرأي الأبوين، وإجلالهما، وإظهار الاستفادة من خبرتهما، والصدور عن توجيههما: هي جنة البر.

أبعد كل هذه السنوات التي طافت بها والدتك الأسواق لتجعلك شامة في عيون قريناتك … تأتين اليوم وترمين العبارات اللاذعة عن ذوق والدتك؟!

المَجَرَّاتُ سَلَالِم اليَقِين

في منتصف القرن العشرين أطبقت على إنجلترا شهرة عالم الفلك والفيزياء الإنجليزي «جيمس جينز» (ت ٢١٩٤٦)، وقد تنقل جينز في حياته الأكاديمية بين جامعة كامبردج وجامعة برينستون، وكان بروفيسور (الرياضيات التطبيقية) في جامعة برينستون.

وسميت باسم جينز عدد من المكتشفات العلمية، منها قانون فيزيائي يسمى (قانون رايلي-جينز) (Jeans law-Rayleigh) حيث ساهم جينز في تطويره وهو قانون يصف الإشعاعات الطيفية في الموجات الكهرومغناطيسية.

ومن المكتشفات التي سميت باسمه (كتلة جينز) (Jeans mass) وهي نظرية تتعلق بنشأة النجوم، حيث تمثل الحد الأدنى لكتلة السحابة الغازية التي ينشأ عن انكماشها نجم جديد.

وقد استعرض ستانلي تفسيرا لهذه الظاهرة -أعني محدودية الفلاسفة في أمريكا- مرتبطا بعمر البلد، ومزاج الأعمال والاستثمار العملي.

من أهم كتب جيمس جينز كتابه «الفيزياء والفلسفة» (Physics and philosophy) وهو دراسة مقارنة بين طريقة عمل الفيزيائيين ومنتجاتهم العلمية، وطريقة عمل الفلاسفة ومنتجاتهم التي قدموها.

حاول أن ينقل الفلسفة إلى تفكير جديد على ضوء نتائج الفيزياء كمفهوم السببية وحرية الإرادة وغيرها.

فصار يتساءل كثير من الباحثين في الحقول التجريبية خصوصا عن (جدوى الفلسفة) ويرون أنها لم تقدم شي؟

ومن أمتع المناقشات التي حاولت دراسة هذه الظاهرة والرد على المخالفين فيها، ورقة الفيلسوف الإنجليزي برنارد ويليامز (ت 2003م) وكانت بعنوان «حول بغض وازدراء الفلسفة»، وقد نشرت في مجلة (لندن ريفيو) وقد استفتحها ويليامز بقوله (حيثما وجد موضوع فلسفي وجد من يكرهه ويزدريه) والرصد المثير الذي عرضه ويليامز هو قوله في مقالته: (هذه الأيام، معظم الذين يتخذون هذا الموقف ضد الفلسفة ليسوا متدينين، بل علماء!).

B. Williams, On Hating and Despising philosophy, LRB, 1996, p16.

هذه الظاهرة شديدة الشيوع في الفكر الغربي العلمي، أعني ازدراء الفلسفة وتعظيم العلوم الطبيعية، تقودنا إلى التساؤل: لماذا إذن شاع بين الشباب المثقف العربي، المعجب بالغرب؛ القراءة في «التراث» الفلسفي الغربي، كفلاسفة القرون 17-18-19، والضعف في التكوين العلمي الطبيعي؟

رموز القرن السادس عشر (مارتين لوثر).

رموز القرن السابع عشر (فرانسيس بيكون، ديكارت، توماس هوبز).

رموز القرن الثامن عشر (جون لوك، هيوم، روسو، كانط).

رموز القرن التاسع عشر (بنتام، هيغل، شوبنهاور، كيركيجارد، سبنسر، نيتشة).

عناية الله المشرقي (ت 1963م) عُرف بولعه الغريب بالرياضيات، وأنهى دراسة عدَّة تخصُّصات موازية في اللغات الشرقية والعلوم الطبيعية!، ومكث في كامبردج خمس سنوات إلى العام ١٩١٢م، ثم عاد بعدها إلى الهند.

ولما بلغ عناية الله المشرقي بحر الثلاثين خطرت له فكرة تفسير القرآن على ضوء مكتشفات العلوم الطبيعية، ونفذ الفكرة فعلا، وأنهى المجلد الأول منه وعمره (٣٦ سنة) في عام ١٩٢٤م، وسماه (التذكرة)، فلفت الأنظار بعمله هذا، وتم ترشيحه لجائزة نوبل.

ففي نفس الفترة التي قدم فيها عناية الله المشرقي إلى كامبردج لمواصلة دراساته في الرياضيات، التقى بجيمس جينز حيث كان جينز يدرس في الجامعة، وتعرف عليه، وقد روى عناية الله المشرقي قصة مدهشة وقعت له مع جينز، وقد نشرت هذه القصة في مجلة (نقوش) الباكستانية، في عددها الخاص المكرس لسيرة عناية الله المشرقي، ثم نقلها عن المجلة المذكورة المفكر الهندي (وحيد الدين خان) في كتابه الذي ترجم للعربية بعنوان (الإسلام يتحدى: مدخل علمي إلى الإيمان)، وأصل الكتاب في النسخة الإنجليزية بعنوان (الله يتجلى: أدلة الله في الطبيعة والعلم) وذكر في مقدمته أن هذا الاسم (الله يتجلى) مأخوذ من آية في الإنجيل، ولكن في الترجمة العربية جعل العنوان (الإسلام يتحدى).

وأمَّا السير جيمس فوجدت شعر رأسه قائما، والدموع تنهمر من عينيه، ويداه ترتعدان من خشية الله، وتوقف فجأة ثم بدأ يقول: يا عناية الله! عندما ألقي نظرة علي روائع خلق الله، يبدأ وجودي يرتعش من الجلال الإلهي، وعندما أركع أمام الله وأقول له: «إنك لعظيم!» أجد أن كل جزء من كياني يؤيدني في هذا الدعاء، وأشعر بسكون وسعادة عظيمين، وأحس بسعادة تفوق سعادة الآخرين ألف مرة، أفهمت يا عناية الله خان، لماذا أذهب إلي الكنيسة؟

ويضيف العلامة عناية الله قائلا: يا سيدي لقد تأثرت جدا بالتفاصيل العلمية التي رويتموها لي، وتذكرت بهذه المناسبة آية من آي كتابي المقدس، فلو سمحتم لي لقرأتها عليكم.

فقرأت عليه الآية التالية: ﴿أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ ثَمَرَٰتٖ مُّخۡتَلِفًا أَلۡوَٰنُهَاۚ وَمِنَ ٱلۡجِبَالِ ‌جُدَدُۢ ‌بِيضٞ وَحُمۡرٞ مُّخۡتَلِفٌ أَلۡوَٰنُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٞ * وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ مُخۡتَلِفٌ أَلۡوَٰنُهُۥ كَذَٰلِكَۗ إِنَّمَا يَخۡشَى ٱللَّهَ مِنۡ عِبَادِهِ ٱلۡعُلَمَٰٓؤُاْۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: 27-28]

فصرخ السير جيمس قائلاً: إن الأمر الذي كشفت عنه بعد دراسة ومشاهدة استمرت خمسين سنة، من أنبأ محمدا به؟ هل هذه الآية موجودة في القرآن حقيقة؟ لو كان الأمر كذلك؛ فاكتب شهادة مني أن القرآن كتاب موحى من عند الله.

وهذا الكون العجيب بمجراته ونجومه وكواكبه وأقماره ومداراته ونظامه دفع البروفيسور جينز إلى البحث عن أقرب دين يعرفه فتمسك النصرانية، فكيف لو تعرف على كتاب الله المحفوظ ورأى ما فيه من عجائب الإعجاز العلمي، والإعجاز التشريعي، والإعجاز البلاغي، والإعجاز الروحي.

ومن العجائب في هذا الحوار أن تنظر كيف يجد البروفيسور «جينز» في فطرته البشرية ما يؤيده وهو يناجي الله بالتعظيم ويقول لله «إنك لعظيم»! فكيف لو عرف هدي رسول الله ﷺ في مناجاة الله بأشرف الأذكار والمقامات وقد تفطرت قدماه ﷺ؟!

كل هذه المعاني في تعظيم الله تكشفت للبروفيسور «جينز» وهو يتأمل فقط ملكوت السموات والأرض، حتى بلغ أن شهد للقرآن أنه حق، وأن نبوة محمد ﷺ حق، ألا صدق الله سبحانه إذ قال: ﴿‌سَنُرِيهِمۡ ءَايَٰتِنَا فِي ٱلۡأٓفَاقِ وَفِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمۡ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّۗ أَوَلَمۡ يَكۡفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: 53]

إيمانويل كانط (ت١٨٠٤م): (شيئان اثنان يملآن العقل بإعجاب ومهابة متجددين ومتزايدين، كلما كررنا النظر فيهما: الأفلاك المرصعة بالنجوم فوقنا، والقانون الأخلاقي في داخلنا)

Kant I, The Critique of Practical Reason, Bibliotech Press, p123.

يروي الحافظ البزار برنامج ابن تيمية بعد صلاة الفجر مباشرة، فيقول: (ثم يشرع في الذكر، وكان قد عرفت عادته لا يكلمه أحد بغير ضرورة بعد صلاة الفجر، فلا يزال في الذكر يسمع نفسه، وربما يسمع ذكره من إلى جانبه، مع كونه في خلال ذلك يكثر من تقليب بصره نحو السماء، هكذا دأبه حتى ترتفع الشمس ويزول وقت النهي عن الصلاة) البزار، الأعلام العلية في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق صلاح الدين المنجد، دار الكتاب الجديد، صـ (٣٨).

وذكر الصحابة كثرة رفع النبي ﷺ وجهه إلى السماء، كما في صحيح مسلم (فرفع النبي ﷺ رأسه إلى السماء، وكان كثيرا مما يرفع رأسه إلى السماء). صحيح مسلم (٢٥٣١).

الحمد لله رب العالمين

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

اكتشاف المزيد من مدونة التاعب

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading