القائمة إغلاق

خُلاصة كتاب: ميراث الصَّمت والملكوت، تأليف: عبد الله بن عبد العزيز الهدلق

بسم الله الرحمن الرحيم

خُلاصة كتاب: ميراث الصَّمت والملكوت

تأليف: عبد الله بن عبد العزيز الهدلق

تحميل الخُلاصة: [DOC] [PDF]

المُقدِّمة

الفكر حين يتحول إلى قوة تاريخية.

وإن حثثنا الخطى أصبحنا بـشـراً مـن الدرجة الثانية، وهذا أقصى ما نطمح إليه، لأن الدرجة الأولى هي الغرب ذاته الذي يتحرك باستمرار في الاتجاه الذي قرره لنفسه.

الثورة على بؤس الطين

«لم يكن الفقرُ قَطُّ نكبة بالنسبة لي، فقد كان يوازيه دائماً غنى النور.. حتى ثوراتي كانت آنذاك تضاءُ بهذا النور.

أما الفقر فمنع عني الحكم بأن كل ما في العالم هو على ما يرام، وأما الشمس فعلمتني أنّ التاريخ ليس هو كل شيء». كامو.

عبد الوهاب المسيري، رحلتي الفكرية، ص ٤٥٢.

في شهر نيسان (أبريل) من عام ۱۹۳۰م عُقدت في الجامعة المصرية مناظرة بين عباس محمود العقاد وسلامة موسى بشأن بيت الشاعر الإنجليزي رديارد كبلنغ: الشرق شرقٌ، والغربُ غربٌ … ولن يلتقي الاثنان. وقد أيد العقاد رأى كبلنغ ونال ۲۲۸ صوتاً، في حين عارضه سلامة موسى ونال ۱۳۲ صوتاً.. نبيل عبد الجبار النزعة العلمية في الفكر العربي الحديث، ص ٣٢٢.

القراءة بديل عن الحياة..

ذهبتُ أرود المكتبات لا أعرف أكثر هذا الذي على رفوفها وكنتُ أتألم لألم الجهل ما زلتُ أذكر حيرتي يوماً وقفتُ فيه عند عنوان غريب على الرف ما هذا؟ ما معناه؟ وبكيت.. لم يكن ثمة أحد يعلّمني.

ليس لأحدٍ سُلطان على عقلي كائناً من كان إذ إنه كثيراً ما أنتجت العصامية الفكرية مثقفاً غير منتم، لكنه متبجح.

قال غرامشي: ينتج عن الهيمنة الثقافية للبورجوازية: أن أفكار الطبقة المهيمنة تصبح بقوّة الأشياء أفكار المجتمع كلّه، فلا يعود أحد قادراً على معارضتها.. وحدهم المتعلمون جدّاً، وأصحاب الكفاءات الفكرية العالية، هم الذين يملكون الوظيفة الاجتماعية للمثقفين وظيفة تغيير الشعوب…

هناك أسماء وموضوعاتٍ وكتباً يكثر الحديث عنها دون غيرها في كل بيئة ثقافية، فينصرف بها القارئ – تقليداً بسبب النشأة الثقافية.

كم وقفتُ بسلوك الطريق المهجورة، بتنكب الجواد هذه على ما لم أكن لأوفّق له لولا النشأة الثقافية المرهقة.

وقع الهُنَيْهة في المطلق

ما أنا؟ ذَرَّةٌ تائهةً في هذا الكون الوَسيع العَماء، هُنَيْهَةٌ في هذا اللامتناهي المطلق..

قد كان من أسمى مقاصدي المرجوة من نشرها أن أكشف لكثير من القراء عما لمنهج التفكير، والتنوع المعرفي، والبيان الوضيء؛ من أثر بالغ على بنية العقل، ونوع الخطاب.

ويُصيب مواقعَ الشُّعور، ثم يمنح القارئ ذاك الذي بعض معانيه أنه أصبح به شيئاً آخر على غير ما كان عليه، لا … بيد أني أحسب أنها لا تخلو من ظلال من معنى قول دوستويفسكي النافذ: الكلمة عمل عظيم.

فأنا في إيمان عميق بقدرة هذه الكلمة الصادقة – وحدها – على الرقيّ بالوعي والكرامة والوجدانِ في عالم الإنسان الذليل البائس؛ بما لا تقدر عليه الأنواع الأخرى الكاثرة من سائر ضروب النشاط الإنساني.. «المثقف في حاجةٍ إلى الإيمان، والجماهير في حاجةٍ إلى الوعي.

أسوقُ هنا إهداء صاحب كتاب صورة المرأة في التراث الشيعي – تفكيك لآليات العقل النَّصي: «الإهداء: إلى آية الله العظمى: العقل»!

خاتمة المقدمة

فالتفاحة لا تسقط بعيداً عن شجرتها.

هذه المقالاتِ نُشر أكثرها في مجلة الإسلام اليوم.

أسألُ الله – سبحانه – أن يجعل سعينا في هذه الحياة الدنيا من خير سعي هذا النّاس، وأن يُرشدنا إلى وضع الأمور مواضِعَها الموافقة للغايات المحمودة منها، والحمد لله ربّ العالمين.

سلفيّة متجدّدة أو المجتمع المدني

وهناك آخر لا يقف إحساسه بالمسؤولية عند حدود بيته، بل يتعداه إلى الفئة التي ينتمي إليها، أو وطنه كاملاً، هذا النوع هو الذي يتكوّن منه: وقود الثورات، أو سكان السجون، أو الباحثون عن المعرفة. أحمد بهاء الدين.

بناء الإنسان لحصونه مقدَّم على دك حصون الآخرين، فالتسلّح بالمعرفة يكون قبل ثقافة الردود.

كثير ممن شعب على المدرسة السلفية؛ إنما استطال عليها بأدواتٍ عَلِم أنها لا تحسنها كثيراً، أصبحت أقدامهم ترتاد.

مساحاتٍ معرفية لا تطرقها أقدامنا، فبلغوا منا شئنا مئنا أم أبينا. ولا سبيل إلى ردّ عادية هؤلاء على أصولنا وثوابتنا؛ إلا بخطاب ـعرف يملك من الكفاءة ما يفكك أطروحاتهم من الداخل، إذ ليس أدعى لهزيمة الخصم ولا أنهض للحجة من أن تساجله بخطاب من جنس خطابه.. وأما حوقلة العجائز فللعجائز!

عن ابن تيمية أتحدَّث

ليست هناك شخصية حيّةٌ حاضرة في بناء عقل ابن تيمية ولا في تشكّل وجدانه فلا تراه يقول وكان شيخنا، ودخلت مرّة على فلان.. مما تراه فيما يذكره عنه ابن القيم مثلاً، أو فيما يذكره كثير من الأعلام عن مشيختهم والآخذين عنهم.

أظن أنه – رحمه الله – كان يمارس نوعاً من الإذلال المعرفي لخصوم الوحي، كأنه يقول لهم: هذا الذي تتحدّثون عنه وتأخذون في شأنه؛ لم نطرحه جهلاً به، فنحن أعرف به منكم لكننا آثرنا الوحي عليه.

أحسب أن كل هذا الاصطراع والاحتراب الكائن في زماننا اليوم؛ إنما يعود عند تأمله إلى تراث وجهود خمس شخصيات مؤثرة رئيسة:

  • ابن تيمية.
  • مارتن لوثر.
  • كارل ماركس
  • ثيودور هرتزل.
  • الخميني.

لن يفهم هذا التراث الهائل من لا يملك قراءةً جيدةً عن عصر المماليك، وما كان في تلك المرحلة من اشتجارٍ ثقافي واجتماعي وسياسي كان له أثر كبير في تشكل النص التيمي.

ليت أننا نتجاوز هذا الاجترار ونتوسع في قراءاتنا، حتى نقف على مظان عالية غير مكرورة فيما نكتبه.

رحم الله شيخ الإسلام ابن تيمية ورضي عنه، ولقد أراه بلغ في آخر أيامه في سجن القلعة من الولاية؛ ما لم ينل منه بعضُ الأكابر إلا الفتات {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ}.

بئس هذا الناس

مــا بــال قلمي لا يضيء إلا بنار روحي وَوَقد ضميري؟

ألا فلتربّوا أبناءكم على كثير من الشر، لا ليكونوا أشراراً؛ لكن حتى يتقوا من الناس شر الناس.

حبستُ نفسي في البيت عدة سنوات، وذهبتُ ـ فيما يشبه الجنون لكنّه معرفي – أقرأ في اليوم والليلة أكثر من ثلاثَ عَشرة ساعة، لا يصرفني عن القراءة إلا دموع عيني من فرط الجهد، لم أكن في تلك الأيام أتنفّس من رئتي كنتُ ألتقط أنفاسي من ثقوب الكلمات.

استهواني – فيما استهواني – من هذه الدنيا الغريبة التي فتحها الله عليّ بعد أن أُوصدت دنيا الواقع في وجهي: فن التراجم الذاتية.. وما زلت أظن أنه لا يوجد فن آخر يعدله من فنون هذا التراث الإنساني كله.

كانت كتب التراجم الذاتية مسلاةً لروحي، أجد فيها العظة والعبرة والمتعة، وكنت أعثر فيها على لطائف من المعارف لا توجد في غيرها، بل لا يظن القارئ أنها من مظان هذه اللطائف:

  1. في سيرة الممثل الهزلي المشهور شارلي شابلن قصة حياتي حديث أفضت به زوجة آينشتاين لشارلي عن الأيام التي كتب فيها زوجها النظرية النسبية».. ستحفى قدما محاضر في العلوم وهو يتردَّد بين أرفف المكتبات فلا يظفر بمثله.
  2. في ترجمة أنيس صايغ لنفسه أنيس صايغ عن أنيس صايغ فصل حافل عن ياسر عرفات يفرح به مؤرخو السياسة.
  3. في النوافذ المفتوحة للشيوعي شريف حتاتة – زوج سيئة – الذكر نوال السعداوي – ما يكشف عن شخصية الشاذ في رواية عمارة يعقوبيان لعلاء الأسواني.
  4. في سيرة عبد الرحمن بدوي ذكر لدراسته بعض تراث شيخ الإسلام ابن تيمية على شيخه مصطفى عبد الرازق.
  5. في سيرة برتراند راسل نعرف أن أخاه هنري كان مسلماً.
  6. في الاعتبار لأسامة بن منقذ – هذه أفضل ترجمة ذاتية في تراثنا العربي – نصوص رائعة عن أوروبا العصور الوسطى.
  7. في خواطر وذكريات لإبراهيم الحسون وضفّ بديع للحياة اليومية في جُدّة في بداية الدولة السعودية.

لذا بدأتُ بتأليف كتاب عنوانه المنتخب من كتب التراجم الذاتية لو تمَّ لأتيتُ فيه بما يبهر القارئ ويفيده..

رأيتُ أن الذين قرأتُ تراجمهم الذاتية يُجمعون كلهم على اختلاف ألسنتهم وألوانهم وأزمانهم وأعمارهم وأديانهم، وتفاضل تجاربهم، وتباين مشارب أنفسهم، وتنوع مطارح مقاديرهم على أن الحياة نَصَبُ، ومشقة، وأنهم ما نالوا ما نالوه منها إلا بالصبر والتجلد والمغالبة.

رأيتهم يجمعون كلهم على فسادِ طبيعة الإنسان، وسوء خلقه، وبشاعة مخبره، وخبث طَوِيَّته، ورداءةِ صِنفه.. وأنه لم ينلهم من أوصاب هذه الفانية وأدواء هذا العمر، وأتراح هذي الروح؛ أشدّ ولا أشقّ ولا أكثر إيلاماً من صراع الإنسان وحَسَده وقُبْحِه.

فوائد من مجالس شيخنا العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد

أُمَّةٌ يموت فيها العالم ثم لا يخلفه فيها غيره؛ ليــســت تـسـيـر عـلـى سواء من أمرها.

إن سيرة بعض العلماء مُحجلة!

حين تتبين هذا تعرف قدر الشيخ يوم قال لي مرّةً حضر عندي قبل أيام أحد كبار الناشرين… ثم ذكر الشيخ كلاماً قال في آخره يريدون أن يجعلوا منّي مطية لدنياهم، هيهات.

الغَيْرة حِلْيَةٌ جُبل الشيخ عليها، ومن لا غيرة عنده لا فضيلة فيه، هو غيور على دين الله أن يجترأ عليه غيور على عقيدة السلف أن تمسّ، غيور على محارم المسلمين أن يُنال منها، غيور على هذا العلم أن يتسوّره من ليس من أهله.

ذكرتُ للشيخ بكر مرّةً أن كرد علي قال في مذكراته: «ابن تيمية للإسلام كمارتن لوثر للنصرانية»؛ فدُهِش.. واستعاد الكلمة منّي، ثم أَخَذ وجهُه يتهلّل في جَلالٍ من ألق آخذ لم أره في وجه فاتر الذهن قط.

قال ابن حزم: «لذة العالم بعلمه».

العقاد كان يقول: «الذاكرة مَلَكة مستبدة، تحفظ وتنسى على غير قانون ثابت».

قال لي الشيخ – رحمه الله ـ: ما ندمت على شيءٍ في شبابي ندمي على كتابين فرّطتُ فيهما:

كتاب الزهد للإمام أحمد رحمه الله. ثم إن الكتاب طبع بعد ذلك وكثرت نسخه بأيدي طلبة العلم.

وأما الكتاب الثاني: فكتاب غرائب الاغتراب رحلة الألوسي المفسّر.

الشيخ زكريا الأنصاري كان إذا مرض استشفى بمطالعة كُتُب أهل العِلم!

قال الشيخ: أكثرتُ في الآونة الأخيرة من كتابة المقدّمات لطلبة العلم، أكثرتُ وليس للعالم أن يبتذل قلمه هكذا، لا بُدَّ للعالم من أن يصون، قلمه، لابد للعالم من أن يصون قلمه.

قال الشيخ: فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ هي أعظم عمل علمي تفاخر به بلادنا.

فقال الشيخ ما معناه: ليتني أستطيع أن أنقطع إلى العِلم يشغلني عنه شيء.

قال الشيخ: لو كتبت اسم شيخ الإسلام ابن تيمية على ورقة بيضاء لاشتراها الناس..

وسألته: هل ذكر شيخ الإسلام في شيء من كتبه أنه عربي النَّسَب؟ فقال: لا أعرف هذا ما أبعد شيخ الإسلام عن ذكر مثل هذه الأمور!

قال: لكنّه عربي من بني نُمير..

قلت: وابن القيم؟

قال: لا، لم يكن ذا أصل عربي.

وفي ثاني يوم ذهبت إلى المحكمة الشرعية بجوار المسجد النبوي لزيارة قاضي المدينة الأستاذ بكر أبو زيد، وهو شاب عالم جليل واسعُ الاطّلاع، ومن المشتغلين بالعِلْمِ وجمع كتب الحديث النبوي والدينية [كذا]، وكان زارني في مكتبتي بالقاهرة، وسلّمتُ عليه وأهديته الجزء الرابع من كتابي الأعلام الشرقية.

أشَعَرتَ كيف غدا الأستاذ الشاب – بعد ذلك – الشيخ العلّامة.

ثنتا عشرة فيها ابن دقيق وكافكا وفتيات بسمارك

اللهم إنا نسألك ما نسأل؛ لا عن ثقة ببياض وجوهنا عندك، وحسن أفعالنا معك، وسوالف إحساننا قبلك، ولكن عن ثقة بكرمك الفائض، وطمعاً في رحمتك الواسعة.

فنسألك ألا ترد علينا هذه الثقة بك، فتشمت بنا من لم تكن له هذه الوسيلة إليك. أبو حيان التوحيدي.

من لا يدرس التاريخ يسخر منه التاريخ.

وإن كان هناك معنى يمكن أن يُفهم منه شيء من الصلة بين تافه العِلل وجَسامَةِ الأحداث؛ فأظنّ أنه يتمثل في: «ضعف اعتبار الواقع». كانوا يقولون: إن النعامة إذا أحست بالخطر فإنها تدسّ رأسها في التراب، ولقد ظلت هذه المقولة زمناً مما يتمثل به كل من رأى ما يستدعي مقولة النعامة والتراب. ثم جاء بعضُ الدارسين ورفع الظلم عن النعامة؛ وأبان أنها إنما تفعل ذلك لا لتتخفّى، وإنما لتسمع وقع أقدام العدوّ فتحدد مسافة الخطر القادم.

من يستطيع أن يفسر لنا ما نحن فيه تفسيراً علمياً يدفع به عنا تُهمةَ العجز والجهل؟

كلّما قرأتُ لفرانز كافكا (١٨٨٣ – ١٩٢٤م) تولّتني عاطفةٌ حزينةٌ لا أكاد أتبين مأتاها..

مات: «هذا الألماني المسلول الشريد في دنيا اللامعقول في مصح لا يكاد يعرفه فيه أحدٌ عن إحدى وأربعين سنة، بعد أن رفض رئيسه في العمل أن يمدّد إجازته وهو يُحتضر.

وكان قد عاش حياةً عانى فيها من تسلّط الأب، ومرارة الوحدة، وظلام الفطرة، وخواء الروح، وويلاتِ الأرق، وآلام العبث، وشقاء الأسئلة، وبؤس الإجابات، وقسوة الإلحاد، ويُبس العدم، وحدّةِ الاغتراب الوجودي ما عاناه..

ثم إن العالم تَنَبَّه له بسبب صديق له سعى في نشر أدبه يُدعى ماكس برود.

مازلتُ أُصر على أنه لا أثر للحملة الفرنسية على مصر فيما يسمونه الصدمة الثقافية، وبداية التاريخ الحضاري المعاصر للعرب.. وإنما الأثر جاء بعد على يد محمد علي باشا فيما أرسله مــن بعثات علمية، وما أنشأه من مطبعة بولاق، وجريدة الوقائع..

لهذا فرحت لما ظَفِرتُ من هذه المكتبة بكتاب البعثات العلمية في عهد محمد علي للأمير عمر طوسون، لاسيما وأن على الكتاب خطّ الأمير نفسه يهديه إلى الهلالي سنة ١٩٣٥م.

وبينما كنتُ أُقلّبُ الكتاب وقفتُ فيه على هذه اللطيفة: «يوسف أفندي الأرمني، أرسل إلى فرنسا لتلقي علم الفلاحة، وكان يتلقاها في بلدة (روفل)، وكان راتبه الشهري خمسمائة، قرش قام من فرنسا في أوائل سنة ۱۸۳۲م، وترقى فيما بعد إلى ناظر مدرسة الزراعة بنبروه، ثم ناظر بساتين محمد علي وأنجاله، وباسمه سُمّيت الفاكهة المعروفة بيوسف أفندي لأنه هو الذي أوجدها بمصر»!

ولا أشدّ إيلاماً من هذا البيت لمحمود أبو الوفا:

أود أضحك للدنيا فيمنعني … أن عاقبتني على بعض ابتساماتي

دونك بعض ما نحن فيه من خطاب الخيبة:

  • في مقدّمة تحرير المرأة ط ۱۸۹۹م لقاسم أمين: «بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله».
  • في بداية ترجمة طه السباعي باشا لحرية جون ستيوارت مل، والكتاب يُعدّ إنجيل الليبرالية ط ۱۹۲۲م: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وصحبه وآله.
  • في أول كتاب الإسلام وأصول الحكم ط ١٩٢٥م لعلي عبد الرازق: بسم الله الرحمن الرحيم، أشهد أن لا إله إلا الله، ولا أعبد إلا إياه، ولا أخشى أحداً سواه، له القوة والعزّة، وما سواه ضعيف ذليل، وله الحمد في الأولى والآخرة، وهو حسبي ونعم الوكيل. وأشهد أن محمداً رسول الله أرسله شاهداً ومبشّراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، وصلى الله وملائكته عليه وسلموا تسليماً كثيراً.

هذه الكتب هي من السوء إلى ما هي ورأيت افتتاحها.. جلدونا – حسبهم الله – بسياط الخطاب المدني المعاصر؛ حتــى بــات بعضُ مثقفينا يستحيي أن يفتتح كتابه بذكر الله عزّ وجَلّ.

وحين يُلقي أحد الدعاة المعروفين محاضرةً في المسجد عن عبد الوهاب المسيري؛ ثم أطالع كتب المسيري المتأخرة فلا أراه ابتدأ واحداً منها بذكر الله عزّ وجَلّ؛ فإن ثنائية المسجد والعلمانية الجزئية تحتاج في تفكيكها إلى عمل عقلي مجهد.

المسيري قامة فكرية عالية لا شك، لكنّي آخذُ عليه كثيراً:

ماذا حين يُنعت بالمفكر الإسلامي؛ ثم أجده قد تجاهل النصّ الشرعي فاستبعده تماماً من نتاجه المعرفي كله؟

أين الآياتُ وأحاديثُ الفتن والملاحم وأشراط الساعة فيما كتبه عن اليهود؟

إنه ليس كلّ من التقى وإياك في النتيجة يصدر -لا محالة- عن مقدماتك..

قال شيخ الإسلام ابن تيمية طرق العلم ثلاثة الحس والعقل والمركب منهما كالخبر، فمن الأمور ما لا يمكن علمه إلا بالخبر، كما يعلمه كلّ شخص بأخبار الصادقين كالخبر المتواتر، وما يعلم بخبر الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين.. ويمتنع أن يقوم دليل صحيح على أن كلّ ما أخبر به الأنبياء يمكن معرفته بدون الخبر [الخبر: الوحي].. ولهذا كان أكمل الأمم علم المقرون بالطرق الحسية والعقلية والخبرية، فمن كذب بطريق منها؛ فاته من العلوم بحسب ما كذبه من تلك الطرق».

درء تعارض العقل والنقل (۱۷۸/۱، بدلالة عادل التل النزعة المادية في العالم الإسلامي، ص ٥٧.

هل يسجل أحد الدارسين أطروحة عنوانها: الموارد الفكرية في دراسات المسيري؟

يبدو أن رذيلة المبالغة كامنة في أصل فطرتنا حين نتحدث عمّن نحبّ؛ أنّى اتجهت ركائبنا، وحيث اختلفت بنا السُّبُل..

خواطر حول كتابات أبي عبد الرحمن ابن عقيل

ولهذا فإنه ليصدق علي إلى حد بعيد قول أحد النقاد في بعض الكتاب: «لو قلنا لكل كلمة له ارجعي إلى صاحبك؛ ما بقيت له كلمة واحدة.

إني لا أريد لنفسي التشبه بذاك القدم الجاهل الذي خدعته الشمس بطول ظلّه، فلما غابت أدرك المسكين قدره الحقيقي.

فمقالتي هذه لا تعدو أن تكون خواطر شاب ما زال يتلمس طريقه في سراديب المعرفة، ورؤى غِرّ لما تنضج أفكاره بعد، لـه بعضُ المطالعات التي لا ترتقي في حقيقتها إلى مستوى هذه الكلمة، ولكنها – على قلتها – قد رفعته عن منزلة الدهماء بعض الشيء.

إن ثمة قليلاً من الناس يتلمسون طريقهم في الظلام ليصلوا إلى النور.

قال الناقد القدير مارون عبود: إن الألفاظ لا تؤخذ من القاموس، ولكن يُستشار القاموس بشأنها.

إن العمل الأدبي تعبير عن تجربة شعورية في صورة موحية، ودور الألفاظ هو تحويل تلك التجربة الشعورية من إحساس وانفعالٍ مُضمرٍ إلى عمل متجسّد نابض بالحياة، فالألفاظ أثواب نستخدمها لتشخيص المعاني الماثلة في أخيلتنا.

الشُّعُور بالنَّقص الحضاري

وبعد.. فاطّلعتُ على مقالة لأحد الأساتذة نشرت في صفحة التراث من العدد (۱۲۱۹۸) من جريدة الرياض بعنوان: (الآمدي الحنبلي سبق برايل في اختراع الكتابة للعميان).

وجاء في تلك المقالة أن الآمدي: كلما اشترى كتاباً أخذ ورقة وقتلها فصنعها حرفاً أو أكثر من حروف الهجاء لعدد ثمن الكتاب بحساب الجُمَّل، ثم يلصقها على طرف جلد الكتاب ويجعل فوقها ورقة تثبتها، فإذا غاب عنه ثمنه حسّ الحروف الورقية فعرفه.

وأول من أشار ونبه إلى هذا العلم الآمدي هو شيخ العروبة أحمد زكي باشا حيث قال رحمه الله إن زين الدين الآمدي سبق برايل إلى اختراع طريقته في الكتابة بنحو ستمائة سنة لأن برايل الفرنسي اخترع طريقته في نحو سنة ۱۸٥٠م). انتهى بتصرف.

كان مصطفى جواد يقول: إن التاريخ خير مُرَبِّ للأمم الضعيفة.

لقد ذكر ابن النفيس الدورة الدموية قبل أن تعرفها أوروبا ولشيخ الإسلام ابن تيمية حديث مؤصل عن العقد الاجتماعي قبل حديث روسو في عقده الذي يعد إنجيل الثورة الفرنسية كما يقال.

لا أريد أن أسر المسلمين بكلمة هؤلاء قوم كلما قال لهم الإنسان كونوا بني آدم أجابوه إن آباءنا قد كانوا كذا وكذا، وعاشوا في خيال ما فعل آباؤهم، غير مفكرين بأن ما كان عليه آباؤهـم مــن الرّفعة لا ينفي ما هم عليه اليوم من الخمول والضَّعَة.

عيون ريتا … والعزى

قال العلّامة الدكتور عمر فروخ (١٩٠٤ -١٩٨٧م) في ذكرياته الحافلة غبار السنين (أجزم أن سيكون القارئ شيئاً آخر بعد قراءتها إن كان ممن يستفيد من تجارب الكبار).

إذا كنت تعني أن التنظيم وضبط الأمور هما من الاستبداد؛ فإن ألمانية كانت في ذلك الحين في قمة الاستبداد.

اليوم مولد هتلر تقام الاحتفالات بـه في جميع أنحاء ألمانية، والبرتقال اليوم تشتريه الدولة لأن هتلر لا يشرب الخمر ولا يقدم الخمر في مثل هذه المناسبة.

يستخدم هتلر سيارة مرسيدس بنتز ذات رقم عادي على لوحة باللون الذي تكون منه جميع لوحات السيارات الأخرى..».

قلت: هذا هو التاريخ الذي لم يكتبه الخلفاء..

انقدح في ذهني: أنَّ الوليد بن المغيرة لما عجز عن أن يأتي بِمِثْل القرآن، ثم قال مكابراً: إن هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِي؛ جعل الله – سبحانه – من قوله هذا قرآناً يتلى، ليكون أشدَّ في النكاية به، وأبلغ في إظهار ضعفه وعجزه.. كأنه قال له: سنجعل من نفيك أن يكون القرآن كلام الله؛ مِن كلام الله..

لحنا خباز وجورج حداد كتاب عنه عنوانه فارس الخوري حياته وعصره لم أطلع عليه، ولمحمد الفرحاني كتـاب فــارس الخوري وأيام لا تُنسى، وكتبت عنه حفيدته الأديبة كوليــت خــوري كتاباً ماتعاً عنوانه أوراق فارس الخوري.

قال عنه تلميذه الشيخ علي الطنطاوي في مذكراته ١٦٦/٢، ١٨٦: «هو العالم الشاعر الفحل الخطيب البارع في العربية والإنكليزية.

وكنت أعجب منه كيف يكون له هذا الاطلاع على الإسلام وهذا العقل، ولا يهديه عقله إلى اتباع دين الحق الذي لاحق في الأديان غيره، لاسيما وأنه كان يتمسَّك بأوهى خَيْطٍ من النصرانية فقد كان بروتستانتياً، بل كان أقرب إلى أن يكون بلا دين. فلما مَرِض وطال مرضُه رأيناه كلّما عاده أحد من المسلمين حدثه عن الإسلام، وكان يُكثر أن يطلب من شيخنا الشيخ محمد بهجت البيطار ومن غيره أن يقرأ عليه القرآن، وأوصى – ونُفذت وصيّته – أن يُتلى القرآن في مجلس التعزية به إذا مات فكنت أحار في تفسير هذا كله، حتى نشر الأستاذ محمد الفرحاني كتابه عنه، وقد كان ملازماً له في مرضه لا يفارقه أبداً، فإذا هو يؤكد أنه مات على دين الإسلام.

وشاع عند الناس بعد هذه الزيارة أنه أسلم وقتها، لكن والدي: قال ما سمعته نطق الشهادة.

قال كارل بوبر (١٩٠٢ – ١٩٩٤م): «بدأ عملي في فلسفة العلم منذ خريف ۱۹۱۹م حينما كان أول صراع لي مع المشكلة: متى تصنّف النظرية على أنها نظرية علمية؟ أو هل هناك معيار يحدّد الطبيعة أو المنزلة العلمية لنظرية ما؟ لم تكن المسألة التي أقلقتني متى تكون النظرية صادقة؟ ولا متى تكون النظرية مقبولة؟ كانت مشكلتي شيئاً مخالفاً.. إذ أردتُ أن أميز بين العلم والعلم الزائف، وأنا على تمام الإدراك بأن العلم يخطئ كثيراً، وأن العلم الزائف قد يحدث أن تزل قدمه فوق الحقيقة.

عن كتاب فلسفة كارل بوبر ليمني الخولي، ص۷.

قال كارل بوبر: (وأنا على تمام الإدراك بأن العلم يخطئ كثيراً هذا ما قاله أكبر فلاسفة العلم في النصف الثاني من القرن العشرين، فلا حاجة بنا إذن لتأليه هذا الذي يخطئ كثيراً وذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُ.

إنما يثني على المرء آثاره.

فإذا رأيتَ متديّناً يأتي شيئاً ليس من الدين الحقِّ فحذارِ أن تحمّل الدين جريرة هذه النفوس، لأن المتديّن إنما يتديّن على طبيعته وخُلقه ومزاجه النفسي.

نعم كاد صاحب المعرفة أن يكون عرّافاً.

المُفصَّل في تاريخ العرب قبل الإسلام علم قيمة هذا الحوار كلّ) من حرفاً في تاريخ العرب قبل الإسلام بعد تأليف هذا الكتاب؛ فهـو عيال عليه لا محالة، طبع الكتاب في عشرة مجلدات ضخمة).

وفي أي اعتبار فلسفي انطلقوا من ذلك؟

من أن التاريخ القديم والحضارة البشرية يجب أن تبتدئ من الإغريق، ثم الرومان والشعوب الآرية، وجعل حضارات الشرق الأدنى من فضلات تلك الحضارة الآرية.. فحضارة وادي الرافدين وحضارة مصر هي حضارة مصدرها اليونان والآرية، لأن الجنس السامي: مقلّد مُحاكِ، ليس له قابلية على الإنتاج والإبداع!

خاطرات عن الطوابير والأمثال

قال مكسيم غوركي: جئتُ إلى هذا العالم كي أختلف معه. ولقائل أن يقول: جئتُ إلى هذا العالم لأختلف مع مكسيم غوركي، جئتُ إلى هذا العالم كي أُضيف إليه.

(قال لوبون ذلك في كتابه حضارات الهند وإذا أردت أن تعرف كيف تكتب الدراسات الحضاريّة فعليك بهذا الكتاب، مع كتابه الآخر حضارة العرب على ما فيهما مما ليس يخفى فقد كان لوبون سيئ القول في الأديان، وهذا من عجائب العقول التي لم تهتد بنور الوحي).

(قال محمود السعدني: إذا كان في ملة الإسلام لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى؛ ففي ملة الإنجليز لا فضل لعربي على عجميٌّ إلا بالدَّور.

للشرقيين غرور أسبقيتهم الحضارية في التاريخ وللغربيين استعلاء تقدّمهم الحضاري على التاريخ.

هذه الطبقة الكادحة هي التي تدفع من الثمن في مثل هذه التحوّلات الحادة ضعف ما كانت تدفعه من قبل.

أن ما يميز الثقافات بعضها عن بعض هو الاختلاف بينها، وأن هذا الجنس الأدبي «الأمثال يعود فيَحْطم هذا المعنى؛ لأن ثمّةَ تشابهاً مدهشاً بين أمثال الشعوب على الرغم من شدّة التباين بين هذه الثقافات المنتجة.

كتب أحدهم: يميل أصحاب الدخل القليل إلى الألوان الداكنة لا عن مزاج سوداوي، لكن لأن الألوان الداكنة لا تتسخ سريعاً!

لذا صرتُ أعتقد أن التمثل بالمثل شيء آخر غير حفظه.

عنوان الشرف الوافي وإبداع الحضارة الإسلامية

فأين من قوانا وملكاتنا تأليف تفسير الكتاب الله بحروف مهملة ليس فيها حرف منقوط؟ كما فعل أبو الفضل فيض الله الأكبر آبادي الهندي (ت ١٠٠٤هـ) في كتابه سواطع الإلهام.

وقد أخبرني شيخنا العلّامة بكر أبو زيد أنه اطلع على مجلد مطبوع لأحد العلماء الهنود؛ فسّر به القرآن بحروف منقوطة ليس فيها حرف مهمل.

من العقوق أن نجهل – فيما نجهله – أن أجدادنا أول من عرف الشفرة» وهي الكتابة السرية: «وقد كتبوا بالشفرة من أيام المأمون إلى الحروب الصليبية، فأخذه الإفرنج عن المسلمين.

وأما ما كان من إبداع المسلمين في التأليف بعامة فانظر إلى الكلام النفيس الذي ذكره الكتاني في كتابه الحافل التراتيب الإدارية ۱۸۲،۲، فقد أورد فيه ما لا تجده مجموعاً في كتاب.

عنوان الشرف الوافي

ومن هذا الإبداع؛ بل ومن أعجبه حتى ليكاد يعجز عنه غالب الطباع البشرية كما قال الشوكاني في البدر الطالع ص ١٥٩؛ كتاب عنوان الشرف الوافي في علم الفقه والعروض والتاريخ والنحو والقوافي، لشرف الدين إسماعيل بن أبي بكر بن عبد الله الشاوري الشرجي اليماني المعروف بابن المقرئ.

قال الخزرجي: وقد قرأ عليَّ ديوان المتنبي فاستفدت بفهمه وذكائه أكثر مما استفاد منى.

ألّف ابنُ المقرئ كتابه على غير مثال سابق، حيث سلك: «هذه الطريق التي أخذ منها البكارة، وشرع لأهل العلم والفضل منهاجاً يقتفون مناره، جمع فيه خمسة علوم، إذا قرئ على سياق السطور فهو علم الفقه، وإذا قرئ على أول سطر منه قراءةً عموديةً كان علم العروض، وإذا قرئ ثاني سطر عمودي منه كان علم التاريخ وإذا قرئ ثالث سطر عمودي منه فهو علم النحو، وإذا قرئ رابع سطر عمودي منه كان علم القوافي!

لقد شحذ هذا التأليفُ أذهان العلماء بعد ابن المقرئ، فذكر الحنبلي في تاريخه درّ الحبب في ترجمة أحمد الشغري (ت ۸۸۱هـ) أنه وضع تأليفاً جمع فيه خمسة علوم على مثال عنوان الشرف، وذكر الحاج خليفة في كشف الظنون ٢/ ١١٧٦: بأن ابن كميل الدمياطي المتوفى سنة ٨٧٨هـ صنف كتاباً على نحو عنوان الشرف بزيادة علمين.. مقدمة عنوان الشرف. وقد ذكر القاضي الأكوع في هجر العلم ٣٩/١: أن هذا النوع من التأليف قد اشتهر في اليمن فألّف ابن المظفر البرهان الكافي في عشرين، علماً، وألف القاضي السانّة الإعلام بنعم الله الواهب الكريم.. وألف البجلي برهان البرهان.

قال السيوطي في بغية الوعاة ٤٤٤/١ في ترجمة ابن المقرئ وقد عملت كتاباً على هذا النحو في كراسة في يوم واحدٍ وأنا بمكة المشرفة، وسميته النفحة المسكية والتحفة المكية.

وأمثل نشراته – وهي المتداولة اليوم وعليها الإحالات هنا – النشرة التي حققها الشيخ عبد الله الأنصاري.

رهبة الموت وجلال الأحياء

كتبتُ هذه المقالة يوم وفاة شيخي العلّامة حمد الجاسر رحمه الله، ونُشرت من الغد في جريدة الرياض عدد (۱۱۷۷۱)، في ١٤٢١/٦/١٧هـ.

وإن التاريخ ليصغر ويصغر عند أقدام العظماء حتى يكون العظيم تاريخاً يؤرخ التاريخ به.

فالأنفس الكبيرة ليس يغريها في هذه الحياة إلا ما هو كبير، وليس ثمة ما هو أكبر من معنى العلم في أنفس الكبار.

السهل كل أحد يستطيعه، ولكن الصعب هو الذي يحتاج إلى أن ينذر الإنسان له نفسه، وهنا تكون الإرادة.

والله كم مسكين من طلبة العلم سيبكي ندماً على أنه ما التقى حمد الجاسر ولا جالسه ولا شافهه.

ي الحياة ما خلقنا فيها إلا لنموت..

ولكن ما بين المولد والوفاة هنا حياة اسمها حمد الجاسر؛ فهل وعينا بعده معنى الحياة؟

أُعلمكم بشعري الشّعر لكن تعلمكم حياتي ما الحياة..

من مجالس عالم الجزيرة الشيخ حمد الجاسر

لو لم أسكن سنة ١٤١٥هـ بجوار منزل العلّامة حمد الجاسر رحمه الله؛ لكنتُ الساعة شيئاً آخر على غير ما أنا عليه، لو لم أسكن بجوار منزله لكنتُ شيئاً آخر في جميع شؤون حياتي.

ولأن محلَّ الجاسر من نفسي كمَحَلَّ الشافعي من نفس العلّامة أحمد شاكر؛ فإني أقول في الجاسر ما قاله شاكر في الشافعي في صدر تحقيقه للرسالة: وليس الشافعي ممن يترجم له في أوراق أو (كراريس).

لم يكن شيخنا حمد الجاسر قد صيغ من النحاس حتى آخذه وأضعه على قاعدة تمثال، ثم أقول فيه ما يقوله كتاب التراجم عندنا فيمن يترجمون لهم: وبعد.. فهذا هو التمثال فلان. لا؛ لم يكن حمد الجاسر تمثالاً من نحاس، وإنما كان إنساناً من ودم، فيه من ضعف الناس ما في الناس، لكنه كان إنساناً عظيماً، وليس كلُّ الناس فيه من معنى العظمة ما في الجاسر، وهذا هو الفرق بين الجاسر وكثير من الناس.

وأنا فكنتُ سألتُ أستاذاً ممن خالط العلّامة محمود شاكر وخبر سوادَه وبياضه؛

لقد أقدرني شيخنا محمود شاكر بتقريبه إياي على أن أرى مواطن ضعفه، فمن اللؤم أن أقوى عليه به!

كان الشيخ في السابعة والثمانين من عمره عضواً في ستة مجامع علمية، مع جملة من الألقاب ربما فاقت سني حياتي.

زرته بعدها بقليل، ثم إنه فتح لي صدره ومكتبته ومجلته، فكان من أَمَنِّ الناس عليَّ.. وأصبحتُ ولي مع العلم والحياة والناس ما لم يكن لي من قبل.

وكان الشيخ موسوعةً ضخمةً من العلوم والمعارف والتجارب.

قال لي: الشيخ حضر عندي قبل أيام صحفي يعمل في إحدى المجلات الشعبية، وذكر لي أنهم يوزعون من مجلتهم خمسين ألف نسخة، وأنا لا أُوزّع من العرب عُشر هذه الكمية.

فقلت للشيخ: نعم هو صادق؛ لأن التافهين كثر، فقال الشيخ في انفعال هذا كثير لا يوجد خمسون ألف تافه!

قال الشيخ: بعض المؤلفين يكون لقاؤك به سبباً في ترك قراءة ما يكتب.

قال لي: الشيخ كانت عندي في شبابي أوقات فراغ، ولم أندم على شيء ندمي على أني لم أستغلها في تعلم اللغة الإنجليزية، فاحرص على تعلمها قبل أن تزحمك الأشغال (لم أفعل وندمت ندماً شديداً.)

كتبتُ في إحدى المقالات التي نُشرت فيما بعد في مجلة العرب: أفضَل عليَّ عالم الجزيرة الشيخ حمد الجاسر»..، ثم عرضتُ المقالة على الشيخ تمهيداً لنشرها، فقال لي الشيخ جزيرة أنــا عالمها جزيرة جاهلة، لا، احذف هذا الوصف، يكفي أن تكتب الشيخ حمد.. هذا يكفي.

قال الشيخ لما زرتُ طه حسين في منزله سألته: يا دكتور ما كنتم ذكرتموه في كتابكم في الشعر الجاهلي هل مازلتم تقولون به؟ قال الشيخ: فقال لي طه حسين كان ذلك من عبث الشباب.

وأن محمود شاكر علق على ذلك بقوله: هكذا الكبار دائماً يخطؤون في العلن، ويتوبون في السر.

كتبتُ مقالةً وعرضتها على الشيخ فإذا فيها: «ليس في لغة العرب كلمة».. وذكرت كلمة نسيتها، فقال الشيخ وما أدراك أنها ليست في لغة العرب؟ هل أحطت بجميع اللغة؟ إذا نفيت فقيد النفي بعلمك وقل ليس في كذا فيما أعلم.

فقلت له: ولم اخترتم هذا الفن الصعب؟

فقال رحمه الله: السّهل كلّ أحدٍ يُحسِنه.

قال أحد الحاضرين للشيخ في مجلس من المجالس: أسألُ الله ـ سبحانه – أن يرزقنا ربع إرادتك وجلدك يا شيخ، فقال الشيخ على البديهة هي دعوة مقبولة إن أردت!

وهذه هي من نثر الدرر في تذييل نظم الدرر ص ۲۹۰: حمد بن جاسر النجدي: حمد بن محمد بن جاسر بن علي بن جاسر العالم النّجيب والفاضل الفطن الذكيّ ولد في سنة ١٣٢٩ هـ في قرية من قرى نجد تسمى البرود.

والله الدكتور عبد الرزاق السنهوري الذي قال: «وإن شيئاً يشترك فيه أكثر العظماء: حياةُ الشَّظف والفاقة التي عاشوها أول حياتهم، فنفخت في أخلاقهم روحَ الصَّلابة، فأذاقوا الحياةَ بأسهم بعد أن أذاقتهم بأساءها..».

شهوة الكلام ومهاوي الفتون

ليس يتجلّد العبد على ربّه.. هذا الشاعر المتمرّد أمل دنقل ت (۱۹۸۳م) وكان ملأ شوارع القاهرة كُفراً وسُكراً وعربدة، حتى قال يثني على الشيطان أبياته الرجيمة:

المجد للشيطان معبود الرياح … من قال لا في وجه من قالوا نعم.

وأنا أسير بجوار (التروللي) الذي يحمل أمل إلى غرفة العمليات، سمعته يتمتم بالشهادة: أشهد ألا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله.. ضحكت أمل لقد ضبطتك متلبساً بالإيمان!

ابتسم في هدوء مردّداً في همس خافت: أخشى ألا يؤثر في البنج.

في كتاب نابليون لإميل لودفيج – هذا الكتاب من أروع ما كتب عن نابليون – وصف لهذا الفتى الكورسيكي الحالم.

وقد ندمتُ على أن علاقتي به لم تمتد إلى أبعد من مجالس الشيخ. ثم إنه اعتزل الناس في آخر حياته، ولم يكن ممن يحب الكتابة والتأليف، فذهب ذلك العلم والفضل.

قال الشيخ أحمد: سألتُ الشيخ محمود شاكر عن الحمار الوَحْشِيّ الوارد ذكره في أشعار العرب، فقال لي: ليس هو هذا الحمار المخطط، وإنما هو حمار أبيض أكبر قليلاً من الحمار الأهلي، وفي نحره سواد، وقد انقرض.

قلت: لعلّ هذا النص الكاشف يفيد بعض طلبة العلم، فإنّ الحمار الوَحْشِيَّ مما ورد ذكره في السُّنّة، ولم يعرف بعض أهل العلم من المتأخرين ما المقصود به.

انخدعت زمناً بروجيه جارودي وأمثاله، ثم تبين لي أنهم إنما آمنوا بالحضارة الإسلامية، وهذا الإيمان الحضاري لا ينفعهم إذا وقفوا بين يدي الله تعالى.

أعتقد أن غارودي قد قبل الإسلام كنظام أخلاقي وروحي وليس مجموعة من العقائد والأحكام والتعاليم التي على المسلم الإيمان بها والالتزام بممارستها.. ربما يكون غارودي قد أعجب بالحضارة الإسلامية أكثر من الدين التي كانت نتاجاً له».

قال الشيخ محمد عبد الرحيم بدر الدين في تقديمه لكتاب ديوان المجموع اللطيف في بني نصيف: ولقد رأيتُ بنفسي يوم توفي علم من أعلام الأمة، وجبل من جبال العلم في عصرنا هو العلّامة الدكتور محمد عبد الله دراز.. رأيتُ نشر نعيه وخبر وفاته في زاوية متواضعة في ثنايا عمود منزو من صفحة داخلية في بعض الصحف في حين كانت الصفحة الأولى تختنق بعناوين ضخمة، وصور متعددة، وتعليقات مسهبة حول وفاة راقصة مشهورة..»

لم أُحبّ أن يذلّني أحد ـ أنا السلفي – إذلالاً معرفياً..

إن عقيدة القرآن بالمسيح هي أقدم ما قيل في المسيح، قلت له: وكيف ذلك؟ قال: لأن القرآن منذ ۱۳۰۰ سنة، والأناجيل الموجودة اليوم ليس فيها على التحقيق ما يتجاوز عمر نسخته الأصلية ۸۰۰ سنة، فإن الأناجيل كانت نحو ٤٠، فاحترقت كلها بحريق مكتبـة الإسكندرية، والباقي منها متأخر تاريخ نسخه عن القرآن بقرون، عدا ذلك عقيدة الإسلام في المسيح مطابقة لعقيدة آريوس تقريباً، باعتبار بنوة المسيح الله مجازية.

قال الكاتب والشاعر النصراني أمين نخلة (ت ١٩٧٦م) في كتابه في الهواء الطلق كلّما قرأتُ القرآن قلتُ لنفسي: ويحك انجي فإنّك على النصرانية!

فلما أوقفوا البرنامج للراحة عبست المذيعة – والله – وتغيّرت سحنتها لا أدري كيف وأنا من هذا كلّه في خوف من أن يقبض عليّ بلا نَعْل.

وأما أنا فكنتُ إذا ضمني مجلس مع بعض النخبة تعجّلتُ الانصراف؛ حتى أترك لهم فرصةً للحديث عني! يا ربّ: أهلكني الناس؛ فساعدني اللهم حتى لا أتحنث لصورتي في محاريب أنفس الآخرين.

خاطرة فطرية عن الإبداع

احذر هاتين الرذيلتين:

أولاهما: هذه النفس حين تحسّ منها ما تتميز به عن الآخرين؛ تذهب تطلب منهم معاملة خاصةً تظنها من حقوق هذا التميّز ولوازمه.

إن أوليّة الإنسان وبدايته لا تدلان بحال على مآله وخاتمته.

قال ابن المقفع الإنسانُ طُبع على طرائق لؤم، وإنما تفاضل الناس في مغالبة طباع السوء.

إنْ سِرَّ النجاح ومَكمَنَ الظُّفَر في هذه الحياة يرجع إلى جملة أمور، من أهمها في نظري أن يكون الإنسانُ ذا تفكير عملي يذود به عن ذاته غائلة العجز النفسي، وأن يوازن بين طموحه وإمكاناته، ثم يعمل ما يستطيعه بما تهيأ له.

ما من شك في أن السعي لكسب الاحترام الاجتماعي هو واحد من أهم حوافز السلوك في النفس الإنسانية وأخطرها وأشدّها أثراً عليها.

إني حين أتأمل هذا السعي الناصب الذي يسعاه أكثر هذا الإنسان في حياتنا الدنيا؛ أجد أن جُلّه إنما هو لتحقيق القيمة التي تحتفي بها الجماعة.

وهذا هو السر في شذوذ تصرفات كثير من المبدعين؛ ذرائع يصطنعونها للفت الانتباه، ثم لا تلبث أن تستحيل إلى أمراض نفسية.

حوار عن القراءة

في حوار عن الشَّعْفِ بالقراءة وطرق التثقيف الذاتي… عبد الله الهدلق:

القراءة تورث المرء اغتراباً روحياً، وتكسبه حَسَد أقرانه.

حدة التأمّل المرهقة، وسعةً الاطلاع المذهلة، وتراكم الخبرة الباذخ؛ ربما انتهى بالإنسان في بعض نتائجه إلى ما يقرره العامي ابتداءً دون أن يتكلف شيئاً من هذا كله.

إن الشيخ منير الدمشقي رحمه الله – قد ذكر في نموذجه أن أغلب أصحاب دور النشر هم من الجهلة.

لستُ مدلّلاً إلى هذه الدرجة، فقد ضُرِبتُ ضَرْباً يشبه ضَربَ الفِراش لنفض الغبار عنه.

وأسعدني الحظ فوقفتُ على أعمال للأديب الكبير كامل الكيلاني موجّهة إلى الأطفال مشكولة الكلمات، فوسعت قراءتها الخيال لديَّ، ونمَّت السليقة اللغوية، لكنها كانت أرفع من مستوى الطفل.

فلما كنتُ في الحادية والعشرين من العمر فتحتُ بابَ المكتبة وأغلقتُ بابَ الدنيا ورائي.

إذا كانت القراءة للمتعة فلا معنى لصحبة القلم.

ستضيف القراءة للمرء حسداً كثيراً من أقرانه لازدياد كميّة الإنسان فيه، وتجاوزهم بنموه العقلي، وستفقده القدرة على إقامة العلائق الاجتماعية والتكيف مع الناس.

يا مولانا؛ لا تحدثني عن عامية من لا يقرأ ولا: يكتب؛ حدثني عن عامية أساتذة الجامعات؟

كان العقادُ من كبار القراء في عصره، قرأ أكثر من خمس وستين سنةً قراءة عالية جادّة، وفي الليلة التي توفي فيها كان يقرأ كتاباً عن جيولوجية إفريقيا.

القارئ يكتسب مهارات القراءة مع الممارسة وتراكم الخبرة.

أظنُّ أن استفادة المجتمع من إقبال شريحة من الشباب على القراءة مرتهنة بحال هذا المجتمع وقابليته الثقافية، ثم يتداخل هذا كلّه في علاقة جدلية معقدة مع نوع السلطة التي تحكم المثقف والمجتمع.

إلا أنَّ أعظم استفادة يجنيها المرء وتتجاوز أهميتهـا كـل خـبرة يستفيدها ممن سبقه؛ هي ما كان من حصيلة ممارسته هو أذكر هنا كلمةً لهيجل تختصر هذا كله وهي قوله: الخطأ مرحلة من مراحل الصواب.

الحمد لله رب العالمين

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

اكتشاف المزيد من مدونة التاعب

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading