القائمة إغلاق

خُلاصة كتاب: فقه الاستدراك، تأليف: الشيخ محمد الأسطل

خُلاصة كتاب: فِقْه الاستدراك

كيف تُصحِّح المَسِير، وتستدرك ما فات في العُمر الطَّويل في زَمَن قصير؟

تأليف: الشيخ محمد بن محمد الأسطل

تحميل الخُلاصة: [DOC] [PDF]

فهرس المواضيع:

الافتتاحية. 3

المبحث الأول: على عتبات الاستدراك.. 3

المطلب الأول: حقيقة الاستدراك وفكرته. 3

المطلب الثاني: مآثر من استدرك من الصحابة. 4

الأنموذج الأول: فأنموذج عمر رضي الله عنه. 4

وأما الأنموذج الثاني: فأنموذج عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه. 5

وأمَّا الأنموذج الثالث: فأنموذج أنس بن النضر رضي الله عنه. 6

وأمَّا الأنموذج الرابع: فأنموذج خالد بن الوليد رضي الله عنه. 6

المطلب الثالث: وأنْذِرْهُم يَوْمَ الحَسْرَة. 7

المبحث الثاني: مجالات الاستدراك، وعناية الشريعة به. 9

المطلب الأول: عِنَاية الشَّريعة بالاستدراك.. 9

المطلب الثاني: الاستدراك في الجانب التَّعبُّدِيّ.. 10

الفرع الأول: استدراك الورد القُرآنيّ الخَاصّ بالليل: 10

الفرع الثاني: استدراك أوراد الصلاة: 10

الفرع الثالث: استدراك الصِّيام: 11

الفرع الرابع: استدراك الزَّكاة والصَّدقة: 11

الفرع الخامس: استدراك الحج والعمرة: 12

المطلب الثالث: الاستدراك في الجانب الفقهي13

كيف أستدرك على نفسي؟. 15

المبحث الثالث: معالم فِقْه الاستدراك.. 17

المطلب الأول: فِقْه اختيار مَجَال الاستدراك.. 17

العِلْم18

الجهاد 19

الأمن20

الإعلام20

الاقتصاد21

السِّياسة22

إصلاح بِنْيَة المُجتمع مِن الدَّاخل22

وفي خِتام هذا المطلب أُنوّه إلى أمرين23

المطلب الثاني: حُسْن التَّخطِيط الإداري.. 23

الفرع الأول: أهمِّيَّة تنظيم الشَّخصية وكتابة الخُطَّة الذَّاتِيَّة23

الفرع الرابع: تحديد الشَّكل النِّهائي للشَّخصية24

الفرع الثالث: كيفية كتابة الخطة25

الفرع الرابع: نِقاط خمس منثورة في تنظيم الشَّخصية26

المطلب الثالث: استثمار الأزمنة والأمكنة الفاضلة. 27

المطلب الرابع: استثمار أحاديث الفضائل. 28

الفرع الأول: استثمار أحاديث الفضل28

الفرع الثاني: استثمار أحاديث التَّفضيل30

الفرع الثالث: استثمار العبادات اليسيرة التي تحمل أُجُور عبادات كبيرة30

المطلب الخامس: استثمار المواقف الفاصلة. 33

المطلب السادس: تَمَلُّك مفاتيح الاستدراك.. 34

أولًا: حسم الشكل النهائي للشخصية34

ثانيًا: تقبُّل النَّصيحة34

ثالثًا: المُرُونة في اتِّخاذ القرار34

رابعًا: التَّنافُس الحميد35

المطلب السابع: التَّفلُّت مِن عوائق الاستدراك.. 35

أولًا: رُفقاء السُّوء35

ثانيًا: الزَّوجة والأولاد35

ثالثًا: كثرة الشَّواغل الدَّعوية35

رابعًا: التَّسويف36

خامسًا: نفسك التي بين جنبيك36

سادسًا: الشعور بالإحباط الناتج عن الأزمات والمصائب36

عَبَقُ الخِتَام. 37

الافتتاحية

فَإِنَّ كَثِيرًا مِن أَصْحَابِ الطُّمُوحِ تَكْتَمِلُ مَدَارِكُهُمْ، وَتَعُودُ إِلَيْهِمْ هِمَّتُهُمْ بَعْدَ سَنَوَاتٍ مِنَ المَسِيرِ، فَإِذَا انْعَطَفَ الوَاحِدُ مِنْهُمْ إِلَى الوَرَاءِ، وَأَخَذَ يُعَدِّدُ السِّنِينَ الَّتِي فَاتَتْهُ، مَسَّتْهُ الحَسْرَةُ، وَنَزَلَتْ بِهِ الكَآبَةُ، وَاحْتَارَ كَيْفَ يُعَوِّضُ مَا فَاتَ!

كَادَتْ أَنْ تُصِيبَه حالةٌ نَفْسِيَّةٌ من الهمِّ والغمِّ والحزنِ والألم، فماذا عَسَى أن يفعل؟ وكيف له أن يستدركَ ما قَرَّ؟

ولمَّا سَمِعَ مُنَادِي الزَّمانِ يَدْعُوه: إلى الهدى ائتنا.. قَرَّرَ النُّهُوضَ والانطِلاقَ، لكنَّه سَأَلَ عن التَّعويضِ والاستدراكِ، فماذا يَفْعَل؟

وربَّما تَعَجَّلَ التَّصَدُّرَ قبل التَّأَهُّل، وشَعَرَ بالوَرْطة في مُنْتَصَفِ السَّبيل، ويُريد الآن أن يستدركَ على نفسه، فكيف يَصْنَع؟

وإن كُنَّا نَسْتَفيدُ من البكاءِ على ما فاتَ دَفْعَةً لاستدراكٍ ما هو آتٍ؛ فإنَّ الهَمَّ يَفي إلى الهِمَّة، ولذلك عَدُّوا أفضلَ البكاء ما كان على ما فاتَ من الأوقات، أو سَبَقَ من المخالفات.

إنَّ قَضِيَّةَ الاستدراكِ شَغَلَت أذهانَ كَثِيرٍ من الصَّحَابة كَمَا تُشَغِلُكَ الآن، وبعض تلك العبارات هي التي أَضاءَت لي فكرةَ الاستدراك، وحتى من كان مُجْتَهِدًا من يوم نَشَأَتْه فلا يَستغني عن منافعِ الاستدراك؛ على أنَّ الناشئَ يَسْتَفيدُ من قَوانينِ الاستدراك اتِّضَاحَ السَّبيل للنبوغ المُبَكِّر، فَلَيْسَ التيهُ شَرْطًا لمَعْرِفَةِ السَّبيل.

وأشَرْتُ في الكتابِ إلى أنَّ الاستدراكَ إذا كان حاجةً في حَقِّ الفرد.. فإنه ضرورةٌ في حَقِّ المجتمع، بما فيه من هيئاتٍ ومؤسساتٍ وجماعاتٍ، في عامَّةِ الثُّغورِ ومختلَفِ الجوانب التي تحتاجها الأمَّة.

وقد جاء الكتابُ في ثلاثة مباحث:

تَكَلَّمَ الأوَّلُ عن حَقيقَة الاستدراك وفِكْرَتِه، وتَوَلَّى الثاني الحَدِيثَ عن مجالاتِ الاستدراك، وعِنَايَة الشَّريعةِ به، وأسفَرَ الثالثُ عن مَعَالِم فِقْهِ الاستدراك.

المبحث الأول: على عتبات الاستدراك

المطلب الأول: حقيقة الاستدراك وفكرته

يأتي الاستدراك في اللغة على معنيين:

الأول: بمعنى إصلاح الأمر، وتدارك ما حصل فيه من خطأٍ أو نقص.

والثاني: بمعنى تدارك ما فات، فالدَّرك والإدراك بمعنى اللحاق.

المستدرِك هو من يُشَمِّرُ عن ساعدِ الجد، ويشتغل بالتعويض لما فاته حتى يبلغ درجةَ الماشي من زمنٍ طويلٍ في وقتٍ قصير.

والمعنى الذي نقصده في هذا الكتاب هو الثاني أصالةً، أما المعنى الأول فهو بمثابة الشرط له، فالذي يريد أن يستدركَ على نفسِهِ، ويعوض ما فاته لا بد وأن يُوقِفَ الخطأ، ويصحح المسار.

إذن؛ فالاستدراك هو عمليةُ تعويضٍ لما فات بالاجتهادِ فيما هو آت.

ما يفوت الإنسان إما أن يكون في شأن الدنيا أو في شأن الدين.

والشريعةُ جَاءت بحفظِ أمرِ الدنيا كما جاءت بحفظِ أمر الدين، فإنَّ فواتَ الدِّينِ أخطرُ من فوات الدنيا.

مضرة الدين وإن قلت أعظم من مضار الدنيا وإن عظمت.

يقول الله تعالى: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مِّن قَبۡلِ أَن نَّبۡرَأَهَآۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ * لِّكَيۡلَا تَأۡسَوۡاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا تَفۡرَحُواْ بِمَآ ءَاتَىٰكُمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخۡتَالٖ فَخُورٍ﴾ [الحديد: 22-23]

لكن هذه اللغة تختلف تمامًا عند فوات شيء من الدين. فقد روى البخاري ومسلم عن ابن عمر ا، أنَّ النبي ﷺ قال: «مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ كَانَ كَأَنَّمَا انتُزِعَ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ»؛ أي: كأنه انتُزِعَ منه أهله وماله، وبقي وحده منفردًا في الدنيا!

فالدنيا ممر، والآخرة مقر ومستقر، ولو رأيت في الناس من يؤثر خزفًا يفنى على ذهبٍ يبقى لاتَّهمته في عقله، فكيف بي بمَنْ يُفضل الدنيا والآخرة من تفاوت!

وبهذا غابت هموم الدنيا في غمرات هموم الدين والآخرة.

لكل شيء إذا ضيعته عوض، وما من الله إن ضيعته عوض.

المطلب الثاني: مآثر من استدرك من الصحابة

الأنموذج الأول: فأنموذج عمر رضي الله عنه

فما ذكر عنه رضي الله عنه أنَّه لمَّا أسلم في بيت أخته، وطلب أن يُدلُّوه على مكان النبي ﷺ، فأخبر أنَّه بدار الأرقم مع أصحابه، قصده وأعلن إسلامه، وهُناك تفاجأ بوُجُود أخيه زيد بن الخطَّاب رضي الله عنه قد سبقه إلى الإسلام، فقال له: “أسَبَقْتَني إلى الإسلام؟!” قال: “ما كنت لأستأذنك؛ لقد كنت جبَّارًا!” فقال عمر رضي الله عنه: “ولن تجدني في الإسلام خوَّارًا!” ثم قال: “أشهد الله ورسوله وأشهدكم أنَّي ما وقفتُ موقفًا آذيت فيه مُسلمًا إلَّا وقفت مثله مُنافحًا عن الدِّين وأهله؛ لأستدرك ما سبقتموني إليه!”.

فإنه حدَّثَ عن نفسه لما سأله ابن عباس رضي الله عنهما:

لأي شيء سُمِّيَت الفاروق؟” قال: “قُلتُ حين أسلمتُ: يا رسول الله، ألسنا على الحَقّ إن متنا وإن حيينا؟ قال: “بَلَى، والذي نفسي بيده إنَّكم على الحَقّ وإن متم وإن حييتم” قال: قلت: “ففيم الاختفاء؟ والذي بعثك بالحق لنخرجن“. فأخرجنا في صَفَّين، حمزة في أحدها، وأنا في الآخر، حتى دخلنا المسجد. قال: “فنظرت إليَّ قريشٌ وإلى حمزة، فأصابتهم كآبة لم يصبهم مثلها، فسمَّاني رسول الله ﷺ الفاروق يومئذ“.

إن مقولة عمر رضي الله عنه: «فَعَلَامَ نُعْطِي الدَّنِيَّة فِي دِينِنَا» التي تُعدُّ اليوم من مفاخر الأقوال، لمَّا خرجت في ثوبٍ يُشبه الاعتراض، جعل عُمر ينـدم على ما صدر منه ندمًا شديدًا، وقال ما يُؤكِّد سيطرة عقلِيَّة الاستدراك على ذهنه: “فعملتُ لذلك أعمالًا، ما زلت أتصدَّق وأصوم وأُصلِّي وأُعْتِقُ مِن الذي صنعتُ يومئذ؛ مخافة كلامي الذي تكلَّمتُ به، حتى رجوت أن يكون خيرًا!”.

وأما الأنموذج الثاني: فأنموذج عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه

وعكرمة رضي الله عنه أسلم مُتأخِّرًا يوم فتح مكَّة، وكان عكرمة يُعَدُّ مِن رؤوس الكُفر والغلاة فيه. ولمَّا مات أبو جهل، وُلِّيَّ مكانه سيادة بني مخزوم، وكان من أشَدَّ النَّاس عداوةً للمُسلمين، حتى إنَّه لمَّا كان يوم فتح مكَّة، أمَّن رسول الله ﷺ النَّاس إلَّا أربعة نفر وامرأتين وقال: “اقتلوهم وإن وجدتموهم مُتعلِّقين بأستار الكعبة“، وعدَّدهم وبدأ بتسمية عكرمة بن أبي جهل؛ وذلك لأنهم كانوا يُمثِّلون أركان النِّظام القديم الذي تولَّى مُحاربة الدِّين وقهر المُسلمين.

لكن زوجته سعت عند النبي ﷺ ليُؤمِّنه، فأمَّنه، فأتى به من اليمن، وكان قد فرَّ إليها. فلمَّا جاء، قام له النبي ﷺ مُحييًا، وقال: “مرحبًا بالرَّاكب المُهاجر“. فقال: “ماذا أقول يا نبي الله؟” قال: “أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله“. قال: “ثُمَّ ماذا؟” قال: “تقول: اللَّهم إنِّي أشهدك أنَّي مُهاجرٌ مُجاهِدٌ“، ففعل.

ثم قال النبي ﷺ: “ما أنت سائلي شيئًا أعطيه أحدًا مِن النَّاس إلَّا أعطيتك“. فقال: “أمَا إنِّي لا أسألك مالًا؛ إنَّما أسألك أن تستغفر لي“. ثُمَّ قال: “يا رسول الله، والله لا أترك مقامًا قمت فيه لأصمد بمه عن سبيل الله إلا قمت مثله في سبيل الله، ولا أترك نفقة أنفقت بها عن سبيل الله إلا أنفقت مثلها في سبيل الله!”.

فلمَّا كان يوم اليرموك، نَزَلَ فترجَّل، فقاتل قِتالًا شديدًا، فقُتِلَ، فوُجِدَ به بضع وسبعون مِن بين طعنة وضربة ورمية. وقد ورد أنَّه لمَّا ترجَّل رضي الله عنه، قال له خالد بن الوليد رضي الله عنه: “لا تفعل؛ فإنَّ قتلَك على المُسلمين شديد“. فقال: “خَلِّ عنِّي يا خالد؛ فإنَّه قد كان لك مع رسول الله ﷺ سابقة، وإنِّي وأبي كُنَّا مِن أشدّ النَّاس على رسول الله ﷺ“، فمَشَى حتى قُتِل!

تِلْكَ والله هي قِصَّة الاستدراك! على قِصَّته وقِصَّة عُمر قامت فِكْرة هذا الكتاب!

وأمَّا الأنموذج الثالث: فأنموذج أنس بن النضر رضي الله عنه

نترك المجال لابن أخيه أنس بن مالك رضي الله عنه، كما عند البُخاري في صحيحه:

غاب عمِّي أنس بن النَّضر عن قتال بدر، فقال: “يا رسول الله، غِبْتُ عن أوَّل قِتَالٍ قاتلتَ المُشركين، لَئنِ الله أشهدني قِتَال المُشركين لَيَرَيَنَّ اللهُ مَا أصنع!”.

فلمَّا كان يوم أحد، وانكشف المُسلمون، قال: “اللهم إنِّي أعتذر إليك مِمَّا صنع هؤلاء“، يعني أصحابه، “وأبرأ إليك مِمَّا صنع هؤلاء” يعني المُشركين. ثُمَّ تقدَّم فاستقبله سعد بن معاذ، فقال: “يا سعد بن مُعاذ، الجنَّة ورَبِّ النَّضر، إنِّي أجد رِيحَهَا مِن دُون أُحُد!“. قال سعد: “فَمَا استطعتُ يا رسول الله ما صَنَع“.

قال أنس: فوجدنا به بضعًا وثمانين ضربة بالسَّيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم، ووجدناه قد قُتِلَ وقد مَثَّلَ به المُشركون، فلم يعرفه أحد إلَّا أخته ببنانه!

قال أنس: كُنَّا نرى أو نظُنُّ أنَّ هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: ﴿مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ رِجَالٞ صَدَقُواْ مَا عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيۡهِۖ فَمِنۡهُم مَّن قَضَىٰ نَحۡبَهُۥ وَمِنۡهُم مَّن يَنتَظِرُۖ وَمَا بَدَّلُواْ تَبۡدِيلٗا﴾ [الأحزاب: 23]

إنَّه يريد أن ينجز في معركةٍ واحدةٍ ما فاته في الأخرى، فيصبح وكأنَّه مُشاركٌ في المعركتين، فيفوز بأجرين. حتى إنَّهم ليُمَثِّلُون بجُثَّته حنقًا وغيظًا من شِدَّة ما أَعْمَلَ فيهم قتلًا وجرحًا!

وأمَّا الأنموذج الرابع: فأنموذج خالد بن الوليد رضي الله عنه

فإنَّه أسلم بعد البعثة بعشرين عامًا تقريبًا، وذلك في شهر صفر من سنة 8هـ قبل فتح مكَّة بِعِدَّة أشهر، مِمَّا يعني أنَّه تأخَّر في إسلامه.

فإنَّه لمَّا قرَّر الإسلام في قِصَّةٍ لطيفة قصد المدينة النَّبوِيَّة، وفي الطَّريق التقى بعمرو بن العاص، وكان قد ذهب يُعلن إسلامه هو الآخر. قال عمرو: فلقيت خالد بن الوليد، وذلك قبيل الفتح وهو مُقبِلٌ من مكة، فقلت: “أين يا أبا سليمان؟” قال: “والله لقد استقام المَنْسِم، وإنَّ الرَّجل لنبيّ، أذهب والله أسلم، فحتَّى مَتَى؟” قلت: “والله ما جئتُ إلَّا لأسلم!”

وبدأت مَسِيرة الاستدراك، فقد أنقذ جيش المُسلمين يوم مؤتة في أفضل انسحاب عسكري في التَّارِيخ، وشهد فتح مكَّة وحُنينًا، وقاد معارك اليمامة ضِدّ أهل الرِّدَّة، وقضى على مُسَيْلَمَة الكذَّاب، وغزا العراق وفتحه، وحاصر دمشق وفتحها هو وأبو عُبَيْدَة بن الجرَّاح، وخاض جُملةً مِن المعارك الفاصلة حتى فتح الله على يديه.

وما عاش في الإسلام إلَّا ثلاثَ عشرةَ عامًا، وقد قَتَل جماعةً من الأبطال، ثُمَّ مات آخرًا على فراشه، فلا قَرَّت أعين الجُبناء. ولم يبق في جسده قيد شِبْرٍ إلَّا وعليه طابع الشُّهداء.

وقُل قريبًا مِن هذا في حَقِّ عمرو بن العاص رضي الله عنه، فقد تولّى أمرَ مِصر، وكانت ولاية مِصر تَعْدِل الخِلَافَة، وحسنت سيرتُهُ في النَّاس، حتى دخل أكثر أهل مِصر في دين الله أفواجًا.

قال رسول الله ﷺ: “لا يزالُ اللهُ يَغرِسُ في هذا الدِّينِ غَرسًا يَستَعمِلُهم في طاعَتِه“. حسّنه الألباني.

المطلب الثالث: وأنْذِرْهُم يَوْمَ الحَسْرَة

لو تنقَّلتَ بخيالك في مشاهد القيامة، واستشعرت بعقلك ثُمَّ بقلبك أنَّ فُرصةَ الاستزادةِ مِن حسنةٍ واحدةٍ فقط أو التَّخفُّف مِن سيِّئةٍ واحدةٍ فقط قد انتهت.

إنَّ هذا الشُّعُور الصَّعب قد طلب الله تعالى إلى نبيه ﷺ أن يُنذر النَّاس بخُصُوصه، فقال تعالى: ﴿وَأَنذِرۡهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡحَسۡرَةِ إِذۡ قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ وَهُمۡ فِي غَفۡلَةٖ وَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ﴾ [مريم: 39]

ولهذا سُمِّي بيوم الحسرة؛ لأنَّهَا الغالبةُ البارزةُ على الوُجُوه، فأهل النَّار يتحسَّرون على نبذ الإسلام أو التَّباطؤ في التَّوبة مِن العصيان، وأهل الجَنَّة يتحسَّرون على فوات فُرصة الارتقاء في رضوان الله وفي درجات الجنَّة مع توفُّر الفُرصة لهم، فغالب النَّاس يتحسَّرون وإن اختلفت درجات هذا التَّحسُّر.

ومن البشائر الكُبرى أنَّك ما زلت في الدُّنيا، وأنَّ الأمر لم ينقضِ بعد، ويُمكنك أن تستدرك.

أخرج البُخاري ومُسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ:

«يُؤتَى بالمَوتِ كهيئةِ كبشٍ أمْلَح، فيُنادِي مُنادٍ: يا أهلَ الجنَّة، فيشرئبُّون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلّهم قد رآه. ثم يُنادِي: يا أهلَ النَّار، فيشرئبّون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلّهم قد رآه. فيُذبَح، ثُمَّ يقول: يا أهلَ الجنَّة، خُلُودٌ فلا موت، ويا أهلَ النَّار، خُلُودٌ فلا موت». ثُمَّ قرأ: ﴿وَأَنذِرۡهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡحَسۡرَةِ إِذۡ قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ وَهُمۡ فِي غَفۡلَةٖ وَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ﴾ [مريم: 39]

لهذا أصدح فيك أنْ استدرك نفسك وأمرك، قبل ﴿أَن تَقُولَ نَفۡسٞ يَٰحَسۡرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنۢبِ ٱللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّٰخِرِينَ﴾ [الزمر: 56]

يا حسرتا على سهرٍ طال في معصية، ونهارٍ انقضى في غفلة.

يا حسرتا على صلاةٍ أضعتها، وأورادٍ نسيتها.

يا حسرتا على حُرماتٍ انتهكتها، وأعراضٍ خدشتها.

يا حسرتا على قُدُرات ومهارات منحك الله إيَّاها كنتَ تقدر أن تنصر الإسلام بها بإمامةٍ في جانب الجهاد أو السِّياسة أو الاقتصاد أو الإعلام، لكنَّك انشغلت بنفسك عن دعوة رَبِّك، فويلٌ لِذَوِي المواهب والقُدُرات مِن فُرُوض الكفايات!

يا حسرتا على نعمٍ تنهمر عليك لم تشكر ربك عليها.

يا حسرتا على باطلٍ اتَّبعته وحقٍّ عاديته.

يا حسرتا على عقلٍ لم تتفكَّر به في مخلوقات الله، وعلى قلبٍ لم تتأثَّر به مِن آيات الله.

إنها حَسرَةٌ وأيُّ حَسرَةٍ يومَ أن يمنحَكَ ربُّكَ فُرصةَ المواسمِ الفاضلة؛ كرمضانَ والعشرِ الأوائلِ من ذي الحِجَّة، أو الأماكنِ الفاضلة؛ كمكَّةَ والمدينةِ وبيتِ المقدسِ وأرضِ الرِّباط، ثُمَّ لا تبلغَ المنزلَ الأعلى والمنصبَ الأسمى في جنةِ الله جلَّ جلاله.

عارٌ والله ثُمَّ عارٌ على رجلٍ أعطاه اللهُ مُوجباتِ فضله ورحمته وخرجَ مِن الدُّنيا صفرَ اليدينِ مِن رحمةِ الله وفضله … وهو ما زال يتجرَّع آثارَ ثقلِ الطِّينِ ووحلِ المعصية، تؤزّه صورةٌ، وتُسيطر عليه شهوة، وهل ينفعُ عند ذاك ندمٌ أو دُمُوعٌ!

إنَّ الجُرعةَ الإيمانيةَ الرَّبانِيَّة -يا أيُّها المُبارك- مُهمَّةٌ لِمَن رامَ الاستدراكَ على نفسِه، لئلَّا تكونَ مِمَّن قصدهم ابنُ الجوزي بقوله:

تأمَّلتُ في الخَلْقِ وإذا هُم في حالةٍ عجيبة، يكاد يُقطَعُ معها بفساد العقل، وذلك أنَّ الإنسانَ يسمعُ المواعظَ وتُذكرُ له الآخرة، فيَعْلَمُ صدقَ القائل، فيبكي وينزعج على تفريطه، ويعزمُ على الاستدراك، ثُمَّ يتراخى عملُهُ بمُقتضى ما عزمَ عليه، فإذا قيل له: أتشُكُّ فيمَا وُعِدْتَ به؟ قال: لا والله، فيقال له: فاعمل، فينوي ذلك، ثُمَّ يتوقَّفُ عن العَمَل.”

مَن قَصَّرَ في العَمَل، ابتلاهُ اللهُ بالحَسَرَاتِ والهُمُومِ في الدُّنيا قبلَ الآخرة.

المبحث الثاني: مجالات الاستدراك، وعناية الشريعة به

تولَّى هذا المبحثُ بيانَ طرفٍ مِن عناية الشَّريعة بالاستدراك، وتطبيق الفِكْرة في الجانب التَّعبُّدي والفِقْهِيّ والعِلْمِيّ، مع إيماني العميق بأنَّ الاستدراكَ ينبغي أن يُحضر بقُوَّةٍ بالغةٍ حتى يصبح ثقافةً لنا في هذه المرحلة الحرجة من حياة أمَّتنا، لفضل العَمَل العامّ على التَّعبُّد الخَاصّ.

المطلب الأول: عِنَاية الشَّريعة بالاستدراك

لا بُدَّ أن يُعلَم أوَّلًا أنَّ الاستدراكَ من الأُمُور التي لا يُطلب لصِحَّتها نَصّ؛ لأنَّها مِن الأُمُور الجِبِلِّيَّةِ التي فطر اللهُ النَّاس عليها.

استحضر مثلاً الوضع المالي المُترَدِّي للأُمَّة المُسلمة، ثُمَّ انظر لتجربة الصِّين مثلاً التي كانت دولةً مُتخلِّفةً اقتصاديًّا.

وبعد هذا التَّنويه، أذكر ثلاثة أدِلَّة تنبئك بعناية الشريعة بالاستدراك.

أمَّا الأوَّل:

﴿وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ خِلۡفَةٗ لِّمَنۡ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوۡ أَرَادَ شُكُورٗا﴾ [الفرقان: 62]

قال ابن كثير: أي جعلهما يتعاقبان؛ توقيتًا لعبادة عبـاده له، فَمَن فاتته عَمَل في الليل استدركه في النَّهار، ومَن فاته عَمَل في النَّهار استدركه في اللَّيل.

وورد مثل هذا التَّفسير عن ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير رضي الله عنه، وذكره البُخاري في صحيحه.

والثاني:

ما أخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ فُقراء المُهاجرين أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: ذَهَبَ أهْلُ الدُّثُورِ بالدَّرَجَات العُلَى والنَّعيم المُقيم. فقال: وما ذاك؟ قالوا: يُصَلُّون كَمَا نُصَلِّي، ويَصُومُون كَمَا نصوم، ويتصدَّقون ولا نتصدَّق، ويُعْتِقُون ولا نُعْتِقُ. فقال رسول الله ﷺ: أفلا أُعَلِّمُكُمْ شيئًا تُدْرِكُونَ به مَنْ سَبَقَكُمْ، وتَسْبِقُونَ به مَنْ بَعْدَكُمْ، ولا يكون أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ إلا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ؟ قالوا: بَلَى يا رسول الله، قال: تُسَبِّحُونَ وتُكَبِّرُونَ وتَحْمَدُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ مَرَّةً.

والثالث:

عامَّةُ الآياتِ والأحاديثِ الدَّاعِيَة للتَّوبة.

فإنَّ التوبةَ هي عمليةُ استدراكٍ حقيقية؛ إذ إنَّ شُرُوط التَّوبةِ الثَّلاثةَ توزَّعت على الأزمنة الثَّلاثة؛ فيندم على الماضي، ويُقلِع في الحاضر، ويعزم ألَّا يعود في المُستقبل.

إنَّ التوبة المُقترنة بشُرُوطها تمنح صاحبها شُعُورًا بميلادٍ جديدٍ.

وللإمام الغزالي كلامٌ حسنٌ استصحب فيه منطق التَّوبة وشُرُوطها وهو يُقَرِّرُ القَصْد الذي ينبعث منه -وهو إرادة فِقْهَ الاستدراك، وهذا نصُّ كلامه-: وأمَّا القصد الذي ينبعث منه -وهو إرادة التَّدارُك- فله تعلُّقٌ بالحال؛ وهو مُوجب تَرْك كلّ محظور هو مُتوجَّهٌ له، وأداء كلّ فَرْضٍ هو مُتوجهٌ عليه في الحال، وله تعلُّقٌ بالماضي؛ وهو تدارك ما فرَّط، وله تعلُّقٌ بالمُستقبل؛ وهو دوام الطَّاعة ودوام ترك المعصية إلى الموت.

أيّ ذنبٍ ذلك الذي يصمد في وجه عفو الله ورحمته! والله يقول في نصٍّ بَيِّنٍ لا لبس فيه: ﴿قُلۡ يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسۡرَفُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُواْ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53]، وهو القائل: ﴿وَمَن يَعۡمَلۡ سُوٓءًا أَوۡ يَظۡلِمۡ نَفۡسَهُۥ ثُمَّ يَسۡتَغۡفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا﴾ [النساء: 110]

أر الله منك خيرًا بكثرة العَمَل بعد التَّوبة من الزَّلَل، فالعمل بعد التَّوبة مُشعرٌ بقبولها.

مَن تورَّط بسلب حَقّ مُسلم ردَّه إليه ولو من غير أن يعلم.

ومن اغتاب مُسلمًا استسمحه وتحمَّل حياء ذلك، فإن عَلِمَ أنَّه يؤذيه بذلك فيستجيب لوصية ابن المبارك: لا تؤذه مرَّتين، اغتبته ثُمَّ تقول له: قُلتُ فيك كذا وكذا! وعند ذلك يلجأ إلى مدحه في المجالس التي نهش لحمه فيها، بالتَّركيز على حسناته، والسُّكُوت عن زلَّاته، وليكثر من الاستغفار والدُّعاء له، فإذا جاء يوم القيامة، ووَجَدَ في صحيفته حسنات هذا الاستغفار فالرَّجاء أن يُسامحك ويتجاوز عنك.

المطلب الثاني: الاستدراك في الجانب التَّعبُّدِيّ

الفرع الأول: استدراك الورد القُرآنيّ الخَاصّ بالليل:

أخرج مسلمٌ في صحيحه أنَّ عمرَ بن الخطاب رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ فَقَرَأَهُ مَا بَيْنَ صَلاَةِ الْفَجْرِ وَصَلاَةِ الظُّهْرِ كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنَ اللَّيْلِ».

والمراد بحزبه: القُرآن الذي التزم به، أو حدَّده لنفسه بأن يقرأه كلّ ليلة.

الفرع الثاني: استدراك أوراد الصلاة:

روى مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ، وَكَانَ إِذَا نَامَ مِنَ اللَّيْلِ أَوْ مَرِضَ صَلَّى مِنَ النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً».

ونصُّ روايةِ أبي داود في سننه: «وَكَانَ إِذَا غَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ مِنَ اللَّيْلِ بِنَوْمٍ صَلَّى مِنَ النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً». (صححه الألباني)

وروى الترمذي والنسائي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ الله ﷺ قال: «أوَّل مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ صَلَاتُهُ، فَإِنْ كَانَ أَكْمَلَهَا وَإِلَّا قَالَ الله عَزَّ وَجَلَّ: انْظُرُوا لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ، فَإِنْ وُجِدَ لَهُ تَطَوُّعٌ قَالَ: أَكْمِلُوا بِهِ الْفَرِيضَة». (صححه الألباني)

الفرع الثالث: استدراك الصِّيام:

حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبي ﷺ قال: «إنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ النَّاسُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ أَعْمَالِهِمُ الصَّلاَةُ، قَالَ: يَقُولُ رَبُّنَا جَلَّ وَعَزَّ لِلْمَلَائِكَةِ وَهُوَ أَعْلَمُ: انْظُرُوا فِي صَلاَةِ عَبْدِي أَتَمَّهَا أَمْ نَقَصَهَا؟ فَإِنْ كَانَتْ تَامَّةً كُتِبَتْ لَهُ تَامَّةً، وَإِنْ كَانَ انْتَقَصَ مِنْهَا شَيْءً قَالَ: انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ؟ فَإِنْ كَانَ لَهُ تَطَوُّعٌ قَالَ: أَتُوا لِعَبْدِي فَرِيضَتَهُ مِنْ تَطَوُّعِهِ، ثُمَّ تُؤْخَذُ الأَعْمَالُ عَلَى ذَٰلِكَ.» (صححه الألباني)

وروى أيضًا عن تَيِمٍ الدَّارِيِّ رضي الله عنه عن النبي ﷺ بهذا المعنى قال: «ثُمَّ الزَّكَاةُ مِثْلُ ذَلِكَ، ثُمَّ تُؤْخَذُ الأَعْمَالُ عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ.» (صححه الألباني)

وينضم من سبل استدراك الصِّيام حسنُ الخلق؛ لما أخرج أبو داود عن عائشة رضي الله عنها قالت: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: إِنَّ المُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ.» (صححه الألباني)

والأدب عملٌ يحتاج لقُوَّة تحكُّم بالمشاعر من صاحبه، ومُغالبة الطَّبع، ومِن هُنا يأتي العناء في تحقيقه في النَّفس، أعاننا اللهُ عليه بمَنِّه وكرمه وفضله.

وكذلك يُستدرك بتفطير الصَّائم؛ لما أخرج الترمذي وابن ماجه عن زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيّ رضي الله عنه قال: «قال رسول الله ﷺ: مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا.» (صححه الألباني)

ينبغي أن يحرص المُسلم على تفعيله في المواسم الفاضلة؛ كرمضان، وستة من شوال، والعشر الأوائل من ذي الحِجَّة، خاصَّة يوم عرفة.

الفرع الرابع: استدراك الزَّكاة والصَّدقة:

الزكاة تُستدرك بالصَّدقات التَّطوُّعِيَّة، وتقدَّم أنَّ من سُبُلِ الاستدراك التَّسبيحَ عقب الصَّلوات ومُطلق التَّسبيح كذلك.

وإنَّ هذا الباب من أعظم الأبواب التي يستدرك بها الإنسان ما فاته مِن الصَّدقات، ولو بلغت الملايين.

الفرع الخامس: استدراك الحج والعمرة:

قصد المسجد بالصَّلاة: لما أخرج أبو داود عن أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ مُتَطَهِّرًا إِلَى صَلاَةٍ مَكْتُوبَةٍ فَأَجْرُهُ كَأَجْرِ الحَاجِّ المُحْرِمِ، وَمَنْ خَرَجَ إِلَى تَسْبِيحِ الضُّحَى لاَ يُنْصِبُهُ إِلَّا إِيَّاهُ فَأَجْرُهُ كَأَجْرِ المُعْتَمِرِ.» (حسنه الألباني)

الجلوس في المسجد حتى شروق الشمس للذكر: لما أخرج الترمذي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ صَلَّى الْغَدَاةَ فِي جَمَاعَةٍ ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ الله حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَتْ لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، قال: قال رسول الله ﷺ: تَامَّةٍ، تَامَّةٍ، تَامَّةٍ.» (حسَّنه الألباني)

فَرُجى لِمَن فعل ذلك أن يستفتح يومه بمغفرة تُبدِّد سيئاته، يعود بها من المسجد كيوم ولدته أمّه كالحاج المُحرم، وفضل الله واسع.

الذَّهاب للمسجد بِنِيَّة التَّعلُّم أو التَّعلِيم: لما أخرج الطبراني أنَّ النبي ﷺ قال: «مَن غَدَا إلى المَسْجِدِ لا يُريد إلا أن يتعلَّمَ خيرًا أو يُعَلِّمَه.. كَانَ له كَأَجْرِ حَاجٍّ تامًّا حجَّتُه.» (حسَّنه الألباني)

وفيه حَثٌّ كذلك لِمَن آتاه اللهُ عِلْمًا أن يقصد المسجد بِنِيَّة تعليم العِلْم، وألَّا يضجر مِن كثرة السَّائلين له في المساجد.

العُمرة في رمضان: لما روى البخاري ومُسلم عن ابن عباس ا قال: «لمَّا رجع النبي ﷺ مِنْ حَجَّتِهِ قَالَ لِأُمِّ سِنَانٍ الْأَنْصَارِيَّةِ: مَا مَنَعَكِ مِنْ الحَجِّ؟ قالت: أَبُو فُلانٍ -تَعْنِي زَوْجَهَا- كَانَ لَهُ نَاضِحَانِ، حَجَّ عَلَى أَحَدِهِمَا وَالْآخَرُ يَسْقِي أَرْضًا لَنَا، قَالَ: فَإِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً مَعِي». لا تقوم هذه العُمرة مَقَام حَجَّة الإسلام.

الصَّلاة بمسجد قُباء: لما أخرج الترمذي عن أسيد بن ظهير الأنصاري أنَّ النبي ﷺ قال: «الصَّلَاةُ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ كَعُمْرَةٍ.» (صححه الألباني)

وعند الطبراني من رواية سهل بن حنيف رضي الله عنه بإسنادٍ حسنٍ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «مَن تَوَضَّأَ فَأحسَنَ الوُضُوء ثُمَّ صَلَّى فِي مَسْجِدِ قُبَاءَ رَكْعَتَيْنِ كَانَتْ لَهُ عُمْرَةً».

فالصَّلاة الواحدةُ فيه تعدل عمرة، وهذا من فضل الله.

وكثيرًا ما تساءلت عن سِرِّ اختصاص نوعٍ مِن العبادة بأجرِ نوعٍ آخر مِن العبادة على وجه التَّحديد كالحال هُنا، حتَّى قرأت قولًا لابن عبد البر يقول فيه: «والفضائل لا تُدرَك بِقِيَاس، ولا مدخل فيها للنَّظر، وإنَّما فيها التَّسليم والتَّعلُّم والشُّكر.»

المطلب الثالث: الاستدراك في الجانب الفقهي

تقدَّم أنَّ الاستدراكَ يأتي بمعنى إصلاح الأمر، وتلافي ما فيه من خطأٍ أو نقص، وبمعنى تدارك ما فات تعويضًا له، وكِلَا المعنيين حاضرٌ بوفرةٍ في الفُرُوع الفقهية.

أمَّا عن الاستدراك بالمعنى الأوَّل:

فإنَّ الشَّريعةَ أتاحت الفُرصةَ في كثيرٍ مِن الصّور لاستدراك النَّقص الحاصل في العبادات:

1. سجود السهو.

2. الإعادة.

3. القضاء.

لما روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: من نَسِىَ صَلاَةً فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، لا كَفَّارَةَ لهَا إلا ذَلك.

وأخرج أبو داود في سننه من حديث أَبِى سَعِيدٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: مَنْ نَامَ عَنْ وِتْرِهِ أَوْ نَسِيَهُ فَلْيُصَلِّهِ إِذَا ذَكَرَهُ. (صححه الألباني)

4. الفدية

وأما الاستدراك بالمعنى الثاني:

1. الإعادة: فَمَن صلَّى الفرض مُنفردًا، ثُمَّ توفَّرت له جماعةٌ، فيُمكن أن يستدرك أجر صلاة الجماعة بإعادة الصَّلاة من جديد.

2. قضاء السُّنن الفائتة: فإنَّ قضاءَ السُّنَّةِ سُنَّة، كما أنَّ قضاءَ الفرضِ فرض. ومن أدِلَّة ذلك أنَّ النبيَّ ﷺ قَضَى السُّنَّةَ البعديَّةَ لصلاة الظُّهر بعد العُصر لمَّا انشغل عنها بوفد عبد القيس عندما أتوه بالإسلام من قومهم كما في الصَّحيحين.

وعقَّب النَّووي على ذلك بأنَّ السُّننَ الرَّاتبة إذا فاتت يُستحَبّ قضاؤها.

3. ذِكْر التَّسمية فيما لو نسيها عند أوَّل الطَّعام، فقد أخرج أصحاب السُّنَن إلَّا النَّسائي عن عَائِشَةَ رضي الله عنها أنَّ رسول الله ﷺ قال: إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَذْكُرِ اسْمَ الله تَعَالَى، فَإِنْ نَسِىَ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ الله تَعَالَى فِي أَوَّلِهِ فَلْيَقُلْ: بِسْمِ الله أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ (صححه الألباني)

4. الوصية: وهي تدور على استدراك الإنسان ما فاته في حياته قبيل وفاته، فإنَّ له أن يُوصِي بثُلُث ممتلكاته أن تُنفَقَ في مَصَارف الخير.

المطلب الرابع: الاستدراك في الجانب العِلْمِي

الاستدراك هو الحَلّ، ولكنَّ سُؤالَ هؤلاء يتضمَّن سُؤالًا أعمق وأدَقّ، مفاده: كيف أستدرك على نفسي بالضَّبط؟ فهو يسأل عن خريطة المَسَار لا عن العُنوان فحَسْب.

النُّبُوغَ في العِلْم والرُّسُوخ فيه أمرٌ مُستطاع، وليس هو بالأمر المُحال، ولا يحتاج إلَّا بضع سنوات لِمَن حسنت هِمَّته، ونُبُوغ عدد مِن الأئمة كذلك قديمًا وحديثًا خير شاهدٍ على ذلك، لكنَّ الأمر تَضَخَّمَ عند المُعاصرين لمَّا تخلُّوا عن المنهجياتِ القويمةِ التي تُبَلِّغُ السَّالك في أقصر وقت.

فهذا الصَّحابيُّ الجليل مُعاذ بن جبل رضي الله عنه يستحِقّ لَقَب أعْلَم الأُمَّة بالحَلَال والحَرَام، وما عاش في الإسلام إلَّا عشر سنوات.

وهذا سيبويه إمام النُّحاة إلى يوم القيامة، كتب كتابه الشَّهير في النَّحو، لم يسبقه مثله ولم يلحقه مثله، والعجيب أنَّه ليس بعربي؛ بل فارسي، ومات وهو ابن اثنتين وثلاثين سنة على المشهور.

وتصدَّى الشَّافعي للإفتاء بإجازةٍ من أعلم أهل الأرض يومها، وهو الإمام مالك، وهو ابن خمسة عشر عامًا!

أبو حنيفة النُّعمان بدأ يطلب العِلْم بعد الثَّلاثين، حتى بلغ فيه الغاية، وأصبح صاحب أول مذهب فقهي مكتمل، واتبعه الناس بعد ذلك، مع أنَّ أبا حنيفة رجلٌ فارسي!

وهذا العِزّ بن عبد السَّلام صاحب الكتاب العظيم الذي لم يُسبق بمثله، وكان طفرةً علميةً في بابه، وهو كتاب: قواعد الأحكام في مصالح الأنام، بدأ يطلب العِلْم بعد الثَّلاثين كذلك، وفتح الله عليه وأعطاه حتى بلغ ما بلغ، وما وقف أحدٌ بباب الله إلَّا وأعطاه، وإذا أعطى اللهُ أدهش!

وهذا النَّوويّ صاحب الكُتُب المُقدَّمة في أكثر العُلُوم، يموت وله مِن العُمْر خمسةٌ وأربعون عامًا، وقد بدأ التأليف وهو ابن خمسة وعشرين عامًا، نبغ صغيرًا، ومات إمامًا كبيرًا، وأعانه على ذلك بعد عون الله أنَّه جعل تحصيله تصنيفًا، وتصنيفه تحصيلًا.

ومن بعده جاء ابن القَيِّم، الذي كان تائهًا في أودية الفِرَق البِدْعِيَّة، مُتأثرًا بها، حتى جالسه شيخ الإسلام ابن تيمية، فأقنعه وردَّه إلى سبيل الهُدَى بفضل الله، فنشط في طَلَب العِلْم، واعتكف عليه، ولازم شيخه ابن تيمية سِتَّة عشر عامًا حتى مات، وأصبح ابن القيم إمامًا مِن أئمَّة الإسلام الكِبار.

مَن تقدَّمت به السِّنّ قد ازداد عقلاً وفَهْمًا، ولئن تعسَّر عليه الحفظ الحَرْفِيّ فقد تيسَّر له الحفظ المعنوي، ومع كثرة النَّظر في كُتُب أهل العِلْم تُصبح عباراته رصينةً بليغة.

كيف أستدرك على نفسي؟

وأجيب في نقاطٍ سبعٍ على وجهٍ مُختصر:

1. المُبالغة في الإلحاح على الله عزَّ وجلَّ بالدُّعاء أن يفتح لك باب العِلْم، وما ينبغي لعاقلٍ أن يتهاون في هذا الأمر. وللإمام العِزّ بن عبد السَّلام كلمة فذَّة نصّها: “والله لَن يَصِل أحدٌ إلى شيءٍ إلَّا بالله، فكيف يُوصَل إلى الله بغير الله؟“.

ينبغي للعبد أن يتعامل مع الدُّعاء كما يتعامل الرَّضيع مع ضرع أمّه؛ فإنَّه يعلم أن نجاته فيه، وأنَّه في تركه يهلك، وكذلك المُتضرِّع لربّه يعلم أنَّه لو ترك التَّضرُّع فإنَّه يهلك، ولو تمسَّك به نجا.

يقول الرَّاغب الأصفهاني: “ضَرَعَ الرَّجُلُ ضَرَاعَةً؛ أي: ضَعُفَ وَذَلَّ، فإذا تَضَرَّع فقد أظهر الضَّرَاعَة“.

2. التَّخفُّف مِن الشَّواغل، ومُتابعة وسائل التَّواصُل، وكذلك التَّخفُّف من التَّصدُّر العِلْمِيّ. والأمر أهون في التَّصدُّر الوعظي، ويبقى كذلك حتى يُكمل مِن العِلْم نِصَابًا تجب فيه الزَّكاة، فعندئذٍ يقوم بنشر العِلْم، والرَّجاءُ أن يُفتح له فيه.

3. الانطلاق مِن الوحي: فتحفظ القُرآن كله أو جلَّه، وتضبطه ضبطًا مُحكمًا، وتُكْثِر النَّظر في مُتُون السُّنَّة؛ كالكُتُب السِّتَّة ونحوها، وتبدأ رحلة تحصيل المفاهيم والأفكار والقواعد مِن الوحي. وكم مِن مُعضلةٍ وجدتُ أبناء العصر يحتارون فيها وهي منطوقةٌ في النُّصُوص، فضلاً عمَّا في الوحي من بركة، وكُلَّما تعلَّقتَ به ظهرت البركةُ في عِلْمِك وعَمَلِكَ.

4. الانكباب على علمٍ واحدٍ والإحاطة به: إنَّ الذي يتوجَّهُ أن ينكبَّ على العِلْم الذي يُريد تحصيله، وينصرف إليه بكُلِّيَّته، فإذا انتهى منه أو من قطعةٍ وافية منه تحوَّل إلى غيره.

وذلك بأن يعمد إلى أهمّ متنٍ أو كتابٍ مُختار في هذا العِلْم، ويقرؤه في يومٍ واحدٍ أو يومين، ثُمَّ يأتي إلى شرحٍ له، يكون مُختارًا لكنَّه وافٍ، فيقرؤه في أيَّامٍ قليلةٍ. ولا ينتظر الدُّرُوس الخاصَّة؛ بل يُفتِّش في الشَّبكة عن الشُّرُوح المُسجَّلة، ويُنزِّل عِدَّة حلقات صوتية في شرح كُتُب هذا العِلْم، ويقوم بسماعها، وتدوين ما يحتاجه منها.

وفي هذه الأيَّام يكون مُهتمًّا بتكوين الخريطة العامَّة لهذا العِلْم، ومِن ثَمَّ يبدأ بدراسة كلّ جانب على حِدَة في خِطَّةٍ زمنِيَّةٍ واضحة المعالم.

وهو في كلّ ذلك يجمع بين التزام مجالس أهل العِلْم، والقراءة الفردِيَّة، وسَمَاع الحلقات الصَّوتية، ومُذاكرة الأقران، وكُلَّما اجتمع عنده مقدارٌ مِن الأسئلة المُشكِلة توجَّه إلى خبيرٍ في الفَنِّ وجالسه واستفاد منه.

ويلزم التَّنويه هُنا إلى تحتُّم التَّدرُّج في الطَّلَب، فعامَّة العُلُوم يُمكن تقسيم كُتُبها إلى ثلاث مراحل: كُتُب للمُبتدئ، وكُتُب للمُتوسِّط، وكُتُب للمُنتهي. (انظر كتاب: المِعْرَاج العِلْمِيّ المُقترح في العُلُوم الشَّرعية، تأليف الشيخ محمد الأسطل أيضاً).

ولا شكَّ في أنَّ الذي أنجز المرحلة الأولى بحقِّها أقوى من الذي يُعاني في كُتُب المرحلة الثَّالثة، فلا داعي للتَّعجُّل. وإنِّي لأخشى أن تكون نِيَّة المُتعجِّل مدخولة، ومن تعجَّل الشيء قبل أوانه عُوقِبَ بحرمانه، فكيف إذا خانته النِّيَّة!

الاستفادة من سَمْت الشيخ وأدبه وغير ذلك من المقاصد النَّافعة.

الناس يتفاوتون في نسبة الفراغ وطبيعة الأوراد، ومن هُنا يُنصح طالب العِلْم أن يستثمر كلّ دقيقة في البناء العِلْمِيّ.

5. ضَبْط العِلْم والتَّركيز فيه: فيرى متنًا مُختارًا ويحفظه بنظام الحِفْظ الحرفي أو المعنوي، والأوَّل أحسن لمن استطاعه، ثُمَّ يعمد إلى شرحٍ له أو إلى كتابٍ يجمع أُمَّهات مسائل هذا العِلْم، ويقوم بتكراره نحو عشر مرّات حتى يستظهره تمامًا.

وإنَّ ضبطَ العِلْم هو الفرق الجوهري الأوَّل الذي يتمايز به الطُّلَّاب، وما مِن ريبٍ عندي أنَّ الطَّالبَ الذي يضبط كِتَابًا ضَبْطًا مُحْكَمًا أنَّه أقوى مِن الذي يقرأ خمسة كُتُب في هذا الفُنّ.

وسُبحان الله العظيم! العِلْمُ الجديدُ له لذةٌ وفيه شهوة، والطَّالبُ يَجِد في ذلك مِن الانتعاش ما لا يجد في الضَّبطِ والمُراجعة، ولهذا فإنَّ العِلْمَ الجديدَ إذا كان هو حَظَّ النَّفسِ؛ فإنَّ ضَبْط العِلْم هو حَقّ الشَّرِيعَة.

﴿ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِنۡ عَلَقٍ * ٱقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ﴾ [العلق: 1-3]

قال الشيخ الطَّنطاوي: كرَّر سُبحانه الأمر بالقراءة لأنَّه مِن الملكات التي لا ترسخ في النَّفس إلَّا بالتّكرار، والإعادة مرةً فمرة.

ولا يخفى أنَّ الكتاب في قراءته الأولى يحتاج مُدَّةً ما، والثَّانية نصفها، وبعد ذلك يعتاد ختم الكتاب كلّه في أيّامٍ قليلة.

6. البَدْء بعُلُوم الآلة: وأهمَّها اللُّغة مِن نحوٍ وصَرْفٍ وبَلَاغةٍ وفِقْه لُغة، وأُصُول الفِقْه وأُصُول التَّفسير ومُصطلح الحديث والقواعد الفِقْهِيَّة. وأهمّ المذكور: اللُّغة وأُصُول الفقه [ومُصطلح الحديث]، وهذه تحتاج نحوًا مِن سنتين لو تفرَّغ لذلك، ويبقى يتنعَّم بها طوال عمره. ومتى أتقنها الطَّالِب أصبح قوِيًّا ولو كان شابًا صغيرًا، ومتى اشتغل بالعِلْم دُونها فإنَّه يبقى ضعيفًا ولو أصبح شيخًا هَرِمًا.

7. العِنَايَة بتكوين العَقْلِيَّة العِلْمِيَّة [النَّقدِيَّة]: ومِمَّا يُعين على ذلك: النَّظر في كُتُب المَدَاخِل لكُلّ عِلْم، وينظر في الكُتُب الفِكْرِيَّة للمُفكِّرين الذين لهم باعٌ حَسَن مِن مادَّة الوحي.

والحقيقة أنَّ القراءةَ المُنتجة هي الفرق الجوهري الثاني الذي يتمايز به الطُّلَّاب، بحيث يتمكَّن الطَّالِب أن ينتزع مِن الفِكْرة فكرةً، ومِن الكتاب كتابًا، ولا يهتدي أحدٌ أنَّ الثَّاني وَلَد الأوَّل. (راجع سلسلة: سُؤال الثَّقافة، عبر الإنترنت، سلسلة حوارية من عشر حَلَقات مع الشيخ العلَّامة محمد بن محمد أبو موسى)

تاج الدين الحنفي النحوي، بعد أن بلغ الإمامة في عُلُومٍ كثيرة، وتقدَّم به السِّنّ، أقبل على سَمَاع الحديث ونَسْخِ الأجزاء، فلمَّا عاتبه النَّاس، قال في ذلك:

وعابَ سَمَاعي للأحاديثِ بعدما … كَبِرتُ أُناسٌ هُم إلى العَيْبِ أقرَبُ

وقالوا إمامٌ في عُلُومٍ كثيرةٍ … يَرُوحُ ويَغْدُو سامعًا يتطلّبُ

فقلتُ مُجيبًا عن مَقَالَتِهِم وَقَد … غَدَوْتُ لِجَهْلٍ مِنْهُمُ أتَعَجَّبُ

إذا اسْتَدْرَكَ الإنْسَانُ مَا فَاتَ مِن عِلْمٍ … فَلِلْحَزْمِ يُعْزَى لَا إلَى الجَهْلِ يُنسَبُ

المبحث الثالث: معالم فِقْه الاستدراك

لعلَّ هذا المبحثَ هو أهمُّ مباحثِ الكتاب؛ لأنَّه يتناول الفِقْهَ العميقَ للاستدراك، وقد تضمَّن فقه اختيار مجال الاستدراك، وحُسن التَّخطيط الإداري له.

المطلب الأول: فِقْه اختيار مَجَال الاستدراك

إنَّ أمَّتَنا اليوم في رحلةِ صُعُود، فالوعي يزداد، والصَّحوة تتقدَّم، وهُناك مساحات واسعة أخفقت فيها الأُمَّة، فواجبٌ عليها أن تستدرك الأمر بإصلاحه، ثُمَّ تبدأ مسيرة الاستدراك لِمَا فات بحُسن التَّعويض فيما هو آت، ومِن فِقْه الأخ الذي يُريد الاستدراك على نفسه أن يجعل استدراكه مُتوافقًا مع استدراك أُمَّته.

وكُلَّما كان أقرب إلى واجب الوقت كان أولى وأقوى وأمتع وأنفع، وينبل للرَّجل إذا جعل مجال استدراكه أمرًا كبرًا، ومِن ثَمَّ يُقَطِّع ذلك الأمر إلى أجزاء صغيرة، فيصبح العَمَل اليسير الذي يقوم به في يومه جُزءًا من العَمَل الكبير الذي هو مشروعُ عمُره.

وحاجةُ الأمَّةِ في نظري تشتد في سبع مجالات، هي أركان بناء المُجتمعات والدّول، وهي: العِلْم النَّافع بنوعيه الدِّيني والدُّنيوي، والجهاد بجميع مراتبه، والأمن، والإعلام، والاقتصاد، والسِّياسة، وإصلاح بِنْيَة المُجتمع.

فهذه أصول المجالات، وغيرها تبعٌ لها، وفرعٌ عنها.

أمَّا العِلْم:

فإنَّه أصلُ كلِّ نَجَاح، ومدخلُ بناءِ أيّ دولة، وصناعةِ أيّ نهضة. فالأمر بالقراءة هو أوَّل فرضٍ فرضه الله على الأُمَّة، والآية قالت: {اقْرَأ} ولَم تُحدِّد مقروءًا بعينه، وعند أهل اللُّغة: إذا حُذِف المعمول اتَّسع المدلول.

فالأُمَّة تحتاج اليوم مثلاً إلى من يُتقن السِّياسة عِلْماً وعملاً، وإلى من يمهر في التكنولوجيا بعد أن أصبحت سلاحاً مؤثراً فعَّالاً، وإلى من يضبط العقيدة والفِكْر، ويقوم بالرَّدّ على الشُّبُهات التي يبثّها من وقع في فخّ الليبرالية أو العلمانية أو الإلحاد مثلاً.

فمن تلقَّى العِلْم ونشره بهذا النَّفَس استشعر أنَّه في ساحة نَفِير، يُجاهد بهذا العِلْم في سبيل الله، قال تعالى: ﴿فَلَوۡلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرۡقَةٖ مِّنۡهُمۡ طَآئِفَةٞ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوۡمَهُمۡ إِذَا رَجَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ لَعَلَّهُمۡ يَحۡذَرُونَ﴾ [التوبة: 122]

النَّجاح له رُكنان: الأهلِيَّة والشُّعُور بالمسئولية، والمُرتجى أن يُنَظِّمَ شُعُورك بالمسئولية خُطَّة مسيرك في تحقيق الأهلِيَّة.

وما قيل هُنا في التَّعلُّم والتَّلقِّي يُقال مثله في التَّدريس والتَّصنيف، وأكثر الكُتُب التي شكَّلت العَقْل المُسلم كانت أثرًا لاستجابةٍ كريمةٍ لحاجة الواقع.

فكتاب الرِّسَالَة للإمام الشَّافعي مثلاً يُعد مَحَطَّةً محوريةً فارقةً في مسيرة الفِقْه عند الأئمَّة، وبالرُّجُوع إلى قصَّته نجد أنَّ الإمامَ الشَّافعي لما نشأ في رحاب مدرسة الحديث بالمدينة، ثُمَّ عاش مُدَّةً في رحاب مدرسة الرَّأي بالكوفة … كتب كتابه المذكور سدًّا لثغرة كلّ فريق، فقرَّب أهل الرّأي بذلك مِن النَّصّ، وأهل الحديث من فقهه.

قال الإمام أحمد بن حنبل: ما عرفت ناسخ الحديث ومنسوخه حتى جالست الشافعي. وقال: ما حمل أحد محبرة إلَّا وكان للشافعي عليه فضلٌ ومِنَّة.

وقال الزّعفراني: كان أهل الحديث نيامًا حتى جاء الشافعي فأيقظهم فتيقَّظوا.

وقال الكرابيسي: ما كُنَّا ندري ما الكتاب ولا السُّنَّة حتى سمعنا من الشافعي.

وقال الربيع المرادي: رأيتُ الشافعي بعد موته فقلت: ما فعل اللهُ بك؟ فقال: أنا في الفردوس الأعلى! قلت: بِمَ ذاكَ؟ قال: بكتابٍ صنَّفته وسمّيته الرِّسَالَة الجديدة. (ومادَّة الرُّؤيا ليست لاعتقاد الجازم، لا سِيَّما وأنَّ المقصود بيان فضل الكتاب لا القطع بدرجة صاحبه في الآخرة.)

وأمَّا الجهاد بمراتبه كافَّة:

فإنَّه حارسُ العِلْم والتَّعبُّد والبلاد والعِبَاد.

وأنَّى لأُمَّة أن تبني نهضتها وحضارتها وثُغُورها مُخترقةٌ مِن كلّ جانب.

سعد بن معاذ رضي الله عنه الذي أسلم في صدر العهد المدني، ومات بعد غزوة الأحزاب، يعني لم يعش في الإسلام إلَّا سِتّ سنوات، ثُمَّ تُخبرنا النُّصُوص أنَّ عرش الرَّحمن جلَّ جلاله اهتزَّ لموته.

هو رجل المواقف الفاصلة، فإنَّه لمَّا أسلم على يد مُصعب بن عُمَير رضي الله عنه في قِصَّةٍ لطيفةٍ جمع قومه بني الأشهل، وقال لهم: كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيِّدنا وأوصلنا وأفضلنا رأيًا وأيمننا نقيبةً، قال: فإنَّ كلام رجالكم ونسائكم عليَّ حرامٌ حتى تؤمنوا بالله وبرسوله! فآمنوا، حتى قال الرَّاوي: فوالله ما أمسى في دار بني عبد الأشهل رجلٌ ولا امرأة إلَّا مُسلماً ومُسلمةً.

قال سعد بن مُعاذ رضي الله عنه: فإنّا قد آمَنّا بِكَ، وصدّقناك، وشهِدْنا أنَّ ما جئتَ به هو الحَقُّ، وأعطيناكَ على ذلك عُهُودَنا ومواثيقَنا على السَّمعِ والطَّاعة، فامضِ يا رسولَ اللهِ لِمَا أردتَ، فنحنُ معك.

فوالذي بعثكَ بالحَقِّ، لو استعرضتَ بنا هذا البحرَ فخُضتهُ لخُضْناه معك، ما تَخَلَّفَ مِنَّا رجلٌ واحد، وما نكرهُ أن تَلقَى بِنَا عدُوَّنا غدًا؛ إنّا لصُبُرٌ في الحَرْب، صُدُقٌ في اللَّقاء، لعلَّ اللهَ يُريكَ مِنَّا ما تقرُّ به عينك، فسِرْ بنا على بركةِ الله!

ولعلّكَ أن تكون خرجتَ لأمرٍ وأحدثَ اللهُ إليك غيرَه، فانظُرِ الذي أحدثَ اللهُ إليك فامضِ، فَصِلْ حِبالَ مَن شئتَ، واقطعْ حِبالَ مَن شئتَ، وسَالِم مَن شئتَ، وعَادِ مَن شئتَ، وخُذْ مِن أموالنا ما شئتَ، وأعطِنا ما شئتَ، وما أخذتَ مِنَّا كان أحبَّ إلينا مِمَّا تركت!

فسُرَّ رسول الله ﷺ بقول سعد، ونشَّطَهُ ذلك، ثُمَّ قال: “سيروا وأبشروا؛ فإنَّ الله تعالى قد وعدني إحدى الطَّائفتين، واللهِ لكأنّي الآن أنظرُ إلى مصارعِ القوم.

ولمَّا كانت وقعة الأحزاب أُصِيب سعد، وخشي أن يُقتل قبل أن يُشفى صدرُهُ مِن بني قُرَيظَة إذ خانوا المُسلمين.

ولمّا تمَّ حِصَارُهم، وحصل الاتِّفاقُ أن ينزلوا على حُكمِ سعدٍ فيهم، قال: “فإنّي أحكم أن تُقتلَ المُقاتلة، وأن تُسبى الذُّرِّيَّة!” فقال النبي ﷺ: “لقد حكمتَ فيهم بحُكمِ الله مِن فوق سَبْعِ سموات“.

فأنت ترى بجلاء أنَّه كان يُراعي في خطّته مصلحةَ دعوته حتى في تقرير مصيره وحياته، فربط حياته بخدمة الإسلام وأهله وإذلال الكُفر وأهله ربطًا تامًّا.

الحاجة اليوم لسَدّ الفجوات العسكرية شديدة، خاصَّة بعد أن أضحى الثُّغُر العسكري عِلماً … كمُشكلة طائرة الاستطلاع المُلقَّبة بالزَّنَّانة في بلادنا، والتي لو استطعنا تحييدها لتغيَّر شكل القتال وثمرته جذريًّا.

وأمَّا الأمن:

أعني ضَبْط النُّظُم الأمنية، والقُدرة على إدارة صِراع الأدمغة مع العدوّ، واختراق منظومته، وكشف عُدّته وخططه، وإبطال هجماته، ومعرفة أدواته.

المعارك العسكرية في الغالب ظلٌّ للمعارك الأمنية، فالمعركة أمنية أصالةً عسكرية تبعًا.

وأمَّا الإعلام:

من أخطر ما يسلكه المُبطلون اليوم أنَّهم يُعيدون عرض الإسلام بما يتوافق مع الثَّقافة الغربية، ويقلبون بذلك حقائق الدِّين، حتى إنَّهم ليَتَّهِمُون أصحاب الحَقّ بالفَسَاد والإفساد، ويثنون على أهل الباطل بالصِّحَّة والإصلاح.

وقلب الحقائق خُصلةُ نفاق قديمة، كما قال تعالى عن المنافقين: ﴿لَقَدِ ٱبۡتَغَوُاْ ٱلۡفِتۡنَةَ مِن قَبۡلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ ٱلۡأُمُورَ حَتَّىٰ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَظَهَرَ أَمۡرُ ٱللَّهِ وَهُمۡ كَٰرِهُونَ﴾ [التوبة: 48]

امتلاك بعض الوسائل الإعلامية شيء، وإدراك فلسفة الإعلام وفِقْه عرضه شيءٌ آخر. ومعرفةَ الأساليب الحديثة لهذا الجهاد البياني لا تَقِلّ شأنًا عن معرفتنا بأساليب استعمال الأسلحة القتالية الحديثة.

لمَّا دخل النبي ﷺ مكَّة في عُمرة القضاء، وابن رواحة بين يديه يقول:

خَلّوا بني الكُفَّارِ عَن سَبِيلِهِ … اليَوْمَ نَضْرِبُكُم عَلَى تَأوِيلِهِ

ضَرْبًا يُزِيلُ الهَامَ عَن مَقِيلِهِ … وَيُذْهِلُ الخَلَيلَ عَنْ خَلِيلِهِ

قال عُمر: “يا ابن رواحة، في حَرَم الله، وبين يدي رسول الله ﷺ تقول هذا الشعر!“، فقال النبي ﷺ: “خلِّ عنه؛ فوالذي نفسي بيده، لكلامه أشد عليهم من وقع النبل“. صحَّحه الألباني، ودلالة الحديث واضحة ظاهرة.

وأمَّا الاقتصاد:

فهو اليد التي يُوجعنا العدوّ عادةً مِن خلالها.

ثقافة التَّزهيد مِن المال ما زالت تحتفظ بموقعها في الطَّرح الدَّعوي والمِنْبَرِيّ، رغم أنَّها من جُملة المفاهيم التي تُعرض مُشوَّهةً عن مادَّة الشَّريعة.

الزُّهد هو: تَرْكُ مَا لَا يَنْفَعُ في الآخِرَة، كما عرَّفه شيخ الإسلام ابن تيمية.

ومن أكثر النَّاس فضلًا وأعظمهم اليوم نفعًا وأجرًا مَن آتاه الله مالًا، فهو ينفق منه في ظِلّ الأزمات الاقتصادية والشَّدائد العامَّة.

يُكتب على باب الجنَّة: “الصَّدقة بعشر أمثالها، والقَرْض بثمانية عشر“. كما أخرج ابن ماجه.

إنَّ المال أحد الكُلِّيَّات الخمس في الشَّريعة، وإنَّ الشَّريعة لا تُنَظِّر للفقر ولا للمَسْكَنَة.

ما شعورك عندما تجد النبي ﷺ يستعيذ بالله من الفقر دُبُر كُلّ صلاة؛ فقد أخرج النسائي ما مفاده أنَّ النبي ﷺ كان يدعو دُبُر كُلّ صلاة: “اللهمَّ إنِّي أعوذ بك من الكُفْر والفَقْر وعذاب القَبْر.

ولم يَكُن النبي ﷺ فقيرًا على الدَّوام كما يستقِرّ في بعض الأذهان.

أحصى الدكتور عبد الفتاح محمد السمان في رسالته “أموال النبي ﷺ كسبًا وإنفاقًا وتوريثًا“، بإشراف شيخنا الدكتور محمد الزحيلي، بأنَّ مُجمل ما دخل من الذَّهب في مالية النبي ﷺ بلغ (1217) كيلوجرامًا من الذَّهب، ومُجمل تركته من العقارات والأراضي بلغ (15) قطعة أرض.

أمَّا ما يُذكر أنَّه ربط على بطنه الحجارة من الجوع، وكان يمُرّ عليه الهلال ثُمَّ الهلال ولا يُوجَد في بيته طعام، وتُوفِّي ودرعه مرهونة عند يهودي، فهذه من الحالات الطَّبيعية التي تمُرّ بالإنسان.

لكنَّ النبي ﷺ كان في الجُملة ذا مال، كيف وقد قال الله تعالى له: ﴿وَوَجَدَكَ عَآئِلٗا فَأَغۡنَىٰ﴾ [الضحى: 8]، لكنَّه ﷺ كان كثير الإنفاق جداً.

بل نجده ﷺ من اليوم الأوَّل الذي دخل فيه إلى المدينة عمل على استقلال الأمَّة اقتصاديًّا؛ إذ لمَّا وصلها وجد الماء العذب بيد اليهود، بمعنى أنَّ اليهودي لو مكث أيامًا في سخطٍ علينا فيُمكن أن يتحكَّم بالماء الذي نشربه! فعندها أعطى النبي ﷺ صفقةً فورِيَّة تنُصّ على أنَّ مَن يشتري البئر له الجَنَّة، نعم؛ الجنَّة مُقابل بئر!؛ لكي تبقى أساسيَّات النَّاس وحاجياتهم بيد عدونا، يتحكَّم بنا كما يشاء.

فقد روى الترمذي والنسائي أنَّ رسول الله ﷺ قدم المدينة وليس بها ماءٌ يُستعذب غير بئر رومة، فقال: “مَن يشتري بئر رومة فيجعل فيها دلوه مع دلاء المُسلمين، بخيرٍ له منها في الجنَّة“، فاشتراها عثمان بن عفان رضي الله عنه من صُلب ماله.

ولعلَّك لاحظت أنَّه ﷺ اشترط أن يكون دلو المُشتري واحدًا مع دلاء المُسلمين؛ وذلك لكيلا يتحكَّم بأساسيات حياتنا أحدٌ مِن النَّاس، حتى لو كان مُسلمًا.

الاقتصاد أحد أعمدة بناء الدّول، وقد جاء الرَّبط بين القراءة وكرم الله في قوله تعالى: ﴿ٱقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ﴾ [العلق: 3]

بقي أن يُعلَم أنَّ مُثلَّث القُوَّة في حياة الدّول: الاقتصاد والجهاد والإعلام، وهذه الثَّلاثة هي أشدّ الأسلحة التي يفتك العدوّ بنا مِن خلالها، ولن نكسر شوكته إلَّا إذا استعملنا الأسلحة التي يُواجهنا بها.

وقد أحسن الصَّهاينة استغلال هذا المُثلَّث جيِّدًا؛ ولاحظوا أنَّ العوامَّ يُريدون الحَقّ لكنَّهم لا يعرفونه، وأنَّ النُّخَب يعرفون الحَقَّ لكنَّهم لا يُريدونه، فاشتروا النُّخَب بالمال، وضلَّلوا الشُّعُوب بالإعلام، وقاوموا كلّ مُحاولة إصلاحٍ بالسِّلَاح، فتّمَّ لهم الأمر بأيدٍ عربيةٍ خالصة!

وليس مِن فَرَاغ أن يجمع بينها النبيُّ ﷺ في حديثٍ واحدٍ نصُّه: “جَاهِدُوا المُشْرِكِينَ بِأمْوَالِكُم وَأنْفُسِكُم وَألْسِنَتِكُم“. (صححه الألباني)

وأمَّا السِّياسة:

فأعني بها الدِّراية بسُبُل إدارة الدّول وبنائها، وهذا يتطلَّب دراسة العُلُوم السِّياسِيَّة، والإحاطة بالتَّاريخ، وبقوانين النَّهضة وبناء الحضارة، ودراسة التَّجارب الإسلامية والإنسانية، وفَهْم عقلِيَّة الباطل، وأساليبه؛ ليسهل علينا بعد ذلك إقامة نظام إسلامي شامل.

وإقامة النُّظُم الإسلامية شيء، والتَّنظير لَهَا شيءٌ آخر.

وأمَّا إصلاح بِنْيَة المُجتمع مِن الدَّاخل:

فالعُنوان كاشفٌ عن المضمون، فكُلّ جُهد يأخذ بالمُجتمع إلى الازدهار، ويحفظه مِن عوامل الانهيار، فهو أرضٌ خصبةٌ لِمَن رام الاستدراك بعملٍ كبير، من مثل تنضيج عقل الزَّوجين بفِقْه إدارة البُيُوت، وتربية الأبناء، وعلاج مُشكلات الأسرة، والإصلاح بين النَّاس، والتَّنظير للعمل التَّطوُّعيّ، والتَّخفيف من البطالة، والسَّعي في حَلّ مشاكل الشَّباب، ومُعالجة المُشكلات في ملف الزَّواج والطَّلاق والأيتام، ونشر ثقافة العِلْم والتَّكافُل والقِيَم في أرجائه، وإقامة المُؤسَّسات الأهلِيَّة لإنجاز ذلك.

وفي خِتام هذا المطلب أُنوّه إلى أمرين:

الأوَّل: يُمكن في تحديد مجال الاستدراك أن تسترشد بالماضي لتحديد المُستقبل، فتُشَاكِلَ الطَّاعةُ الجديدة المعصيةَ القديمةَ في جنسها؛ فَمَن كان يُتاجر بالحرام يُتاجر اليوم بالحَلَال، ومَن كان يُسَخِّرُ صوته في سبيل الشَّيطان يجعله اليوم في سبيل الرَّحمن.

على أنَّه لا يلزم التَّحوُّلُ في الاستدراكِ مِن معصيةٍ إلى طاعة؛ بل قد يتحوَّل المُستدرك مِن عَمَلٍ حَسَنٍ لِمَا هو أحسن، ومِن عَمَل صغير لآخر كبير.

والآخر: اتِّضاح ملامح مجال الاستدراك بِدِقَّةٍ ليس شرطًا للبداية، بل يُمكن البدء بأعمال عادِيَّةٍ صغيرةٍ في الفضاء الذي تُحِبّ، سواء كان علمًا أو جِهادًا أو اقتصادًا أو غير ذلك، وأثناء المَسِير تكون مُتيقِّظًا لذلك، وكُلَّما تقدَّمت في الطَّريق تكشَّفت لك الآفاق، وبدأ مشروع العُمْر الذي تُريده محلًّا للاستدراك يتَّضِح شيئًا فشيئًا.

المطلب الثاني: حُسْن التَّخطِيط الإداري

الذي يمشي بغير خُطَّةٍ وافيةٍ يتعبُ ويفكِّرُ كثيرًا، ولا يُنجز أو يُنتج إلَّا قليلاً، قال تعالى: ﴿أَفَمَن يَمۡشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجۡهِهِۦٓ أَهۡدَىٰٓ أَمَّن يَمۡشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ﴾ [الملك: 22]

الفرع الأول: أهمِّيَّة تنظيم الشَّخصية وكتابة الخُطَّة الذَّاتِيَّة:

أستفتح الكلام بقول الشيخ محمد الغزالي إذ قال فأحسن القول: ما أجملَ أن يُعِيد الإنسان تنظيم نفسه بين الحين والحين، وأن يُرسل نظراتٍ ناقدة في جوانبها؛ ليتعرَّف عيوبها وآفاتها، وأن يرسم السِّياسات القصيرة المَدَى والطَّويلة المَدَى ليتخلَّص مِن هذه الهَنَات التي تُزري به!ويستقِرّ في سَلَّة المُهمات ما لا معنى لاحتفاظ به … إنَّ الكَيَان العقلِيّ والعاطفِيّ للإنسان قلَّما يبقى مُتماسك اللّبنات مع حِدَّةِ الاحتكاك بصُنُوف الشَّهوات وضُرُوب المُغرَيَات.

الإنسانَ بمثابة مؤسَّسة لها أعمالٌ ونشاطات، ونجاحُها منوطٌ بحُسنِ إدارتها، ودِقَّة التَّخطيط لها.

ومن منافع انتظام الإنسان وفق خُطَّة شخصية الأوجه الثَّلاثة الآتية:

أولًا: كثرة الإنجاز: الذي يمشي بلا تخطيطٍ ولا هدفٍ فإنَّهُ إن أَنْجَزَ 30% كان في غاية البهجة، واستمراره محَلُّ شَكّ.

ثانيًا: السلامة من الاضطراب:

وأذكر أنِّي جالستُ شابًّا ناشئًا ناهز العشرين، ولمَّا تداولنا الأوراد العِلْمِيَّة قال لي: يومي واضحُ المَعَالِم: خمس ساعات للتَّخصُّص الذي أَدْرُسُهُ، وساعة لحِفْظ القُرآن ومُراجعته، وساعة للتَّفسير، وساعتان للقراءة في الكُتُب الثَّقافِيَّة والشَّرعية والفِكْرِيَّة، وحاصل المقروء عندي يوميًّا سبعون صفحة، وقد انتهى مِن قُرابة مائة كتاب بهذه الطَّريقة.

ثالثًا: حَلّ المُشكلات الخاصَّة: وقد أحسن الدكتور عبد الكريم بكَّار إذ صرَّح قائلًا: كُلُّ مُسلمٍ لا يستطيع حَلّ مُشكلاته الخاصَّة يتحوَّل هو إلى مُشكلة اجتماعية“.

أنصح بكتاب: الخُطَّة البرَّاقة لذي النَّفس التَّوَّاقة، للدكتور صالح الخالدي؛ فإنَّه نافعٌ مُفِيدٌ، وهو منشورٌ عبر الشَّبكة.

ثم ليُعلم أنَّ مَن لا يُخطِّط لنجاحه فإنَّه يُخطِّط تلقائيًّا لفشله، ومَن لا يُخطِّط لنفسه فسيكون تلقائيًّا ضِمْن منظومة خِطَط الآخرين.

الفرع الرابع: تحديد الشَّكل النِّهائي للشَّخصية:

ومنزلة هذه النُّقطة مِن الخُطَّةِ كمنزلة تكبيرة الإحرام من الصَّلاة.

لا بُدَّ من تحديد الشكل النّهائي للشَّخصية؛ هل سأكون فقيهًا يُفتي النَّاس؟، أم مؤلِّف كُتُبٍ ودراسات؟، أم قائدًا عسكريًّا يُذِلُّ أعداءَ الله؟، أم رجل سياسة يُؤَثِّرُ في مَسَار الأحداث؟، أم خبيرًا أمنيًّا يقف لعدونا بالمرصاد؟، أم رجل إعلام يُحسن البَلاغ؟، أم مُصلِحًا اجتماعيًّا يحلّ مشاكل المُجتمع مُشكلةً بعد أخرى؟، أم رجل اقتصاد يُعيد للأُمَّة قَدْرَهَا وقرارها؟، أم مُفكِّرًا يصنع المفاهيم التي تحتاجها الأُمَّة؟، أم رجل تربية ودعوة وإصلاح؟، أم رجل بُحُوث عِلْمِيَّة يتفرَّغ عبرها لحَلّ المُعضلات؟، أم عالمًا في الشَّريعة أو الفيزياء أو الطِّبّ أو التَّاريخ أو غير ذلك؟

إنجازَكَ لهذه النُّقطة يعني أنَّك ستبدأ تقتني الكُتُب اللَّازمة لمسارك، وتُصاحب أناسًا يحملون نفس التَّوجُّه، وتُطالع مواقع تبحث في نفس التَّخصُّص، وتُتقن المهارات والدَّورات التَّخصُّصِيَّة المطلوبة لذلك.

على أن يكون هذا الجانب مُتوافقًا مع رغبة الإنسان وقدرته وطُمُوحه، وليس بالضَّرورة أن يكون هو مجال تخصّصه أو وظيفته، لكن كُلَّما كان مُنسجمًا معه كان أولى وأقوى.

وذلك أنَّ الرَّغبةَ هي جِسْر الإبداع، فقد جعل اللهُ نفس كلّ شخص مُتآخيةً مع نوعٍ من المعارف، وليس بوقتٍ ضائعٍ ذلك الذي تُنفقه في اكتشاف نفسك.

وحذار من أن تكون الرَّغبةُ بناءً على إعجابٍ بفلانٍ أو ضغطٍ مِن آخر.

بل علامة الفِقْه عند هؤلاء أن يُوَجِّهُوا الإنسان للمَجَال الذي يسَّره اللهُ له، وحبَّبه إليه، وكلٌّ مُيسَّر لِمَا خُلِق له، بل إنِّي لأخشى أن تكون مُخالفة الآباء لرغبات الأبناء هي من العُقُوق الحاصل في حقِّهم (أي الأبناء).

الفرع الثالث: كيفية كتابة الخطة:

بشكلٍ عَمَلِيّ مُيسَّر، لو أردنا أن نكتب خُطَّةً مُتوسِّطة المَدَى، لمُدَّة ثلاث سنوات، فماذا نفعل؟ لا بُدَّ أوَّلًا من بيان محاور الخُطَّة، ثُمَّ كيفية التَّنفيذ، ودونك البيان:

أوَّلًا: محاور الخُطَّة: وهي سِتَّة، ودونك بيانها:

1. الجانب الإيماني: كالعبادات؛ مثل التَّهجُّد وحفظ القُرآن وأعمال القُلُوب.

2. الجانب التَّربوي والخُلُقي: ويُرَكِّزُ على الجانب السُّلُوكي؛ مثل العِفَّة والتَّجرُّد والصِّدق والحِلم والحكمة والرِّفق والوفاء وما أشبه ذلك.

3. الجانب العِلْمِي.

4. الجانب الدَّعوي: وأعني به التَّنظير للفكرة التي تنتمي إليها، سواءً كانت شرعيةً أو لا، وذلك عبر الخطابة والتَّدريس، أو الكتابة والتَّصنيف، أو مِن خلال وسائل التَّواصُل الاجتماعي أو غير ذلك.

5. الجانب الاجتماعي: وفيه العناية بالأهل، والعلاقة مع الأرحام والجيران والأصدقاء وزُملاء العَمَل وأضراب ذلك، ويدخل في هذا الجانب ما يتعلَّق ببناء البيت والزَّواج والوظيفة كذلك.

6. الجانب الشخصي: ويُؤوِي إليه الجانب الصِّحّي والتَّرفيهي وتحصيل المهارات التي يحتاجها ويرغبها.

فيأتي إلى كُلّ جانب من هذه الجوانب السِّتَّة، ويقوم بكتابة خُطَّة خاصَّة به، فالمطلوب هُنا مُجرَّد سرد الأعمال ليس إلَّا.

ثُمَّ إنَّه سيكون عندنا أربع ورقات:

الأولى: الخُطَّة الاستراتيجية: وفيها سرد الأعمال في كُلّ محور للسَّنوات الثلاث.

الثانية: الخُطَّة السَّنوِيَّة.

الثالثة: الخُطَّة الشَّهرية.

الرابعة: الخُطَّة الأسبوعية: ويُلاحظ فيه البرنامج اليومي.

وقد التزمت بهذه الطَّريقة، ووجدتُ فيها بركةً، وأيّ بركة!

وما يُيَسِّر الأمر أن يقوم بتجهيز قوالب جاهزة للورقة الشَّهرية والأسبوعية عبر الحاسوب، ويُصبح يُعبِّئ الفراغات فحسب. أمَّا فيما يتعلَّق بتفصيل الخُطَّةِ مِن الدَّاخل فهذا شأنك.

الفرع الرابع: نِقاط خمس منثورة في تنظيم الشَّخصية:

أولًا: الإرادةُ هي أصلُ التغير، ولا يستطيع أحدٌ أن يمنحك إيَّاها، ولكن يُمكن تشجيعك عليها.

فإن أكثر الناس استمتاعًا بالحياة، وتأثيرًا في الواقع أكثرهم ضبطًا للمشاعر، وتنظيمًا للقرارات التي تخصهم أنفسهم.

ثانيًا: بعض الإخوة يهاب كتابة الخطط الشخصية. خُطّتك ظلُّ حياتك.

ثالثًا: يعقب الإنجاز نوعٌ من الخُمُول. والمُسلم يُربِّي نفسه ما إن ينتهي من عَمَل حتى يشرع في غيره، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغۡتَ فَٱنصَبۡ * وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرۡغَب﴾ [الشرح: 7-8].

رابعًا: إنَّ الاستدراكَ يتجزَّأ لضمان دِقَّة التَّنفيذ، وحُسْن الأداء، وعَدَم التَّشتُّت والاضطراب بالدُّخُول في الأُمُور الكبيرة جُملةً واحدة.

وذلك أنَّ حماسةَ بعض الشَّباب في استدراك التَّقصير، ورؤيته للنَّاجحين تجعله يُريد أن يتعجَّل المشهد الأخير الذي وصلوا إليه، والنَّتيجة أنَّه يُحبط ورُبَّما ييأس.

ثُمَّ إنَّ تقسيم العَمَل الواحد إلى عِدَّة أجزاء يُهوِّنه في عين صاحبه.

خامسًا: أمران إن تَرَتَّبَا في حياتك صلحت أحوالك دينًا ودُنيا، وأُعِنْتَ على نجاح خُطّتك: النَّوم والصَّلاة.

فإذا نمت وفق الطَّبيعة التي جبل اللهُ النَّاس عليها؛ بأن نمت مُبكِّرًا قدر الاستطاعة، ولم تنم صباحًا إلَّا مِن نحو ساعة بعد شُرُوق الشَّمس عند الحاجة، ثُمَّ استعنت بنوم القيلولة.. فإنَّ جدولَ يومِكَ سيكون مُنَظَّمًا مُرَتبًا، وسيرتفع الإنجاز في حياتك حاضرًا ظاهرًا.

وإذا التزمت بالصَّلاة في المسجد.. فإنَّ منظومةَ مواعيدك وأورادك ستكون سليمةً مُستقيمة.

وعلاج التَّشويش في هذين الأمرين يكون بمُجاهدة النَّفس على الالتزام بهما، وتحمل عناء التَّحوُّل إليهما، وذلك أنَّ أيّ أمرٍ يؤرِّق الإنسان، ويُريد أن يجعله عادةً راسخةً في حياته فلا بُدَّ أن يُكرّره عددًا يثبت بعده، أقله واحدٌ وعشرون مرَّة -وهو الغالب في النَّاس-، وأكثره أربعون مرَّة كما يُنقل عن عُلماء النَّفس، مع عَدَم القطع بينها. على أنَّه في هذه الفترة سيُعاني كثيرًا، لكنَّه بعد ذلك سيرتاح طويلاً بإذن الله تعالى.

المطلب الثالث: استثمار الأزمنة والأمكنة الفاضلة

هذا المطلب والذي بعده يتمحَّضان في الاستدراك التَّعبُّدِيّ.

من رحمة الله تعالى بهذه الأُمَّة أنَّه لمَّا عَلِمَ قِصَر أعمارها وضعف أجسادها بالنِّسبة لِمَن سبقها عوَّضها الله تعالى بالأماكن الفاضلة التي تضاعف فيها الأجُور؛ كالمسجد الحرام والمسجد النَّبوي والمسجد الأقصى وثُغُور الحراسة والرِّباط، وكذلك بالأزمنة الفاضلة التي هي بمثابة مواسم تعويضية؛ كشهر رمضان الذي استأثر الله بمقدار أجره لعظمته، وليلة القدر التي جعلها اللهُ خيرًا من ألف شهر، والأيام العشرة الأولى من ذي الحِجَّة، وصِيام عَرَفَة الذي يُكَفِّر سنتين من الذُّنُوب، ويوم عاشوراء الذي يُكَفِّر سنة واحدة.

ويُمكن للمُستدرك الذي يُريد اعتياد العزائم أن يستثمر رمضان في تقرير العادات مِن أجل صناعة التَّحوُّلات في حياته، لا سِيَّما وأن فِعْل الطَّاعات وتَرْك السَّيِّئات يكون سهلًا مُيَّسرًا فيه.

ولعلَّ أصلَ هذا المعنى مُستنبطٌ من الحديث الذي أخرجه الترمذي وابن ماجه من رواية أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبي ﷺ قال: “إذا كانت أوَّل ليلةٍ مِن رِمضان صُفِّدَت الشَّياطينُ ومردةُ الجِنّ، وغُلِّقَت أبواب النَّار فلم يُفتح منها باب، وفُتِحَت أبواب الجنَّة فلم يُغلق منها باب، ونادى منادٍ: يا باغيَ الخير أقبل، ويا باغيَ الشَّرّ أقصِر، وللهِ عتقاءُ من النار، وذلك في كلِّ ليلة.” (صححه الألباني).

إنَّ حسنةَ المُرابط بألف؛ فقد أخرج الترمذي والنسائي عن أبي صالح مولى عثمان قال: سمعت عثمان رضي الله عنه وهو على المنبر يقول: “إنِّي كتمتكم حديثًا سمعته مِن رسول الله ﷺ كراهية تفرُّقكم عنِّي، ثُمَّ بَدَا لي أن أُحدِّثكموه؛ ليختار امرؤ لنفسه ما بَدَا له، سمعت رسول الله ﷺ يقول: رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ الله خيرٌ مِن ألفِ يومٍ فيما سِوَاهُ مِن المَنَازِل“. (حسَّنه الألباني)

وورد الحديث عند ابن ماجه من رواية عبد الله بن الزبر: “مَنْ رَابَطَ لَيْلَةً فِي سَبِيلِ الله سُبْحَانَهُ كَانَتْ كَأَلْفِ لَيْلَةٍ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا.” (حسَّنه الألباني)

قال الإمام المناوي: وعليه؛ فحسنةُ الجهاد بألف.

ولهذا خاف عثمان رضي الله عنه أن يتفرَّق الناسُ عنه إذا أعلمهم بذلك؛ رغبةً في الرِّباط والإقامة ببلاده، ولولا أنَّه يعلم أنَّ ذلك يَعُمُّ مكةَ والمدينةَ لَمَا خاف تفرّقهم وخُرُوجهم مِن المدينة إلى أرض الرِّباط.

كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يهتف به في سمع أهل مكَّة فيقول: “يا أهل مكَّة، يا أهل البلدة، ألَا التمسوا الأضعاف المُضاعفة في الجُنُود المُجَنَّدَة، والجُيُوش السائرة، ألَا وإنَّ لكم العَشْر، ولهم الأضعاف المُضاعفة.”

وإذا ضممنا لِمَا ذُكر ما أخرج المنذريُّ عن ابن عمر أنَّ النبيَّ ﷺ قال: “ألَا أُنَبِّئُكُمْ لَيْلَةً أَفْضَلَ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ؛ حَارِسٌ حَرَسَ فِي أَرْضِ خَوْفٍ لَعَلَّهُ أَنْ لاَ يَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهِ.” (صححه الألباني)

كاد عقل الإنسان أن يطيش من ضخامة الأجر!، فماذا على المُسلم لو سطَّر في صحيفة عمله، وديوان حسناته، ساعاتٍ من الحِرَاسة وأيامًا من الرباط؟

ينبغي أن يختِم القُرآن الكريم في كُلِّ شهرٍ مرَّةً أو مرَّتين.

ولو قصد الثُّغُور المَخُوفَة في اللَّيالي المَخُوفَة، وقام بحراستها.. فإنَّ ليلته عَسَى أن تزيد في الفضل عن فضل أعمارٍ كاملةٍ لبعض النَّاس، فإنَّه كُلَّما زاد الخوف زاد الأجر.

المطلب الرابع: استثمار أحاديث الفضائل

أتناول هُنا طرفًا مِن أحاديث الفضل، وأحاديث التَّفضيل، وبعض العبادات اليسيرة التي منحتها الشَّريعة أُجُورَ عباداتٍ كبيرة.

الفرع الأول: استثمار أحاديث الفضل:

ومما شواهد ذلك الأُمُور السَّبعة الآتية:

1. الحَسَنَة بعشر أمثالها: وهذا تضعيفٌ يعُمّ عامَّة الأعمال، قال رسول الله ﷺ: “مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ الله فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ: أل حَرْفٌ؛ وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ، وَلَامٌ حَرْفٌ، وَمِيمٌ حَرْفٌ.” (صححه الألباني)

أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: “إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِمِثْلِهَا.”

وإحسان الإسلام فُسِّر بثلاثة معان:

الأول: أي صار إسلامه حسنًا باعتقاده وإخلاصه.

الثاني: بإقامة الأوامر واجتناب المُحرَّمات، ومنه الحديث المشهور: “مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ.”

الثالث: أن تقع طاعات المُسلم على أكمل وُجُوهها وأتمّها.

2. الاشتغال بما يرفع الدَّرجات في الجنَّة خاصَّة: الأعمال التي صرَّحت النُّصُوص بأنَّها ترفع في الجنَّة درجاتٍ ودرجات. ومن ذلك: حفظ القُرآن الكريم كلّه أو بعضه.

قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: “يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ: اقْرَأْ وَارْتَقِ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا؛ فَإِنَّ مَنْزِلَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا.” (صححه الألباني)

وصاحب القرآن هُنا هو الذي استظهره عن ظَهْر قلب، وأتقن أداءه وقراءته وترتيله.

ومن ذلك: الاستكثار من السُّجُود. قال رسول الله ﷺ: “مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْجُدُ للهِ سَجْدَةً إِلَّا كَتَبَ الله لَهُ بِهَا حَسَنَةً، وَمَحَا عَنْهُ بِهَا سَيِّئَةً، وَرَفَعَ لَهُ بِهَا دَرَجَةً، فَاسْتَكْثِرُوا مِنَ السُّجُودِ.” (صححه الألباني)

ولا يزال العبدُ يكثر مِن السُّجُود حتى يبلغ درجةَ المُرافقةِ للنبيِّ ﷺ في الجنَّة. أخرج مسلمٌ في صحيحه عن ربيعة بن كعب الْأَسْلَمِيّ قَالَ: كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ، فَقَالَ لِي: سَلْ، فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الجَنةِ! قَالَ: أو غير ذلك؟ قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ! قَالَ: فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ.

فيكون القُرْب من رسول الله ﷺ في الجنَّة يُشترى بالقُرب من الله تعالى بالسُّجُود بين يديه. ومن عرف أُجُور الأعمال هانت عليه في كُلّ الأحوال.

3. كثرة التعبد في زمان الفتن: قال النبي ﷺ: “فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ، الصَّبْرُ فِيهِ مِثْلُ قَبْضٍ عَلَى الجَمْرِ. لِلْعَامِلِ فِيهِمْ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلاً يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِهِ، وفي رواية: قَالَ: “يَا رَسُولَ الله، أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْهُمْ؟” قَالَ: “أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ.” وهذا فضلٌ يعُمّ عامَّة الأعمال.

ودل ختام الحديث على فضل هؤلاء في الأجر على الصحابة رضي الله عنهم من هذه الحيثية، ولا ينافي هذا فضل الصحابة رضي الله عنهم على مَن بعدهم؛ لأنَّ الفضلَ الجُزئيَّ لا يُنافي الفضلَ الكُلِّيّ.

بل إنَّ التَّعبُّد في زمن الفتن يُمكن أن يُستدرك به ثواب الهجرة إلى النبي ﷺ؛ فقد أخرج مُسلم عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: “الْعِبَادَةُ فِي الهَرجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ.”

4. صلة أهل ود الوالدين: وهذا استدراك خاصٌّ بِبِرّ الوالدين.

قال رسول الله ﷺ: “إنَّ أَبَرَّ الرِّبَاطِ صِلَةُ الْوَلَدِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ.”

5. تعدد النيات في العمل الواحد: ويُرجى أن تحوز ثوابًا مُستقِلَّا على كُلِّ نِيَّة تنويها بإذن الله وفضله.

6. نشاط المُرابط بكثرة العَمَل في الثَّغر: قال رسول الله ﷺ: “رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَأَمِنَ الفَتَّانَ.”

من مات في ثغره فإنَّ أجر عمله لا ينقطع إلى يوم القيامة، وأنَّه يُجعل بمنزلةِ المرابطِ الذي استدام رباطه إلى فناء الدنيا.

وهذا الفضل المُدهش يستحِثّ كلَّ ساكنٍ للثُّغُور -كغزَّة وبلاد الشَّامّ- أن يستحضر نِيَّة الرِّباط وحراسة البلاد والعباد. وبهذا يكون قد استدرك بنشاطه ما فاته في سالف حياته بامتداد عمله بعد وفاته. ويشبه هذا الصَّدقةُ الجارية، والعِلْمُ الباقي الذي يُنتفع به.

7. الدعوةُ إلى الخير: وهكذا نبقى نعود في سَنَد الأجر، حتى يصِل سندك إلى صحابيٍّ من الصَّحابة. كم طرق سمعُكَ، لكنَّك لا تعرف أنَّ كلَّ حسنة تعملها إنَّما هي في سِجِلَّات أعمالهم، فكأنَّه حيٌّ بيننا وما زال يعمل على مَدَار تِلْك القُرُون المُتتابعة!

وإنَّه إذا كان يوم القيامة، وانكشفت الأوراق، عرف كلُّ إنسانٍ رجالَ سَنَدِه، فهل كنتَ أنتَ اليوم أصلًا لسلسلةٍ تبقى مُمتدَّةً بعدك، حتى تَحُوز عَمَل أُمَّة مِن النَّاس وأنتَ مُوسَّد في قبرك؟!

أناشدك الله أن تتخيَّل أنَّ كلَّ شخصٍ يفتح مُصحفًا فيتلو أو يحفظ أو يكتفي بالنَّظر إنَّما هو في ميزان حسنات عمر بن الخطاب وأبي بكر وزيد بن ثابت رضي الله عنهم!

الفرع الثاني: استثمار أحاديث التَّفضيل:

ما أخرج مسلمٌ في صحيحه عَنْ جَابِرِ رضي الله عنه قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ أَيُّ الصَّلاةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: طُولُ الْقُنُوتِ. أي: القيام.

وكذلك ما أخرج الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النبي ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ قَالَ: أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ، تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْغِنَى، وَلَا تُهِلُ حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ الحُلْقُومَ قُلْتَ: لِفُلَانٍ كَذَا، وَلِفُلَانٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ.

الفرع الثالث: استثمار العبادات اليسيرة التي تحمل أُجُور عبادات كبيرة:

لمَّا راجع عبد الله العمري الإمامَ مالكًا في انغماسه في العِلْم كَتَب إليه: إنَّ الله قسَم الأعمال كما قسَم الأرزاق؛ فربّ رجلٍ فُتِح له في الصَّلاة ولم يُفتح له في الصَّوم، وآخر فُتح له في الصَّدقة، وآخر فُتِح له في الجِهَاد. ونشر العِلْم من أفضل أعمال البِرّ، وقد رضيت بما فُتِح لي فيه، وما أظنُّ ما أنا فيه بدون ما أنت فيه، وأرجو أن نكون على خير وبِرّ.

أولًا: استدراك فضل صلاة الجماعة: فليحرص على صلاةٍ في السِّرّ، وعلى شُهُود الأذان في المسجد، فيما يُستقبل مِن الزَّمن.

فقد أورد البوصيري عن صُهَيْبٍ رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: “صَلاةُ الرَّجُلِ تَطَوُّعًا حَيْثُ لاَ يَرَاهُ النَّاسُ تَعْدِلُ صَلاتَهُ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ درجة.” (صححه الألباني)

وقال النبي ﷺ أيضاً: إِنَّ المُؤَذِّنَ يُغْفَرُ لَهُ مَدَى صَوْتِهِ، وَيُصَدِّقُهُ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ يَسْمَعُهُ، وَلِلشَّاهِدِ عَلَيْهِ خَمْسٌ وَعِشُونَ حَسَنَةً.

ثانياً: استدراك فضل قيام الليل: وذلك من خِلَال الأعمال التِّسعة الآتية:

1. صلاة العشاء والفجر في جماعة: قال رسول الله ﷺ: مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا صَلَّى اللَّيْلَ كُلَّهُ.

2. قراءة خواتيم البقرة: قال رسول الله ﷺ: الْآيَتَانِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ مَنْ قَرَأَهُمَا فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ.

الحافظ ابن حجر: قوله: كفتاه، أي: أجزأتاه عن قيام اللَّيل بالقرآن.

وقد أخرج الدارميُّ في سُننه أنَّ عليًّا رضي الله عنه قال: مَا كُنْتُ أَرَى أَنَّ أَحَداً يَعْقِلُ يَنَامُ حَتَّى يَقْرَأَ هَؤُلاَءِ الآيَاتِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَإِنَّ هُنَّ لَمِنْ كَنْزٍ تَحْتَ الْعَرْشِ.

3. قراءة خواتيم آل عمران: فقد أخرج الدارميُّ في سننه أيضًا عن عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رضي الله عنه قال: مَنْ قَرَأَ آخِرَ آلِ عِمْرَانَ فِي لَيْلَةٍ.. كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ.

الرواية ثابتة عن عثمان رضي الله عنه، والظَّاهر أنَّ الصَّحابيَّ لا يُخبِر بأجرٍ إلَّا وقد سمعه. وقد ثبت فعل النبي ﷺ بما تضمَّنه؛ إذ إنَّ النبيَّ ﷺ كان إذا استيقظ من النَّوم يقرأ هذه الآيات وهو ينظر إلى السَّماء كما ورد في الصحيحين.

4. نِيَّة القِيَام: قال رسول الله ﷺ: مَنْ أَتَى فِرَاشَهُ وَهُوَ يَنْوِي أَنْ يَقُومَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ حَتَّى أَصْبَحَ كُتِبَ لَهُ مَا نَوَى، وَكَانَ نَوْمُهُ صَدَقَةً عَلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ. (صححه الألباني)

5. القِيَام بمائة آية: قال رسول الله ﷺ: مَنْ قَرَأَ بِمِائَةِ آيَةٍ فِي لَيْلَةٍ كُتِبَ لَهُ قُنُوتُ لَيْلَةٍ. (صححه الألباني، وحسنه شعيب الأرنؤوط بشواهده).

6. إتمام صلاة التَّراويح مع الإمام بما في ذلك صلاةُ الوتر: قال رسول الله ﷺ: مَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ.. كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ. (صححه الألباني).

7. الغُسْل يوم الجمعة والتَّبكير للخُطبة: قال رسول الله ﷺ: مَنْ غَسَّلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاغْتَسَلَ، ثُمَّ بَكَّرَ وَابْتَكَرَ، وَمَشَى وَلَا يَرْكَبْ، وَدَنَا مِنَ الْإِمَامِ فَاسْتَمَعَ، وَلَمْ يَلْغُ.. كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ عَمَلُ سَنَةٍ أَجْرُ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا. (صححه الألباني).

8. الرِّباط على الثُّغُور: قال رسول الله ﷺ: رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ.

9. رعاية الأرملة والمسكين: قال رسول الله ﷺ: السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ الله، أَوْ الْقَائِمِ اللَّيْلَ الصَّائِمِ النَّهَارَ.

ثالثاً: استدراك فضل الجهاد في سبيل الله: وذلك من خلال الأعمال الخمسة الآتية:

1. كفالة المُجاهدين وأهلهم: قال رسول الله ﷺ: مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ الله فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَّفَهُ فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا.

3. الإكثار من ذكر الله: قال رسول الله ﷺ: مَنْ هَالَهُ اللَّيْلُ أَنْ يُكَابِدَهُ، وبَخِلَ بِالْمَالِ أَنْ يُنفِقَهُ، وجَبُنَ عَنِ الْعَدُوِّ أَنْ يُقَاتِلَهُ.. فَلْيُكْثِرْ مِنْ سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ فَإِنَّهَا أَحَبُّ إِلَى الله مِنْ جَبَلِ ذَهَبٍ يُنفِقُهُ فِي سَبِيلِ الله عَزَّ وَجَلَّ. (قال الألباني: صحيح لغيره).

وروى الترمذي وابن ماجه عن أبي الدرداء أن النبي ﷺ قال: «ألَا أنبئكم بخيرِ أعْمَالِكُم، وأزْكَاهَا عَنْدَ مَلِيكِكُم، وأرْفَعِهَا في دَرَجَاتِكُم، وَخَيرٍ لَكُم مِن إعْطَاءِ الذَّهَبِ وَالوَرِقِ، وَمِن أنْ تَلْقَوا عَدُوَّكُم فَتَضْرِبُوا أعْنَاقَهُم وَيَضْرِبُوا أعْنَاقَكُم؟» قالوا: وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ الله؟ قال: «ذِكرُ الله».

4. الصَّدح بالحَقّ عند الحاكم: عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ: أَيُّ الجِهَادِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: كَلِمَةُ حَقٍّ عِندَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ.

5. تحسين الوُضُوء والصَّلاة: قال رسول الله ﷺ: مَنْ تَوَضَّأَ كَمَا أُمِرَ، وَصَلَّى كَمَا أُمِرَ غُفِرَ لَهُ مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلٍ. صححه الألباني.

بقي في خِتام المطلب أن يُقال:

إنَّ مَن لا يستطيع أن يَستدرِك، وكان صادقًا في قصده، حملته نِيَّتُهُ.

أخرج مسلمٌ في صحيحه أنَّ النبيَّ ﷺ قال: مَنْ سَأَلَ الله الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ الله مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ.

وأخرج ابن ماجه عَنْ أَبِي كَبْشَةَ الْأَنْمَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: مَثَلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ كَمَثَلِ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا وَعِلْمًا، فَهُوَ يَعْمَلُ بِعِلْمِهِ فِي مَالِهِ يُنْفِقُهُ فِي حَقِّهِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ الله عِلْمًا وَلَمْ يُؤْتِهِ مَالًا فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ هَذَا لَعَمِلْتُ فِيهِ مِثْلَ الَّذِي يَعْمَلُ، قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: فَهُمَا فِي الْأَجْرِ سَوَاءٌ.

بل إنَّ مُجَرَّد حبِّ الرَّجل لأهل الصَّلاحِ والفَضْل ينفعه، ويجعله معهم.

جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، كَيْفَ تَقُولُ فِي رَجُلٍ أَحَبَّ قَوْمًا وَلَمْ يَلْحَقْ بِهِمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ.

وأخرج أبو داود عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: رَأَيْتُ أَصْحَابَ رَسُولِ الله ﷺ فَرِحُوا فَرَحًا لَمْ أَرَهُمْ فَرِحُوا مِثْلَهُ؛ قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله، الرَّجُلُ يُحِبُّ الرَّجُلَ عَلَى العَمَلِ مِنَ الخَيْرِ يَعْمَلُ بِهِ وَلَا يَعْمَلُ بِمِثْلِهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ.

وروى الترمذي في سننه عن أَنَسٍ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، مَتَى قِيَامُ السَّاعَةِ؟ فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الصَّلاةِ، فَلَمَّا قَضَى صَلاتَهُ، قَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ قِيَامِ السَّاعَةِ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: أَنَا يَا رَسُولَ الله. قَالَ: مَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ قَالَ: يَا رَسُولَ الله، مَا أَعْدَدْتُ لَهَا كَبِيرَ صَلَاةٍ وَلَا صَوْمٍ، إِلَّا أَنِّي أُحِبُّ الله وَرَسُولَهُ! فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ، وَأَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ. فَمَا رَأَيْتُ فَرِحَ المُسْلِمُونَ بَعْدَ الإِسْلامِ فَرَحَهُمْ بِهَذَا. (صححه الألباني).

وعلى أنَّه لا يَلْزَم مِن كونه معهم أن تكون منزلته وجزاؤه مثلهم مِن كلِّ وجه.

المطلب الخامس: استثمار المواقف الفاصلة

جاء سيبويه إلى حمَّاد بن سلمة لكتابة الحديث، فاستملى منه قوله ﷺ: “ليس من أصحابي أحدٌ إلَّا ولو شئت لأخذت عليه ليس أبا الدرداء“. فقال سيبويه: “ليس أبو الدرداء“. فصاح به حمَّاد: “لحنتَ يا سيبويه؛ إنَّما هذا استثناء“. فقال سيبويه: “والله لأطلبنَّ عِلْماً لا يلحنني معه أحد“، ثُمَّ مضى ولزم الخليل وغيره.

ولعلك تلاحظ أنَّ ثقافة هؤلاء أنَّهم يأنفون مِن النَّقص، وأنَّه لا يروق لهم بالٌ حتى يستدركوا على أنفسهم من فورهم.

كان الفضيل بن عياض يقطع الطَّريق، وكان سببُ توبته أنَّه عشق جاريةً، فبينا هو يرتقي الجدران إليها إذ سمع تاليًا يتلو: ﴿أَلَمۡ يَأۡنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن تَخۡشَعَ قُلُوبُهُمۡ لِذِكۡرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلۡحَقِّ﴾ [الحديد: 16]، فلمَّا سمعها قال: “بلى يا ربّ قد آن. فقصد مكَّة، وسكن بها، واشتغل بالعبادة، حتى لُقِّب بعابد الحرمين، والله يؤتي فضله من يشاء.

خبر القعنبي، وإنه لخبرٌ عجيب! قال بعض ولده: كان أبي يشرب النَّبيذ، ويصحب الأحداث، فدعاهم يومًا وقد قعد على الباب ينتظرهم، فمَرّ الإمام المُحدِّث شُعبةُ بن الحجاج على حماره والنّاس خلفه يُهرعون، فقال: “مَن هذا؟” قيل: “شُعبة“، قال: “وأيش شُعبة؟” قالوا: “مُحدِّث“. فقام إليه وعليه إزارٌ أحمر فقال له: “حَدِّثني!

فقال له: “ما أنتَ مِن أصحاب الحديث فأُحدِّثُكَ“، فأشهر سِكِّينه وقال: “تُحدِّثني أو أجرحك؟!” فقال له: “حدَّثنا منصورٌ عن ربعي عن أبي مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: إذا لَمْ تَسْتَح فَاصْنَع مَا شِئتَ“. فوقعت الكلمة في نفسه موقعها.

ومضى من وقته إلى المدينة، فلزم مالكَ بن أنس يأخذ عنه، ثُمَّ رجع إلى البصرة ليأخذ عن شُعبة، فوجده قد مات، وما سمع منه غير ذلك الحديث.

فرحل إلى المدينة النَّبوية، ولزم الإمام مالكًا، حتى صار أوثق رُواة المُوطَّأ، وبعد أن كان شابًا تائهًا شاردًا عن صراط الله أصبح ربَّانِيًّا عابداً عالِماً مُحدِّثاً.

ترجم له الإمام الذهبي فقال: “هو عبد الله بن مسلمة بن قعنب، الإمام الثَّبت القُدوة شيخ الإسلام“، وأطال في ذلك، ومِمَّا جاء في ترجمته ما مفاده:

كان القعنبي من شُيُوخ البُخاري ومُسلم وأبي داود، وهو أكبر شيخ لمُسلم.

وقال نصر بن مرزوق: أثبت الناس في «موطأ الإمام مالك» القعنبي، ولا يُقدَّم أحدٌ مِن رواته عليه.

وقال البلخي الفقيه: ما رأيت أحدًا إذا رؤي ذكر الله تعالى إلَّا القعنبي، فكان إذا مَرَّ يقول الناس: لا إله إلا الله!

ولما قدم من سفر قال مالك لمن عنده: قوموا بنا إلى خير أهل الأرض!

التربية بالكلمات المؤلمة قد تؤلم فعلًا؛ لكنَّها تبني حقًا.

المطلب السادس: تَمَلُّك مفاتيح الاستدراك

أولًا: حسم الشكل النهائي للشخصية:

لتتعاهد مسيرتك بجلسات تقويمية في خِتام كلّ شهر وسنة، فتثبت الحسنات، وتواصل الإنجازات، وتلقي بالآفات والسَّيِّئات في سَلَّة المُهملات.

ثانيًا: تقبُّل النَّصيحة:

لا تُفسِد مضمون النُّصح البليغ بسُوء التَّبرير والتَّسويغ.

ثالثًا: المُرُونة في اتِّخاذ القرار:

الدكتور عبد الكريم بكار يقول: فإنَّنا حين نتعامل مع مُشكلاتنا بعقلٍ مفتوح وبمُرُونة ذهنية جيِّدة.. فإنَّه يُمكن الاستدراك والتَّلافي لكثيرٍ مِن النَّقص في عملِيَّات التَّشخيص والتَّقويم.

كما يلزم المرونة في اتِّخاذ القرار ويلزم عَدَم التَّردُّد فيه.

قال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: 159]

وذكر الشيخ محمد الغزالي سؤال «ديل كارنيجي» لـ «وايت فلبس» أحد رجال الأعمال الكبار: كيف كنت تنفذ قراراتك؟ فأجاب: لقد وجدتُ أنَّ التَّفكير المُستمِرّ في مُشكلةٍ ما إلى أبعد مِن مُدَّة مُعيَّنة يخلق القَلَق، ويُولِّد الاضطراب، وإنَّه يأتي وقتٌ تُصبح فيه المُداومة على التَّفكير ضرراً يجب اجتنابه، فمتى اتَّخذتُ قرارًا: عمدتُ إلى تنفيذه دون أن أتطلَّع البَتَّة إلى الوَرَاء.

رابعًا: التَّنافُس الحميد:

إنَّ المحروم إذا رأى نجاح غيره راح يشتغل بالتَّنقيص منه، والحَطّ مِن قدر صاحبه، وإن لم يستطع ذلك فإنَّ مادَّة الحَسَد تبقى تأكل قلبه.

المطلب السابع: التَّفلُّت مِن عوائق الاستدراك

أولًا: رُفقاء السُّوء:

وقد بين الله تعالى صفة من تنبغي صحبتهم ومن ينبغي هجرهم في آية واحدة، فقال عز شأنه: ﴿وَٱصۡبِرۡ نَفۡسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ وَلَا تَعۡدُ عَيۡنَاكَ عَنۡهُمۡ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَا تُطِعۡ مَنۡ أَغۡفَلۡنَا قَلۡبَهُۥ عَن ذِكۡرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمۡرُهُۥ فُرُطٗا﴾ [الكهف: 28]

ثانيًا: الزَّوجة والأولاد:

قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ مِنۡ أَزۡوَٰجِكُمۡ وَأَوۡلَٰدِكُمۡ عَدُوّٗا لَّكُمۡ فَٱحۡذَرُوهُمۡۚ وَإِن تَعۡفُواْ وَتَصۡفَحُواْ وَتَغۡفِرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ﴾ [التغابن: 14]

يقول الشيخ محمد صالح المنجد: فانظر كيف يُقْعِدُ الأهل الرُّجلَ عن الهجرة أو الجهاد أو الدَّعوة أو طَلَب العِلْم، وقد ينهار الإنسان أمامهم، وتغلبه العاطفة، فإذا رأى مَن سبقه مِن إخوانه وكم قدَّم لدينه وأنجز لدعوته نزل به الهَمّ والغَمّ، حتى رُبَّما فكَّر في مُعاقبة أهله، لكن ما فائدة الانتقام وقد فات ما فات! وإنَّما يفتي العقلُ صاحبه بحُسن الاستدراك فيما هو آت.

ثالثًا: كثرة الشَّواغل الدَّعوية:

إذا كان استدراك الرَّجل في طلب العِلْم فكُلّ دقيقة تستطيع أن تنفقها في المَسَار العِلْمِيّ فلا تجعلها في التَّصدُّر الدَّعوِيّ؛ وحياة الطالب أوَّلها التَّلقي فيه أصلٌ والعطاء تبع، وآخرها العطاء فيه أصلٌ والتَّلقِّي تبع، وعليه؛ فلا ينبغي أن يتعجَّل بالتَّصدُّر إلَّا بعد أن يحوز نصابًا عِلْمِيًّا يأذن له بذلك.

رابعًا: التَّسويف:

الرَّجل المُقبل على الدُّنيا بعزيمةٍ وبصَرٍ لا تخضعه الظُّرُوف المُحيطة به مهما ساءت، ولا تُصرِّفه وفق هواها، ولذا لا تُعلِّق بناء حياتك على أمنية يلدها الغيب.

لقد ساق «ديل كارنيجي» في كتابه «دَعْ القَلَق وابدأ الحياة» عددًا مِن التَّجارب التي خاضها رجال ناجحون، فكان يجمعهم أنَّهم رجال لم يتعلَّقوا بالغَد المُرتقب؛ بل انغمسوا إلى الأذقان في حاضرهم وحده. ثُمَّ أهدوا لنا خُلاصات تجاربهم في هذه الكلمات: «ليس لنا أن نتطلَّع إلى هدفٍ يَلُوح لَنَا باهتًا من بُعد؛ وإنَّما علينا أن ننجز ما بين أيدينا مِن عملٍ واضحٍ بَيِّن».

إنَّنا نتعلَّم بعد فوات الأوان أنَّ قيمة الحياة في أن نحياها، نحيا كُلّ يوم منها وكلّ ساعة.

فقوة الأعمال غير منوطة بأوائل الأزمنة؛ وإنما بإقبال الأفئدة.

خامسًا: نفسك التي بين جنبيك:

الإنسان نفسَهُ مخلوقٌ ضعيف، حتى إنَّ كلمة مِن المدح ترفعه، وكلمة مِن القَدْح تُقعِدُه!

سادسًا: الشعور بالإحباط الناتج عن الأزمات والمصائب:

تجد مِن النَّاس من تُؤثِّر عليه شِدَّة الظُّرُوف، حتى يقبع في أغلال الكَسَل وآصار اليأس عند اشتداد المصائب والأزمات.

أنَّ الله قد أقام نظام العباد على البلاء، وضاعف للعاملين في زمان الفتنة والمشقَّة العطاء والجزاء.

أفلا أرشدك عقلك إلى أنَّ الله يُدبِّر الباقي بدليل الماضي!

ثُمَّ إنَّ الله وهبك أوراقًا كثيرة مِن القُوَّة، فإن ذهب بعضها انطلقت في الأرض بما تبقَّى لك، وعلَّمتنا التَّجارب أنَّ الله إذا أغلق باباً بعدله فتح أبوابًا بفضله.

وتقديرًا لضعف نُفُوس بعض النَّاس أنصحك قائلاً: إيَّاك أن تكون سببًا في نقل مشاعر الإحباط إلى أحد، فإذا لم تقدر على كلمة ترفع همّته بها… فلا تتفوَّه بكلمة تُقعده بعدها، تمضي أنتَ بعدها، ويبقى يُعاني شرّها ومقتها.

طريق النَّاجحين أوّلها تعب وعناء، وآخرها راحة وهناء.

وفكرة تحويل مشاعر الإحباط إلى مشاعر مِن الأمل هي سُنَّة مِن جملة السُّنن الواردة عن النبي ﷺ.

كما ورد في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه وجدت أنس رضي الله عنه يقول في أوله: فكنت أخدم رسول الله ﷺ إذا نزل، فكنت أسمعه كثيرًا يقول: «اللهم إنِّي أعوذ بك من الهَمّ والحَزَن، والعَجْز والكَسَل، والبُخْل والجُبْن، وضَلَع الدَّين وغَلَبَةِ الرِّجال».

عَبَقُ الخِتَام

اعلم -يرحمك الله- أنَّ الله يقبلك حيث كنتَ، فلا يطلب للاستدراك مؤهِّل مُعيَّن، ولا موسم مُعيَّن، وإنَّ الخير مُختبئ خلف الشُّرُوع في العَمَل وإقبال القَلْب بعد توفيق الله، وليس مُرتبطًا بزمانٍ فاضلٍ ولا بمكانٍ مُبارك، فاستدرك على نفسك مِن اليوم، واستكثر مِن الخير؛ فرُبَّما الذي تبقَّى مِن العُمْر أن يكون أقلّ مِمَّا تقدَّم.

واعلم أنَّ الباب الذي ما زال مُوصدًا دونك قد يُفتَح، لكنَّ تاريخ الفتح مجهول، فأدمن طرق الباب حتى يأذن الله بفضله، وعلى ذلك؛ فلا تفقد الأمل في إصلاح نفسك، ولا تربية ولدك، ولا تقويم أهلك، ولا بُلُوغ الإمامة في عِلْمِك ومطمحك ولو كثرت العراقيل أو تقدَّمت بك السِّنّ، وتذكَّر دوماً أنَّك تُعامل ربًّا كريماً، يداه مُبسوطتان، يُنفق كيف يشاء، والله ذو الفضل العظيم.

ولا بُدَّ أن أهمس في أُذُن الأخ الكريم الذي يبتغي الاستدراك أنَّك ستستغني عن حَظٍّ وافرٍ مِن الرَّاحة والنَّوم والتَّرفيه بعد اليوم، فالاستدراك يتطلَّب هِمَّة وَجَلَداً، وتمرُّداً على الفساد الموجود، ورفضاً لعملِيَّات التَّرويض والتَّخدير التي تحول دونه.

والآن بعد أن عرفت علائم الطَّريق ألم يأن لك أن تقوم وتبقى قائماً حتى تلقى الله، تتَّخِذ لنفسك في وسط ركام الظُّلم والظَّلام سبيلاً إلى المعالي طلباً للمعالي هُناك!

إنَّني أناديك بحنجرة ابن الجوزي فأهتف فيك قائلاً:

العمر في إمحاق، وقد سبق الرِّفاق، وصَعُبَ اللِّحاق، وسَاعِي الأجل مُجِدٌّ كأنَّه في سِبَاق، فانْبَر في المُقدِّمة لتلحق بالرَّكب، فالوقت قد ضاق، وَيحك لو أنَّ هِمَّتَكَ فَتَرَت أمَا تشتاق!

طُوبى -والله- لِمَن تنبَّه مِن رُقَادِه، وبَكَى على ماضي فَسَادِهِ، وفرَّ مِن بحر الهَمِّ إلى مُحيط سَعَادته، فإنْ فعلتَ هذا كنتَ مِن أُولِي الرِّيادَة، وذَوِي السَّيادة؛ وإلَّا فإنَّ المحروم مَن عرف مسلك الوُصُول، وحصل عليه أتمّ حُصُول، ثُمَّ أدبر وتولَّى، وجمع فأوعى.

الحمد لله رب العالمين

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

اكتشاف المزيد من مدونة التاعب

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading