﷽
خُلاصة كتاب: الإلحاد في مُواجهة نفسه
تأليف: الدكتور سامي عامري
الفهرس
إشْكَالٌ فِي مُبْتَدَأ النَّظَر
المُلْحِدُ.. ذَلِكَ الكَائِنُ العَنْقَائِيُّ
الإنْسَانُ.. ذَلِكَ الحَيَوَانُ
ثَوْرَةُ الإلحَادِ لِرَدِّ الإنْسَان إلَى البَهِيمِيَّة
الدَّارْوِينِيَّة الاجْتِمَاعِيَّة وَلُغَة الغَابّ؟!
العَقْلُ عَلَى مَذْبَح الإلْحَاد
عَقْلُ البَهِيمَة صَنْعَة الطَّبِيعَة
الدِّمَاغُ.. الآلَة الصَّمَّاءُ
حُرِّيَّة إرادة.. وَهْم الآلات
الإرَادَةُ الحُرّةُ فِي الإسْلَامِ
الإلحَادُ.. ألَّا تَخْتَار خَيَارَك!
الاسْتِنَارَةُ المُظْلِمَةُ وَسِيَادَةُ الوَهْمِ
مَا أنْتَ فِي عَالَم الإلحَاد؟
نِهَايَةُ مَعْنَى وَغَيْبَةُ غَايَة
الإلحَادُ حِينَ يَنْحَرُ مَعْنَى الحَيَاة
مِنْ «مَعْنَى الحَيَاة» إلَى «مَعْنَى فِي الحَيَاة»
طَرِيقُ النَّجَاةِ عِنْدَ مُفَكِّرِي الإلحَاد
الإلحَادُ.. وَوَهْمُ الأخْلَاق
الإنْسَانُ.. ذِئْبٌ لِأَخِيهِ الإنْسَان
ما أجوبة الإلحاد على أعظم أسئلة الإنسان؟
مَنْ هُوَ المُلْحِد؟ فِي كَلِمَة
إلى الذين يعيشون إيمانهم بالإسلام، لا يرون الانتماء إلى هذا الدين، انتماءً جغرافيا، أو حفظًا لكلمات واستحضارًا المحفوظات….
إلى الأحياء بالإسلام، أهدي هذا الكتاب…
﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُوُنَ﴾ (يونس: 32)
«إنَّ أعظم قَضِيَّة في زماننا ليست هي قضِيَّة الشُّيُوعِيَّة في مُقابل الفردية، ولا أوروبا في مُقابل أمريكا، ولا حتى الشَّرق في مُواجهة الغَرْب، وإنَّما أعظم قَضِيَّة هي إنْ كان بإمكانِ الإنسان أن يَحْيَا دون الله.»
المؤرخ والفيلسوف الأمريكي: ويل ديورنت
Cited in: Ravi Zacharias, The Real Face of Atheism (MI: Baker Books, 2004), p.19.
إذا كان الإيمان بالله والرِّسالة الخاتمة من النسيج الحقّ لبنية الوُجُود الكبرى؛ فلماذا يسير كثير من الناس عندنا في غير طريقهما؟
لماذا يتغافل كثير من الناس عن المَعَالِم الكُبرى للطَّريق الذي تصنعه العقائد التي يُعلنون أنَّها باسطة جناحيها على أفئدتهم؟
لقد كانت نفسي تهفو إلى شيء واحد، لعلِّي ألخّصه في كلمة واحدة: «التَّنَاسُق» (Consistency). أن يكون العَقْل والقَلْب في وِحْدَة واحِدَة لا تَنْفَصِم.
ذاك السُّؤال، سُؤال التَّناغُم بين الفكرة والحَرَكَة، أصله يقين المرء أنَّه صادق في جزمه أنَّه قد أصاب معرفة العَالَم كما هو.
إنّ سؤال المبدأ والغاية: مِن أين جئنا وإلى أين نسير؟ هو أصل كلّ شيء؛ لأنَّه جواب: لماذا نحن هُنا؟
إنَّ أعظم الضَّلال هو أن يتبنّى المرء جوابًا فاسدًا لسُؤال المبدأ والغاية، ثُمَّ يرفض بعد ذلك -بصورة كُلِّيَّة- الوفاء لجوابه حقّه في باب العَمَل؛ فهو بذلك ضالّ عن الحَقّ، وخائن لنظرته الكونِيَّة. وشرّ مِن ذلك أن يَعْلَم هذا المشتت في بابَي التَّصديق والعَمَل تناقضاته؛ ثُمَّ لا يُراجع نفسه، ولا يُبكِّتها. وشرّ مِن الأول والثاني مَن يَعْلَم مِن نفسه تناقضها؛ ثُمَّ يستمرّ في الفَخْر بحاله، والدَّعوة لرؤيته الكونية التي خانها رغم أنَّها رصيده الوُجُودِيّ الوحيد… إنّه يُخادِع نفسه، ويُخادع النَّاس.
قبل يومين من إرسال الكتاب الذي بين يديك إلى النَّاشر لإعداده للطَّبع، قرأتُ المُراجعة النَّقدِيَّة (Review) التي أعدّها الفيلسوف جيمس أندرسون لكتاب: «دليل المُلحد إلى الواقع»، الذي ألَّفه الفيلسوف الأمريكي المُلحد ألكسندر روزنبرج([1]) ليُخبر المَلَاحدة عن حقيقة الإلحاد تصوّرًا وفعلًا، بعد أن هال روزنبرج خذلانهم لعقيدتهم.
الفيلسوف جيمس أندرسون قال: «في المرَّة القادمة التي تُصادفُ فيها نُسخةً من كتاب: “دليل المُلحد” في متجرٍ لبيع الكُتُب، فكِّر في نقله إلى قِسْم: “الدِّفاع عن الإيمان”.»
James Anderson, ‘a book review of The Atheist’s Guide to Reality: Enjoying Life Without Illusions by Alex Rosenberg‘, in Christian Research Journal, volume 36, number 03 (2013).
إنَّ روزنبرج -المُلحد الوفي لدهريته- قد قدَّم أعظم خدمة للدِّفاع عن عقيدة الإيمان بالله؛ ببيان حقيقة الإلحاد على لِسان مُلحد دهرِيّ.
إنَّ حُسن بيان حقيقة الإلحاد كما هو، كافٍ لتُقدِّم للمُلحد مدخلًا عقليًا ونفسيًا لإقامة قراءة نقدية لمُعتقده. ولكن يبقى الإشكال كلّ الإشكال، في قُدرة المُلحدين على فَهْم إلحادهم؛ فإنّ عامّتهم في عَجْزٍ عَن معرفة مذهبهم.
جمهور الملاحدة يَقْنَعُون بالعناوين والشِّعارات الكرازية، ولا يهتمُّون بحقيقةِ الصُّورة الكونية الكُبرى التي يصنعها الإلحاد.
إنّ مناقشة التَّصوُّر الإلحادي، لا بُدَّ أن تبدأ بمعرفة أعماق هذه الرُّؤية، ولا تكتفي بالسَّطح؛ فإنّ مَن اكتفى بالسَّطح لَمْ يَعْرِف شيئًا.
معرفةُ الشيء حقّ المعرفة تكون بحُسْنِ تَمَثًُّله كما هو، دون رَمْيِهِ بِشَيْنٍ أَو رَفْعِهِ بِزَيْنِ.
إشْكَالٌ فِي مُبْتَدَأ النَّظَر
أصل الإشكال مع عامَّة الملاحدة هو في تصوُّر الإلحاد، لا في أَدِلَّتِه؛ فإنَّه لو تَصَوَّرَ الملاحدة حقيقةً إلحادهم كما هي دون تَعَسُّف أو بَتْر أو تجميل؛ لما بقي على الإلحاد إلَّا قليل منهم، إنْ بَقِيَ منهم أحد!
فإنَّك لو سألت عامَّة الملاحدة عن مفهوم الإلحاد الذين يدينون به؛ فستلقى الإجابة القاطعة الواضحة التي تُقرّر بجزم أنّ الإلحاد هو: «الإيمان (الاعتقاد) أنَّه لا يُوجَد إله». فهو إذاً عِلْمٌ بِعَدَم وُجُود الله.
كتابات أئمَّة الإلحاد وأعظمهم لجاجةً في مُخاصمة المُؤلِّهة([2]) … يَعْتَبرُون التَّعريف السَّابق تصويرًا مُشَوَّها لمذهبهم بقصد إحْراجهم؛ وأنَّهم في الحقيقةِ يُنكرون أنَّهم يؤمنون أنّه لا يُوجَد إله.
يقولون ليس بإمكان أحدٍ أن يجزم بدعوى كونيّة عَدَمِيَّة (Negation of a universal statement). ولذلك يُقرّر هؤلاء أنَّهم: «لا يؤمنون بالله، لا أنّهم يؤمنون أَلَّا إله». فما في قُلُوبهم هو غياب الإيمان بالله، لا القطع أنَّهم يعلمون ألّا إله؛ فهُم ملاحدة لأنَّهم لم يَقْتَنِعُوا بأدِلّةِ الإيمان، لا لأنّهم يملكون أدِلَّة قاطعة أَلَّا إله.
إنهم يُكثرون مِن القول إنّ إلحادهم ليس اعتقادًا/إيمانًا، وإنّما هو مُجرَّد فَقْدِ للإيمان بإله أو آلهة… وبهذا يتجاهلون أنَّ العقيدة والتَّصوّر الكوني قد يَنْبَجِسانِ مِن كلمةٍ واحدة.
المُلحد المَادِّيّ لا يكون مُلحدًا إلّا بالقول بمبادئ الإلحاد الأساسية، وعلى رأسها ألَّا إله، وأنَّ الحياة أثر عن حركة الذَّرّات؛ فيلزمه أنْ يَقْبَلَ ما ينتج مِن أفكارٍ ضرورية عن مبادئه الأولى.
التَّصوُّر الكوني يترك آثارَهُ في الأشياء الصَّغيرة وأدوات الحياة اليومية. والقولُ إنّه لا يُوجَد إله، والحياة مادَّة … مَقُولةٌ عَقَديَّةٌ كُبرى تَتَفَجَّرُ منها دلالاتٌ عَقَدِيَةٌ وقِيَمِيَّة وسُلُوكِيَّة كثيرة لا سبيل للانفكاك عنها.
إنَّ المُلحد -مثل غيره- ينطَلِقُ من إطار مفاهيمي خاصّ conceptual framework. وهذا الإطار هو الذي تَنْجُمُ عنه بقيّةُ الأفكار في تداعٍ عَفْوِيٌّ؛ لأنَّها آثارٌ ضروريَّةٌ للمُقدِّمات التَّصوُّرِيَّة الأولى. والإطار المفاهيمي هو مجموع التَّصوُّرات الأولى والكُبرى التي تُمَكِّننا مِن رؤية العَالَم مِن زاويةٍ ما خاصَّة.
وهذه المقولات المفاهيمية الأولى تتعلَّق بالقول في وُجُود الله وصفاته، والميتافيزيقا (الحقيقة النِّهائية للواقع)، والإبستيمولوجيا (المعرفة)، والأخلاق، وطبيعة الإنسان.([3])
وقد أدرك أبرز أعلام الإلحاد أنّ للإلحاد لوَازِمَ لا انفكاك عنها… وهذا ظاهر بصُورة واضحة في كتابات شوبنهاور([4]) ونيتشه([5]) مثلاً… لأنّ نيتشه أقامَ أَسُسَهُ على استخراج النَّتائج الآلِيَّة لِمَا لا بُدَّ أن يَنْجُمَ عن القول بالإلحاد.([6])
سارتر([7]) قال في أَحَدِ أَهَمَّ كُتُبه: «يَعْتَقِدُ الوُجُودِيُّ أنَّه مِن المُحْرِجِ جِدًا أَنَّ الله غير موجود؛ إذ إنَّه تختفي مع اختفاء الإله أيّ إمكانِيَّة لإيجاد قِيَم في سَمَاءٍ واضِحَةٍ».
Satre, L’Existentialisme est un Humanisme (Paris, Nagel, 1947), pp.35-36.
فالوُجُودِيّ المُلحد لا بُدَّ أن ينتهي إلى إنكار قِيَم الخير والشَّرّ في عَالَم بِلَا إله.
إنَّ الإلحاد الذي نحن بِصَدَد مُناقشته، هو الذي عليه عامَّة الملاحدة اليوم، وهو مذهب الميتافيزيقانية الطَّبِيعانية metaphysical naturalism الذي مُلخَّصه أنَّ الكون المَادِّيّ هو كُلُّ الحقيقة، ولا شيء بعد ذلك؛ فلا يُوجَد شيء فوق طبيعي كالإله والملائكة والجانّ. والمَادَّةُ أَزَلِيَّةٌ، أو وُجِدَتْ بلا سَبَبِ؛ فلا شيء في كِلَا الحالَيْنِ سابق لوُجُود الزّمن؛ سواء كان السَّبْقُ زَمَنِيَّا أو بالذَّات. وقد تطوَّرَتْ هذه المادّةُ عَبْرَ مراحل مُختلفة، مُنذ وُجُودها، مِن طَوْرٍ إلى آخر، بسُلطان العشوائية العمياء. فلا قُدرةً ولا حِكْمَة تُسَيِّر الكون المَادِّيّ مِن خارجه.
وقد أدَّت المقولة الإلحادية الرَّافضة للإيمان بإله إلى نُشُوء مقولات في جميع مناحي الحقيقةِ طَبَعَتْ مُجْمَلَ الفِكْرِ الغربي بمَعَالِم لم يَعْرِفُها مِن قبل:
في باب الحقيقة: النسبية المعرفية Epistemological relativism.
في باب الفكر: النسبية الفلسفية Philosophical relativism.
في باب المعنى: النسبية الدلالية Semantical relativism.
في باب الأخلاق: النسبية الأخلاقية Moral relativism.
في باب الغاية: النسبية الغائية Teleological relativism.
فلم يبقَ من العقل والأمل شيء.
الفيلسوف الملحد برتراند راسل([8]) يقول: «الإنسانُ نِتَاج أسباب ليست لها بصيرة بالنِّهاية التي تسعى إليها؛ فأَصْلُهُ، ونماؤُه، وآماله ومخاوفه، وحُبّه ومُعتقداته، كلُّ ذلك ليس إلَّا نتاجاً للتَّواطؤ العَرَضِيّ للذَّرَّاتِ… وقد قُدِّر له الفَنَاءُ بفَنَاءِ النّظام الشَّمسي، ولا بُدَّ ضرورةً أن يُدْفَنَ المعبد الكامل لإنجازات الإنسان تحت حُطام الكَوْنِ الخَرِب».
Bertrand Russell, Mysticism and Logic, Cited in: Mary Poplin, Is Reality Secular? Downers Grove, IL: InterVarsity, 2014, p45.
إنَّ الإلحاد رحلة تقود المُريدين إلى جزيرة الأوهام… إنّها أوهام تَصْنَعُها الرّغبة في تجاوز مبدأ الإلحاد المادِّيّ الأوَّل.
المُلْحِدُ.. ذَلِكَ الكَائِنُ العَنْقَائِيُّ
إنّ المُلحد الحقيقي، كائنٌ لَمْ يَكُن، وَلَن يكُون، ما كان الإنسانُ الذي نعرفه هو الإنسان؛ حتى قيل إنَّه إذا أُريد أن يكون للملاحدة يومُ عِيدٍ؛ فليكُن الأَوَّلَ مِن أبريل؛ المُوافق لكذبة أبريل!
إنَّ المُلحد الأمين في رؤيته، والمُستمسك بها بِصِدْقٍ ووَجَلٍ حتى لا يُلابِسَهَا شيء مِن إيمان المؤمنين بالله، لا سبيل له غير سبيل العَدَمِيَّة… فالعَدَمِيّة الوُجُودِيَّة existential nihilism قَدَرُ كُل ملحد طبيعاني.
يُعَدُّ نيتشه اليومَ أَوَّلَ فلاسفة ما بعد الحداثة التي تُنْكِرُ الحقيقة وتراها سرابًا لا يُنال، ولا ترى حياة الإنسان سوى شرارةً تُوشِكُ بعد وَمِيْضِها أنْ تنطفئ؛ ليبقى الظَّلام هو الحاكم، وليسود الفراغ الشاحب.
وإِنَّكَ لَتِجَدُ هذه السَّوْداويّة الواضحة في قول داوكنز([9]) نبي الإلحاد الجديد: «الكونُ الذي تُبْصِرُهُ، يَحْمِلُ بكلِّ دِقَّة الخصائص التي ينبغي لنا أن نَتَوَقَّعَها إذا كان في جَوْهَرِه بلا تصميم، ولا غاية، ولا شَرّ، لا شيء غير عَدَمِ اكتراثٍ قاسٍ».
Richard Dawkins, River out of Eden (New York: Basic Books, 2008), p133.
تجد مع ذلك في كتاباتهم حديثاً عن المعنى الحَيّ، والقِيَم الإيجابية… وذلك لِعَجْزِ فلاسفة العدميّة وأنصارها عن إقامة فلسفة مُتَّصلة بالواقع تُعْدِم المعنى والقِيمَة.
الإلحاد لا يُمكن أن يُعَاش unlivable.
لمَّا نشر روزنبرج كتابه «دليل المُلحد إلى الواقع: الاستمتاع بالحياة دون أوهام»؛ فقد اتُّهم أنَّه يُقدّم أجوبةً سَهْلةً بِقَلَم مَنْ لا يُبالي بموقف النَّاس منه.
See Richard Geldard, Rosenberg’s Guide to Reality, HuffPost 01/05/2012.
https://www.huffpost.com/entry/rosenbergs-guide-to-reali_b_1181571
ما فعله روزنبرج هو أنَّه -ببساطة- سار مع الإلحاد المادّي إلى نهايته الطَّبيعيّة، ولم يأبه -عامَّة- بإنكار النَّتائج المُفزعة لمذهبه، وعلى رأسها ألَّا معنى لشيء، ولا قيمة لشيء.
إنَّ مطلب معرفة الإلحاد بكُلِّيَّته، وعلى حقيقته… مطلب عاجل؛ حتى يفيق المُلحد من سَكْرَتِهِ.
الإلحاد ليس فَرْضِيّةً فاشلة، وإنَّما هو فَرْضِيّةً مُستحيلة.
إنّ كل ما تقوله في صفحات هذا الكتاب لا سبيل لإلزام الملاحدة به لأنَّهم لا يعتقدونه كلّه!
وجوابي هو أنَّ الملاحدة الذين تذكرهم في اعتراضك، فيهم طيبة وخير لا لأنّهم ملاحدة، وإنَّما هم كذلك بالرّغم أنّهم ملاحدة … هُم يخونون إلحادهم لأنَّهم يسرقون من رصيد الفِطْرة الأولى الخَيِّرة والثَّقافة الدِّينية السَّائدة في بيئتهم.
إنَّني مثلك، أُنْكِرُ أَنْ يُوجَد مُلحد يلتزم بكُلّ ما في الكتاب، بل وأستخِفّ بالمثل الإنجليزي القائل: «لا يُوجَد ملاحدة في الخنادق There are no atheists in foxholes»؛ لأنَّه لا يُوجَد ملاحدة -على الحقيقة الكاملة- أصلاً؛ فالإلحاد تصوُّر لا يُمكن أن يعيشه الإنسان؛ لأنّه لا يُمكن أن يُصدِّقه.. إنّ لحظة الوعي بالإلحاد في صدر المُلحد، والتي تقترن بالرَّغبة في أن يعيش المُلحد طبق تصوُّره ويهتدي بمعالمه، لا بُدَّ أن تُقترن بضغطة زِرّ المُسدَّس في اتِّجاه الرَّأس، أو أن يرمي المُلحد نفسه مِن شاهقٍ.. لا فرار!
والمؤلِّف على وعيٍ أنَّ قبول الحَقّ ليس رَهِين قُوّة الحُجَّة ووُضُوحها، وإنَّما هو رَهِين طَلَب وفاء المَرْء للحقيقة وشوقه إليها، ولذلك فإنّ مُحاولة شرح الحقيقة لِمَن لا يُحبّها ليست سِوَى بذل لمادَّةٍ جديدةٍ له ليسيء تفسيرها -بعبارة الكاتب الأسكتلندي جورج ماكدونالد.([10])
أنا حُرّ؛ بإمكاني أن أؤمن بما أشاء دون التزام بما في الكتاب مِن دعاوى!
لسنا نجادِلُه في قدرته على أن يتبنّى ما شاء من رُؤى وأفكار.. نحن نجادله في شيء آخر، وهو عَجْزُه عن أن يحمل رؤية كونية مُتناسقة إن رفض اللَّوازم المذكورة الكتاب…
وليست القضية في قُدرة الدِّماغ على الإيمان بأيّ شَتَات مِن الأفكار شاء… لكنّه سَيَقَعُ في التَّناقض البَيِّن إن بقي على اعتقاده المُخالف للواقع.
إنَّنا في هذا الكتاب نُناقش لوازم الإلحاد التي ستبقى تُطارد أهلها كُلَّما فكَّروا في أن يكونوا مُلحدين صادقين في إلحادهم.([11])
فإنّ للأفكار لوازم ظاهرة وخفيّة.([12]) ولا يلزم للإقرار بها أن تَرِد صريحة في كتاب مُقدَّس أو على ألسنة معصومين؛ وإنّما يكفي أن يكون اللَّازم غير قابل للانفكاك عن ملزومه الإلحادي عقلاً.
ونحن نؤيِّد لُزُوم هذه الأفكار للإلحاد بأن ننقل أقوال داوكنز وهاريس([13]) وروزنبرج ومایکل روس([14]) وقبلهم نيتشه وشوبنهاور… وغيرهم من أعلام الإلحاد الذين يُقِرُّون أنّ الإلحاد مُقترن ضرورةً بمواقف واضحةٍ من الكون والإنسان والحياة.. ووَجْهُ إيرادها في هذا الكتاب لا لمحض وُرُودها في كتابات ملاحدة مشهورين، وإنَّما لأنَّ هؤلاء قدَّمُوا الرَّابط المنطقي بين الإلحاد وما ألْزَمَ به هذا الكتابُ المُلحدَ مِن لوازم.
إنَّنا نقول مع روزنبرج -مثلاً- إنّ الداروينية «حِمضٌ كونيّ يُذِيب كلّ الحُجَج المُتاحة التي يستند إليها النَّاس للإيمان بالقِيَم التي يعتزُّون بها»، فالدَّاروينية تقتضي العَدَمِيَّة القِيَمِيَّة، ونُوافقه تأكيده أنّ هُناك مِن الملاحدة مَن يخاف مِن الدَّاروينية بسبب لوازمها؛ فيضطر إلى التَّعامي عَن هذه اللَّوازم.
Tamler Sommers and Alex Rosenberg, ‘Darwin’s nihilistic idea: evolution and the meaninglessness of life‘, Biology and Philosophy:18: 653–668, 2003, p.654.
ومَن شاء أن يتفلَّت مِن لوازم الإلحاد؛ فعليه أن يُثبت فَسَاد التَّلازُم بين أُصُول الإلحاد، ومُقدِّماته مِن جِهَة، وما ينسبه إليه رؤوس الإلحاد مِن جِهَة أُخرى؛ فذاك هو الطَّريق الوحيد المعقول للبراءة من هذه اللَّوازم.
والكتاب بذلك قائمٌ على:
1. شرح حقيقة الإلحاد.
2. بيان ما يَلْزَم عن حقيقة الإلحاد.
3. ذكر اعترافات أئمَّة الإلحاد بهذه اللَّوازم.
لقد أردنا لهذا الكتاب أن يكون مرآة يرى فيها المُلحد بشاعة ما يدعو إليه بعيدًا عن شعارات التَّجميل التي يَصْبِغُها الملاحدة على عقيدتهم.
ندعو المُلحد أن يتحلّى بالشَّجاعة؛ لمُواجهة حقيقة الإلحاد كما هي.
هذه رسالتي انتصافًا للحقيقة، وبراءةً مِن الوَهْم.
ربِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي، وَاحْلُلْ عُقْدَةٌ مِن لِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي!
ربّ اغفر لي حَظّ النَّفس مِن هذا الكتاب!
الإنْسَانُ.. ذَلِكَ الحَيَوَانُ
﴿أُولَئكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ (الأعراف 179)
«تَتَنَاقَضُ النَّظرِيَّة التَّطوُّرِيَّة مع فِكْرَةِ أنَّ سُكَّان هذا الكَوْكَب مِن المُمكن تقسيمهم إلى بَشَرٍ وحيوانات.»
عَالِم النَّفس المُلحد: ستيف ستيوارت ويليامز
Steve Stewart-Williams, Darwin God and the Meaning of Life (Cambridge: Cambridge University Press, 2010), p161.
ما الإنسان في القرآن؟
إنه ذلك الكائن المُصطفى الذي اختاره الرَّبُّ -سُبحانه- لتكون الأرضُ مُسَخَّرةً له، قال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا} (الإسراء: 70)
إنَّه المخلوق الذي خلق اللهُ له الأرض والسَّماء لِتُذَلِّلَ طريقَهُ إلى الإيمان بما فيهما من آيات على البديع العظيم: {إِنَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَايَتِ لِلْمُؤْمِنِينَ * وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُ مِن دَابَّةٍ ءَايْاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ * وَاخْتِلَافِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيحِ ءَايَاتُ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} (سورة الجاثية: 3-5).
هو الذي جعله الرَّبُّ على صورةٍ سويّةٍ مُستقيمةٍ في أَصْل النَّشأة: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} (التين: 4).
هو الذي رَزَقَهُ بارِئُهُ فضيلة اللِّسان المُعبِّر عن مقاصده: {الرَّحْمَنُ * عَلَمَ الْقُرْءَانَ * خَلَقَ الإنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} (الرَّحمن: 1-4).
الإنسان في الإسلام، فَرْدٌ بين الكائنات، جعله الله فوق كلّ المخلوقات على الأرض، وكَرَّمَهُ بما لم يُكرِّم به مخلوقاً.
فهل الإنسان في الرُّؤية الكونية الإلحادية مُنعَّم ذاك النَّعيم؟ أم هو فوق ذلك أم دون ذلك؟
ثَوْرَةُ الإلحَادِ لِرَدِّ الإنْسَان إلَى البَهِيمِيَّة
الإنسان بهيمةٌ من البهائم لا تَفْضُلُ النِّعاج والسِّباع بشيء، وإن تميَّزَتْ عنها جينيًّا، كتميُّز القطط عن الضَّفادع، والكلاب عن القنافد، والقُرُود عن الثّعالب. وليس في ذلك التَّمايز فَاضِل ومَفْضُول، ولا حَسَنُ ومَقْبُوح؛ لأنّ هذا الاختلاف كَمِّيُّ، لا تَعَلُّقَ له بالفضائل القِيَمِيَّة؛ فهو لا يرفع الخير فوق الشَّرّ، ولا يَسْتَحْسِنُ الحَقَّ دون الباطل. وقد ألغى الإلحاد -بذلك- الفارق بين الوحشية والأخلاق المدنية، والعقل والجنون.
لقد ترك الملاحدة للدَّاروينية صِياغة صورة حقيقة الإنسان وصناعة مراحل تاريخه؛ وهو أمرٌ يَظْهَرُ بوُضُوح في جميع أدبيَّاتهم عند مُناقشة قضايا نظرية المعرفة، والقِيَم، ومعنى الحياة. والفِكَاك عن ذلك -إلحادِيًّا- مُحال؛ لأنَّ رفض الدَّاروينية، أو أيّ صُورة أخرى من صُوَر التَّطوُّر العشوائي للكائنات الحيَّة؛ حُجَّة للتَّدخُّل فوق الطَّبيعي (=الإلهي) في هذا العالم، وذاك ما يرفضه الملاحدة قاطبة.
لقد أَسْقَطَ الإلحادُ الإنسانَ المؤمن بالدَّاروينية مِن عِزَّ التَّكريم الإلهي إلى دَرَكِ الحيوانية بعد أن سَلَبَهُ فضيلتين، أولاهما: أنَّ الكون مُسخَّر له… وثانيهما: أنَّه مخلوق بزينة العَقْل.
لقد أضحى الإنسان -في الرُّؤية الإلحادية- جُزءًا من الطَّبيعة، لا يَفْضُل غيرَه بشيء.
كلّ العَالَم المادّي الحَيّ طُفَيلِيّ على الأرض، لم يُسْتَدْعَ وُجُوده، وإنَّما تسلَّل عن طريق الحركة العمياء للتَّناسُخ الحيوي. إنَّ الطَّبيعة التي تُحيط به لم تُخلَقْ له كَمَا هو مُعْتَقَدُ المؤمنين بالقُرآن، وإنَّما تطوَّرَ الإنسان ليُوافِق بِنَاء الطَّبيعة.
والعَجَب أنَّ مِن الكُتَّاب الملاحدة من ينتصر للمقام الخاصّ للإنسان في المملكة الحيوانية؛ مِن باب حَقّ الإنسان أن يُكرّم بعضُه بعضًا؛ اتِّباعًا لغريزة تكافل القَطِيع،([15]) مع اعترافه أن ليس للإنسان مقام خاصّ في الحقيقة، وإنّما هو سُلطانُ القُوَّة.. وهو قول ينتهي إلى تسويغ العُنصرية بين البشر أنفسهم.
إنّ كلّ حُكْم يُقال -من الملاحدة الدَّرَاوِنَة- في الحيوان المُستَهْلَك، يُقال مثله في الإنسان المُستضعف.
ألَا ترى أنَّ الفأر المُسمَّى Red viscacha rat له جينوم يبلغ ضعف جينوم البشر، وأنّ جينوم سمكة marbled lungfish ضِعْف الجينوم البشري أربعين مَرَّة.. فهل الفأر أو السَّمك أعلى من الإنسان قدرًا؟! الكَمّ لا يصنع كرامة خاصَّة وقِيمَة مُتميِّزة.
إنَّ التَّطوُّر في حقيقته مُتعلِّق بقُدرة الكائن الحيّ على التَّكيُّف مع البيئة.
هل لو انقرضنا بعد مليون سنة سنكون بذلك أَهْوَنُ قيمةٌ من الدّيناصورات أو النَّمْل الذي عاش مُنذ أكثر من مئة وعشرين مليون سنة؟!
زَعَمَ داوكنز أنَّ طبيعة أنَّ الإنسان يتألَّم بصُورة أعظم من بقِيَّة الكائنات تُعطيه حُرَّمةً ليست لبقيّة الأحياء.([16])
وما الألم في عَالَم الملاحدة؟ إنَّه رسالة مادِّيَّة تُرْسِلُها الأعصاب إلى الدِّماغ لتتحوَّل إلى إحساس مُزعج لصاحبه.. فهل للرِّسالة العصبية الكهربية قيمة -غير وَصْفها المادي- في عالم المادَّة الصِّرفة؟!
إنَّ المُلحد عندما يَسْلُبُ الإنسان الاصطفاء الإلهي، وما يَتْبَعُ ذلك من تسخير عَالَم الأحياء له؛ لن يجد حُجَّة قِيَمِيَّة لمُعارضة قول عَالِم النَّفس المُلحد ستيف ويليامز إنّه توجد حَجَجٌ أخلاقية كثيرة للقول إنَّنا أدنى أنواع الحياة قِيمَة؛ وأهمَّها أنَّ المجازر التي ارتكبها الإنسان في حَقّ الإنسان لا نظير لها بين الحيوانات.
وينقل لنا ويليامز قول إسحاق سنجر([17]) -الحائز على جائزة نوبل للآداب- إحدى قصصه القصيرة: «لقد أقنعوا أنفسهم بأنَّ الإنسان –أَسْوَأُ المُتعدِّين على كلّ الأنواع الحَيَّة- تاج الخَلْق. جميع المخلوقات الأخرى خُلِقَتْ فقط لتزويده بالطَّعام والجلد، وليتِمّ تعذيبها، وإبادتها. بالنِّسبة لهذه المخلوقات، كُلُّ البشر نازِيُّون».
I. B. Singer, The Séance and Other Stories (New York: Farrar, Straus and Giroux, 1968), p270.
ويُؤكِّدُ التُّهمة والإدانَة لإخوانه الملاحدة المُستسلمين للإلحاد والدَّاروينية، بقوله: «في حُكْمِنا على تاريخ البشرية، نحن ندين هؤلاء الأفراد الذين يُشاركون الإبادة الجماعية. ولكن إذا استخدمنا المعيار نفسه للحُكم على القيمة النِّسبية للأنواع داخل مملكة الحيوان، يجب علينا أن نستنتج أنَّنا -في هذا السياق- أدنى مِن جميع الحيوانات الأخرى».
Steve Stewart-Williams, Darwin God and the Meaning of Life, p184.
وقد عبّر البيولوجي الدارويني جوليان هكسلي([18]) عن انحدار مفهوم الإنسان مع صُعُود الفَهْم الدَّارويني، بقوله: «لقد تَقَلَّصَتْ الفجوة بين الإنسان والحيوان، لا مِن خِلَال المُبالغة في إصباغ الصِّفات الإنسانية على الحيوانات، وإنَّما عن طريق تقليص الصِّفات الإنسانية للبَشَرِ».
Julian Huxley, Man in the Modern World (New York: New American Library, 1944), p8.
لقد خَسَفَ الإلحاد بالإنسان الأَرضَ؛ فاسْتَوَت الكائنات الحَيَّة قَدْرًا.
وكان داروين مُدْرِكًا للمأساة، مُبكِّرًا؛ فقال في الفَصْل الخاصّ بالمُقارنة بين القُوَى العَقْلِيَّة للإنسان والحيوانات الدُّنيا في كتابه «أَصْلُ الإنسان»: «غَرَضِي في هذا الفَصْل هو توضيح أنَّه لا يُوجَد فَرْقٌ جَوْهَرِيٌّ بين الإنسان والثَّدْيِيَّاتِ العُليا في ملكاتهم العَقْلِيَّة».
Charles Darwin, The Descent of Man (London: J. Murray, 1891), 1/99.
وهو ما عبر عنه أرنست هيكل([19]) بقوله: «لا تُوجَد بين الرُّوح الحيوانية الأكثر تطوُّرًا وروح الإنسان الأقل تطوّرًا سِوَى اختلافات كمِّيَّة صغيرة ولكن لا يُوجَد أيّ اختلاف نوعيّ».
Cited in: Richard Weikart, From Darwin to Hitler, Evolutionary Ethics, Eugenics, and Racism in Germany (New York: Palgrave Macmillan, 2006), p.90.
ولو أنَّه التزم التَّساوِي مع أخيه -أو ابن عمّه- البهيمة؛ فستتغيّر نَظْرَتُه القديمة إلى كلّ شيءٍ، وسيُنْظَرُ إلى التَّخصُّصات الأكاديمية مثل عِلْم الاجتماع والأنثروبولوجيا باعتبارها مِن فُرُوع عِلْم الحيوان، وسيُنْظُرُ إلى الأطِبَّاء على أنَّهم بياطرة، وسيتمُّ النَّظَرُ إلى حُقُوق الإنسان على أنَّها فرحٌ عن حُقُوق الحيوان؛ وسيَنْظُرُ إلى التَّنْشِئَةِ الاجتماعيَّة للأطفال كمثال على تدجين الحيوانات…([20])
سنُرَدّ إلى الغابة حيث يرتعُ الجميع كما يشاؤون.. وما القَتْلُ والنَّهْشُ غير طَلَب طبيعي للحياة، وإن تناثَرَتِ الأَشلاءُ مُزَعًا وثَعَبَتِ الدِّماءُ مدرارًا.
نشر الفيلسوف الأسترالي المُلحد بيتر سنجر([21]) سنة 1983م مقالاً تحت عُنوان: «قُدْسِيَّة الحياة أم نوعية الحياة؟»، وفيه أكَّد أنَّه لا يُوجَد حَرَجٌ أخلاقي في التَّخلُّص مِن الأطفال الرُّضَّع الذين يُعانون مِن التَّخلُّف العقلي أو مُشكلات النُّمو الأخرى مثل مُتلازمة داون.
ومما قاله: «إذا قارنَّا -على سبيل المثال- طِفْلاً بشريًّا به عَيْبٌ شديدٌ مع حيوانٍ غير إنسانيٍّ أو كلب أو خنزير؛ سنجد غالبًا أنّ الكائن غير الإنساني لديه قدرات مُتفوّقة -ظاهرة أو كامنة- في باب العَقْل أو الوعي أو التَّواصُل أو أيّ شيء آخر يُمكن اعتباره مُهمًّا».
Peter Singer, ‘Sanctity of Life or Quality of Life?‘, Pediatrics July 1983, 72 (1) 128-129.
وذاك يظهر أيضاً في قول ستيف ويليامز إنّه من النّاحية الإنسانية، الأفضل أن يكون الطِّفل الذي يُعاني مرض Anencephaly (أي: عَدَم وُجُود جُزء كبير من الدِّماغ) مَحَلّ التَّجارب العِلْمِيَّة من أن يكون قِردًا ذكيًا أو فأرًا سليمًا محَلّ هذه التَّجارب؛ لأنّ هذا الطِّفل (وليس الحديث هُنا عن الأجنّة) لا يشعر بالألَم.([22])
الفيلسوف الأمريكي المُلحد جيمس ريتشالز في كتابه: «خُلق مِن حيوانات: اللَّوازم الأخلاقية للدَّاروينية» … كتب قائلًا: «بعض البشر غير المحظوظين -رُبَّما لأنَّهم عانوا من تَلَف في الدِّماغ– ليسوا كائنات عاقلة. ماذا نقول عنهم؟ الاستنتاج الطَّبيعي، وفقًا للعقيدة التي ندرسها، هو أنَّهم مُجرّد حيوانات، ورُبَّما ينبغي علينا أن نستنتج أنَّه مِن المُمكن استخدامهم كما تُستخدم الحيوانات غير البشرية -رُبَّما- كمواد مَعْمَلِيَّة أو كغذاء».
James Rachels, Created from Animals: The Moral Implications of Darwinism, Oxford; New York: Oxford University Press, 1990, p186.
الدَّاروينية نظرية في أصل الأنواع بعد ظُهُور الحياة، ولا علاقة لها بإنكار وُجُود الله، ولذلك لم يُلحد داروين ولا كثير من أنصار الدَّاروينية. ومع ذلك فالإيمان بالدَّاروينية ضروري حتى يكون المرء مُلحدًا؛ لأنَّه إن لم يؤمن بالتَّفسير العشوائي لظاهرة الحياة المُعقَّدة وظيفيّا، لَزِمَهُ الإيمان بمُعجزة الخلق.
يقول داوكنز المُتشبِّث بحرارة بوُجُوب التَّخلُّص مِن العَجَزَة المُسنِّين المُتألمين: «لو كان حيوانك الأليف يتألَّم مُحتضرًا، فَسَيَتِمُّ أَتِّهَامُكَ بقسوة القَلْب، إذا لم تأخذه إلى البيطري ليُعطِيه مُخدِّرًا عامًّا لا يستيقظ بعده أبداً. لكن عندما يُمارس طبيبك العملِيَّة الرَّحيمة نفسها عليكَ وأنتَ تُعاني آلام الموت، فهو يُخاطر بذلك بأن يُصبح مُلاحقاً بتُهمة القتل. عندما سأشرفُ على الموت، فإنِّي أرغبُ أن تُطفأ حياتي تحت المُخدِّر العامّ، تماماً كما لو كانت زائدةً دُودِيَّة مُلتهبة. لكنْ مَنْ ذا الذي له مثل هذا الحظّ؟ إنّ حظِّي العاثر جعلني عُضوا في جنس الإنسان».
Dawkins, The God Delusion, p400.
وقد وضّح نك كمب في كتابه «التَّسريح الرَّحيم: تاريخ حركة القَتْل الرَّحيم في بريطانيا»
Merciful Release: The History of the British Euthanasia Movement (Manchester: Manchester Univ. Press, 2002).
ودوبجن([23]) في كتابه: «النِّهاية الرَّحيمة: حركة القَتْل الرَّحيم في أمريكا المُعاصرة»، الدّور المركزي للدَّاروينية في تأسيس تيَّار القتل الرَّحيم ودعمه أيديولوجيا. فكتب دوبجن قائلًا: «نقطة التَّحوُّل الأكثر محوريّة في التاريخ المُبكِّر لحركة القتل الرّحيم هي دُخُول الدَّاروينية أمريكا».
Ian Dowbiggin, A Merciful End: The Euthanasia Movement in Modern America (Oxford: Oxford University Press, 2003), p8.
«حقيقةُ أن يكون المَرْءُ بَشَرًا، بمعنى انتمائه إلى فصيلة الإنسان العاقل، لا علاقة لها بتخطئة قتله؛ وإنَّما خصائص مثل العقلانية والاستقلالية والوعي الذَّاتِيّ هي التي تُحْدِثُ فرقًا. الرُّضَّعُ يفتقرون إلى تِلْك الخصائص؛ ولذلك لا تجوز مُساواة قتلهم بقتل البشر العادِيِّين، أو أيّ كائنات واعية أخرى». بيتر سنجر.
Peter Singer, Practical Ethics (Cambridge: Cambridge University Press, 1993), p.182.
الأمر في الحقيقة أكبر من قتل من يَطْلُبُ قَتْلَهُ ليرتاح من الأمراض؛ فإنَّ إلغاء قيمة فُرادة الإنسان تَرْفَع التَّثريب عن الإنسان أن يقتل إنسانًا آخرًا ليُحقِّق بقاءه هو.
وقد كان داروين مُدركًا لذلك؛ وهو ما دفعه إلى أن يتنبَّأ أنَّه في المُستقبل غير البعيد، سيعمل العِرْقُ البشري المُتحضِّر على إبادة الأعراق الهَمَجِيَّة. وخَصَّ الأمر بإبادة الأعراق القُوقَازِيَّة للأتراك (المُسلمين) الجوعى.
Charles Darwin, Letter to William Graham, 3 July 1881
https://www.darwinproject.ac.uk/letter/DCP-LETT-13230.xml
ومن ذلك ما قَصَّهُ لنا (فورست میمز III) رئيس قسم العُلُوم البِيئِيَّة في أكاديمية تكساس للعُلُوم؛ إذ أخبرنا في مقالة له أنَّه في الاجتماع 109 لأكاديمية تكساس للعُلُوم المُنعقد في جامعة لمار، ألقى عَالِم البيئة التَّطوُّرِيّ الدكتور إريك ر. بيانكا -الذي كرَّمَتْهُ جامعة تكساس سنة 2006 تكريمًا خاصًّا لِجُهُوده العِلْمِيَّة- مُحاضرةً حَضَرَها 400 شخص، وقد بدأ مُحاضرته بتحذير السَّامعين أن مُحاضرته قد تكون صادمةً لهم.
خُلاصة المُحاضرة تأكيد الدّكتور بيانكا أنَّ الإنسان لا يَفْضُلُ البكتيريا في شيء، وأنَّ الإنسان لا يستحِقُّ أيَّ مقامٍ خاصٍّ في عَالَم الأحياء. ثُمَّ انتقل بعد ذلك في مُحاضرته لبيان أنَّه مِن النَّاحِيَة البيئية، نحن نحتاج إلى إبادة 90% مِن البشر؛ لأنَّ موارد الأرض لا تكفي إلَّا 10% منهم، واقترح لإنجاح المجزرة نشر فيروس إيبولا في الجوّ؛ فهو قاتلٌ ويُؤدِّي مُهمّته في أيَّامٍ قلائل!
See Forrest M. Mims III, Meeting Doctor Doom
http://ac.matra.free.fr/FB/DocDoom.htm
لا يتسلَّط 10% من البشر لإبادة البَقِيَّة إلَّا بعد أن يكونوا قد ضمنوا لأنفسهم أنَّهم أقوى، وفي حصانة مِن الانتقام..
ومِن لَوَازِم القولِ بِحَيْوَنَةِ الإنسان، النَّظَرُ إلى الإنسان أنَّه كَمٌّ مِن اللَّحْمِ والعَظم والأعصاب، وأنَّ مواهِبَهُ كلَّها أصلُها كَمَّيٌّ؛ فإذا عَدَّلْتَ في بعض بِنْيَتِهِ؛ حَسَّنَتَ نَسْلَهُ، وارتقيْتَ به في باب التَّكيُّف مع الطَّبيعة.. وهي الدَّعوى التي تحمَّس لها النَّازِيُّون، ودافع عنها داوكنز في تغريدةٍ أصدرها قريبًا، ذكر فيها أنَّه بعيداً عن الجانب القِيَمِيّ لمسألة عِلْم تحسين النَّسْل (Eugenics)، فإنَّه بالإمكان تطبيق عِلْم تحسين النَّسْل على الإنسان..
Richard Dawkins: It’s one thing to deplore eugenics on ideological, political, moral grounds. It’s quite another to conclude that it wouldn’t work in practice. Of course it would. It works for cows, horses, pigs, dogs & roses. Why on earth wouldn’t it work for humans? Facts ignore ideology.
ومِن هؤلاء الضِّعاف: المرأة؛ إذ يكشِفُ لنا تَتَبُّع الدَّاروينية في موقفها مِن المرأة، أنَّ المرأة بهيمة أدنى مِن الرَّجُل البهيمة؛ فقد كتب داروين سنة 1838 -قبل زواجه بسنة- إنَّ المرأة «شيءٌ يُحَبُّ ويُلْعَبُ معه، وَهُوَ أفضل مِن كَلْبٍ عَلَى كُلِّ حَالٍ».
“object to be beloved & played with.——better than a dog anyhow.”
https://www.darwinproject.ac.uk/tags/about-darwin/family-life/darwin-marriage
ولذلك كتب جون ديورنت أَنَّ المرأة –عند داروين- أقلُّ بكثيرٍ مِن مَرْتَبَةِ الرَّجُل، خاصًّة عند الحديث عن الصِّراع مِن أجل البَقَاء؛ إذْ وَضَعَها داروين والأطفال المُتخلِّفين في درجةٍ واحدةٍ؛ لِضَعْفِ مَلَكَةِ الحَدْسِ والبَدَاهة، وطابع التَّقليد الذي يُمثِّل الكائنات الدُّنيا.
John R. Durant, ‘The Ascent of Nature in Darwin’s Descent of Man‘ in The Darwinian Heritage, ed. David Kohn (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1985), p. 295.
وفي غربالِ الانتخاب الطَّبيعيّ، يسقط المريض والفقير والطِّفل والمرأة، ولا يبقى غيرُ نابِ القُوَّةِ الأَزْرِقِ.
«المشروع الفِكْرِيّ الغربي … ليس كافرًا بالإله وَحَسْب، وإنَّما هو كافرٌ بالإنسان أيضًا؛ إذ يُعْلِن موت الإله، ثُمَّ موت الإنسان ككائن مُتميِّز عن الطَّبيعة، وينزع القداسة عن كُلِّ شيء، ويُنكر المعنى. … أصبح الإنسانُ مركز الكون بسبب تميُّزه وتفرُّده ووُجُوده كثغرة في النِّظام الطَّبيعِيّ، ووُجُود الله هو ضَمَان ألَّا تُسَدّ هذه الثَّغرة، وألَّا تُصفَّى ثُنائيَّة الإنسان والطَّبيعة».
عبد الوهاب المسيري، فقه التَّحيُّز، ضمن: عبد الوهاب المسيري، تحرير، إشكالية التَّحيُّز (فرجينيا: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1417هـ / 1996م)، ص 75، 96.
الدَّارْوِينِيَّة الاجْتِمَاعِيَّة وَلُغَة الغَابّ؟!
الإنسانُ فَقَدَ تِلْكَ الفضيلة مع ظُهُور أدبِيَّات دافيد هيوم،([24]) وجرمي بنثام،([25]) ونيتشه،([26]) ومُفكِّري ما بعد الحداثة: كفوكو،([27]) وريتشارد رورتي.([28]) وكانت الدَّاروينية أبرز مَن أَسْقَطَ مِن الإنسان تميُّزه، بلسان العِلْم والتَّاريخ الطَّبيعِيّ.
وقد نعى عَالِم النَّفس المُلحد ويليامز على جماهير الملاحدة وخواصّهم خيانتهم لأصلهم الحيواني، ووُقُوعهم في فَخّ عقيدة التَّميُّز عن بقِيَّة الحيوانات؛ فقال: «يقتل النَّاسُ الحيوانات غير البشريّة مِن أجل الغذاء ولِجُلُودها، وأحيانًا للمُتعة فقط. نحن نستعبد الحيوانات ونجبرها على العَمَل مِن أجلنا. نُجري تجاربنا عليها، ونُسوِّغ مُعاناتها مِن أجل مصلحتنا؛ لأنَّ مُعظمنا يُريد أن يكون قادرًا على اعتبار نفسه شخصاً صالحًا (ورُبَّما الأهَمّ مِن ذلك، لأنَّنا نُريد للآخرين أن ينظروا إلينا كأشخاصٍ صالحين). ورُبَّما كُنَّا مُتحمِّسين لرُؤية غير البَشَر بطريقةٍ تجعل هذه الأنشطة أخلاقياً غير مُشكلة. سبيل القِيَام بذلك هو اعتبار الحيوانات الأخرى مُختلفة تماماً عَنَّا».
Steve Stewart-Williams, Darwin God and the Meaning of Life, p.111.
وقد نشأت «الداروينية الاجتماعية Social Darwinism» مُنذ القرن التَّاسِع عشر لتحقيق الوفاء أخلاقِيًّا للحقيقة الحيوانية للإنسان. وهي تُقرِّر أنَّ على المُجتمع أن يخضع لمبادئ الدَّاروينية، دون حَرَج مِن اللَّوازم الأخلاقية لذلك، والبادية في العنصرية والإمبريالية والحُرُوب.
وكُلُّ تَدَخُّلٍ خارجيٍّ حادث لمنع هذا الصِّراع أو تحريك المُجتمع، لا بُدَّ أن ينتهي إلى سَحْق التَّقدُّم وتعزيز الانتكاسة. وذاك في ذاته حُجَّةٌ أخلاقية لا بُدَّ أن تَمْنَعَ الأفراد والمُؤسَّسات والدَّولة مِن التَّدخُّل لوقف الحركة الطَّبيعية للمُجتمع.
يقول الفيلسوف هربرت سبنسر([29]) أشهر أعلام الدَّاروينية الاجتماعية: «مُساعدةُ السَّيِّينَ في أن يتكاثروا، هي عَمَلِيًّا أمر يضمن وُجُود أعداء كُثر لِحَفَدَتنا. لا شَكٍّ أنّ الإيثار الفردي كان جيّدًا جدًا، لكنَّ الصدقة المُنظَّمة كانت لا تُحْتَمَلُ»، مُؤكّدًا أنّ الضَّرَرَ الذي يُصيب أفراداً مِن الشَّعب، عمليّة إيجابية ليتطهَّر المُجتمع بصُورة آلِيَّة مِن أَرْجاسه.
Spencer, The study of sociology (London: Williams and Norgate, 1874), p. 345.
والإنسانُ مُنْتَجٌ بِيئيّ بكُلّ ما فيه: الحمض النَّووي، والخَلِيَّة، والنَّسيج، والدِّماغ، والأخلاق، ولا شيء آخر ينبو عن ذلك.
وقد تَلَقَّفَ النَّازِيُّون فلسفة الدَّاروينية الأخلاقية؛ وفاءً للفلسفة المَادِّيَّة، رغم أنَّ النَّازِيَّة لم ترفع شِعار الإلحاد عُنواناً لها؛ فكانت أوفى للإلحاد مِن عامَّة الملاحدة.
وفي ذلك يقول المؤرخ هيكمان عن هتلر: «كان شديد الإيمان بالتَّطوُّر وداعيًا إليه. … وأشار كتابه كفاحي بوُضُوح إلى عَدَدٍ مِن الأفكار التَّطوُّرِيَّة، خاصَّة تِلْك التي تؤكِّد على الصِّراع وبقاء الأصلح وإبادة الضِّعاف لصناعة مُجتمع أفضل».
R. Hickman, Biocreation (Worthington, OH: Science Press, 1983), pp.-51-52 (Cited in: Phillip Darrell Collins, Paul David Collins, The Ascendancy of the Scientific Dictatorship, Charleston: BookSurge, 2006, p.59).
لم تُنتج الدَّاروينية في حَدِّ ذاتها إجرام النَّازِيَّة، ولكن لم تكُن لَدَى النَّازِيِّين -دُون الدَّاروينية- الأُسُس العِلْمِيَّة لتأسيس مذهبهم، والتَّرويج له، واستجلاب الثَّناء.
Richard Weikart, From Darwin to Hitler, Evolutionary Ethics, Eugenics, and Racism in Germany, p.233.
على خِلَاف ما يَدَّعيه داوكنز مِن أنَّ «أفراد الملاحدة مِن المُمكن أن يرتكبوا الشُّرُور، ولكنَّهم لا يفعلونها باسم الإلحاد».
Richard Dawkins, The God Delusion, p278.
فتَارِيخ الدُّول الإلحادية: كالاتِّحاد السُّوفياتيّ، وكوريا الشَّمالِيَّة، وكمبوديا، والصِّين، مُطَّرِدٌ في شهادته أنَّ الحُكْمَ الذي يقوم على إنكار وُجُود الله وأنّ الحياة مادَّة، لا بُدَّ أن ينتهي إلى مجازر مُروِّعة في حَقِّ الإنسان. وتاريخ ستالين وبول بوت والحزب الشّيوعي الصِّيني لو لم يَكُن في تاريخ البشرية غيره لكان وَحْدَهُ أعظم إدانة للإلحاد.
[هذه الجرائم تظهر أيضاً على مُستوى الأفراد] وسنكتفي هُنا بذكر ثلاث منها تُظهِرُ التَّأثير الإجراميّ للاعتقاد أنّ البشر بهائمُ بلا قيمةٍ، ولا غايةٍ عُليا، ولا هدف نبيل في ذاته.
Kyle Butt, A Christian’s Guide to Refuting Modern Atheism (Montgomery, AL: Apologetics Press, Inc., 2010), pp.100-104.
القصّة الأولى مِن كولورادو بأمريكا، وقد حدثت يوم 20 أبريل 1999م؛ حيث وقعت واحدة من أسوأ المجازر في تاريخ أمريكا؛ إذ أقدم شابان على قتل 12 طالبًا في المدرسة ومُدَرَّسًا واحدًا، وجرح 23 آخرين، ثم انتحر القاتلان إثر ذلك. وقد كانت خطَّتهما قَتْل مئات الضَّحايا بأسلحة تَمّ إعدادها لذلك.
وبعد تحرِّيَّات دقيقة، تبيَّن أنَّ جريمة الشَّابَين كانت بدافع التَّخلُّص مِن طائفةٍ مِن النَّاسِ يُبْغِضانها؛ تحقيقاً لمبدأ الانتخاب الطَّبيعي. وقد لَبِسَ أحدُ المُجرمين يوم المجزرة قميصًا كُتِبَ عليه «الانتخاب الطَّبيعي». وكشف التَّحرِّي أنَّه كَتَبَ في أوراقه: «… في يومٍ ما في أبريل، سأقوم أنا وفُلان بالانتقام، وسوف ندفع الانتخاب الطَّبيعي بِضْع درجاتٍ إلى الأمام».
كما جاء في التَّحقيقات أنَّ أحدَ المُجرمين «تحدَّثَ كثيرًا عن الانتخاب الطَّبيعي. وهو ما دفعه إلى الإعجاب بهتلر والنَّازِيَّة و “الحَلّ النهائي” -أي إنّنا نحن الجنس البشري، قد أَوْقَفْنا الانتخاب الطَّبيعي أو عَرْقَلْناه عن طريق اختراع اللِّقاحات وأشياء مِن هذا القبيل!»
القصة الثانية من فنلندا، حيث قام شاب اسمه بكا إريك أوفنن (Pekka Eric Auvinen) بقتل سبعة طلبة مِن مدرسته، ومُدَرِّسة واحدة، ثُمَّ وجّه المُسدَّس إلى رأسه، وانتحر. وترك رسالةً على الشَّبكة العنكبوتية قبل المجزرة، يُخبر فيها عن نفسه بقوله: «أنا، بصفتي مُمارساً للانتخاب الطَّبيعي، سأقضي على كلّ مَن أراه غير لائق ومُخْزِ للجنس البشري، ومُخْفق في امتحان الانتخاب الطَّبيعي».
القصّة الثالثة لمُجرمٍ وَحْشي اسمه جفري دامر (Jeffrey Dahmer)، قتل 17 رجلًا وصبِيًّا، واحتفظ بأعضائهم في مَسْكَنِهِ، واعتدى على جُثَثِهِم جنسيًّا، وأكل بعضها. وقد حَكَمَتْ عليه المحكمة بالسِّجن 900 سنة. وفي أثناء إمضائه العُقُوبة، قَتَلَهُ زميلٌ له في السِّجن.
أَجْرَتْ قناةُ (NBC) سنة 1994 لقاءً مع هذا المُجرم ووالده. وفيه كشف المُجرم أنَّ إيمانه بالدَّاروينية قد دفعه إلى ما انتهى إليه؛ فقد أخبر أنَّه بعد أن عَلِمَ ما الدَّاروينية واقتنع بها، فَقَدَ قناعَتَهُ أنّ للإنسان قيمة، وأنّ للحياة معنى، وأنَّه مُجازى عن فعله. لقد أدرك دامر اللَّوازم الضَّرُورِيَّة لحَيْوَنَة الإنسان بما يقتضي نهاية مفهوم الإنسان، وسُفُولِهِ إِلَى دَرَك البَهِيمِيَّة.
العَقْلُ عَلَى مَذْبَح الإلْحَاد
{وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} [العنكبوت: 43]
«النَّظرِيَّة التي تُفسِّر كلَّ شيء في الكون كلّه، ولكنّها تجعل مِن المُحال الإيمان أنَّ تفكيرنا سليم؛ لا مجال لأن تُقبل شهادتها». سي. أس. لويس([30])
C. S. Lewis, Miracles (London: HarperOne, 2009), p21.
ما العَقْل في الرُّؤية الإسلامية؟
العقلُ في الإسلام أَصْلُ التَّشريف، ومَنَاطُ التّكليف، ومَحَلُّ المَدْح والتَّقبيح.
العقلُ في الإسلام أحدُ أسباب تشريف الإنسان في ملكوت الله الواسع؛ فإنّ الله سُبحانه قد رفع الإنسان فوق مرتبة البهيمة؛ بما آتاه مِن ملكات للنَّظَرِ، والفَهْم، والحُكْم؛ حتَّى يَعْرِفَ الحقَّ من الباطل، والنَّافع من الضَّار، ويسير إلى حيث يجد ضالته.
وهو بهذا العقل قادر أن يُنازع غَريزته التي قد تدفعه إلى الضّلال ومجاوزة الحَدّ. والعقلُ مُشَرَّفٌ حتى في أشكال العبادات؛ فأهل العقل هُم الذين يكونون مُباشرةً وراء الإمام في صلاته؛ لقول الرسول ﷺ: «ليَلِنِي مِنْكُم أُولُو الأحلام والنُّهَى». رواه مسلم، كتاب الصلاة، باب تسوية الصفوف، وإقامتها (ح/ 432).
والملاحدة يرون أنّهم يُؤسِّسون طريقتهم في الكَشْف عن خُلُوّ الوُجُود مِن إله، على منهج في النَّظَرِ يَرَوْنَهُ عقلانيا. ولا يَشُكَّ الملاحدة الشَّعبِيُّون في دعوى أنَّ الملاحدة أَعْقَلُ العقلانيين، وأنّه لولا العقلُ لما أَلْحَدَ المُلحِدُ. ولكن، ماذا لو كان يلزم من الإلحاد المادي ألَّا يكون هُناك عقل؟!
العقل الذي أعْني هو الإدراك الواعي للعَالَم؛ بما يجعل الإنسان يعرف الأشياء على حقيقتها؛ فيُميِّز بين الحقيقة والباطل، مِن خِلَال آلة الدِّماغ أو غيرها مِن الآلات.
ظاهر النُّصُوص القُرآنية أنَّ التَّعقُّل يكون بالقَلْب: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} (الحج: 46)، والدِّماغ أيضًا: {نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ} (العلق: 16)؛ فالعقل إسلاميًا أكبرُ مِن عَمَلِ الدِّماغ.
عَقْلُ البَهِيمَة صَنْعَة الطَّبِيعَة
يتَّفِقُ المُسلمون والملاحدة أنَّ العقل هو آلة البحث الكَسْبِيّ عن الحقيقة، وفي غِياب العَقْل القادر على إصابة الحقيقة لا يُمكن للمُلحد أن يَسْتَيْقِنَ إلحاده، وأن يدعو إليه.
والملحِدُ يُنْكِرُ -ضرورةً- بُرهان التَّصميم في عَالَم الأحياء؛ إذ الإقرار بالنَّظم البيولوجي وإنكار العشوائية حُجَّة بَيِّنةٌ لوُجُود الله.
وقد اعترف داوكنز أنَّه لو عاش قبل داروين لكان على الأغلب مؤمنًا. وقال كلمته الشَّهيرة في أنَّ داروين قد كان سببًا في إمكان وُجُودِ مُلْحِدٍ وَفِيٍّ للمعرفة.
Richard Dawkins, The Blind Watchmaker (New York: W. W. Norton and Company, 1986), p6.
قديمًا، كان البشر يقولون مع أرسطو: «كلّ النَّاس يرغبون -بصورة طبيعية- في المعرفة»
Aristotle, Metaphysics, Book 1.1
ولكنَّنا في عَالَم الإلحاد لا نَمْلِك أن نُوافق أرسطو قولَهُ؛ إذ المُلحد -الصَّادق في إلحاده- لا يسعى لفَهْم العَالَم؛ لأنَّه لا عقل له، وأمَّا دماغه فليس آلةً لِفَهم الوُجُود؛ إذ يُخبرنا فلاسفة الإلحاد أنَّ ما نعتقد صِدْقَهُ، وبداهته، هو أثر لبنية دماغية تصنع ما يبدو لنا كحقيقة؛ فالحقيقة صناعةٌ بيولوجية وليست كَشْفًا لِمَا هو واقعٌ خارِجَ الذِّهْنِ؛ فهي أثرٌ شخصِيٌّ لازمٌ لبنية الدِّماغ الذي تطوَّرَ بحثًا عن شُرُوط البقاء، وسيظَلُّ الدِّماغ يتطوّر مع تغيُّر البيئة؛ لِيُحقِّقَ الإنسانُ تواؤما أفضل مع أسباب البقاء. ومع تطوُّر الدِّماغ، تتغيَّر «الحقائق»؛ فكُلّ «حقيقة» من حقائق اليوم، عُرضة للاستبدال، دون استثناء.
لا يُمكن للدَّاروينية أن تمنحنا الدِّماغ الذي يضمن لنا حيازة عَقْلِ واع؛ وذلك لأسباب؛ أَهَمُّها أنَّ تمييز الحَقّ مِن الباطل ليس من مُتطلّبات البقاء الذي حرّك العَمَلِيَّة التَّطوُّرِيَّة الأولى مُنذ عصر الخَلِيَّة التي ظهرت الحياة بظُهُورها.
فهذا البيولوجي الملحد الشَّرِسُ الحائز على نوبل فرنسيس كريك([31]) يقول بعبارة جازمة: «أَدْمِغَتُنَا المُتطوّرةُ هي في ختام الأمر لم تتطوَّر تحت ضغط الحاجة إلى كشف الحقائق العِلْمِيَّة، وإنَّما هي فقط قد تطوَّرَتْ لِتَمْكِيْنِنَا أن نكون على درجةٍ مِن الذَّكاء تكفي للبقاء على قيد الحياة».
Francis Crick, The Astonishing Hypothesis: The Scientific Search For The Soul (Simon & Schuster, 1994), p262.
واعترف الفيلسوف الملحد والشهير توماس ناجل([32]) أنَّ مِحْنَةَ العقل المُلحد تعود أساسًا إلى تفسير نشأته داروينيًا. ويُصرّح بوُضُوح قائلا: «لن يكون هُناك سبب للثِّقة في نتائج الرِّياضيات والعِلْم. وما كانت الفرضية التَّطوّرية مُعتمدةً على العقل؛ فستكون بذلك ضرورةً مُقَوِّضةً لنفسها».
Thomas Nagel, The Last Word (Oxford: Oxford University Press, 2009), p.135.
ويقول الفيلسوف الملحد جون غراي([33]): «الإنسانوية الحديثة هي الإيمان بأنَّه مِن خِلَال العِلْم يُمكن للبشرية أن تعرف الحقيقة وبالتالي أن تكون حُرَّة. ولكن إذا كانت نظرية داروين في الانتقاء الطَّبيعي صحيحةً؛ فسيكون الأمر السَّابق مُستحيلاً. إنَّ العقل البشري يخدم النَّجاح التَّطوُّرِيّ، وليس الحقيقة».
John Gray, Straw Dogs (London: Granta Books, 2002), p.26.
وشنَّع الفيلسوف المُلحد ريتشارد رورتي على الملاحدة الدَّرَاوِنَة المُتنكِّرين لداروينيتهم بجهلٍ أو حماسة، قائلاً: «إنَّ فكرة أنَّ نوعًا واحداً مِن الكائنات الحَيَّة -على عكس كلّ الأنواع الأخرى- لا يتوجَّه فقط نحو رخائه المُتزايد بل أيضًا في اتِّجاه الحقيقة، هي فكرةٌ غير الدَّاروينية».
Richard Rorty, “Untruth and Consequences,” The New Republic July 31, 1995, pp. 32-36.
وقال عالم الأعصاب المُلحد سام هاريس: «لم يتِمّ تصميمُ حَدْسِنا المنطقي والرِّياضي والجسدي عن طريق الانتقاء الطَّبيعي لتتبُّع الحقيقة».
Sam Harris, The Moral Landscape: How Science Can Determine Human Values (New York: Simon and Schuster, 2011), p66.
وقال نبي الإلحاد الجديد داوكنز: «نحن كائنات مُتطوّرة عن قِرَدةٍ، وقد صُمِّمَتْ أَدْمِعتُنا فقط لفهم التَّفاصيل الدُّنيوِيَّة عن كيفية البقاء على قيد الحياة في السافانا الإفريقية في العصر الحَجَري».
Richard Dawkins, Sunday Telegraph, 18 October 1998.
تكفيك الشَّهادات السَّابقة لتَعْلَم أنَّنا أمام حقيقة بَيِّنَةٍ لا سبيل للمراء فيها؛ وهي أنَّ رحلة تطوُّرِ الدّماغ لم تكن لطَلَبِ الحقيقة، وإنّما كانت غايتها الوحيدة طَلَب البقاء. وهي الحقيقة (إن قلنا بالتَّطوّر العشوائي) التي أَدْرَكَها داروين مُنذ زمن مُبكِّر؛ فقال: «عندي شَكٌّ دائمٌ أن تكون لِقَنَاعَاتِ عَقْلِ الإنسانِ -التي تَطَوَّرَتْ من حيواناتٍ أدنى- أَيُّ قِيْمَةٍ أو أَنْ تَسْتَحِقَّ التَّصديقَ أَصْلًا. هل بإمكان أيّ مِنَّا أن يُصدِّقَ قناعَاتِ عَقْلَ قِرْدِ، إِن كانت هُناك أصلًا قناعات في مثل ذلك العَقْل».
To William Graham, 3 July 1881.
https://www.darwinproject.ac.uk/letter/DCP-LETT-13230.xml
داروين قد ذَكَرَ في مرّةٍ أخرى شَكَّه في حُجِّيَّة العقل بقوله: «… لكن بعد ذلك يَنْشَأُ الشَّكُ: هل من المُمكن الوُثُوق بعقل الإنسان -الذي كما أعتقدُ تماماً قد تَطَوَّرَ عن عَقْل أَدْنى كالذي يَمْتَلِكُهُ أدنى حيوان- عندما يُقَدِّمُ مثل هذه الاستنتاجات الكُبرى؟».
Charles Darwin, On the Origin of Species (Ontario: Broadview Press, 2003) Appendix A, p.433.
وقد أَوْرَدَ كلامَهُ السَّالِف تعقيبًا على حديثه السَّابق الذي قال فيه إنَّهُ كان يَجِدُ في نفسه -كَكُلّ إنسان- شُعورًا غامرًا يَدْفَعُهُ إِلى رَفْضِ ردَّ هذا الكون العظيم ومَلَكاتِ الإنسان المُدهشة إلى الصُّدْفَةِ العشوائيَّةِ العَمْياء … وذاك من الشُّكوكية الانتقائية في العقل المادِّيّ؛ إذ ينتقي من الشُّكوك ما يُبْقِي شَكَهُ قائمًا، ولو تَلَبَّسَ بالتَّناقُضِ.
وهو ما أَكَّدَهُ إريك بوم([34]) بقوله: «في بعض الأحيان تكون أنت مُؤَهَّلًا بصورة أكبر للبقاء على قيد الحياةِ والتَّكاثر، إذا آمنْتَ بشيءٍ باطلٍ أكثر مِمَّا لو كنتَ تُصدَّقُ الحقيقة».
Baum, What is Thought? (Cambridge, Mass.; London: MIT, 2006), p.226
وكرّر ذلك السكندر روزنبرج في قوله: «الانتخاب الطَّبيعي ليس جَيِّداً في انتقاء المُعتقدات الصَّحيحة، وأنّ هُناك حُجَّة قوِيَّة على أنَّ الانتخاب الطبيعي ينتج كثيرًا مِن المُعتقدات الباطلة والمُفيدة».
Alexander Rosenberg, The Atheist’s Guide to Reality: enjoying life without illusions (New York: W.W. Norton, 2011), pp.110-111.
ويذهب عالم النفس دونالد هوفمان([35]) الذي أمضى العُقُود الثلاثة الماضية في دراسة الوعي من زاوية داروينية، إلى أنّ التَّطوّر قد شَكَّلَ وَعْيَنا بإخفاء حقائق من الوُجُودِ لا نحتاجها. وكانت خُلاصةُ أبحاثه أنّ العالم الذي قُدِّم لنا من خلال وَعْينا لا يُمثِّل الواقع. بل يقول إنّ وَعْيَنا بالواقع زائفٌ، وقد نَحَتَهُ التَّطوُّرُ فينا لأنَّه يزيد من القُدرة التَّكيُّفِيَّة التَّطوُّرِيَّة للإنسان عن طريق دفع الحقيقة إلى الانقراض!
Amanda Gefter, The Evolutionary Argument Against Reality, Quanta Magazine, April 21, 2016
https://www.quantamagazine.org/the-evolutionary-argument-against-reality-20160421
وعِلْمُنا بأنَّ الدِّماغ في المنظور الإلحادي غير جدير بالتَّصديقِ –لأنَّه لا يَنْشَأ من اللَّاعقلِ عقلٌ؛ إذ العشوائية مهما تسلّط على آثارها الانتخابُ الطَّبيعيُّ، فإنّها لا تملك أن تُنتج آلة تعقِلُ الوُجُود كما هو.
الدِّمَاغُ.. الآلَة الصَّمَّاءُ
لا شيء في الوُجُود غير الذَّرَّة، وما عدا ذلك خُرافة لا يدعمها العِلْم الحديث.
ذاك عنوان كبير يرفعه الملاحدة، فيه غُرُور، وجَزْم بالعِلْم بلا بُرهان.
ولنفهم حقيقة الأزمة، علينا أن نرجع إلى الثواني الأولى للانفجار العظيم.. ونسأل: ماذا كان عندها، وإلى ماذا آلَ ما كان بعدها؟
في كونٍ مادِّي لم يَخْلُقُهُ إلهٌ من العَدَم، ولم يُنَظِّمْ عَمَلَهُ قانون مخلوقٌ بحكمةٍ وقُدْرة، لا حُجَّة أنَّ أَدْمِغَتَنا قد خُلِقت للتَّفكير السَّليم المُهيَّأ لفَهْم العَالَم مِن حولنا. ما الدِّماغ سِوَى ذرّاتٍ مُتآلفة، وخلايا مُتراكمة، ولا شيء بعد ذلك غير ذلك. وهل باجتماع الذَّرَّات والخلايا والأعصاب تهبنا الطَّبيعة آلةً لإدراكِ العَالَم كما هو؟! ما الذي يجعل الذَّرَّات والخلايا والأعصاب تأبه لأن نكون على وعْيٍ صائبٍ بالعَالَم؟ وإذا رغبت في ذلك؛ فما الذي يعطيها القُدرة على ذلك، وفاقد الشيء لا يعطيه.
يقول سي. أس. لويس -شارحًا هذه المُعضلة-: «إذا كانت العُقُول تعتمد كُلِّيًّا على الأدمغة، وكانت الأدمغة تعتمد على الكيمياء الحيوية، وكانت الكيمياء الحيوية تعتمد (على المَدَى الطَّويل) على التَّدفُّق الذي لا معنى له للذَّرّات؛ فأنا لا أستطيع أن أفهم كيف ينبغي أن يكون لفكر تلك العُقُول أيّ أهمِّيَّة أكبر من صوت الرِّيح الذي يَهُبُّ على الأشجار».
C. S. Lewis, The Weight of Glory (New York: Zondervan, 2001), p139.
نحن نتحدّث عن إمكان وجود عقل عاقل؛ إذا كانت المادة بذراتها هي كل شيء.
يقول البيولوجيُّ التَّطوُّرِيُّ الملحِدُ المعروف هالدين([36]): «إذا تمَّ تحديد نشاطي الذِّهني كُلِّيَّا بوساطة حركات الذَّرَّات في دماغي، فلا يُوجَد عندها لديّ سبب يدعو إلى افتراض أنَّ مُعتقداتي صحيحة… وبالتَّالي ليس لديّ أي سبب لافتراض أنَّ عقلي يتكوَّن مِن ذرَّات».
J.B.S. Haldane, Possible Worlds (NJ: Transaction Publishers, 2009), p209.
وتقول الفيلسوفة الملحدة بارتيشيا تشيرشلاند([37]): «إنَّ النِّظام العصبي يُمكِّن الكائن الحيَّ من النّجاح في تأدية أربع وظائف: التَّغذية، والهَرَب، والقِتَال، والتَّكاثُر. الجهد الرَّئيس للجهاز العصبي هو إبلاغ أجزاء الجِسْم حيث يجب أن تكون؛ مِن أجل بقاء الكائن الحيّ… الحقيقة بلا شَكّ تقع في المرتبة الأخيرة».
Patricia Churchland. Cited in: Alvin Plantinga, Where the Conflict Really Lies: Science, Religion, and Naturalism (OUP, 2011), p315.
ونبَّه الفيلسوف الملحد روزنبرج -في إشارته إلى الطَّبيعة المَادِّيَّة للدِّماغ- إلى حقيقة أنَّ الدِّماغ مجموع عصبونات، وكلّ عصبون يعمل بشكلٍ فرديّ، في إطار تعاون مُشترك مع بقيّة العصبونات. ولو أنَّا حَلَّلْنا عَمَلَ كُلِّ عصبون لمفرده؛ فلن نجد فيه فكرةً أو بعض فكرة؛ فمنتجه مادِّيّ صِرفُ. وأمَّا إذا جمعت الصُّورة كاملة؛ بَدَتْ وكأنَّنا نُفَكِّرُ في شيءٍ ما، وإن كُنَّا في الحقيقة لا نُفَكِّرُ في شيء خارج أَدْمغتنَا.
Alexander Rosenberg, The Atheist ‘s Guide to Reality, pp.190-191 .
أعلن روزنبرج فشل كلّ مُحاولات إثبات أنَّ الدِّماغ قادرٌ أن يُفكِّر بصدق وأمانة حول شيء ما في الكون.
Alexander Rosenberg, The Atheist ‘s Guide to Reality, pp.325-326.
الإيمان بالعقل سابق للإلحاد إدراكيًا، والإيمان بالله سابق للإيمان معرفيا. وبغير الإيمان بالله؛ لا سبيل للتَّفكير في الإلحاد صِدْقًا أو كَذِبًا.
ما المخرج من هذا المأزق؛ حيث يَهْدِمُ الإلحادُ الإلحادَ؟
وقف الفيلسوف الأمريكي بول كوبان بعد مُحاضرة ألقاها داوكنز سنة 2011، ليسأل داوكنز عن دَعواه تفوُّقَ المُلحدِ عقلانيًا على المؤمن ضمن النَّظرة الطَّبيعانية؛ إذ وفقًا لكتاب داوكنز: «نهر خارج من عَدْن»، نحن جميعًا نرقص على موسيقى الحمض النَّووي الخاصَّة بنا؛ فكيف يتفوَّق الملحِدُ على غيره في باب العقلانية إذا كان مخّه -كغيره- أسير الفيزياء العمياء؟!
أجاب داوكنز السُّؤال بسُؤال قال فيه: «إذا أردتَ أن تسألني لماذا أنا واثقٌ مِن أنّ عقلانيتي العِلْمِيَّة هي الإجابة الصَّحيحة؛ فجوابي هو أنَّها ذات فعالية (it works)».
Peter S. Williams, C. S. Lewis vs the New Atheists (London: Paternoster, 2013), pp. 112-113.
للأسف، لم يفهم داوكنز أَهَمَّ اعتراض على العقلانية الإلحادية.
لقد كان يكفي داوكنز أن يُجيب بما قَرَّرَهُ لاحقًا في كتابه «تجاوز الإله» مِن أنَّ الدِّماغ يأبه بما هو عمليّ ناجع وإن لم يُطابق الواقع؛ لأنَّ مطلب الكائن الحيّ تحقيق البقاء.
Dawkins, Outgrowing God (New York: Random House, 2019), p226.
الكمبيوتر ليس هو فقط تلك القِطَع المعدنية المجموعة على شكل صندوق Hardware، وإنَّما هو أكبر مِن ذلك؛ فهو هذه المعادن والبرمجة غير المادِّيَّة software السَّابقة لها. والكمبيوتر بذلك رهين البرمجة الذَّكِيَّة لعمله للوُصُول إلى الصَّواب، مع افتقاده للإرادة الحُرَّة للتَّفكير.
كما أشار ناجل إلى أنَّ طبيعة العملية العقلية بطابعها غير الماديّ.
لا شك أنَّه لا سبيل لإثبات صدقِ العَقْلِ من خارجه أو داخله؛ لأنّ كُلَّ قراءة نقديّة للعقل تطوي في داخلها الإقرار بحُجِّيَّة العقل؛ والإيمان بالعقل مُقدّمةٌ أُولى غير بُرهانية لكلّ تفكير.
إنّ الإشكال في تصديق العقل إلحاديًا، هو أنّ الرُّؤية الكونية الإلحادية تَضُمُّ مُقدِّمات تمنع تصديق العقل، وهذه المقدّماتُ هي نَفْيُّ الحِكْمَةِ المُتعالية عن الكون كُليّةً، وَرَدُّ الأَمرِ كُلِّهِ إلى العشوائية التي طَرَاً عليها لاحقًا عَمَلُ الانتخاب الطبيعي.
«عندما نسمع بعض المُحاولات الجديدة لتفسير التَّفكير أو اللُّغة أو الإرادة بصورة طبيعانية؛ يجب أن يكون رَدُّ فِعْلِنَا كما لو قِيل لنا إنَّ شخصًا ما قد رَسَمَ دائرةً مُربَّعةً!» الفيلسوف بيتر غيتش.([38])
Peter Geach, The Virtues (CUP, 1977), p52.
الإلحاد أَيْسَرُ المذاهب المُخالفة للإسلام نَقْضًا؛ لأنَّه دعوى تمنع إمكان الوعي والمعرفة الصَّحيحة بالعَالَم.
حُرِّيَّة إرادة.. وَهْم الآلات
{وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ
إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّلِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} (الكهف: 29)
«هل هُناك إرادة حُرَّة؟ لا، البَتَّة!»
الفيلسوف المُلحد: ألكسندر روزنبرج
Alexander Rosenberg, The Atheist’s Guide to Reality: Enjoying Life without Illusions, p3.
الإرَادَةُ الحُرّةُ فِي الإسْلَامِ
ما الإنسان في الإسلام؟
إنَّه ذلك الكائن الحُرُّ بعقله، القادِرُ بإرادته على الفعل خارج سُلطان بعض الجَبْرِ المادِّيّ.. هو الكائن المُتحرِّك باختياره ورغبته الموازنة بين المُمكنات عن وعي.
إنَّه الكائن المُخيَّرُ بين أن يؤمن أو يكفر. وذاك الخيارُ، أَعْظَمُ قرار في وُجُوده؛ لأنَّه حُجَّةُ الله له أو عليه بعد مآبه.
يقول ابن تيمية في عَرْضِهِ التَّصوُّرَ السُّنِّيَّ لمُشكلة الاختيارِ والجَبْرِ: «اِعْلَمْ أَنَّ الْعَبْدَ فَاعِلٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَلَهُ مَشِيئَةٌ ثَابِتَةٌ وَلَهُ إرَادَةٌ جَازمَةٌ وَقُوَّةٌ صَالِحَةٌ. وَقَدْ نَطَقَ الْقُرْآنُ بِإِثْبَاتِ مَشِيئَةِ الْعِبَادِ فِي غَيْرِ مَا آيَةٍ، كَقَوْلِهِ: {لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ}، {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ}، {فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا}، {فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ}، {وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ}، وَنَطَقَ بِإثْبَاتِ فِعْلِهِ فِي عَامَّةِ آيَاتِ الْقُرْآنِ: يعملون، يفعلون، يؤمنون، يكفرون، يتفكرون، يحافظون، يتَّقُون».
ابن تيمية، مجموع الفتاوى، تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، المدينة النبوية: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، 1416هـ / 1995م، 8/ 393.
الإلحَادُ.. ألَّا تَخْتَار خَيَارَك!
مُتعة الإلحاد، في خطاب المُلحدين، هي تحقيقُ تلك القفزة العاقلة مِن وادي الظُّلُماتِ إلى سفح النُّور؛ فالمُلحِدُ يختار بوعيٍ مُشْرِقٍ أَنْ يَخْرُجَ مِن بَلادَةِ الأَلفةِ والتَّديُّن على طريقة القطيع الغافل، إلى إنكارِ وُجودِ إله عن إرادة مُختارة.. والمُلحد بذلك مَدِينٌ لحُرِّيَّة الإرادة ليُثبت صوابَ اختياره، وفضيلة انحيازاته المعرفية.
إنَّ إحساسنا بإرادتنا الحُرَّة، قاهرٌ يتملّكنا؛ حتّى إنّه يرقى أن يكون من البدهِيَّات.
إنّ الوُجُود المادِّيّ الصِّرف، لا يحمل في جَنَبَاتِه غير المادّة والطاقة، والإنسان بعضُ ذلك؛ فهو آلة الوجود الكبرى، يتحرَّكُ بحركتها، ويسير ضِمْنَ سككها دون إرادة.
يقول عالم النفس الأمريكي جيمس هلمان([39]) –وهو أبرز عَالِم نفسي أمريكي في القرن العشرين- مُعبّرًا عن الرُّؤية المَادِّيَّة الصِّرفة: «أنا أعيشُ مؤامرةً مكتوبةً عن طريق الشّفرة الوراثية الخاصَّة بي، ووراثة الأجداد، والمُناسبات المؤلمة في حياتي، والحوادث الاجتماعية».
James Hillman, The Soul’s Code (New York, Random House, 1996), p6.
وهو ما عبَّر عنه البيولوجي المُلحد فرنسيس كريك بقوله: «أنتَ، وأفراحك وأحزانك وذكرياتك وطُمُوحاتك، وشُعُورك بذاتك، وحُرِّيَّة الإرادة، كلّ ذلك ليس في الحقيقة سِوَى سُلُوكِ تَجَمُّع كبيرٍ مِن الخلايا العصبية وجزيئاتها المُرتبطة بها».
Francis Crick, Astonishing Hypothesis: The Scientific Search for the Soul, p3.
ويُظهِرُ البيولوجي ويليام بروفين المُلحد جُذُور الأزمة الإلحادية في شأن إمكان أن يُوجَد كائن حيّ حُرٌّ، في تصريحه: «إنَّ الإرادة الحُرَّة كما هي في صورتها التَّقليدية -أي حُرِّيَّة الاختيار دون إكراه أو توقُّعٍ لاختيار بين مسارات بديلة، هي ببساطة، غير موجودة؛ إذ ليس ثمَّة طريقة يُمكن للعملية التَّطوُّرِيَّة -بتصوَّرها الحالي- أن تُنتج كائنًا يملك فعلِيَّا أن يختار».
Cited in: Terence L. Nichols, The Sacred Cosmos (Oregon: Wipf and Stock Publishers, 2009) p15.
ولَخَّص ألكسندر روزنبرج المسألة برُمَّتها بعبارة بسيطة، في قوله: «حقيقة أنَّ العقل هو الدِّماغ، ضامنةٌ عَدَم وُجُود إرادة حُرَّة. إنّها حقيقة تستبعدُ أيَّ أغراض أو تصاميم لتنظيم أعمالنا أو حياتنا».
Alex Rosenberg, The Atheist’s Guide to Reality. p.195
ستيفن هاوكنج الفيزيائي المُلحد، القائل: «مِن الصَّعب رُؤية كيف يُمكن للإرادة الحُرَّة أن تعمل لو أنّ سُلُوكنا محكوم بقانون فيزيائي؛ لذا يبدو أنَّنا لسنا أكثر مِن آلات بيولوجية وأنَّ الإرادة الحُرّةَ مَحْضُ وَهُم».
Stephen Hawking, The Grand Design (New York: Random House Publishing Group, 2010), p32.
وزاد الفيزيائي ألفرد متر([40]) الأمر وُضُوحًا بقوله: «إنّ إيمان المرء بالانفجار العظيم، وتوسُّع الكون، واتِّصال بعضه ببعض سببيًا؛ لا يسمح للإرادة الحُرَّة أن تجد لها مكانًا؛ لأنّ كُلَّ أعمالنا -عندها- ليست سوى أثر من آثار الحركة الأُولى في الكون؛ وكلُّ ما يقع بعد الانفجار الأوَّل هو تداع قَهْرِيّ للحركة وما يتبعها من فِكْرِ».
Alfredo Metere, Does freewill exist in the universe? Cosmos Magazine, 18 JULY 2018.
https://cosmosmagazine.com/physics/does-free-will-exist-in-the-universe-that-would-be-a-no
ويُحاول الملاحدة المُنكرون للإرادة الحُرَّة الانتصار تجريبِيًّا لمذهبهم بالزَّعم أنَّ البحث العِلْمِيّ قد أثبت أنَّ الدِّماغ يختار القرار قبل بضع ثوانٍ من وَعْي الإنسان بقراره. وهي دعوى قد تمَّ الرَّدُّ عليها عِلْمِيًّا.
Alfred Mele, Free: Why Science Hasn’t Disproved Free Will (New York: Oxford University Press, 2015), pp.26-39.
وانظر أيضًا في بيان أوْجُه الخطأ والمُغالطة في الرَّبط بين التَّجربة المُجراة وانتفاء حُرِّيَّة الإرادة:
Victoria Saigle, Eric Racine; and Veljko Dubljevic, ‘The Impact of a Landmark Neuroscience Study on Free Will: A Qualitative Analysis of Articles Using Libet and Colleagues’ Methods‘, AJOB Neuroscience 9(1):29-41, January 2018.
لماذا يجتهد هؤلاء لدعوتنا إلى الإلحاد إذا كان الإلحاد ليس خيارًا، بدءًا؟ ولماذا نُدان في كتابات داوكنز وإخوانه؛ إذا كُنَّا بلا خيار أن نختار الكُفْر بالإيمان؟!
سام هاريس في كُتَيِّبه الشَّهير الذي ألَّفه تحت عنوان «حُرِّيَّة الإرادة» -وهو أكثر الكُتُب الإلحادية في السَّنوات الأخيرة صراحةً في تناول موضوع عنوانه- قد انتهى بعد تقريره أنَّ الإرادة الحُرَّة وَهْمٌ سَاذَجٌ.
ويظهر تناقض الإلحاد أيضًا عند توظيفه الجبرية لنقض الدِّين؛ فقد كتب البيولوجي المُلحد العنيد جيري كوين([41]) في مقالٍ له على موقعه الخاصّ على الشَّبكة العنكبوتية: «يتِمّ تحديد سُلُوكِيَّاتنا بصُورة حصرِيَّة مِن جيناتنا وبيئاتنا، ولا شيء غير ذلك».
Jerry Coyne, Once Again With Free Will: A Question For Readers
https://whyevolutionistrue.wordpress.com/2016/08/16/once-again-with-free-will-a-question-for-readers
الاسْتِنَارَةُ المُظْلِمَةُ وَسِيَادَةُ الوَهْمِ
إنَّه التَّناقض الواضح الصَّارِخ.. والإقرار الفَصِيح أنَّ المُلحد لا يملك الفِكَاك عن الخُرافة، رُغْم أنَّ شِعارَهُ في مُحاربة المؤمنين بالله، عُنوانه استنقاذهم مِن «الخُرافة»!
يقول عالم النّفس – من جامعة هارفارد – دانيال وجنر([42]) في كتابه «وَهُمُ الإرادة الواعية» (The Illusion of Conscious Will) إنَّ حُرِّيَّة الإرادة مَحْضُ وَهْمٍ. إنّ أفعالنا مُجرَّد استجابة آلِيَّة لأسبابٍ فيزيائية أُولَى.
وفي حوارٍ صحفيٍّ معه، يعترف أنَّ حُرِّيَّة الإرادة وَهْمٌ دائمٌ، لا يكاد يُغادرنا الإحساس به حتى يعود مرَّة أخرى. «وعلى الرَّغم مِن أنَّك تعرف أنَّها خُدعة، إلَّا أَنَّك تنخدع في كُلِّ مَرَّةٍ.»
Overbye, Dennis. “Free Will: Now You Have It, Now You Don’t.” The New York Times January 2, 2007.
رودني بروكس -عضو أكاديمية العُلُوم الأسترالية، وعالم الرُّوبُوتات – يُخبرنا أنَّ الإنسان ليس إلَّا كيسًا كبيرًا مِن الجلد، قد مُلئ بالجُزيئات الحَيَوِيَّة، وأنَّه هو –بروكس– في بيته، عندما ينظر إلى أبنائه، ويضغط على عقله، بإمكانه أن يراهم مُجرَّد آلات.. لكنَّه يُضيف أنَّه عندما يقترب منهم، لا يُعاملهم باعتبارهم آلات، وإنَّما يتدفَّق منه الحُبّ نحوهم عفوِيًّا.. ليعترف في النِّهاية أنَّه يحمل مجموعتين من الأفكار المُتعارضتين؛ الجَبْر والاختيار.
Rodney Brooks, Flesh and Machines: How Robots Will Change Us (New York: Pantheon, 2002), 174.
ويأتي التصريح بوجوب التعايش مع التناقض في عبارة الفيلسوف الملحد سلنجرلاند([43]) بقوله: «نحن روبوتات مُصمَّمة لئلا تُصدِّقَ أَنَّنا روبوتات»
“We Are Robots Designed Not to Believe That We Are Robots.”
Edward Slingerland, What Science Offers the Humanities: Integrating Body and Culture (Cambridge: Cambridge University Press 2008), p281.
فالوهم أنَّنا أحرار جُزء مِن بنيتنا التي لا نملك بَتْر بعضها.
يجيبنا سميلانسكي([44]) بقوله: «إنّه لا سبيل لأن نعيش مع وَعْيٍ كاملٍ على أنَّنا بلا حُرِّيّة إرادة؛ ولذلك فإنَّه علينا التَّمسُّكُ بِتِلْك المُعتقدات المركزِيَّة وغير المُتماسكة أو المُتناقضة في قضيّة الإرادةِ الحُرَّةِ!».
Saul Smilansky, Free Will and Illusion (Oxford: Oxford Press, 2000), p187.
الوَهْمُ قدَرُ المُلحد؛ فلا انفكاك له عنه!
مَا أنْتَ فِي عَالَم الإلحَاد؟
على المُلحد العاقل ألَّا يقول لزوجته: «أنا أُحبك!»؛ إذ هو لا يملك فؤادًا، وإنَّما عليه أن يقول لها بصدق: «زوجتي.. إنّ الدُّوبامين قد أغرق النّواة المُذنّبة في دِماغي!»؛ فما الحبُّ غير عملِيَّة غير إرادية لها علاقة بالدِّماغ والهرمونات والأعصاب.
إنَّ إنكار الإرادة الحُرَّة … دعوى لها ضريبة عمليّةٌ مُشاهَدة.
وقد كشف باحثان من جامعتين أمريكيتين في دراسة لهما نُشرت في مجلة Psychology Science أنَّ الإيمان بالجبرِيَّة يُعزّز ظاهرة الكَذِب والخِيَانَة، مِن خلال تجربة تمَّتْ على مجموعة من المُشاركين تعرَّضوا بكثافة لمفهوم الجبرية. وقد انتهى الباحثان إلى أنّ السِّجال حول حُرِّيَّة الإرادة قضيّة لها تداعيات مُجتمعِيَّة خَطِرَة.
Vohs, Kathleen. Jonathan Schooler. “The Value of Believing in Free Will.” Psychological Science. Volume 19-Number 1. 2008. 49.
وذاك ما أكَّدته تجاربُ أُخرى أجراها مُتخصِّصون، منها تجربة شارك فيها طلبة جامعات، قدمت فيها لهم تقريرات لعُلماء يدافعون فيها عن إنكار واقعية حُرِّيَّة الإرادة، ثُمَّ طُلِبَ مِن هؤلاء الطَّلبة أن يُقدّموا وجبة طعام لمجموعة من النَّاس لا يُحبون الأكل المخلوط بالبهارات؛ فقدَّموا لهم أكلًا بهاراته كثيرة، رغم أنَّه قد قِيل لهم إنَّ الجالسين عليهم أن يأكلوا ما يُقدّم لهم، دون خيار.
Alfred R. Mele, Free: Why Science Hasn’t Disproved Free Will, pp4-5.
وقد لخَّص جري كوين حقيقة الأمر بصيغة إيجابية (!)؛ عندما زعم في مُحاضرة له عنوانها: «أنت لا تملك إرادة حُرَّة»، في مؤتمر بعنوان: «تصوَّرُوا لو أنَّه ليس هُناك دِينٌ» (!) أنّ لإنكار وُجُود الإرادة الحُرَّة فضيلة عظيمة، وهي أن تتخلَّص مِن شُعُور الذَّنْبِ كُلِّيَّةً، وتعيش بلا ضمير يُؤَنِّبُكَ، وأن تنتقل لتسويغ أنانيتك من لَوْم الأُسرة أو الزّوج أو المُجتمع إلى ألَّا تلوم أحدًا؛ فَآثَامُكَ بضعةٌ من بنائك الفيسيولوجي.
Jerry Coyne (2015), “You Don’t Have Free Will“
https://www.youtube.com/watch?v=Ca7i-D4ddaw
نفي الإرادة الحُرَّة مِن لَوَازِم الإلحادِ المَادِّيّ، ومُبْطِلٌ لكُلِّ فضيلةٍ أخلاقِيَّةٍ أو مَعْرِفِيَّةٍ يَدَّعِيْها المُلحد.
نِهَايَةُ مَعْنَى وَغَيْبَةُ غَايَة
{وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ أَعْمَى} [طه: 124]
«وُجُود الإنسان كان نتيجةً لِعَمَلِيَّة طَبِيعِيَّة بِلَا هَدَف؛ لَمْ تَضَعْهُ في الاعْتِبَار فِي البَدْء»
عَالِم الأحافير: جورج غایلورد سنمبسون
G. G. Simpson, The Meaning of Evolution: A study of the history of life and of its significance for man (New Haven, CT: Yale University Press, 1967), pp.344-345.
الحياة في التَّصوير القُرآنِيّ فَصْلٌ مِن قِصَّة طويلةٍ، لَهَا سِبَاقٌ ولِحَاقٌ. أمَّا سِبَاقُها فهو إخبارُ الرَّبّ سُبحانه أنَّه سَيَخْلُقُ بَشَرًا ليكون خليفةً في الأرض، وأمَّا اللِّحَاق؛ فهو أنَّ البَشَر يُجزَوْن في الآخرة عن الخير إحسانًا، وعن الشَّرّ عذابًا وخُسرانا.
والإنسان المُسلم في هذه الحياة يفهم الحياة أنَّها مجال للعَمَل والابتلاء. قال تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} (الكهف: 7). ويقول سُبحانه: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ} (البلد: 4).
والإنسانُ على هذه الأرض، مُختَبر فيما يَمْلِك ومَا يُحِبُّ؛ بأن يُفتنَ فيه، أيَصْبِرُ أم يَجْزَعُ.
وهو يعمل في الأرض لإصلاحها؛ فَسَعْيُه في الخير فيها، نَبْعٌ مِن ينابيع المعنى.
فهل للحياة في الرُّؤية الإلحادية معنى؟
وهل أفلح فلاسفة الإلحاد في صِنَاعة معنى للإنسان العَدَمِيُّ؟
الإلحَادُ حِينَ يَنْحَرُ مَعْنَى الحَيَاة
انتقل الإلحاد بالإنسان مِن عَصْر المرجعِيَّة المُتجاوزة للكون (الوحي) إلى عَصْر المرجعية الكامنة في الكون (المادَّة)، حيث المادَّة أصل كلّ شيء.
إنَّ مُشكلة العصر -مُنذ أن صار الإلحاد مُوجِّهًا للحركة الفِكْرِيَّة في الغَرْب، وهادمًا للرُّؤى الدِّينية التَّقليدية، هي نهاية المعنى؛ فقد ألغي المعنى لصالح العَدَمِيَّةَ التي جعلت الآفاق كُلها في قبضة الضّباب. وهو ما أَوْرَثَ كثيرًا مِن النَّاس في الغرب([45]) أمراضًا نفسِيَّة حادَّةً، تمنعهم الاستمتاع بالحياة؛ حتى قيل إِن عُصاب([46]) العَصْر هو فَقْدُ معنى الحياة.
وقد نبه إلى ذلك عَالِم النَّفس فكتور فرانكل([47]) الذي أَسَّسَ مدرسةً لِعِلْم النَّفس سمَّاها (لوغوثيرابي (logotherapy)، أي المُداواة بالمعنى، وهو أحد الذين سَجَنَهُمْ هتلر في المُعتقلات؛ فقال: «كانت غُرَف الغاز في أوشفيتز([48]) النَّتيجة النِّهائية لنظرِيَّة أنَّ الإنسان ليس سِوَى نتاج الوراثة والبيئة، أو كَمَا كان النَّازِيُّون يُحبُّون أن يقولوا: نتاج: “الدَّم والتُربة”. أنا مُقتنع تمامًا بأنَّ غُرفَ غاز أوشفيتز… تَمَّ إعدادها في نهاية المطاف… في قاعات مُحاضرات العُلماء والفلاسفةِ العَدَمِيّين».
Viktor E. Frankl, The Doctor and the Soul: From Psychotherapy to Logotherapy (New York: Vintage Books, 1986), xxvii.
وفي ظِلَال البحث عن المعنى، يَحِقّ لنا أن نسألَ مَنْ نحنُ، وما هذه الحياة في وُجُود إلحادي صِرف؟
قال ألبير كامو([49]) –الفيلسوف المُلحد الوُجُودِيّ- «إنَّه أكثر الأسئلة العَاجِلَة التي تطلب جوابًا.»
Albert Camus, The Myth of Sisyphus ed. Justin O’Brien (New York: Vintage, 1983), p4.
هو سؤالٌ عظيمٌ، عبَّر كامو عن خُطُورته بقوله: «لا تُوجَد سِوَى مُشكلة فلسفية واحدة خطيرة، وهي الانتحار. الحُكْم على ما إذا كانت الحياة تستحقّ أن تُعاش أم لا، هي الإجابة على السُّؤال الأساسي للفلسفة».
Albert Camus, The Myth of Sisyphus ed. Justin O’Brien (New York: Vintage, 1983), p3.
[حسب التَّصوُّر المادِّي الإلحادي] الأشياء تتحرَّك لمحض الحركة، لا تتجاوزها إلى غايةٍ عُليا، أن يكون هُناك معنى مُتجاوز transcendental، أسمى من هذا الواقع.
عَالِم الأحافير الشَّهير اللَّا أَدْرِي ستيفن جاي غولد يقول: «نحن هُنا لأنَّ مجموعة غريبة مِن الأسماك لديها بِنْيَة مُميَّزة للزَّعْنَفَةِ يُمكن أن تتحوَّل إلى أَرْجُلٍ لمخلوقاتٍ أرضِيَّةٍ؛ ولأنَّ الأرض لم تتجمَّد كُليًا خِلَال العَصْر الجليدي، ولأنَّ الأنواع الصَّغيرة والضَّعيفة التي نشأت في إفريقيا مُنذ ربع مليون عام، قد تمكَّنت حتى الآن من البقاء على قيد الحياة باستعمال الطَُرُقِ المُتاحة. قد نَتُوقُ إلى إجابةٍ أعلى لكن لا تُوجَد أيُّ إجابة مِن ذاك النّوع».
Stephen Gould, “The Meaning of Life,” Life Magazine, December 1988
https://www.maryellenmark.com/text/magazines/life/905W-000-037.html
وبمثل ذلك قال الفيزيائي المُلحد الشَّهير شون كارول([50]) في كتابه ذائع الذِّكر «الصُّورةُ كاملةً»: «نحن البشر، لُطَخُ مِن الطَّيْنِ المُنظَّم الذي طوّر القُدرة على التَّفكير مِن خِلَال الأعمال غير الإرادِيَّة لأنماط الطَّبيعة، والاعتزاز بالنَّفس والتَّعامُل مع التَّعقيدِ المُخيف للعالم من حولنا… المعنى الذي نجده في الحياة ليس مُتجاوزاً لهذا العَالَم».
Sean Carroll, The Big Picture (London: Oneworld Publications, 2016), p3.
الحياةُ في التَّصوُّر الإلحادِيّ بلا معنى ولا غاية.. فالوُجُود بسيط بلا عُمْق، ورخيص بلا قِيمَة. الأشياء صِفْرِيَّة، بلا اعتبار، والقِيمُ وَهُمٌ بلا حقيقة.
قال فرويد: «اللَّحظة التي يتساءل فيها المرء عن معنى الحياة وقيمتها، هي إعلان لمرضه؛ لأنَّه مِن النَّاحية الموضوعية، لا وُجُود لأيّ منهما».
Letter of August 14, 1937 (Cited in: Liran Razinsky, Freud, Psychoanalysis and Death, Cambridge: Cambridge University Press, 2012, p248.
«الحياةُ ليست في الأساس بحثًا عن المُتعة، كما يعتقد فرويد، أو بحثًا عن السُّلطة، كما دعا إلى ذلك ألفريد أدلر، وإنّما هي بحث عن معنى. أكبر مُهِمَّةٍ لأيِّ شخص هي إيجاد معنى في حياته» فكتور فرانكل.
Viktor E. Frankl, Man’s Search for Meaning (Boston: Beacon Press, 2015), pX.
فليس في الإلحادِ مكان لتأسيس دِفَاع عن الليبرالية، والاشتراكية، والشيوعية وكُلِّ النُّظُم البشرية لتنظيم حاجاتِ النّاسِ…
إنَّ الرُّؤية الإلحادية تُعْدِم معنى التَّقدُّم ذاته؛ إذ الحياة لا تعرف غاية عُليا ثابتة تَتَّجِه إليها، وإنَّما هي حركة انتقال لا حركة ارتقاء.
خُذْ مَثَلًا حديث داوكنز عن موقف ناشر كتابه الأوّل بعد استلام نُسخة منه؛ فقد اعترف هذا النَّاشر لـ داوكنز أنَّه لم يَنَم ثلاث ليالٍ مُتواصلة بعد قراءة كتابه؛ فقد رأى فيه رسالةً «باردةً وكئيبةً».
وقال آخرون لـ داوكنز إنّهم يَعْجَبُونَ كيف بإمكانه أن يتحَمَّلَ أَمْرَ الاستيقاظ كُلَّ صباح لمُواجهة يوم جديد.
وكَتَبَ له مُدرِّسُ أَنَّ أَحَدَ تَلَامِيذِهِ جَاءَهُ باكيًا بعد قراءة الكتاب لأنَّه اقْتَنَعَ أنّ الحياة «فارغة، بلا غاية»؛ فطَلَبَ منه المُدرّس أَلَّا يعطي الكتاب إلى زملائه؛ حتى لا ينتشر بينهم «التَّشاؤم العَدَمِيُّ».
لم يُفكِّر داوكنز بعد هذا الخبر الذي ساقه في الظُّلمة التي صَنَعَها، والتي لا يتحمَّلها إنسانٌ يُفكِّر فيها، وفي تبعاتها، وإنّما ساق داوكنز إثر ذلك عبارةً لصاحبه الكيميائي المُلحد بيتر أتكنز([51]) تُؤيِّد مذهبه، لِمَا فيها من عبارات اليأس والكَرْب؛ إذ قال: «نحنُ أبناءُ الفوضى… في أساس الوُجُودِ، لا وُجُود لغير الفَسَاد، وموج الفوضى الذي لا مثيل له. لقد اندثرت الغاية مِن الوُجُود… هذه هي الكآبة التي يجب علينا قبولها ونحن ندخل بعمق وبِشَفَقَةٍ فِي قَلْبِ الكَوْنِ».
Richard Dawkins, Unweaving the Rainbow: Science, Delusion and the Appetite for Wonder (New York: Houghton Mifflin, 2010), p ix.
مِنْ «مَعْنَى الحَيَاة» إلَى «مَعْنَى فِي الحَيَاة»
كيف الفِرار مِن أزمةِ العَدَميّة، وأنَّ الحياة بلا معنى أصيل، وأنَّنا نسير إلى الخَرَاب ضرورةً؛ فلا أمل؟
[الملاحدة يقولون] إنَّنا لا نؤمن بـ معنى للحياة meaning of life، وإنَّما نحن نؤمن بـ معنى في الحياة meaning in life؛ أي إنَّنا نؤمن أنَّ الحياة بلا معنى حقيقي لها … وإنَّما نحن نَصْنَعُ المعنى في هذا الوُجُود حتى لا تكون حياتنا بلا معنى.
الفيلسوف المُلحد كاي نيلسون([52]) يقول: «إِنَّ عَدَمَ وُجُود غَرَض للحياة لا يعني أنَّه لا يُوجَد غرض في الحياة… لا يُوجَد شيء قد صُنع الإنسانُ مِن أجله، ولكن بإمكان الإنسان أن تكون له غايات، وله حقيقةً غايات؛ بمعنى أنَّ لديه أهدافًا ومَرَامَات وأشياء يجدها جديرة بالاهتمام والإعجاب».
Kai Nielsen. Atheism and Philosophy (New York: Prometheus, 2005) pp. 221-222.
لماذا لم يُنتج التَّطَوُّرُ الدَّارويني إنسانًا قادرًا على الحياة بلا معنى، إذا كانت الدَّاروينية قادرةً عندكم على أن تصنع كلّ شيء، بما فيه المعنى الوهمي؟
ما الفرق بين هؤلاء الذين يعيشون الحياة التي يعلمون أنَّها يقينًا بلا معنى على أنَّ فيها معنى، وهو معنى ظرفيّ زائل، ومَن يتعاطَوْنَ الهيروين للاستمتاع للحظات أو لساعات للهُرُوب مِن الواقع؟ لا شيء!
المُلحد -في الحقيقة- لم يصنع معنى في الحياة، وإنّما هو يبحث عن مُخَدِّرٍ يمنعه الإحساس بمرارة الحياة؛ فإنَّ أقسى الأوقات على المُلحد هي لحظاتُ الخَلْوة بالنَّفْس؛ حيث يُواجه قلبه في ظُلْمَةِ غرفةٍ تمنع جدرانها عَيْنَيْهِ أَنْ تَتِيْهَا فِي وَهُم ضَجِيج النَّاس.
الكاتب اللَّا أَدْرِيَّ -المُفارق للنَّصرانية- بارت إيرمان([53]) يقول: «لقد كان الخوف مِن الموتِ يُطاردني لسنوات، ولا تزال تنتابني لحظات الخوفِ إلى اليوم عندما أستيقِظُ في الليل وقد تَبَلَّلْتُ بِعَرَقي البارد».
Bart Ehrman, God’s Problem: How the Bible Fails to Answer our Most Important Question: Why We Suffer (New York: HarperOne, 2008), p127.
كُلَّما ازدادَ عِلْمُ المرء أنّه أمام وَهْم، ضَعُفَت استجابته البدنية والنَّفسية للدَّواء الوَهْمِيّ.
ونهاية المطلب هُنا أن تتعايش مع واقعك حتى لا تموت كَمَدًا ووَحْشةً؛ ولذلك يحتاج المُلحد ليستطعم معنى الحياة شيئًا أكبر من لُغة التَّعايش مع القطيع بصُورة ظرفية؛ بأن يطلب معانٍ كُبرى تستحِقّ أن يتجرَّع لأجلها غُصَص الألم إن اضطرَّ إلى ذلك.
إنّك لن تكون مُخلصًا للمعنى القِيَمِيّ الذي تختاره إذا لم تقتنع أنَّ غيرك مُلزَم أن يُشاركك الإيمان بصدقها..
إنَّ المعنى الوحيد الذي مِن المُمكن أن يعيش له المُلحد بصورةٍ ذَاتِيَّة وصِدْق، هو الاستجابة الحيوانية لِنَهْمَةِ القُوَّةِ، وجَوْعَةِ البطن، وشَهْوَةِ الفَرْجِ.
… وذاك مصير المُنتحرين مِن الأثرياء؛ فإنّ اليأس من الحياة لا يكمن فقط في العجز عن بُلُوغ اللَّذَّة، وإنّما يعود أيضًا إلى الإسراف في تعاطي اللَّذَّة حتى تفقد قُدرتها على إرواء العَطَش.
يجنح كثيرٌ من الملاحدة إلى التَّعلُّق (بكذبة بيضاء!)؛ وهي أن يعيش الإنسان وكأنَّ للحياة معنى. وذاك الجُبن مُلازم للمُلحد.
وينصح الفيلسوف المُلحد توماس ناجل الإنسان المُمتَحَن بالحياةِ الفارغةِ مِن المعنى، بأن عليه أن «يُبْقِي نَظَرَهُ قائمًا على مَا يُواجِه بَصَرَهُ بصُورَةٍ مُباشرةٍ»، أي أن يمنع نفسه مِن النَّظر إلى الحياة بكُلِّيَّتها، وأن يتعامل معها بصُورةٍ ضَيِّقةٍ تقتصر على مطالبه الحياتِيَّة العاجلة فحسب.
“The trick is to keep your eyes on what’s in front of you.”
إنَّه إخلادٌ إلى الأرضِ ورِضَى بالدُّونِ. إنَّه عالَم بلا فِكْرِ، وبِلَا أمَلَ.
وقد أحسن المُخرج والمُمثِّل الأمريكي الشَّهير وودي آلن التَّعبير عن الصِّراع الذي يعيشه المُلحد، ومأزق نفسه بين يأس واقع وكذبةٍ خادعةٍ يُجَمِّلُها كلَّ يوم. في أحد اللِّقاءات الصَّحفية: «هذه هي وِجْهَة نظري في الحياة، وقد كانت كذلك طوال حياتي. لديَّ نظرة قاتمة جدًا ومُتشائمة عنها. كنتُ كذلك مُنذ أن كنتُ طفلاً صغيرًا. لمْ تَسُوء تِلْك النَّظرة مع تقدُّم العُمُرِ. أَشْعُرُ أنَّها تجربةٌ قاتمة ومؤلمة وكابوسية لا معنى لها، وأنَّ الطَّريقة الوحيدة التي يُمكنك أن تكون سعيدًا بها، هي أن تُخبر نفسك ببعض الأكاذيب وتخدع نفسك. لكنَّني لستُ أوَّلَ شخصٍ يقول هذا أو حتى الشَّخص الأكثر وُضُوحًا. قيل ذلك من قِبَل نيتشه.. قِيلَ من قِبَل فرويد.. قيل من قبل يوجين أونيل. يجب على المرء أن تكون له أوهام حتى يعيش. إذا نظرت إلى الحياة بأمانة وبوُضُوح شديد، تُصبح الحياة لا تُطاق لأنَّها قاتمة للغاية».
Woody Allen’s Perspective on: Life
https://www.youtube.com/watch?v=lsnxoRfXLqs
هؤلاء أَشْرَسَ مَنْ دافَعَ عن “لا معنى الحياة” بين النَّاس في مؤلّفاتهم التي لا تزال رائجةً إلى اليوم..
شوبنهاور، الفيلسوف الألماني الذي اشتهر باسم «الفيلسوف المُتشائم».
وهي نظرة واقعية من مُلحِدٍ عَدَمِيٌّ، لا يَشِينُها سوى أنَّ صاحبها أَنْكَرَ أن يكون الانتحار هو الحَلّ؛ لأنّه بزعمه لا يقود إلى نهاية المأساة؛ رغم أنَّ الإلحاد هو التَّعبير الأعظم على الوعي أنَّ الحياة جحيم لا تَعْقُبه جَنَّةٌ.
تأثَّر نيتشه بمُلهمه شوبنهاور، واستمدَّ جوهر فلسفته منه؛ وهو أنَّ الوُجُود في ذاته بلا معنى ولا قيمة ولا غاية ويعبِّر نيتشه عن نهاية المعنى، ولوازم ذلك، بكلمته الشَّهيرة: «لقد قَتَلْنَا الإله!».
ولمَّا أراد نيتشه أن يُعرّف العَدَمِيّة، قال: «إنّها تعني أنَّ أعلى القِيَمِ تَسْلِبُ نفسَها قيمتها. الهدفُ مفقود. سؤال: لماذا؟، لا يَجدُ إِجابةً». وقال أيضًا: «كلُّ اعتقادٍ، وكلُّ تفكيرٍ في شيءٍ أنَّه صحيحٌ، هو بالضَّرورة خطأ؛ لأنَّه لا يُوجَد عَالَمٌ حقيقيٌّ».
Friedrich Nietzsche, The Will to Power (Digireads, 2019), p.12, 14.
ولكن نيتشه نَكَصَ على عَقِبَيْهِ، وحاول أن يصنع في حياةٍ بلا معنى، معنى.
كتب نيتشه أنّ الإنسان المهزوم بالموت يعيشُ حياةً مُتجدِّدة، سمّاها: «العَوْد الأَبَدِي».. وهي خُرافةٌ شرقيّةٌ تزعم أنَّ الإنسان بعد مَوْتِهِ يعود إلى الوُجُود من جديد ليعيش حياةً جديدةً، في دوراتٍ للموت والحياة مُتعاقبة لا تنتهي.. إنَّها الخُرافة تُلازِم الرُّؤية الإلحادية طَلَبًا لمعنى معدوم.
سارتر فيلسوف الوُجُودِيَّة المُلحدة الأوّل في القرن العشرين؛ حتى وُصِفَ القرن العشرين بأنَّه «قرن سارتر»؛ لأنَّه عصر الصِّراع من أجل المعنى.
B.H. Lévy, Le siècle de Sartre (Paris, Grasset, 2000).
سارتر هو صاحب المبدأ الوُجُودِيُّ الكبير: «الوُجُودُ يَسْبِقُ المَاهِيَّةَ»؛ فلا حقيقة لشيءٍ ذاته؛ وإنَّما حركتنا في الأرض هي التي تَهَبُ الموجودات ماهِيَّةً.
سارتر هو القائل: «إنَّ الحقيقة الإنسانية… إذن بطبيعتها حالةُ وَعْيٍ غير سعيدة، دون أيّ إمكانٍ لتجاوز حال البؤس». كلُّ جهد الإنسانِ إلى بَوَارٍ!
Jean-Paul Sartre, L’Etre et le Néant Essai d’ontologie Phénoménologique (Paris: Gallimard, 1943), p.134.
سارتر في آخر حياته يقول: «لقد احْتَفَظْتُ في مجال الأخلاق بشيءٍ مُتعلِّق بوُجُود الله، وهو الخير والشرُّ كمُطْلَقَيْنِ. النَّتيجة الطَّبيعية للإلحاد هي إلغاء الخير والشَّرّ، وذاك نوع من النِّسبِيَّة».
Simone de Beauvoir, La Cérémonie des Adieux (Paris: Gallimard, 1981), p551.
فهو القائل في حواراته مع سيمون دو بوفوار([54]): «أشعرُ أنِّي لستُ مِثْل هباءَةٍ ظَهَرَت في العَالَم، وإنّما أَشْعُرُ أَنِّي كَائِنٌ مُنْتَظَرٌ، مُسْتَفَزٌّ، مُجَهَّزٌ مُسْبَقًا، ككائنٍ يبدو أنَّه لا يُمكن أن يَصْدُرَ إِلَّا مِنْ خَالَقٍ».
Simone de Beauvoir, La Cérémonie des Adieux, p.551.
وقد أحسن أدريان فان دن هوفن في تلخيص التَّاريخ الفكري لـ سارتر بقوله: «لقد توقَّف سارتر عن الإيمان بالله في سِنّ صغير، لكنَّ صراعه لتطوير لاهوت على أساس إلحادي… لم يُحرِّره مِن إطار النَّظَرِ المسيحيّ. بَقِيَتْ حياة المسيح والمواضيع المسيحية دليلًا لسارتر لتجربته الخاصَّة ومُلهمةً لكتاباته، خاصَّةً مسرحياته».
John H. Gillespie, ‘Sartre and God: A Spiritual Odyssey?‘ Part 2, Sartre Studies International, Vol. 20, No. 1 (2014), p54.
أدرك كامو – النَّجْمُ الثَّاني للوُجُودِيَّة المُلحدة في فرنسا- أنّ العَدَمِيَّة هي المُعضلة الكُبرى في حياة الإنسان … ما هو الوَهْمُ الذي صنعه كامو ليُواجِه به حياة بلا معنى؟ إنّه وَهُمُ «سَعَادَة المُكَابَدَة».
وذاك – بلا شكّ – هو أعظم الوَهْم؛ إذ كيف تَلْتَذُ بجهدٍ لا نجاح فيه، ومشقّةٍ لا راحةً بعدها، واجتهاد لا جائزة له…؟!
تُجيبنا الكاتبة المُلحدة سيمون دو بوفوار عن رؤيتها لموتها بقولها: «إنَّني اليوم أَشَدُّ ما أكون كُرْهًا لفكرة إبادة نفسي. إنّي أُفَكِّرُ بِحُزنٍ في كلّ الكُتُب التي قرأتها، الأماكن التي رأيتها، وكلّ المعلومات التي جمعتها ولن تكون موجودةً بعد الآن. كلّ الموسيقى، كلّ اللّوحات، كلّ الثقافة، أماكن كثيرة.. وفجأةً لا شيء… لن يحدث بعد ذلك شيء. لا يزال بإمكاني رُؤية سِيَاج أشجار البندق وهو يضطرب مِن الرِّياح التي تهبّ عليه، والوُعُود التي أطعَمْتُها قلبي النَّابض بينما كنت أَقِفُ مُحدِّقةً في مَنْجَم الذَّهَب عند قَدَمي: حياةٌ بأكملها لأعيشها. لقد تمَّ الوفاء بالوُعُود. ومع ذلك، عندما نظرْتُ نظرةً فاحصةً إلى تلك الفتاةِ الشّابة والسَّاذجة، أَدْرَكْتُ معَ ذُهُولٍ كَمْ كُنْتُ مَخْدُوعةً».
Simone de Beauvoir, The Force of Circumstance (cited in: Joseph Ratzinger, Faith and Culture, Chicago: Franciscan Herald Press), 1971, p45.
لحظة التَّفكُّر في الحياة التي يعيشها المرء بقلبٍ مُلْحِدٍ، لحظة قاسية، تكشِفُ بِصَفَاقةٍ أنّ كلَّ أملٍ خديعةٌ.. إنَّك لن تُفكِّر في مُتعةٍ أَمْضَيْتَها، وذَكَرْتَ معها الموت [هَادِمُ اللَّذَّاتِ]، إلَّا وصارتْ تِلْك الذِّكرى مرارةً في النَّفْسِ.. ذاك ألمُ الأمَلِ لِمَن لَا أمَلَ له.
الفيلسوف مُتعدّد المواهب، الذي زعزع الكنيسة بِكُتَيِّبه: «لماذا أنا لَسْتُ مسيحيّا؟»، والذي مَثَّلَ فريق الملاحدة في المُناظرة الشَّهيرة مع الفيلسوف كوبلستون،([55]) يُخبرنا أنّ «الإنسان نِتاجُ أسباب ليست لها بصيرة بالنِّهاية التي تسعى إليها؛ فأَصْلُه، ونماؤُه، وآماله، ومخاوفه، وحبّه، ومُعتقداته، كلّ ذلك ليس إلَّا نِتاجًا للتَّواطؤ العَرَضِي للذَّرَّاتِ… وقد قُدّر له الفَنَاءُ بِفَنَاءِ النِّظامِ الشَّمسي، ولا بُدَّ ضرورةً أن يُدْفَنَ المَعْبَد الكامل لإنجازات الإنسان تحت حُطَام الكَوْنِ الخَرِب».
Bertrand Russell, Mysticism and Logic (Cited in: Mary Poplin, Is Reality Secular? p45.
فَمَا طريق الخلاص عند راسل، وهو المصرَّحُ أنّه «إِنْ لَمْ تَفْتَرِض وُجُودَ إِلهٍ؛ فَلَا معنى للسُّؤال عَن معنى الحياة؟»
Joshua W. Seachris, ed. Exploring the Meaning of Life: An Anthology and Guide (Johanneshov: MTM, 2015), p83.
طريق راسل للخلاص كامنٌ في الدَّعوة إلى الدِّفاع عن المُثُلِ العُليا في مُواجهة هذا العَالَم القاسي، وأن يعيش الإنسان لأجل مُحبوباته.
طَرِيقُ النَّجَاةِ عِنْدَ مُفَكِّرِي الإلحَاد
أخيرًا.. هل عند مُفكِّري الإلحاد طريقٌ للنّجاة بمعنى يُطْفِئُ لَوْعَةَ الفؤادِ في عالَم الإلحاد القارس؟
يُجيبك جون مسرلي([56]) في خَاتِمَة كتابه «معنى الحياة» الذي تتبَّع فيه قول عشرات المُفكِّرين في جوابهم عن سؤال المعنى، بقوله: «على الرَّغم مِن بَذْلِنا قُصارى الجهد، لم نَعْثر على كلّ ما كُنَّا نبحث عنه. لا يُمكننا مَحْوُ كُلِّ شُكُوكِنا، لا يُمكننا تهدئة كلّ مخاوفنا. في النِّهاية، ليست لدينا أي ضمانات، والهاوية تُرافِقُنا دائمًا، وإن كُنَّا نتمنَّى غير ذلك. نحن نسير على طريقٍ دقيقٍ كَحَدِّ الشَّفَرِةِ بين الضَّوْءِ الأَبَدِيِّ والظَّلام اللَّانهائيّ. نحن نعيش بلا هَدَفٍ، وَيَجِبُ علينا أن نُنْقِذَ أَنْفُسَنا؟».
John G. Messerly, The Meaning of Life: Religious, Philosophical, Transhumanist, and Scientific Perspectives (Darwin & Hume Publishers, 2013), p335.
إنَّ هؤلاء الفلاسفة قد انقسموا إلى فريقين؛ فريقٌ صَدَقَ فِي وَصْفِ المأساة، وأَقَرَّ أنَّه لا خَلَاص … الفريق الثَّاني اختار أَن يُقِرَّ بالمأساة، لكنَّه اجتهد لتجاوزها بالحياة لأجلِ قِيَم الحُرِّيَّةِ والعَدْلِ أو الشَّجاعة والمَجْد؛ فوقع هؤلاء في التَّناقُض.
المعنى الوحيد الذي من المُمكن أن يعيش له المُلحد هو «البَهِيمِيَّةُ» بِطَلَبِ اللَّذَّةِ المَادِّيَّة أو مُتعة الأنس بالقَطِيع؛ لأنَّ كلَّ معنى آخر موضوعي، لا حقيقةً له في عَالَم المادّةِ الصَّمَّاء.
الإلحَادُ.. وَوَهْمُ الأخْلَاق
«مَا مِنْ شَيءٍ أَثْقَلُ في مِيزَانِ العَبْدِ المُؤمِن يَوْمَ القِيَامَة مِنْ حُسْنِ الخُلُقِ» محمّد ﷺ.
«لا تُوجَد آلهة في الكون… ولا حُقُوق إنسانٍ ولا قوانينُ ولا عَدْلٌ خارج الخَيَالِ الجَمْعِيِّ لِلْبَشَرِ» الفيلسوف والمؤرخ المُلحد: يوفال نوح هراري([57])
Yuval Noah Harari, Sapiens: A Brief History of Humankind (London, Vintage Books, 2014), p31.
يؤمن المُسلم أنَّه لا استقامة للحياة … دون أخلاق تضبط السُّلوك.
لا أَمْنَ دون منظومة حياة تحتكم إلى نُظُمٍ أخلاقيّةٍ مُتَفَقٍ عليها تتجاوز النَّزَواتِ والشَّطَحات.
وفي القُرآن والسُّنَّة خبرٌ واسعٌ عن الأخلاق وأهمِّيَّتها في فعل المُسلم في دُنياه، وأَجْرِها في عُقباه.
الخُلُق الحَسَنُ ظاهر في الجوارحِ، ومعيارُه كامنٌ في القَلْب؛ وكثيرٌ منه يُدْرَكُ بحِسّ البَدَاهَة الأُولى التي خُلِقَتْ عليها النَّفْسُ، قال رسول الله ﷺ: «البِرُّ حُسْنُ الخُلُقِ، وَالإثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ، وَكَرِهْتَ أنْ يَطَّلِع عَلَيهِ النَّاسُ». رواه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب معرفة البر والإثم، (ح/ 2553).
ويرفع اللهُ بالخُلُقِ الحَسَنِ أقوامًا إلى حيث مُنتهى الجزاء، قال ﷺ: «إِنَّ أَحَبّكُمْ إِليّ، وأَقْرَبَكُمْ مِنِّي في الآخرةِ مَجْلِسًا، أَحَاسِنُكُمْ أَخْلَاقًا، وإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إليّ وأَبْعَدَكُمْ مِنِّي في الآخرة أَسْوَؤُكم أَخْلاقًا، الثَّرْثَارُونَ المُتفَيْهِقُونَ المُتشدِقُونَ». رواه الترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في معالي الأخلاق (ح/ 2018).
والخُلُق الحَسَنُ خيرُ زادٍ يوم الحساب، قال ﷺ: «مَا مِنْ شَيْءٍ أثْقَلُ فِي المِيزَانِ مِن حُسْنِ الخُلُقِ» رواه أبو داود، كتاب الأدب، باب في حسن الخلق، (ح/ 4799).
والخُلُقُ الحَسَنُ ليس خِصّيصةً إسلاميّةً لا يُدركُها غير المُسلمين؛ فقد يكون النَّصراني والهندوسي والمُلحد على خُلُقٍ حَسَنٍ. وليس ذلك بمُحْرِج المُسلم؛ بل هو يُؤَيَّدُ فَهْمَهُ لحقيقة الأخلاق والإنسان؛ إذ المُسلم يعتقد أنَّ الله سُبحانه قد خَلَقَ الإنسانَ على طبيعةٍ تُدرك الحَسَنَ والقَبِيح، والطَّيِّب والخَبِيث.
قال ابن القيم: «غَايَةُ العَقْل أنْ يُدْرِك بالإجْمَالِ حُسْن مَا أَتَى الشَّرْع بتفضيله أو قبحه؛ فيُدركه العَقْل جُملةً، وَيَأْتِي الشَّرْع بتفصيله. وَهَذَا كَمَا أَنَّ العَقْل يُدرك حُسْن العَدْل، وَأَمَّا كُون هَذَا الْفِعْل المُعيَّن عدْلًا أو ظُلمًا؛ فَهَذَا مِمَّا يعجز العقل عَن إِدْرَاكه فِي كُلِّ فعلٍ وعقد. وَكَذَلِكَ يعجز عَن إِدْرَاك حُسْن كلّ فعل وقبحه، فتأتي الشَّرَائِع بتفصيل ذَلِك وتبيينه. وَمَا أَدْرَكَهُ الْعَقِلُ الصَّرِيحِ مَن ذَلِكَ، أتت الشَّرائع بتقريره. وَمَا كَانَ حسنًا فِي وَقتٍ، قبيحًا فِي وَقتٍ، ولم يهتد العقل لوقتِ حُسْنه مِن وقتِ قُبحه، أَتَتِ الشَّرَائِعِ بِالْأَمْرِ بِهِ في وقتِ حُسنه، وبالنَّهي عَنهُ فِي وَقتِ قُبحه. وَكَذَلِكَ الْفِعْل، يكون مُشْتَمِلاً على مصلحة ومفسدة، وَلَا تعلم الْعُقُول مفسدته أرجح أم مصلحته؛ فَيَتَوَقَّف العَقْل فِي ذَلِك؛ فتأتي الشَّرَائِع بِبَيَان ذَلِك، وتأمر براجح المصلحة، وتنهى عَن رَاجِحَ الْمَفْسَدَةِ. وَكَذَلِكَ الْفِعْل، يكون مصلحة لشخصٍ، مفسدة لغيره، والعقل لا يُدرك ذلك؛ فتأتي الشَّرَائِع ببيانه؛ فتأمر بِهِ مَن هُوَ مَصْلَحَة لَهُ، وتنهى عَنْهُ مِن حَيْثُ هُوَ مِفْسَدَة فِي حَقه. وَكَذَلِكَ الْفِعْل، يكون مفسدة في الظَّاهِرِ، وَفِي ضمنه مصلحة عَظِيمَةَ لَا يَهْتَدِي إِلَيْهَا الْعَقل؛ فَلَا يُعلَم إِلَّا بِالشَّرْعِ؛ كالجهاد وَالْقَتْل في الله. ويكون فِي الظَّاهِر مصلحة، وَفِي ضمنه مفسدَة عَظِيمَة لَا يَهْتَدِي إِلَيْهَا الْعَقل؛ فتجِيء الشَّرَائِعِ بِبَيَان مَا فِي ضمنه من المصلحة والمفسدة الرَّاجحة». (مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة، 2/ 117).
ولكنْ هَلْ مِن المُمكن أن يكون الإلحاد أخلاقيًا، وأن يكون المُلحد المُلتزم بإلحاده أخلاقيًّا؟
[السُّؤال] لا يَبْحَثُ في إمكان أن يكون المُلحد على خُلُقٍ طَيْب؛ فقد علمتَ أنَّ ذلك مُمكنٌ، بل هو واقعٌ.. وإنَّما السُّؤال عن المُلحد المُلتزم بحقيقة الإلحاد.
لماذا يَجِبُّ على المُلحد أن يلتزم الوفاء لمبادئ أخلاقية مُعيَّنة، باستمرارٍ، حتى عندما لا يكون ذلك في مصلحته الذَّاتِيَّة أو الآنِيَّة؟
«الإلحاد الجديد» الصَّخَّابُ اليومَ في أسواقِ الإعلام والمكتبات، تيَّارٌ أخلاقِيٌّ، يَتَدَثَّرُ بالشّعارات الإنسانوية للطَّعن في الدِّين واتِّهامه أنَّه يُسَمِّمُ كلَّ شيءٍ.
يقول الفيلسوف المُلحِدُ مايكل روس: «صراحةً، تقول الأخلاقيَّات الدَّاروينِيَّة إنَّ الأخلاق الجوهرية نَوْعٌ مِن الوَهْم، قد وُضِعَتْ فينا مِن قِبْل جيناتنا؛ حتى نكون أفرادًا اجتماعيِّين مُتعاونين. وأَوَدُّ أن أُضِيْفَ أنّ السَّبب وراء أنّ هذا الوَهْمَ تكيُّفٌ ناجِحٌ، هو أنَّنا لا نؤمن بالأخلاق الجوهرية فحسب، بل نؤمن أيضًا بأنَّ الأخلاق الجوهرية لها أساس موضوعيّ. جُزءٌ مُهِمٌّ مِن تجربة الظَّاهرة الأخلاقية الجوهرية أنَّنا نشعر -لا فقط- أنَّنا يجب أن نفعل الشَّيء الصَّحيح والسَّليم، وإنّما أنَّنا أيضًا نشعر أنَّه يجب علينا أن نفعل الشَّيء الصَّحيح والسَّليم لأنَّه بِحَقٍّ الشَّيءُ الصَّحيحُ والسَّلِيمُ».
Michael Ruse, ‘Evolution and Ethics‘ in Bruce Gordon, The Nature of Nature: Examining the Role of Naturalism in Science Intercollegiate Studies Institute. Kindle Edition.
وقد أعرب سارتر عن حُزنه لأجل مُلازمة الإلحادِ للعَدَمِيّة القِيَمِيَّة؛ فقال بصدقٍ: «إنّه لَمِن المُحرج بجدّ أنَّ الله غير موجود؛ إذ إنَّ كُلَّ إمكانِيَّة للعُثُور على قِيَمٍ في سَمَاء الفِكْر تختفي مع اختفائه».
Jean-Paul Sartre, Existentialism is a Humanism (New Haven, Conn.: Yale University Press, 2007), p28.
والاعتراف الصَّريح بموضوعية الأخلاق، يفتح الباب على مصراعيه للإيمان بالله؛ إذ إنَّ القِيَم الأخلاقية -كما يقول الفيلسوف المُلحد ج. ل. ماكي– «تُشكِّل مجموعةً غريبة مِن الخَصَائص والعِلَاقَات؛ لا يُمكن أن تُوجَد إلَّا في كونٍ لَهُ إلهٌ.»
J.L. Mackie, The Miracle of Theism (Oxford: Oxford University Press, 1982), pp. 115-116.
ويُعبِّر الفيلسوف المُلحد ألكسندر روزنبرج عن ذلك بقوله: «العَدَمِيَّةُ تَرْفُضُ التَّمييز بين الأفعال المسموح بها أخلاقِيًّا، والممنوعة أخلاقِيًّا، والمطلوبة أخلاقيًّا. لا تُخبرنا العَدَميّةُ بأنَّنا لا نستطيع أن نعرف الأحكام الأخلاقية الصَّحيحة، وإنّما تُخبرنا أنَّها كلّها خاطئة. وبشكلٍ أكثر دِقَّة، تزعم العَدَمِيَّة أنَّ جميع الأفعال الأخلاقيّة تَسْتَنِدُ إلى افتراضات خاطئة لا أساس لَهَا مِن الصِّحَّة. تقول العَدَمِيّةُ إنَّ فكرة المسموح به أخلاقيًّا هُراء، على هذا النَّحو، لا يجوز اتِّهام العَدَميّةِ أنَّها تقولُ إنّ كُلَّ شيءٍ جائزٌ أخلاقيًّا. هذا أيضًا هُراء لا يُمكن الدِّفاع عنه».
Alexander Rosenberg, The Atheist’s Guide to Reality: Enjoying Life Without Illusions, pp 97-98.
إنَّ الإلحاد لا يقتضي إباحةَ فِعْلِ كُلِّ ما نُريده باعتباره مشروعًا في وُجُود بلا إله.. إنَّ الإلحاد شرٌّ مِن ذلك؛ إنَّه يقول لك إنَّه لا قِيمَة لشيءٍ مِن فِعْلِكَ؛ فإِن شِئْتَ فَافَعَلْ أو ذَر؛ فَفِعْلُكَ لا يُساوي شيئًا ولا معنى له.
الإنكار الذي أَعْلَنَهُ الفيلسوف المُلحد ألكسندر روزنبرج ردًّا على كتاب سام هاريس «المشهد الأخلاقي»؛ إذ قال إنّ هاريس «يعتقد خطأً أنَّ العِلْم يُمكن أن يُظهر أنَّ الاتِّفاق الأخلاقيّ صادِقٌ أو مُصيبٌ أو صحيحٌ. ليس للعِلْم سبيلٌ أنْ يَسُدَّ الفجوة بين ما هو كائن وما هو واجب».
Alexander Rosenberg, The Atheist’s Guide to Reality: Enjoying Life without Illusions, p330.
إنَّ العِلْم لا يُجاوز وصف الواقع، بوصف مادَّتِهِ، وأعراضه، وتغيُّره، واتِّجاهه، وما قد يُتوقَّعُ مِن مآله بعد زمنٍ ما، لكنَّه بعيدٌ كُلِّيَّةً عن أن يَحْكُمَ على الشَّيء أو الفِعْل إنْ كان محمودًا أو مذموماً، أو واجبًا أو محظورًا.
وقد أَدْرك داروين لُزُوم مُواجهة السُّؤال الأخلاقي، بعد حَيْوَنَتِهِ الإِنسانَ، وَرَدُّه إلى عَالَم الطَّبيعة الأرضي؛ فكتبَ: «المرءُ الذي لا يملك أيَّ إيمانٍ مُؤكَّدٍ، ودائمٍ، بوُجُودِ إلهٍ، أو وُجُود مُستقبل فيه قَصَاص وعَطَاء، لا يُمكن أن تكون له قاعدة في الحياة -في رأيي- سِوَى مُتابعة تِلْك الدَّوافع والغرائز التي هي الأقوى، أو التي تبدو له الأفضل».
Charles Darwin, Autobiographies (London: Penguin, 2002), p54.
ويخطئ كثير مِن الرَّاصدين لحركة الأفكار في الغَرْب؛ إذ يظُنُّون الدَّعوة إلى قبول الاختلافات في المُجتمع الغربي – كقبول الشَّوَاذّ جنسيًّا مثلاً- علامة الانتقال من الإقصائية إلى التَّسامُح. والحق أنّ هذا الأمر في أهمّ وُجُوهه يعود إلى أُفُول حقيقة الإنسان، ونهاية موضوعية الأخلاق، وتجاوز المُطلقات المُتعالِية؛ فلا يُوجَد «إنْسَانٌ» سَويٌّ يُقَاس عليه، ولا مُطلقات يُحتَكَم إليها.. إنّها محرقة القِيمَة والمرجِعِيَّة.
الإنْسَانُ.. ذِئْبٌ لِأَخِيهِ الإنْسَان
أدرك كثيرٌ مِن المُعاصرين لـ داروين عند إصداره كتابه «في أصل الأنواع» خُطُورة لوازم نظريّته على الإنسان، رغم أنَّ داروين لم يتحدَّث في أمر تطوُّر الإنسان إلَّا لاحقًا في كتاب «في أصل الإنسان»، ومن هؤلاء آدم سدجويك (Adam Sedgwick) – المُشرف السَّابق على داروين في العُلُوم الطَّبيعية في جامعة كمبردج -؛ فقد كتب إلى داروين رسالة سنة 1859، بعد فترة قصيرة من نشر كتاب في «أصل الأنواع»، قال فيها: «فَقَرَات في كتابك… صَدَمَت كثيرًا ذوقي الأخلاقي… هُناك جُزْءٌ أخلاقِيٌّ أو ميتافيزيقيٌّ في الطَّبيعة بالإضافة إلى الجُزء الفيزيائيّ. مَن يُنكر ذلك واقع في قاع مُستنقع الحَماقة…. في رأيي، إنَّ البشرية ستُعاني مِن ضَرَرٍ قد يُثْخِنُ فيها، وسيهوي الجِنْس البشريّ إلى درجةٍ دُنيا مُتدهورة أدنى مِن أيّ دَرَكِ بَلَغَهُ الإنسان في تاريخه المكتوب».
Adam Sedgwick to Charles Darwin, November 24, 1859
https://www.darwinproject.ac.uk/letter/DCP-LETT-2548.xml
ولقد تَمَثَّلَ هتلر لاحقًا رُوح الدَّاروينِيَّة في قوله في كتابه «كفاحي»، عند حديثه عن رؤيته الكونية التي «لا تؤمن بأيِّ حالٍ مِن الأحوال بالمُساواة بين الأعراق… ومِن خِلَال هذه المعرفة تشعر أنَّها مضطرَّة –وفقًا للإرادة الأبدية التي تَحْكُمُ هذا الكونَ لتعزيز انتصار الأفضل والأقوى، وللمُطالبة بخُضُوع الأسوأ والأَضْعَفِ. وبالتَّالي هي تَعْتَنِقُ بصُورة مبدئية القانون الأرستقراطي للطَّبيعة، وتؤمن بصِحَّة انطباق هذا القانون على الجميع. وهي لا تعترف فقط بالقيمة المُختلفة للأعراق، وإنَّما تؤمن أيضًا باختلاف قيمة الأفراد».
Adolf Hitler, Mein Kampf 2 vols. in 1 (Munich, 1943), 420-1.
ولمَّا واجه أحدُ أصحاب داوكنز من التَّطوُّرِيِّين (Jaron Lanier) داوكنز بحقيقة مآلات الدَّاروينِيَّة قائلا: «هُناك مجموعة كبيرة مِن النَّاس غير مرتاحة لقبول التَّطوّر؛ لأنَّه يُؤدِّي إلى ما يعتبرونه فراغاً أخلاقيًّا، حيث تَفْقِدُ أَفْضَلُ رُؤَاهُم الأخلاقية كُلَّ أَساس في عَالَم الطَّبيعة». أجابه داوكنز بقوله: «كُلُّ ما أستطيع أن أقولَهُ هو أنَّ الأَمْرَ شَدِيدٌ. وعلينا مُواجَهَةُ ذلك».
‘Evolution: The dissent of Darwin‘, Psychology Today 30(1):62, Jan-Feb 1997.
وقد كان جون لوك أحد أشهر المُدافعين عن حُقُوق الإنسان في التَّاريخ الأوروبي … كتب في رسالته الشَّهيرة «رسالة حول التَّسَامُح»: «الوُعُود والعُهُود والأَيْمانُ، التي هي روابط المُجتمع البَشَري، لا يُمكن أن تكون مُلزِمَةٌ للمُلحِدِ. التَّخَلُّص مِن الإيمان بالله، حتّى لو كان في عَالَم الفِكْرِ وَحْدَهُ، يُذيبُ كُلَّ شيءٍ».
John Locke, Locke: Political Writings, ed. David Wootton (Cambridge: Hackett Publishing, 2003) p426.
ولذلك صرّح داوكنز أنَّه من العسير – إلحاديا – أن تجد أساسًا لإدانة هتلر. ولمّا قال له صحفي: «ضِمْن نظرتك الإلحادية، لا أساس لإدانة الاغتصاب أنّه خطيئة، فإنّ إنكار هذا الفِعْل موقف اعتباطي»، لم يجد داوكنز بُدًّا مِن مُوافقته.
“What’s prevent us from saying Hitler wasn’t right? I mean that is a genuinely difficult question“, Larry Taunton, Richard Dawkins: The Atheist Evangelist, ByFaith, 18 December 1st, 2007.
https://byfaithonline.com/richard-dawkins-the-atheist-evangelist
“Your belief that rape is wrong is an arbitrary conclusion“. “You could say that, yeah.”
http://www.bethinking.org/atheism/the-john-lennox-richard-dawkins-debate
{فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} (الحج: 46)
«عِنْدَمَا يَمُوتُ الإلهُ؛ يَمُوتُ الجَمَالُ» اللَّاهُوتِيّ: إدوارد فارلي.
Edward Farley, Faith and Beauty (Sydney: Ashgate, 2001), p64.
الخَبَرُ في القُرآنِ عن الجَمَالِ وموقعه من حياة هذا الإنسان المُبتلى بالاختبار، واضحٌ ومُتكرِّرٌ. فالجَمَالُ مُحِيطٌ به حيث أَرْسَلَ بَصَرَهُ.
والجمالُ يبدو أيضًا في الفِعْل والتَّرك، باختيار خَيْر مَسْلك في مُعاملة النَّفس والنَّاس. قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: 10]، وقال تعالى: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: 49]، وقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ [المعارج: 5]
إنَّ «موضوعيّة الجَمَالِThe objectivity of beauty » تعني أنَّ الشيء الذي نراه جميلاً، هو في كثيرٍ مِن الأحيان جميلٌ في ذاته، بعيدًا عن رأينا أو رأي مُخالفينا. هو جمالٌ مِن المُمكن تفسيره، والدِّفاع عنه، ويجوز أخلاقِيًّا الإنكار على مُنكره، وعند الاختلافِ فيه، يكون هُناك طَرَفٌ مُصيبٌ وآخرُ مُخْطِئُ…
فهل في الإلحادِ إقرارٌ بوُجُود الجمال الموضوعيّ في الكون، وَفِيْنَا، أم الجَمَالُ مَحْضُ وَهْمٍ؟
لَمْ يتحرَّج كثيرٌ من فلاسفة الإلحادِ مِن الدَّعوة إلى إلحاقِ الجَمَالِ بعالم الوَهْم، خاصَّةً في خُصُومتِهم مع المؤمنين بالله الذين يَرَوْنَ الجَمَالَ آيَةً على وُجُودِ الله وجماله سُبحانه.
ومن هؤلاء الفيلسوف الملحد الشّهير ج. ل. ماكي([58]) في كتابه «الأخلاق: اختراعُ الصَّواب والخَطَأ» حيثُ أَطْلَقَ النَّكِيْرَ على دعوى موضوعيةِ الجَمَالِ، مُؤكّدًا أنَّ الجَمَالَ ليس جُزءًا من نسيج الكون، حالُهُ حالُ القِيمَ الأخلاقِيَّة، فإنَّ كُلًّا منهما مُجرَّد ذوقٍ فرديٍّ. وأضاف ماكي أنّ ما استَدَلّ به في كتابه لإنكار وُجُودِ أخلاق لها حقيقة خارج وَعْيِنًا يشمل أيضًا القول إنّه لا وُجُود للجمال خارج ذَوْقِنا.
John Leslie Mackie, Ethics: Inventing Right and Wrong (London: Penguin, 1991), p15.
وقد كان هيوم قبله أبرز مَن أنكر موضوعيّة الجمال والأخلاق في قوله: «لا تُوجَد مشاعر تُمثِّل حقيقة ما في الشيء خارجها… الجمال ليس صفةً في الأشياء نفسها: إنَّه موجود فقط في العَقْل الذي يتأمَّل هذه الأشياء؛ وكلُّ عَقْلٍ يُدركُ جمالاً مُختلفًا».
David Hume, On the Standard of Taste
www.econlib.org/library/LFBooks/Hume/hmMPL23.html
قَصْدُنا بموضوعية الجَمَالِ أنَّ أشياء العَالَم مُصمَّمة على صُورةٍ تُثير الإحساس بالاستمتاع إذا لم يَقُم بين الوعي وأشياء العَالَم حاجِزٌ؛ فالإمتاعُ خصيصةٌ من خصائص الشيء، وليس مَحْضَ انفعالٍ شخصيٍّ بلا داعٍ يُلزم كلَّ الأسوياء أن ينفعلوا. فالأشياء الجميلة، مُثيرة للإمتاع حتى لو لَم يستمتع بها بَشَر؛ لأنّ طبيعة إثارة الإعجاب جُزء من صَنْعَتِهَا.
والإنسان باكتشافه الجَمَالَ في الكون يكتشف قيمة الوُجُود ومعاني الحَقّ في هذه الحياة. وعُمْق انجذابنا إلى التَّناسق والأناقة، يَكْشِفُ جوانب أصيلةً فينا غير قابلة للاختزال المادِّيّ الرّخيص. وذاك مُبَيِّنٌ أنَّنا كائنات عميقة، ومُعقَّدةُ البِنَى، لا يُمَثِّلُ الجانب المادِّيّ فيها غير السَّطْح البسيط.
وقد عبّر عن ذلك عالم الرياضيات والفيزياء الشهير – هنري بوانكاري؛([59]) كاشفًا علاقة الجمال بطلب العِلْم بالطَّبيعة؛ فقال عبارته المعروفة: «العَالِم لا يَدْرُسُ الطَّبيعة لأنَّه مِن المُفيد القِيَام بذلك، وإنّما يدرسها لأنَّه يستمتع بذلك، ويستمتع بذلك لأنَّ الطَّبيعة جميلة. لو لم تَكُن الطَّبيعة جميلة لَمَا كان مِن المُفيد معرفتها، ولا كانت الحياة تستحقّ أن تُعاش. أنا لا أتحدَّث بطبيعة الحال عن الجمال الصَّادِم للحواسّ المُتعلِّق بجمال الصِّفات والمظهر، ولست أحتقر ذاك اللَّون مِن الجمال، ولكنّه جَمَالٌ لا علاقة له بالعِلْم. ما أَغنيه هو أنَّ الجمال الأكثر حميمية هو الذي يَرِدُ مِن النَّظام المُتناغم لأجزائه، والذي مِن المُمكن للذَّكاء الخَالِص أن يرصده».
Henri Poincaré, Science et Méthode (Paris: Flammarion, 1947), p15.
وأَدْرَكَ داروين -المُعاصر لـ بوانكاري– تلازُمَ الشُّعور الجمالي ومُمارسة العِلْم؛ فاعترف أنَّه قد فقد حسَّ الاستمتاع بالطَّبيعة، على غير الصُّورة التي كان عليها قبل صناعته نظريّته في التَّطوُّر؛ وكتب في ذلك إلى أحد أصدقائه سنة 1868 – بعد أن أعرب عن سعادته أنَّ صاحبه قد عاد إلى تديُّنه: «أنا أَفْقِدُ الاهتمام بكلّ شيءٍ ما عَدَا العِلْم. وفي بعض الأحيان يجعلني ذلك أَكْرَهُ العِلْم نفسَهُ».
Charles Darwin, The Life and Letters of Charles Darwin (London: John Murray, 1888), 3/92.
كتب توماس ويليامز ناعيًا على الثَّقافة الطَّبيعانية جنايتها على الفنّ؛ فقال: «يُخبرنا الاتِّجاه الذي سَلَكَهُ قِطاع واسع مِن الفنّانين في الأجيال القليلة الماضية عن يأس الطَّبيعانية. كان هُناك وقت كان فيه هدفُ الفنّان عَرْضَ الجَمَالِ، لكن عندما أصبحت الفلسفة الطَّبيعانية مُهَيْمِنَةً، غَدَا جُزءٌ كبيرٌ مِن الفَنِّ المُنتَج فاقداً للمعنى، ويائسًا، وخُلوًّا مِن الجمال عن وَعْيٍ. إنَّ الثّقلَ القَمْعِيَّ لفلسفة اللَّا معنى قد قَلَّصَ الألوان الزَّاهية في أيادي كثير مِن الفنَّانين غير المؤمنين. وفي يأسهم هذا، رَفَضُوا الجمال؛ باعتباره وَهْمًا لا يُمكن أن يُخفي الفراغ المُظلم الذي يعتقدون أنَّه سيغمر كلَّ شيء في النِّهاية. وَفَنّهم هُنا يعكس هذا اليأس».
Josh McDowell, Thomas Williams, In Search of Certainty (Illinois: Tyndale House Publishers, Inc., 2003), p83.
الفيلسوف اللَّا أَدْرِي أنتوني أوهير([60]): «مِن زاويةِ نَظَرٍ داروينية، مِن العَسِير جِدًّا تفسير الحَقّ والخير والجمال، وتفسير اهتمامنا بذلك».
Anthony O’Hear, Beyond Evolution (New York: Clarendon Press, 2002), p214.
لقد واجَه داروين مُشكلة الجَمَالِ في ظاهرة بقاء الطَّاووس بجَمَالِهِ الأَخَّاذِ دون أن تَكْنُسَهُ آله الانتخابِ الطَّبيعي خارج مجال الأحياء بسبب استفزازِ أَلْوانِهِ للكَوَاسِر التي تعيش على لُحُوم أمثالِهِ؛ فَزَعَمَ أَنَّ أُنثى الطَّاووس تَخْتارُ بِذَائِقَتِهَا الجَمَالِيَّةِ أَجْمَلَ الطَّواويس؛ ولذلك قاوَمَ الطَّاووس عوامِلَ الفَنَاءِ.
وهذا الرَّدُّ قاصِرُ وسَاقِط؛ ويَتَمَثَّلُ قُصُوره في أنَّ «الانتخابَ الجِنْسِيَّ» -إن صَحَّ تفسيرًا- يُفَسِّرُ بقاءَ الأَجْمَل ولا يُفَسِّرُ ظُهور الأَجْمَل، وقضيَّتُنا هُنا ليست لِمَ عاش الطَّاووس الجميل؟، وإنّما لِمَ ظهر ابتداءً على هذا الشَّكْلِ البديع؟، وأَمَّا سُقُوطُه فيعُود إلى بحثٍ أجراه مجموعةٌ مِن العُلماء في اليابان رأسَهم ماريكو تكهاشي مِن جامعة طوكيو، وأثبتوا بعد دراسات وأبحاث مُتأنِّيَة لِسَبْعِ سنواتٍ أَنَّ إِناثَ الطَّاووس لا تهتمُّ بِجَمَالِ الذُّكُور عند التَّزاوج، بما يُبْطِلَ وَهُمَ داروين.
M. Takahashi et al., ‘Peahens Do Not Prefer Peacocks with More Elaborate Trains‘, Animal Behaviour 75(4):1209–1219, 2008.
ثُمَّ إنّ الحلَّ الذي أورده داروين لم يَزِدْهُ إِلَّا رَهَقًا؛ فهو قد أعرب عن انْبِهَارِهِ بوُجُودِ حاسَّة تذوّقِ الجَمَالِ عند أُنثى الطَّاووس، لكنَّه لم يُفَسِّرْ لنا أصلَ القُدْرَةِ على تَذَوُّقِ الجَمَالِ فِي العَجْمَاواتِ.
Darwin, The Descent of Man (London: John Murray, 1888), p349.
وما قَعَّدَه داروين يقفُ ضرورةً ضدّ التَّفسير التَّطوُّري لِظُهُور الجَمَالِ؛ فهو القائِلُ: «لا يُمكن للانتخاب الطَّبيعي أن يُنتج أيّ تعديل في نوعٍ حَصْرًا لمصلحة نوع آخَرَ».
“Natural selection cannot possibly produce any modification in a species exclusively for the good of another species” Darwin, On the Origin of Species, p183.
طبقاتِ الأرض تشهدُ لِطبيعة الاستقرار في شكل الكائنات الحَيَّة.
المُشكلة في حقيقتها، ليست في وُجُود الجمال فقط، وإنَّما في أنّ الجمال فاشٍ بصُورةٍ عجيبة في عَالَم الأحياء؛ فهو الأصلُ فيها، وهو مُدهش لنا، ومُثير لخيالنا، وعذب في حِسِّنا وذوقنا..
«الجَمَالُ أَحَدُ الطُّرُقِ التي تُخَلِّدُ بها الحياةُ نفسها، وحُبُّ الجَمَالِ جُذُورُه عميقة في بيولوجيَّتنا». نانسي إتكوف، أستاذة عِلْم الجمال.
Nancy Etcoff, Survival of the Prettiest: The Science of Beauty (New York: Anchor, 2000), p234.
فماذا يفعل الملحد أمام مرائي جَمَالِ العالم؟
يُخبرنا داوكنز في كتابه «الصُّعُودُ إلى جَبَل اللَّا احتمال» أنَّه كان بصدد قيادة سيَّارته في طُرُقِ مناطق ريفيّةٍ، وكانت معه ابنته ذاتُ السِّتّ سنوات. وفجأةً أَظْهَرَتْ ابنته إعجابها بالزُّهُور البَرِّيَّة. وعندها سألها داوكنز عن رأيها في وُجُود الزُّهُور البَرِّيَّة؛ أجابت البنت على البديهة: «هي كذلك حتى يبدو العالَمُ جميلًا، ولمُساعدة النَّحْلِ في صُنْعِ العَسَلِ لَنَا». وهُنا عَلَّقَ داوكنز بقوله: «لقد تَأَثَرْتُ بقولها، وأَسِفْتُ أنَّ عليَّ أن أخبرها أنّ الأمر ليس كذلك».
Richard Dawkins, Climbing Mount Improbable (New York: W. W. Norton & Company, 1997), p254.
إنَّ التَّصوُّر الإلحادي المادِّيّ لا يرى الجَمَالَ حقيقةً في الوُجُود، ولا يرى أنَّ له دورًا لإمتاع الإنسان.. إنَّنا نعيش في عَالَم الأبعاد الفيزيائية فقط.
هل يملك العَالِمُ أن يستغني عن الحِسّ الجمالي في فَهْم هذا العَالَم؟
يجيبنا الفيزيائي الأمريكي الحاصل على جائزة نوبل شارلز تاونز([61]) بقوله: «نحن العُلماء عندما نرى العلاقة البسيطة [بين الأشياء] والتي تبدو جميلةً، ينصرف حدسنا إلى أنَّ هذه العلاقة ثابتة واقعيًا. إنّ العُلماء واللاهوتيين يُسلِّمون أنفسهم إلى الحقيقة المُتعالية علينا».
Charles H. Townes, “Logic and Uncertainties in Science and Religion“, Pontifical Academy of Sciences, Scripta Varia 99 (2001), pp.298-299.
ولـ أينشتاين عبارةٌ لامعة يقول فيها: «النَّظرِيَّات الفيزيائية الوحيدة التي نحن على استعداد لقبولها هي النَّظرِيَّات الجميلة»
The only physical theories that we are willing to accept are the beautiful ones. E. Wigner, “The Unreasonable Effectiveness of Mathematics in the Natural Sciences,” Communications in Pure and Applied Mathematics vol. 13, No. I (February 1960).
ويقول عالم الفيزياء المُلحِدُ العَنيد ستيفن واينبرغ: «تبدو فعالية الأحكامِ الجَمَاليّة مُدهشةً بصورة كبيرة بالضَّبط عند تطبيق الرِّياضِيَّاتِ البَحْتَةِ في الفيزياء…. وقد وُجِدَ أنّ التَّراكيب الرِّياضِيَّة التي اعترف عُلماء الرِّياضِيَّاتِ أنّهم طَوَّرُوها بسببِ بَحْثِهم عن شيء مِن الجَمَالِ، هي ذاتُ قيمةٍ عظيمة عند الفيزيائيين». وأَضَافَ بعبارة مُفاجئة: «عَلَيَّ أَن أَعْتَرِفَ أنّ الطَّبيعةَ تبدو أحيانًا أَجْمَلَ ممَّا هو ضروري بَحْتٌ».
Steven Weinberg, Dreams of a Final Theory (London: Vintage Digital, 2010), p153, p250.
وقريب من ذلك قول بول ديراك([62]) الفيزيائي المُلحد الحائز على نوبل: «إنَّ تحصيل الجَمَالِ في مُعادلاتنا أهمّ مِن أن تُوافِق هذه المُعادلات التَّجربة»
“It is more important to have beauty in one’s equations than to have them fit experiment.” Paul Dirac, “The Evolution of the Physicist’s Picture of Nature“, Scientific American, Vol. No. 5 (May 1963), p208.
ويُخبرنا التَّاريخ أنّ بول ديراك قد نَشَرَ مُعادلةً سنة 1928 لما كان سنه 25 سنة لوصف سُلُوك الإلكترون الذي كان يُعَدُّ أَخَفَ جُزيء معروف في تلك الفترة. وقد انتهى ديراك إلى مُعادلته «بالتَّلاعب» بالبحث؛ طَلَبًا لـ «رِيَاضِيَّات جَمِيلَة» –كما قاله بلسانه. وقادته مُعادلته إلى الجمع بنجاح بين النِّسبِيَّة الخاصَّة وميكانيكا الكمّ. وأصبح كشفه بعد ذلك رُكناً أساسيًّا في الفيزياء، وانتهى به إلى الحُصُول على جائزة نوبل.
وكانت بذلك قصّتُه تُذكر دائمًا في معرض بيان العلاقة الحقيقية والقوِيَّة بين الرِّياضِيَّات -ببنائها الرِّياضي الذِّهني الجميل- والعالم المادي؛ حتى قال الفيزيائي فرانك ولتزك([63]) -الحاصل على نوبل: «في الفيزياء الحديثة، ورُبَّما في كُلّ التَّاريخ الفكري، لا تُوجَد حلقةٌ تُوضِّح الطَّبيعة الإبداعية العميقة للتَّفكير الرِّياضي أعظم من تاريخ مُعادلة ديراك».
Dennis Overbye, The Most Seductive Equation in Science: Beauty Equals Truth, The New York Times, March 26, 2002
إذا كان الجَمَالُ ناجحًا في توجيه الفيزيائيين لبناء نظريّات عِلْمِيَّة مُطابقة للواقع الخارجيّ المدروس؛ فكيف من المُمكن عندها أن نختزلَ الجَمَالَ في أوهامنا البصرية وذائقتنا الشخصية؟!
لا يظهر الجَمَالُ فقط في الخُطُوط والألوان والحركات، وإنَّما أعظم الجمال كامِنٌ في القَلْبِ، في دَفْقَةِ الحُبِّ ورَعْشةِ الشَّوقِ إلى مَن تُحِبُّ وما تُحِبّ، ذلك الشُّعورُ العَذْبُ الذي يَدْفَعُكَ إلى استعذاب الوُجُود رغم ما فيه من مرارة، والاستهانة بالشّدّة على ما فيها من عَنَتِ.
اقرأ جواب داوكنز عن سؤال في هذا الحِوَار الصَّحفِيّ:
الصحفي: قال عيسى [عليه السلام] إنّ الحبَّ هو غرضُ الحياة([64]). هل يبدو لك ذلك بلا معنى؟
داوكنز: هذا يبدو وكأنَّه شيءٌ مُقْحم على الحياة، شيءٌ زائدٌ غير ضروري… ولكن لا يُفاجئني أن تكون العُقُول كما هي الآن، بقُدرتها على ابتكار أغراض زائفة للكون…
الصحفي: تريد أن تقول إنّ الحبَّ هدفٌ زائِفٌ؟
داوكنز: حسنًا، الحُبّ ليس غَرَضًا. الحبُّ هو العاطفة (التي أشعر بها بالتأكيد) وهو أَحَدُ خصائص الدِّماغ.
الصحفي: نتيجة ثانوية لعَمَل الدِّماغ؟
داوكنز: حسنًا، رُبَّما يكون أكثر من مُجرّدِ مُنتج ثانوي. رُبَّما يكون مُنتجاً مُهِمًّا جِدًّا لبقاء الجينات.
Dr. Richard Dawkins interviewed by Nick Pollard.
http://www.thirdworldtraveler.com/Dawkins_Richard/RDawkinsinterview_NPollard.html
.. ولكن قد تُنكر العين ضوءَ الشَّمس من رَمَد.. والحقُّ أنَّ الجَمَالَ حقيقةٌ لا أمل لأحدٍ أن يُنكر وُجُودها الحقيقيّ في النَّفْس وأشياء العَالَم.
رغم انتشار الحالة الإلحاديّة في طبقة الفلاسفة في الغرب، إلَّا أنَّ 41% من الفلاسفة المُعاصرين يَقْبَلُونَ أو يميلون إلى موضوعيّة الجمال، في حين يَقْبَلُ أو يميل إلى أنّ الجَمَالَ شخصيّ 34.4% فقط من مجموع الفلاسفة المُعاصرين.
https://philpapers.org/surveys/results.pl
عالَمُ الإِلحادِ مُخِيْفٌ؛ لا خَيْرَ فِيهِ، وَلَا عَدْلَ، وَلَا جَمَالَ.. كُلُّ شَيْءٍ وَهْمٌ!
{وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتَكَ آيَاتُنَا فَنَسِينَهَا وَكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسَى} (طه: 124-126)
«لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلبَكَيْتُمْ كَثِيرًا» محمّد ﷺ.
رواه البخاري، كتاب الرقاق، باب قول النبي ﷺ: «لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كِثِيرًا»، (ح/ 6120)، ورواه مسلم، كتاب الفضائل، باب توقيره ﷺ، (ح/ 2359).
الإنسان في الإسلام، مخلوق مكرّم بأصل الخلقة قال ابن العربي المالكي: «ليْسَ لِلَّهِ تَعَالَى خَلْقٌ هُوَ أَحْسَنُ مِنْ الْإِنْسَانِ، فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَهُ حَيًّا عَالِمًا، قَادِرًا، مُرِيدًا، مُتَكَلِّمًا، سَمِيعًا، بَصِيرًا، مُدَبَّرًا حَكِيمًا، وَهَذِهِ صِفَاتُ الرَّبِّ، وَعَنْهَا عَبَّرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، وَوَقَعَ الْبَيَانُ بِقَوْلِهِ: “إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ”، يَعْنِي عَلَى صِفَاتِهِ الَّتِي قَدَّمْنَا ذِكْرَهَا». ابن العربي، أحكام القرآن (بيروت: دار الكتب العلمية، 1424هـ / 2003م، 4/ 415.
ما أجوبة الإلحاد على أعظم أسئلة الإنسان؟
يجيبنا الفيلسوف المُلحد ألكسندر روزنبرج في بداية كتابه «دليل المُلحد إلى الواقع»، بقوله:
«هل يُوجَد إله؟ لا.
ما هي طبيعة الواقع؟ ما تقوله الفيزياء.
ما غاية الكون؟ لا تُوجَد أيّ غاية.
ما هو معنى الحياة؟ كما سبق.
لماذا أنا هُنا؟ ضربة حظّ.
هل الدُّعاء مُفيد؟ طبعاً لا.
هل هُناك رُوح؟ هل هي خالدة؟ أنت تمزح؟!
هل هُناك إرادة حُرَّة؟ لا، البَتَّة!
ماذا يحدث عندما نموت؟ كلّ شيء يسير إلى حَدٍّ كبير كما كان مِن قبل، باستثناء حالنا نحن.
ما الفرق بين الصَّواب والخطأ، والخير والشر؟ لا يُوجَد فرق أخلاقي بينهما.
لماذا يجب أن أكون أخلاقيًا؟ لأنّ ذلك يجعلك تشعر بأنَّك أفضل مِن أن تكون غير أخلاقي.
هل الإجهاض، أو القتل الرَّحيم، أو الانتحار، أو دفع الضَّرائب، أو المُساعدة الأجنبية، أو أيّ شيء آخر لا تحبّه هو ممنوع، أو مسموح به، أو إلزامي في بعض الأحيان؟ كلّ شيء جائز.
ما هو الحُبّ، وكيف أجده؟ الحُبّ هو الحَلّ لمُشكلة التَّفاعل الاستراتيجي. لا تبحث عنه، سوف يجدك عندما تحتاجه.
هل للتَّاريخ أيّ معنى أو غرض؟ التَّاريخ مليء بالصَّخَب، لكنَّه لا يعني شيئًا. هل في الماضي البشري أي دُرُوس لمُستقبلنا؟ شيء قليل جدًا، إن كان هُناك شيء أصلاً.»
Alexander Rosenberg, The Atheist’s Guide to Reality, pp.2-3.
أُصُول الإلحاد الحقيقِيَّة لا سبيل البَتَّة لالتزامها -مُجتمعةً- عَمَلِيًّا؛ ولذلك فالإلحاد وَهْمٌ لا يملك غير الثَّرثرة.. وكما يقول فرنسيس شيفر([65]): «مِن الصَّعب أن تنقض مذهب إنسان يَرَى بإصرار ووفاء أنّه لا معنى لشيء، وأنَّه لا تُوجَد أجوبة للأسئلة، وأنَّه لا تُوجَد علاقة بين الأسباب والآثار. ومِن حُسن الحَظّ أنَّه لا أحد يلتزم حقًّا أنّ كلّ شيء هو فوضوي وغير عقلاني، وأنَّه لا تُوجَد أجوبة أساسية. إنّ ذاك المذهب من المُمكن تبنِّيه نظريًا، ولكن لا سبيل لتبنِّي القَوْل إنّ كلّ شيء في فوضى مُطلقة عمليًّا».
Francis Schaeffer, He Is There and He Is Not Silent (Illinois: Tyndale House Publishers, Inc., 2013), pp.4-5.
صُعُوبة نقض هذا المذهب لا تكمن في قوّته، وإنَّما في أنّه ينتهي إلى السَّفسطة التي تُنكر معنى كلّ شيء. والأصل أنَّ أهل السَّفسطة لا يُناظَرُون لأنَّهم يُنكرون حقيقة العَقْل والحِسّ.
مَنْ هُوَ المُلْحِد؟ فِي كَلِمَة
المُلحد هو ذاك الذي يؤمِنُ بالشَّيء ونقيضه، دون أن يجد في ذلك حَرَجًا؛ لأنَّه فاقد للوعي بتناقضه، أو لأنَّه عاجزٌ عن البراءة من ذلك.
لا يُوجَد عذابٌ يلقاه الملحِدُ، أَشَدَّ مِن سُؤالِ معنى الحياة، عندما يَطْرُقُه فِي خَلْوَتِهِ بنفسه، أو يُوقظه من نَوْمَتِهِ؛ لِيَجْلِدَهُ بِسَوْطِ الحَيْرةِ وصَرْخَةِ الفِطْرَةِ المُخْبِرَةِ أَنّ هذا الكونَ لا يُمكن أن يكون صَنِيْعةَ العَبَثِ…
خُلاصة هذا الكتاب هي أنّ الإلحاد لا يرتقي إلى أن يكونَ خَطَأ.. إنّه دون ذلك؛ إنَّه شيء مُستحيل غير قابل للتَّصوُّر، و «مُستحيل» لأنَّه لا يُمكن أن يُعَاش.. فكيف يُوجَد إذاً عندها مُلْحِدٌ صادِقٌ في إلحادِهِ؟!
الحمد لله رب العالمين
[1] ألكسندر روزنبرج (1946) Alexander Rosenberg: أستاذ فلسفة أمريكي معروف يدرّس في Duke University له اهتمام خاصّ بفلسفة العُلُوم وفلسفة الاقتصاد.
[2] المُؤلِّهة Theists: المؤمنون بإله مُتصرِّف في الكون عند الخَلْق وبعده، يُخاطِب عباده بالوحي. وأهمّهم: المُسلمون والنَّصارى واليهود.
[3] Ronald H. Nash, Life’s Ultimate Questions: An Introduction to Philosophy (Zondervan Academic, 2013), p41.
[4] آرثر شوبنهاور (1860-1788) Arthur Schopenhauer: فيلسوف عدمي ألماني. عُرف بنزعته التشاؤمية. أعلى من جانب الإرادة التي تصنع وعي الإنسان.
[5] فردريك نيتشه (1900-1844) Friedrich Nietzsche: فيلسوف ألماني وعالم لغة. كانت كتاباته محطة فارقة في تاريخ الفلسفة. كان له اهتمام خاص بالمباحث الوجودية والأخلاقية والنفسية. من أهم مؤلفاته: «هكذا تحدَّث زرادشت».
[6] Sartre, Situation I (Paris, Gallimard, 1947), 166.
[7] جون بول سارتر (1980-1905) Jean-Paul Sartre: فيلسوف وروائي فرنسي. الرمزُ الأَوَّلُ للوجودية الملحدة في القرنِ العشرين. أكد في فسلفته صناعة الإنسان نفسه في وجود بلا معنى. كان له حضور سياسي تَقَلَّبَ فيه بين أكثر من موقف. منح جائزة نوبل للآداب لكنه رفض استلامها. من أهم مؤلفاته: «الوجود والعدم».
[8] برتراند راسل (1970-1872) Bertrand Russell: فيلسوف وعالم منطق ورياضيات بريطاني. أحد أعلام الفلسفة التحليلية. حاصل على جائزة نوبل للآداب.
[9] ريتشارد داوكنز (1941) Richard Dawkins: عالم سُلُوك الحيوانات بريطاني. رأسُ تَيَّارِ «الإلحاد الجديد». ساهَمَتْ مؤلفاته في تشكيل أصول هذا التيَّار، خاصةً كتابه «وَهُمُ الإله».
[10] George MacDonald, The Curate’s Awakening (Minneapolis: Bethany House, 1985), p161.
[11] اللَّوازم، جمع لازم، وهو الْخَارِجُ عَن الشَّيْء الْمُمْتَنِعِ انْفِكاكُه عَنهُ؛ أي ما لا يجوز أن يفارقه (عبد النبي بن عبد الرسول الأحمد نكري، دستور العلماء، جامع العلوم في اصطلاحات الفنون، تعريب حسن هاني فحص بيروت: دار الكتب العلمية 2000م، 3 / 112).
[12] اللازم قد يكون غير بين أو بين:
اللازم غير البين: ما يحتاج فيه اللزوم إلى دليل ليُدرك العقل لزوم اللازم للملزوم. ومثاله إثبات أن كَوْنَنَا مخلوق بعد عَدَم؛ فَإِنَّ هذا الأمر يحتاج دليلا من العقل أو العلم.
اللازم البين: وهو على صنفين، لازم بيّن بالمعنى الأخص ولازم بين بالمعنى الأعم:
اللازم البين بالمعنى الأخص: هو الذي يكفي أن تتصور فيه الملزوم حتى تتصور لازمه؛ مثل لزومِ البُنُوَّة للأُبَوَّة؛ فَإِنَّكَ إِذا تصوّرت الأبوة؛ عَلِمْتَ أنه يلزم منها وجود بنوة.
ولازم بين بالمعنى الأعم: وهو ما تحتاج فيه إلى تصوّر الشيء وتصوّر لازمه، والنسبة بينهما؛ أي أَنَّ الذهن يحتاج في الجزم باللزوم بين الشيء ولازمه إلى استحضارهما معا. مثل قابلية الإنسان للتعلم والكتابة؛ فإنّ تصوّرنا للإنسان وحده لا يكفي ليقع في ذهننا ضرورةً أمر قابليته للتعلم، ولكن إذا تصوّرنا الإنسان وتصوّرنا القابلية للتعلم، جَزَمْنَا بِالتَّلازم بينهما. (انظر القرافي، العقد المنظوم في الخُصُوص والعُمُوم، تحقيق: علي معوض وعادل عبد الموجود بيروت: دار الكتب العلمية، 2001م، صـ85-86.)
[13] سام هاريس (1967) Sam Harris: عالم أعصاب أمريكي. له اهتمام خاص بعلاقة علم الأعصاب بالوعي والأخلاق. نال شعبية كبيرة بعد نشره كتابه: نهاية الإيمان».
[14] مايكل روس (1940) Michael Ruse: فيلسوف علوم (بيولوجيا) بارز. له عنايةٌ خاصة بالعلاقة بين الإيمان والعلم، وجدل الخلق والتطوّر.
[15] R. Nozick, ‘About mammals and people,’ New York Times Book Review, 1983. 11. p29.
[16] Richard Dawkins, The God Delusion (New York: Houghton Mifflin Harcourt, 2008), p340.
[17] إسحاق سنجر (1991-1902)Isaac Singer : روائي يهودي بولندي. حصل على جائزة نوبل.
[18] جوليان هكسلي (1975-1887) Julian Huxley: بيولوجي تطوّري و، بريطاني. أُثْرَتْ كتاباته بصورة واسعة في دراسات البيولوجيا في أيامه.
[19] أرنست هيكل (1919-1834) Ernst Haeckel: عالم حيوانات وفيلسوف ألماني معروف. من أهم المدافعين المبكرين عن الداروينية في ألمانيا.
[20] Steve Stewart-Williams, Darwin God and the Meaning of Life, p155.
[21] بيتر سنجر (1946) Peter Singer: فيلسوف أخلاق أسترالي شهير درس أخلاقيات البيولوجيا في جامعة برينستون.
[22] Steve Stewart-Williams, Darwin God and the Meaning of Life, p276.
[23] أيان دو بجن (1952) Ian Dowbiggin: أستاذ التاريخ في جامعة University of Prince Edward Island.
[24] دافيد هيوم (1711-1776) David Hume: فيلسوف تجريبي ومؤرخ إسكتلندي شهير. اشتهر بنزعته الشكوكية.
[25] جرمي بنثام (1832-1748) Jeremy Bentham: فيلسوف وداعية إصلاح إنجليزي مشهور. يُعد مؤسس المدرسة الحديثة النفعية.
[26] فردريك نيتشه (1900-144) Friedrich Nietzsche: فيلسوف ألماني وعالم لغة. كانت كتاباته محطة فارقة في تاريخ الفلسفة. يعده عدد من مؤرخي الفلسفة رائد فلسفة ما بعد الحداثة كان له اهتمام خاص بالمباحث الوجودية والأخلاقية والنفسية. من أهم مؤلفاته: «هكذا تحدَّث زرادشت».
[27] ميشال فوكو (1984-1926)Michel Foucault : فيلسوف ومؤرخ أفكار فرنسي. من أعلام فلسفة ما بعد الحداثة. تدور فلسفته على أن القوة هي التي تصنع الفكرة.
[28] ريتشارد رورتي (2007-1931) Richard Rorty: فيلسوف أمريكي من أبرز أعلام البراغماتية الحديثة.
[29] هربرت سبنسر (1903-1820) Herbert Spencer: فيلسوف وبيولوجي وعالم اجتماع إنجليزي شهير.
[30] سي. أس. لويس (1963-1898) C. S. Lewis: فيلسوف، وناقد أدبي مُتخصِّص في أدب القُرُون الوسطى وعصر النَّهضة. يُشْهَدُ له أنَّه أبرز المُناضلين عن عقيدة الإيمان بإله -خارج الدَّائرة الأكاديمية- في القرن العشرين في الغرب.
[31] فرنسيس كريك (2004-1916) Francis Crick: عالم بيولوجيا جزيئية وفيزياء حيوية بريطاني. نال جائزة نوبل (مشاركة) على اكتشافه تركيب الحمض النووي الصبغي.
[32] توماس ناجل (1937) Thomas Nagel: فيلسوف أمريكي بارز له عناية خاصة بفلسفة العقل، ومشكلة الوعي، والفلسفة الأخلاقية.
[33] جون جراي (1948) John Gray: فيلسوف بريطاني له عناية بالفلسفة التحليلية وتاريخ الأفكار.
[34] إريك بوم Eric Baum: عالم أمريكي مُتخصِّص في الذكاء الاصطناعي.
[35] دونالد هوفمان (1955) Donald D. Hoffman: أستاذ علم الإدراك في جامعة كاليفورنيا.
[36] ج. ب. أس. هالدين (1964-1892) J. B. S. Haldane: عالم بيولوجيا بريطاني. من أَهَمِّ أَنْصَارِ التَّطَوُّرِ الدَّارويني ومُنَفِّرِيْهِ المتأخرين. كانت له عنايةٌ بِنَشْرِ الثقافة العلمية الشعبية.
[37] بارتيشيا تشيرشلاند (1943) Patricia Churchland: فيلسوفة أمريكية، لها عناية خاصة بفلسفة الأعصاب وفلسفة العقل.
[38] بيتر غيتش (2013-1916) Peter Geach: فيلسوف بريطاني. أستاذ المنطق في جامعة ليدز.
[39] جيمس هلمان (2011-1926) James Hillman: عالم نفس أمريكي. مُؤسّس عِلْمٍ نَفْسِ النَّمَطِ الأَوَّلَيِّ.
[40] ألفرد متر Alfredo Metere: مُتخصِّص في الفيزياء النَّظرِيَّة والذَّكاء الاصطناعي. يعمل في المؤسَّسة البحثية International Computer Science Institute.
[41] جري كوين (1949) Jerry Coyne: بيولوجي أمريكي ملحد من أصل يهودي من أهم الرموز الفكرية في أمريكا في محاربة التدين ونظرية التصميم الذكي.
[42] دانيال وجنر (2013-1948) Daniel Wegner: عالم نفس أمريكي درّس في جامعة هارفارد. عضو الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم.
[43] إدوارد سلنجرلاند Edward Slingerland: أستاذ في جامعة British Columbia. باحث في الأديان والأخلاق وعلم النفس التطوري.
[44] سول سميلانسكي Saul Smilansky: أستاذ الفلسفة في جامعة حيفا في فلسطين المحتلة.
[45] لا نقول إن الغرب قد صار عدميًا صرفًا، وإنّما نقول إنَّ العدمية قد تسلَّلت إلى عدد من أوجه تفكيره، بلا وعي منه أو بوعي.
[46] عصاب Neurosis: مرضٌ نفسِي، يَشْعُرُ المبتلى به بفقد الاتزان بـ، الخَوْفِ، دون أن يُصاحِبَ ذلك تغير في الجهاز العصبي.
[47] فكتور فرانکل (1997-1905) Victor Frankl عالم نفس نمساوي. دَرَّسَ في جامعة فيينا. أسس سنة 1970 في كاليفورنيا أوّل مؤسسة للوغوثيرابي. تُرجمت كتبه إلى عشرات اللغات.
[48] أو شفيتز Auschwitz منطقة في بولندا كانت فيها معسكرات الإبادة النازية.
[49] ألبير كامو (1960-1913) Albert Camus: فيلسوف وروائي ومسرحي فرنسي من مواليد الجزائر. تدور فلسفته حول واقع العَبَثِ الناتج عن كون بلا معنى وعقل واع. حصل على جائزة نوبل للآداب سنة 1957. من أهم مؤلفاته: «الطاعون».
[50] شون كارول (1966) Sean Carroll فيزيائي أمريكي متخصص في الكوسمولوجيا والجاذبية وميكانيكا الكم. له مساهمات في جَدَلِ فلسفة الدين في كتبه ومقالاته.
[51] بيتر أتكنز (1940) Peter Atkins: كيميائي إنجليزي. عُضو الجمعية الملكية للكيمياء. شارك في عدد من المناظرات في مواجهة علماء وفلاسفة مؤلّهة. يُعرف بخطابه الإلحادي الحاد.
[52] كاي نيلسون (1926) Kai Nielsen: فيلسوف غزير التأليف له عناية بفلسفة الدين والدفاع عن الإلحاد. عضو المجمع الملكي الكندي.
[53] بارت إيرمان (1955) Bart Ehman أستاذ في جامعة University of North Carolina. يُعَدُّ من أشهر الباحثين اليوم في الدراسات الإنجيلية وتاريخ المسيح والكنيسة الأولى.
[54] سيمون دو بوفوار (1986-1908) Simone de Beauvoir مفكرة وجودية ونسوية فرنسيّة معروفة. أشهر عشيقات سارتر.
[55] فردريك تشارلز كوبلستون (1994-1907) Frederick Charles Copleston مؤرّخ فلسفة إنجليزي. اشتهر بمؤلّفه الضخم: «تاريخ الفلسفة».
[56] جون مسرلي (1955) John Messerly فيلسوف أمريكي. درّس في جامعة تكساس.
[57] يوفال نوح هراري (1976) Yuval Noah Harari: مؤرّخ من الجامعة العبرية في القدس. له حضور إعلامي شعبي كبير.
[58] جون لزلي ماكي (1981-1997) John Leslie Mackie فيلسوف أسترالي له عناية خاصة بفلسفة الدين، وفلسفة الأخلاق.
[59] هنري بوانكاري (1912-1854) Henri Poincare: أحد أعلام عصره في علم الرياضيات. واسع الاهتمامات العلمية والمساهمات البحثية.
[60] أنتوني أوهير (1942) Anthony Hear فيلسوف بريطاني. أستاذ الفلسفة في جامعة باكنغهام. الرئيس الفخري للمؤسسة الملكية للفلسفة.
[61] تشارلز تاونز (2015-1915) Charles Towns: فيزيائي أمريكي له اهتمام بالإلكترونيات الكمومية. أشرف على مجموعة من المشاريع العلميّة الكبرى للحكومة الأمريكية.
[62] بول ديراك (1984-1902) Paul Dirac: أحد أبرز علماء الفيزياء النظرية في القرن العشرين. لقب بأبي ميكانيكا الكم.
[63] فرانك ولتزك (1951) Frank Wilczek فيزيائي وعالم رياضيات أمريكي. حصل على جائزة نوبل سنة 2004.
[64] هذه العبارة لا تصح نسبتها إلى مسيح الأناجيل، ولا هي مستقيمة عقلا.
[65] فرنسيس شايفر (1984-1912) Francis Schaeffer: لاهوتي وفيلسوف أمريكي شهير من أعلام الدفاعيين النصارى المهتمين بكشف تناقضات ثقافة الحداثة وما بعد الحداثة.
