القائمة إغلاق

خُلاصة كتاب: البوذية (مقدمة قصيرة جداً)، تأليف: داميان كيون

خُلاصة كتاب: البوذية (مقدمة قصيرة جداً)

تأليف: داميان كيون

تحميل الخُلاصة: [DOC] [PDF]

ملحوظة بشأن الاقتباسات ونطْق الأسماء

طبعات جمعية النصوص البالية لقانون الشريعة البوذية القديم.

والمَراجع البوذية تسير على النحو التالي: الفصل يطلَق عليه «نيكايا» ويضم الموضوعاتِ المختلفةَ التي تحدَّث عنها بوذا، ويطلَق على كل موضوعٍ منها اسم «سوتَّا».

لغة النصوص وطريقة نطْقها

جُمعت النصوص البوذية وتُرجمت إلى كثيرٍ من اللُّغات، من بينها: اللغة البالية، والسنسكريتية، والتبتية، والتايلاندية، والبورمية، والصينية، واليابانية، والكورية.

الفصل الأول: البوذية والأفيال

ذات مرَّةٍ روى بوذا قصة العميان والفيل (كتاب أودانا).

أُخذت كلُّ مجموعةٍ إلى أحد الأفيال ووُضعتْ أمام جزءٍ معينٍ من أجزاء جسم ذلك الحيوان — كالرأس والخرطوم والأرجل والذيل، وهكذا. وفيما بعد طلب الملك من كل مجموعةٍ أن تَصِفَ طبيعة ذلك الحيوان.

وأخذت تلك المجموعات تتناقش فيما بينها وتُصر كلُّ مجموعةٍ على أن تعريفها هو الصحيح وأن الآخرين مخطئون.

فطلبة البوذية اعتادوا التمسُّك بجزءٍ صغيرٍ من منهج البوذية، وافترضوا أن استنتاجاتهم عن المنهج بأكمله صحيحة.

البوذية موضوع كبير ومعقَّد، ويجب أن نحذر من التعميمات المستندة إلى أساس معرفة جزءٍ معين.

التساؤل عن «هُوِيَّة» البوذيين المشار إليهم، و«المنهج» البوذي المتَّبَع، و«المذهب» أو الطائفة التي ينتمون إليها … وهكذا.

الظاهرة العابرة للثقافات المعروفة لدى الغرب باسم «البوذية» (أصبحت كلمة «البوذية» مألوفة في الاستخدام الغربي في ثلاثينيات القرن التاسع عشر) ليست كيانًا واحدًا على الإطلاق.

البوذية تُشبه الفيل الموجود في القصة؛ فهي مجموعة غريبة من أجزاءٍ مستبعدةٍ إلى حدٍّ ما، لكنها أيضًا تمتلك جسمًا أساسيًّا ترتبط به تلك الأجزاء.

كثير من الباحثين الغربيين فسَّروا البوذية بطرقٍ تحمل بصمات معتقداتهم وتَنشئتهم على نحوٍ واضحٍ أكثر مما تحمل بصمات البوذية نفسها.

وقد لفت الكُتَّاب المعاصرون، أمثال إدوارد سعيد، الانتباهَ إلى ميل الغرب في فنِّه وأدبه إلى تكوين «شرق» يكون انعكاسًا لظِلِّه أكثر من كونه تصويرًا دقيقًا للحقيقة الواقعية.

نظرية المؤامرة المعقَّدة التي يُقدِّمها سعيد، والتي تقضي بأن الغرب قَوْلَبَ الشرقَ فكريًّا كتمهيدٍ لاستعماره سياسيًّا.

هل البوذية دين؟

هل هي دين؟ هل هي فلسفة؟ هل هي أسلوب حياة؟ هل هي نظام أخلاقي؟ ليس من السهل تصنيف البوذية تحت أي اسم من تلك الأسماء.

إذا كان الإيمان بالرَّبِّ على هذا النحو هو جوهر الدين، فمِن ثَمَّ لا يمكن أن تكون البوذية دينًا؛ فالبوذية لا تحمل هذا المعتقَد، بل على العكس تُنكر وجود إلهٍ خالق.

البوذية تعترف بوجود كائناتٍ خارقةٍ للطبيعة مثل الآلهة والأرواح.

تعريفنا الأصلي للدين هو ببساطةٍ تعريفٌ ضيق الأفق.

توجد أنظمة عقائدية أخرى — مثل الكونفوشيوسية والطاوية — تشبه الدين الغربي في نواحٍ كثيرةٍ لكنها تفتقر إلى هذا المُكوِّن.

الأبعاد السبعة للدين

منذ أن بدأ جديًّا مجال الأديان المقارَنة بعد الحرب العالمية الثانية، مثَّلَتِ البوذية لُغزًا للدارسين الذين حاولوا تقديم تعريفٍ مقبولٍ لهذا الموضوع.

من أنجح أساليب التعامل مع هذه المشكلة ذلك الأسلوبُ الذي تبنَّاه نينيان سمارت الذي حلَّل ظاهرة الدين إلى سبعة أبعادٍ رئيسيةٍ بدلًا من تقديم تعريفٍ للموضوع؛ وبذلك يمكن القول بأن الأديان لديها بُعْد عملي وطقسي، وبُعد تجريبي وعاطفي، وبُعْد سردي أو أسطوري، وبُعْد عقائدي وفلسفي، وبُعْد أخلاقي وتشريعي، وبُعْد اجتماعي ومؤسسي، وبُعْد مادي.

توجد مجموعة من الأشياء التي تُشكِّل مجتمِعةً الظاهرةَ التي نُسميها «الدين».

البُعد العملي والطقسي

البُعد العملي والطقسي أقلُّ وضوحًا في البوذية منه في الأديان التي تربطها علاقةٌ قوية بالأسرار المقدَّسة مثل اليهودية أو المسيحية الأرثوذكسية. وليس للرهبان البوذيين دور كهنوتي — فهم ليسوا وسطاء بين الرَّبِّ والبشر — كما أن ترسيمَهم رهبانًا لا يمنحهم أيَّ قوًى خارقةٍ ولا أيَّ سلطةٍ.

طقوس الحماية والتعبُّد في المعابد أو في الأماكن المقدَّسة أصبحت جزءًا من تقاليد ما قبل الولادة وما بعد الولادة في كل أنحاء العالم البوذي.

وفقًا لنينان سمارت، فالأديان لديها «الأبعاد السبعة» التالية. وإذا صحَّت وجهة نظر سمارت، فسيبدو تصنيف البوذية كدينٍ مبرَّرًا. (١) البُعد العملي والطقسي. (٢) البُعد التجريبي والعاطفي. (٣) البُعد السردي والأسطوري. (٤) البُعد العقائدي والفلسفي. (٥) البُعد الأخلاقي والتشريعي. (٦) البُعد الاجتماعي والمؤسسي. (٧) البُعد المادي.

دين بغير رب؟

توجد اختلافات كبيرة بين الطقوس في المذاهب البوذية المختلفة، وقد تضافر عامل تأثير التقاليد المحلية مع طلب العوام من البوذيين (وفيهم هؤلاء الموجودون في الغرب) وأدَّيا إلى ظهور طقوس جديدة (مثل طقس الزواج) لتُوازيَ تلك الموجودة في الأديان الأخرى.

البُعد التجريبي والعاطفي

البوذية بوصفها تجربةً حياتيةً — هو أمر بالغ الأهمية. إن تجربة بوذا الشخصية في التنوير هي أساس المنهج البوذي بالكامل. وفي أغلب الأحيان يستحضر تجربته الخاصة ليستشهد بها على معتقداته، ويقول إن التعاليم غير المدعومة بتجربةٍ شخصيةٍ هي تعاليم قليلة القيمة.

يُشكِّل البُعد التجريبي أهميةً بالغة في البوذية؛ لأن البوذية تَعتبر الحياة الدينية في جوهرها مسارًا لتحويل الذات؛ فالتمارين الروحانية مثل التأمُّل تُولِّد حالاتِ وعيٍ متغيرةً يمكن أن تُعجِّل من التطوُّر الروحي.

عندما يتأمَّل البوذيون فَهُم لا يطلبون تلبية أمنيَّاتهم من الرَّبِّ، بل يحاولون الحصول على الحكمة والشفقة.

إن هذا التأكيد على البُعد التجريبي الداخلي للممارسة الدينية يربط البوذية بالتقاليد الصوفية للهند القديمة مثل اليوجا. وفي اليوجا تُستخدم تمارينُ كثيرةٌ — مثل السيطرة على الوضعية والتنفُّس — من أجْل كسْب السيطرة على الجسم والعقل واستخدام قواهما الكامنة.

البُعد السردي والأسطوري

كما هي الحال مع الأديان الأخرى، فَلِلْبوذية نَصيبٌ من الأساطير والحكايات. و«الأسطورة» في هذا الصدد لا يُقصد بها شيء مزيف.

وهذه الأساطير لها محتوًى سرديٌّ، لكنَّ لها أيضًا — كما الأمثولة — محتوًى مجازيًّا يمكن فهمه وتفسيره على عدة أوجه.

وفي بعض الأحيان يكون من الصعب معرفة إن كان محتوى الأسطورة يجب أن يُفهم بمعناه الظاهري أم لا.

والبوذية القديمة لها «أسطورة خلْق» خاصة بها مذكورة في خطب «أجانيانيا»، ويوجد الكثير من السِّيَر الشائعة مثل قصص «جاتاكا»، وهي مجموعة من الحكايات الأخلاقية عن الحيوات السابقة لبوذا.

حتى في المصادر القديمة تظهر الآلهة والأرواح في كثيرٍ من الأحيان. وعادةً ما يتم تصوير تلك الآلهة والأرواح في الفن والأدب البوذي على أنها تُشكِّل جزءًا من الجمهور في بعض الوقائع المهمة في حياة بوذا. وتروي إحدى القصص المثيرة كيف تَعارك بوذا قبل تنويره مع مارا، الشرير، وحقق نصرًا كبيرًا عليه وفرَّق جيوشه.

البُعد العقائدي والفلسفي

لا يستخدم البوذيون في آسيا مصطلح «البوذية» لوصف دينهم، ويشيرون إليه إما باسم «دارما» (وتعني «القانون») وإما باسم «بوذا ساسانا» (وتعني «تعاليم بوذا»).

إذا كان ما نفهمه من كلمة «عقيدة» هو الصياغة المنهجية للتعاليم الدينية في شكل متماسك من الناحية الفكرية، فلن يبدوَ من قبيل المبالغة استخدامُ هذا المصطلح في البوذية. والتعاليم العقائدية الأساسية محفوظة في مجموعةٍ من القضايا المترابطة معروفة باسم الحقائق الأربع النبيلة، التي كوَّنها المؤسس بوذا.

البُعد الأخلاقي والتشريعي

تحظى البوذية باحترامٍ واسعِ النطاق بوصفها واحدةً من الديانات ذات الأخلاقيات العالية. ويُعد المبدأ الأساسي في الأخلاقيات البوذية هو عدم الإيذاء المعروف باسم («أهيمسا»).

تحض التعاليم البوذية على احترام كل المخلوقات الحية، سواءٌ البشر أم الحيوانات، وتَعتبر التدمير العمدي للحياة خطأً فادحًا. وقد أدَّت هذه الفلسفة إلى أن أصبح كثير من البوذيين (لكن ليس جميعهم بالتأكيد) نباتيين.

كما أن الاهتمام بتخفيف المعاناة دفع البوذيين من العوام والرهبان إلى تأسيس المستشفيات، ودور الرعاية، والمدارس، والمؤسسات الخيرية.

النصوص الأولى للبوذية تُدين العنفَ بقوة، واستخدامُ القوة لدعم أهداف الدين — في شكل حروبٍ صليبيةٍ أو «جهادٍ» على سبيل المثال — يبدو أمرًا غير مفهوم على الإطلاق بالنسبة إليهم.

وفي القرن العشرين تبنَّى البوذيون في التبت سياسةَ المقاومة السلمية لغزو أراضيهم من قِبل الصينيين في عام ١٩٥٠، وبعد هذا الغزو قُدِّر عدد الذين تُوُفُّوا من سكان التبت بنحو مليون، فضلًا عن تدمير ستة آلاف دير.

البُعد الاجتماعي والمؤسسي

وفي العادة يشعر أتباع الدين بأنهم جزء من جماعة.

وهذه النظرة واضحة جليَّة في الإسلام أيضًا، الذي يرى أن الشريعة تتحكَّم في كلِّ مناحي الحياة العامة والخاصة.

النواة الاجتماعية للبوذية هي جماعة الرهبان والراهبات («سانجا») التي أسسها بوذا.

فالمصادر القديمة تُقدِّم تصنيفًا اجتماعيًّا للبوذية يفيد بأنها: «الجماعة الرباعية» التي تتكوَّن من الرهبان والراهبات والتلاميذ المتدينين من عوام البوذيين من الرجال والنساء (ويُطلَق عليهم «أباساكا/أباسيكا»).

يمكن أن يتخذ النظام الاجتماعي لأحد الأديان أشكالًا عدة، بدايةً من مجموعاتٍ صغيرةٍ يقودها معلمون وصولًا إلى مؤسساتٍ ذات هيكلٍ هرميِّ التسلسُل يضم ملايينَ من الأتباع.

وفي الأساس كان بوذا معلمًا متجولًا جذب الأتباع من خلال جاذبية شخصيته.

ورغم ذلك، فقد أعلن بوذا أنه لا يَعتبر نفسه قائدَ هذه الجماعة، ورفض تعيين خليفةٍ عند وفاته، وبدلًا من ذلك، شجَّع أتباعه على العيش وفقًا لتعاليمه (الدارما) ووفقًا لحُكم الرهبنة، وأن يكونوا «مصابيح (أو جُزرًا) بعضهم لبعض» (كتاب ديجا).

ونظرًا لغياب السلطة المركزية، كلما نشبت الخلافات على أمور العقيدة أو الممارسة، مالت البوذية إلى الانقسام بسهولة.

الطوائف والمذاهب البوذية

ويوجد فرق كبير بين البوذية المحافظة الموجودة في جنوب آسيا في بلدانٍ مثل سريلانكا وبورما وتايلاند، وبين مذاهب الشمال المجدِّدة في العقيدة الموجودة في التبت وآسيا الوسطى والصين واليابان.

في جنوب آسيا يشيع مذهب التيرافادا، ويعنى هذا الاسم «التعاليم الملزمة» أو «التعاليم الأصلية»، على الرغم من أن الترجمة الشائعة له هي «عقيدة الأقدمين». ويُعتبر هذا المذهب نفسه حاضنًا للتعاليم القديمة الأصلية التي تعود إلى بوذا نفسه.

مذاهب شمال آسيا فتنتمي إلى حركة تُعرف باسم ماهايانا، وتعني «العربة الكبرى».

وفيما يتعلق بالنظام الاجتماعي، يبدو أن بوذا قد فضَّل النظام الجمهوري من النوع المستخدَم بين أتباعه. وشجَّع الرهبان على عقد «اجتماعات كاملة ومتكررة» (كتاب ديجا) واتخاذ القرارات بالإجماع.

البُعد المادي

فالبعد المادي يشمل الأشياءَ التي تتجسَّد فيها روح الدين، مثل: الكنائس والمعابد والأعمال الفنية والتماثيل والمواقع المباركة والأماكن المقدسة مثل أماكن الحج. وفي الهند، كثيرٌ من الأماكن المرتبطة بحياة بوذا أصبح مراكز حج مهمة، مثل مكان مولده ومكان تنويره، والحديقة التي ألقى فيها أُولى خُطبه.

وتحتل النصوص من الآثار الأخرى أهميةً بارزة في البوذية؛ فالنصوص الدينية تُعامَل بقدرٍ هائلٍ من الاحترام نظرًا لأنها تضم تعاليم بوذا وتُجسِّد حكمته. ويعتبر نسخ أو إلقاء أو حفظ هذه النصوص نشاطًا دينيًّا، وكذلك عملية ترجمة تلك النصوص إلى لغات أخرى.

الثقافة المادية

اعتمد الباحثون الغربيون الأوائل اعتمادًا يكاد يكون حصريًّا على النصوص البوذية في استقاء المعلومات، ومالوا إلى التأكيد على البُعد العقائدي أكثر من بقية الأبعاد.

وقد أوضح الباحثون أن هذا التوجُّه ربما يكون متأثرًا بالنزعة البروتستانتية التي تهتم كثيرًا بالنصوص باعتبارها موضع «الدين الحقيقي».

باحثي البوذية يُحوِّلون اهتمامَهم اليومَ على نحوٍ متزايدٍ إلى المقتنيات المادية ودورها في الممارسة الدينية. وتشمل هذه المقتنيات: النقوش، والعملات المعدنية، والصور، والرموز، وأدوات الطقوس، والمسابح، والتمائم، والأضرحة، وصناديق الذخائر الدينية، وملابس الطقوس، وشهادات الترسيم، والسجلات، ومحفوظات الأديرة مثل إيصالات التبرعات وإقرارات التركات.

وفي أغلب الأحيان تخبرنا هذه المقتنيات عن الممارسات والمعتقدات البوذية الحقيقية على نحوٍ أكبر مما تخبرنا به الروايات المحفوظة في النصوص الدينية.

والأبعاد التي ستحظى بالقدر الأكبر من الاهتمام في هذا الكتاب هي: البُعد العقائدي والبُعد التجريبي والبُعد الأخلاقي.

ورغم ذلك يجب أولًا أن نتعرَّف على حياة مؤسس البوذية سيدهاتا جوتاما.

الفصل الثاني: بوذا

وُلد بوذا في منخفضات تيراي بالقرب من سفح جبال الهيمالايا داخل حدود ما يُعرَف اليوم بدولة نيبال.

وكان شعبه يُعرف باسم شعب ساكيا؛ ولهذا السبب يشار أحيانًا إلى بوذا باسم «ساكياموني» أو «حكيم شعب ساكيا».

وكلمة «بوذا» ليست اسمًا لشخصه، بل لقبٌ شرفيٌّ يعني «المتيقظ».

أما اسم بوذا كما أشرنا في السابق فهو سيدهاتا جوتاما (بالسنسكريتية: سيدهارتا جوتاما).

الفترة المتعارَف عليها باعتبارها فترةً ممثِّلةً لحياة بوذا هي ما بين ٥٦٦ و٤٨٦ قبل الميلاد، على الرغم من أن الأبحاث الحديثة تشير إلى أن وفاة بوذا على الأرجح كانت في وقتٍ قريبٍ من عام ٤١٠ قبل الميلاد.

وترجِّح المصادر التقليدية أن بوذا وعائلته ينتمون إلى الطبقة الثانية من الطبقات الهندية الأربع — أي طبقة المحاربين الأرستقراطية المعروفة باسم الخطيين (بالسنسكريتية: الكشاتريون)، على الرغم من عدم وجود دليل على وجود النظام الطبقي بين شعب ساكيا.

أما الإشارات المتعلقة بالمكانة الملكية لوالد بوذا، سودهودانا، ومظاهر العظمة والأبهة في بلاطه الملكي، كما ترويها نصوص لاحقة على وجه الخصوص، فهي من باب المبالغة على الأرجح.

قدرٌ معينٌ من المعلومات المتعلقة بحياة بوذا محفوظ في قانون بالي (انظر مربع النص)، لكن لم توجد أي محاولة لجمع هذه التفاصيل معًا في عملٍ سرديٍّ متواصلٍ إلا بعد خمسمائة عامٍ من وفاة بوذا.

وأشهر السِّيَر التي تناولت حياة بوذا وأكثرها أناقةً هي قصيدة ملحمية معروفة باسم «بوداكاريتا» أي «أفعال بوذا»، وأُلفت تلك القصيدة في القرن الأول بعد الميلاد على يد الأديب البوذي الشهير «أشفجهوشا».

وربما ألهمت هذه السِّيَر السردية لحياة بوذا صُنْعَ صور لبوذا لم تكن موجودة حتى حلول القرن الثاني من الميلاد تقريبًا.

بدأ الفنانون في تجسيد صورة بوذا في الحجر أو في غيره من المواد، وأصبحت هذه الصور التجسيدية نقطةَ تركيزِ الممارسات الدينية لدى العامة.

حياة بوذا

تتسم المعلومات المتعلقة بحياة بوذا التي تتناولها المصادر الأوَّلية بالتناثر وعدم الاكتمال؛ فعندما كان بوذا يُلقي تعاليمه حول موضوعٍ ما، كان يتذكَّر جزءًا من حياته الأولى ثم يبدأ في سرده. وبعض هذه السِّيَر مذكور بالتفصيل، والبعض الآخر يغلب عليه الغموض، فضلًا عن أن الترتيب الزمني لتلك الأحاديث لا يكون واضحًا دائمًا.

ومن غير المحتمل أن يحظى السعي وراء تقديم «السيرة التاريخية لبوذا» بنجاح أكبر. وما يزيد الأمر تعقيدًا هو إيمان البوذيين بتناسُخ الأرواح؛ ومن ثَمَّ فإن تقديم سيرة حياتية كاملة لبوذا يستلزم تضمين حيواته السابقة.

الحقائق المتعلقة بحياته هي كالتالي: تزوج وهو في السادسة عشرة من فتاة تُدعى ياشودار، أنجبت له فيما بعدُ صبيًّا يُدعى راهولا (يعني «القيد»)، وبعد فترةٍ قصيرةٍ من ميلاد ابنه، ترك بوذا المنزل في سِنِّ التاسعة والعشرين للبحث عن المعرفة الدينية، وبلغ مرحلة التنوير في سِنِّ الخامسة والثلاثين. وقضى الخمس والأربعين سنةً المتبقية من حياته في إعطاء التعاليم الدينية، وتُوفِّي في سِنِّ الثمانين.

والأحداث الأربعة الأهم في حياة بوذا هي: ميلاده، وتنويره، وأول خطبة ألقاها، ووفاته.

النصوص الأولى

تعاليم بوذا مسجلة في مجموعاتٍ مختلفةٍ من النصوص تُعرف باسم «القوانين». وهذه النصوص مأخوذة من تقليدٍ شفهيٍّ يعود إلى زمن بوذا، وحُفظت عن طريق الإنشاد الجماعي. النسخة الوحيدة من هذه القوانين القديمة التي ظلت محفوظةً بلا تحريفٍ هي قانون بالي، وترجع تسميتها إلى اللغة البالية المكتوبة بها، وهي لغة عامية قريبة من اللغة السنسكريتية التي تَحدَّث بها بوذا.

دُوِّن قانون بالي كتابةً في سريلانكا في حوالي منتصف القرن الأول قبل الميلاد، ويتكوَّن من ثلاثة أجزاءٍ أو ثلاث «سلال» (بالسنسكريتية: بيتاكا)، وهي: (١) الأجزاء (سوتا بيتاكا) أو خطب بوذا المقسَّمة إلى خمسة أقسامٍ معروفة باسم «نيكايا». (٢) لائحة قواعد الرهبنة (فينايا بيتاكا) التي تضم قواعد الانضباط في حياة الرهبنة. (٣) الأطروحات الفلسفية (أبهيداما بيتاكا)، وهي تكملة متأخرة نسبيًّا للأعمال الفلسفية.

إن قانون بالي يمثِّل مرجعيةً لمدرسة التيرافادا فقط. أما المدارس البوذية الأخرى فقد جُمعت قوانينها التشريعية الخاصة بلغاتٍ مختلفةٍ، وغالبًا ما تنطوي على اختلافٍ كبيرٍ في المحتوى.

ميلاد بوذا

يقال إن ميلاد بوذا، الذي لا يختلف عن ميلاد المسيح، كان محاطًا بأحداثٍ خارقة. وتصف نصوص لاحقة كيف حملتْ والدة بوذا مايا به؛ فلقد حلمت مايا بأن فيلًا أبيض يدخل في جانبها.

وفسر لها المفسرون معنى هذا الحلم، فقالوا إنها ستحمل ولدًا سيصبح إما إمبراطورًا عظيمًا (شاكَّفاتِّي) أو معلمًا دينيًّا عظيمًا.

ويقال إن سكان السماء وصلوا للتعجُّب من هذا الحدث الرائع؛ لأن ميلاد بوذا واقعة سماوية ومهمة. واهتزَّت الأرض ووضعَتِ الآلهةُ الطفلَ على الأرض وغسلوه في حمام ماءٍ مُعجزٍ. ووقف الصبيُّ على الفور وخطا سبع خطوات وأعلن أن هذه هي آخر مرةٍ يولد فيها. وسُمي الولد سيدهاتا جوتاما. ومعنى سيدهاتا هو «الشخص الذي حقَّق هدفه» أما جوتاما فهو اسم عشيرةٍ مشتق من اسم حكيمٍ هنديٍّ قديم.

قليلة هي التفاصيل التي يُقدِّمها قانون بالي عن طفولة بوذا، لكن الانطباع الذي تركه هو أنه عاش حياة مترفة داخل جدران قصور والده الثلاثة.

العلامات الأربع

على الرغم من أن حياة القصر كانت مريحةً، فإنها لم تكن مُرضيةً، وحنَّ بوذا إلى أسلوب حياةٍ أعمق وأكثر إشباعًا من الناحية الروحية.

لقد كان والده مُفرِط في حمايته.

لكن المصادفة — أو تَدخُّل الآلهة، كما تقول مصادر لاحقة — جعلتْ بوذا يقابل رجلًا مسنًّا.

وفي رحلته الثانية قابل رجلًا مريضًا، وفي الرحلة الثالثة رأى جثةً محمولةً إلى أرضِ حرقِ الجثث. وهذه التجارب جعلتْه يدرك في المقام الأول الطبيعةَ الزائلة للوجود البشري، وعلم أنه حتى جدران القصر لا يمكنها أن تمنع المعاناة والموت.

وفي رحلته الرابعة خارج القصر قابل بوذا ناسكًا متسولًا (سامانا)، وورد على فكره أنه نفسه يمكن أن يسلك طريقًا روحانيًّا لحل مشكلات الطبيعة البشرية. وفي تلك الليلة قرَّر ترك القصر، وألقى نظرة أخيرة على زوجته وطفله النائمَين، وتركهما ليصبح ناسكًا متسولًا لا مأوى له.

هذه القصة البسيطة المؤثِّرة من غير المحتمل أن تكون حقيقية بالمعنى الحرفي؛ فمن الصعب تصديق أن بوذا كان بالسذاجة التي تُصوِّره بها القصة، أو أن زهده في حياة القصر كان أقرب إلى المفاجأة.

الزهد والتقشف

كان المعلم الأول لبوذا رجلًا يُدعى آلارا كالاما، وعلَّمه طريقةَ تأملٍ تضع المرء في حالة غشيَةٍ عميقة. وكان بوذا تلميذًا نجيبًا، وسرعان ما أتقن القدرة على الدخول في حالة استغراقٍ تسمَّى «مجال العدمية» والاستمرار فيها.

إن المرء يخرج من هذه الحالة في النهاية ويعود إلى الوعي اليقِظ العادي، ولا تزال مشكلاته الأساسية المتمثِّلة في الميلاد والمرض والهرم والموت قائمة.

واستمرَّ بوذا في سعيه ودرس بعد ذلك على يد مُعلِّم آخر اسمه أوداكا رامابوتا. وعلَّم أوداكا بوذا أسلوبًا أكثر تعقيدًا يسمح لممارِسه بالدخول في مجال «لا هو واعٍ ولا هو غير واعٍ»، وهي حالة ذهنية أكثر تساميًا يبدو فيها الوعي نفسه كأنه اختفى تقريبًا.

شعر أن القدرة على الوصول لحالات الوعي الصوفية كانت جيدة وقيِّمة إلى حدٍّ ما، لكنها لم تكن الهدفَ الذي يسعى إليه.

وبعد تجارِب التأمُّل هذه وجَّه بوذا انتباهه إلى أساليب من نوعٍ مختلف. وتضمَّنت هذه الأساليب التقشُّف الشديد، وكان الهدفُ من ذلك هو كبحَ الشهوات والعواطف.

في البداية مارس بوذا تمرينًا للتحكُّم في التنفُّس.

وجرَّب طريقةً أخرى تضمَّنت تقليل استهلاكه من الطعام إلى جرعات قليلة.

وأصبح واضحًا له أن هذا النوع من إهلاك الذات لا يُسفر عن نتائج أيضًا؛ فتركه.

فتجربته علَّمتْه أن التطرُّف بأي نوعٍ كان لا طائلَ من ورائه.

وأدرك بوذا أن الطريق الأكثر جدوى هو «الطريق الوسطي» بين هذين النقيضين المتطرفين. ومن هذا المنطلق سيكون نمط الحياة الأكثر ملاءمة هو الاعتدال، فلا حرمان من الشهوات ولا انغماس مفرطًا فيها.

التنوير

وفي أثناء ليلةٍ من الليالي التي كان فيها جالسًا تحت شجرةٍ كبيرة، عُرفت فيما بعد بشجرة بوذا (شجرة التين المقدَّسة)، اكتسب حالةَ اليقظة الكاملة التي كان يسعى إليها.

خلال الثُّلث الأول من الليل، اكتسب القدرةَ على النظر إلى حيواته السابقة، وتذكَّرها بتفاصيلها الكاملة.

وفي الثُّلث الثاني من الليل، اكتسب نوعًا من البصيرة مكَّنه من رؤية موت وميلاد كل أنواع الموجودات في الكون على حسب أفعالهم الجيدة والسيئة.

لقد «فعل كل ما يلزم فعله»، لقد وصل للنيرفانا ووضع نهايةً لإعادة الميلاد.

يُعرف المكان الذي حصل فيه بوذا على التنوير باسم بود جايا، وظل بوذا في ذلك المكان لمدة سبعة أسابيع يفكِّر في مستقبله.

ولفترةٍ من الوقت مالَ إلى حياة الانزواء والعزلة، لكن بعد طلبٍ من أحد الآلهة (تزخر البوذية بعددٍ هائلٍ من الآلهة التي تُشبه إلى حدٍّ ما الملائكةَ في المسيحية) تأثَّر من باب الشفقة وقرَّر نشْر تعاليمه — الدارما (بالباليَّة: «الداما») — للعالم.

الخطبة الأولى والحياة المهنية باعتباره معلمًا

وأعلن بوذا نفسَه «تاتاجاتا» (أي «الشخص الذي وصل إلى الحقيقة») وألقى أُولى خطبه، وهذا حدث عظيم في البوذية. والخطبة الأولى محفوظة في صورة نصٍّ دينيٍّ (سوتَّا) يسمَّى «إدارة عجلة الدارما». وتحتوي هذه الخطبة على التعاليم الأساسية للبوذية موضوعةً في شكل صيغةٍ تُعرف باسم الحقائق الأربع النبيلة.

والعجلة رمز مهم في البوذية، وتُستخدم غالبًا لتمثيل الدارما.

عند سماع الخطبة الأولى أدرك الحقيقةَ على الفور أحدُ أعضاء الجمهور، وأصبح «على الطريق» أو شخصًا حقَّق الدرجة الأولى من الفهم الروحاني. ومع شرح بوذا لتعاليمه على نحوٍ موسَّعٍ حقَّق النُّسَّاك الأربعة المتبقُّون هذه الحالةَ أيضًا. وأصبح النُّسَّاك الخمسة حَوَارِيِّيه ومُنحوا صفةَ الرهبنة («بيكو») خلال مراسمَ بسيطةٍ.

وعند سماع الخطبة الثانية لبوذا، اكتسب النُّسَّاك الخمسة التنويرَ الكامل. وعُرف كلُّ واحد من هؤلاء الخمسة وآخرون على شاكلتهم باسم آرهات (القديسين).

وتحكي النصوص الأولى عن مجموعةٍ من قديسين (آرهات) يصل عددهم إلى ستين قديسًا، وقد كلَّف بوذا هؤلاء بالذهاب باعتبارهم مُبشِّرين ونشْر تعاليم البوذية إشفاقًا على العالم.

هناك ندرة في تفاصيل السيرة الحياتية لبوذا في النصف الثاني من حياته.

وفي بعض الأحيان يُصوَّر بوذا وهو يصنع المعجزات؛ تلك القدرة التي تعود إلى القوى الروحية التي اكتسبها من خلال ممارسة التأمُّل.

أُسست مراكزُ سكنيةٌ يمكن للرهبان المكوث فيها لجزءٍ من العام، ولا سيما في موسم المطر الذي يصعب فيه السفر. وغالبًا ما كان الملوك أو المناصرون الأثرياء هم مَن يتبرَّعون لجماعة الرهبان بمساكنِ الإقامة، وتحوَّلت تلك المساكن فيما بعدُ إلى مؤسساتٍ دائمةٍ تُعرف باسم «فيهارا» أو الأديرة.

وفاة بوذا

يُقدِّم أحد النصوص المهمة التي تحمل عنوان «خطبة الرحيل الكبير» سردًا للأحداث في الشهور القليلة السابقة على وفاة بوذا.

وفي حوارٍ مع أناندا، ابن عمه وخادمه الشخصي المخلص، قال بوذا إنه لا توجد حاجة لخليفةٍ له لأنه لم يَعتبر نفسَه قط «قائد» الجماعة.

وبدلًا من ذلك، يجب أن تبقى تعاليم الدارما هي الدليلَ بعد رحيله، ويجب أن يتمسَّك الرهبان بها بقوة، وأن يتمسَّكوا كذلك بمجموعة قواعد «فينايا» التي أرساها لإدارة حياة الرهبان.

علاوةً على ذلك، نصح كلَّ شخصٍ بأن يفكِّر بنفسه في الأمور المتعلقة بالعقيدة، وأن يقارن وجهاتِ النظرِ والآراءَ بالنصوص المقدَّسة قبل أن يُقرِّر قَبولها أو رفضها.

وأعطى بوذا توجيهاتٍ بأن تُحرَق جثته وأن تُعامَل مثل رفات ملك عظيم (شاكَّفاتِّي)، وذلك بأن تُحفظ في ضريحٍ مقدَّس على شكل جرسٍ يُعرف باسم «ستوبا» (بالباليَّة: «توبا») بحيث يمكن استخدام هذا النُّصب كمكانٍ لتقديم العطايا والتعبُّد.

نطق بوذا كلماتِه الأخيرةَ فقال: «الفناء متأصِّل في كل شيء؛ فاحرص على أن تسعى جاهدًا بذهنٍ صافٍ (للوصول إلى النيرفانا).

الفصل الثالث الكارما والميلاد المتكرر

وفي مَواطن أخرى يقول بوذا إنه استطاع تذكُّر «ما يعادل إحدى وتسعين فترةً من فترات حياته السابقة» (كتاب ماهايانا).

وعلى الرغم من أن العقيدة البوذية تقول إن بداية عملية الولادة المتكررة، وكذلك نهايتها، لا يمكن معرفتها على وجه التحديد، فمن الواضح أن عدد مرات الولادة المتكررة للشخص هو عدد غير نهائي.

وتُعرف عملية الولادة المتكررة باسم «سامسارا» أو «التجوال اللانهائي»، وهو مصطلح يوحي بالحركة المستمرة مثل جريان النهر. وكل الكائنات الحية جزء من هذه الحركة الدائرية المتكررة، وسوف تستمرُّ الولادة المتكررة لهذه الكائنات إلى أن يحصلوا على حالة النيرفانا.

لم تنشأ فكرة تناسُخ الأرواح مع البوذية، بل كانت موجودةً في الهند منذ عدة قرونٍ قبل عصر بوذا.

ورغم ذلك، فمعتقدات الهند المتعلِّقة بالولادة المتكرِّرة تتَّسم بطبيعةٍ مميزةٍ بسبب ارتباطها بمعتقد الكارما، وينص هذا المعتقد على أن ظروف الولادات المستقبلية تتحكَّم فيها الأفعالُ الأخلاقيةُ التي يقوم بها الشخص في حياته الحالية. وللكارما (بالبالية: «كامَّا») أهمية أساسية في المعتقد البوذي.

الكون من المنظور البوذي

يقسم المعتقد البوذي الكونَ إلى قسمين: قسم الكون المادي، ويُعتبر وعاءً أو «حاوية» (بهاجانا)، وقسم «الكائنات» (ساتفا) أو أشكال الحياة المقيمة فيه.

ويتكوَّن الكون المادي من تفاعُل العناصر الخمسة، وهي: الأرض والماء والنار والهواء والفضاء (أكاسا). والعنصر الأخير من هذه العناصر، أي عنصر الفضاء، يُعتبر عنصرًا مطلقًا، ويُنظر إليه في الفكر الهندي على أنه ليس مجرد غيابٍ للعناصر الأربعة الأخرى لكنه عنصر في حدِّ ذاته. ومن خلال التفاعُل بين العناصر الخمسة تتكون «أنظمة العالم» (وهو تقريبًا مرادف لمفهوم المجرة في وقتنا المعاصر.

ويُعتقد أن أنظمة العالم تشهد دوراتِ تطوُّرٍ واضمحلالٍ تستمر لمليارات السنين؛ فهي تأتي إلى الوجود وتستمر لبعض الوقت، ثم تتحلل تدريجيًّا قبل أن تُدمَّر في كارثةٍ هائلة. وفي الوقت المناسب سوف تتطوَّر مرةً أخرى لإكمال دورةٍ كبيرةٍ تُعرف باسم «الفترة الكبرى..

يوجد اعتقاد بأن الحالة الأخلاقية للسكان تُحدِّد مصير نظام العالم.

إن فكرة أن الكائنات ليست مجرد رعاةٍ للطبيعة، بل تخلق الطبيعة إلى حدٍّ ما، لها انعكاسات مهمة على الفكر البوذي بشأن النظام البيئي.

يرى المنظور الهندي الزمنَ دائريًّا وليس خطِّيًّا؛ فالتاريخ ليس له اتجاه أو غرض شامل، وقد تُكرَّر أنماط متشابهة من الأحداث نفسها مرات عديدة.

تخبرنا أسطورة الخلق المذكورة في خطبة «أجانيانيا سوتَّا» قصةً مختلفةً عن تلك المذكورة في سِفر التكوين، وتصف الأسطورة كيف أنه بعد تدمير أحد أنظمة العالم يُولَد تدريجيًّا سكان ذلك العالم في عالمٍ جديدٍ ناشئٍ آخذٍ في التطوُّر. في البداية، تكون أجسامهم شفافةً ولا يوجد فرق بين الجنسين.

وببطءٍ تصبح أجسادها أقلَّ أثيرية إلى أن تشبه الأجسامَ المادية الكبيرة التي لدينا الآن. وتؤدي المنافسة على الطعام إلى المشاجرات والنزاعات، وينتخب الناس مَلِكًا لحفظ السلام، وهذا الحدث يُمثِّل أصولَ الحياة الاجتماعية.

تُرجِع البوذية أصلَ معاناة البشر إلى الرغبة.

العوالم الستة للميلاد الجديد

هذه العوالم الستة هي موضوع شائع في الفن البوذي وتُصوَّر في أغلب الأحيان في «عجلة الحياة» («بهافاشاكرا»).

ومن حيث ترتيبُها، فهي تُعتبر نسخةً موسَّعة من النسخة المسيحية التقليدية المتمثِّلة في الجحيم والمَطهر والأرض والجنة، مع الفارق المتمثِّل في إمكانية ميلاد الشخص من جديدٍ على نحوٍ متكررٍ من عالم إلى آخر.

وأسهل طريقة لتَصوُّر هذا الترتيب هو التفكير في مبنًى إداريٍّ مكوَّنٍ من واحدٍ وثلاثين طابقًا. في الطابق السفلي يوجد الجحيم؛ مكان الشقاء الذي تُعاني فيه الكائنات نتائجَ أفعالهم الشريرة التي اقترفوها في الحيوات السابقة.

الاختلاف الأول هو أنه ليس مكانَ لعنٍ أبدي.

فهو مرحلة مؤقتة سوف يُحرَّر منها الشخص في النهاية. ويأتي التحرير عندما تنقضي الكارما الشريرة التي أرسلت الشخص إلى الجحيم. والاختلاف الثاني هو أنه في البوذية يوجد جحيم حارٌّ وجحيم بارد، وفي الجحيم البارد يكون العذاب بفعل التجميد بدلًا من الشَّيِّ.

وفوق الجحيم يوجد عالم الحيوانات. والميلاد من جديدٍ على هيئة حيوانٍ أمرٌ غير مرغوبٍ لأسبابٍ بديهية؛ فالحيوانات تحكمها الغريزة الوحشية وتفتقر إلى الملَكة العقلية اللازمة لفَهْم طبيعة موقفها، أو لفعل أمورٍ كثيرةٍ من أجل تحسين ذلك الموقف.

وفوق الحيوانات يوجد عالم الأشباح. وهؤلاء هم الأرواح التعيسة التي تحوم حول حوافِّ عالم البشر، ويمكن رؤيتها أحيانًا كأشكالٍ ظلالية.

أما المستوى الرابع فهو عالم الجبابرة، وهم سلالة من الكائنات الشيطانية المحاربة يقعون تحت رحمة نوازعهم العنيفة، فتُحفزهم شهوة السلطة ويسعَوْن دائمًا إلى الحروب التي لا يجدون فيها أي إشباع.

وفي المستوى الخامس يوجد عالم البشر. ويُعتبر الميلاد الجديد على هيئة بشرٍ أمرًا مرغوبًا للغاية وصعبَ المنال للغاية أيضًا.

فإذا وُلد المرء من جديدٍ على هيئة إلهٍ في جنةٍ مثاليةٍ، فمن الممكن أن ينزلق الإنسان بسهولةٍ إلى حياة الدعة ولا يُبصر الحاجة إلى السعي وراء النيرفانا.

بالإضافة إلى فرصة الوصول إلى حلٍّ دائمٍ لمشكلات الحياة؛ فالبشر لديهم العقل والإرادة الحرة، ويمكنهم استخدام هذه الملَكات لفَهْم الدارما وتطبيق تعاليم البوذية.

أما الأدوار العليا الستة والعشرون من هذا المبنى (المستويات من ٦ إلى ٣١)، فهي مساكن أو منازل الآلهة (ديفا).

وتضم هذه الآلهة شخصياتٍ مهمةً من الآلهة الهندوسية مثل إندرا وبراهما، وقد أصبحا يلعبان الآن دورًا مهمًّا في النصوص البوذية.

بالإضافة إلى آلهة «سماء الثلاثة والثلاثين»، وهي هيئة مكوَّنة من ثلاثة وثلاثين إلهًا يحكمهم ملكهم ساكَّا (بالسنسكريتية: شاكيا). وتسكن هذه الآلهة على قمة جبل ميرو الأسطوري وتشبه آلهة جبل الأوليمبوس. وتظهر هذه الآلهة على الأرض كثيرًا وتزور بوذا وتستمع إلى تعاليمه.

وتوجد آلهة عليا عديدة، لكنها كائنات بعيدة ومتسامية لا تتدخَّل في شئون البشر إلا قليلًا. وعلى الرغم من ذلك، فإن هذه الآلهة العليا خاضعة للكارما وتُولَد مجددًا في نهاية الأمر مثل أي شخصٍ آخر.

والجنات الخمس العليا (المستويات من ٢٣ إلى ٢٧) تُعرف باسم «المساكن النقية»، ولا ينالها غير أولئك المعروفين باسم «غير العائدين». تلك كائنات على وشك اكتساب التنوير، وهي لن تُولَد من جديدٍ في هيئة بشر.

عوالم الوجود الثلاثة

فكرة العوالم الستة والمستويات الإحدى والثلاثين تتداخل مع فكرةٍ أخرى تتمثَّل في أنَّ الكون مُقسَّم إلى ثلاثة عوالم. العالم الأدنى في تلك العوالم هو «عالم الرغبات الحسية» («كامافاكارا») الذي يشمل كلَّ المستويات حتى الجنة السادسة التي تعلو عالم البشر. والعالم التالي هو «عالم الشكل النقي» («روبافاكارا»)، وهو حالة روحانية علوية فيها تُدرِك الآلهة ويتواصل بعضها مع بعض من خلال نوعٍ من التخاطُر. ويمتدُّ هذا العالم حتى المستوى السابع والعشرين. وأعلى هذه العوالم هو «عالم اللاشكلية» («أروبافاكارا»)، وهو حالة روحانية مهيبة يكاد يستحيل وصفها، وبعيدة عن أي شكلٍ ونمطٍ توجد على أساسه الكائنات في صورة طاقةٍ ذهنيةٍ صافية.

الكارما

تعمل الكارما بمنزلة المصعد الذي يحمل الناس من أحد الطوابق في أحد المباني إلى طابقٍ آخر؛ فالأفعال الحسنة تؤدِّي إلى حركةٍ صاعدة، والأفعال الخبيثة تؤدِّي إلى حركةٍ هابطة؛ فالكارما ليست نظام ثوابٍ وعقابٍ يُنفِّذه الرب، بل هي نوع من القوانين الطبيعية تشبه قانون الجاذبية. وعلى هذا النحو، الأفرادُ وحدهم هم من يصنعون حظهم الحسن أو السيئ.

أما المعنى الحرفي لكلمة كارما السنسكريتية فهو «الفعل»، لكن الكارما كمفهومٍ دينيٍّ لا ترتبط بأي نوعٍ من الأفعال فحسب، بل ترتبط بأفعالٍ ذات طبيعةٍ خاصة. إن أفعال الكارما هي أفعال «أخلاقية»، وقد حدَّد بوذا الكارما بالإشارة إلى الخيارات الأخلاقية والأفعال المترتبة عليها.

ووفقًا للبوذية، يتمتع البشر بالإرادة الحرة، وعند ممارسة هذه الإرادة فإنهم يمارسون تقرير المصير. في الواقع، يخلق الأفراد أنفسهم من خلال خياراتهم الأخلاقية؛ فمن خلال اختيار أنواعٍ معينةٍ من الأشياء بحُريَّة وعلى نحوٍ متكرر، يشكِّل الفردُ شخصيتَه، ومن خلال تشكيل شخصيته يتشكَّل مصيره. وكما يقول المثل: «ازرع فعلًا تحصد عادة؛ ازرع عادةً تحصد شخصية؛ ازرع شخصيةً تحصد مصيرًا.»

مصطلحٌ صعبٌ يُترجَم عادةً بمعنى «التشكيلات الذهنية». و «السانكاراس» هي السمات والطباع الشخصية التي تكوَّنتْ عند اتخاذ الخيارات الأخلاقية («تشيتانا») وتنفيذها عمليًّا.

فالصلصال الطري هو شخصية المرء، وعندما نَتَّخذ خياراتٍ أخلاقيةً فإننا نُمسك أنفسَنا في أيدينا ونُشكِّل طبائعنا على نحوٍ جيدٍ أو سيئ.

ويشار إلى الآثار البعيدة للخيارات الكارمية باسم «النضج» (فيباكا) أو «الثمرة» (بالا) للفعل الكارمي.

ولا يشهد المرء كلَّ عواقب ما اقترفه في حياته التي قام فيها بهذه الأفعال؛ فالكارما التي تراكمتْ ولم يشهدها صاحبها تنتقل إلى الحياة التالية، أو ربما لحيواتٍ كثيرةٍ مستقبلية.

ويُعتقد أن الكارما تحدد جوانبَ معينةً أساسيةً متعلقةً بالميلاد التالي للشخص. وتشمل هذه الجوانب العائلة التي سيُولَد فيها، ومكانته الاجتماعية، ومظهره الخارجي، وبالطبع طبعه وشخصيته؛ لأن هذه الأمور يحملها معه من حياته السابقة.

فالكارما لا تُحدِّد بالضبط ما سيحدث أو كيف سيكون رد فعل أي شخصٍ تجاه ما يحدث؛ فالأفراد أحرار في مقاومة طبائعهم السابقة وتكوين أنماطٍ سلوكيةٍ جديدةٍ من شأنها أن تُوقِف دورة الميلاد المتكرر التي لا تنتهي.

من تعريف بوذا الموضَّح أعلاه يمكن أن يُعد الأمر في الأساس مسألةَ نِيَّةٍ واختيار.

ويقال إنه توجد ثلاثة جذور خيرة وثلاثة جذور سيئة؛ فالأفعال التي يكون باعثها الطمع والكراهية والوهم هي أفعال سيئة («أكوسالا»، بالسنسكريتية: «أكوشالا»)، بينما الأفعال التي يكون باعثها عكس هذه الصفات — أي عدم التعلُّق والإحسان والفهم — تكون أفعالًا جيدة («كوسالا»، بالسنسكريتية: «كوشالا»).

والأفعال الصحيحة في الأساس هي تلك التي لا تُسبِّب الضررَ للنفس أو للآخرين. أما الأفعال التي لا تُلبِّي هذين المطلبين فهي محظورة بموجب مجموعةٍ مختلفةٍ من القواعد.

الاستحقاق

ومن أفضل الطرق التي يمكن للعوام كسْب الاستحقاق من خلالها دعمُ جماعة الرهبان.

الاستحقاق يُكتسب باعتباره نتيجةً فرعيةً لفعْل الصواب؛ فَفِعْل الأفعال الجيدة لمجرد الحصول على كارما جيدةٍ سيكون فعلًا أنانيَّ النزعة، ولن يُكسِب صاحبَه الكثيرَ من الاستحقاقات.

في كثيرٍ من الثقافات البوذية يوجد معتقد «تحويل الاستحقاقات»، أو فكرة إمكانية مشاركة الكارما الجيدة مع الآخرين، تمامًا مثل المال.

وجهة نظر غربية

ففي ظل ثقافةٍ ترى الزمن يسير بطريقةٍ دائريةٍ تبدو فكرةُ الميلاد من جديدٍ فكرةً طبيعية.

هل من الضروري الإيمان بوجود العوالم الستة والجِنان والجحيم ليصبح المرء بوذيًّا؟ ليس بالضرورة.

وعاجلًا أم آجلًا فإن الكارما الجيدة التي تُسفر عن الميلاد السماوي سوف تقضي أجلها، وحتى الآلهة سوف تموت وتُولَد من جديد. إن طاقة الكارما محدودة وتنتهي في نهاية المطاف؛ فهي لا تختلف عن طاقة المركبة الفضائية في مدارٍ متلاشٍ.

الفصل الرابع: الحقائق الأربع النبيلة

الهدف النهائي للبوذية هو وضع نهايةٍ للمعاناة والميلاد المتكرِّر.

فالشخص الذي يُحقِّق حالةً كاملةً من تحقيق الذات يقال عنه إنه اكتسب النيرفانا. والنيرفانا هي «الخير الأسمى» بالنسبة إلى البوذية؛ فهي الخير النهائي والأعلى. إنها مفهوم وتجربة في آنٍ واحد؛ فالنيرفانا باعتبارها مفهومًا تُقدِّم رؤيةً خاصة لتحقيق الإنسان ذاتَه وتعطي إطارًا وشكلًا للحياة المثالية. أما النيرفانا باعتبارها تجربةً فهي تتجسَّد مع مرور الوقت في الشخص الذي يسعى إليها.

فنحن نعلم أن البوذية تهتم اهتمامًا بالغًا بالحياة الفاضلة؛ ومن ثَمَّ فإن الحياة الأخلاقية ستبدو مَطلبًا أوليًّا للحصول على النيرفانا.

وبينما تُمثِّل الفضيلة («سيلا»، بالسنسكريتية: «شيلا») مكونًا أساسيًّا في هذا النموذج، فإنها غير مكتملة في حدِّ ذاتها، وتحتاج إلى إكمالها بشيءٍ آخر. والمكون الآخر المطلوب هو الحكمة («بانيانيا»، بالسنسكريتية: «برانجانيا»). و«الحكمة» في البوذية تعني الفَهم الفلسفي العميق للحالة البشرية.

ومن هذا المنطلق، فإن النيرفانا هي مزيج من الفضيلة والحكمة. ويمكن التعبير عن العلاقة بينهما بلُغةٍ فلسفيةٍ من خلال القول بأن الفضيلة والحكمة كلتيهما شرط «ضروري» للنيرفانا، لكن كل واحدةٍ منهما على حدة «غير كافية»، وفقط عند تقديم الاثنين معًا توجد الشروط الضرورية والكافية للنيرفانا.

الحقيقة التي يجب معرفتها هي بالضرورة تلك التي أدركها بوذا في ليلة تنويره، ثم أعلن عنها في خطبته الأولى التي ألقاها في حديقة الأيائل بالقرب من بيناريس. وتشير هذه الخطبة إلى أربع أطروحاتٍ مترابطةٍ تُعرف باسم الحقائق الأربع النبيلة. وتؤكد هذه الحقائق على أن: (١) الحياة معاناة. (٢) المعاناة سببها الشهوة. (٣) المعاناة من الممكن أن تنتهي. (٤) يوجد طريق يقود إلى نهاية المعاناة. وأحيانًا يُستخدم تشبيه مجازي متعلق بالطب لتوضيح العلاقة بين تلك الحقائق، ويُشبَّه بوذا بالطبيب الذي وجد علاجًا لأمراض الحياة؛ فأولًا: يشخِّص المرض، وثانيًا: يشرح سببه، وثالثًا: يقرر وجود علاج، ورابعًا: يبدأ في العلاج.

١) حقيقة المعاناة (دوكها)

وتنص حقيقة المعاناة على أن تلك المعاناة («دوكها»، بالسنسكريتية: «دوهكا») هي جزء أساسي من الحياة، وتُشخَّص الحالة البشرية بأنها في الأساس حالة «عدم راحة».

بوذا لم يكن متشائمًا على نحوٍ مَرَضيٍّ كما أنه علم بالتأكيد من تجربته الشخصية باعتباره أميرًا شابًّا أن الحياة يمكن أن تكون بها لحظات سعيدة. رغم ذلك فالمشكلة هي أن الأوقات الجميلة لا تدوم، وعاجلًا أو آجلًا سوف تتلاشى، أو يمل المرء من الأمور التي بَدَت في السابق جديدة ومليئة بالوعود.

توضح كلمة «عدم الرضا» معنى كلمة «دوكها» على نحوٍ أفضل من كلمة «معاناة».

إن جملة «العوامل الخمسة المكونة لحياة الفرد معاناة» هي إشارة لأحد التعاليم التي شرحها بوذا في الخطبة الثانية (كتاب «فينايا») الذي يُحلِّل الطبيعة البشرية إلى خمسة عوامل، هي: الجسد المادي («روبا»)، والأحاسيس والمشاعر («فيدانا»)، والمعارف («سانيانيا»)، والسمات الشخصية والطبائع («سانكارا»)، والوعي أو الحس («فينيانيانا»).

وعلى وجه التحديد، لم يذكر هذا المعتقد الروح أو النفس؛ فهي مفهومة أنها جوهر روحاني خالد ولا يتغير. ومن خلال تبنِّي هذا الموقف، فصل بوذا نفسه عن التقليد الديني الهندي المحافظ المعروف باسم البراهمانية، الذي يزعم أن كل شخص يمتلك روحًا خالدةً («أتمان») تكون جزءًا من مطلقٍ ميتافيزيقيٍّ — أو متطابقةً معه — يُعرف باسم «براهمان» (نوع من الآلهة ليس له صفات بشرية).

قال بوذا إنه لم يستطِعْ إيجاد أي أدلةٍ على وجود الروح البشرية («أتمان») ولا نظيرتها الكونية («براهمان»). وبدلًا من ذلك سلك نهجًا عمليًّا وتجريبيًّا، أكثر قربًا لعلم النفس منه إلى علم اللاهوت.

أما بعد الإقرار بأن الحياة معاناة، فكيف تنشأ هذه المعاناة؟ تفسر الحقيقة النبيلة الثانية — حقيقة النشأة («سامودايا») — أن المعاناة تنشأ من الشهوة أو «التعطش» («تانها»، بالسنسكريتية: «ترسنا»)؛ فالشهوة تُذْكي المعاناةَ بالطريقة نفسها التي يُذْكي بها الخشبُ النارَ. وفي استعارةٍ بليغةٍ في خطبة النار (كتاب ساميوتا) قال بوذا إن التجربة البشرية كلها «مشتعلة» بالرغبة. والنار تشبيه مناسب للرغبة؛ لأنها تستهلك ما تتغذَّى عليه دون أن تشبع؛ فهي تنتشر سريعًا وتتعلق بأشياء جديدة، وتحرق بألم الشهوة التي لا تَشبع.

فإذا كانت العوامل الخمسة للفرد تُشبه السيارةَ، فإن الشهوة ستكون الوقودَ الذي يدفعها إلى الأمام.

٢) حقيقة نشأة المعاناة (سامودايا)

تنص حقيقة النشأة على أن الشهوة أو التعطش يظهر في ثلاثة أشكالٍ أساسية؛ أولها: التعطش للمتعة الحسية.

وثانيها: التعطش للوجود. ويشير هذا التعطش إلى رغبة «الوجود» الغريزية العميقة التي تقودنا إلى حيواتٍ جديدةٍ وتجارِبَ جديدة. أما الشكل الثالث الذي تظهر فيه الشهوة نفسها فهو الرغبة، ليس في الامتلاك ولكن في التدمير.

إن كلمة «تانها» أكثر تحديدًا في معناها من كلمة الرغبة؛ فهي تُعبِّر عن الرغبة التي أصبحت منحرفةً إلى حدٍّ ما، وعادةً ما يحدث ذلك عندما تصبح الرغبة مفرطة أو موجَّهة في الاتجاه الخاطئ. وعادةً ما يكون هدف تلك الرغبة هو الإثارةَ والمتعةَ الحسية.

في حقيقة النشأة، تُمثِّل «تانها» «أصول الشرِّ الثلاثة» المذكورة سابقًا، وهي الطمع والكراهية والوهم.

يمكن تلخيص أساس هذا المعتقد بأنه الزعم القائل بأن لكل نتيجة سببًا؛ أي إن كلَّ شيء يأتي إلى الوجود ينشأ معتمدًا على شيء آخر (أو على عددٍ من الأشياء الأخرى).

ويقال إن كل شيء يأتي إلى الوجود يحمل ثلاث خصائص أو «علامات»، هي: عدم الإشباع («دوكها»)، وعدم الديمومة («أنيكَّا»)، وغياب الجوهر الذاتي («أناتَّا»).

الحقيقة النبيلة الثالثة هي حقيقة الإيقاف («نيرودا»). وتقول هذه الحقيقة إنه عند التخلِّي عن الشهوة تتوقَّف المعاناة وتُكتسب النيرفانا.

المعنى الحرفي لكلمة «نيرفانا» هو «الإطفاء» أو «الإخماد»، مثلما ينطفئ لهب الشمعة. لكن ما هو الشيء الذي «ينطفئ»؟

ما ينطفئ في واقع الأمر، فهو ثالوث نيران الطمع والكراهية والوهم الذي يؤدِّي إلى الميلاد المتكرِّر.

أبسط تعريفٍ للنيرفانا في هذه الحياة هو «نهاية الطمع والكراهية والوهم» (كتاب ساميوتا).

٣) حقيقة الإيقاف (نيرودا)

ما الذي يحدث للمرء عند الممات؟ فيما يتعلق بالنيرفانا النهائية فإنها تثير مشكلات الفهم؛ فعندما تنطفئ جذوة الشهوة، ويتوقَّف الميلاد المتكرِّر، لا يُولَد الشخص الذي حظي بالتنوير من جديد؟ إذنْ، ما الذي يحدث له؟ لا يوجد جواب واضح لهذا السؤال في المصادر الأولى.

ورغم ذلك، يجب ألا تؤخذ صورة انطفاء اللهب باعتبارها إشارةً إلى أن النيرفانا النهائية هي الفناء؛ فالمصادر توضح تمامًا أن هذا الاستنتاج سيكون خاطئًا، وكذلك الحال بالنسبة إلى استنتاج أن النيرفانا هي الوجود الأبدي للروح البشرية.

نهى بوذا عن التكهُّن بطبيعة النيرفانا، وبدلًا من ذلك أكَّد على الحاجة إلى السعْي وراء اكتسابها.

وتوجد فقرات معينة يبدو أنها تشير إلى أن النيرفانا هي حقيقة علوية «غير مولودة»، و«غير مجبولة»، و«غير مخلوقة»، و«غير مُشكَّلة» (كتاب أودانا)، لكن من الصعب معرفة تفسير مثل هذه التصوُّرات.

الحقيقة النبيلة الرابعة، التي تتحدث عن الطريق أو الدرب («ماجا»، بالسنسكريتية: «مارجا»)، تشرح كيفية التحوُّل من «السامسارا» إلى النيرفانا.

وأدلى بوذا بِدَلوه أيضًا في هذا الصدد؛ فاعتَقد أن أسمى أشكال الحياة هو ذلك الذي يقود إلى اكتساب الفضيلة والمعرفة، وأن الطريق الثُّماني يُقدِّم أسلوبَ حياةٍ مصممًا لاكتساب الفضيلة والمعرفة المنشودتين.

٤) حقيقة الطريق (ماجا)

أيها الرهبان، هذه هي حقيقة الطريق الذي يقودنا إلى إيقاف المعاناة؛ إنه الطريق الثُّماني النبيل، الذي يتكون من: (١) الرؤية الصحيحة. (٢) العزم الصحيح. (٣) الكلام الصحيح. (٤) الفعل الصحيح. (٥) العيش الصحيح. (٦) الجهد الصحيح. (٧) الوعي الصحيح. (٨) التأمُّل الصحيح.

يُعرَف الطريق الثُّماني باسم «الطريقة الوسطى»؛ لأنه يختار طريقًا بين حياة الانغماس في الشهوات وحياة التقشف الشديد.

وعلى الرغم من أن الطريق يتكوَّن من ثمانية عوامل، يجب ألا تُعتبر تلك العوامل مراحلَ يتم خوضها وصولًا إلى النيرفانا ثم يتم تركها وراء ظهورنا. وبدلًا من ذلك، تُمثِّل العواملُ الثمانيةُ الطرقَ التي يجب بها غرْس مبادئ الأخلاق والتأمُّل والحكمة على نحوٍ مستمر. «الرؤية الصحيحة» تعني أولًا قَبول التعاليم البوذية، ولاحقًا إثباتها تجريبيًّا. و«العزم الصحيح» يعني الالتزام الجاد باكتساب التوجُّهات الصحيحة. و«الكلام الصحيح» يعني قول الحقيقة والتحدُّث بطريقةٍ تُراعي مشاعر الآخرين. و«الفعل الصحيح» يعني الإحجام عن السلوكيات الجسدية الخاطئة مثل القتل أو السرقة، أو التصرف على نحوٍ خاطئٍ فيما يتعلق بالمتعة الحسية. و«العيش الصحيح» يعني عدم ممارسة مهنة تُسبِّب الأذى للآخرين. و«الجهد الصحيح» يعني اكتساب المرء السيطرة على أفكاره وتهيئة حالاتٍ ذهنيةٍ إيجابيةٍ لديه. و«الوعي الصحيح» يعني اكتساب الوعي الدائم. و«التأمل الصحيح» يعني اكتساب مستوياتٍ عميقةٍ من الهدوء الذهني من خلال أساليبَ مختلفةٍ تجعل العقل يُفكِّر بوضوحٍ عالٍ وتعمل على تكامُل الشخصية.

وبهذا الصدد، فإن ممارسة الطريق الثُّماني هي بمنزلة عملية إعادة تشكيل؛ فالعوامل الثمانية تكشف كيف سيعيش أتباع بوذا، ومن خلال العيش مثل بوذا يصبح المرء بوذيًّا مع مرور الوقت.

الفصل الخامس: الماهايانا

لم يُعيِّن بوذا خليفةً له، وترك أتباعه يفسرون الدارما بأنفسهم. ولم يمضِ وقت طويل حتى نشبَتِ الخلافات. في البداية، كانت الخلافات تدور حول ممارسة الرهبنة، وفيما بعدُ أصبحَتِ الخلافات متعلقة بالعقيدة، وفي ظل غياب مرجعية مركزية، كان نشوء تقاليد مختلفة من البوذية أمرًا حتميًّا تمامًا.

الانقسام الكبير

يعود السبب وراء الانقسام إلى الصعوبات والتوترات العامة التي حدثت عندما بدأت البوذية تنتشر خارج حدود وطنها الأم إلى بقية أجزاء الهند. ومع توسُّع البوذية، قابلت عاداتٍ وأفكارًا جديدة؛ فكيف يجب أن تكون استجابتها؟ هل يجب أن تتمسك بقوةٍ بالطُّرق القديمة، أم يجب أن تتغير للتكيُّف مع المعتقدات والممارسات الجديدة؟

ومع مرور الوقت انقسمتْ كلٌّ من طائفة الأقدمين وطائفة الجمعية العامة إلى عددٍ من المذاهب الفرعية. وقد اندثرت كل هذه المذاهب منذ ذلك الحين، باستثناء مذهب تيرافادا، المأخوذ من تقليد الأقدمين. ورغم ذلك، فكثير من هذه المذاهب الأولية أسهمتْ في التراث الذي قدَّموه لحركةٍ جديدةٍ ثوريةٍ أصبحتْ معروفة باسم «ماهايانا».

الماهايانا: التأكيد الجديد

ماهايانا تعني «العربة الكبرى»، وتسمى بهذا الاسم لأنها تَعتبر نفسَها الطريقة الشاملة للخلاص. ووقعتْ فترة التكوين الأولى لهذه الحركة تقريبًا في وقت المسيح، وقد يرجع تاريخها بالتقريب إلى ما بين عامَي ١٠٠ قبل الميلاد و١٠٠ بعد الميلاد.

وعلى الرغم من عدم وجود دليل دامغ على التأثير المتبادَل بين المسيحية والبوذية، فَثَمَّةَ بعض أوجهِ شبهٍ بين المسيحية وبوذية الماهايانا، وقد يكون من المفيد ذكرها. أول هذه التشابهات يتعلق بمفهوم المخلِّص؛ فمثلما تَعتبر المسيحيةُ تضحيةَ المسيح بنفسه نموذجًا لخدمة المسيحية للآخرين، فإن المبدأ الأعلى في الماهايانا هو عيش حياةٍ وُهبت من أجل تحقيق السعادة للعالم. وبدلًا من السعي وراء تحقيق الخلاص للفرد، مثلما تنصح التعاليم الأولى، فإن الماهايانا تُؤكِّد بشدةٍ على العمل على إنقاذ الآخرين.

ويتجلَّى هذا الأمر في مبدأ البوديساتفا، وهو شخص يتعهَّد بأن يعمل دون كللٍ أو مللٍ على مدار حيواتٍ لا تُعد ولا تُحصى كي يقود الآخرين إلى النيرفانا. وكلُّ شخصٍ يعتنق الماهايانا يُصبح بطبيعة الحال بوديساتفا، لكن بالنسبة إلى معظم معتنقي الماهايانا، تكون هذه مجرد نقطة بداية طريق التطوُّر الروحي الطويل.

ويرتبط بفكرة خدمة الآخرين مفهومُ الحب الإيثاري؛ فالمسيح أعطى الحب («أجابا») أهميةً كبيرةً في تعاليمه، وفي الماهايانا تحتلُّ الشفقة («كارونا») مكانةً محورية. وفي واقع الأمر، فإن الشفقة إزاء معاناة الآخرين هو ما يُحفِّز البوديساتفا للتضحية بنفسه نيابةً عنهم. وبطبيعة الحال، لا يستطيع البوديساتفا «فداء» الآخرين مثلما فعل المسيح.

أفكار جديدة عن بوذا

وعند ظهور الماهايانا، كان بوذا قد مات منذ عدة قرون، ومع تزايُد المبالغة والتفاصيل المثيرة غير الحقيقية في الروايات التي تقصُّ حياته، أصبح الناس يعتقدون أنه نصف إله.

فعلى الرغم من أن طائفة الأقدمين قالوا إنه رحل من هذا العالم إلى النيرفانا النهائية، كان هناك اعتقاد أيضًا بأنه يوجد في عالمٍ روحانيٍّ متسامٍ. واستنتج أتباع الماهايانا أن كائنًا رحيمًا مثل بوذا لا يمكن أبدًا أن يعزل نفسه عن الآخرين، واعتقدوا أنه ما زال «موجودًا» في مكانٍ ما، يعمل بفعالية من أجل سعادة الكائنات، تمامًا مثلما كان يفعل على الأرض.

وفي نهاية الأمر، أسفرت هذه الأفكار عن تصوُّرٍ كاملٍ للكون من منظور الماهايانا، وكذلك أنتجت «بوذية» جديدة تتصوَّر أن بوذا له «ثلاثة أجسام» («تريكايا») أو أنه يوجد في ثلاثة أبعاد: بُعد أرضي، وبُعد سماوي، وبُعد متسامٍ.

أما الجسم الأرضي («نيرماناكايا») فهو الجسم البشري الذي كان يمتلكه عندما كان على الأرض. أما الجسم السماوي («سامبوجاكايا») فكان في عالمٍ منعَّمٍ يوجد في مكانٍ «مغايرٍ» للعالم الذي نسكنه الآن، ولا يختلف عن الجنة في المفهوم المسيحي. أما الجسم المتسامي («دارماكايا») فهو يُمثِّل بوذا الذي اعتقدوا أنه يساوي الحقيقةَ المطلقة، وهذا المنظور لا يختلف في عدة أمورٍ عن الطريقة التي تحدَّث بها الصوفيون المسيحيون والفلاسفة عن الرَّبِّ باعتباره المطلق أو الحقيقة المطلقة (مذاهب الماهايانا تفهم هذه المصطلحات بتفسيراتٍ شتى).

أما آخِر تشابهٍ مع العقيدة المسيحية يمكن ذكره، فهو أنه مثلما سيكون «مجيء ثانٍ» قبل يوم القيامة، نشأ اعتقادٌ بأن أحد البُددة (جمع بُد؛ أي بوذي) واسمه مايتريا سوف يظهر في نهاية العصر الحالي، وعندها سيسود عصر مثالي يكتسب فيه الناسُ التنويرَ.

ويُعرِّف البوذيون أنفسَهم باعتبار انتمائهم للماهايانا أو للتيرافادا مثلما يُعرِّف المسيحيون أنفسَهم على أنهم كاثوليك أو بروتستانت.

علاوةً على ذلك، توجد تشابهات عقائدية بين كلٍّ من البروتستانتية والبوذية القديمة تتمثَّل في أن كلتيهما ترى أن الخلاص مسئولية الفرد في الأساس، بينما الكاثوليكية (وأيضًا الكنائس الأرثوذكسية)، وكذلك بوذية الماهايانا تعتقد أن المساعدة والشفاعة أمران ممكنان الحدوث من خلال وساطة القديسين والبوديساتفا.

نصوص الماهايانا

كانت نواة الماهايانا سلسلةً من النصوص الحديثة ظهرتْ في القرون الأولى للحقبة المسيحية. وعلى الرغم من أن النصوص القديمة (يسمى النص بالسنسكريتية: «سوترا») الموجودة في قانون بالي يُعتقد أنها كلام بوذا نفسه، فإن النصوص («السوترات») الجديدة لا يمكن عزْوُها بسهولةٍ إلى المؤسِّس.

ورغم ذلك، فإن هذه النصوص — التي كانت مجهولةَ المؤلِّف ويظهر في الغالب أنها أعمال لعدة مؤلفين — اكتسبت مرجعية كبيرة لأنها بدت حالمة وملهمة.

بقايا مخطوطات خاروستي

على مدار ما يزيد على نصف قرنٍ كان الباحثون يتكهَّنون بوجود قانونٍ بوذيٍّ مفقود من منطقة جاندارا الواقعة شمال غرب الهند. وثَبَت وجود هذا القانون ثبوتًا قاطعًا عقب استحواذ المكتبة البريطانية في عام ١٩٩٤ على مجموعة بقايا مخطوطاتٍ عددُها تسع وعشرون، موجودة في ثلاثَ عشْرةَ لفافة مصنوعة من جذع شجر القضبان. كانت المخطوطات مدفونة في قِدرٍ من الطمي لمدة ألفَي سنة تقريبًا، وهذا يجعلها أقدم المخطوطات البوذية (والجنوب آسيوية) المتبقية.

لغة النصوص هي اللغة الجاندارية، والنقش المكتوبة به هو الخاروستي؛ ولهذا السبب يُشار إلى المخطوطات أحيانًا باسم «بقايا مخطوطات خاروستي» أو «مخطوطات خاروستي». وما زالت مخطوطات جاندارية أخرى تابعة لفترات مختلفة موجودةً ضمن مجموعاتٍ أخرى؛ مما يوفِّر بيانات مقارنة مثيرة.

ازدهر الفن البوذي والثقافة البوذية في منطقة جاندارا (وتوجد تقريبًا في الموقع الحالي لباكستان وأفغانستان) على مدار نحو ثمانية قرون، من القرن الثالث قبل الميلاد فما يليه. في أَوْجِها، من نحو عام ١٠٠ قبل الميلاد إلى عام ٢٠٠ ميلاديًّا، كانت العاصمة المزدهرة والمرموقة للسلالات الثرية، وكانت على الأرجح أهم مركز للبوذية في العالم القديم.

إن أهمية مجموعة مخطوطات خاروستي لفهم البوذية القديمة قد تُشبه أهمية مخطوطات البحر الميت لفهم المسيحية.

ونُشر كثيرٌ من هذه النصوص كجزءٍ من مشروعٍ مشتركٍ بين المكتبة البريطانية وجامعة واشنطن، وهذه النصوص بالإضافة إلى بقايا أخرى متبقيةٍ تعود إلى فتراتٍ مختلفةٍ تُقدِّم رؤًى جديدة عن وضع وتوحيد ونشر القوانين التشريعية البوذية عبر التاريخ.

بدأت سوترات الماهايانا الكبرى، مثل «سوترا اللوتس» (تقريبًا عام ٢٠٠ بعد الميلاد) مراجعةً جذريةً للتاريخ البوذي القديم.

وغالبًا ما سخرتْ سوترات الماهايانا من المذاهب الأولى، وقد أطلقت عليها وصفًا مهينًا، هو «هينايانا»؛ أي «العربة الصغرى».

وتوجد ست فضائل مهمة لممارسة البوديساتفا، وتُعرف بالمثاليات الست (انظر مربع النص). وكلما مارَس البوديساتفا هذه المثاليات أحرز تقدمًا في نظام المراحل العشر («بومي»)، وكل مرحلةٍ من هذه المراحل تُعد خطوةً مهمَّة على طريق الوصول إلى النيرفانا.

المثاليات الست (باراميتاس) للبوديساتفا هي: (١) الكرم (دانا). (٢) الأخلاقية (سيلا). (٣) الصبر (كسانتي). (٤) الشجاعة (فيريا). (٥) التأمل (سامادي). (٦) الحكمة (براجنيا).

فضائل الماهايانا

بالإضافة إلى ذلك، ظهرتْ مجموعة غنية من البُددة والبوديساتفا، يُعتقد أنها تسكن في كَون مهيب غير مرئي. ومثلما تشرَّف نظامنا العالمي بوجود بوذا، بدا من المنطقي افتراضُ وجود بُددة في العوالم الأخرى؛ ولذلك أخذت الماهايانا تخترع أسماءً وشخصياتٍ لهؤلاء البُددة المتخيَّلين ووضعتْهم في عوالمَ بوذيةٍ رائعة.

وبوذا الموجود في الجهة الغربية يُعرَف باسم «أميتابا» («الضوء اللانهائي»). وفي بوذيَّة شرق آسيا، أصبح بوذا مركزَ طائفةٍ شهيرةٍ قامت على أساس جنةٍ رائعةٍ أو «أرض نقية» كان يُعتقد أنه يسكنها. وقد قطع أميتابا (يُعرف في اليابان باسم أميدا) على نفسه عهدًا أنه إذا اكتسب التنوير فسوف يساعد أي شخصٍ يتوسَّل باسمه بروحٍ من الإيمان، وتتمثَّل هذه المساعدة في أن يضمن له أنه سيُولَد من جديدٍ في أرضه النقية المعروفة باسم «سوكافاتي» («المباركة بالسعادة»).

تطوُّرات فلسفية

مع تعدُّد «السوترات» الجديدة، بدأ المعلمون البوذيون تأليف تعليقاتٍ وأطروحاتٍ تُقدِّم الأساس الفلسفي لمعتقدات الماهايانا. وأشهر هؤلاء الفلاسفة كان ناجارجونا الذي عاش تقريبًا في عام ١٥٠ ميلاديًّا، وأسَّس مذهبًا يُعرف باسم مادياماكا أو «المذهب الوسطي».

إن التخلُّص من الجهل الروحي («أفيديا») وإدراك أن الأشياء خالية يدمِّر الخوف — أو الشهوة — الذي نُكنُّه تجاهها. وأطلق ناجارجونا وأتباعه على مجموعة الأفكار المعقدة التي قدَّموها اسم «معتقد الخواء» («شونيافادا») وأصبح هذا المعتقد مصدر إلهامٍ لفكر الماهايانا عبر القرون فجعلهم يكتبون عددًا لا حصر له من التعليقات والأطروحات.

ملخص

وقد خمَّن الباحثون إمكانية وجود تأثيرٍ للهلنستية والزرادشتية على البوذية، ذلك التأثير الذي قد يكون مسئولًا عن تلك التطوُّرات؛ فهذه المنطقة كانت بوتقةً ثقافيةً تدفَّق فيها العديد من الأفكار والبضائع والسلع من طرق التجارة الآسيوية.

الفصل السادس: انتشار البوذية

أشوكا

كانت البوذية منذ بداياتها ديانةً تبشيرية؛ فقد تجوَّل بوذا في منطقةٍ كبيرةٍ ناشرًا تعاليمه، وحضَّ أتباعه بوضوحٍ على أن يحذُوا حذْوَه من خلال هذه الكلمات: «اذهبوا أيها الرهبان وتجوَّلوا من أجل خير ورفاهية الناس.»

شهد انتشار البوذية زخمًا كبيرًا في القرن الثالث قبل الميلاد عندما أصبح واحدٌ من أعظم الشخصيات في التاريخ الهندي — ويُدعى أشوكا موريا — إمبراطورًا للهند في حوالي عام ٢٦٨ قبل الميلاد. من خلال الغزو، وسَّع أشوكا رقعة الإمبراطورية المورية وجعلها أكبر إمبراطورية شهدتها الهند حتى الحكم البريطاني.

وبعد حملةٍ دمويةٍ على الساحل الشرقي في المنطقة التي تُعرف اليوم باسم أوريسا، شعر أشوكا بالندم وتحوَّل إلى البوذية. وطوال بقية حُكمه الطويل حكم أشوكا وفقًا لتعاليم البوذية، وازدهرت البوذية تحت رعايته.

أقدم ذِكر باقٍ للبوذية في الوثائق الغربية يوجد في كتابات إكليمندس الإسكندري في القرن الميلادي الثاني.

البوذية في الهند

وفي أواخر القرن العاشر، تعرَّض شمال الهند للهجوم مرةً أخرى. وفي هذه المرة كان الغزاةُ مسلمين أتراكًا شنُّوا سلسلةً طويلةً من الحملات في غضونها توغَّلوا إلى عمق شمال شرق الهند؛ مما جعلهم يحتكُّون بالموطن القديم للبوذية. واتَّخذت هذه الحملات شكل الغارات التي كان دافعُها الرغبةَ في الغنيمة ومبررُها مبدأَ «الجهاد».

وعانت البوذية بشدةٍ من هذه الغارات؛ لأن الأديرة غير المحصَّنة مثَّلتْ غنيمةً سهلة. اعتُبر البوذيون «وثنيِّين» في نظر المسلمين بسبب صور البُددة ورهبان البوديساتفا التي كانت تُزيِّن أديرتهم، ودُمرت الأعمال الفنية وأُحرقت المكتبات بالكامل.

وكما لو كانت البوذية تُجسِّد حقيقة تعليمها القائل بأن كل ما يظهر سوف يختفي، فقد اختفَتِ البوذية تقريبًا من الأرض التي شهدتْ مولدها.

ونظرًا لبقاء مذهبٍ واحدٍ فقط من الاثني عشر مذهبًا من التقليد القديم، الذي يُعرف بمذهب التيرافادا، سوف أتحدث من الآن فصاعدًا عن الشكلين الرئيسيَّين المتبقيَين من البوذية المعروفَين باسم الماهايانا والتيرافادا.

سريلانكا

بدءًا بدول الجنوب، التي تنتشر بها بوذية التيرافادا، نجد أن جزيرة سيلون — موطن دولة سريلانكا الحالية — قد لعبت دورًا أساسيًّا في الحفاظ على التراث البوذي وتطويره. ووفقًا لسجلات البوذية المحفوظة في سريلانكا، فقد دخلَتِ البوذية إلى سيلون في عام ٢٥٠ قبل الميلاد على يد راهبٍ يُدعى ماهيندا، مبعوث من قِبل الإمبراطور أشوكا. أسَّس ماهيندا ورفاقه الرهبان مجتمَعًا للرهبان في ماهافيرا («الدير الكبير») في العاصمة أنورادابورا. وفي سريلانكا في وقتٍ يقرب من عام ٨٠ قبل الميلاد، دُوِّن قانون بالي للمرة الأولى كتابةً؛ وكان ذلك نتيجةً للمخاوف من اندثار طريقة النقل الشفهي للتراث بسبب الحرب والمجاعة.

وكان من أشهر سكان الجزيرة الراهبُ الهندي بوداجوزا الذي وصل في القرن الخامس من الميلاد. وجمع بوداجوزا ودقَّق وحرَّر التعليقات الأولى على القانون وترجمها إلى اللغة البالية. ويمكن تشبيه مكانته وتأثيره بمكانة وتأثير أب الكنيسة القديس جيروم (٣٤٧–٤٢٠) الذي عاش قبله بفترةٍ قصيرة وترجم الإنجيل إلى اللغة اللاتينية. وظلَّ عمل بوداجوزا الكلاسيكي المعروف باسم «فيسوديماجا» أو «طريق التطهير» — كتاب يجمع كلَّ ما هو متعلق بالمعتقد والممارسة — علامةً مميزةً في أدبيات التيرافادا.

جنوب شرق آسيا

من دول التيرافادا المهمة الأخرى الموجودة في جنوب شرق آسيا بورما (المعروفة رسميًّا الآن باسم ميانمار) وتايلاند (سيام سابقًا).

وحاليًّا نحو ٨٩ بالمائة من السكان يتبعون بوذية التيرافادا.

كانت التيرافادا موطَّدة الأركان في أجزاءٍ من الأرض المجاورة المعروفة باسم تايلاند،

وتلقَّت التيرافادا رعايةً ملكية، ولم يمر وقت طويل حتى حلَّتْ محل منافسيها من الديانات. واليوم يدين ٩٥ بالمائة من سكَّان تايلاند بالبوذية.

وتوجد أشكال كثيرة للتوفيق بين المعتقدات الدينية في هذه المناطق على هيئة مزيجٍ من التيرافادا والماهايانا والأديان المحلية للسكان الأصليين. وعندما تنتشر البوذية لا تميل إلى استئصال المعتقدات الموجودة، بل تدمجها في عالمها جنبًا إلى جنب مع الآلهة والأرواح المحلية.

وفي شمال آسيا أيضًا، حيث تسيطر بوذية الماهايانا، يتم احتواء معتقدات السكان الأصليين. وقد ازدهرتْ بوذية الماهايانا في أنحاء آسيا الوسطى، وكذلك في التبت والصين واليابان وكوريا.

كان من أهم وسائل انتشار البوذية طرق التجارة القديمة التي قطعتْ آسيا برًّا وبحرًا. وفي أغلب الأحيان كان الرهبان البوذيون يرافقون القوافل في رحلاتها البرية من واحةٍ إلى واحة، أو يسافرون بحرًا حول المياه الساحلية لآسيا.

وكثير من التجار كانوا أثرياء وكان لديهم الوقت لإشباع فضولهم بشأن المعتقدات الجديدة، وكانوا يمتلكون الموارد المالية لتقديم التبرعات ورعاية الأنشطة الدينية. وكثير منهم أصبحوا رعاةً للبوذية؛ فشيَّدوا الأضرحة، وساهموا في بناء الأديرة وصيانتها، إما بدافع التقوى وإما بتوقُّع الفوز بميزةٍ كارميةٍ نتيجةً لأفعالهم الخيِّرة.

وعلى مدار القرنين الماضيين، هاجرتْ أعداد كبيرة من الصينيين واليابانيين البوذيين إلى أمريكا وأوروبا، مصطحبين دينَهم معهم. وبعد فترةٍ ليست ببعيدةٍ انضم إليهم بوذيون من فيتنام ومن أجزاءٍ أخرى في جنوب آسيا.

الصين

وكان الرهبان البوذيون يسافرون في قوافلَ تَعبُر طريقَ الحرير؛ الطريقَ الأساسيَّ لنقل البضائع الفاخرة من الصين إلى الغرب.

وكانت الأيديولوجية السائدة في الصين هي الكونفوشيوسية، وهي نظام مبادئ اجتماعية أخلاقية مأخوذة من تعاليم الحكيم كونج فو تسو أو كونفوشيوس (٥٥٠–٤٧٠ قبل الميلاد). وبدا في أمورٍ معينةٍ أن البوذية تتعارض مع القيم الكونفوشيوسية.

سوترا الماسة: أقدم نصٍّ مطبوعٍ في العالم هو نسخة من «سوترا الماسة»، وهو أحد نصوص الماهايانا المهمة. يعود تاريخ النسخة إلى عام ٨٦٨ ميلاديًّا.

لقد بدا أن البوذية تحل محل الكونفوشيوسية في الأمور التي تركتْها الأخيرة، وتصف العالمَ غير المرئي الذي لم تقل عنه الكونفوشيوسية سوى القليل.

ذات مرةٍ سأل أحد التلاميذ كونفوشيوس فقال: «أيها المعلم، كيف يجب أن نتعامل مع الأرواح والآلهة؟» فكان الجواب: «لا يمكنك التعامل مع الأرواح والآلهة على نحوٍ لائقٍ قبل أن تتعلم كيف تُعامِل رفاقك من البشر على نحوٍ لائق.»

قلَّلت الكونفوشيوسية من مكانة عالم ما وراء الطبيعة وجعلتْه في المرتبة الثانية، وتركتْ أسئلةً كثيرة دون إجابات؛ مما أثار فضول الكثير من الصينيين.

وبذلك، في حين تَقبَّل الكثير من الصينيين الكونفوشيوسية باعتبارها دليلًا موثوقًا لهذا العالم، فإنهم الْتجَئُوا إلى البوذية باعتبارها دليلًا لعالم الآخرة.

تتشابه البوذية في عدة أمورٍ مع فلسفةٍ صينيةٍ أخرى، هي الفلسفة الطاوية، وهي نوع من الصوفية الطبيعية أسَّسها الحكيم الأسطورة لاو تسو (وُلد عام ٦٠٤ قبل الميلاد). وهدف الطاوية هو العيش في تناغمٍ مع الطبيعة من خلال تعلُّم تحقيق التوازن بين قوَّتَي الين واليانج اللتين تُكمل كلٌّ منهما الأخرى، واللتين يُعتقد أنهما تسودان الكون. الين هو المبدأ الأنثوي الذي يُعبِّر عن نفسه في الرقة والسلبية، بينما اليانج هو المبدأ الذكوري الذي يُظهر نفسَه في الصلابة والقوة.

والشخص الذي يستطيع الجمع بين هاتين القوتين في نفسه كان يُعتقد أنه يكتسب سلامًا روحانيًّا عميقًا، وكذلك قوًى سحريةً وطولَ العمر. ويُقدِّم كتاب «داو دي جينج» الكلاسيكي («كتاب الطريق وفضيلته») المنسوب إلى لاو تسو مبادئَ خوض هذه الحياة العليا.

ونشأ عن هذا التفاعل مذهب بوذيةٍ صينيةٍ عُرف باسم تشان (سلف بوذية الزن اليابانية). إلا أنه على الرغم من أن التعاليم الطاوية كانت غيرَ منظَّمةٍ وأكَّدتْ على الهدوء والإلهام، فقد قدمت البوذية إطارًا فلسفيًّا منهجيًّا وتراثًا من النصوص لدراستها. وراقَ هذا الجانب من البوذية للصينيين بسبب حبهم للدراسة والتعلُّم، وبعد فترةٍ أصبحَتِ البوذية ثالث «الأديان الثلاثة» للصين، على الرغم من أنها لم تنجح مطلقًا في التخلُّص من ارتباطاتها الأجنبية.

اليابان

تُعد اليابان من المراكز البوذية المهمة في الشرق الأقصى. وصلت البوذية إلى اليابان في القرن السادس عن طريق كوريا، لكنها استقَتِ الكثير من الإلهام من الصين.

الراهبات البوذيات

تُظهر المصادر البوذية القديمة أن بوذا كان مترددًا في السماح بإنشاء أخويةٍ للراهبات، لكنه عدل عن رأيه بعد توسلاتٍ مستمرةٍ من عمته وزوجة أبيه للسماح لهما بالانضمام إلى «السانجا». وعلى الرغم من أن ترسيم النساء باعتبارهن راهباتٍ كان تطوُّرًا ثوريًّا في الهند؛ فقد فرض بوذا بعض الشروط المقيِّدة التي جعلتْ رهبنة النساء في مكانةٍ تابعةٍ لرهبنة الرجال.

بالإضافة إلى مذهب الأرض النقية ومذهب نيتشيرين، فإن ثالث أهم مذاهب البوذية اليابانية هو الزِّن، ذلك المذهب الذي جاء إلى اليابان من الصين (وكان معروفًا هناك باسم تشان) وكوريا في أوائل القرن الثالث عشر. وكلمة «زن» مشتقة من الكلمة السنسكريتية «ديانا» (باللغة البالية: «جهانا») وتعني «الغشية»، ويلعب التأمل دورًا محوريًّا في ممارسة الزن.

وفقًا لأحد التفسيرات المهمة التي تعود إلى دي تي سوزوكي (١٨٧٠–١٩٦٦)، وهو شارحٌ بارزٌ لفلسفة الزن في الغرب، يرى مذهب الزن أن التنوير يحدث في لحظة يقظةٍ حدْسيةٍ لا يُدركها المنطق.

الزن لديه ميل واضح إلى تحطيم المعتقدات التقليدية، وتُعتبر دراسة النصوص والمعتقدات والعقائد عقبةً محتمَلة في طريق الصحوة الروحية، ويعتمد بدلًا من ذلك على الدعابة، والعفوية، واللاتقليدية، والشعر، وغيرها من أشكال التعبير الفني لتوصيل فكرةٍ مفادُها أن التنوير صحوةٌ لا يمكن إدراكها عن طريق المنطق، ويمكن نقلها من المعلم إلى تلميذه، لكنها في النهاية لا يمكن فهمها من خلال مجرد «كلمات وحروف».

للزن فرعان رئيسيان؛ أحدهما مذهب سوتو الذي يعتقد أن التأمُّل الباعث على الهدوء هو كل ما يلزم، بينما يستخدم المذهب الآخر، زن رينزاي، أساليبَ أخرى باعتبارها مركزًا للتأمل. ومن أشهر هذه الأساليب استخدام ألغازٍ لا يمكن حلُّها تُعرف باسم ألغاز «كوان». ومن أشهر أمثلة ألغاز كوان ذلك الذي يطرح هذا السؤال: «ما صوتُ تصفيق اليد الواحدة؟» ويعطي معلم الزن هذا اللغز لأحد الطلاب ليتأمَّل فيه، ويطلب منه أن يعود بعد فترةٍ معينةٍ ومعه الحل. ولا يُقبل من الطالب أيُّ حلٍّ منطقيٍّ (كأن يجيب على السؤال قائلًا: «السكون.»)

التبت

ونظرًا لصعوبة الوصول إلى هذه المنطقة الجبلية وغياب طُرق التجارة المعبَّدة، لم تصلِ البوذية إلى التبت إلا في القرن الثامن. ويُعرف نوع البوذية الذي انتشر في التبت بأسماءٍ عدة، هي التانترا أو فاجرايانا («عربة الصاعقة»)، أو مانترايانا — بسبب كثرة استخدامها للصيغ والترانيم السحرية.

تتبنَّى الفاجرايانا فلسفة الماهايانا وتُصوِّرها للكون وتُضيف إليها الكثير من الرموز ومجموعة ممارساتٍ دينيةٍ خاصةٍ بها. وجوهر هذه الحركة هو مجموعة من الأطروحات السرية التي تُعرف باسم تانترات، تكوَّنت في الهند في الجزء الأخير من الألفية الأولى. وتستخدم التانترات مخططاتٍ صوفيةً («ماندالات») وتعاويذَ سحريةً («مانترات»)، وتكتب ﺑ «لغة الشفق» («ساندياباسا») الغامضة التي يَملِك مفاتحَها المنتسبون فقط. ويُمنَح الانتساب على يد المعلم الروحي (بالتبتية: لاما) الذي يُعلِّم المعنى الباطني للكلمات ورموزها لطلابه. وتُشبه التانترا في أشكالها الخارجية مدارس السحر الطقسي الغربي التي تستخدم الدوائر والنجوم الخماسية والعزائم والتعاويذ.

تُعلِّم التانترات أن أي شيء — حتى الرغبة — يمكن استخدامه على نحوٍ مفيدٍ كوسيلةٍ للتحرر. ولا تُعتبر الشهوات شريرةً بطبيعتها، بل تُعتبر مجرد شكلٍ قويٍّ من أشكال الطاقة التي يمكن استخدامها لأغراضٍ كثيرة — كما هي الحال مع الكهرباء. والرغبة الجنسية، على وجه الخصوص، التي كانت تُعتبر في السابق أكبرَ عقبةٍ في سبيل التقدُّم الديني بالنسبة إلى الرهبان، أصبحت تُعَدُّ قوةً كامنة إذا ما استُخدمتْ على النحو الصحيح؛ فمن الممكن أن تُعجِّل من التطوُّر الروحي.

يُظهر الكثيرُ من الرسوم والأيقونات التبتية محتوًى جنسيًّا واضحًا، لكنها تُفسَّر عادةً بطريقةٍ رمزيةٍ تقول إن الشريك الذكري يُمثِّل الوسيلة الماهرة (الأساليب المتعددة التي يقود بها البوديساتفا الناسَ إلى التنوير)، بينما يُمثِّل الشريك الأنثوي الحكمة، ويُمثِّل اتحادُهما الجنسيُّ السعيدُ النيرفانا.

والدالاي لامات التبتيون هم أعضاء مذهب جيلوجبا. و«دالاي» كلمة مغولية تعني «محيط» («الحكمة»)، وهو لقب أطلقه الحاكم المغولي ألتان خان في القرن السادس عشر. ويشمل منصب الدالاي لاما كلًّا من النطاق الديني والنطاق الدنيوي. وكان يحكم التبتَ سلسلةٌ من الدالاي لامات حتى العصور الحديثة.

ظلَّ التبت تحت حُكم الشيوعيين، وأدَّى برنامج «تطهيرٍ عرقيٍّ» ممنهجٍ ووحشيٍّ إلى هروب ما يزيد على مليون لاجئٍ تبتي. ودُمِّرَ الكثير من الأديرة البوذية القديمة بمخطوطاتها وأعمالها الفنية التي لا تُقدَّر بثمن.

الفصل السابع: التأمُّل

التأمُّل («سامادي») هو واحد من الفروع الثلاثة للطريق الثُّماني؛ ومن ثَمَّ يحتَلُّ مكانة محورية في الممارسة البوذية. أما المصطلح الأعم الذي يُشير إلى التأمُّل في البوذية، فهو «بهافانا» ويعني «الغرس» أو حرفيًّا «تحقيق المرغوب». والمعنى الحرفي مناسب تمامًا؛ لأن التأمُّل هو الاستراتيجية البوذية الأساسية لجعْل المرء قادرًا على تحقيق ما يريده لنفسه.

فتقريبًا كل مذاهب البوذية ترى أن التأمُّل هو الطريق السريع للتنوير، ويُمثِّل التأمُّل جزءًا أساسيًّا في البُعد «التجريبي» للبوذية بوصفها أحدَ الأديان.

الخلفية الهندية

وقبل قدوم بوذا بعدة قرون، زاد الاهتمام بالبُعد الداخلي للحياة الروحانية على نحوٍ أدَّى إلى تأليف مجموعةٍ من الكتابات الدينية تُعرف باسم «الأوبانيشاد». وسعتْ هذه الأطروحات إلى شرح العلاقة بين الذات الداخلية («أتمان») وأساس الوجود الكوني، ووصفت الأساليب الصوفية التي من خلالها يمكن للنفس أن تُدرِك تَطابُقها مع الحقيقة العليا («البراهمان»). وعلى الرغم من اختلاف بوذا مع الفلسفة الأساسية لهذه النصوص، فإنه كان متعاطفًا مع رسالتها التي تقول إن الخلاص يمكن البحث عنه داخل النفس، ويمكن أن يأتي فقط من خلال الفهم العميق لطبيعة المرء.

بالإضافة إلى تعاليم «الأوبانيشاد»، ربما كان بوذا على علمٍ بمعتقدات وممارسات تقليد اليوجا؛ فعلى الرغم من أن معتقدات وممارسات اليوجا تقوم على تعاليمَ فلسفيةٍ رفَضها بوذا، فقد طوَّر ممارسو اليوجا مجموعةَ أساليبَ معقدةٍ للسيطرة على كلٍّ من العقل والجسم. وترتبط اليوجا لغويًّا بكلمة «السيطرة»، وممارسة اليوجا تتضمن تقنيةً روحانيةً معقدةً للسيطرة على قدرات العقل والتحكُّم فيها.

طبيعة التأمل

يمكن تعريف التأمل بأنه حالة تغييرٍ للوعي تُستثار بطريقةٍ محكومة. لا يوجد أي شيءٍ غامضٍ بشأن التأمل، والناس يدخلون ويخرجون من حالاتٍ شبيهةٍ بالغشية مماثلةٍ للتأمل على نحوٍ عفويٍّ خلال حياة اليقظة.

ويمكن أن يتسبَّب تعاطي العقاقير في حدوث نتائجَ لا تختلف عن تلك التي يشعر بها المرء أثناء التأمل.

الفروق الأساسية بين التأمل والحالات المذكورة سلفًا هي درجة التحكُّم التي تتم ممارستها، وعمق التجربة ومدتها. علاوةً على ذلك، وعلى عكس العقاقير، لا يُسبِّب التأمل أي آثارٍ جانبيةٍ أو «هلاوس»، كما أن فوائده تراكمية وتدوم لمدةٍ طويلة.

الهدف هو «استجماع القوى العقلية» والتركيز الذهني بدلًا من التشتُّت. أفضل طريقةٍ لتقريب هذا الأمر هو شعاع الليزر، فعند تشتيت الضوء يصبح ضعيفًا نسبيًّا، لكن عند تسليطه وتركيزه يمكنه قطع الفولاذ.

ممارسة التأمل

تُقِرُّ نظرية التأمل بوجود علاقةٍ وثيقةٍ بين الجسد والعقل؛ ومن ثَمَّ، قبل أن يتمكَّن العقل من أن يصبح هادئًا تمامًا، لا بد أن يكون الجسد هادئًا. والوضعية التقليدية للتأمل هي جلوس القرفصاء، باستخدام وسادةٍ إذا اقتضَتِ الضرورة، مع فَرْدِ الظَّهر، وإمالة الرأس قليلًا، ووضع اليدين على الحِجر؛ وتُعرف هذه الوضعية ﺑ «وضعية اللوتس» (انظر بوذا جالسًا بهذه الوضعية في الصورة السابقة).

من الممكن أن يكونا قد وضعا شيئًا على بُعد عدة أقدامٍ من بوذا — شيئًا صغيرًا من الأشياء التي نستخدمها في حياتنا اليومية مثل أصِيصٍ أو زهرة — وطلبا منه دراستها على نحوٍ دقيق، وملاحظة كل تفصيلةٍ إلى أن يتمكَّن من إعادة تكوين صورةٍ ذهنيةٍ مثاليةٍ لهذا الشيء وعيناه مغمضتان. والهدف من هذه التمارين هو أن يستغرق العقل تمامًا في الشيء المتأمَّل إلى أن يذوب وعي الفاعل والمفعول في مجال وعيٍ موحَّد.

مستويات غشية جاهانا

أساس هذا الإطار هو «جاهانا» (بالسنسكريتية: «ديانا») وتعني مستويات الغشية.

ويُعتقد أنه في المستوى الرابع لغشية «جاهانا» يمكن أن يكتسب المتأمِّل قدراتٍ روحيةً متعددةً تساوي تقريبًا ما يُعرف في الغرب بالإدراك الحسي الفائق. وتشمل هذه القدراتُ القدرةَ على رؤيةِ أحداثٍ في أماكنَ بعيدةٍ (الاستبصار)، وسماعِ أصواتٍ بعيدةٍ (الجلاء السمعي)، واسترجاعِ حيواتٍ سابقةٍ (الإدراك الاسترجاعي)، ومعرفةِ أفكارِ الآخرين (التخاطُر). وبالإضافة إلى ذلك، يكتسب المتأمل مجموعةً متنوعةً من قدرات التحريك العقلي، مثل القدرة على الطيران في الهواء والسير على الماء وصُنْع نُسَخٍ من الأجسام.

لا يوجد أي شيءٍ متعلقٍ بالبوذية بصفةٍ خاصةٍ في تلك القدرات، وهذه القدرات معترَف بها على نطاقٍ واسعٍ في الفكر الهندي، ويمكن أن يكتسبها أي شخصٍ يرغب في استثمار الوقت والجهد اللازمَيْن في اكتسابها.

البوذية والعلوم العصبية

بدأ علماء الأعصاب إجراء أبحاثٍ حول تأثير التأمل على تغيير أنماط نشاط الدماغ. تقوم الممارسات التأملية البوذية على مبدأ مرونة الذهن، وعلى أساس أن التضاريس العقلية الداخلية للشخص يمكن صياغتها وتشكيلها باستخدام أساليبَ معينة.

وعلى الرغم من أن العلم ما زال في مراحله الأولى، فإن هذه النتائج يبدو أنها تؤيد المزاعم التي طالما رددها التقليد البوذي وغيره من التقاليد التأملية، المتمثِّلة في أن السعادة والسلامة النفسية إنما هي مهارات يمكن التدرُّب عليها.

خلال مراحل التأمل الأعمق، تهدأ وظائف الجسم الأساسية، ويتوقَّف التنفُّس تمامًا. وتشير الأبحاث إلى أن المخ يُولِّد قدرًا أكبر من موجات ألفا في هذه الحالة، في إشارةٍ إلى حالة إبداعٍ مرتبطٍ بالاسترخاء. وقد يحدث العديد من الأحاسيس الغريبة؛ فمن الشائع رؤية أشكالٍ ضوئيةٍ، وكذلك الشعور بطفوٍ أو بخفةٍ في أطراف الجسم.

فعلى سبيل المثال، قد يوجَّه الشخص المتعلق بالمتعة الجسدية إلى التأمل في الجسم من حيث عدمُ ديمومته وتَعرُّضُه للشيخوخة والمرض والخبائث التي يعج بها، من أجل تقليل تعلُّقه به.

حالات التأمُّل المُطلَق الأربع

من بين موضوعات التأمُّل الأكثر رواجًا تَبرُز «حالات التأمُّل المُطلَق الأربع»، وهي: («براهما فيهارا») وتعني الحنان الناشئ عن الحب («ميتا»)، والشفقة («كارونا») والفرح المتعاطف («موديتا»)، والاتِّزان («أوبيكا»). وتتضمَّن ممارسة الحنان الناشئ عن الحب اكتسابَ توجُّهٍ يُكِنُّ اللطف والصداقة وحُسن النية لكل الكائنات الحية.

تأمُّل التبصُّر (فيباسانا)

وضع بوذا أسلوبًا تأمُّليًّا جديدًا تمامًا لإكمال الأساليب التي تعلمها من معلمَيْه. وأضاف بوذا إلى نوعية الأساليب الموصوفة للتو، التي يُطلَق عليها في البوذية اسمٌ عامٌّ هو «التأمل الباعث على الهدوء» («ساماتا»)، نوعًا جديدًا يُسمَّى «تأمُّل التبصُّر» («فيباسانا»).

إن أسلوب تأمُّل الاستبصار مذكور في مصدرٍ قديمٍ كلاسيكيٍّ يُعرَف باسم «الأسس الأربعة لليقظة» (ماهاساتيباتهانا سوتا)، وروَّجها في القرن الماضي المعلم العلماني البورمي «أو با كين» (١٨٩٩–١٩٧١) وتلميذها «إس إن جوينك» (وُلد في عام ١٩٢٤).

إن إدراك عدم وجود فاعلٍ خفيٍّ يمتلك هذه الأحاسيس والمشاعر والحالات المزاجية والأفكار المختلفة، وأن كل هذه الموجودات هي التجارب ذاتها؛ لهو تبصُّر يُمثِّل نقطةَ تحوُّلٍ تؤدي إلى التنوير.

ملخص

وتوصي النسخة البوذية من القاعدة الذهبية القائلة أَحِبَّ لأخيك ما تحب لنفسك بما يلي: «نظرًا لأن كل الكائنات تسعى إلى السعادة وتتجنَّب المعاناة، يجب ألا يفعل المرء أبدًا بالآخرين ما لا يرغب في أن يفعلوه به.»

الفصل الثامن: الأخلاقيات

الدارما

الأخلاقيات («سيلا») هي القسم الأول من الأقسام الثلاثة للطريق الثُّماني وأساس الحياة الدينية. وتُعد التنمية الأخلاقية متطلبًا أساسيًّا لإنْماء التأمل («سامادي») والحكمة («بانيانيا»). وعيش حياةٍ أخلاقيةٍ يعني العيش وفقًا للدارما. ومصطلح «دارما» له معانٍ كثيرة، لكنَّ الفكرة الأساسية له هي القانون الكوني الذي يحكم كلًّا من العالم المادي والأخلاقي للكون. والدارما ليستْ ناشئةً عن كائنٍ أسمى ولا تخضع لسيطرة أيِّ كائنٍ أسمى، حتى الآلهة أنفسُها تخضع لقوانينها.

يمكن أن تترجَم كلمة الدارما إلى مصطلح «القانون الطبيعي»، وهذا المصطلح يتضمَّن كلا المعنيَيْن الأساسيَّيْن للكلمة، وهما مبدأ النظام والانتظام الذي نراه في سلوك الظواهر الطبيعية، وأيضًا فكرة وجود قانونٍ أخلاقيٍّ شاملٍ اكتشف متطلباتِه كائناتٌ حظيت بالتنوير مثل بوذا (لاحظ أن بوذا اكتشف الدارما ولم يبتكرها). وكل جانب من جوانب الحياة يخضع لحكم الدارما؛ مثل القوانين الطبيعية التي تُنظِّم شروقَ الشمس، وتَعاقُبَ الفصول وحركةَ البروج. وعلى صعيد النظام الأخلاقي تظهر الدارما في قانون الكارما الذي يحكم طريقة تأثير الأفعال الأخلاقية على الحياة الحالية والحيوات المستقبلية للأفراد.

أهيمسا أو حرمة الحياة

حجر الأساس في الأخلاقيات البوذية هو معتقد حرمة الحياة. ولاقى هذا المبدأ ترويجًا شديدًا على يد حركات («السامانا») غير التقليدية البائدة مثل البوذية والجاينية (تقليد منشق عن الهندوسية شبيه بالبوذية في عدة جوانبَ ونشأ قبلها بوقتٍ قليل)، لكنه أثَّر على المذاهب التقليدية تأثيرًا متزايدًا.

ورفضت كلٌّ من البوذية والجاينية التضحيةَ بالحيوانات التي لعبت دورًا مهمًّا في الطقوس الدينية في الهند منذ الأزمان القديمة، وكان أساسُ الرفض هو اعتبارَ أنها ممارسة قاسية وبربرية.

الوصايا البوذية ثَمَّةَ خمس وصايا أساسية في البوذية: (١) الوصايا الخمس («بانياكاسيلا»). (٢) الوصايا الثماني («أتانجاسيلا»). (٣) الوصايا العشر («داساسيلا»). (٤) طرق الأفعال الخيِّرة العشر («داساكوسالاكاماباتا»). (٥) قانون الانضباط في حياة الرهبنة («باتيموكا»).

القانون الأكثر لفتًا للانتباه بين هذه القوانين هو القانون الأول المتعلق بالوصايا الخمس الخاصة بالعوام. وتمنع هذه الوصايا الخمس ما يلي: (١) القتل. (٢) السرقة. (٣) الفساد الجنسي. (٤) الكذب. (٥) تناول المُسْكرات.

وطرق الأفعال الخيرة العشر هي تصوُّر يَشيع وجوده في مصادر الأبهيدارما والماهايانا بصفةٍ خاصةٍ ويحكم أفعال الجسد (١–٣)، والكلام (٤–٧)، والعقل (٨–١٠). وهذه الوصايا العشر هي: (١) عدم القتل. (٢) عدم السرقة. (٣) تجنُّب الإباحية الجنسية. (٤) عدم الكذب. (٥) الامتناع عن قول الافتراءات. (٦) الامتناع عن الكلام القاسي. (٧) الامتناع عن اللغو. (٨) عدم الطمع. (٩) عدم الكراهية. (١٠) تبنِّي الآراء الصحيحة.

وفي التقاليد المنشقة عن الهندوسية اتخذ مبدأُ حرمة الحياة أو «أهيمسا» صورةً متطرفةً في بعض الأحيان؛ فعلى سبيل المثال، كان الرهبان الجاينيون يتخذون إجراءاتٍ احتياطيةً هائلةً للحيلولة دون تدمير أشكال الحياة الدقيقة كالحشرات حتى ولو بغير قصد. وكان لممارساتهم بعض التأثير على البوذية، وفي الغالب يستخدم الرهبان البوذيون مصفاةً حرصًا على عدم تدمير الكائنات الدقيقة أثناء شُربهم للماء.

الفضائل

فيجب ألا تُتَّبع الوصايا فحسب، بل يجب أن تُتبع الأسباب الصحيحة وبالحافز الصحيح.

والفضائل، كما يوضح أرسطو، تتعلق بالأمور الصعبة؛ فتتمثَّل مهمة الفضائل في مواجهة الطبائع السلبية (أو الرذائل) مثل الغرور والأنانية. وقوائم الفضائل والرذائل المطولة التي تظهر في الأدبيات اللاحقة استُنبطتْ من مجموعةٍ أساسيةٍ لفضائل ثلاث، هي «الفضائل الأساسية» البوذية الثلاث المتمثِّلة في عدم التعلُّق («أراجا»)، والإحسان («أدوسا»)، والفهم («أموها»). وهي أضداد «جذور الشر» الثلاثة المذكورة في الفصول السابقة، وهي الطمع («راجا»)، والكراهية («دوسا»)، والوهم («موها»). وعدم التعلُّق يعني غياب رغبة الأنانية التي تُلطخ السلوك الأخلاقي عن طريق تخصيص المكانة المرموقة لاحتياجات المرء الشخصية. والإحسان يعني توجُّهًا يقوم على المودَّة تجاهَ كلِّ الكائنات الحية، والفهم يعني معرفة الطبيعة البشرية والمصلحة البشرية كما هو موضح في معتقداتٍ مثل الحقائق الأربع النبيلة.

أخلاقيات الرهبنة

تحكم حياةَ الراهب البوذي أو الراهبة البوذية لائحةُ قواعد الرهبنة («فينايا»). ولائحة قواعد الرهبنة هي جزء من قانون بالي، وهي عبارة عن كتاب جامع للمعلومات المتعلقة بكل جوانب جماعة الرهبان.

وتشبه لائحةُ قواعد الرهبنة في كثيرٍ من النواحي قاعدةَ القديس بنيديكت التي قُدِّمت في القرن السادس باعتبارها نموذجًا للحياة اليومية للرهبان المسيحيين، غير أن لائحة قواعد الرهبنة أطول بكثيرٍ من قاعدة القديس بنيديكت.

ويُقدَّم بوذا على أنه مؤلِّف القواعد، على الرغم من أن الدليل الداخلي يشير إلى أن كثيرًا من هذه القواعد يعود تاريخه إلى ما بعد وفاته.

إن التعليقات والمناقشات المتعلقة بتفسير قواعد الرهبنة هي أقرب نقطة الْتِقاءٍ بين البوذية وبين مبحث فلسفة الأخلاق، كما أنها تقدم مصدرًا مهمًّا للغاية لتوضيح كثيرٍ من النقاط الأخلاقية.

الوسيلة الماهرة

كان من أهم الابتكارات في أخلاقيات الماهايانا مبدأ الوسيلة الماهرة («أوبايا كوشاليا»). وجذور هذه الفكرة متأصلة في مهارة بوذا في تعليم الدارما، وتظهر هذه المهارة في قدرته على تكييف رسالته مع السياق الذي يقدمها فيه؛ فعلى سبيل المثال، عند التحدُّث مع البِرَهمَن، يشرح بوذا في أغلب الأحيان تعاليمه في ضوء الإشارة إلى طقوسهم وتقاليدهم، فيقود جمهوره تدريجيًّا نحو حقيقة المعتقد البوذي.

الحقوق

لم تَذكر المصادر البوذية الأولى أيَّ كلمةٍ مرادفةٍ لفكرة «الحقوق» على النحو المفهوم في الغرب.

ويمكن تعريف الحق بأنه قوة يمتلكها الفرد ويستطيع استخدامها. وقد تتمثَّل هذه القوة في فائدةٍ أو استحقاقٍ يسمح لحامل الحق بمطالبة الآخرين أو تحصين نفسه ضد المطالب التي يسعى الآخرون إلى فرضها عليه.

وعلى الرغم من أن الحقوق ليست مذكورةً صراحةً في المصادر البوذية، فمن الممكن اعتقاد أنها مذكورة بطريقةٍ ضمنيةٍ في فكرة الواجبات الدارمية.

حقوق الإنسان

تضع مواثيق حقوق الإنسان المعاصرة، مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة عام ١٩٤٨، قائمةً بالحقوق الأساسية التي يجب أن يمتلكها كلُّ البشر دون تمييزٍ على أساس العرق أو المعتقد.

ويبدو أن المصادر البوذية الأولى تنبَّأت ببعض هذه الحقوق؛ فمثلًا يمكن رؤية أن حقَّ عدمِ الاستعباد موجودٌ في حظر قانون بالي الاتِّجارَ في الأحياء (كتاب أنجوتارا). ويمكن القول أيضًا إن حقوق الإنسان الأخرى مذكورة على نحوٍ ضمنيٍّ في الوصايا البوذية؛ فعلى سبيل المثال، حق عدم التعرُّض للقتل أو التعذيب يمكن اعتبار أنه مذكور ضمنيًّا في الوصية الأولى.

من الممكن أن تبدأ بالإشارة إلى أن حقوق الإنسان ترتبط ارتباطًا وثيقًا بفكرة الكرامة الإنسانية. وفي واقع الأمر، يشتق كثير من مواثيق حقوق الإنسان على نحوٍ واضحٍ فكرةَ الحقوق من فكرة الكرامة الإنسانية. وفي كثيرٍ من الأديان يقال إن الكرامة الإنسانية نابعة من حقيقة أن البشر خُلقوا على صورة الإله. وبطبيعة الحال، لا تُقدِّم البوذية مثل هذا الزعم. وهذا يصعب من رؤية المصدر المحتمل للكرامة الإنسانية في البوذية.

وفي البوذية يبدو أن الكرامة الإنسانية تنبع من قدرة البشر على اكتساب التنوير، كما هو واضح من الشخصية التاريخية لبوذا والقديسين في التراث البوذي.

الحرب والإرهاب

كما لاحظنا، فإن التعاليم البوذية تُناهض العنف بشدةٍ وتعتبره نتيجةً لحالاتٍ ذهنيةٍ مرتبطةٍ بالطمع («راجا»)، والكراهية («دوسا»)، والوهم («موها»). وتَعتبر أن العدوان يُذْكيه الاعتقاد الخاطئ في وجود الذات («أتمان») والرغبة في حماية تلك الذات من الضرر. وهذا الإحساس القوي بالذات وما يرتبط به من أمورٍ (مثل: «ممتلكاتي»، «بلدي»، «عِرقي») يولِّد إحساسًا قويًّا بالانقسام يؤدِّي إلى الشك والكراهية تجاه كل ما هو «غريب» أو «آخر». إن هدف التعاليم البوذية هو إذابة الإحساس بالذات، ومعه الخوف والكراهية اللذان يسببان نشوب الصراع.

ويُعد الصبر («كهانتي») من الفضائل المهمة في هذا الصدد؛ نظرًا لأن انعدام التسامُح وانعدام الحلم هما غالبًا سبب النزاعات العنيفة.

وتعتمد ممارسة الصبر على رباطة الجأش («أوبيكها») أو الرزانة تجاهَ كلِّ الناس، سواءٌ أكانوا أصدقاءَ أم أعداءً. ومن الواضح أن الأشخاص الذين يُمثِّلون أعداءنا حاليًّا كانوا على نحوٍ شبه أكيدٍ أصدقاءنا في حياةٍ أخرى، فلا أحد سيظل عدوًّا للأبد.

عندما تتحدث المصادر القديمة عن الحرب فإنها تُدينها تمامًا دون استثناء؛ لأن الحرب تتضمَّن القتلَ، والقتلُ يعدُّ خرقًا للوصية الأولى. ولا يمثل سببُ الحرب قيمةً كبيرةً سواءٌ أكانت الحرب تُخاض لسببٍ هجوميٍّ أم دفاعيٍّ؛ لأن خسارة الأرواح ستحدث نتيجةً لها.

وفي تناقضٍ واضحٍ مع وجهة نظر الإسلام حول مصير المحاربين الذين يموتون في حربٍ مقدسة، يُعبِّر بوذا عن وجهة نظره في «سوترا نيباتا» (كتاب ساميوتا نيكايا) فيقول إن الجنود الذين يموتون في المعركة لا يدخلون إلى جنةً خاصةً، بل يدخلون إلى جحيمٍ خاصٍّ؛ إذ في لحظة موتهم كانت عقولهم مصمِّمةً على القتل. وتؤكِّد بعض المصادر أنه حتى القتل دفاعًا عن النفس أو دفاعًا عن الأسرة أو الأصدقاء يعد خطأً، وتمدح في العموم توجُّهَ عدم المقاومة عند التعرُّض للعنف.

ويروي التعليق على مجموعة أقوال «دامَّابادا» كيف أن أقارب بوذا، شعب ساكيا، عندما تعرَّضوا للهجوم في إحدى المرات، رضُوا بأن يُقتلوا بدلًا من أن يَخرقوا الوصية الأولى. وتوجد أمثلة أخرى في حكايات «جاتاكا» وغيرها تتحدث عن أمراءَ وملوكٍ تنازلوا عن عروشهم بدلًا من اللجوء إلى العنف للدفاع عن ممالكهم.

وقد وضع أحد مصادر الماهايانا القديمة، الذي يحمل اسم «ساتياكاباريفارتا»، والذي يعود على الأرجح إلى القرن الثاني الميلادي، نوعًا أوليًّا من فلسفة الحرب العادلة التي تقول إنه يمكن اللجوء إلى الحرب في حالة فشل الوسائل الأخرى، بشرط ضرورة أن يُجرِّب الملوكُ في البداية الصداقةَ، ثم المساعدة، ثم الترهيب قبل اللجوء إلى الحرب.

إن هذه الفكرة الجديدة المتمثلة في أن العنف السياسي يمكن كذلك التفكير في استخدامه تأخذنا بعيدًا عن بوذا المسالم الذي يصوره لنا قانون بالي بأنه لم يغفر مطلقًا استخدامَ العنف تحت أي ظروف.

ونَصُّ «كالاتشاكرا تانترا»، وهو نَصٌّ مفضَّل للدالاي لاما الحالي، يحتوي على فقراتٍ مثيرةٍ للجدل تتنبَّأ باندلاع «حرب مقدسة» بين البوذيين و«البربريين» (بالسنسكريتية: «ملكشا») وتتوقَّع قدوم تشاكرافارتين الذي سوف يهزم البربريين في المعركة. ويحدد بعض الباحثين هويةَ هؤلاء «البربريين» قائلين إنهم القوات المسلمة التي هاجمتِ الأديرةَ البوذية في شمال غرب الهند في أواخر العصور الوسطى، بينما يفسِّر آخرون هذه الفقرات تفسيرًا نفسيًّا ويقولون إنها تصف الصراع الداخلي الذي يَشنُّه ممارسو الدين ضد قوات الظلام المتمثِّلة في الكراهية والغضب والعدوان.

وعلى الرغم من تأكيد التعاليم البوذية على السلمية، فإن التاريخ يكشف التورُّط المستمر للبوذيين، العوام والرهبان على حدٍّ سواء، في الحروب على مدار قرونٍ كثيرة.

الإرهاب

مالَ القادة البوذيون الذين تحدَّثوا علنًا عن مسألة «الحرب على الإرهاب» إلى الإشارة إلى ثلاثة أمور؛ الأمر الأول هو التأكيد على الحاجة إلى الفهم الكامل للأسباب التي أدَّت إلى وقوع أحداث ١١ سبتمبر.

أما الأمر الثالث الذي يتحدَّثون عنه غالبًا، فهو الحاجة إلى التأمُّل ونقْد الذات حول الدور الذي من الممكن أن نكون لعبناه بأنفسنا، سواءٌ على نحوٍ مباشرٍ أو غير مباشر، في إثارة الصراع؛ فبعد هجوم ١١ سبتمبر، قال الراهب الفيتنامي والقائد البوذي النشط تيك نيت هان إنه كان من الأفضل لأمريكا أن تلجأ إلى الحوار بدلًا من القوة العسكرية. وبالنسبة إليه كان السؤال المحوري هو: «لماذا يكرهنا أحدٌ لدرجةٍ تدفعه لفعل ذلك؟» وكان جوابه: «إذا كنا قادرين على الاستماع إليه، فإنه سوف يخبرنا.»

الفصل التاسع: البوذية في الغرب

الاحتكاكات الأولى

وفي القرن الثالث عشر، عبَر ماركو بولو آسيا الصغرى متجهًا إلى الصين، وجعلتْه هذه الرحلة يتعرَّف على بوذية الماهايانا. وكتب عن بوذا فقال: «لكن من المؤكَّد أن بوذا لو كان عُمِّد مسيحيًّا لأصبح قديسًا عظيمًا إلى جانب الرَّبِّ يسوع المسيح.»

ولم تبرز إمكانية وجود تواصُلٍ مستمرٍّ بين الشرق والغرب إلا مع اكتشاف البرتغاليين لطريقٍ بحريٍّ مؤدٍّ إلى الهند في عام ١٤٩٨.

فالزوَّار الأوائل من هؤلاء الأوروبيين الذين جاءوا إلى آسيا كانوا يحرصون على العثور على الذهب أو تحويل السكان إلى المسيحية أكثرَ من حرصهم على دراسة الأديان «الوثنية».

وجاءت معرفة البوذية عبر ثلاث قنوات أساسية، هي: جهود الأكاديميين الغربيين، وأعمال الفلاسفة والمفكرين والكتَّاب والفنانين، ووصول المهاجرين الآسيويين الذين حملوا معهم أنواعًا مختلفةً من البوذية عند قدومهم إلى أمريكا وأوروبا.

الدراسة الأكاديمية

كان إيبوليتو ديزيدري (١٦٨٤–١٧٣٣) المبشِّر اليسوعي الإيطالي الذي سافر إلى لاسا عام ١٧١٦ من أوائل الأوروبيين الذين درسوا النصوص البوذية. درَس النصوص التبتية في جامعة سيرا الرهبانية وناقش العقيدة البوذية والمسيحية مع باحثي التبت.

ومن الموظفين الحكوميين البريطانيين الذين قدَّموا إسهامًا رائعًا في دراسة بوذية التيرافادا تي دبليو ريس (١٨٤٣–١٩٢٢). أصبح ريس دافيدس مهتمًّا بالبوذية أثناء إقامته في سريلانكا، ووصل إلى درجة تأسيس جمعية النصوص البالية في عام ١٨٨١. وما زالت هذه الجمعية إلى يومنا هذا أهمَّ منافذِ طباعة نصوص وترجمات التراث البوذي المكتوب باللغة البالية.

عام ١٨٤٤، نشر الفرنسي يوجين بيرنوف كتاب «مقدمة لتاريخ البوذية الهندية»، وأتبعه بعد سبع سنين بترجمة «سوترا اللوتس».

وقُربَ نهاية القرن، نشر الأمريكي هنري كلارك وارين كتاب «البوذية مترجمةً» (١٨٩٦)، وهو عبارة عن مجموعة مقتطفاتٍ لنصوصٍ من قانون بالي، وما زال هذا الكتاب يحظى بالشعبية حتى يومنا الحاضر.

وقدَّم الباحثان البلجيكيان العظيمان لويس دي لا فاليه بوسان و(لاحقًا) إتيان لاموت إسهامًا هائلًا في هذا المجال. ولا بد أيضًا من ذكر دي تي سوزوكي (١٨٧٠–١٩٦٦) البوذي الياباني الذي عزَّز الوعي ببوذية الزن من خلال محاضراته وكُتُبه المؤثرة.

الفلسفة والثقافة والفنون

وكان الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور (١٧٨٨–١٨٦٠) أوَّلَ مفكرٍ غربيٍّ كبيرٍ يهتمُّ بالبوذية. ونظرًا لعدم وجود مصادر موثوقة، لم يكن لدى شوبنهاور سوى معرفةٍ معيبةٍ عن البوذية، ورأى أنها تتفق مع فلسفته المتشائمة نسبيًّا.

وكان الروائي الألماني هيرمان هيسَّه يشير في أغلب الأحيان إلى موضوعاتٍ بوذيةٍ في كتاباته، ولا سيما في روايته «سيدهارتا» التي نُشرت عام ١٩٢٢، والتي تُرجمت إلى لغاتٍ كثيرة.

وتحوَّلتْ رواية «سيدهارتا» للكاتب هيسَّه إلى فيلمٍ حقَّق رواجًا كبيرًا في الأوساط الجامعية في سبعينيات القرن العشرين. وفي وقتٍ لاحق، أوضحتْ حبكة فيلم «بوذا الصغير» للمخرج بيرتولوتشي، الذي صُوِّر جزءٌ منه في الهند وجزءٌ آخر في أمريكا، إلى أي مدًى كانت البوذية تسير باتجاه أن تصبح جزءًا من الثقافة الغربية. وتمزج حبكةُ الفيلم قصةَ حياة بوذا مع رحلة بحث لاما تِبتي وُلد من جديدٍ في سياتل لأبوَيْن أمريكيين. ومن ضمن الإسهامات الأخرى الأكثر حداثةً فيلم «كوندون» (١٩٩٧) للمخرج مارتن سكورسيزي وفيلم «سبع سنوات في التبت» (١٩٩٧) للمخرج جون جاك أنو.

هجرة البوذيين

وعلى الرغم من صعوبة معرفة الأعداد الحقيقة للبوذيين في المملكة المتحدة، فإنه يوجد نحو مائة مركزٍ تبتي، ونحو تسعين مركزًا للتيرافادا، ونحو أربعين مركزًا للزن، بالإضافة إلى ما يقرب من مائة جماعةٍ بوذيةٍ إضافيةٍ من ضمنها أصدقاء الجمعية البوذية الغربية. ومعتنقو البوذية في كلٍّ من أوروبا والولايات المتحدة يكونون في الغالب من الطبقات الوسطى البيضاء.

المذاهب البوذية في الغرب

وكان الزن أولَ نوعٍ من أنواع البوذية يلقى رواجًا لدى قطاعٍ عريضٍ من الجماهير، وقد أصبح الزن رائجًا في أمريكا في أعقاب الحرب العالمية الثانية.

كما راقتْ أيضًا روح مناهضة القيم المجتمعية ومناهضة السلطوية اللتين تميزان بوذية الزن لجيل «بيت» في خمسينيات القرن العشرين، وكذلك للحركة «الهيبية» في ستينيات القرن العشرين. وفي أغلب الأحيان كان هؤلاء يتعاطَوْن عقَّار إل سي دي (ثنائي إيثيل أميد حمض الليسرجيك) وغيره من عقاقير الهلوسة في سياق سعيٍ روحانيِّ الدافع يتطلَّع إلى تجرِبة «توسيع أفق العقل» التي اعتقدوا أنها تُمثِّل التنوير.

أما المذاهب اليابانية الأخرى، خلافًا للزن، فتحظى أيضًا بتمثيلٍ جيدٍ في الغرب. وكان أقدم هذه المذاهب وأكثرها رواجًا مذهب جودو شنشو (مذهب الأرض النقية الحقيقية) الذي تأسَّس في هونولولو عام ١٨٩٩.

رواج البوذية

المؤثرات الثقافية السائدة في الغرب منذ عصر التنوير في القرن الثامن عشر تتمثَّل في العلم والليبرالية العلمانية. وتبدو البوذية «بوصفها» فلسفةً عقلانية متوافقةً مع كلٍّ من العلم والليبرالية العلمانية، على الأقل بدرجة أعلى من الدين الغربي التقليدي؛ فالاكتشافاتُ العلميةُ ونظرياتٌ مثل نظرية التطوُّر مثَّلتا تحدِّيًا أمام كثيرٍ من التعاليم المسيحية التقليدية.

بالإضافة إلى ذلك، فإن غياب مفهوم الإله المجسَّد في صورةٍ بشريةٍ في البوذية يُعد سمة أخرى تجعل البوذية أكثر قبولًا لدى العقل الحديث.

وقد كشفت كُتُب مثل كتاب فريتجوف كابرا «طاو الفيزياء» (١٩٧٦) أَوجُهَ تَشابُهٍ مثيرةً بين العوالم المتصوَّرة في الفيزياء النظرية والفكر الشرقي.

حتى معتقد الإيمان بتناسُخ الأرواح — الذي ربما يُعد المفهومَ البوذيَّ الأصعبَ على الغرب قبولُه — قد تلقَّى دعمًا تجريبيًّا في دراساتٍ شبيهةٍ بتلك التي أجراها الطبيب النفسي الأمريكي إيان ستيفنسون، ولا سيما في كتابه «عشرون حالة تشير إلى تناسخ الأرواح» (١٩٧٤). الإيمان بتناسُخ الأرواح منتشر في كثيرٍ من الثقافات، وفي غرب ما بعد المسيحية ستصبح هذه الفكرة مرةً أخرى جزءًا من الثقافة الشعبية.

من نتائج تناسُخ الأرواح إمكانية انتقال روح الأفراد عبر أجناسٍ مختلفة، كما هي الحال عندما يولد البشري في صورة حيوانٍ أو العكس. وهذا يُقدِّم منظورًا جديدًا للعلاقة بين الإنسان وبقية الخلق، وهذا المنظور متوافق إلى حدٍّ كبيرٍ مع علم البيئة المعاصر.

إن التعليم المسيحي القائل بأن الإنسان فقط هو صاحب الروح الخالدة، وبأنه لا مكان في الجنة للحيوانات؛ يبدو «تعصبًا نوعيًّا» وانحرافًا عن التوجُّه الشمولي للفكر المعاصر إلى حدٍّ كبير.

إن البوذية لا تعرف التعصُّب، حتى إنها تُعلِّم أتباعها عدم التسليم بتعاليمها دون انتقاد، بل يجب أن يختبروها دائمًا في ضوء تجارِبهم الخاصة.

وتُعتبر البوذية أيضًا ليبرالية وتقدُّمية في مجال الأخلاقيات؛ فتعاليمها الأخلاقية لا يُعبَّر عنها في صورة وصايا تتخذ صيغة الأمر «يجب ألا تفعل كذا!» لكنها تُقدَّم باعتبارها مبادئَ عقلانيةً إذا اتَّبعها المرء فسوف تؤدِّي إلى الخير والسعادة له ولغيره.

الحداثة البوذية

هذه القراءة للبوذية التي سُمِّيت اصطلاحًا باسم «الحداثة البوذية» تقمع سماتٍ معينةً للديانة ظلَّتْ حاضرة فيها منذ بداياتها، لكنها أقل توافقًا مع التوجُّهات الغربية المعاصرة. إن الإيمان بالمعجزات وبقدرات «المانترات» والتعاويذ والأسحار يُعد أحد أمثلة هذه السمات. وحتى وقتنا المعاصر، ما زالت الحكومة التبتية في منفاها تستشير عرَّاف الدولة طلبًا لنُصحه حول الأمور المهمة. ويُعد الإيمان بوجود عوالمَ أخرى غيرِ أرضيةٍ يسكنها الآلهة والأرواح، والإيمان بقوة الكارما الخفية، من المبادئ الأخرى المحورية في التعاليم البوذية الموجودة منذ بداياتها المبكرة.

إن النظرة البوذية التقليدية لمكانة المرأة تُمثِّل إشكاليةً أيضًا. وكثيرٌ من المدافعين عن حقوق النساء يَرَوْنَ أن الدين كله أبوي في الأساس وقمعي، لكن عندما يتعلَّق الأمر بالبوذية يصبح الوضع أكثر تعقيدًا؛ فالبوذية وليدة مجتمعٍ آسيويٍّ تقليديٍّ كان يُنظر فيه إلى النساء باعتبارهن خاضعاتٍ للرجال.

وبسبب هذه الارتباطات الثقافية في الأساس يمكن وصف البوذية على نحوٍ منصفٍ بأنها «ذكورية التوجُّه»، ويوجد بالتأكيد مَيل في مصادرَ كثيرةٍ إلى اعتبار أن الميلادَ مرةً أخرى في صورة أنثى يُعد سوءَ حظٍّ إلى حدٍّ ما.

ومن منظورٍ فلسفي، كثير من النصوص البوذية المؤثرة ترى أن النوع، مثل بقية السمات الطبيعية الأخرى، يفتقر إلى واقعيةٍ أصيلة. وهذا يستأصل أساس التمييز ضد النساء فيما يتعلق بالفلسفة البوذية.

تنويرٌ بوذي؟

ما يبدو أننا في حاجةٍ إليه فهو «تنويرٌ بوذي»، أي تحديث منهجي للأسس الفكرية للدين على نحوٍ يسمح بظهور مجموعة تعاليمَ واضحةٍ ومتسقةٍ متعلقةٍ بقضايا عصرية.

بوذية جديدة للغرب؟

لماذا لا تتكون في نهاية المطاف بوذية غربية أو نافايانا أو «مركبة جديدة».

الكلمات السابقة تعود إلى كريسماس همفريز (١٩٠١–١٩٨٣)، الرئيس المؤسِّس للجمعية البوذية في إنجلترا. وهذه الكلمات مأخوذة من كتابه «ستون عامًا من البوذية في إنجلترا».

قراءات إضافية

Peter Harvey, An Introduction to Buddhism: Teachings, History and Practices (Cambridge: Cambridge University Press, 2012).

Damien Keown and Charles Prebish, Introducing Buddhism (London: Routledge, 2009).

Donald W. Mitchell, Introducing the Buddhist Experience (Oxford: Oxford University Press, 2007).

R. H. Robinson, W. L. Johnson, and Thanissaro Bhikkhu, Buddhist Religions: A Historical Introduction (Belmont, CA: Wadsworth Publishing Co. Inc., 2003).

M. Carrithers, The Buddha: A Very Short Introduction (Oxford: Oxford University Press, 2001).

Richard Gombrich, Theravada Buddhism: A Social History from Ancient Benares to Modern Colombo (London: Routledge, 1988).

Rupert Gethin, The Foundations of Buddhism (Oxford: Oxford Paperbacks, 1998).

Paul Williams, Anthony Tribe, and Alex Wynne, Buddhist Thought: A Complete Introduction to the Indian Tradition (London: Routledge, 2011).

Paul Williams, Mahayana Buddhism: The Doctrinal Foundations (London: Routledge, 1989).

Rupert Gethin (trans.), Sayings of the Buddha: New Translations from the Pali Nikayas (Oxford: Oxford University Press, 2008).

Bhikkhu Bodhi, In the Buddha’s Words: An Anthology of Discourses from the Pali Canon (Somerville, MA: Wisdom Publications, 2005).

الحمد لله رب العالمين

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

اكتشاف المزيد من مدونة التاعب

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading