القائمة إغلاق

خُلاصة كتاب: تاريخ الجامع الأزهر، تأليف: محمد عبد الله عنان

خُلاصة كتاب: تاريخ الجامع الأزهر

في العصر الفاطمي، مع تكملة له حتى العصر الحاضر

تأليف: محمد عبد الله عنان

تحميل الخُلاصة: [DOC] [PDF]

مقدمة

وكان من الواضح أن القول باعتبار واقعة دخول المعز لدين الله مدينة القاهرة في السابع من رمضان سنة ٣٦٢ه واتخاذها حاضرة للخلافة الفاطمية، أساساً لتحديد عمر القاهرة الألفي وهو الرأي الذى أدلت به كلية الآدب، هو قول لا يسوغ الأخذ في هذه المناسبة التاريخية، إذ هو يتعلق بقيام الخلافة الفاطمية بمصر، ولم تكن ذكرى الخلافة الفاطمية محل تفكير، والمقصود بإحياء الذكرى هو العاصمة الفاطمية ذاتها.

ولما كانت القاهرة المعزية قد وضعت خططها في مساء يوم ١٧ شعبان سنة ٣٥٨هـ، … ولهذا اتجه الرأي الى الأخذ بتاريخ الانتهاء من بناء القاهرة لاحتساب عمرها الألفي.

وعلى ضوء هذه النصوص والوقائع نستطيع مع الاطمئنان العلمي أن نضع تاريخ الفراغ من بناء العاصمة الفاطمية في النصف الأول من سنة ٣٦٠هـ. وطبقاً لهذا الرأي تكون القاهرة المعزية قد أتمت عمرها الألفي في النصف الأول من سنة ١٣٦٠هـ الموافق للنصف الأول من سنة ١٩٤١.

وكان البدء في إنشاء الجامع الأزهر بعد أن وضعت خطط القاهرة المعزية بنحو تسعة أشهر في الرابع والعشرين من جمادى الأولى سنة ٣٥٩ هـ، وكان الفراغ من بنائه وافتتاحه للصلاة بصفة رسمية في يوم الجمعة السابع من رمضان سنة ٣٦١ه.

اكتفيت بأن أقدم تاريخ الأزهر في العصر الفاطمي، تحية لذكرى المعهد الشهير لمناسبة عيده الألفي. ولكني رأيت مع ذلك أن أحاول وصل الماضي بالحاضر في فصول تكميلية استعرضت فيها أحوال الأزهر منذ العصر الفاطمي إلى عصرنا بإيجاز؛ وعنيت عناية خاصة بالوقوف عند بعض النقط والمواطن الهامة في تاريخه في تلك العصور، وأتبعت ذلك بطائفة من المقارنات المتعلقة بالماضي والحاضر.

الفصل الأول: القاهرة المعزية والجامع الأزهر

كان الجامع الأزهر من غرس الدولة الفاطمية،

وكان قيام الأزهر في نفس الوقت الذي قامت فيه الدولة الفاطمية ذاتها؛

وقد عرفت مصر قبل قيام القاهرة المعزية ثلاث قواعد أو عواصم إسلامية؛ أولاها فسطاط مصر التي أنشئت في سنة ٢١هـ (٦٤١م) عقب الفتح الإسلامي؛ والثانية مدينة العسكر التي أنشأها الجند العباسيون إلي جانب الفسطاط عقب انتزاعهم مصر من يد الأمويين في سنة ۱۳۳هـ (٧٥۰م)؛ والثالثة مدينة القطائع التي أنشأها أحمد بن طولون في سنة ٢٥٦هـ (٨٧٠م) لتكون عاصمة الدولة الجديدة.

أو بعبارة أخري كانت كل قاعدة من هذه القواعد الإسلامية المتعاقبة تزود عند قيامها بمسجدها الجامع أو جامعها الرسمي الخاص.

فحيثما تقوم العاصمة الإسلامية الجديدة يقوم في وسطها المسجد الجامع، … فكذلك المساجد الجامعة كانت تعتبر رمزاً لسيادة الإسلام الروحية، ومنبراً للدين الجديد والرسالة الجديدة.

هكذا كان شأن الفسطاط أول عاصمة للإسلام في مصر. فقد كان قيامها رمزاً لظفر الإسلام السياسي بافتتاح قطر جديد من أقطار الدولة الرومانية. وكان مسجدها الجامع رمزاً لسيادة الإسلام الروحية حيثما كانت تسود النصرانية. وكان لهذا المسجد الجامع فوق ذلك صبغته الرسمية؛ … وكان يلي إمامته في الصلوات الخمس وفي صلاة الجمعة وخطبتها في عصر الفتح الأول أمير مصر ذاته؛ … وكان الأمير يستخلف عنه في الصلاة صاحب الشرطة إذا تعذر عليه إقامتها بنفسه.

كذلك كان المسجد الجامع مركز الدعوات والخطب والمجالس الرسمية؛ وبه يعقد ديوان الخراج؛ وكان مركز القضاء الأعلى يجلس به قاضي القضاة يومين في كل أسبوع؛ وتتلي فيه الأوامر والمنشورات والسجلات، واستمر ذلك عصوراً متوالية.

ثم غدا المسجد الجامع بمضي الزمن وظروف العصر أيضاً مركز الحلقات العلمية والأدبية، وأضحت هذه الصفة الجامعية من بعض مهامه وصفاته. وكانت المساجد الجامعة تختص بهذه الصفة العلمية في عصر لم تعرف فيه معاهد الدراسة المنظمة التي حفلت بها الأمصار الإسلامية فيما بعد. وهكذا كان شأن المسجد الجامع، فقد كان منذ إنشائه قلب الفسطاط الفكري، وكان أهم مركز للدراسة.

وقد لبثت ساحاته مدي عصور ندوة فكرية أدبية جامعة، وفيها كانت توجه حركة التفكير والآداب في مصر الإسلامية.

بل هنالك ما يدل علي أن المسجد الجامع كان يقوم بمهمته الجامعية في دراسة الفقه بطريقة منظمة؛ فقد أنشئت به منذ أوائل القرن الثالث عدة زوايا يدرس بها الفقه علي مختلف المذاهب، ولكل زاوية أستاذ يجري عليه الرزق، وكان منها الزاوية الشهيرة التي تنسب للإمام الشافعي؛ واستمرت هذه الزوايا عصوراً، واستمر المسجد الجامع قائماً بمهامه العلمية حتي قيل إن حلقاته بلغت في منتصف القرن الثالث زهاء خمسين.

وكما أن الفتح الفاطمي كان ذروة الصراع بين الدولتين العباسية والفاطمية فكذلك كان ذروة الصراع بين دعوتين خصيمتين؛ … ولتقيم مكانها دعوتها الشيعية الأمامية أو دعوة آل البيت التي كانت تحمل شعارها ولواءها.

وكان الفتح الفاطمي لمصر في عهد المعز لدين الله رابع الخلفاء العبيديين بالمغرب. ودخلت الجيوش الفاطمية مدينة مصر (الفسطاط ) بقيادة جوهر الصقلي في السابع عشر من شعبان سنة ٣٥٨ ٧ يوليه سنة ٩٦٩)؛ … وفي نفس الليلة وضع القائد جوهر تنفيذاً لأوامر سيده المعز أول خطة في مواقع المدينة الجديدة التي اعتزم الفاطميون إنشاءها، لتكون لهم في مصر قاعدة ومعقلا، وحفر أساس قصر جديد في نفس الفضاء الذي نزل فيه جيشه فكان هذا مولد القاهرة المعزية. … وسميت المدينة الجديدة بالقاهرة تفاؤلا وتيمناً بالنصر. وترجع بعض الروايات هذه التسمية الي قصة فلكية تتعلق بطالع المدينة إذ وضع أساسها حينما كان المريخ في الطالع، وهو يسمي عند المنجمين القاهر.

وإرجاع التسمية الي التفاؤل والتيمن بالنصر أرجح وأدل علي المغزى المقصود. … ومن جهة أخري فقد كان معني التفاؤل والتيمن ملحوظاً في كونها قد أقيمت لتكون معقلا للفاطميين في مصر لرد خطر القرامطة الذين سادت دعوتهم بلاد العرب يومئذ، واجتاحوا الشأم مراراً وأصبحوا خطراً علي مصر ذاتها.

ولم يكن ذلك المسجد الجامع الذي أنشأه جوهر الصقلي في القاهرة المعزية الي جانب القصر الفاطمي سوي ذلك الجامع الشهير -الجامع الأزهر-.

وتم بناء الجامع الأزهر في عامين وثلاثة أشهر وافتتح للصلاة في يوم الجمعة السابع من رمضان سنة ٣٦١هـ (٩٧٢م). … فقد كانت الدولة الفاطمية دولة الإمامة الشيعية وكان الجامع الأزهر أول مسجد أقامته الشيعة بمصر. ومن ثم فقد كان قيام الجامع الأزهر رمزاً لسيادة دعوة دينية جديدة هي الدعوة الشيعية كما كانت القاهرة المعزية رمزاً لظفر الدولة الجديدة وسيادتها.

وسمي المسجد الجديد بجامع القاهرة باسم العاصمة الجديدة وأما تسميته بالجامع الأزهر فالظاهر أنها لم تحدث إلا في تاريخ متأخر.

والظاهر أن الجامع الأزهر أطلق عليه بعد إنشاء القصور الفاطمية في عصر العزيز بالله، فقد كان يطلق عليها اسم الزاهرة، ومنها أطلق علي جامع القاهرة وهو مسجد الدولة الرسمي اسم الجامع الأزهر. وأما أصل التسمية فالظاهر أنها ترجع الي اسم السيدة فاطمة الزهراء ابنة رسول الله وزوج أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب وهي التي يرجع الفاطميون نسبتهم إليها.

وفي عهد الملك الظاهر بيبرس، قام الأمير عز الدين أيدمر الحلي، نائب السلطة بعمارته وتجديده تجديداً شاملا، … وفي سنة ٧٠٢ه في عهد السلطان الملك الناصر وقعت بمصر زلزلة عظيمة، وسقطت منشآت عدة منها الجامع الأزهر؛ فقام أمراء الدولة علي عمارة هذه المنشآت،

وأنشأ السلطان الغوري بالأزهر منارته الجميلة ذات الرأسين التي ما زالت قائمة الي الآن في الجهة الغربية الي جانب منارة الأشرف قايتباي.

بيد أن أعظم عمارة أجريت بالجامع الأزهر في ذلك العهد هي التي قام بها الأمير عبد الرحمن كتخدا القازدغلي في أواخر القرن الثاني عشر، فقد أنشأ هذا الأمير الكبير في الناحية الشرقية القبلية من الجامع بهواً كبيراً يشتمل علي خمسين عموداً من الرخام تحمل مثلها من البوائك المقوصرة؛ وأنشأ للجامع محراباً ومنبراً جديدين،

ولم يحظ جامع آخر من جوامع مصر التاريخية بمثل ما حظي به الأزهر من رعاية؛ وقد يرجع أكبر الفضل في ذلك الي ما يتمتع به الأزهر من الصفات العلمية الي جانب صفته الدينية؛ وما زال الجامع الأزهر بفضل هذه الرعاية المستمرة يحتفظ بفخامته ورونقه وجدته بالرغم من عمره الألفي.

الفصل الثاني: المُعِزّ لدين الله ووزيره جوهر

والآن يجدر بنا أن نذكر شيئاً عن ذينك الرجلين العظيمين اللذين يرتبط اسماهما الي الأبد بإنشاء تلك المؤسسة الدينية والثقافية الكبري أعني المعز لدين الله ووزيره وقائده جوهر الصقلي.

كان المعز لدين الله، وهو أبو تميم معد رابع الخلفاء الفاطميين بالمغرب وأولهم بمصر؛ ولد بالمهدية عاصمة الدولة الفاطمية بالمغرب في منتصف رمضان سنة ۳۱٧هـ (۹۲۹م )، وتولي الخلافة بعد أبيه المنصور بنصر الله سنة ٣٤١ه (٩٥٢م)، وهو فتي في الرابعة والعشرين من عمره.

وبلغت الحملة الفاطمية علي مصر علي قول بعض الروايات مائة ألف فارس غير الجند المشاة.

ودخل مدينة الفسطاط في ركبه المظفر في عصر يوم ١٧ شعبان سنة 358ه (7 يوليه سنة ٩٦٩م)

وأمر جوهر أيضاً بتغيير الأذان، وأن يؤذن «بحي علي خير العمل»، … وتم بناء العاصمة الجديدة في منتصف سنة ٣٦٠ه وإعدادها لنزول الخليفة، قدم المعز لدين الله الي مصر بأهله و بطانته وجيوشه وأمواله، ودخلها في السابع من رمضان سنة ٣٦٢هـ (١٥ يونيه سنة ۹۷۳).

ومن ذلك الحين تغدو القاهرة عاصمة الدولة الفاطمية بدلا من رقادة والمهدية، وتغدو مصر منزل الخلافة الفاطمية بدلا من المغرب، وتغدو ملاذ الدعوة الشيعية ومعقلها الحصين حتي انقراض الدولة الفاطمية في سنة ٥٦٧هـ (۱۱۷۱م).

وقد سجل لنا الفقيه المؤرخ الحسن ابن زولاق المصري صديق المعز ومؤرخ سيرته، كثيراً من هذه المظاهر التي يتشح فيها المعز بثوب الإمامة ويبدو إماماً دينيا أكثر منه ملكا سياسياً، في صلاته وفي خشوعه، وفي ركوعــه و سجوده، وفي خطبه ومواعظه.

وكثيراً ما كان الخليفة يؤم الناس ويخطب فيهم بنفسه؛ وكان المعز قدوتهم في ذلك، وكان خطيباً فصيحاً مؤثراً، وكثيراً ما كان يبكي الناس بذلاقته وروعة وعظه.

وكان القرامطة وهم فرقة من غلاة الشيعة، قبل ذلك من أولياء الخلافة الفاطمية المنضوين تحت لوائها، ولكنهم انقلبوا الي خصومتها حينما استولي الفاطميون علي مصر،

وتوفي المعز لدين الله في ١٤ ربيع الثاني سنة ٣٦٥هـ (ديسمبر سنة ٩٧٥م) وخطر القرامطة لا يزال يهدد مصر والشام. فخلفه ابنه العزيز بالله، أبو منصور نزار.

الفصل الثالث: البداية الجامعية

منذ نحو الف عام يتمتع الأزهر بصفته الجامعية؛ وقد عرفته الأجيال المتعاقبة دائماً معهداً للقراءة والدرس كما عرفته دائماً مسجداً جامعاً. … ذلك أن الجامع الأزهر لم يُنشأ في الأصل ليكون جامعة أو معهداً الدرس، … وإنما أنشيء الجامع الأزهر ليكون مسجداً رسمياً للدولة الفاطمية في حاضرتها الجديدة، ومنبراً لدعوتها الدينية، ورمزاً لسيادتها الروحية.

أما فكرة الدراسة بالأزهر، فقد كانت حدثاً عارضاً ترتب علي فكرة الدعوة المذهبية،

ففي صفر سنة ٣٦٥هـ (أكتوبر ٩٧٥م) في أواخر عهد المعز لدين الله جلس قاضي القضاة أبو الحسن علي بن النعمان القيرواني بالجامع الأزهر، وقرأ مختصر أبيه في فقه آل البيت (فقه الشيعة) وهو المسمى بكتاب الاختصار في جمع حافل من العلماء والكبراء، وأثبتت أسماء الحاضرين، فكانت هذه أول حلقة للدرس بالجامع الأزهر.

وفي أوائل عهد العزيز بالله حدث بالجامع الأزهر حادث جامعي آخر. ففي رمضان سنة ٣٦٩هـ (٩٨٠م) جلس يعقوب بن كلِّس وزير المعز لدين الله ثم وزير ولده العزيز من بعده بالجامع الأزهر، وقرأ علي الناس كتاباً ألفه في الفقه الشيعي علي مذهب الإسماعيلية متضمناً ما سمعه في ذلك من المعز لدين الله وولده العزيز، وهو المعروف «بالرسالة الوزيرية» نسبة الي مؤلفها الوزير.

وكانت مجالس ابن كلّس في الواقع أول مجالس جامعية حقة عقدت بالجامع الأزهر، وكانت تمتاز عن مجالس بني النعمان بتحررها من القيود الرسمية، واتجاهها نحو الغايات العلمية قبل اتجاهها نحو المثل المذهبية.

والظاهر أن الوزير ابن كلّس هو أول فكر في اتخاذ من الجامع الأزهر معهداً للدراسة المنظمة المستقرة. … ففي سنة ۳۷۸هـ (۹۸۸ م) استأذن ابن كلّس الخليفة العزيز بالله في أن يعين بالأزهر جماعة من الفقهاء للقراءة والدرس يحضرون مجلسه و يلازمونه، ويعقدون مجالسهم بالأزهر في كل جمعة من بعد الصلاة حتي العصر.

ورتب لهم العزيز أرزاقاً وجرايات شهرية حسنة، وأنشأ لهم داراً للسكني بجوار الأزهر،

وهنا نجد أنفسنا أمام حدث جامعي حقيقي. فقد كان أولئك الفقهاء الذين رتبهم ابن كأس للقراءة والدرس بالأزهر وأقرهم العزيز بالله أول الأساتذة الرسميين الذين عينوا بالجامع الأزهر،

ولقد كان ابن كلس وزيراً عظيما وعالماً جليلا، بل كان عبقرية سياسية حقة. وهو أبو الفرج يعقوب بن يوسف بن كأس واسمه يدل علي أصله الذمّي. ذلك أن ابن كأس كان يهوديا نشأ ببغداد وغادرها في شبابه الي الشام.

ثم ثابت له فكرة في الأخذ بنصيب من السلطة والولاية، ورأي الإسلام خير طريق لتحقيق هذه الغاية. وكان قد بلغة أن كافوراً قال في حقه «لو كان هذا مسلماً لصلح أن يكون وزيراً». فدرس قواعد الإسلام وشرائعه سرا. وفي شعبان سنة ٣٥٦ه دخل جامع مصر (جامع عمرو ) وصلي به الصبح في موكب حافل.

فخشي ابن كلّس العاقبة وفر الي المغرب في شوال سنة ٣٥٧هـ ولحق بالمعز لدين الله الخليفة الفاطمي وهو يومئذ ينظم مشروعه لغزو مصر. فقدر المعز مواهبه وخلاله، ووقف منه علي أحوال مصر ومواطن القوة والضعف فيها.

وغدا أقوي رجل في الدولة. وبذل ابن كلّس جهوداً عظيمة في تنظم الإدارة والدواوين، وكان من أكبر بناة الدولة الفاطمية بمصر وموطدي دعائمها ونفوذها.

وليس غريباً أن يحرز رجل مثل ابن كلّس تلك المكانة الرفيعة في ظل الدولة الفاطمية مع أنه يهودي الأصل والنشأة؛ فقد كانت الخلافة الفاطمية تصطنع الذميين والصقالبة وتوليهم ثقتها. وقد ولي وزارتها فيما بعد في عصر الحاكم بأمر الله وزراء يهود و نصاري خلص، مثل الرئيس ابن فهد وعيسي بن نسطورس وابن عبدون، وتولي وزارة الدولة بعدهم كثيرون منهم في مختلف العهود.

وقد أخذ ابن كلّس بقسط حسن في التأليف والكتابة، فوضع كتاباً في القراءات، وكتاباً في الفقه، وكتاباً في آداب رسول الله، وكتاباً في علم الأبدان والصحة، ومختصراً في فقه الشيعة، وهو المعروف بالرسالة الوزيرية التي أشرنا إليها فيما تقدم.

الفصل الرابع: الأزهر ودار الحكمة

فقد رأيت أن جامع مصر (جامع عمرو) كان منذ القرن الأول. للهجرة يقوم بهذه المهمة العلمية الي جانب مهمته الدينية، وكانت حلقاته مجمع الفقهاء والأدباء، وكان حين قيام الجامع الأزهر أهم معهد الدراسة الممتازة في مصر، بل سنري أنه لبث عصوراً يقوم الي جانب الأزهر بدوره العلمي القديم.

بل أريد أن تكون الجامعة الجديدة معهداً مستقلا بذاته. وعلي ذلك أنشئت دار الحكمة الفاطمية أو دار العلم الشهيرة، أنشأها الحاكم بأمر الله ولد العزيز بالله في العاشر من جمادي الآخرة سنة ٣٩٥هـ (مارس سنة ١٠٠٥م) أعني لنحو خمسة وثلاثين عاماً من قيام الجامع الأزهر. وكانت تعقد قبل ذلك بالقصر وأحياناً بالأزهر، مجالس تسمي مجالس الحكمة، ينظمها قاضي القضاة وتقرأ فيها علوم آل البيت، … ولكن الحاكم بأمر الله رأي أن تكون هذه المجالس أوسع مدي وأن تنظم في سلك حلقات دينية وعلمية متصلة يجمعها معهد رسمي واحد، فأنشئ المعهد الجديد وأطلق عليه دار الحكمة أو دار العلم.

وأفردت للجامعة الجديدة دار كبيرة ملاصقة للقصر الصغير بجوار باب التبانين تعرف بدار مختار الصقلبي، وقسمت الي عدة أقسام أو مجالس لعلوم القرآن والفقه وعلوم اللغة والفلك والطب والرياضة والتنجيم وغيرها،

وكان التعليم فيها حرا علي نفقة الدولة، ويمنح الطلاب والباحثون جميع الأدوات الكتابية، ولهم أن يقرأوا وينسخوا ما شاءوا من الكتب، وأن يستمعوا الي ماشاءوا من الدروس والمحاضرات.

واتخذت دار الحكمة في البداية طابعا حرا، فدعي إليها الأساتذة من المذهبين، السنة والشيعة، وقرئت بها فضائل الصحابة، ولكن أبعد عنها الأساتذة السنيون فيما بعد، وقتل بعضهم وتأكدت بذلك صفتها المذهبية. … ولكنها لما انتظمت واتسع نطاقها بقيام دار الحكمة عهد بها الي زعيم ديني حاص يلي قاضي القضاة في الرتبة ويسمي داعي الدعاة، وأنشئ لها بين وظائف الدولة ديوان خاص.

ولكن هذا المظهر العلمي لم يكن في الواقع إلَّا ستارا للغاية الأصلية التي أنشئت دار الحكمة لتحقيقها، وهي بث الدعوة الفاطمية بطريقة علمية منظمة تمتزج فيها النظريات والآراء الفلسفية، بالأصول والمبادئ المذهبية، وتكون أبعد أثرا في غزو الأذهان والعقائد من مجالس القصر،

وكان من تلاميذ دار الحكمة أيضا مواطنه الفيلسوف الحسن بن الصباح مؤسس طائفة الإسماعيلية الباطنية الشهيرة؛ وفد علي مصر في أواخر عهد المستنصر بالله وتفقه في الدعوة السرية علي أساتذة دار الحكمة التي لبثت بالرغم من تضاؤل نفوذها القديم يومئذ أخصب مورد لهذه الدعوة المذهبية المدهشة.

ذلك أنه كان لقيام الجامعة الجديدة أثر كبير في سير الدراسة بالجامع الأزهر، وكانت منافسا شديد الوطأة لمعهد لم تستقر نظمه ولم تتوطد بعد.

والواقع أن قيام دار الحكمة لم يكن ناسخا للدور الذي أخذ الأزهر في الاضطلاع به كمعهد للقراءة والدرس، وإنما كان متما لهذا الدور في معني من المعاني. ذلك أنه بينما استمر الأزهر مركزا للثقافة الدينية المحضة إذا بدار الحكمة تعني الي جانب مهمتها في نشر علوم آل البيت بتدريس علوم اللغة والطب والرياضة والمنطق والفلسفة وما إليها؛ و بينما لبث الأزهر محتفظا بطابعه الديني الخالص إذا بدار الحكمة تغلب عليها الصبغة المدنية والفلسفية. وثمة فارق آخر بين المعهدين المتنافسين هو أنه بينما كانت العلوم الدينية تدرس بالأزهر في نوع من الحرية دون التقيد المطلق بالقيود المذهبية إذا بدار الحكمة تقتصر مدي حين في التعليم الديني علي علوم الشيعة وعقائدها، وتتقيد بجميع قيودها المذهبية.

كانت هذه المعاهد الثلاثة: جامع القاهرة أو الجامع الأزهر، ودار الحكمة أو دار العلم، وجامع مصر أو جامع عمرو هي معاهد الدراسات العالية في مصر الإسلامية في القرن الخامس الهجري.

وكانت له فوق ذلك أهمية رسمية خاصة، ففيه كان جلوس قاضي القضاة في أيام معينة، وفيه كان مركز المحتسب العام،

فقد اضطربت شئون هذه الجامعة المذهبية، وفتر نشاطها منذ منتصف القرن الخامس الهجري وفقدت كثيراً من أهميتها أيام الخليفة المستنصر بالله حينما اضطربت شئون الخلافة الفاطمية وسرت الفوضى الي كل شئون الدولة ومرافقها، وما زال أمرها في انحلال حتي انتهي أمير الجيوش الأفضل شاهنشاه بأبطالها وإغلاقها في أوائل القرن السادس الهجري أيام الخليفة الآمر بأحكام الله (٤٩٥ – 524ه) لما ذاع من تدخلها في العقائد، ثم أعادها المأمون البطائحي وزير الآمر بأحكام الله سنة ٥١٧هـ علي نمط جديد روعي فيه تخفيف صبغتها المذهبية، وعني فيها عندئذ بتدريس القرآن وعلومه عناية خاصة، واستمرت زهاء نصف قرن آخر حتي نهاية الدولة الفاطمية.

منذ اضطربت شئون الخلافة الفاطمية في عهد المستنصر بالله، ونكبت مصر بالشدة العظمي، وعانت عسف القحط والوباء أعواماً طويلة (٤٤٦ – ٤٦٤ه) … وعجزت الدولة عن الإنفاق علي معاهد التعلم لنضوب مواردها، وبددت خزائن الكتب أثناء الفتنة وكانت من أنفس وأعظم ما عرف العالم الإسلامي. … وفي أواخر القرن الخامس أمير الجيوش بدر الجمالي المتغلب علي الدولة (٤٦٥ – ٤٨٧هـ ) وولده الأفضل شاهنشاه (٤٨٧ – 515ه) عاد النظام والأمن والرخاء الي البلاد وانتظمت الحياة العامة، واستعادت الحياة الفكرية نشاطها بما أسبغ عليها من الرعاية، وما بذل للإنفاق على معاهد الدرس من الأموال والأرزاق.

الفصل الخامس: نظم الدراسة والحلقات الجامعية

وكان لإغلاق دار الحكمة بلا ريب أثر في نشاط الدراسة بالأزهر خصوصاً في علوم اللغة والعلوم التي كانت تستأثر بها دار الحكمة؛ ونلاحظ أن صفة الأزهر كجامعة رئيسية للعاصمة الفاطمية أخذت تبدو من ذلك الحين بوضوح. … فكان الأزهر منذ أوائل القرن السادس في الواقع أهم معاهد التعليم والدراسة المنظمة في مصر الإسلامية.

بيد أنه يلوح لنا من الإشارات الموجزة أن نظام الدرس بالأزهر قد بدأ علي نفس النمط القديم الذي كان متبعاً في مصر وباقي العواصم الإسلامية يومئذ، ونعني به نظام الحلقات ومجالس الدروس الخاصة. وقد اشتهر نظام الحلقات الدراسية بمصر منذ القرن الثاني للهجرة. وكانت الفسطاط ومسجدها الجامع منذ القرن الأول مركزاً للدراسة الممتازة، وكانت هذه الدراسة في البداية دينية فقهية، وفي مهادها تخرج جماعة من أقطاب الفقهاء والمحدثين مثل يزيد بن حبيب المتوفي سنة ۱۲۸هـ والليث بن سعد المتوفي ١٧٥هـ وعبد الله ابن وهب المتوفي سنة ۱۹۷هـ.

وكان المسجد الجامع منذ إنشائه قلب الفسطاط الفكري، وقد قام بأعظم دور في تاريخ الحركة العقلية في مصر الإسلامية في القرون الأربعة الأولي للهجرة، وبين جدرانه كانت توجه حركة التفكير والآداب مدي عصور. ويبدو مما كتبه المؤرخون المعاصرون أن هذه الحلقات كانت دورية، وكانت منتظمة تعقد كل يوم تقريباً في المسجد الجامع، وأهمها ما كان يعقد في عصر يوم الجمعة؛

وكان منها حلقة الإمام محمد بن إدريس الشافعي الشهيرة في خاتمة القرن الثاني وفاتحة القرن الثالث (١٩٨ – ٢٠٤هـ ) وهي التي تخرج فيها عدة من أقطاب المحدثين والفقهاء في هذا العهد.

وكان أشهر هذه الحلقات حلقة بني عبد الحكم، وهم أسرة مصرية نابهة نبغ فيها عدة فقهاء ومحدثين في أوائل القرن الثالث. وكانت حلقاتهم العلمية والأدبية تجذب أكابر العلماء الوافدين علي مصر من مختلف الأقطار. ولما قدم الإمام الشافعي الي مصر استقبله بنو عبد الحكم، وأكرموا وفادته ومهدوا له سبل الإقامة وعاونوه علي تنظيم حلقاته ودروسه،

وفي هذه الفترة ذاتها كان الشاعر الأكبر أبو الطيب المتنبي الذي وفد علي مصر سنة ٣٤٦هـ (٩٥٧م) ليستظل بحماية الإخشيد يعقد حلقاته الأدبية في مسجد يعرف بمسجد ابن عمروس،

ولم يك ثمة نظام آخر يمكن التفكير فيه في عصر لم تكن قد عرفت فيه المدارس بعد. وهكذا بدأت الدراسة في الأزهر في حلقات علمية وأدبية، واستمرت كذلك علي كر العصور.

ويجلس أستاذ المادة من فقه أو حديث أو تفسير أو نحو أو بيان أو منطق أو غيرها في المكان المخصص لذلك من أروقة الجامع أو أبهائه، وأمامه الطلبة والمستمعون يصفون إليه ويناقشونه فيما يعن لهم. … وكان لهذه الطريقة علي بساطتها كثير من مزايا الدراسة الجامعية لأنها كانت تجمع بين الأساتذة والطلاب في جو من البساطة وعدم الكلفة وتفسح كبير مجال للمناقشة والمحاجة.

ومن بواعث الأسف حقاً أن يكون من آثار نظم الأزهر الجديدة أن تختفي هذه الحلقات الجامعية القديمة من أروقة الأزهر وساحاته اليوم لتحل محلها بعض الدروس الثانوية، تلقي من آن إلى آخر. وفد كانت مدي عصور من مفاخر الجامع الشهير.

نشأ الأزهر واستمر طوال العصور حتي عصرنا معهداً حراً يؤمه الطلاب من كل صوب، لا يؤدون عن تعليمهم أية نفقة أو كلفة. بل كثيراً ما رتبت لهم الي جانب الدراسة الحرة، أعطية وأرزاق تكفي للإنفاق عليهم في حياتهم الخاصة.

ومن ذلك الحين نري النفقة علي الجامع الأزهر ترجع الي مصدرين أساسيين، هما الأحباس (الأوقاف ) والصدقات العامة والخاصة.

ومن ذلك فيما يختص بالجامع الأزهر رواتب الخطيب والمشرف والأئمة، وما ينفق علي فرش الجامع وتأثيثه وإنارته من الحصر والقناديل والزيت، وعلي إصلاحه وتنظيفه وإمداده بالماء وغير ذلك مفصلا تفصيلا شاملا يراجع.

 وكانت الأحباس في ظل الدولة الفاطمية تحت إشراف قاضي القضاة ولها ديوان خاص. وقد نما هذا المصدر واتسع فيما بعد في ظل دول السلاطين حتي غدا أخصب مورد للجامع الشهير.

ذلك هو مورد الأعطية والصدقات العامة والخاصة. وكانت هذه الأعطية والصدقات مالية ونوعية معاً.

وأما الصدقات النوعية فكانت كثيرة تشمل توزيع أولي الأمر والكبراء الأطعمة والحلوى علي الطلبة والمساكين بالأزهر وغيره من المساجد الجامعة في مواسم معينة.

وتوالت أوقاف السلاطين والأمراء والكبراء علي الجامع الأزهر خلال العصور الوسطي، كما كانت تتوالي الأعطية والأرزاق الثابتة والمؤقتة لأساتذته وطلابه. وكان من أجل أعمال البر وأشرفها أن يوقف القادرون من أملاكهم وضياعهم علي دور العلم وبخاصة علي الجامع الأزهر؛

وكان يضم بين طلبته دائماً الي جانب الطلاب المصريين عدداً كبيراً من أبناء الأمم الإسلامية يتلقون الدراسة، وتجري عليهم الأرزاق، وتقيم كل جماعة منهم في مكان خاص بها.

الفصل السادس: المواد والكتب والأساتذة

لا ريب أن علوم الدين واللغة كانت في المقدمة دائماً. وكان للعلوم الدينية بنوع خاص أوفر قسط، فعلوم القرآن والحديث والكلام والأصول والفقه علي مختلف المذاهب، وكذلك علوم اللغة من النحو والصرف والبلاغة ثم الأدب والتاريخ هذه كلها كانت زاهرة بالأزهر خلال العصور الوسطي.

وقد كانت الصبغة المذهبية تغلب كما رأينا علي الدراسة بالأزهر ولا سيما في بداية عهدها، ولم يك ذلك غريباً في ظل دولة كالدولة الفاطمية تتشح بثوبها المذهبي العميق؛ وكان من الطبيعي أيضاً أن تحتل علوم الشيعة وفقه آل البيت من حلقاته الدينية المقام الأول.

ونحن نعرف أن الخلافة الفاطمية بالرغم من بصبغتها المذهبية العميقة لم تستطع أن تحشد سواد الشعب المصري إلي جانبها في هذا المضمار، ولم تحاول دائما أن تجري علي سياسة الإرغام في طبعه بطابعها، وفي فرض لونها المذهبي علي عقائده؛ بل نراها في أحيان كثيرة تلجأ في ذلك الي سياسة الرفق والتسامح. ولنا في ذلك مثلا ساطعاً في المرسوم الديني الذي أصدره الحاكم بأمر الله. وهو من غلاة الخلفاء الفاطميين – في سنة ٣٩٨هـ (١٠٠٨م)

وكانت دار الحكمة تستأثر بعد ذلك بتدريس العلوم المدنية بينما كان الأزهر يقتصر علي تدريس العلوم الدينية.

وفي أواخر القرن السادس أعني بعد ذهاب الدولة الفاطمية، وقيام الدولة الأيوبية نري الأزهر جامعة حرة تدرس فيها العلوم العقلية أو العلوم المدنية الي جانب العلوم الدينية بصورة منتظمة.

وكانت الأديرة مراكز الدراسة في أوربا والأحبار هم قادة الفكر. بيد أنه لما تقدمت الحركة الفكرية، وتسربت النظريات الفلسفية الي تعاليم الكنيسة أخذت سيطرة الدين علي حركة التعلم تضعف شيئاً فشيئاً.

ولم يأت ختام العصور الوسطي حتي كانت الجامعة الأوربية قد حققت استقلالها العلمي، وأخذت تسير نحو النور والحقيقة، بعيدة عن المؤثرات الدينية والسياسية ما استطاعت الي ذلك سبيلا.

هذا بينما بقي الأزهر مدي الأحقاب وبالرغم من تطور العلوم وأساليب التفكير محتفظاً بصبغته الدينية العميقة، مشبعاً في كثير من نظمه وأساليبه بروح العصر القديم.

ونستطيع أن نستخلص من ذلك حقيقة تاريخية هامة، هي أن الكتب الأولي التي قررت للتدريس بالأزهر هي كتب اشتقت من المصادر المذهبية الرسمية أعني من أولياء الخلافة الفاطمية ذاتها، وكان لها صبغة رسمية واضحة. وكان التدريس بالأزهر يجري يومئذ علي مذهب الشيعة بصفة رسمية. وشدد في ذلك بادئ ذي بدء حتي أنه في سنة احدي وثمانين وثلاثمائة في عهد العزيز بالله، قبض علي رجل وجد عنده كتاب «الموطأ» للإمام مالك، وجلد من أجل إحرازه.

وكان بالقصر الفاطمي مكتبة جامعة يفيض المؤرخون المعاصرون في وصف عظمتها ونفاسة محتوياتها؛ وكان بها ما يزيد علي مائتي ألف مجلد في سائر العلوم والفنون، في الفقه والحديث واللغة والتاريخ والأدب والطب والكيمياء والفلك وغيرها. قال ابن أبي طي بعد ما ذكر استيلاء صلاح الدين علي القصر «ومن جملة ما باعوه خزانة الكتب، وكانت من عجائب الدنيا، ويقال إنه لم يكن في جميع بلاد الإسلام دار كتب أعظم من التي كانت بالقاهرة في القصر».

ولعله لم يفق المكتبة الفاطمية في ضخامتها سوي مكتبة قرطبة الشهيرة التي بلغت ذروتها في عهد الحكم المستنصر بالله، وقدر ما بها يومئذ من الكتب بستمائة ألف مجلد.

وشغف المستحي بتدوين التاريخ وألف فيه عدة كتب منها تاريخه الكبير المسمى «أخبار مصر»، وهو أثر ضخم يتناول تاريخ مصر وما بها من الأبنية والعجائب، وذكر نيلها وأقليمها ومجتمعاتها حتي أوائل القرن الخامس الهجري؛ ولم يصلنا هذا الأثر الذي يلقي بلا ريب أعظم ضوء علي تاريخ الدولة الفاطمية في عصرها الأول،

الفصل السابع: المناسبات الدينية والاجتماعية

ولما دخل القائد جوهر بجيشه المظفر، وشهد صلاة الجمعة في يوم الجمعة الثامن من جمادي الأولي سنة ٣٥٨ ه بجامع ابن طولون، أذن المؤذنون في ذلك اليوم بقولهم : «حي على خير العمل» وذلك بدلا من قولهم : «حي على الصلاة، حي على الفلاح»؛ ثم أذن بذلك في المسجد الجامع، ثم في الجامع الأزهر منذ افتتاحه للصلاة في رمضان سنة ٣٦١ ه، وعم الأذان الفاطمي بعد ذلك جميع المساجد الأخرى.

فمن ذلك أنه كان مركز المحتسب؛ وكان منصب المحتسب أهم المناصب الدينية في الدولة الفاطمية، وهو الثالث عندهم بعد قاضي القضاة وداعي الدعاة، وعمله يتناول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر علي قاعدة الحسبة، وله نواب في جميع أنحاء القطر، ويجلس بالجامع الأزهر وجامع مصر (جامع عمرو) يوماً بعد يوم.

وكان الاحتفال المحزن بيوم عاشوراء، أو مأتم عاشوراء يقــام بالجامع الأزهر قبل إنشاء المشهد الحسيني في سنة ٥٤٩ه؛ وكان هذا الحفل من أغرب المظاهر المذهبية التي رتبتها الدولة الفاطمية لإحياء ذكري الحسين. … ثم ينشد قوم من الشعراء أشعاراً في رثاء الحسن والحسين وآل البيت، ويضج الحضور بالبكاء والعويل؛

كذلك كان الجامع الأزهر أيام المعز والعزيز والحاكم، مركزاً لمجالس الحكمة الفاطمية. وكانت هذه المجالس الشهيرة التي رتبتها الخلافة الفاطمية لبث دعوتها وتوطيد إمامتها تتخذ صورة الدعوة إلى قراءة علوم آل البيت والتفقه فيها؛

الفصل الثامن: الأزهر في عصور السلاطين والعصر التركي

فلما انهارت دعائم الدولة الفاطمية أيام العاضد لدين الله آخر الخلفاء الفاطميين، واستأثر صلاح الدين وزير العاضد بالأمر، عمد الي إزالة شعائر الدولة الفاطمية وكل رسومها وآثارها المذهبية؛ فقطع اسم العاضد الخطبة ودعا للخليفة العباسي، وأبطل الأذان من الفاطمي، وعزل قضاة الشيعة، وعين في منصب قاضي القضاة قاضياً شافعيا هو صدر الدين عبد الملك بن در باس، فكان تعيينه إيذاناً بانتشار مذهب الشافعي في مصر.

ومنذ القرن الثامن الهجري يتبوأ الأزهر في مصر وفي العالم الإسلامي نوعاً من الزعامة الفكرية والثقافية.

وربما كانت هذه الفترة في الواقع هي عصر الأزهر الذهبي من حيث الإنتاج العلمي الممتاز ومن حيث تبوئه لمركز الزعامة والنفوذ.

وفقدت مصر استقلالها التالد وسقطت صرعى الغزو العثماني سنة ٩٢٢هـ (١٥١٧م).

وكان الفتح العثماني لمصر أشنع ضربة أصابت المدنية الإسلامية مذ قضى التتار علي الدولة العباسية في منتصف القرن السابع الهجري وقوضوا صروح المدنية الإسلامية في المشرق؛

وكانت المدنية الإسلامية تتألق بعلومها وفنونها في ظل دول السلاطين المصرية منذ ثلاثة قرون فجاء الفتح التركي بويلاته ليطفئ هذا السراج المنير مدي ثلاثة قرون أخري.

وقضي السلطان سليم فاتح مصر في القاهرة زهاء ثمانية أشهر يجمع من تراث مصر وثروتها الفنية كل ما استطاع، ويخرب المساجد والآثار الخالدة، لينتزع منها نفائسها الفنية، ويبعث بها الي قسطنطينية، ويقبض علي أكابر مصر وزعمائها وعلمائها، ورجال المهن والفنون فيها ومهرة الصناع والعمال، ويرسلهم جموعاً حاشدة في السفن إلى قسطنطينية، وينتزع الكتب من المساجد والمدارس والمجموعات الخاصة ليودعها مكاتب العاصمة التركية. وما زالت منها الي اليوم بقية كبيرة في مكاتب استانبول، ومنها مؤلفات خطية لكثير من أعلام القرن التاسع الهجري المصريين مثل المقريزي، والسيوطي، والسخاوي، وابن إياس، مما يندر وجوده بمصر صاحبة هذا التراث العلمي.

وأصاب الأزهر ما أصاب الحركة الفكرية كلها من الانحلال والتدهور، واختفي من حلقاته كثير من العلوم التي كانت زاهرة به من قبل، حتي أن العلوم الرياضية لم تكن تدرس به في أواخر القرن الثاني عشر؛ وقد لاحظ ذلك الوزير أحمد باشا والي مصر سنة ١١٦١هـ (١٧٤٨م)، للشيخ عبد الله الشبراوي شيخ الأزهر يومئذ وأنكره في حديث أورده الجبرتي، يدلي بما آلت إليه أحوال الدراسة بالأزهر خلال العصر التركي من التأخر والركود. علي أن الجامع الأزهر يقوم عندئذ بأعظم وأسمي مهمة أتيح له أن يقوم بها. فقد استطاع خلال المحنة الشاملة أن يستبقي شيئاً من مكانته، وأن يؤثر بماضيه التالد وهيبته القديمة في نفوس الغزاة أنفسهم؛ فنجد الفاتح التركي يتبرك بالصلاة فيه غير مرة، ونجد الغزاة يبتعدون عن كل مساس به، ويحلونه مكاناً خاصاً، ويحاولون استغلال نفوذ علمائه كلما حدث اضطراب أو ثورة داخلية.

وقد استطاعت مصر لحسن الطالع بفضل أزهرها أن تحمي هذا التراث نحو ثلاثة قرون حتي انقضي العصر التركي بمنحه وظلماته، وقيض لها أن تبدأ منذ أوائل القرن التاسع عشر حياة جديدة يمازحها النور والأمل.

الفصل التاسع: إدارة الجامع الأزهر ومشيخته

وفي سجل الوقف المذكور إشارات أخري الي قيمة ما رصد لكسوة الجامع الأزهر من الحصر، ولتبخيره في رمضان وفي أيام الجمع من العود الهندي والكافور والمسك، وما يلزم لكنسه وإنارته من مؤن القناديل والتنانير من الملح والزيت والسلاسل والحبال وغيرها، ولوضع أزيار الماء فيه، وما يدفع للعمال والخدم الذين يقومون بفرشه وتنظيفه وأداء جميع ما يطلب لتجميله وإعداده للمصلين والطلاب.

وأما شئون الدراسة فكان المرجع فيها علي الأغلب إلى السلطان ووزرائه. وقد كانت مناصب التدريس في الأزهر وما إليه من المدارس الكبيرة يومئذ من المناصب الدينية الهامة، فلا يعين فيها سوي أكابر الأساتذة والعلماء،

ومن المعروف الذائع أن نظام المشيخة الحالي إنما هو نظام حديث يرجع علي الأكثر الي نحو قرنين ونصف، وأنه طبق لأول مرة في أواخر القرن الحادي عشر الهجري،

وما زال هذا النظام -نظام المشيخة، قائماً بالجامع الأزهر الي يومنا حيث يقوم «شيخ الجامع الأزهر» علي رياسته الدينية والإدارية.

نظام المشيخة أمر مستحدث في رئاسة الجامع الأزهر، ولكنه يرجع فيما يظهر الي ما قبل القرن الحادي عشر الهجري، ولعله يرجع الي أوائل العصر التركي؛ ومن المحقق أن هذا النظام لم يكن معروفاً قبل الفتح التركي، فلم يكن للجامع الأزهر «شيخ» من العلماء يتولى رياسته الدينية والإدارية، ولم تكن رياسة الأزهر من الوظائف الدينية الكبري في الدولة المصرية،

ذلك أن ولاة الأمر العثمانيين كانوا يعلقون علي الوظائف الدينية أهمية خاصة، وكان الجامع الأزهر يحتل يومئذ بين المساجد والمعاهد المصرية مركز الصدارة،

وإذا كان الجبرتي لم يذكر لنا شيخا للأزهر قبل الشيخ الخرشي المتوفي سنة ١١٠١هـ فإنه من جهة أخري ي لم يقل لنا بصفة قاطعة إنه كان أول من ولى المشيخة؛ … فإنه توجد مع ذلك ثمة قرأن عديدة تدل علي أنه يرجع إلى ما قبل أواخر القرن الحادي عشر بكثير.

من ذلك ما رواه صاحب كتاب «ذخيرة الأعلام» في حديثه عن واقعة الشيخ شهاب الدين أحمد بن عبد الحق السنباطي مع داود باشا الذي تولي ولاية مصر سنة ٩٤٥ه (١٥٣٨م) فقد ذكر لنا أنه حدث في شهر شعبان سنة ٩٥٠هـ، أن الشيخ ابن عبد الحق، قال يوماً لداود باشا وهو في موكبه إنه رقيق لا يجوز له أن يتولى الأحكام، وان أحكامه باطلة ما لم يحصل علي عتقه ثم، يقول في قصيدته التي يروي فيها تفاصيل هذه الواقعة:

لما صغى الباشا للكلام … هم بضرب الشيخ بالحسام

قال له الجند فدع جذب الحسام … فإن هذا شيخ الإسلام الإمام

وأن الجند انحازوا للشيخ فأرسل الباشا نبأ هذه الواقعة الي السلطان فأنعم عليه بعتقه مع تبليغ الشكر إلى الشيخ، وأن الباشا سعي بعد ذلك إلى الشيخ واسترضاه وقبل رجله، ولم يقبل الشيخ منه مالا ولا هدية، ولكنه أصبح من ذلك الحين لا يرد للشيخ رأياً ولا شفاعة.

كان هذا اللقب يطلق فيما بعد علي أكابر العلماء الذين يصلون إلى مرتبة الزعامة العلمية أو علي شيوخ الجامع الأزهر، والأغلب أن يطلق علي هؤلاء الشيوخ.

لسنا نميل الي القطع بأن ابن عبد الحق كان شيخاً للجامع الأزهر،

والمرجح لدينا أن هذا النظام يرجع الي أواسط القرن العاشر وأنه يمت كما قدمنا بصلة الي التغييرات التي أحدثها الترك العثمانيون في الوظائف الدينية الكبري؛ وقد كان لشيخ الجامع الأزهر وعلمائه نفوذ خاص يستمده ولاة الأمر كلما اقتضت الظروف والحوادث. وقد بلغ هذا النفوذ فيما بعد مبلغ الرياسة والزعامة في أواخر القرن الثالث عشر ولاسيما وقت مقدم الحملة الفرنسية حيث كان لأكابر الشيوخ رأي بارز في معظم الحوادث والشئون الداخلية. وكانوا يعتبرون ممثلي الأمة في معني من المعاني؛ وكان منهم أعضاء الديوان الذي ألفه الفرنسيون لحكم مدينة القاهرة، وكان لهم نفوذ يذكر في سير الحوادث في ذلك الحين.

ومن المعروف أن العصر التركي هو أكثر العصور في تاريخ مصر الإسلامية غموضاً واضطراباً وأقلها وثائق ومراجع، لما حدث فيه من اضمحلال الحركة الأدبية، وفتور الهمم عن التأليف والتدوين، وانصراف المؤرخين عن تناول الشئون العامة والأمور النافعة الي ملق الحكام والأكابر وتدوين سيرهم الشخصية.

الفصل العاشر: عهد التطور والإصلاح

كانت حوادث الحملة الفرنسية وما ترتب عليها من تطورات داخلية وخارجية، إيذانا بتحرير مصر من نير الحكم التركي فأخذت مصر تستقبل عصراً جديداً، وأخذت الحركة الفكرية تستيقظ شيئاً فشيئاً من سباتها العميق.

وفي هذه الفترة القصيرة التي قضتها الحملة الفرنسية بمصر، استطاع بعض العلماء والمفكرين المصريين أن يشهدوا عن قرب مظاهر حضارة جديدة متقدمة، وأن يقفوا علي طرف من خواص العقلية الغربية ومناهجها في التفكير والعمل.

ويعرب الجبرتي مؤرخ العصر – وهو من علماء الأزهر – في أكثر من موضع من تاريخه عن شديد إعجابه بما حمله الفرنسيون الي مصر من ضروب الثقافة الجديدة، وغريب الفنون والمخترعات، ويصف دار كتبهم التي أنشأوها في الناصرية، وما رأي فيها من الكتب النادرة والصور الممتعة، والتصانيف الإسلامية المترجمة.

ومع أن شبيبة العصر كانت تلجأ الي الأزهر باعتباره مورد الثقافة الوحيد يومئذ، فإنها كانت تتطلع الي نوع آخر من الثقافة يكون أكثر ملاءمة للروح الجديد الذي سري يومئذ الي المجتمع المصري.

ولم تفت هذه الظاهرة محمد علي الذي آل إليه تراث مصر، وأخذ يوجه مصايرها السياسية والاجتماعية والثقافية، الي نواحيها الجديدة بذكاء وبراعة؛ وقد وضع هذا المصلح العظيم أول دعامة في الثقافة المصرية الحديثة، وآثر أن يتجه في تعليم الجيل الجديد وجهة جديدة، لأنه أدرك بذكائه وحسن تقديره أن الأساليب الأزهرية القديمة في التعليم والتثقيف لم تعد تتفق مع روح العصر ولا مع المثل التي تطمح إليها دولة فتية جديدة.

ولكنه عني أيضاً بإرسال الطلبة المصريين الي أوربا ليتلقوا ثقافتها وعلومها الرفيعة، ولينشئوا الثقافة القومية فيما بعد علي أسس محدثة. وأرسلت منذ سنة ١٨٢٦، الي فرنسا وانكلترا والنمسا وغيرها عشر بعثات بلغ عدد طلبتها أكثر من ثلاثمائة، وبلغ ما أنفق عليها زهاء نصف مليون جنيه.

وكانت صفحة باهرة في تاريخ مصر الحديث تشهد لكاتبها المصلح العظيم بعبقرية مستنيرة، وكانت جهود هذه الجمهرة من الطلاب والعلماء النوابغ أعظم دعامة قامت عليها ثقافتنا الحديثة.

وهكذا نشأت بمصر طبقة جديدة من المفكرين والعلماء والأدباء الذين أخذوا بقسط بارز من العلوم الحديثة.

ولم يكن الأزهر بعيداً كل البعد عن هذه الحركة الثقافية العظيمة، فقد كان بين طلاب هذه البعثات عدد من طلاب الأزهر، وكان منهم نوابغ أفذاذ مثل رفاعة بك رافع الطهطاوي إمام البعثة الأولي وصاحب الفضل في إنشاء مدرسة الألسن الشهيرة،

ولكن الأزهر بقي مع ذلك بمعزل عن هذه المؤثرات والاتجاهات الفكرية الجديدة، قانعاً بدراساته ومناهجه القديمة، وكان هذا القصور عن فهم الحركة الثقافية الجديدة ومجاراتها، عاملا في انصراف الأذهان الطموح عن وروده. وقد لبث الأزهر مع ذلك موئل الثقافة الشعبية العامة، واستطاع أن يحتفظ ببقية من تلك الجذوة القديمة التي طالما سطعت في عصوره الماضية، واستطاع بالأخص أن يحتفظ بامتيازه القديم كمركز لعلوم الدين واللغة.

وفي عصر إسماعيل تفتحت ثمار النهضة الحديثة وأينعت، وكان الأزهر قد بدأ يفيق من سباته الطويل، … ولما قدم المصالح الإسلامي الكبير السيد جمال الدين الأفغاني الي مصر في سنة ١٨٧١، ۱۸۷۱، وأخذ يعقد حلقاته المشهورة ويشرح فيها علوم الكلام والفقه والفلسفة والمنطق وغيرها بطريقة عصرية مبتكرة، التف حوله عدة من نوابغ الطلاب والشيوخ الأزهريين،

وأصاب الأزهر أول قسط من الإصلاح، وصدر أول قانون نظامي للأزهر في سنة ۱۲۸۸هـ (۱۸۷۲م) وشيخ الأزهر يومئذ الشيخ محمد العباسي المهدي. ونظم هـذا القانون طريقة الحصول علي الشهادة العالمية،

ولم يكن الأزهر قبل صدور هذا القانون شهادات دراسية معينة تمنح للطلاب اللهم إلا الإجازة» التقليدية التي كان يمنحها أكابر العلماء للطلاب المتقدمين إليهم،

وقد لبثت هذه الإجازة بالأزهر مدي قرون عنوان الإجادة والتفوق، واستمر تداولها حتي العصر الأخير.

وفي أوائل عهد عباس الثاني ظهرت بالأزهر حركة إصلاحية قوامها وروحها المغفور له الشيخ محمد عبده. ولم تلبث أن أثمرت هذه الحركة ثمرتها وصدر أمر خديوي بتشكيل لجنة إدارية دائمة تعني بالنظر في شئون التدريس ونظام الأروقة والمرتبات ودرجات العلماء وغيرها من مسائل الأزهر وشئونه.

وأضيفت إلى مواد الدراسة طائفة من المواد الجديدة هذا بيانها: الأخلاق، مصطلح الحديث، الحساب، الجبر، العروض والقافية، وجعل التاريخ الإسلامي، والإنشاء ومتن اللغة، ومبادئ الهندسة وتقويم البلدان، مواد يفضل المشتغل بها علي غيره.

وفي سنة ۱۹۱۱ علي أثر اضطرابات الأزهر المعروفة، … وأنشأت هيئة للإشراف علي شئون الأزهر تحت رئاسة شيخ الجامع تسمي «مجلس الأزهر الأعلى» كما حدد اختصاص الشيخ، وأنشئت هيئة كبار العلماء وفقاً لنظام خاص، وأنشأت معاهد دينية جديدة في بعض عواصم المديريات.

وتوالت علي هذا القانون تعديلات عديدة كان آخرها التعديل الذي يتضمنه القانون الصادر في سنة ۱۹۳۰. وقد كان هذا القانون في الواقع خطوة حاسمة في الفضاء علي نظم الدراسة القديمة بالأزهر وإنشاء ما يسمي اليوم بالجامعة الأزهرية. وقسم التعليم العالي بالأزهر وفقاً لهذا القانون الي ثلاث كليات : كلية أصول الدين وكلية الشريعة، وكلية اللغة العربية؛ وأنشئ نظام التخصص في المادة والتخصص في المهنة.

واختفت تلك الحلقات العلمية الجليلة التي لبثت زهاء ألف عام سراجاً منيراً، ينثر أشعته في مصر والعالم الإسلامي، ولم تبق منها سوي ذكريات دارسة.

وقد أصبح الأزهر يجمع بين مزيج غير واضح من الأساليب القديمة و بعض مظاهر الثقافة الحديثة، ولم يصل بعد الي طريق الاستقرار والوضوح.

ولكنا لا نستطيع بالرغم من هذه المظاهر الجذابة كلها، أن نقول إن «الجامعة الأزهرية» قد حققت أمنية الأزهر كاملة، وأنها أصلح منه لحمل رسالته التاريخية.

إن الأزهر الحديث بالرغم من جميع الجهود التي بذلت لإصلاحه منذ نصف قرن، وبالرغم من تحويله الظاهر الي جامعة أزهرية، قد فقد كثيراً من المزايا العلمية والجامعية الحقيقية التي اقترنت بتاريخه القديم. فقد اختفي جيل العلماء الأعلام المبرزين في علوم الدين واللغة.

وقد كان الأزهر حتي أواخر القرن الماضي يأخذ بنصيب بارز في تكوين الزعامة الفكرية والقومية؛ وكان ظهور رجال مثل محمد عبده وسعد زغلول من بين صفوف طلبته، أسطع دليل علي أن هذا العهد التالد لم يفقد خلال عصور الانحلال والتأخير كل حيويته الفكرية؛ ولكن هذه الظاهرة تكاد تختفي اليوم.

وقد فقد الأزهر كثيراً من خاصته الروحية التي كانت تحمل شيوخه وطلابه علي التفاني في التحصيل والدرس، … وتحول شيوخ الأزهر في ظل النظم الجديدة شيئاً فشيئاً الي نوع من أرستقراطية رجال الدين تمتاز ببسطة في الرزق والجاه،

فهو لا يزال يعيش علي تراث الأزهر القديم، ولا يزال مرجع الدراسة بالكليات الأزهرية الحديثة في علوم الدين واللغة طائفة من الكتب القديمة التي يعرفها الأزهر منذ العصور الوسطي؛

ومع أن هذه المصنفات القديمة لا تزال تحتفظ بقيمتها العلمية فهي لا تصلح سواء بمادتها أو طرائقها العتيقة لعقلية الطالب الحديث.

وقد فقد الأزهر كثيراً من مزايا الدراسة الجامعية الحقة بإلغاء الحلقات الدراسية الشهيرة التي لبثت قروناً تزين أروقته وساحاته،

والواقع أن هذه الحلقات القديمة لم تكن سوي المدرج الجامعي الحديث، وقد كانت تتفوق بلا ريب في عناصرها الجامعية علي فصول الكليات الأزهرية،

تلك المهمة هي العمل علي تدعيم رسالة الإسلام، ورسالة اللغة العربية والحضارة الإسلامية، بأساليب مستنيرة؛ … بيد أنه يجب أن ينزل الي ميدان الحياة الجديدة بقوة فتية، وروح جديدة تحررت نهائيا من الماضي وأصفاده الفكرية؛

الحمد لله رب العالمين

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

اكتشاف المزيد من مدونة التاعب

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading