القائمة إغلاق

خلاصة كتاب: لماذا يطلب الله من البشر عبادته؟، تأليف: د. سامي عامري

خلاصة كتاب

لماذا يطلب الله من البشر عبادته؟

الرد على شُبهة غِياب الحكمة عن أمر الله البشر أن يعبدوه

تأليف: د. سامي عامري

تحميل الخلاصة: [DOC] [PDF]

الإهداء

إلى الذين يسألون ليزدادوا علمًا..

ويتعلمون ليزدادوا إيمانًا..

ويؤمنون ليحسنوا عملًا.

الفهرس:

الإهداء. 1

السؤال عن المعنى والقيمة. 3

الإشكال وأشكاله. 3

إشكالات في أصل الإشكال. 3

أولا: الاعتراض مبني على أنسنة الإله ومقاصده: 3

ثانيا: طلب الشيء لا يقتضي النقص عند طالبه: 4

ثالثًا: الاعتراض متعلق بصفات الله لا بوجوده: 5

رابعا: إخبار الربّ حبّه عبادة خلقه له لا يتعارض منطقيا مع حقيقة الربوبية: 5

خامسًا: معرفتنا بحقيقة الذات الإلهية محدودة: 5

سادسًا: سؤال لا يسأله من يعرف نفسه: 6

أجوبة على أصل الإشكال. 7

أولا: تصريح الوحي أن الله لا يأتي العبث: 7

ثانيا: تصريح الوحي عدم حاجة الرب للعبادة: 7

ثالثًا: عبادة الله لأنه أهل لأن يُعبد: 9

رابعا: تمام القدرة والسلطان الإلهيين يتساوق مع حقيقة العبادة: 10

خامسًا: الإنسان محتاج إلى تحقيق العبادة ليحقق معرفته بذاته: 11

سادسا: الإنسان محتاج إلى العبادة ليحقق استواء ذاته: 11

سابعا: العبادة مادة الاختبار: 13

ثامنا: بالعبادة يعرف العبد قدْرَه: 13

تاسعا: الله يحبّ أن يكون بينه وبين عبده حديث وطلب: 14

الحادي عشر: في الاستجارة طلب للعون من العبد، ووعد بالنصرة من الرب: 14

الثاني عشر: في العبادة تجديد لعقد الإيمان: 15

الثالث عشر: في العبادة مدافعة للغفلة والذهول عن حقيقة الإيمان بالله: 15

الرابع عشر: عبادة الرب لتحقيق الانتظام الطبيعي: 15

الكبرياء الإلهي واعتراضات المخالف16

أولًا: إنكار صفة الكبرياء الإلهي سببه الخفي هو الكبرياء البشري: 16

ثانيا: ما هي العلاقة اللائقة بين الإله والعبد؟ التفاضل أم الندية؟: 16

ثالثًا: هل تتعارض صفة الحب مع صفة الكبرياء – النصرانية نموذجا: 16

 

السؤال عن المعنى والقيمة

إنّه لا يستشعر لذة العبادة، لأسباب منها أن سؤالا لا يزال يراوده حتى قطع على نفسه صفوها وأخذ من روحه سكينتها، وهو لماذا يطلب منا الله سبحانه أن نعبده؟ فالنفس لا ترى في الصلوات والدعاء وغير ذلك من مظاهر العبادة فائدة يجتنيها الخالق!؟

وفيها سؤال عن الحكمة من طلب الربّ أن يعبده خلقه، وداعي تميّز الربّ بالكبرياء دون غيره.

بيان الحكمة من طلب الربّ عبادته، والموقف من صفة الكبرياء الإلهي، وهل فيهما أي تعبير عن حاجة أو نقص؟

الإشكال وأشكاله

التساؤل عن الحكمة من طلب الربّ عبادته. وهو سؤال يبحث عن المعنى في فعل لا يرتبط بمصلحة كالتي تُحرّك أفعال البشر. وعامة ما يَرِدُ به هذا السؤال في صيغة: لِمَ يطلب منا الله أن نعبده وهو غني عن العبادة؟ ما الذي يستفيده الخالق من صلوات ودعوات وصيام؟ أليس طلب العبادة علامة نقص ودليل احتياج؟ ثم يترقَّى السؤال مرتبة أخرى ليسأل عن الحكمة من خلق الإنسان أصالة. وإذا قيل للمتشكك إنّ الإنسان خلق للعبادة أجاب مستنكرا: وبم يستفيد الربّ من عبادة خلقِهِ له؟، فَيَرُدُّنا معه إلى السؤال الأوّل: وماذا يستفيد الله من عبادتنا له؟ وإذا ضاقت نفس السائل إلى آخر، مداها قال منفعلا، ساخطا: لِمَ لَمْ يسألني الله إن كنت أريد أن أوجد؟

في ظلال المعاني السابقة سنحوم لنناقش هذه الأسئلة الغاضبة بنفس هادئة إن شاء الله.

إشكالات في أصل الإشكال

السؤال قد يكون في ذاته لسان الجواب.

يحسن بالعاقل قبل أن يستجمع الأدلة من الخارج لنقضها أن ينتبه إلى اضطرابها الداخلي، وليست الشبهة التي بين أيدينا بمنأى عن هذه الحقيقة المطردة.

أولا: الاعتراض مبني على أنسنة الإله ومقاصده:

أقام فهمه لذات الخالق على مبدأ أنسنة الرب، علم ذلك أم لم يعلم وهي الظاهرة المعروفة في التاريخ البشري بـ«Anthropomorphism»، والتي فرّخت أفنانها العقائد الوثنية؛

إنّ من يسأل عن مصلحة الإله من عبادة الناس له، لم يفارق عقله التصوّر الوثني القديم عن الآلهة،

وقد علق الفيلسوف اليوناني (Xenophanes) على التصوّر البشري للإله في زمانه وإغراقه في الأنسنة، بقوله: إنّ الأحباش يرون إلههم أفطس الأنف، وهو عند الثراديين أزرق العينين أحمر الشعر… والأغرب من ذلك أنّ هذه الآلهة تأتي أشنع الأفعال المخالفة لسوي الأخلاق؛ كالقتل والسرقة والنهب كما يفعل عُبّادهم. وأضاف قائلًا: «لو كان للبقر والخيول والأسود أيد وأمكنها الرسم فسترسم الخيول أشكال الآلهة خيولا، وسترسمها الأبقار بقرا»

H. Diels and W. Kranz, eds., Die Fragmente der Vorsokratiker, Berlin: 1903, B, 16, 15.

يقول ابن تيمية: وأعظم المطالب العلم بالله تعالى، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله وأمره ونهيه. وهذا كله لا تنال خصائصه لا بقياس الشمول ولا بقياس التمثيل، فإن الله تعالى لا مثل له فيقاس به ولا يدخل هو وغيره تحت قضية كلية تستوي أفرادها. فلهذا كانت طريقة القرآن ـ وهي طريقة السلف والأئمة – أنهم لا يستعملون في الإلهيات قياس تمثيل وقياس شمول تستوي أفراده بل يستعملون من هذا وهذا قياس الأولى؛ فإن الله له المثل الأعلى.

ابن تيمية، درء تعارض العقل والنقل، تحقيق: محمد رشاد سالم (الرياض: دار الكنوز الأدبية، ١٣٩١هـ)، 4 – 35.

ندرك صفات الله بقياس الأولى، بأن تثبت الله كل خير – يليق به سبحانه ـ ثابت للبشر، ولكن على صيغة أعظم وأتمّ، فللإنسان حياة، وهي صفة محمود، والله حياة، لكن حياة الله أعظم.

فالاشتراك في الأسماء، لا يلزم منه الاشتراك في الحقائق.

ثانيا: طلب الشيء لا يقتضي النقص عند طالبه:

يقوم اعتراض المخالف على الظنّ أنّ الطلب تعبير عن النقص ضرورةً وليس ذلك كذلك، فإن الطلب – حتى في عالم الإنسان – قد لا يصدر عن نقص، فقد يطلب الطبيب من المريض أن يفتح فمه ليعطيه الدواء الذي لا يستفيد منه غير المريض،

إن طلب الشيء قد يكون إذن محض فضل من الطالب الذي يريد لغيره تحقيق مصلحة وبلوغ رجاء،

إن الطلب، هو الطلب، لا يدلّ على كمال أو نقص إلا أن يقترن بسياقات تدلّ على استدعاء حاجة، فليس محضُ الطلب حجّة بشيء في ذاته.

عطاء الناس المحمود ليس إلا عطاء من الله سبحانه لهم أن وهبهم ملكة معرفة الخير وسوقه للناس.

ثالثًا: الاعتراض متعلق بصفات الله لا بوجوده:

يقول المعترض: إن طلب الله سبحانه عبادته يخالف كمال الحكمة الإلهية؛ إذ يأمر بما لا فائدة منه!

ثبوت وجود الخالق دلّت عليه براهين الخلق والتصميم.

وعند الخوض في صفات الله على العاقل أن يقرّ بقصور العقل البشري عن إدراك كثير من دقائق الصفات الإلهية وحقائقها؛

رابعا: إخبار الربّ حبّه عبادة خلقه له لا يتعارض منطقيا مع حقيقة الربوبية:

من أفضل طرائق الرد على الشبه الإلحادية المتعلقة بصفات الرب سبحانه افتراض النقيض والنظر في استلزامه المحالات.

فالجهة مُنفكَّة بين كمال القدرة على خلق الكون وطلب الخالق من المخلوقين أن يخضعوا له بجوارحهم، فلهذا للخالق أن يطلب ذلك أو لا يطلب؛ إذ الطلب متعلّق بحرية الإرادة لا بكمال القدرة.

إن تصوّر المعترض لحقيقة الذات الإلهية الرافضة لمعنى العبودية ليس حقيقة بدهية ولا أثرًا لاستنباط عقلي محكم أو استقراء، وإنما هو رأي ذوقي ناتج عن حقيقة رفض الناس للطلب من الآخرين عند القدرة على الاستغناء عنهم.

خامسًا: معرفتنا بحقيقة الذات الإلهية محدودة:

تقرر القاعدة أن الحكم على الشيء فرع عن تصوّره. فهل تصوّرت النفس الإنسانية حقيقة الذات الإلهية وكمالها، لتؤسس على ذلك دعواها أنّ طلب العبادة يخالف ما يُفترض عقلا أن تكون عليه هذه الذات العلية؟

قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى: ١١]

وقال سبحانه: {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: ۱۱۰].

إنّ للإنسان أن يُدرك من هذا الوجود عظمة الموجد وكريم فضله قال تعالى: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبحَانَكَ} [آل عمران: ۱۹۱]، ولكن ذلك غاية أمره ومبلغ سعيه إلى خبر السماء، ثم يتوقف العقل عن التجسّس لعجزه عن التحسّس؛ فهو لا يدرك من الغيب إلا ما هدى إليه العالم المشهود.

سادسًا: سؤال لا يسأله من يعرف نفسه:

من الذي تجرؤ نفسه على ارتقاء المرتقى الصعب بسؤال الخالق عن الحكمة من طلبه؟!

يقول صاحب الظلال: وليس لأحد من خلق الله أن يسأله – سبحانه – لماذا شاء هذا كله على هذا النحو الذي أراده فكان ليس لأحد من خلقه أن يسأله ـ سبحانه ـ ما دام أن أحدًا من خلقه ليس إلها، وليس لديه العلم، ولا إمكان العلم – بالنظام الكلي لهذا الكون؛ ومقتضيات هذا النظام في طبيعة كل كائن في هذا الوجود.

ولماذا؟ – في هذا المقام – سؤال لا يسأله مؤمن جاد، ولا يسأله ملحد جاد… المؤمن لا يسأله، لأنه أكثر أدبا مع الله – الذي يعرفه بذاته وصفاته وخصائصه – وأكثر معرفة بطبيعة إدراكه البشري وحدوده وأنه لم يُهيّأ للعمل في هذا المجال… والملحد الجاد لا يسأله؛ لأنه لا يعترف بالله ابتداءً، فإن هو اعترف بألوهيته عرف معها أن هذا شأنه ـ سبحانه – ومقتضى ألوهيته، وأنه {لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون}، لأنه وحده المهيمن العليم بما يفعل.

ولكنه سؤال قد يسأله هازل مائع. لا هو مؤمن جاد، ولا هو ملحد جاد… وقد يسأله جاهل بحقيقة الألوهية وخصائصها. فالسبيل لتعليم هذا الجاهل إنما هو تعريفه بحقيقة الألوهية وخصائصها… حتى يعرفها ويسلم بها فهو مؤمن، أو يجحدها وينكرها فهو ملحد… وبهذا ينتهي الجدل… إلا أن يكون مراء والمسلم منهي عن المضي في الجدل حتى يكون مراء!

سيد قطب، هذا الدين، القاهرة: دار الشروق، ۲۰۰۱م، ط١٥، ص ٨-٩.

أجوبة على أصل الإشكال

أولا: تصريح الوحي أن الله لا يأتي العبث:

والنظر في نصوص القرآن كاشف تقرير الرسالة الخاتمة أنّ الله سبحانه لا يفعل ما هو عبث، وفي ذلك دلالة أنّ الله – سبحانه ـ يعلم ما قد ينسرب إلى عقول الخلق من أن ظواهر بعض الأمور قد توحي إلى بعض الناس أنها بلا حكمة، أو أن ما فيها من حكمة لا يليق بمقام الربّ الخالق الكامل.

قال -تعالى-: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لهَوًا لاتَّخَذْنَاهُ مِن لدُنَّا إن كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٦، ١٧].

وقال -سبحانه-: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * مَا خَلَقْتَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الدخان: ۳۸، ۳۹].

وقال -جلّ وعلا-: ﴿تَنزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * ما خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف: ٢، ٣].

وقال -تقدّس اسمه-: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَكُمْ عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ فَتَعَلَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٥، ١١٦].

ولا يعني نفي العبث عن فعل الله -سبحانه- أنه لا يفعل إلا لحكمة تعود إليه، وإنما الصواب هو أنه سبحانه يفعل لحكمة تعود إليه، يحبّها ويرضاها، ويفعل لحكمة تعود على الخلق وعلى العاقل أن يبصر حكمة الله سبحانه في هذين البابين.

ثانيا: تصريح الوحي عدم حاجة الرب للعبادة:

قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِزْقِ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُون * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٦-٥٨].

وقد جاءت الآيات في استغناء الله عن الخلق في غير الآية السابقة،

ومن ذلك قوله -تعالى-: ﴿إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكَفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: 7]

وقوله -سبحانه-: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُوا أَنتُمْ وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: ۸].

إنّ الله لا يضره كفر كما لا ينفعه إيمان، فهو مستغن عن طاعة العبد ومستعل عن عصيانه وإيمان العبد هو للعبد: {وَمَن تَزَكَى فَإِنَّمَا يَتَزَكَى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} [فاطر: ١٨]، {إنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ} [الإسراء: 7]، وكـفـره عليه: {وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنيٌّ كَرِيمٌ} [النمل: ٤٠] لا يمس من ذلك شيء ربَّ العالمين.

ويخبرنا الرب سبحانه في حديث قدسي جليل بحقيقة قدر الطاعة والمعصية في ملكه: «… يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي. يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا. يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا». رواه مسلم، كتاب البر والصلة، باب تحريم الظلم، (ح/ ٢٥٧٧).

إن العبادة لا تنفع الربّ وإنّما لمصلحة العبد. قال هي قتادة: «إنَّ الله – سبحانه – لم يأمر العباد بما أمرهم به لحاجته إليه، ولا نهاهم عنه بخلا منه بل أمرهم بما فيه صلاحهم، ونهاهم عمّا فيه فسادهم». ذكره ابن تيمية، قاعدة في المحبة، تحقيق: محمد رشاد سالم، القاهرة: مكتبة التراث الإسلامي، ۱۹۸۷م، ص ۱۸۳.

وقال ابن رجب: إن الله تعالى في نفسه غني حميد. لا حاجة له بطاعات العباد ولا يعود نفعها إليه، وإنما هم ينتفعون بها. ولا يتضرر بمعاصيهم، وإنما هم يتضررون بها. قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٧٦] وقال: ﴿وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٤٤]. وكان النبي ﷺ يقول في خطبته: «ومن يعص الله ورسوله فقد غوى، ولا يضرّ إلا نفسه، ولا يضر الله شيئًا». قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللهُ غَنِيًّا حَميدًا﴾ [النساء: ١٣١]. وقال حاكيًا عن موسى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُوا أَنتُمْ وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: ۸]. وقال: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ۹۷] وقال: ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى منكم﴾ [الحج: ٣٧]. والمعنى أنه تعالى يحب من عباده أن يتقوه ويطيعوه، كما أنه يكره منهم أن يعصوه، ولهذا يفرح بتوبة التائبين أشد من فرح من ضلّت راحلته التي عليها طعامه وشرابه بفلاة من الأرض، وطلبها حتى أعيى، وأيس منها، واستسلم للموت وأيس من الحياة ثم غلبته عينه فنام قائمة عنده وهذا أعلى ما يتصوره المخلوق من الفرح. هذا كله مع غناه عن طاعات عباده، وتوباتهم إليه، وأنّه إنما يعود نفعها إليهم دونه، ولكن هذا من كمال جوده وإحسانه إلى عباده ومحبته لنفعهم، ودفع الضر عنهم. فهو يحب من عباده أن يعرفوه ويحبوه، ويخافوه، ويتقوه، ويطيعوه، ويتقربوا إليه، ويحبّ أن يعلموا أنه لا يغفر الذنوب غيره، وأنه قادر على مغفرة ذنوب عباده…

وفي الصحيح عن النبي ﷺ أن عبدا أذنب ذنبًا. فقال: «يا رب إني فعلت ذنبا فاغفر لي!». فقال الله: «عَلِم عبدي أن له ربًّا يغفر الذنوب، ويأخذ بالذنب، قد غفرت لعبدي!».

ثالثًا: عبادة الله لأنه أهل لأن يُعبد:

قال الراغب: «العبودية: إظهار التذلل، والعبادة أبلغ منها لأنها غاية التذلل».

الراغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، بيروت: دار القلم، ١٤٣٠هـ – ٢٠٠٩م، ص ٥٤٢.

ويقول ابن القيم: «التعبد آخر مراتب الحب، يقال: عبده الحبّ وتيمه إذا ملكه وذلك لمحبوبه». ابن القيم، مدارج السالكين، 3-٢٨.

ويزيد بيانًا بقوله: «كمال العبودية تابع لكمال المحبة، وكمال المحبة تابع لكمال المحبوب في نفسه، والله سبحانه له الكمال المطلق التام في كلّ وجه، الذي لا يعتريه توهم نقص أصلا، ومن هذا شأنه فإن القلوب لا يكون شيء أحب إليها منه، ما دامت فطرها وعقولها سليمة، وإذا كانت أحبّ الأشياء إليها فلا محالة أن محبته توجب عبوديته وطاعته، وتتبع مرضاته واستفراغ الجهد في التعبد له، والإنابة إليه، وهذا الباعث أكمل بواعث العبودية وأقواها، حتى لو فرض تجرّده عن الأمر والنهي والثواب والعقاب استفرغ الوسع، واستخلص القلب للمعبود الحق».

إن العبادة – إذن – حقيقة نفسية تتبدى في أعمال القلب والجوارح، وهي قائمة على أصلين حبّ كامل وذلّ كامل، ومنشأ هذين من «مشاهدة المنّة التي تورث المحبة، ومطالعة عيب النفس والعمل التي تورث الذلّ التام». فالعبادة إذن حقيقة ملازمة لحقيقة ثنائية الخالق والعبد، والمعطي والمُعطَى، والمنعم والمتنعم.

والعبادة بذلك فضل يُدرك بالبصيرة والجهد، وليس عطية مجانية أو حِملًا تضجّ منه أنفس العقلاء … ولا يمكن أن يعبد المرء ربّه حق العبادة إلّا أن يحبّه أولا، وكلّما ارتقى في معراج الحبّ، اطمأن في محراب العبودية.

وفي سورة الفاتحة، لم يُذكر قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] إلا بعد آيـات الـحـمـد والتمجيد للرب سبحانه، فالعبودية بذلك فرع عن المعرفة، والإقرار بحقيقة المعبود.

إن المسلم يعبد الله لأنه مأمور بذلك من خارجه ومدفوع إلى ذلك من داخله. … حيث يستدعي نقصه الإقرار بكمال خالقه.

وتقول الملائكة التي تملأ كل موضع في السماء والأرض في سجود وإخبات، يوم القيامة: «سبحانك ما عبدناك حق عبادتك». وذاك أنّها تعلم مقامها من مقام الله – جل وعلا، فهي وإن كانت عابدة لا تفتر وطائعة لا تعصي، إلا أنّ مقام الألوهية جليل، لا يملك العبد أن يوفّيه حقه الكامل من التقدير.

فالله سبحانه حقيق بالعبادة قبل الخلق، ودون الخلق، لأنّه أهل لذاته لأن يكون قبلة العبادة، وأن تكون صفاته عنوان العبادة.

عن معاذ بن جبل الله قال: كنت رديف النبي ﷺ. فقال: «يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟». قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا».

رواه البخاري، كتاب التوحيد، باب ما في دعاء النبي أمته إلى توحيد الله تبارك وتعالى (ح/ ۷۳۷۳)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا، (ح/ ٣٠).

رابعا: تمام القدرة والسلطان الإلهيين يتساوق مع حقيقة العبادة:

حقيقة الذات الإلهية، والحقيقة الوجودية للكون وجوهر العبادة ومعناها، في تناغم كبير؛ إذ العبادة تعبير عن حال الانقياد والخضوع للخالق المبدع الذي أنشأ كلّ شيء من عدم وخلق كل شيء فقدره تقديرا.

إن هذا الكون بأكمله ساجد في محراب الطاعة خاضع في محراب الناموس، فلا يخرج عن أمر الله القدري، قال تعالى: {وَلَهُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَمِنُونَ} [الروم: ٢٦]، وقال سبحانه: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهَا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} [آل عمران: ۸۳].

والإنسان ملزم أن يعبد الله – سبحانه ـ ويصبر النفس على ذلك، قال تعالى: {رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدُهُ وَأَصْطَبِرْ لِعِبَدَيْهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: ٦٥]. والاصطبار هو شدة الصبر على الأمر الشاق، وبالمصابرة على عبادة الله ينجو الإنسان من عبادة غيره؛ فإنّ عبادة الله تقابل عبادة غيره ولا تقابل حرية الإنسان،

خامسًا: الإنسان محتاج إلى تحقيق العبادة ليحقق معرفته بذاته:

وحتى يحقق معرفته بذاته، فلا بد أن يعرف موقعه من هذا الكون، ومقامه فيه، أين يقع من الكون؟ وأين يقع الكون منه؟

وماذا يجد الآبق عن عبادة ربّه غير الاغتراب عن نفسه؛ إذ النفس متحرّكة بطاقة العبادة، فمن لم يعبد ربه الخالق، عبد مَنْ هو دونه

سادسا: الإنسان محتاج إلى العبادة ليحقق استواء ذاته:

عندما يغترب الإنسان عن ذاته، فهو يشطر بذلك كيانه إلى جسد بلا روح وروح بلا جسد ولن يملك سبيلا إلى الجمع بينهما، أو ردّهما إلى بعض في ألفة متناغمة حتى تكون لهما وجهة واحدة من مبدأ واحد.

يقول ابن تيمية: «العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة. فالصلاة والزكاة والصيام، والحج، وصدق الحديث والأمانة وبرّ الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين، والإحسان للجار واليتيم والمسكين وابن السبيل والمملوك من الآدميين والبهائم، والدعاء، والذكر، والقراءة، وأمثال ذلك من العبادة وكذلك حب الله ورسوله، وخشية الله والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه والشكر لنعمه، والرضى بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف من عذابه، وأمثال ذلك هي من العبادة الله». ابن تيمية، مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد، ١٤٢٥هـ ٢٠٠٤م، 10-١٤٩.

وهي «التذلل لله محبة وتعظيماً، بفعل أوامره واجتناب نواهيه على الوجه الذي جاءت به شرائعه». ابن عثیمین، مجموع فتاوی ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين، جمع: فهد السليمان، الرياض: دار الوطن ١٤١٣هـ، 1-88.

هي انفعالات حارة في القلب وأفعال سارية بالخير، ويظهر فيها هذا الجانب مثلاً:

في الصلاة، قال تعالى: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَبِ وَأَقِمِ الصَّلَوةُ إن الصلوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَر وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} [العنكبوت: ٤٥].

وقال جل شأنه في الصيام {يا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: ۱۸۳].

وقال سبحانه في الحج: {وَأَذِن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ليَشْهَدُوا مَنَفِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَمِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائسَ الفَقِير} [الحج: ۲۷، ۲۸].

وقال جلّ وعلا في الزكاة والصدقة: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهَرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلَّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَوتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [التوبة: ١٠٣].

قال الرسول ﷺ: «مثل الذي يذكر ربه، والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت».

رواه البخاري، كتاب الدعوات بَابُ فَضْلِ ذِكْرِ اللهِ، (ح/٦٤٠٧).

والإنسان بالعبادة يجد غذاء روحه وغناها، ولذلك قال رسول الله ﷺ: «لأَن أَقُولَ سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أَحبُّ إليَّ ممَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ».

رواه مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل التهليل والتسبيح والدعاء، (ح/ ٤٩٦٨).

إنّ القلب الصحيح الصاحي يدرك أن العبادة ترفع العلة وتشدّ الصلب عند خشية الانكسار وتثبت الرجل عند خوف الزلّة.

يقول الإمام ابن رجب: «قال الحسن لرجل: داوِ قلبك! فإنَّ حاجةَ اللهِ إلى العبادِ صلاحُ قُلُوبهم». يعني: أنَّ مراده منهم ومطلوبه صلاح قلوبهم، فلا صلاح للقلوب حتَّى تستقر فيها معرفةُ الله، وعظمته، ومحبته، وخشيته، ومهابته، ورجاؤه، والتوكل عليه، وتمتلئ مِنْ ذلك، وهذا هو حقيقةً التوحيد، وهو معنى «لا الإله إلا الله»، فلا صلاح للقلوب حتّى يكونَ إلهها الذي تألهه وتعرفُه وتحبه وتخشاه، هو الله وحده لا شريكَ لهُ، ولو كانَ في السماواتِ والأرض إلهٌ يُؤله سوى الله لفسدت بذلك السماوات والأرضُ، كما قال تعالَى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَنَا} [الأنبياء: ٢٢]. فعلم بذلك أنَّه لا صلاح للعالم العلوي والسفلي معا حتى تكون حركات أهلها كلها للهِ، وحركات الجسدِ تابعةً لحركة القلب وإرادته، فإن كانت حركته وإرادته الله وحده، فقد صَلحَ وصلحت حركات الجسدِ كلها، وإن كانت حركة القلب وإرادته لغير الله تعالى، فسد، وفسدت حركات الجسد بحسب فسادِ حركة القلبِ.

ابن رجب، جامع العلوم والحكم، ص ٧٥.

إن الربّ – سبحانه – متحقق بصفات الألوهية ولو لم يعبده البشر، أمّا البشر فبدون العبادة في تيه، وعلّة، ولا تستقيم نفوسهم على صراط العافية حتى تخشع قلوبهم في مراكع العبادة.

سابعا: العبادة مادة الاختبار:

قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: ٥٦]

وقال سبحانه: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةٌ وَلَا يَزَالُونَ مُختَلِفِينَ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةً رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [هود: ۱۱۸، ۱۱۹].

 قال الزمخشري: إنّ الله سبحانه قد مكَّن «من الاختيار الذي هو أساس التكليف، فاختار بعضهم الحق وبعضهم الباطل، فاختلفوا، فلذلك قال: {وَلَا يَزَالُونَ مُختَلِفِينَ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ} إِلَّا ناسا هداهم الله ولطف بهم، فاتفقوا على دين الحق غير مختلفين فيه وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ذلك إشارة إلى ما دل عليه الكلام الأوّل وتضمنه، يعني: ولذلك من التمكن والاختيار الذي كان عنه الاختلاف خلقهم، ليثيب مختار الحق بحسن اختياره، ويعاقب مختار الباطل بسوء اختياره.

الزمخشري، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، بیروت: دار المعرفة، ١٤٣٠هـ – ٢٠٠٩م، ص ٥٠٢.

العبادة بطبيعتها الشائقة ولذاذتها الدفينة عطية في ثوب محنة، وفورا في صورة مكابدة.

العبادة الإسلامية التي يجد في مشقتها العاقل معاني الرحمة

ثامنا: بالعبادة يعرف العبد قدْرَه:

قال رسول الله ﷺ: «سَيدُ الاسْتِغْفَارِ اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ وَأَنا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ أَبوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وأَبوءُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّه لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ وَارْحَمْنِي فَإِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ».

رواه البخاري، كتاب الدعوات، باب أفضل الاستغفار، (ح/ ٥٩٤٧).

إن هذا الزائر لم يعترف لصاحب المكان بالفضل، ولا أقر له بالسلطان على بيته الفخم وكذلك يفعل من يصنع الخير في الدنيا دون أن يقرّ لصاحب الكون بالفضل والسلطان؛ فضل عطيّة الحياة وتوافر النعم، واستعذاب طعومها،

تاسعا: الله يحبّ أن يكون بينه وبين عبده حديث وطلب:

يخبرنا الشرع – في المقابل – أنّ روح العبادة مناجاة العبد ربّه، وتقربه منه، ومقابلة ذلك ببذل الرب لخلقه الرحمة والود. فهي إذن علاقة تقابلية، وتواصل متّصل.

والمسلم في كل حاله قريب من الربّ، يتصل به أنّى شاء وحيث شاء، فهو – سبحانه – القائل: «أنا عند ظن عبدي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إليّ شبرا تقربت إليه ذراعًا، وإن تقرب إلي ذراعًا تقربت منه باعا، وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة».

رواه البخاري، كتاب التوحيد، بَابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ}، (ح/٧٤٠٥)، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة، باب الْحَقِّ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى (ح/ ٦٩٨١).

عاشرا: العبادة طريق للتميز لاستحقاق الجزاء والرفعة:

حياة الملحد عبت صرف يُعبّر عنه الفيلسوف الملحد كونتن سميث (Quentin Smith) بقوله: «إننا جئنا من لا شيء بلا شيء، لأجل لا شي».

William Craig and Quentin Smith, Theism, Atheism, and Big Bang Cosmology (New York: Oxford University Press, 1993), p.135.

والله سبحانه يحبّ لعباده أن يهتدوا ولكنه سبحانه لا يلزمهم طريق الهداية إذا اختاروا طريق الغواية. قال تعالى: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} [فصلت: ۱۷].

وليست المسألة هنا مجازاة بما يوافق حجم والتعب، وإنما فتح لباب العطاء بأدنى سبب، فالله يطلب من العبد القليل اليسير مما لا يبلغ وزن قطمير، ليمنحه الكثير الغزير، فأين الظلم؟ ولِمَ النكير؟!

الحادي عشر: في الاستجارة طلب للعون من العبد، ووعد بالنصرة من الرب:

«الدعاء العبادة».

رواه أبو داود، كتاب سجود القرآن، باب الدعاء، (ح/ ١٤٨١)، والترمذي، كتاب تفسير القرآن بَابُ وَمِنْ سُورَةِ الْمُؤْمِنِ، (ح/٣٥٥٥)، وابن ماجه، كتاب الدعاء، بَابُ فَضْلِ الدُّعَاءِ، (ح/ ٣٩٦٠).

فهو مظهرها الأكبر، وهو المعبّر في كل دين عن حقيقة المعبود، ومقامه عند عابديه.

والله سبحانه طلب من عباده أن يدعوه، وهدّد مَنْ استكبر منهم عن ذلك بالعذاب الأليم،

وذلك أنّ المظهر الأكبر للعبادة في كل الأمم المشركة هو التوجّه للأصنام والمقبورين وغير ذلك من المعبودات بطلب المال والذرية والغوث والغيث… ثم تغيب الحاجة إلى الآلهة في وقت الرخاء،

الثاني عشر: في العبادة تجديد لعقد الإيمان:

والناظر في سيرة الرسول ﷺ يلحظ أنه كان كثير الذكر والدعاء بالقول الذي يجدّد في القلب عقيدة التوحيد ومعاني الحبّ والتوكَّل والرجاء في كل حين وحال؛

الثالث عشر: في العبادة مدافعة للغفلة والذهول عن حقيقة الإيمان بالله:

المسلم يستذكر ربّه في نسكه على مدار اليوم من خلال الصلوات المتتالية، وما يسبقها من استعداد بالوضوء وما يعقبها من نوافل صلاة وذكر.

وقد جاء الأمر بدوام العبادة النسكية وغيرها، والثناء عليها في القرآن كثيرا.

صحوه.

هكذا هي العبادة في أدنى نشاطها، ذكر وتذكير ومذاكرة، واغتسال من أدران الغفلة ومدافعة لخَبثِ التيه وهي بذلك تحفظ للقلب حياته ورونقه وتبقيه عطرا بالذكر الجميل.

الرابع عشر: عبادة الرب لتحقيق الانتظام الطبيعي:

الكون في التصوّر الإسلامي وحدة متناسقة، متناغمة، من الأشياء والقوانين والكلّ خاضع بالطاعة القهرية لقوانين المادة.

فهذا الوجود مسخّر للإنسان بلا فضل للإنسان ولا استحقاق، وإنما ليحقق الإنسان الطاعة والعبادة، فيكتمل بذلك بناء النظام الكوني من ضئيل الذرة إلى عظيم المجرّة.

الكبرياء الإلهي واعتراضات المخالف

قد يسأل المعترض قائلا: أليس في طلب الربّ أن يُعبد نوع من الكبرياء والاستعلاء وهو ما يأباه الإنسان المعتز بنفسه، والذي يرفض إلا أن يكون سيّد الكون!

إنَّ الإله الرحيم، الودود، يجب ألا يتكبر على خلقه؛ فإنّ الحب نقيض الكبرياء وقرين التواضع، فمن أحبّ مخلوقاته، فعليه أن يكون معهم سواء في كلّ شيء!

قلتُ: هذه أضغاث أوهام، لأسباب، منها:

أولًا: إنكار صفة الكبرياء الإلهي سببه الخفي هو الكبرياء البشري:

مجد الإنسان المعاصر لا يخرج عن حقيقة أنه كشف عن شيء من عظمة خلق الله.

تعليق: ‏من المهم جدا فهم أن قدرة الإنسان على التَّقدُّم العلمي مقرون بخلقة الله عز وجل للإنسان وخلقة الله عزَّ وجلَّ للكون.

ثانيا: ما هي العلاقة اللائقة بين الإله والعبد؟ التفاضل أم الندية؟:

الإنسان يقرّ عادة بتفاضل الحقوق عند تفاضل المقامات بين الناس …  فالتفاضل في المقامات أثر طبيعي وحتم للتفاضل في الملكات والعطاءات، فكيف – إذن – يستبيح عقل نزيه مساواة المملوك المعدم بمالك الملك؟!

ما الإنسان ما الأرض بل ما المجرّة في ملك الله؟! لا شيء! فلم تستعظم النفس أن يكون العظيم عظيمًا؟!

إن عجبنا يجب ألا ينصرف إلى طلب العظيم منا أن نعبده، وإنما أن يقبل منا العظيم ضعيف أعمالنا – مهما عظمت -، ويراها شيئًا حقيقًا بالقبول. إنّ العجب هو أن يرضى العظيم أن ننشئ معه علاقة نكون نحن طرفها الثاني.

ثالثًا: هل تتعارض صفة الحب مع صفة الكبرياء – النصرانية نموذجا:

الله سبحانه هو القائل: «الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما قذفته في النار». فهو سبحانه متكبر بحق لعظيم جلاله؛ … متكبّر بعدل، ومحب بفضل.

رواه مسلم، کتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الكبر، (ح/٦٨٤٦).

المتكبّر في عالم البشر لا يكون محبا بصدق، والمحب لا يكون متكبرًا بحق.

إن الكبر قبيح بالإنسان لأنّه ليس للإنسان فيه حق، وليس لأن الكبر منكر في ذاته؛

إننا لن نعرف حقيقة الربّ الخالق حتى نعرف مقامه، ولن نعرف مقامه حتى ندرك بحكمة ووعي الفارق بين العبد والبارئ، ولن تستقرّ في عقولنا حقيقة هذا الوعي حتى نعي أننا لا شيء إلا بالله، بفعله العظيم وُجدنا، وإليه راجعون.

خُلاصة الكلام: العبادة واجب، وحاجة، ونعمة…

واجب لأنّ الربّ الكامل يستحق -ضرورة- العبادة.. وحاجة لأنّ النفس تعتلّ إن لم تشرق عليها رحمات الاتصال بالملك الكريم.. ونعمة لأنّ العبادة في جوهرها ظل ظليل تتفيأ النفس جنانه.

الحمد لله رب العالمين

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

اكتشاف المزيد من مدونة التاعب

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading