﷽
خُلاصة كتاب
أنيس المُتعبِّد
دَلِيلٌ يُرَافِقُكَ في رِحْلَتِكَ إلى الله
لاسِيَّما في المواسم الفَاضِلَة كَرَمَضَانَ وَعَشر ذي الحجة
تأليف: محمد بن محمد الأسطل
تحميل الخُلاصة: [DOC] [PDF] [شجرة العناصر]
الفهرس:
المطلب الأول: مركزية تزكية النفس في التصور الإسلامي
المطلب الثاني: سر العناية بالثغر التربوي في المواسم الفاضلة
المبحث الأول: الأصول التربوية وأعمدة بناء الإيمان
المطلب الثاني: أعمدة بناء الإيمان
المبحث الثاني: أعمال المُتعبِّد
المطلب الأول: هدي النبي ﷺ في التَّعبُّد
المطلب الثاني: الأعمال البدنية
المطلب الثالث: الأعمال القولية
المطلب الرابع: الأعمال العقلية
المطلب الخامس: الأعمال القلبية
جعل الله أمر القلوب بيده،
ومن هنا فإنَّ العبد يجد حاجةً تجتاح كوامن نفسِهِ إلى عبادة ربه، … وهذا ما صرح به بعض السلف بقولهم: «إذا قصر العبد في العمل ابتلاه الله بالهموم».
وأصل الكلمة مأخوذة من حديث لكنه ضعيف، ونصه : «إذا قصر العبد في العمل ابتلاه الله بالهم»، أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وضعفه الألباني.
والحقيقةُ المُرَّة أَنَّ إنسانَ هذا العصر منهمكٌ في دوامة الحياة اليومية وتفاصيلها،
ومع عشرات الأصوات التي تناديه لم يزدد إلا تيها وحيرةً وذهولا.
حتى ما عاد الإنسان يلتذ بعبادة، أو يشعر بسعادة، وإذا صلى فبلا خشوع، وإن تهجد فبلا دموع، أثقلته تكاليف الحياة، حتى صارت هذه الأعراض شكوى ذائعة،
فيفتح الإنسان ملفات أرشيفه الشخصي، ويعيد ترتيب أولوياته،
وإنَّ الذي يفهم سرَّ خَلقِهِ لا يُستدرَجُ لصخب الدنيا ودوامتها؛ وإنما يعتني بنفسه اعتناء يليق بضخامة المهمة التي خُلِقَ من أجلها، ومن ثم يستقطع وقتـا مـن عـزيـز يومه وأسبوعه وشهره وعامه لإدارة الملف الإيماني والتربوي في حياته؛ ليرد العافية إلى روحه، ولتبقى سحائب التوفيق تحوم بقلبه وحياته.
وهل لذاذة الدنيا إلا في حسن التعبد! … حتى يشعر أنَّ الدنيا ما، إلا محراب كبير للتعبد، وكل ما يباشره فيها يمكن أن يكون عبادةً يتخذ بها إلى ربه سبيلا.
إلا أنه يمكن اعتبار موسم رمضان أحسن المنطلقات الإدارية والنفسية لإعادة ترتيب الملف الشخصي لا سيما للمتعثر مرة بعد مرة.
ويليه في ذلك موسم العشر من ذي الحجة، ومع أنه أفضل من رمضان باستثناء ليلة القدر إلا أن شهر رمضان بما يتضمنه من الصيام الواجب في النهـار والـقـيـام المتأكد في الليل يعد أعظم المواسم التربوية في العام.
كما أنَّه أَذِنَ سبحانه في أيامه الثلاثين بجملة من التغيرات في الكون تزيح عنك العوائق التي كانت تقف لك بقارعة الطريق؛ فتفضَّلَ سبحانه على عباده في رمضان بفتح أبواب الجنة، وبذلك تُفتح أبواب الحسنات فتسهل لك، وبغَلق أبواب النار وبذلك تُغلق أبواب السيئات فتصرف عنك، وتصفيد الشياطين ومردة الجن فلا تقع الوساوس لك، وبذلك يسهل الاستكثار من الحسنات وترك السيئات ومدافعة الإغراءات من غير كبير عناء ومجاهدة.
أما ما يقع بعد ذلك من ذنوب.. فإنَّه من تأثير النفس الأمارة بالسوء وشياطين الإنس إذْ لم تُصَفَّد من مثل الصاحب السيء والبيئة الفاسدة،
وأسأله سبحانه أن يُسدِّدَ ويُصوِّبَ ويُكرم ويهدي ويتفضل ويعفو ويصفح ويغفر ويحسن، إنَّه رحيم تواب، كريم وهاب.
المطلب الأول: مركزية تزكية النفس في التصور الإسلامي
يمكن ردُّ معاني التزكية بحسب هذا المقام إلى معنيين: التطهير والإصلاح، والتنمية والزيادة، وإذا استحضرت أنَّ مكونات الدين ثلاثة عقيدة وشريعة وسلوك ثم تأملت ذلك.. خلصت إلى أنَّ تزكية النَّفس هي ثمرة العقيدة ولــب السلوكِ، ومن عظم الأمر عظم الأوامر، فتحصل أنَّ التزكية ذات ركن ركين في بِنيَةِ هذا الدين.
وقد جعلها الله تعالى إحدى الوظائف الأربع التي جاء بها النبي ﷺ كما يصرح بذلك قوله تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ ءَايَتِهِ، وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} [آل عمران: ١٦٤].
وتمهدت بتقرير هذا المعنى ليتيسر لك أن تستشعر ضخامة المعاني المكتنزة في صدر سورة الشمس إذ يُقسِمُ ربُّنا الجليل أحد عشر قسما متواليا على شيء واحد فيقول سبحانه:
{وَالشَّمْسِ
وَضُحَهَا
وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَهَا
وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَهَا
وَالَّيْلِ إِذَا يَغْشَهَا
وَالسَّمَاءِ
وَمَا بَنَاهَا
وَالْأَرْضِ
وَمَا طَحَها
وَنَفْسِ
وَمَا سَوَّاها
فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَنَهَا
قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّهَا}
[الشمس: ١ – ١٠].
أنه قد أفلح وفاز وظفر بالمطلوب ونجا من المكروه من طهر نفسه من الكفر والذنوب وأصلحها بالأعمال الصالحة، وأنه قد خاب وخسر من دس نفسه مخفيًا إياها في المعاصي والآثام حتى حال بينها وبين الخير!
إِنَّ هذا أكبرُ قَسَم في القرآن كله!
وأحسب أنَّ الذي يقرأ سورة الشمس وكان عقله يقطّا.. سيتفاجأ بعد هذا العدد من الأقسام أنها جاءت لتقرير معنى واحد وهو أنَّ تزكية النفس هي طريق الفلاح عند الله، وأنها الأصل الأول لمن رام تحديد مصيره عند الله تعالى.
فتلخص أنه لا فلاح من غير تزكية.
ومما يلاحظ في آيات السورة الأمور الثلاثة الآتية:
الأول: أنَّ تقرير قاعدة التزكية جاء بين سنتين ثابتتين: سنة كونية وسنة تاريخية، وكأنَّ المعنى : إِنَّ فلاح من زكَّى نفسه سُنَّةٌ شرعيَّةٌ ثابتةٌ ثبات الشمس وضحاها، ومتحقق تحقق إهلاك ثمود بطغواها.
وهذا جارٍ على عادة القرآن من تقرير السنن الإلهية من خلال السنن الكونية.
والغالب عليها حينئذ أنها تستبد بالعقل فيصبح يقيم الأدلة على صواب ما ذهبت إليه، وما ذلـك مـن الهدى؛ ولكن من اتباع الهوى.
وصفوة القول:
إنَّ التزكية هي التي تأخذك إلى الله، وتُعَرِّفُك به، وتُصيَّرك عبداً له، تستجيب لأوامره، وتنقاد لأحكامه، تخشاه ولا تخشى أحدًا سواه.
وعلى قدر كمال العبودية له تنفك من العبودية لغيره، وتبقى في تَرَقٌ في معراج العبودية حتى تصبح مكتمل الحرية، منفكًا من كلّ تبعية لغيره.
ومتى تخلت أمة عن مسلك التزكية فإن مصيرها الدمدمة والتسوية، فلم تَعُد التزكية بذلك سلوكًا إيمانيًا فرديا؛ بل قضية يتوقف عليها مصير الأمم والجماعات والدول، مما يعني أنَّ علم التزكية أحد علوم الأمن الاجتماعي.
وبرهان الشك من السُّنَّةِ: ما روى البخاري ومسلمٌ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشِ ▲ أَنها سألت النبي ﷺ: أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: «نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الخَبَثُ».
صحيح البخاري، رقم الحديث: (٣٣٤٦)، صحیح مسلم، رقم الحديث: (٧٤١٦).
المطلب الثاني: سر العناية بالثغر التربوي في المواسم الفاضلة
لو كانت أيام العام قطعةً واحدةً متساويةً في الفضل والمنزلة والعمل.. لأدَّى ذلك إلى شيء من الإلف والدعة والكسل.
فإذا زار المسجد الحرام ورأى الكعبة والصفا والمروة وعرفة ومزدلفة ومنى، أو المسجد النبوي ورأى قبر النبي الله وقبور أصحابه في البقيع، وزار جبل أحد وسار بأقدامه فوق جبل الرماة ووقف إزاء قبور شهداء أحد حيث حمزة ومصعب وعبد الله بن حرام وغيرهم من الصحابة، أو قصد مواطن الثغور حيث عبق الجهاد والشهادة ورابط فيها.. رُدَّت إليه روحه من جديد.
وإلا فإنَّك قد علمت أنَّ عَشْرَ ذي الحِجَّةِ أفضل منه، باستثناء ليلة القدر؛ فإنَّها أفضل من ليالي ذي الحجة، ويقابلها في الفضل يوم عرفة، لكنَّ العمل فيها مفتوح غير مُحدَّد.
روى البخاري وأصحاب السنن إلا النسائي عَنْ ابْنِ عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا مِنْ أَيَّامِ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهُ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ».
فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟
فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ الله، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ».
صحيح البخاري، رقم الحديث: (٩٦٩)، سنن أبي داود، رقم الحديث: (٢٤٤٠)، سنن الترمذي، رقم الحديث: (٧٥٧)، سنن ابن ماجه رقم الحديث: (۱۷۲۷) واللفظ للترمذي.
فأيام العشر هي أيام العُبَّاد وسائر العام أيام المجاهدين، ومن الفقه أن تُقدم ما قدَّم الله وتؤخر ما أخر الله.
إذن سيقع الكلام هنا على جهة البسط في موسم رمضان وما تضمنه من خصائص، وقد ساقني التأمل إلى تسجيل خمس خصائص لـه هـذا بيانها بين يديك:
الخاصية الأولى:
التغيرات الكونية التي تيَسِّرُ فعل الطاعات وترك المنكرات:
إذا دخل رمضان طرأت أربع تغيرات:
أولا: تصفيد الشياطين
ثانيًا: فتح أبواب الجنة
ثالثًا: غلق أبواب النار
رابعًا: توقف القانون المعتاد للآخرة
بحيث تطلبك وكنت من قبل تطلبها.
وبيان ذلك: أنَّ الأصل أنَّ الآخرة تُطلَبُ ولا تطلب، وتُستَجْدَى ولا تستجدي؛ لأنها عزيزة في نفسها، لا تزاحم القلب لو امتلأ بالدنيا، بخلاف الدنيا فإنها ذليلة، لو رأت الآخرة تعمر القلب فإنها تزاحمها لتجعل لها موطئ قدم فيها، ولا تزال تطلب الزيادة، ولا تجد حرجًا في ذلك.
إنَّ حاجة الروح إلى القرآن أشد من حاجة الجسد إلى الطعام، ولن يجد الإنسان راحته ولا هناءه إلا مع الله وكلامه في كتابه، ومع ذلك فإنَّ الآخرة لا تقبل عليك، ولا بد أن تقبل أنت عليها وتتعنى أنت لها، وحين تقبل فلا يخلو الإقبال من مجاهدة.
هذا هو القانون المتبع، اللهم إلا في رمضان!
وهذه التغيرات الأربعة جاء ذكرها في حديث واحد؛ روى الترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إِذَا كَانَتْ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ:
صُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْحِنَّ.
وَغُلّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ.
وَفُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجُنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقُ مِنْهَا بَابٌ.
وَنَادَى مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ،
وَللَّهُ عُتَقَاءُ مِنْ النَّارِ، وَذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ». صححه الألباني.
سنن الترمذي، رقم الحديث: (٦٨٢)، سنن ابن ماجه، رقم الحديث: (١٦٤٢).
والله تعالى جعل رمضان محـض هـديـة منه وفضل، تذوق فيه طعم العبادة، ولذاذة القرب من الله، فإذا أردت هذه الرياض من الجنة في الدنيا بعد رمضان.. فلا بد أن تدفع الثمن وتبذل الأسباب.
قال النبي ﷺ في كلام واضح بيِّنِ: «وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ». صححه الألباني. سنن الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٤٥).
فقوله: «رغم أنف رجل»؛ أي لصق أنفه بالرغام ؛ وهو تراب مختلط برمل كناية عن حصول الذل والخزي والمهانة
الخاصية الثانية:
موافقة بنية رمضان لقانون تغيير العوائد
وبيان هذا أنَّ التحول من عادةٍ إلى أخرى يستلزم تكريرها واحدا وعشرين مرة بحد أدنى، إلى أربعين مرة بحد أقصى كما يقرر علماء النفس،
فإنَّ رمضان يكون بذلك أعظم فرصة لصناعة التحولات.
وأنبه على عدم الإكثار من العوائد التي تريد إجراء تغيير عليها؛ … فيكفي أن تعتني بتغيير عادتين أو ثلاث، ولتكن من العوائد المركزية.
فمثلاً: عادة الاستيقاظ قبل الفجر بساعة أمرٌ مركزي في صلاح الإنسان،
الخاصية الثالثة:
تَرَكبُ بنية رمضان على البرامج الفردية:
فإنَّ النفس لا تتربى في ضجيج، وإذا جمع الله لك بـيـن صفـاء القـلـب وصفاء العقل.. فثمة الإبداع والتركيز وحسن الإنتاج.
الخاصية الرابعة:
إمكان تعويض النقص واستدراك ما فات
فالبيئة نفسها هي أعظم من كل واعظ وأفصح ب من كل خطيب.
وفي هذه الأجواء يتيسر لك أن تنظر فيما فاتك في عامك وتقوم بتعويض الفوت واستدراك النقص.
إنَّ الحد الأدنى من الوِرْدِ القرآني ينبغي ألا يقل عن ثلاثة أرباع جزء من القرآن؛ أي خمس عشرة صفحة؛ لما أخرج أبو داود والترمذي عن عبد الله بـن عـمـرو رضي الله عنهما أنَّ النبي ﷺ قال: «اقْرَأَ الْقُرْآنَ فِي أَرْبَعِينَ».
قَالَ إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: «وَلَا نُحِبُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَأْتِيَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَلَمْ يَقْرَأْ الْقُرْآنَ لهَذَا الْحَدِيثِ». صححه الألباني.
سنن أبي داود رقم الحديث: (۱۳۹۷)، سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٩٤٦) واللفظ للترمذي.
وترجمة هذا تعني أنَّ المسلم ينبغي أن يختم القرآن تسع ختمات في العام على الأقل.
فقد آن أوان الاستدراك لما فاته من القيام من خلال جملة من التدابير أكتفي منها بأمرين:
الأول: صلاة التراويح مع الإمام مع الإتمام … فقد أخرج أصحاب السنن عن أبي ذرّ ◙ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ». صححه الألباني.
سنن أبي داود، رقم الحديث: (۱۳۷۷)، سنن الترمذي، رقم الحديث: (٨٠٦)، سنن النسائي رقم الحديث: (١٣٦٣)، سنن ابن ماجه رقم الحديث: (۱۳۲۷) واللفظ للترمذي.
الثاني: إتمام القيام بمائة آية: فلو كان المقروء في صلاة التراويح خمسين آية فإنه يكمل منفردًا أو في جماعة وصولا للمائة؛ روى الإمام أحمد في مسنده عنْ تَمِيمِ الدَّارِيٌّ ◙ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «مَنْ قَرَأَ بِمائَةِ آيَةٍ فِي لَيْلَةٍ كُتِبَ لَهُ قُنُوتُ لَيْلَةٍ». صححه الألباني وحسنه شعيب الأرنؤوط بشواهده. مسند أحمد، رقم الحديث: (١٦٩٩٩).
الخاصية الخامسة:
تآخي مقصد صيام رمضان الأكبر مع مقصد تزكية النفس
رأس المقاصد ما نصَّ الله عليه في كتابه فقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ۱۸۳].
وهذه أول آية من آيات الحديث عن الصيام، وخُتِمت آخر آية في السياق نفسه بما خُتِمت به الأولى فقال سبحانه: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ ءايَتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٧].
والتقوى: أن تجعل بينك وبين غضب الله وقاية، ويمكن تعريفها بأنها: اتقاء عقوبته باتقاء ما نهى عنه وأداء ما أمر به.
قال ابن الجوزي: «ومن الصفوة أقوام مذ تيقظوا ما ناموا، ومن سلكوا ما وقفوا، فَهَمُّهُم صعود وترقّ، كلما عبروا مقامًا إلى مقام رأوا نقص ما كانوا فيه فاستغفروا!».
صيد الخاطر لابن الجوزي ص (۱۱۹).
وتناول ابن القيم ذلك فقال في كلام فصيح مليح: «مــن صـح لـه يـوم جمعتـه وسـلـم.. سلمت له سائر جمعته، ومن صح له رمضان وسلم.. سلمت له سائر سنته، ومن صحت له حجته وسلمت له.. صح له سائر عمره، فيوم الجمعة ميزان الأسبوع، ورمضان ميزان العام، والحج ميزان العمر، وبالله التوفيق».
وذلك أن باب الله مفتوح في رمضان وغير رمضان، وإنَّ حسن الأعمال وصلاح الأحوال غير منوط بالمواسم الفاضلة ولا بأوائل الأزمنة؛ وإنما بقوة العزائم وإقبال الأفئدة.
المبحث الأول: الأصول التربوية وأعمدة بناء الإيمان
المسار الأول: الأصول الكلية العامة
وفيه ثلاثة أصول:
الأصل الأول:
أن تعرف نفسك وغايتك وطريقك وموضعك:
فأنت عبد.
وغايتك: معرفة الله والوصول إليه وحسن عبادته.
وطريقك: الإسلام من عقيدة وشريعة وسلوك.
وموضعك: المقدار الذي قطعته في التعرف عليه والوصول إليه.
وقد قالوا: حقيقة العلم أن تعرف رَبَّك ولا تعدو قَدْرَك.
إنَّ هذا الأصـل هـو جـواب عن الأسئلة التي تُبيَّن معالم العلاقة مع الله تعالى، فمـن أنت؟ ولماذا خُلقت؟ وما المنهج الذي يتحدد به طريقك؟ وإلى أي موضع بلغت؟
إنه على قدر تحقق معرفة النفس بما هي عليه من نقص ومعرفة الرب بما عليه من كمال.. ينزل عليك من أفضال.
وأشار ابن عطاء السكندري إلى ذلك في حِكَمِهِ قائلًا: «تحقق بأوصافك يمدك بأوصافه، تحقق بذلك يُمدك بعزه، تحقق بعجزك يمدك بقدرته، تحقق بضعفـك يـمـدك بحوله وقوته».
الحكم العطائية، الحكمة رقم: (۱۷۸).
ومن هنـا جـادت قريحة بديع الزمان النورسي بكلمته التي لخص فيهـا هـذا المعنى بأوجز لفظ حيث قال: «عجزي كنزي».
الأصل الثاني:
مفتاح الإسلام الانقياد والاستسلام.
وجاءت الإشارة لهذا المعنى الدقيق في قوله سبحانه: {أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُترك سُدًى} [القيامة: ٣٦]. قال مجاهد: «أي لا يُؤمر ولا يُنهى». [تفسير الطبري (٢٤/83).]
ومن الأخبار التي تبرز هذا المعنى ما ذُكر في قصة توبة بشر الحافي أنه كان زمن لهوه في داره و عـنـده رفقاؤه يشربون، فاجتاز بهم رجل صالـح فـدق الباب فخرجت إليـه جاريةٌ فقال لها: صاحب هذه الدار حر أو عبد!
فقالت: بل حر.
قال: صدقت؛ لو كان عبدًا لاستعمل دأب العبيد!
… قال: أعـد عـلي الكلام الذي قلت، فأعاده، فمرّغ خديه على الأرض وقال: بل عبـد، عبـد.
وكان من أمره وصلاحــه مــا كان. [التوابين لابن قدامة ص (۱۲۲) بتصرف.]
وهذا درس بليغ يتوجه لكل من أقام على ذنب وخالف بذلك أمر ملك الملوك سبحانه فيقال له: لو كنتَ عبدا ما فعلت ذلك!
الاستسلام هو العمل القلبيُّ الوحيد الذي صار علمًا على هذا الدين ليُسمَّى بـ «الإسلام»؛ لتدرك بهذا مركزية هذا الأصل في التصور الإسلامي.
{اقْرَأ بِاسْمِ رَبَّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * أَقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ * كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّاهُ اسْتَغْى} [العلق: ١ – ٧].
فقد أمرت السورة بالقراءة ولكن باسم الله لا باسم غيره؛ تقريرا لجهة الحاكمية؛
وأخطر شيء في هذا المقام جهل الإنسان بنفسه، [المُلحد أبرز مثال على جهل الإنسان بنفسه] … فالنحــاس نـحــاس ولـــو زعــــم الناس أنه ذهب، والذهب ذهب ولو قال الناس إنه نحاس، ولهذا كان من دعاء ابن الجوزي الذي سجله في كتابه العاطر «صيد الخاطر» قوله: اللهم أرني الأشياء كما هي. [صيد الخاطر ص (٦٢) بتصرف يسير.]
الأصل الثالث:
المركزية في النظر الشرعي للآخرة، ولازمها الإيمان بالغيب، وثمرته اليقين.
تناول هذا الأصل أمورًا ثلاثة:
الأول: مركزية الآخرة، فالدنيا في التصور الإسلامي مع اعتبار كل ما يطلـب فـيـهـا من طيب العيش والاستقرار النفسي والمادي والاجتماعي إلا أنها وسيلة للآخرة،
الثاني: إنَّ لازم الإيمان بمركزية الآخرةِ الإيمان بالغيب.
الثالث: إنَّ ثمرة الإيمان بالغيب اليقين المطلق بما ورد في كلام الله وكلام رسوله مما يجعل المسلم إذا سمع شيئًا من أمر الغيب أو فضل عمل في الآخرة؛ كمضاعفة الأجر على الصدقة وضخامة المثوبة على العلم والجهاد.. أن يتعامل مع النص بنفس درجة اليقين بما يراه في الحس، بل إنَّ وُثُوقَـه بـا أخـبر الله به في كتابه أو أخبر به النبي ﷺ في سنته أوثق في صدره مما تراه عينه أو تسمعه أذنه.
أولًا: قراءة الكتابات التي تكلمت عن مركزية الآخرة،
ثانيًا: القراءة في كتب العقيدة التي اشتغلت بتقرير معتقد أهل السنة ومادة الإيمان من غير الدخول في الخلافيات مع الفرق البدعية.
ثالثًا: قـراءة الكتب التي اعتنت بتعزيز اليقين بصحة هذا الديـن
رابعا: قراءة الكتب التي تتكلم عن الله سبحانه وتعالى وأسمائه وصفاته
خامسًا: قراءة الكتب التي تنمي عبادة التفكر في خلق السماوات والأرض
المسار الثاني: الأصول العامة للفقه التربوي
وفيه أربعة أصول:
الأصل الأول:
التربية لا تقوم إلا على ساق العلم.
وهذا إيذان بأنَّ كلَّ ما يتقرر من صُوَرِ التعبد والإنابة إلى الله وبناء النفوس والمجتمعات وإقامة الدول إنما يكون عقب العلم،
ومن ثمرة هذا الأصل: الوصية بطلب العلم والأخذ عن أهله الثقات، فلا يؤخذ الدين من أصحاب الأذواق الشخصية، ولا من الوعاظ وأئمة المساجد لمجرد حُسن الأسلوب أو جَمال الصوت.
وكثيرة هي الأمور التعبدية التي يكون منزعها لمسلك عقدي أو حكم فقهي، فلا يقع التعبد على وجهه إلا إذا أخذ المتعبد بحظـه مـن علـم العقيدة والفقه أو غـيـر ذلك.
الأصل الثاني:
التربية مسؤولية فردية.
لا يخفى أن هناك مسؤولية على كلِّ ذي ولاية من مثل الأب والأمير والسلطان؛ إذ «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»، إلا أنَّ البيئة بمكوناتها إن لم تقم بواجب التربية فإنَّ المسؤولية تلحق المكلف نفسه.
صحيح البخاري، رقم الحديث: (۸۹۳)، صحیح مسلم، رقم الحديث: (٤٨٢٨).
ومن الأخبار التي تشهد لهذا المعنى:
أن رجلا من الأنصار من بني ظفر اسمه طعمة بن أبيرق سرق على عهد النبي ﷺ درعا في جراب من الدقيق من جار له اسمه قتادة بن النعمان، وخبَّأه عند رجل يهودي اسمه زيد بن السمين.
إلا أنَّ صاحب الدرع اهتدى إلى مكانها ؛ لأنَّ الجراب كان فيه ثقــب وكان الدقيق ينتثر منه، فلما كلَّم اليهودي في ذلك قال: دفعها إليَّ طعمة، وشهد لـه نـاس مـن اليهود بذلك، إلا أن طعمة أنكر ذلك وحلف أنه ما أخذها، وانطلق جمع من قومه للنبي ﷺ يجادلون عن صاحبهم ويسألونه أن يدافع عنه وقالوا: إن لم تفعل هلك وافتضح وبرئ اليهودي.
والذي يزيد المشهد حرجًا أنَّ السَّارِقَ مسلم والمتهم يهودي، والأجواء الاجتماعية تقرر أنَّ الإسلام يصنع أبناءه صناعةً قِيَمِيَّةً وأنَّ اليهود كفار، مما يعني أنَّ القضية يمكن أن تذهب لصخب إعلامي لن يكون في صالح المسلمين باعتبار الحال.
وقد هم النبي أن يستجيب لقومه وأن يعاقب اليهودي احتكاما للظاهر؛ فإنّ المسروق وُجد في بيته، وهذه قرينة على أنه هو السارق، فنزل القرآن يتولى تربية الجماعة المسلمة، ويضع قواعد تربوية هادية على الطريق.
قال سبحانه: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُن لِلْخَائنِينَ خَصِيمَا * وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمَا * وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَانًا أَثِيمًا * يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطَا * هَا أَنتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَدِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ [النساء: ١٠٥ – ١٠٩].
إلا أنَّ طعمة لم يتعظ بهذه التربية، ولم يدخل من الباب الذي فتحه الله له؛ بـل ارتد ولحق بالمشركين بمكة، وتناولت الآيات ذلك ؛ قال سبحانه: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].
وهذه الآية تقرر محدودية هذه الخسارة، وأنَّ ردَّةَ شخص عن الإسلام لا يقــوم لها وزن في مقابل درس تقرير الحق وتربية المجتمع على القيم؛
ومن المثورات التي تعين في تكوين الحس التربوي في النفس الأمور الأربعةُ الآتية:
أولا: القراءة التدبرية للقرآن الكريم، لا سيما في صلاة الليل.
ثانيًا: التتلمذ على مواعظ العلماء والدعاة والمربين.
ثالثًا: إدمان النظر في سير العلماء والشهداء والصالحين، لا سيما من المعاصرين؛ فإنَّ النفس تنشط بنشاط من يشترك معها في ذات الظرف والزمن.
رابعا: الالتزام بورد منهجي ثابت من القراءة التربوية؛ فإنَّ الورود الدائم للفتن يستلزم الأوراد الدائمة من المعالجة.
الأصل الثالث:
تربية الإسلام تربية تحت الشمس.
وذلك لما وقع تحت الشمس، أما ما كان في السر.. فمعالجته تكون في السر.
والقرآن الكريم زاخر بشواهد تربية الله لنبيه ﷺ؛ كما في سورة عبس وموضوع أسرى بدر، وكذا تربيته للأنبياء من قبله؛ كما في قصة آدم ويونس عليهما السلام، وكذا تربيته للصحابة ╚ كما في قصة طعمة، وخلاف الصحابة في الأنفال يوم بدر، وما حصل منهـم يــوم أحد، وحادث الإفك، والثلاثة الذي تخلفوا يــوم تبوك وغير ذلك.
الأصل الرابع:
للتربية تكاليف، لا سيما فيما تعارض مع الطبائع، لكنَّ الله عظيمٌ مُستَحِقٌ للعبادة فإنه {رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَأَعْبُدُهُ وَأَصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّا} [مريم: ٦٥].
إنَّ التربية لها تكاليف في نفسها من مثل الصبر على التلقي والقراءة والاستماع والسؤال وما ينتج عن ذلك من حاجة للوقت والمال وغير ذلك، نظير تكاليف الطعام والشراب وما يحفظ الجسد ويقيه من الأدواء.
ثم إنَّ لها تكاليف فيما تُمليه من قواعد هادية، لا سيما فيما تعارض مع الطبائع؛ كما لو كان الإنسان حاد المزاج والمعاملة فإنَّ قواعد التربية تملي عليه أن يتجلَّــد ويكـابـد ويجاهد ليصبح حليما حكيما رفيقا، وكما أنَّه مُكلَّفٌ بالامتثال للشرائع فإنَّه مكلف بمغالبة الطبائع.
ولا تحسبن من بلغ أنه على شهواتٍ ضعيفة؛ ولكنه تكلَّف الصبر وعانى شدته في ذات الله كما قال أبو يزيد: «ما زلت أسوق نفسي إلى الله وهي تبكي حتى سقتها وهي تضحك».
المسار الثالث: الأصول الكلية لسياسة النفس
وفيه أصلان:
الأصل الأول:
فصل العقل عن النَّفس لئلا تستبد به؛ إذ النفس وعاء للميول والشهوات، والنفوس وإن تفاوتت في نوع ما تشتهي ومقداره وحدوده، إلا أنها تشترك في النهم وطلب المزيد، والرغبة في عدم التوقف عند حد، ولهذا خُلِقت العقول لتكون رقيبًا خاصًا، وأنزلت الشرائع لتكون رقيبًا عاما، فتُضبَطُ النُّفوسُ بذلك بما يصلحها ويدرأ المفاسد عنها.
بيان هذا الأصل: أنَّ النفس خُلقت لتشتهي وتهوى وترغب، وتحب وتكره وتفرح وتحزن وترضى وتغضب، والعقل لم يُخلق ليشتهي؛ ولكن ليدل ويهدي ويتفكر ويُرِي صاحبه الطريق، ويكشف للنفس الصحيح والخطأ ويميز لها بين الخير والشر، والنافع والضار، وذلك بحسب ما في الصـدر مـن علـم ومعرفة وخبرة وتجربة في هذه الحياة.
وإذا اهتمت النفس بشيء.. طوّعت العقلَ ليُسيَّره إليها، وأقام الأدلة على صوابه، وإذا لم تهتم بشيء.. صرفت العقل عن الاهتمام به وأدائه على الوجه الذي ينبغي ولو كان في نفسه من أولى الأولويات.
ولهذا قد تجد العالم الموسوعيَّ متبحرًا في كثيرٍ من العلوم ثم إنه إذا وقف بين يدي الله.. نقر الصلاة أو لم يكن ضابطًا لأحكام التجويد،
فهذا من اهتمامات النفوس لا من توجيهات الوحي وإرشادات العقل، ومن ثم كان الأصل التربوي تحقيق الفصل بين النفس والعقل؛ ليكون العقل رقيبا خاصا يسوس النفس بما يصلحها ويدرأ المفاسد عنها، ويكون الشرع رقيبًا عاما؛ إذ قد يبيح الشرع شيئًا ويمنعه العقل؛ كما لو منع العقل النفس عن تناول طعام هو في الشريعة مباح لكنه يتعب النفس ويضر بها، فالشرع قانونه عام لجميع النفوس، والعقل خاص.
والذي فتح لي آفاق هذا الأصل فضيلة الشيخ عبد العزيز الطريفي فرج الله كربـه في كتابه النافع الماتع: الفصل بين النفس والعقل، ولـب مـا تسطر هنا مأخوذ منه،
والمقصود: أن يكون القرار التربوي الإيماني في سلامة من المؤثرات النفسية وكذا العقلية، تحصيلا للهدى، ونجاةً من اتباع الهوى، وإذا كان أهم علاج للشهوات هو الصبر فإِنَّ أهـم عـلاج للشبهات هو العلم.
الأصل الثاني:
لا تنساق النفس لصاحبها إلا بالمجاهدة، وقوانين المجاهدة ثلاثة: مخالفة الهوى، والتحكم في الشهوات المباحة، والدوام على محبوبات الله.
وقوانين المجاهدة ثلاثة:
أولا: مخالفة الهوى: أي المذموم.
والهـوى المذموم: ميلانُ النَّفس إلى ما تهوى من سيء الاعتقادات، أو تستلذه مــن المحرمات، أو تتفلت منه من تكاليف الكمالات.
فإنَّ النَّفْسَ … تُؤثِرُ الراحة والقعود عن الكمالات؛
روى مسلم من حديث أنس بن مالك ◙ قال: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «حُفَّتِ الجُنَّةُ بِالمُكَارِهِ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ». صحیح مسلم، رقم الحديث: (۷۳۰۸).
وأنبه أخيرًا إلى أنَّ اتباع الهوى من أمراض العامة والخاصة، ومن شدة خطـره حذر الله نبيه داود منه فقال: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ ص: ٢٦].
بل تسلسل ببعض الأقوام حتى كفروا بالله وقتلوا أنبياءه كما قال سبحانه عن بني إسرائيل: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولُ بِمَا لَا تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ۸۷].
ثانيًا: التحكم في الشهوات المباحة
فإنَّ نفسَهُ تدرك أنَّها أمام شخص يفقه فقه سياسة النفس ومخالفتها والتحكم في شهواتها ورغباتها، ومن ثم تنقاد له فتصبح له عونًا على تحصيل الفضائل ومجانبة الرذائل.
ولهذا أستحب للشخص أن يجعل هاتف الاتصال غير هاتف مواقع التواصل.
خواطر النفس هي مبدأ كل خير أو شر، فلو كان الخاطر من الشر واسترسل فيه.. فقد بات الجسر الذي يصل به إلى المعصية، وكلما توغـل شـق عـلـيـه الـعـود، وربما لم يتماسك إن صار في منطقة الضعـف فاحتاج حينئذ إلى مزید مغالبة ومجاهدة ومكابدة، فكان قطع الطريق بقطع الخاطـر مـن أول الأمر أيسر مما بعده.
وهذا المنطق هو الذي استعمله ابن القيم في علاج الشهوة إذ قال: «الصبر عن الشهوة أسهل من الصبر على ما توجبه الشهوة».
ثالثا: الدوام على محبوبات الله:
وهذا لا يخلو من مشقة حتى تلين النفس له،
وعلى هذا؛ فإنَّ من فقه المتعبد أن يكون في حياته ورد يومي ثابت من محبوبات الله مما لم يفترض عليه يكون الاقتراب منه أو المساس به خطا أحمر، ولو قل؛ فإنَّ القليل الذي لا ينقطع أحبُّ إلى الله من الكثير الذي ينقطع، والطَّل المستمر خيرٌ من الوابل المتقطع.
ودليل ذلك: ما روى البخاري ومسلم بسندهما عن القاسم بن محمد عن عائشة ▲ قَالَتْ: قَالَ رَسُول الله ﷺ: «أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ تَعَالَى أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ»، قَالَ: وَكَانَتْ عَائِشَةُ إِذَا عَمِلَتْ الْعَمَلَ لَزِمَتْهُ.
صحیح مسلم، رقم الحديث: (١٨٦٦) صحيح البخاري، رقم الحديث: (٦٤٦٥) واللفظ لمسلم.
وما أحسن نصح الشريف الزاهد على بن أحمد الزيدي لو أصغيت إليه وهو يعظك بذلك فيقول: «اجعل النوافل كالفرائض، والمعاصي كالكفر، والشهوات كالسم، ومخالطة الناس كالنار، والغذاء كالدواء». [تذكرة الحفاظ للذهبي (١٠٤/٤).]
بقي التنبيه على أنَّ الهوى قد يدخل في العبادة؛ بأن يختار الإنسان من العبادات ما يهوى ويترك ما أوجبه الله عليه؛
ومن أمر الله أن يؤخذ الإسلام كلا متكاملا من علم ودعوة وجهاد وتعبد وإغاثة للملهوف وغير ذلك بما يقع في نطاق قدرته واستطاعته؛ كما قال سبحانه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا ادْخُلُوا فِي السَامِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ۲۰۸]؛ أي ادخلوا في الإسلام بشرائعه كافةً ولا تَدَعُوا منها شيئًا.
إذن هذه هي قوانين المجاهدة الثلاثة، وكلها تجتمع في التهجد من الليل؛ فإنَّه من محبوبات الله، وفيه مخالفة للهوى؛ إذ النفس تهوى النوم، وإذا نــام الإنسان قدرًا واستيقظ قدرًا فقد تحكم في شهوة النوم التي هي من أشد العوائد تسلطاً.
المسار الرابع: الأصول الكلية للتعبد والعمل
وفيه خمسة أصول:
الأصل الأول:
اعملوا؛ فإنَّ العمل حصن الدنيا ومعراجُ الدَّرَجاتِ في الآخرة، وخذوا من العمل ما تطيقون، وخير العمل أدومه وإن قل.
والعمل هو الحصنُ العتيد الآمنُ الذي يعتصم به الإنسان من مخاطر الفتن ونار الشهوات، وكما يحفظ به العبد آخرته فإنه يحفظ به دنياه ونفسيَّته، ومن قصر في العمل ابتلاه الله بالهموم.
والعمل هو الذي يتفاوت الناس به في درجات الجنة، أما دخول أصل الجنـة فـلا يكون إلا برحمة الله وفضله؛ روى البخاري ومسلمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ◙ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ:
«لَنْ يُنَجِّيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ».
قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ الله؟
قَالَ: «وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي الله بِرَحْمَةٍ، سَدَّدُوا وَقَارِبُوا، وَاغْدُوا وَرُوحُوا وَشَيْءٌ مِنْ الدجةِ، وَالْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا».
صحيح البخاري، رقم الحديث: (٦٤٦٣)، صحيح مسلم، رقم الحديث: (۷۲۸۹) واللفظ للبخاري.
المشي البطيء يُبلّغ صاحبه متى انتظم ولو كان زحفًا؛ وذلك أنَّ الشيء القليل متى لزمه الإنسان صار أكثر من الكثير الذي ينقطع عنه، فلا تنظر إلى كمية كل يوم؛ ولكن إلى حصيلة كل سنة، وهل السيل إلا اجتماع النقط!
والسلحفاة الدؤوب تسبق الأرنب اللعوب.
الأصل الثاني:
مدار العمل على القلب، ولهذا فأعمال القلوب أصل، وهي من الإيمان، والناس متفاضلون فيها، وهي أَفْرَضُ من عمل الجوارح لكن لا تتم إلا بها، وأعمال القلوب المجردة أفضل من أعمال الجوارح المجردة.
دليل هذا الأصل:
ما روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «إِنَّ الله لا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ». صحیح مسلم، رقم الحديث: (٦٧٠٨).
وما روى الشيخان عن النعمان بن بشير ◙ أنَّ النبي ﷺ قال: «… أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجُسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ».
صحيح البخاري، رقم الحديث: (٥٢)، صحیح مسلم، رقم الحديث: (٤١٧٨).
وهذه الأعمال القلبية واجبة على جميع الخلق، وهي من فروض الأعيان باتفاق أهل الإيمان؛ إذ هي من الإيمان، بل دخولها في الإيمان أولى مـن دخــول أعمال الجوارح باتفـاق الطوائف كلها، ومن تركها بالكلية فهو إما كافر وإما منافق، وليس المعرض عنها علمًا وعملا بأقل لوما من التارك لما أُمِرَ به من الأعمال الظاهرة.
وحال الناس في أعمال القلوب كحالهم في أعمال الجوارح ينقسمون إلى ثلاث درجات: منهم الظالم لنفسه ومنهم المقتصد ومنهم السابق بالخيرات.
وبما تقرر يُعلَمُ أنَّ أعمال القلوب أصل وأعمال الجوارح فرع؛ وذلك لأنَّ الأمور الباطنة مبتدأ الأمور الظاهرة وأصولها، والأمور الظاهرة كمالها وفروعها التي لا تتم إلا بها.
قوة المؤمن في قلبه وضعفه في جسمه وقوة المنافق في جسمه وضعفه في قلبه.
وتناول ابن القيم هذا الأصل فقال: الله على العبد عبوديتان: عبودية باطنة وعبودية ظاهرة، وقيامه بالعبودية الظاهرة مع تعريه عن حقيقة العبودية الباطنة مما لا يُقربه إلى ربه، ولا يُوجِبُ له الثواب وقبول العمل؛ فإنَّ المقصود امتحانُ القلوب وابتلاء السرائر، فعمل القلب هو روح العبودية، ولهذا متى خلا عمل الجوارح منه كان كالجسد الموات بلا روح.
والمقصود بالأعمال كلها ظاهرها وباطنها إنما هو صلاح القلب وكماله وقيامه بالعبودية بين يدي ربه جل جلاله.
ومن تأمل الشريعة علم ارتباط أعمال الجوارح بأعمال القلوب، وأنها لا تنفع بدونها، و أنَّ أعمال القلوب أفرضُ على العبد من أعمال الجوارح، وهل يتميز المؤمن عن المنافق إلا بما في قلب كل منهما من الأعمال، وهل يمكن لأحد الدخول في الإسلام إلا بعمل قلبه قبل جوارحه!
إنَّ منتهى الأفكار والقناعات إلى القلب؛ وذلك أنَّ منافذ الإدراك هما السمعُ والبصر، وما يتلقاه الإنسان منهما يستقبله العقل ليتدبر، ومن ثم يُرسل للقلـب ليعقـل ويتأثر، وما يستقر في القلب يفيض على اللسان قولا وعلى الجوارح عملًا.
ولا تحسب أنَّ الخطب في أدواء القلوب خَطب سهل؛ فالحسد مثلا هـو الـداء الـذي صار إبليس بسببه عدو الله الأكبر بعد أن حسد آدم على ما آتاه الله من فضله وأبـي السجود له.
وهو الداء الذي رفضت قريش أن تؤمن بالنبي له بسببه؛
وهو الداء الذي رفض ابن سلول الإيمان بالنبي ﷺ بسببه أيضًا؛
وهو الداء الذي أبى اليهود في المدينة بسببه أيضًا أن يؤمنوا بالنبي ﷺ؛
الأصل الثالث:
لذة العبادة وجني ثمارها إنما هو في حُسنها لا في مجرد الإكثار منها.
كلمةَ السِّرِّ ليست في ذلك؛ وإنما في تحسين العبادة وتجويدها غاية الوسع؛
وتطرق ابن القيم لهديه لها في التلاوة فقال: «كانت قراءة النبي للقرآن ترتيلا له لا هذا ولا عجلة، بل قراءةً مفسّرةً حَرفًا حرفًا، وكان يقطع قراءته آيةً آية، وكان يمدُّ عن حروف المد، وكان له ورد في ذلك لا يُخِلُّ به». [زاد المعاد (٤٨٢/١).]
ومن هنا جاء كلام الفقهاء بأن الإسراع في التلاوة مكروه، وأن الترتيل مسنون، وهو أعظم أجرا،
وقال ابن القيم: ثواب قراءة الترتيل والتدبر أرفع قدرًا، وثواب كثرة القراءة أكثر عددًا، فالأول كمن تصدق بجوهرة عظيمة، والثاني كمن تصدق بعددٍ كثير من الدراهم (۳). فالأول أسمى في القدر حتى لو تساويا في الأجر.
هذا في التلاوة، أما في الصلاة؛ فقد روى مسلمٌ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ◙ قَالَ: «رَمَقْتُ الصَّلاَةَ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ فَوَجَدْتُ قِيَامَهُ فَرَكْعَتَهُ فَاعْتِدَالَهُ بَعْدَ رُكُوعِهِ فَسَجْدَتَهُ فَجَلْسَتَهُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ فَسَجْدَتَهُ فَجَلْسَتَهُ مَا بَيْنَ التَّسْلِيمِ وَالانْصِرَافِ قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ».
صحیح مسلم، رقم الحديث: (١٠٨٥) وعند البخاري بلفظ يستثني القيام والقعود كما في الحديث رقم: (۷۹۲).
فهذا السَّمت هو الذي يصب الإيمان في القلب صبا، وهو الذي يتفاوت الناس فيه.
ولأهمية حسن العبادة لقن النبي معاذ بن جبل ◙ دعاء يلتزمه في كل صلاة؛ فقد روى أبو داود والنسائي عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلِ ◙ قَالَ: أَخَذَ بِيَدِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «إِنِّي لَأُحِبُّكَ يَا مُعَاذُ»، فَقُلْتُ: وَأَنَا أُحِبُّكَ يَا رَسُولَ الله، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «فَلَا تَدَعْ أَنْ تَقُولَ فِي كُلِّ صَلَاةٍ رَبِّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ». صححه الألباني.
سنن أبي داود، رقم الحديث: (١٥٢٤)، سنن النسائي، رقم الحديث: (۱۳۰۲).
ولا يمنع حسن العبادة من الإكثار منها، ولكن القصد ألا تكون همة المتعبـد هـي الكثرة على حساب الجودة.
ولهذا يعجبني إذا جئت تصلي من الليل أن تجعل الصلاة زمنًا تلتزم به لا قدرًا من الآيات أو الصفحات تنتهي إليه، كما لو عزمت أن تصلي ساعةً أو نصف ساعة، فتشرع في الصلاة والعناية متوجهة لتدبر الآيات والتفكر في معاني أدعية الركوع والسجود، فلا يكون همك بذلك آخر الجزء أو الصفحة أو عدد الركعات.
فإذا كبرت وأخذت في القراءة ووجدت قلبك في القيام فلا تركع، أو وجدته في الركوع أو السجود فلا ترفع، وإن لم تصل إلا ركعتين، ولم تقرأ إلا آيتين، فمن بورك له في شيء فليلزمه.
ثم إنَّه كلما قوي إيمان الرجل وحَسُنَ إسلامه وعمله كان أعظم أجرًا وأرفع قدرًا.
ودليل ذلك: ما أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ◙ قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِمِثْلِهَا».
صحيح البخاري، رقم الحديث: (٤٢)، صحیح مسلم، رقم الحديث: (٣٥٣).
وأنبه أخيرًا إلى أهمية عدم رسم صورة ثابتة لحسن العبادة والتمترس حولها؛ كمن يجعل البكاء في الصلاة دليلًا وحيدًا على الخشوع وإلا فإنَّه محروم؛ بـل تمـضي في عبادتـك وتجتهد في تحسينها وتجويدها، ثـم مـا يـمـن الله بـه عـلـيـك مـن رقـة الـقـلـب فهو خير، ولا تكاد تتحد الليالي على هيئة أو حالة واحدة، وطلب الكمال معيـن عـن الإكمال.
الأصل الرابع:
يُبنى الإيمان درجةً درجة، ويُفطم الإنسانُ عن الشَّر بخطوة واحدة.
ومفاده أنَّ رعاية الطبقيَّةِ في الأعمال من الفقه، ومن ثم يَتَدَرَّجُ المسلم في بناء الإيمان درجة بعد أخرى، والدرجة التي يقطعها يُثْبِتُها وتصبح من أوراده الدائمة التي لا تترك إلا لعارض مـن عـذر ونحوه.
روى مسلم في صحيحه عَنْ عَائِشَةَ ▲ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا عَمِلَ عَمَلاً أَثْبَتَهُ. [صحیح مسلم، رقم الحديث: (۱۷۷۸).]
وفي الصحيحين عن مسروق قال: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ▲: أَيُّ الْعَمَلِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ؟ قَالَتْ: الدَّائِمُ.
صحيح البخاري، رقم الحديث: (۱۱۳۲)، صحیح مسلم، رقم الحديث: (١٧٦٤) واللفظ للبخاري.
وعند مسلم عن عائشة ▲ قالت: قال رسول الله ﷺ: «وَإِنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهُ مَا دُووِمَ عَلَيْهِ وَإِنْ قَلَّ»، وَكَانَ آلُ مُحَمَّدٍ: إِذَا عَمِلُوا عَمَلاً أَثْبَتُوهُ.
صحیح مسلم، رقم الحديث: (١٨٦٣).
روى البيهقي عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ◙ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا خَرَجْتَ مِنْ مَنْزِلِكَ إِلَى الصَّلَاةِ فَصَلَّ رَكْعَتَيْنِ تَمَنَعَانِكَ مَخْرَجَ السَّوْءِ، وَإِذَا دَخَلْتَ مَنْزِلَكَ فَصَلَّ رَكْعَتَيْنِ تَمَنَعَانِكَ مَدْخَلَ السَّوْءِ». صححه الألباني. انظر شعب الإيمان حديث رقم: (٢٨١٤).
والنفس إذا قويت احتملت أكثر الكثير، وإذا فترت قعدت عن أقل القليل.
ولك أن تعتمد منهجية الإمام أحمد التي ترشح فقها وإدراكًا لطبائع النفس إذ قال: «يعجبني أن يكون للرجل ركعات من الليل والنهار معلومة، فإذا نشط طولها، وإذا لم ينشط خففها».
وهذا في الخير، أما في الشر؛ كشرب الدخان وسماع الأغاني.. فإنَّ التدرج في تركه من الوهم الذي يريح الإنسان، وأكثر تجارب الناس تنتهي إلى فشل؛
فالسياسة في ترك الشر تقوم على فطم النفس، وهذا يؤلمها حتى إنها لتبقى بضعة أيامٍ أو أسابيع وهي تتوجع من فقد ما أَلِفَتْ، ثم تتأقلم مع الوضع الصحيح الجديد، شأن الطفل الذي تفطمـه أمـه عـن الرضاع، فإنه يبقى أيامًا في بكاء وألم يشتد، ثم يأنف مما كان يألف، ويمكن لمن فطم نفسه عن شيء أن يحتال عليها بما يلهيهـا كـما تلهي الأم رضيعها بأشياء مدة الفطام.
الأصل الخامس:
الأبواب الموصلة إلى الله كثيرة فلا تدخلوا من باب واحد.
فثمة أبواب أخرى توصل إلى الله كذلك ويصلح بها القلب أيما صلاح من مثل الرجاء والحياء والمحبة والتعظيم والانكسار
وكان شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: «من أراد السعادة الأبدية فليلزم عتبة العبودية».
وإذا فُتِح له في باب فليكثر منه ما استطاع من غير أن يُهمل غيره فيما يتيسر له فعله، ومن غير أن يرى نفسه على أعظم الثغور بينما يرى غيره من السالكين دونه في المنزلة؛ فإنّ الله قسم الأعمال كما قسم الأرزاق.
وهذا ما أجاب به الإمام مالك عبد الله بن عبد العزيز العمري العابد حين حصه على الانفراد والعمل فكتب إليه يقول: «إنَّ الله قسم الأعمال كما قسم الأرزاق؛ فرب رجل فتح له في الصلاة ولم يُفتح له في الصوم، وآخر فُتِح له في الصدقة ولم يُفتح له في الصيام، وآخر فُتِح له في الجهاد ولم يُفتح له في الصلاة، ونشر العلم وتعليمه من أفضل أعمال البر، وقد رضيت بما فتح الله لي فيه من ذلك، وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه، وأرجو أن يكون كلانا على خير». [التمهيد لابن عبد البر (١٨٥/٧).]
المسار الخامس: الأصول الكلية للسلوك
وفيه ثلاثة أصول:
الأصل الأول:
القيم ميزانُ الرِّجَالِ والجماعاتِ والأمم.
تُعرَّف القيم بأنّها قواعد حاكمة للسلوك، وإذا استحضرنا أنَّ الدِّينَ عقيدة وشريعة وسلوك.. علمنا منزلة القيم في التصور الإسلامي.
ومن أمثلة القيم الصدق والتجرد والأمانة والعفة والورع والوضوح.
ومـا مـن أمـة إلا ولها منظومة من القيم تشكّل فكرها وأيديولوجيتها، وثمة قيم محل إجماع من الأمم كافة.
وتكمن قيمة القيم في كونها حاكمة لا محكومة؛ إذ مصدرها الدين في التصور الإسلامي وما أودع الله في الفِطر، ومن ثم فإنها السياج الذي يحمي الأفراد والجماعات والأمـم من الانحراف، ويقي من الخلاف؛ لأنّها إطار مرجعي حاكم.
الأصل الثاني:
الاشتغالُ بالنَّفْسِ وهضمُهَا مُعِينَانِ على تكميلها والإحسان لغيرها.
الأول: فضيلة الاشتغال بالنفس
مـن الأحاديث التي عليها مدار السلوك في الإسلام ما روى الترمذي وابن ماجه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ◙ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ». صححه الألباني.
في المقام التربوي العناية بالنفس أصل، والاشتغال بالغير تبع، وإدراك هذا المعنى مـهـم لـكـل داعية؛ إذ الدعوة إلى الله تعالى إذا كانـت فـرضَ كفاية.. فإن تربية النفس بالتزكيـة فـرضُ عين.
الثاني: فضيلة هضم النفس
ولما كان الإمام الغزالي يتكلم عن الكِبْرِ وآثاره والتحذير منه تطرق لهذا الملحـظ المهم وأجرى الله على قلمه قاعدة مؤيَّدة بالنصوص العامة فقال: «والعالم هو الذي فهم أنَّ الله تعالى قال له: إنَّ لك عندنا قدرًا ما لم تر لنفسك قدرًا».
الثالث: الإحسان إلى الغير:
روى الشيخان عَنْ أَنس ◙ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ».
صحيح البخاري، رقم الحديث: (۱۳)، صحیح مسلم، رقم الحديث: (۱۷۹).
الأصل الثالث:
السَّلامَةُ لَا يَعدِلها شَيء.
ومن أدلته ما روى الترمذي عن الحسن بن علي رضي الله عنهما أنه قال: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ». صححه الألباني. سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٥١٨).
وما روى الشيخان عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ◙ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ الحَلالَ بَيِّنٌ وَإِنَّ الحَرَامَ بَيْنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ..».
صحيح البخاري، رقم الحديث: (٢٠٥١)، صحیح مسلم، رقم الحديث: (٤١٧٨) واللفظ لمسلم.
ومن منافع هذا الأصل: أنه أخصر طريق لتحصيل الورع؛ وهو ترك ما يُخشى ضرره في الآخرة.
حفظ اللسان عن الكلام إلا بما فيه مصلحة؛ فإنَّ السكوت سلامة والسلامة لا يعدلها شيء، وفي الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ◙ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصَّمُتْ».
صحيح البخاري، رقم الحديث: (٦٠١٨)، صحيح مسلم، رقم الحديث: (۱۸۲) واللفظ لمسلم.
التورع عما يُشتبه في حلّه من مال أو طعام أو معاملة
مخالطة إخوان السوء
مخالطة العلماء للأمراء؛
الدراسة أو الإقامة في بلاد الكفر والفسوق والعصيان،
هجر مجالس اللهو لئلا يُستدرج إلى الشَّهوات،
المسار السادس: الأصول الكلية للتعامل مع الأدواء
وفيه أصلان:
الأصل الأول:
الأدواءُ تُعَالَج ولا تهمل، ومن كَتَمَ دَاءَهُ قَتَلَه.
أدواء القلوب كأدواء الجوارح لو أهملها صاحبها فتكت به، فمن نزل به مرض قلبي أو نفسي فالأصل أن يعتني بصحته الإيمانية وعافيته التربوية، ومن ثم يبحث عن أطباء القلوب وحكماء النفوس، ويكثر من البحث في مختلف الوسائل حتى تنزل العافية بقلبه ونفسه.
وهذه الأربعة: الجهل والتهاون والصورية والعلاج الخاطئ تُمثِّل أعمدة كتم الداء.
والنجاة من كتم الداء تتمثل أولا بمعرفته والبحـث عنـه، ثـم أخــذه عـلـى محمـل الجد من غير تسويغ ولا تجاهل ولا تساهل، ثم العمل على علاجـه علاجـا صحيحًـا كافيا، مستبعدين في ذلك علاج الأعراض منتبهين لعلاج الأسباب والأمراض.
فكتـم الـداء إذن هو أن تسير والداء مصاحب لك جهلا أو تجاهـلا مـن غـيـر عـلاج حقيقي ومؤثر.
ولا ينبغي أن يُؤَخَّرَ العلاج مهما كانت ظروف الإنسان؛ إذ الـداء كالشجرة الضارة اقتلاعها أول الأمر سهل، فإن تجذرت صار القلع صعبًا واحتاج إلى وسائل استثنائية.
الأصل الثاني:
تمحيص الإيمان من خبث الجناية.
هذا أصل عظيم في التعامل مع الذنوب إذا وقعت، والكلام ليس في حصول الذنب من عدمه؛ وإنما عـن فقـه التعامل معه؛ إذ الذنب ملاصق للآدمية؛ لما روى مسلم عن أبي ذر ◙ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا رَوَى عَنِ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى وفيه: «يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ». صحیح مسلم، رقم الحديث: (٦٧٣٧).
وما روى الترمذي وابن ماجه عَنْ أَنَسٍ ◙ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءُ وَخَيْرُ الخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ». حسنه الألباني.
سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٤٩٩)، سنن ابن ماجه، رقم الحديث: (٤٢٥١).
وهذا التمحيص يكون في دار الدنيا بأربعة أشياء:
أولا: التوبة بحيث يقلع عن المعصية فورًا، ويندم على الماضي، ويعزم ألا يعود في المستقبل، وهذه هي شروط التوبة الثلاثة،
ثانيا: الاستغفار
ثالثًا: عمل الحسنات الماحية: امتثالا لقول النبي ﷺ: «وأَتبع السيئةَ الحَسَنةَ تَمحُهَا».
سنن الترمذي، رقم الحديث: (۱۹۸۷). وقد حسنه الألباني.
وفي التنزيل الحكيم: {وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ طَرَفَي النَّهَارِ وَزُلَفَا مِنَ الَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: ١١٤].
رابعا: تحمل المصائب المكفرة: فالابتلاء ركن من أركان التربية، ولهذا ينبغي للعبد أن يبالغ في تحمل المصائب النازلة به، ويصبر على أقدار الله المؤلمة، ويرضى بما ينزل عليه منها. بل الذي أوتي الفقه من العباد يشكر ربه على ما يقدره عليه من مصائب؛ لأن الابتلاء باعتبار الآخـرة مـن جملـة الـنـعـم،
أخرج الحاكم في المستدرك من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ◙ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ الرَّجُلَ تَكُونُ لَهُ الْمُنْزِلَةُ عِنْدَ الله فَمَا يَبْلُغُهَا بِعَمَلٍ، فَلَا يَزَالُ يَبْتَلِيهِ بِمَا يَكْرَهُ حَتَّى يُبْلِغَهُ ذَلِكَ». حسنه الألباني. المستدرك على الصحيحين للحاكم، رقم الحديث: (۱۲۲۱).
وإن لم تف هذه الأربعة بتمحيصه وتخليصه … مُحِّص في البرزخ بثلاثة أشياء:
أحدها: صلاة أهل الإيمان الجنازة عليه واستغفارهم له وشفاعتهم فيه؛ لمـا أخـرج مسلم في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلَى جَنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلاً لَا يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلَّا شَفَعَهُمُ الله فِيهِ».
صحیح مسلم، رقم الحديث: (٢٢٤٢).
الثاني: تمحيصه بفتنة القبر
الثالث: مـا يهدي إخوانه المسلمون إليه من هدايا الأعمال
ومذهب أحمد ومن وافقه أوسع المذاهب إذ يقولون بوصول ثواب جميع القُرب.
فإن لم تف هذه الثلاثة بالتمحيص.. مُحص بين يدي ربه في الموقف بأربعة أشياء:
أحدها: أهوال القيامة وشدة الموقف.
الثاني: شفاعة الشفعاء.
الثالث: عفو الله.
فإن لم تف هذه الثلاثة بتمحيصه أو لم تتم.. فلا بد له من دخول الكير؛ رحمةً في حقه ليتخلص ويتمحص ويتطهر في النار، فتكون النار طهرةً له وتمحيصا لخبثه،
وأختم الكلام على هذا الأصل بالتنبيه على أنَّ العبد ينبغي أن يفقه هذه النظرية جيدًا؛ ليُطَيِّبَ نفسَهُ في الدنيا قبل أن يرحل إلى الله تعالى،
ليس من شروط صحة الطاعات توقف الخطيئات.
المطلب الثاني: أعمدة بناء الإيمان
إنني أعاني من حالة إيمانية متشظية، … وكلما تبت رجعت، كل شيء يضيع في حياتي، لا خشوع، ولا تكبيرة إحرام، ولا ورَدَ من تلاوة القرآن ولا نصيب من قيام الليل، فماذا أفعل بالضبط لأستعيد عافيتي الإيمانية؟ وهل أنا معاقب أم لا؟
إنَّ علاج هذا الداء يكون بما يمكن تسميته: «بناء الإيمان»، فما يُذكر فهو يدل على أن بنيان الإيمان أصابه شيء من الاختلال، ولربما انهارت فيه بعض الجوانب فهو بحاجة إلى ترميم وإصلاح، والأعمال التي تنفخ الروح في الإيمان ليحيى مـن جـديـد كثيرة،
والكلام في هذه القضيَّة له أصل وفرع.
أما الأصل.. فهو أنَّ بناء الإيمان يحصل أولا بالأصول العامة للديـن مـن مثـل أركان الإيمان وأركان الإسلام، وما يرتبط بذلك مما تقدَّم في الأصول التربوية من مثل مركزية الآخرة وفاعلية اليقين ومحورية الانقياد والاستسلام.
وأما الفرع.. فهو أنَّ ثمة أعمالا تفصيليَّةً يمكن عدها أصلا لغيرها بحيث يتيسر إعادة بناء الإيمان من خلالها، واستعادة حيوية الإنسان وفاعليته إذا قام بها.
المتعبـد عـلـيـه أن يُفعـل قـانـون «تمحيص الإيمان من خبث الجناية» وهو مشتغل ببناء إيمانه؛ لئلا يكون مشتغلًا بالبناء في جانب وثمة انهيارات تحصل في إيمانه من جانب آخر.
الدوام على وسائل التطييب الأربع: التوبة والاستغفار وعمل الحسنات الماحية وتحمُّل المصائب المكفّرة،
إذا وعيت هذا.. فلنأخذ الآن في تعداد الأعمدة والكلام عليها وهي ستة كما يلي:
أولا: الاستعانة بالله:
والاستعانة بالله أمرهـا معلوم، ودعــاء الله بتحقيق الحوائج أمره مستقر في الفطر والنفوس.
إلا أنَّ توفر الدواء أو شهرته لا يعني استعماله،
ولمركزية هذا العمود الباني للإيمان جاء ذكره في فاتحة الكتاب في قوله سبحانه: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: ٥، ٦].
وهـذا الـعـمــود هـو الـذي علمه النبي ﷺ لابن عمه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وأرشده إليه وهو غلام صغير؛ إذ قال له في كلام صريح بيَّن: «يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظْ الله يَحْفَظْكَ، احْفَظْ الله تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ الله وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِالله». صححه الألباني. [سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٥١٦).]
وقد تقدم الكلام القيم لابن القيم حين كان يتكلم عن دور انكسار النفس بين يدي الله في تحقيق مقاصد العبد وقضاء حوائجه إلى أن قال:
«والقصد أنَّ هذه الذلة والكسرة الخاصة تدخله على الله وترميه على طريق المحبة فيفتح له منها باب لا يفتح له من غير هذه الطريق، وإن كانت طرق سائر الأعمال والطاعات تفتح للعبد أبوابًا من المحبة، لكن الذي يُفتح منها من طريق الذل والانكسار والافتقار وازدراء النفس ورؤيتها بعين الضعف والعجز والعيب والنقص والذم نوع آخر وفتح آخر».
الاستعانة قد تكون بلسان المقال أو بلسان الحال.
وكمال الاستعانة أن يجتمع الحال مع المقال، وأن يكون ذلك في دعاء، وأن يكون هذا الدعاء في سجودِ أو في خلوة والناس نيام.
يمكن أن يلجأ إلى الله ويدعوه فيقول من غير تكلف مــن الـقـول بـعـد أن يُثني على ربه بما هو أهله ويصلي على النبي و ويطيل ما استطاع في ذلك:
اللهم إني أشكو نفسي إليك.
اللهم إني أعاني شتات نفسي وتمزق روحي وفساد قلبي وغياب الأنس بك ربي.
اللهم إني لا أدري هل ما أنا فيه من شتاتٍ عقوبة على شيء اقترفته؟ أم حق قصرت في فعله؟ أم لأسلك سبيل الحق تنبيها على أنَّ ما أنا عليه سبيل خطأ؟
اللهم لو كان ما أنا فيه عقوبةً على ذنب فإني لا أدري من أي ذنبٍ أُتيت.
اللهم إني أتوب إليك من كل ذنب، علمتُه أو جهلته، كان سببا في عقوبتي أو لم يكن.
اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرةً من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم.
اللهم إني كالذي وقع في بئرٍ لا يعرف سبيلا للخروج منه، وإني أقف ببابك، وأتعلق بجنابك، فأخرجني مما أنا فيه بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين.
اللهم إني ضعيف وأنت القوي، اللهم إني فقير وأنت الغني، اللهم إني عاجز وأنت القادر، اللهم إني عبد وأنت الرب، أنت رب الأرباب ومسبب الأسباب، سبحانك لا إله إلا أنت.
اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء لك بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.
اللهم لا براءة لي من ذنب فأعتذر، ولا قوة لي فأنتصر، ولكني مذنب مستغفر. اللهم ما كان مني من غفلةٍ أو ذنبٍ لم يكن عن استهانة بحقك، ولا إنكار لاطلاعك، ولا استهانة بوعيدك، وإنما كان عن غلبة الهوى، وغفلة النفس، وإني أقف بين يديك ذلا وانكسارًا وافتقارًا وعجزا؛ طمعًا في رحمتك، وجمعا لشتات قلبي، ومـا تفـرق من نفسي، وما عطب من روحي، وما فسـد مـن قلبي، وما تكدر من فكري.
لا سبيل لي إلا بك، ولا معونة لي على طاعتك إلا بتوفيقك.
اللهم فوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك.
أنت حسبي ونعم الوكيل، وأنت على كل شيء قدير.
والمقصود أنَّ أول أعمدة بناء الإيمان أن تستعين بالله العزيز على ذلك، وتنزل حاجتك به، وتسأله أن يعمر قلبك بالإيمان والتقوى، ومن العمل ما يرضى،
ثانيًا: القرآن
ويُعتنى بالقرآن من جهات خمس تلاوته، وحفظه أو حفظ ما تيسر منه، وفهمه بقراءة تفسيره وتدبره والعمل به.
ولن يبني القرآن إيمانك البناء الكامل إلا بتوافر ثلاثة أمور:
الأول: أن تستشعر أنه يخاطبك الآن خطابه للجيل الأول الذي نزل فيه، فإن النبي ﷺ أرسله الله للناس كافة، وأنزل عليه هذا القرآن ليخاطب به هذه الأمة على امتداد أجيالها؛ كما قال سبحانه: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى هَذَا الْقُرْوَانُ لِأَنذِرَكُم بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩].
والمعنى: إنَّ الله تعالى قد أنزل هذا القرآن عن طريق وحيه الصادق لأنذركم به يا أهل مكة ولأنذر به جميع من بلغه هذا الكتاب، ووصلت إليه دعوته من العرب والعجم في كل زمان ومكان إلى يوم القيامة، فمن بلغه القرآن فكأَنَّما رأى النبي الله.
الثاني: أن تفهم معانيه ولو على جهة الإجمال،
وأكثر التفاسير التي أراها تحقق هذا الغرض تفسير الوسيط للشيخين محمد سيد طنطاوي وأحمد الكومي،
ويقاربه لطلبة العلم تهذيب تفسير الطبري للشيخ الدكتور صلاح الخالدي،
الثالث: أن تربي نفسك من خلاله مع الأيام والليالي، فتقرؤه بقراءة وردك اليومي قراءة من يطلب الاستهداء به،
وكلما نزل بك نازلةٌ أو شكوت داءً.. قصدته أولًا، وبقيت تطلب الدواء في التلاوة، فكل ما تعاني منه كامن فيه، والقرآن لا تتفتق معانيه إلا لمن يعانيه.
ثالثًا: الذكر:
الذكر هنا يراد به معنيان التسبيح ونحوه من التحميد والتكبير والتهليل وغير ذلك من الأذكار المأثورة، وما هو قسيم النسيان.
اعتناءَ السَّلَفِ بالذكر ليس كاعتناء الخلف،
أخرج الإمامـانِ الترمذي وابن ماجه عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ◙ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَلَا أُنبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ، وَأَرْضَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ، وَخَيْرِ لَكُمْ مِنْ إِعْطَاءِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، وَمِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ»؟ قَالُوا: وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «ذِكْرُ الله».
سنن الترمذي، رقم الحديث: (۳۳۷۷)، سنن ابن ماجه، رقم الحديث: (۳۷۹۰).
روى الترمذي في سننه عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ◙ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَقِيتُ إِبْرَاهِيمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَقْرِكْ أَمَتَكَ مِنِّي السَّلَامَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الجُنَّةَ طَيِّبَةُ التُّرْبَةِ عَذْبَةُ الماءِ وَأَنَّهَا قِيعَانُ، وَأَنَّ غِرَاسَهَا: سُبْحَانَ الله وَالحَمْدُ اللهَ وَلَا إِلَهَ إِلَّا الله وَالله أَكْبَرُ». حسنه الألباني. سنن الترمذي، رقم الحديث: (٣٤٦٢).
ومشاركة الذكر في مشروع صناعة الإيمان وبنائه في القلب تحتاج إلى استحضار الذاكر لمعاني الذكر وتفاعله معها؛ فإنها هي التي تشق طريقها إلى القلب فتعمل فيه عملها.
وأتركك مع الإمام ابن الجوزي يصور لـك حـال التذوق لطعم التسبيح الذي يبني الإيمان، يقول:
«تأمَّلْتُ على أكثر النَّاس عباداتهم فإذا هي عادات، فأما أرباب اليقظة عبادةٌ حقيقية؛ فإنَّ الغافل يقول: سبحان الله عادة، والمتيقظ لا يزال فكره في فعاداتهم. عجائب المخلوقات، أو في عظمة الخالق، فيحركه الفكر في ذلك فيقول: سبحان الله.
ولو أنَّ إنسانًا تفكر في رمانة، فنظر في تصفيف حَبِّهَا، وحفظه بالأغشية لئلا يتضاءل، وإقامة الماء على عظم العجم، وجعل الغشاء عليه يحفظه، وتصوير الفرخ في بطن البيضة، والآدمي في حشا الأم، إلى غير ذلك من المخلوقات.. أزعجه هذا الفكر ودفعه إلى تعظيم الخالق، فقال: سبحان الله! فهذا تسبيح المتيقظين، وما تزال أفكارهم تجول فتقع عباداتهم بالتسبيحات محققة.
وكذلك يتفكرون في قبائح ذنوب قد تقدَّمت فيوجب ذلـك قـلـق القلب، ونـدم النفس، فيثمر أن يقول قائلهم: أستغفر الله، فهذا هو التسبيح والاستغفار، فأما الغافلون فيقولون ذلك عادة، وشتّان ما بين الفريقين.» [صيد الخاطر ص (١٣٣-١٣٤).]
رابعا: الصلاة
الصلاة هي مجمع العبادات ففيها التلاوة والتدبر والتسبيح والدعاء والركوع والسجود، فضلا عما يتقدمها من طهارة ووضوء واستعدادٍ نفسي، وما يقارنها من قصد لبيت الله تعالى ولقاء جماعة المسلمين وضبط للمواعيد، وما يعقبها من أذكار وتسابيح.
إنَّ الصَّلاةَ لا يعدلها شيء في الإسـلام بـعـد التوحيد؛ روى الطبراني في معجمه الأوسط عن أبي هريرة ◙ قال: قال رسول الله ﷺ: «الصَّلاة خير موضوع، فمن استطاع أن يستكثر فليستكثر». حسنه الألباني. [المعجم الأوسط، رقم الحديث: (٢٤٣).]
وقوله: «خير موضوع»؛ أي خير عمل وضعه الله تعالى لعباده ليتقربوا به إليه.
ويُعتنى بالصَّلاةِ من ست جهات إقامة الفريضة، وشهود الجماعة في المسجد مع التبكير لها، وترطيب اللسان بالأذكار والأدعية الواردة فيها، والمحافظة على السنن الرواتب، وما تيسر من النوافل كالضحى وقيام الليل، والخشوع في الصلاة أيا كان نوعها.
خامسًا: التفكر:
التفكـر هـو عـمـلـيـة الـتـفـاعـل العقلي والقلبي مع القرآن المسطور والكون المنظور،
فالتفكر هو المسؤول عن التقاط المعاني على وجهها وتصور المشاعر على حالها، ومن ثم فهو الذي يثمر التذوق الإيماني والإنتاج المعرفي وراحة النفس وسكينتها.
وما أسعد تلك اللحظات التي يفتح الله فيهـا عـلى العبد بتقرير مفهوم جديد أو حل إشكال أو معالجة لأزمةٍ في النفس أو الواقع وما إلى ذلك!
متّع نفسك وعِظْهَـا مثلا بما أخرج ابن حبان في صحيحـه مـن حـديـث عبيــد بـن عمير ◙ أنه قال لعائشة ▲: «أخبرينا بأعجب شيء رأيته من رسول الله ﷺ، قال: فسكتت، ثم قالت: لما كان ليلة من الليالي قال: يا عائشة ذريني أتعبدِ الليلة لربي»!
قلت: والله إني لأحبُّ قربك، وأحبُّ ما سرك، قالت: فقام فتطهر، ثم قام يصلي.
قالت: فلم يزل يبكي حتى بلَّ حِجْرَهُ، قالت: ثم بكى، فلم يزل يبكي حتى بل لحيته، قالت: ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بل الأرض، فجاء بلال يؤذنه بالصلاة، فلما رآه يبكي قال: يا رسول الله لم تبكي، وقد غفر الله لك ما تقدم وما تأخر؟!
قال: أفلا أكون عبدًا شكورًا، لقد نزلت علي الليلة آية، ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ..} الآية كلُّها [آل عمران: ١٩٠] حسنه الألباني.
صحیح ابن حبان، رقم الحديث: (٦٢٠).
وتتمة الآية وما بعدها: {… وَاخْتِلَافِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتِ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمَا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: ۱۹۰ ۱۹۱].
الأول: التفكر في آيات القرآن الكريم
الثاني: التفكر في آيات الله الكونية
الثالث: التفكر في نعم الله
ولو أنه فتح باب المقارنة بين عدد النعم وعدد أنواع البلاء.. فما أحسبه ينهي المقارنة إلا وعينه تجهش بالبكاء لسطوة ما يجد من المشاعر الضاغطة عليه.
الرابع: التفكر في آيات الوعد
الخامس: التفكر في آيات الوعيد
السادس: التفكر في تقصير النفس عن الطاعة
السابع: التفكر في آيات الله السُّنَنية
كيف ارتفع فلان وذل فلان! كيف اغتنى من كان فقيرًا وافتقر من كان غنيًّا!
الابتلاء قد لا يكون في صحةٍ أو في مال؛ بل في العلاقات الاجتماعية كما في قوله سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةٌ أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٠].
و ممـا يـعـيـن عـلى هـذا النوع: زيارة المقابر والمشافي،
وإذا جاء القرآن يأمر الكفار إبان الجيل الأول أن يرتحلوا من أجل العبرة كما في قوله سبحانه: {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَءَاثَارَا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ} [غافر: ۲۱] فمن باب أولى أن يتحرك الإنسان قليلا في المجتمع ليعتبر ويتعظ، فهذا يدب الحياة في قلبه حتى ينتظم أمره بما لا يخطـر لـه بــال.
الثامن: التفكر في أحوال الأمة وهمومها وقضاياها الكبرى
فإنَّ الإنسان كلما علت اهتماماته زاد فهما وبصيرةً وعادت همومه الشخصية إلى حجمها الذي تستحقه من غير تهويل ولا تضخيم.
فهذا عمار بن ياسر ◙ من المسلمين الأوائل حين سُئل عنه علي بن أبي طالب ◙ قال فيه: «ذاك امرؤ خلط الله الإيمان بلحمه ودمه وعظمه وشعره وبشره، لا يفارق الحق ساعة، حيث زال زال معه، لا ينبغي للنار أن تأكل منه شيئًا».
إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة للبوصيري، رقم الأثر: (٦٦٨١) ضعفه الألباني.
التاسع: التفكر في معاني أسماء الله الحسنى: … فإنَّ الأسماء الحسنى والصفات العلا تُظهر طريقة معاملة الله للبشر،
ويمكن القول: إنَّ ما يُعرِّفُ الإنسان على ربه كثير، لكن أبرز الطرق التي تُعرّفه عليه أربع: آيات الله القرآنية، وآياته الكونية، وآياته السننية، وأسماؤه الحسنى وصفاته العلا.
سادسا: اقرأ باسم ربك:
تقدم أنَّ الأمر بالقراءة يمكن عده أول فرض فَرَضَهُ الله على الأمة؛ وذلك أخذا من أول مـا نـزل مـن القـرآن قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * أَقْرأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ – ٥].
من فقه المتعبد أن يحرص على القراءة ولو بجرعة قليلة لكنها ثابتة؛
فإن قلت: ماذا أقرأ؟
فالجواب: القراءة هنا تقصد لبناء الإيمان وتحصين الإنسان من الآفات،
وبعد سرد هذه الأعمدة الستة التي جاء اختيارها عقب تأمل طويل أقول:
التهجد هو المكان الذي تلتقي فيه هذه الأعمدة جميعا!؛ ففيه تلاوة القرآن والذكر والصلاة والتفكر والاستعانة بالله، لا سيما تلك المواطأة بين حركة القلب وحركة اللسان كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ الَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطئا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: ٦]. قال مجاهد: «أَشَدُّ وَطَّئا: أي أن تُوَاطئ قلبك وسمعك وبصرك».
إنَّ التهجد هو أعظم عمل تربوي في الشريعة، ويُرجى لمن لزمه ألا يتيه في أودية الفتن، فضلا عما فيه من تربية على الكمالات، وتخفيف من ثقل التكاليف، وتصفية للذهن، وإبعاد عن العلائق والمشتتات، وانسجام مع قاعدة التربية التي تعظ بأن تكون التربية في خفاء وهدوء بعيدًا عن الظهور والضجيج، إلى غير ذلك.
ومعنى ذلك أن التهجد جاء الأمر به قبل أن تُفرض الصلوات الخمس وقبل أن تشرع الشرائع وتحد الحدود؛ وذلك أنَّ الجيل الأول كان يُراد له أن يكون جيل التأسيس، ومن ثم تربى بين يدي الله في جنح الظلام والناس نيام، ثم هو الذي تولى نشر الإسلام في أرجاء الأرض بين الأنام.
روى الترمذي وابن ماجه عَنْ عَبْدِ الله بْنِ سَلَام ◙ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المَدِينَةَ انْجَفَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ وَقِيلَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، قَدِمَ رَسُولُ الله ﷺ، فَجِئْتُ فِي النَّاسِ لِأَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا اسْتَثبَتُّ وَجْهَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ وَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُوا الجنَّةَ بِسَلَامٍ» صححه الألباني.
سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٤٨٥)، سنن ابن ماجه، رقم الحديث: (١٣٣٤).
روى الإمام أحمد في مسنده عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ◙ أنه قال للنبي ﷺ: يَا رَسُولَ الله أَنْبِئنِي عَن أَمْرِ إِذَا أَخَذْتُ بِهِ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ، قَالَ: «أَفْشِ السَّلَامَ وَأَطْعِمِ الطَّعَامَ وَصِلِ الْأَرْحَامَ وَقُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامُ ثُمَّ ادْخُلِ الجنَّةَ بِسَلَامٍ».
صححه شعيب الأرنؤوط. سنن النسائي، رقم الحديث: (١٦٠٩).
روى مسلم عَنْ عَائِشَةَ ▲ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ مِنَ اللَّيْلِ مِنْ وَجَعِ أَوْ غَيْرِهِ صَلَّى مِنَ النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً. [صحیح مسلم، رقم الحديث: (۱۷۷۷).]
وجاءت تسمية وقت استدراكه فيما رواه مسلم أيضًا من حديث عمر بن الخطاب ◙ قال: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ فَقَرَأَهُ فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الظُّهْرِ كُتِبَ لَهُ كَأَنَّها قَرَأَهُ مِنَ اللَّيْلِ». [صحیح مسلم، رقم الحديث: (۱۷۷۹).]
وقال العراقي: هل المراد به صلاة الليل أو قراءة القرآن في صلاة أو غير صلاة؟ يحتمل كلا الأمرين.
نصيحة عامة خلاصتها: أن يكون لك مشروع ضخم يجتمع عليه سعيك وجهدك؛ … بما يجعلك مرتبطاً به بضع سنين، كلما قطعت فيه مرحلة واصلت للتي بعدها.
فإنَّ أعباءه تحمله على تقليل الأوقات الضائعة، بحيث ما أن يضيع. يوم أو بعض يوم إلا وتجده متحرقًا لما فاته من سعيه في المشروع الـذي يـمـضـي فـيـه
نصيحة خاصة وخلاصتها: إذا نزلت بك حالة من التشظي النفسي ولم تستطع أن تخرج مما أنت فيه.. فغادر البيئة التي أنت فيها فورًا، وخذ قرارًا شجاعًا بذلك.
ولك أن تمتع عينيك بما أخرج ابن ماجه في سننه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ◙ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا تَوَطَّنَ رَجُلٌ مُسْلِمُ المَسَاجِدَ لِلصَّلَاةِ وَالذَّكْرِ إِلَّا تَبَشْبَشَ اللَّهُ لَهُ كَمَا يَتَبَشْبَشُ أَهْلُ الْغَائِبِ بِغَائِبِهِمْ إِذَا قَدِمَ عَلَيْهِمْ». صححه الألباني. [سنن ابن ماجه، رقم الحديث: (۸۰۰).]
قال المناوي: قوله: «لِلصَّلَاةِ وَالذَّكْرِ» ومِثْلُها الاعتكاف أيضًا، وقوله: «إِلَّا تَبَشْبَشَ الله لَهُ»؛ أيْ أقبل عليه وتلقاه بِبِره وإكرامه وإنعامه لوقوع صنيعه الموقع الجميل عنده.
التيسير بشرح الجامع الصغير (٦٧٣/٢).
المبحث الثاني: أعمال المُتعبِّد
ليس المقام مقام تقص للأعمال؛ وإنما إلمام بمهماتها مما لا ينبغي الغفلة عنه في رحلة العبد إلى الله تعالى، وما يُذكَرُ يَدلُّ على ما لم يُذكر.
المطلب الأول: هدي النبي ﷺ في التَّعبُّد
من أكثر الكتب التي اعتنت ببيان هديه ﷺ في سائر حياته كتاب «زاد المعاد في هدي خير العباد» لابن القيم، وهناك بحث في نطاق مادة المطلب أفدت منه عنوانه: «هدي النبي ﷺ في التعبد.. دراسة تأصيلية لأحاديث السنة النبوية» للدكتور عبده الكد، وهو منشور على الشبكة.
وعِدَّة المعالم التي تُبْرِزُ هديه ﷺ فيما وقفت عليه وهديـتُ إليه ثلاثة عشر معلمًا كما يلي:
أولا: القصد في العبادة
روى البخاري ومسلم عن أنس بن مَالِكِ ◙ يَقُولُ:
جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ!
قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا.
وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أَفْطِرُ.
وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا.
فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: «أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ اللَّهَ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ لَكِنِّي أَصُومُ وَأَفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي».
وهذا في الحال المعتاد، ويُستثنى منه المواسم الفاضلة؛ فكان النبي يبالغ في الاجتهاد فيها ما لا يجتهد في غيرها،
روى أبو داود والنسائي عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَصُومُ تِسْعًا مِنْ ذِي الحِجَّةِ. صححه الألباني.
أخرج البخاري عَنْ عَائِشَةَ ▲ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ شَدَّ مِئزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ.
صحيح البخاري، رقم الحديث: (٢٠٢٤)، صحیح مسلم، رقم الحديث: (٢٨٤٤) واللفظ للبخاري.
قال النووي: قولها: «وأحيا ليله»؛ أي استغرقه بالسهر في الصلاة وغيرها.
ثانيا: المسارعة إلى العبادة
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَرِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠].
روى البخاري في صحيحه عَنْ الْأَسْوَدِ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ▲ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ؟ قَالَتْ: كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ – تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ – فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ. [صحيح البخاري، رقم الحديث: (٦٧٦).]
وقد بوّب البخاري لهذا الحديث بقوله: بَاب مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَهْلِهِ فَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَخَرَجَ.
ثالثا: الاستعداد للعبادة
كان النبي ﷺ يعتني بأداء العبادة على أكمل الوجوه وأتمها، ولهذا كان يستعد لها بما يشي باستعداده لها استعداد كمال لا مجرد استعداد أداء.
روى البخاري في صحيحه عن عمرو بن عامر عَنْ أَنَسِ ◙ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، قُلْتُ: كَيْفَ كُنتُمْ تَصْنَعُونَ؟ قَالَ: يُجْزِئُ أَحَدَنَا الْوُضُوءُ مَا لَمْ يُحْدِثُ.
صحيح البخاري، رقم الحديث: (٢١٤).
فإذا بكر إلى المسجد وصلَّى السنة القبلية وتلا من القرآن ما تيسر له ودخل في الصلاة… كان هذا أعـون عـلى الخشوع فيها وتدبر الآيات فيها.
وكان يبدأ تهجده من الليل بركعتين خفيفتين ثم يطيل؛
روى مسلمٌ عَنْ عَائِشَةَ ▲ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ لِيُصَلِّيَ افْتَتَحَ صَلَاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ.
وأمر بذلك؛ فقد روى مسلم أيضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ◙ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ فَلْيَفْتَتِحْ صَلاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ».
صحيح مسلم، رقم الحديثين: (١٨٤٢-١٨٤٣).
ومن أمثلة ذلك: ما روى مسلم في صحيحه عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ◙ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ قَالَ: «وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهَ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنْ المُسْلِمِينَ، اللهمَّ أَنْتَ المَلِكُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَنْتَ رَبِّ، وَأَنَا عَبْدُكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِ جَمِيعًا؛ إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ، لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا، لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيْتَهَا إِلَّا أَنْتَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ، أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ، تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ». [صحیح مسلم، رقم الحديث: (١٨٤٨).]
روى الشيخان عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ◙ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
«صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي جَمَاعَةٍ تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَصَلَاتِهِ فِي سُوقِهِ بِضْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً. وَذَلِكَ أَنَّ أَحَدَهُمْ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ أَتَى المَسْجِدَ لَا يَنْهَرُهُ إِلا الصَّلَاةُ لَا يُرِيدُ إِلا الصَّلاةَ فَلَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلا رُفِعَ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ حَتَّى يَدْخُلَ الْمُسْجِدَ.
فَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ كَانَ فِي الصَّلاَةِ مَا كَانَتِ الصَّلاَةُ هِيَ تَحْبِسُهُ، وَالْمَلائِكَةُ يُصَلُّونَ عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي تَجْلِسِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ يَقُولُونَ: اللهمَّ ارْحَمْهُ، اللهمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللهمَّ تُبْ عَلَيْهِ، مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ، مَا لَمْ يُحْدِثُ فِيهِ».
صحيح البخاري، رقم الحديث: (۲۱۱۹، ٤٧٧)، صحیح مسلم، رقم الحديث: (١٥٣٨) واللفظ لمسلم.
فإنَّ إحسان الوضوء والتبكير للمسجد واستشعار المثوبة على كل خطوة والجلوس لانتظار الصلاة واستشعار دعاء الملائكة له بالرحمة والمغفرة والتوبة.. كل ذلك يجعله أكثر إقبالًا وأحسن أداءً وأشد تعظيمًا وتفاعلا، فتقع الصلاة أحسن موقع بـعـون الله وفضله.
وأخذ الصحابة ╚ عن النبي ﷺ هذا الأدب؛ فهذا عدي بن حاتم ◙ يقول: «مَا جَاءَتِ الصَّلَاةُ قَطُّ إِلا وَأَنَا إِلَيْهَا بِالأَشْوَاقِ، وَلاَ جَاءَتْ قَطُّ إِلا وَأَنَا مُسْتَعِدٌ».
مصنف ابن أبي شيبة، رقم الأثر: (٣٦٤٠٦).
رابعا: الاستغفار عقب العبادة الله
روى مسلم في صحيحه عَنْ ثَوْبَانَ ◙ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلاثًا وَقَالَ: «اللهمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلاَمُ تَبَارَكْتَ ذَا الجُلاَلِ وَالإِكْرَامِ».
صحیح مسلم، رقم الحديث: (١٣٦٢).
وتطرق ابن القيم لحكمة ذلك ثم بيّن أنَّ هذه السياسة التربوية تفاعل مع تربية القرآن بذلك فقال: وأرباب العزائم والبصائر أشد ما يكونون استغفارا عقيـب الطاعات لشهودهم تقصيرهم فيها وترك القيام الله بها كما يليق بجلاله وكبريائه وأنه لولا الأمر لما أقدم أحدهم على مثل هذه العبودية ولا رضيها لسيده.
وأمر الله نبيه ﷺ بالاستغفار بعد أداء الرسالة والقيام بما عليـه مـن أعبائها وقضـاء رض الحج و اقتراب أجله، فقال في آخر سورة أنزلت عليه: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر: ١ – ٣].
فهذا استغفار ليس بعد عبادة بعينها؛ وإنما بعد رحلة التعبد بأسرها، ليختم حياته بالتسبيح والتحميد والاستغفار، ويقضي نحبه على ذلك.
خامسًا: رعاية بعض الأوقات والأماكن والأحوال
وهذا في حياته كثير جدا.
ومن رعايته للأوقات: أنه كان ﷺ يتهجد من الليل؛ إذ «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ المَكْتُوبَةِ الصَّلاةُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ» كما أخبر.
وأعظم بواعث الفضل فيه: أنه وقت نزول الرب سبحانه؛ لما روى الشيخان عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ◙ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلْنِي فَأَعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُني فَأَغْفِرَ لَهُ».
صحيح البخاري، رقم الحديث: (١١٤٥)، صحیح مسلم، رقم الحديث: (۱۸۰۸).
روى الترمذي والنسائي عن عَمْرَو بْنِ عَبَسَةَ ◙ يَقُولُ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله هَلْ مِنْ سَاعَةٍ أَقْرَبُ مِنْ الْأُخْرَى أَوْ هَلْ مِنْ سَاعَةٍ يُبْتَغَى ذِكْرُهَا؟
قَالَ: «نَعَمْ؛ إِنَّ أَقْرَبَ مَا يَكُونُ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ الْعَبْدِ جَوْفَ اللَّيْلِ الْآخِرَ، فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَذْكُرُ الله عَزَّ وَجَلَّ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَكُنْ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَحْضُورَةٌ مَشْهُودَةٌ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ». صححه الألباني.
سنن الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٧٩)، سنن النسائي، رقم الحديث: (٥٧١) واللفظ للنسائي.
ومن رعايته للأوقات كذلك باعتبار الأسبوع: ما روى الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ◙ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «تُعْرَضُ الْأَعْمَالُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالخَمِيسِ فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ». صححه الألباني. [سنن الترمذي، رقم الحديث: (٧٤٧).]
روى البخاري ومسلم عَنْ ابْنِ عَبَّاسِ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيْدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ الله ﷺ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ.
صحيح البخاري، رقم الحديث: (٦)، صحیح مسلم، رقم الحديث: (٦١٤٩).
روى مسلم عنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اجْعَلُوا مِنْ صَلَاتِكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا». [صحیح مسلم، رقم الحديث: (١٨٥٦).]
روى النسائي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْرًا مِنْ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ قَالَ: «ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمينَ فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ». صححه الألباني.
سنن النسائي، رقم الحديث: (٢٣٥٦).
وتطرق الحافظ ابن رجب إلى هذا فقال: في قوله: «يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ» دليل على استحباب عمارة أوقات غفلة الناس بالطاعة، وأنَّ ذلك محبوب الله، وفيه إشارة إلى أنَّ بعض ما يشتهر فضله من الأزمان أو الأماكن أو الأشخاص قد يكون غيره أفضل منه إما مطلقًا أو لخصوصيةٍ فيه لا يتفطن لها أكثر الناس، فيشتغلون بالمشهور عنه ويفوتون تحصيل فضيلة ما ليس بمشهور عندهم.
سادسًا: الاستمرار على العبادة
روى مسلم في صحيحه عَنْ عَائِشَةَ ▲ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا عَمِلَ عَمَلاً أثبته. [صحیح مسلم، رقم الحديث: (۱۷۷۸).]
وفي الصحيحين عن مسروق قال: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ▲: أَيُّ الْعَمَلِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: الدَّائِمُ.
صحيح البخاري، رقم الحديث: (۱۱۳۲)، صحیح مسلم، رقم الحديث: (١٧٦٤) واللفظ للبخاري.
وعند مسلم عن عائشة ▲ قالت: قال رسول الله ﷺ: «وَإِنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهُ مَا دُووِمَ عَلَيْهِ وَإِنْ قَلَّ، وَكَانَ آلِ مُحَمَّد ﷺ إِذَا عَمِلُوا عَمَلاً أَثْبَتُوهُ».
صحیح مسلم، رقم الحديث: (١٨٦٣).
سابعا: استدراك الفوائت
روى مسلم في صحيحه عَنْ عَائِشَةَ ▲ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا عَمِلَ عَمَلاً أَثْبَتَهُ، وَكَانَ إِذَا نَامَ مِنَ اللَّيْلِ أَوْ مَرِضَ صَلَّى مِنَ النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً. [صحیح مسلم، رقم الحديث: (۱۷۷۸).]
ولهذا يمكن القول: كما أنَّ قضاء الفرض فرضٌ فإنَّ قضاءَ السُّنَّةِ سُنَّة.
ثامنا: تَقَصُدُ مخالفة الكفار وترك التشبه بهم:
روى الشيخان عنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ؛ أَحْفُوا الشَّوَارِبَ وَأَوْفُوا اللَّحَى».
صحيح البخاري، رقم الحديث: (٥٨٩٢)، صحيح مسلم، رقم الحديث: (٦٢٥) واللفظ له.
على أنه لم يخالف اليهود في ذلك أول مَقدَمِه المدينة؛ تألفًا لقلوبهم، ولأنَّه كان يحب موافقتهم فيما لم يؤمر به، فلما استقرت الشريعة آخرًا على مخالفة أهل الكتاب، وصار هذا أصلا من أصولها عزم على مخالفتهم.
روى أبو داود في سننه عَنْ أَبِي عُمَيْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ عُمُومَةٍ لَهُ مِنَ الْأَنْصَارِ قَالَ: اهْتَمَّ النَّبِيُّ ﷺ لِلصَّلاَةِ كَيْفَ يَجْمَعُ النَّاسَ لهَا؛ فَقِيلَ لَهُ: انْصِبْ رَايَةٌ عِنْدَ حُضُورِ الصَّلَاةِ فَإِذَا رَأَوْهَا آذَنَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَلَمْ يُعْجِبُهُ ذَلِكَ.
قَالَ: فَذُكِرَ لَهُ الْقُنْعُ – يَعْنِي شَبُورَ الْيَهُودِ – فَلَمْ يُعْجِبْهُ ذَلِكَ وَقَالَ: «هُوَ مِنْ أَمْرِ الْيَهُودِ». قَالَ: فَذُكِرَ لَهُ النَّاقُوسُ فَقَالَ: «هُوَ مِنْ أَمْرِ النَّصَارَى».
فَانْصَرَفَ عَبْدُ الله بْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ وَهُوَ مُهْتَمٌّ لِهَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأُرِيَ الْأَذَانَ فِي مَنَامِهِ..، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «يَا بِلالُ قُمْ فَانْظُرْ مَا يَأْمُرُكَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ فَافْعَلْهُ». حسنه الألباني.
سنن أبي داود، رقم الحديث: (٤٩٨).
وأمر بالسحور وقال: «فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ».
صحیح مسلم، رقم الحديث: (٢٦٠٤) عن عمرو بن العاص ◙.
ومن مقاصد مخالفته للكفار: تربية الأمة على تمايزها الثقافي عن غيرها من الأمم؛ … وكلُّ أمة لها دينها وثقافتها ولغتها وتاريخها، ومن ثم سيكون الصراع على هذه الأرضية صراعًا عقديًا فكريًا حضاريًا بالمقام الأول، والتقارب من أي أمةٍ يعني بوابة الدخول في عمليات تذويب وتآكل وانصهار في ثقافة وافدة.
ومن رحمة الله بأمة محمد ﷺ أنَّه كمـل لهـا دينها حتى لا تحتاج حـرفـا واحـدا مـن غيرها كما قال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، أما في أمر الدنيا فالأمم تستفيد من بعضهـا مـن غـيـر تثريب ولا بأس،
تاسعا: العناية الوافرة بالنوافل
وكثرة النوافل ذات منافع وبركات منها الأمور الخمسة الآتية:
١ – إنها شكر عملي يتقرب به العبد لربه الكريم المنان؛
٢ – إنَّها من محبوبات الله:
3 – إنها جوابر للنقص:
٤ – إنها أمارة زيادة إيمان العبد وعظيم حبه لربه:
روى البخاري في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ◙ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «إِنَّ الله قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ». [صحيح البخاري، رقم الحديث: (٦٥٠٢).]
وقد جادت قريحة ابن القيم بسطرٍ واحد جمع فيه بين سياسة الدين في تقصد تكثير النوافل وبين ما يُجازى به العبد من حبّ الله له فقال: «والدين كله استكثار من الطاعات، وأحب خلق الله إليه أعظمُهُم استكثارًا منها». [مدارج السالكين (٢٦٢/١).]
5 – أنَّ النوافل طريق إلى الامتيازات الأخروية: روى مسلم في صحيحه عن ربيعة بن كَعْبِ الأَسْلَمِيِّ قَالَ: كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ فَقَالَ لِي: «سَلْ» فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ. قَالَ: «أَوَغَيْرَ ذَلِكَ»؟ قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ.
قَالَ: «فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ». [صحیح مسلم، رقم الحديث: (۱۱۲۲).]
عاشرا: العناية بتجويد العمل:
روى البخاري في صحيحه عن قتادة ◙ قال: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ عَنْ قِرَاءَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «كَانَ يَمُدُّ مَدًّا». [صحيح البخاري، رقم الحديث: (٥٠٤٥).]
وروى مسلم في صحيحه عَنْ حَفْصَةَ ▲ أَنَّهَا قَالَتْ: «.. وَكَانَ يَقْرَأُ بِالسُّورَةِ فَيُرَتِّلُهَا حَتَّى تَكُونَ أَطْوَلَ مِنْ أَطْوَلَ مِنْهَا». [صحیح مسلم، رقم الحديث: (١٧٤٦).]
والمعنى: أنَّه كان يمد ويرتل في قراءة السورة القصيرة، حتى يكون زمان قراءتها أطول من زمان قراءة سورة أخرى أطول منها إذا قُرِئَت بدون ترتيل.
وكان يقطع قراءته آيةً آية؛ روى أبو داود والترمذي عنْ أُمَّ سَلَمَةَ ▲ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُقَطِّعُ قِرَاءَتَهُ يَقُولُ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ثُمَّ يَقِفُ {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ثُمَّ يَقفُ.. صححه الألباني. سنن أبي داود، رقم الحديث: (٤٠٠٣)، سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٩٢٧) واللفظ للترمذي.
خذ هذا مما تحدثت به عائشة ▲، فقد حدَّث عروة أنها أخبرته أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً كَانَتْ تِلْكَ صَلَاتَهُ تَعْنِي بِاللَّيْلِ، فَيَسْجُدُ السَّجْدَةَ مِنْ ذَلِكَ قَدْرَ مَا يَقْرَأَ أَحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةً قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ. [صحيح البخاري، رقم الحديث: (٩٩٤).]
وفي الصحيحين عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ ▲: كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ؟ فَقَالَتْ: مَا كَانَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا.
صحيح البخاري، رقم الحديث: (۲۰۱۳)، صحیح مسلم، رقم الحديث: (١٧٥٧).
وكان يتفاعل مع الآيات والأركان تفاعلا تاما؛ روى أبو داود والنسائي عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ الأَشْجَعِيٌّ قَالَ: قُمْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَيْلَةً فَقَامَ فَقَرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ لَا يَمُرُّ بِآيَةِ رَحْمَةٍ إِلا وَقَفَ فَسَأَلَ، وَلا يَمُرُّ بِآيَةِ عَذَابٍ إِلا وَقَفَ فَتَعَوَّذَ.
قَالَ: ثُمَّ رَكَعَ بِقَدْرِ قِيَامِهِ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ: «سُبْحَانَ ذِي الْجَبَرُوتِ وَالْمَلَكُوتِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ»، ثُمَّ سَجَدَ بِقَدْرِ قِيَامِهِ، ثُمَّ قَالَ فِي سُجُودِهِ مِثْلَ ذَلِكَ. ثُمَّ قَامَ فَقَرَأَ بِآلِ عِمْرَانَ ثُمَّ قَرَأَ سُوْرَةً سُورَةً. واللفظ لأبي داود.
وفي رواية النسائي: فَلَمَّا رَكَعَ مَكَثَ قَدْرَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ: «سُبْحَانَ ذِي الجبَرُوتِ وَالمُلَكُوتِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ». صححه الألباني.
سنن أبي داود، رقم الحديث: (۸۷۳)، سنن النسائي، رقم الحديث: (١٠٤٨).
حادي عشر: الحرص على جوامع العمل وأفضله
ومن ذلك: ما روى مسلم في صحيحه عن أم المؤمنين جويرية بنت الحارث ▲ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خرجَ مِنْ عِنْدِهَا بُكْرَةً حِيْنَ صَلَّى الصُّبْحَ وَهِيَ فِي مَسْجِدِها، ثُمَّ رَجَعَ بَعدَ أَنْ أَضْحَى وَهِيَ جَالِسَةٌ، فقالَ: «مَا زِلْتِ عَلَى الحَالِ الَّتِي فَارقَتُكِ عَلَيْهَا»؟ قالت: نَعَمْ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ اليَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ، عَدَدَ خَلْقِهِ، وَرِضَا نَفْسِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ، وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ».
صحیح مسلم، رقم الحديث: (۷۰۸۸).
وقوله: «لَوَزَنَتْهُنَّ»؛ أي لرجحت تلك الكلمات على جميع أذكارك وزادت عليهنَّ في الأجر!
وقوله «ورضا نفسه» إيذانٌ ببقاء العدد في ازدياد حتى يصل إلى المقدار الذي يرضى الله به عنك، والله تعالى أعلم بما يرضيه.
وقوله: «وزنة عرشه» يتوقف معه الخيال؛ فلا يعلم مقدار ثقل العرش إلا الله.
ثاني عشر: العناية بالأعمال القلبية
في حادث تحويل القبلة كان يحب أن يصرفه الله إلى الكعبة بدلًا من بيت المقدس، لكنه لم ينطق بذلك تأدبا مع الله تعالى، وكان يقلب نظره في السماء يرجو ذلـك وينتظره، وكشف القرآن هذه الرغبة وذلك في قوله سبحانه: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَهَا فَوَلَ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤].
وسبب رغبته في ذلك: أن بيت المقدس كان قبلة اليهود، فاتخذ اليهود من ذلك مدخلاً للتشكيك في عقيدة المسلمين يقولون: يخالف ديننا ويتبع قبلتنا، وإنَّ اتباعه لقبلتنـا دلـيـل على أنَّ ديننا هو الدين وأن قبلتنا هي القبلة، وأننا نحن الأصل، فأولى به وبمن معه أن يفيئوا إلى ديننا لا أن يدعونا للدخول في الإسلام.
واتخذ كفار قريش نفس القضية مدخلا لتنفير العرب من الدخول في الإسلام يقولون: يدعي أنه على ملة إبراهيم ثم هو يخالف قبلته.
فكان النبي الله يشتهي أن لو عادت القبلة إلى الكعبة لينقطع قول الفريقين، وطمعًا في دخولهما الإسلام بذلك.
وروى الترمذي عن ابْنِ عَبَّاسِ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ ◙: يَا رَسُولَ اللَّهُ قَدْ شِبْتَ قَالَ: «شَيَّبتْنِي هُودٌ وَالْوَاقِعَةُ وَالْمُرْسَلَاتُ وَعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ وَإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ». صححه الألباني. [سنن الترمذي، رقم الحديث: (۳۲۹۷).]
ثالث عشر: العناية بالأعمال العقلية
روى مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: صَلَّيْنَا الْمُغْرِبَ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ ثُمَّ قُلْنَا: لَوْ جَلَسْنَا حَتَّى نُصَلِّيَ مَعَهُ الْعِشَاءَ.
قَالَ: فَجَلَسْنَا فَخَرَجَ عَلَيْنَا فَقَالَ: «مَا زِلْتُمْ هَا هُنَا»؟
قُلْنَا: يَا رَسُولَ الله صَلَّيْنَا مَعَكَ الْمُغْرِبَ ثُمَّ قُلْنَا نَجْلِسُ حَتَّى نُصَلِّيَ مَعَكَ الْعِشَاءَ.
قَالَ: «أَحْسَنْتُمْ» أَوْ «أَصَبْتُمْ».
قَالَ: فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ – وَكَانَ كَثِيرًا مِمَّا يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ – فَقَالَ: «النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لَأَصْحَابِ فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِ مَا يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِ أَمَنَةٌ لأُمَّتِي فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِ أَنَّى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ».
صحیح مسلم، رقم الحديث: (٦٦٢٩).
هو ﷺ أمان لأصحابه فإذا ذهب ظهرت الفتن والحروب وارتداد من ارتد من الأعراب واختلاف القلوب ونحو ذلك، والصحابة أمان للأمة، فإذا ذهبوا ظهرت البدع والحوادث في الدين والفتن فيه وغير ذلك، وهذا كله قد وقع، وهو من معجزاته ﷺ.
المطلب الثاني: الأعمال البدنية
الفرع الأول: الصلاة
أسير في هذا الفرع في مسارين:
المسار الأول: ما يتعلق بذات صلاة الفريضة،
والثاني: أفراد الصلوات
المسار الأول وفيه أربعة بنود:
أولا: وجوب الصلوات الخمس:
روى البخاري ومسلم عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى: خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالْحَجّ وَصَوْمِ رَمَضَانَ».
صحيح البخاري، رقم الحديث: (۸)، صحیح مسلم، رقم الحديث: (١٢٢) واللفظ للبخاري.
وروى أبو داود والنسائي وابن ماجه عن عبادة بن الصامت ◙ أنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ الله عَلَى الْعِبَادِ، مَنْ جَاءَ بِهِنَّ لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ كَانَ لَهُ عِنْدَ الله عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الجُنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ الله عَهْدٌ؛ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الجُنَّةَ». صححه الألباني.
سنن أبي داود، رقم الحديث: (١٤٢٢)، سنن النسائي، رقم الحديث: (٤٦٠)، سنن ابن ماجه، رقم الحديث: (١٤٠١).
ثانيًا: فضيلة شهود صلاة الجماعة:
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «صَلَاةُ الجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الْفَذّ بِسَبْعِ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً».
صحيح البخاري، رقم الحديث: (٦٤٥)، صحیح مسلم، رقم الحديث: (١٥٠٩).
وفي الصحيحين أيضًا من حديث أبي هريرة ◙ قال: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي الجَمَاعَةِ تُضَعَفُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ ضِعْفًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ.. لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلَّا رُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، فَإِذَا صَلَّى لَمْ تَزَلْ المَلائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ: اللهمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، اللهمَّ ارْحَمْهُ، وَلَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلَاةَ».
صحيح البخاري، رقم الحديث: (٦٤٧)، صحيح مسلم، رقم الحديث: (١٥٣٨) واللفظ للبخاري.
وعند مسلم عن أبي هريرة ◙ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: «صَلَاةٌ مَعَ الإِمَامِ أَفْضَلُ مِنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ صَلَاةً يُصَلِّيهَا وَحْدَهُ». [صحیح مسلم، رقم الحديث: (١٥٠٨).]
أما عن اختلاف العدد فأجاب عنه الإمام النووي فقال: الجمع بينهما من أوجه منها: أن يكون أخبر أولًا بالقليل ثم أعلمه الله تعالى بزيادة الفضل فأخبر به.
ومنها: أنه يختلف الفضل باختلاف أحوال المصلين والصلاة فيكون لبعضهم خمس وعشرون ولبعضهم سبع وعشرون؛ وذلك بحسب كمال الصلاة ومحافظته على هيآتها وخشوعها وكثرة جماعتها وفضلهم وشرف البقعة ونحو ذلك.
ثالثًا: التحذير من التهاون في صلاة الجماعة:
روى البخاري ومسلمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرة ◙ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبِ يُحْتَطَبُ ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَيُؤَذِّنَ لهَا ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ النَّاسَ ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ».
صحيح البخاري، رقم الحديث: (٧٢٢٤)، صحیح مسلم، رقم الحديث: (١٥١٣) واللفظ للبخاري.
وروى مسلمٌ عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى الله غَدًا مُسْلِمًا فَلْيُحَافِظُ عَلَى هَؤُلاَءِ الصَّلَوَاتِ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ، فَإِنَّ الله شَرَعَ لِنَبِيِّكُمْ ﷺ سُنَنَ الهُدَى، وَإِنَّهُنَّ مِنْ سُنَنِ الهُدَى، وَلَوْ أَنَّكُمْ صَلَّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ كَمَا يُصَلِّي هَذَا المُتَخَلِّفُ فِي بَيْتِهِ لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ، وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَضَلَلْتُمْ.
وَمَا مِنْ رَجُلٍ يَتَطَهَّرُ فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ ثُمَّ يَعْمِدُ إِلَى مَسْجِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ إِلَّا كَتَبَ الله لَهُ بِكُلِّ خَطْوَةٍ يَخْطُوهَا حَسَنَةٌ، وَيَرْفَعُهُ بِهَا دَرَجَةً، وَيَحُطُّ عَنْهُ بِهَا سَيِّئَةٌ، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفّ». [صحیح مسلم، رقم الحديث: (١٥٢٠).]
والذي يضغط على المشاعر حتى إنَّ الإنسانَ ذا القلب اليقظ ليكاد يتصاغر في نفسه من الحياء أنَّ الله تعالى أمر بصلاة الجماعة في لحظة المواجهة العسكرية والالتحام مع الكفار،
قضية التعبد قضية توفيق وحرمان لا قضية معرفة وبيان.
والكلام يتشدد في حقّ من اعتاد ترك صلاة الجماعة أو كان هذا هو الغالب من أمره، بل طال الوعيد من يشهد الجماعة لكنه يعتاد التأخر عن الصف الأول؛ روى أبو داود عَنْ عَائِشَةَ ▲، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «لاَ يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَرُونَ عَنِ الصَّفُّ الْأَوَّلِ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ الله فِي النَّارِ». صححه الألباني. [سنن أبي داود، رقم الحديث: (٦٧٩).]
رابعًا: فضيلة التبكير لصلاة الجماعة
روى الشيخان أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «وَلَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلَاةَ».
صحيح البخاري، رقم الحديث: (٦٤٧)، صحیح مسلم، رقم الحديث: (١٥٣٨).
وروى مسلم عن أبي هريرة ◙ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «أَلَا أَدُلُّكُم عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهِ بِهِ الخُطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ»؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ».
صحیح مسلم، رقم الحديث: (٦١٠).
روى الإمام أحمد في مسنده عن أبي هريرة ◙ أن رسول الله ﷺ قال: «مُنتَظِرُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ كَفَارِسِ اشْتَدَّ بِهِ فَرَسُهُ فِي سَبِيلِ الله عَلَى كَشْحِهِ، تُصَلِّي عَلَيْهِ مَلَائِكَةُ الله مَا لَمْ يُحْدِثُ أَوْ يَقُوم، وَهُوَ فِي الرِّبَاطِ الْأَكْبَرِ». حسنه الألباني. [مسند أحمد، رقم الحديث: (٨٦٢٥).]
والحاصل: أنَّ ملازمة المساجد مُشَبَّهَةٌ بملازمة الثغور، ولن تضيع أمة يلزم أبناؤها الثغور والمساجد.
أخرج ابن ماجه من حديث عبد الله بن عمرو قال: صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْمَغْرِبَ، فَرَجَعَ مَنْ رَجَعَ، وَعَقَّبَ مَنْ عَقَّبَ، فَجَاءَ رَسُولُ الله ﷺ مُسْرِعًا قَدْ حَفَزَهُ النَّفَسُ قَدْ حَسَرَ عَنْ رُكْبَتَيْهِ قَالَ: «أَبْشِرُوا؛ هَذَا رَبُّكُمْ قَدْ فَتَحَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ السَّمَاءِ يُبَاهِي بِكُمْ المَلَائِكَةَ يَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي قَدْ قَضَوْا فَرِيضَةً وَهُمْ يَنْتَظِرُونَ أُخْرَى». صححه الألباني.
سنن ابن ماجه، رقم الحديث: (۸۰۱).
التعقيب في الصلاة هو الجلوس بعد أن يقضيها لدعاء أو غيره، وقال السيوطي: التعقيب في المساجد: انتظار الصلاة بعد الصلاة. انظر: حاشية السندي على ابن ماجه (۲۰۲/۲).
المسار الثاني: أفراد الصلوات
وفيه خمس صلوات كما يلي:
أولًا: السنن الرواتب:
روى الترمذي والنسائي وابن ماجه عَنْ عَائِشَةَ ▲ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ ثَابَرَ عَلَى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً بَنَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ؛ أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمُغْرِبِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ». صححه الألباني.
سنن الترمذي، رقم الحديث: (٤١٤ )، سنن النسائي، رقم الحديث: (١٧٩٤)، سنن ابن ماجه، رقم الحديث: (١١٤٠).
ومما جاء في فضل بعض أفراد السنن الرواتب: ما روى مسلمٌ عَنْ عَائِشَةَ ▲ عن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا». [صحیح مسلم، رقم الحديث: (۱۷۲۱).]
وما روى أبو داود عن أم حبيبة زوج النبي ﷺ أنها قالت: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ وَأَرْبَعِ بَعْدَهَا حَرُمَ عَلَى النَّارِ». صححه الألباني.
سنن أبي داود، رقم الحديث: (۱۲۷۱).
هل تعقل ما تقرأ!
من أعظم القرارات التي يمكن أن تأخذها في حياتك الإيمانية أن تقوم إلى الوضوء والذهاب إلى المسجد متى سمعت الأذان فورًا، فلا تنتهي تكبيرة فاتحة الأذان إلا وأنت مترجل تمشي للوضوء أو للمسجد.
إنَّ التكلفة الزمنية لهذه العزائم دقائق، لكنَّ الاهتداء إليها من الهدايات الدقائق، التي قل من يُوَفَّقُ إليها.
ولك في رسول الله ﷺ أسوة حسنة؛ فحين سُئِلَت أم المؤمنين عائشة ▲: مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ؟ قَالَتْ: كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ – تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ – فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ.
صحيح البخاري، رقم الحديث: (٦٧٦).
هذه إفادة من أهل بيته له فما إفادة أهل بيتك عنك لو تكلموا عنك؟!
ثانيًا: قيام الليل:
أتحدث هنا عن كيفية قيام الليل على الوجه الأكمل، وذلك بحسب الخطوات الست الآتية:
۱) إذا سمعت صوت المنبه فقم فورًا من فراشك ولا تُسوّف لحظة واحدة؛ … واجتهد أن تنام مبكرًا ما استطعت؛ … روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عَمْرٍو رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى الله صِيَامُ دَاوُدَ؛ كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَأَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّه صَلَاةُ دَاوُدَ؛ كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ».
صحيح البخاري، رقم الحديث: (٣٤٢٠)، صحيح مسلم، رقم الحديث: (٢٧٩٦) واللفظ للبخاري.
۲) ذكر الله عند الانتباه: وذلك بما ورد عند البخاري في صحيحه من حديث عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ◙ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَعَارَّ مِنْ اللَّيْلِ فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرُ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا الله وَالله أَكْبَرُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، ثُمَّ قَالَ: اللهمَّ اغْفِرْ لِي، أَوْ دَعَا.. اسْتُجِيبَ لَهُ، فَإِنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى قُبِلَتْ صَلَاتُهُ». [صحيح البخاري، رقم الحديث: (١١٥٤).]
3) مسح الوجه: الحديث الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما لما بـات عـنـد خـالـتـه ميمونة، وفيه: «حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ اللَّيْلُ أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلِ أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلِ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَجَلَسَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدِهِ».
صحيح البخاري، رقم الحدیث: (۱۸۳)، صحیح مسلم، رقم الحديث: (١٨٢٥).
٤) قراءة خواتيم آل عمران ثم الوضوء والاستياك والصلاة: ففي الصحيحين أيضًا عن ابْنِ عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: بِتُ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةً فَتَحَدَّثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَ أَهْلِهِ سَاعَةً ثُمَّ رَقَدَ، فَلَمَّا كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ قَعَدَ، فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتِ لِأُولِي الأَلْبَابِ}، ثُمَّ قَامَ فَتَوَضَّأَ وَاسْتَنَّ فَصَلَّى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً.
صحيح البخاري، رقم الحديث: (٤٥٦٩)، صحیح مسلم، رقم الحديث: (٦١٩).
5) افتتاح القيام بركعتين خفيفتين
٦) البدء في صلاة التهجد
قال أبو سليمان الداراني: «إذَا لَذَّتْ لَكَ الْقِرَاءَةُ فَلَا تَرْكَعْ وَلَا تَسْجُدْ، وَإِذَا لَذَّ لَكَ الرُّكُوعُ فَلَا تَقْرَأْ وَلَا تَسْجُدْ، وَإِذَا لَذَّ لَكَ السُّجُودُ فَلَا تَقْرَأْ وَلَا تَرْكَعْ». [المدخل للعبدري (٣٠١/٣).]
ومــن زيـادة الفضل أن يعتني بما يبلغه أجر قيام ليلةٍ … ومن هذه الأعمال ما يلي:
۱) صلاة العشاء والفجر في جماعة: أخرج مُسْلِمٌ في صحيحه من حديث عثمان بن عفان ◙ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا صَلَّى اللَّيْلَ كُلَّهُ».
صحیح مسلم، رقم الحديث: (١٥٢٣).
۲) إتمام صلاة التراويح مع الإمام بما في ذلك صلاة الوتر:
۳) قراءة خواتيم البقرة: فقد أخرج الشيخان عن أبي مسعود البدري ◙ قال: قال رسول الله ﷺ: «الْآيَتَانِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ مَنْ قَرَأَهُمَا فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ».
روى الدارمي في سننه أن عليا ◙ قال: مَا كُنْتُ أَرَى أَنَّ أَحَدًا يَعْقِلُ يَنَامُ حَتَّى يَقْرَأَ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَإِنَّهُنَّ مِنْ كَنْزِ تَحْتَ الْعَرْشِ. [سنن الدارمي، رقم الأثر: (٣٤٢٧).]
٤) قراءة خواتيم آل عمران:
5) القيام بمائة آية: فقد أخرج أحمد في مسنده عن تميم الدَّارِيِّ ◙ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «مَنْ قَرَأَ بِمِائَةِ آيَةٍ فِي لَيْلَةٍ كُتِبَ لَهُ قُنُوتُ لَيْلَةٍ». صححه الألباني وحسنه شعيب الأرنؤوط بشواهده. [مسند أحمد، رقم الحديث: (١٦٩٩٩).]
6) نية القيام: لما روى النسائي وابن ماجه عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ◙ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَتَى فِرَاشَهُ وَهُوَ يَنْوِي أَنْ يَقُومَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ حَتَّى أَصْبَحَ كُتِبَ لَهُ مَا نَوَى وَكَانَ نَوْمُهُ صَدَقَةٌ عَلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ». صححه الألباني.
سنن النسائي، رقم الحديث: (١٧٨٦)، سنن ابن ماجه، رقم الحديث: (١٣٤٤) واللفظ للنسائي.
ثالثًا: صلاة التراويح:
فإنَّها مبنية على الطول، ووردت مثنى مثنى، ولهذا ذهب الشافعية إلى أنه لـو صـلى أربعًا بتسليمةٍ واحدةٍ لم يصح؛ لأنَّه خلافُ المشروع، ولأنها لما شُرِعَت جماعةً أشبهت الفرائض فلا تُغيَّر عما وردت.
ومن ثم اتفقوا على أنّها المراد من قوله ﷺ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». صحيح البخاري، رقم الحدیث: (۳۷)، صحیح مسلم، رقم الحديث: (١٨١٥).
وقوله: «إيمانًا»؛ أي تصديقا بوعد الله بالثواب عليه والاعتقاد بأنه حق وفرض وطاعة.
وقوله: «احتسابًا»؛ أي إخلاصا الله وطلبًا للأجر لا لقصد آخـر مـن ريـاء أو غيره مما يخالف الإخلاص.
والحق أنَّ أعدل الآراء أن تُصلَّى عشرون ركعة؛ … ولأنَّ الزيادة إلى العشرين من فعل الخلفاء والصحابة ╚ المأمور بالأخذ بسنتهم،
فالإطالة بعشرين ركعة أرفق بالناس من الإطالة بثمان كما لا يخفى، ومن القصور أن نأخذ السنة في أصلها ونهملها في وصفها، أعني بذلك: أنَّ من صلى بثمانٍ وطواها في ساعة أو أقل لا أحسب أنَّه اتبع السنة؛
وتطرق شيخ الإسلام ابن تيمية لهذه المسألة فقال: … والصواب أنَّ ذلك جميعه حسن كما نص على ذلك الإمام أحمد، وأنه لا يتوقَّت رضي عنه في قيام رمضان عدد؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ لم يُوقت فيها عددًا، وحينئذ فيكون تكثير الركعات وتقليلها بحسب طول القيام وقصره.
وأنبه أخيرًا إلى أنَّ بعض من يستثقل طول الصلاة أو كثرة عددهـا مـرد أمره إلى أنـه يكثر من الطعام على الإفطار ثم يأتي التراويح ثقيلا لا يكاد يـعـي مـا يـتـلـى ومـن ثـم يقول للإمام: من أم منكم فليخفف، فهذا نقول له: مبنى صلاة التراويح على الإطالة، ولكن من أفطر منكم فليخفف.
ومن اعتنى بدينه ضَحَى بشيء من دنياه، فلا يجتمع بـطـن وعقل، فالعقل يحمـل بالإكثار من الطعام وينشط بالإقلال منه، وقديما قالت العرب: البطنة تذهب الفطنة، فرحم الله عبدا تنازل عن رغبته وشهوته لصالح إيمانه وتربيته.
رابعا: صلاة الضحى
روى مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي ذَرِّ ◙ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَي مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهَى عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضَّحَى». [صحیح مسلم، رقم الحديث: (١٧٠٤).]
وصلاة الضحى كانت من جملة وصايا النبي ﷺ لأصحابه: روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ◙ قال: «أَوْصَانِي خَلِيلِي ﷺ بِثَلَاثٍ: صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَيْ الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ».
صحيح البخاري، رقم الحديث: (۱۹۸۱)، صحیح مسلم، رقم الحديث: (١٧٠٥) واللفظ للبخاري.
وروى مسلم عن أبي الدرداء ◙ قال: «أَوْصَانِي حَبِيبِي ﷺ بِثَلَاثٍ لَنْ أَدَعَهُنَّ مَا عِشْتُ: بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَصَلَاةِ الضُّحَى، وَبِأَنْ لَا أَنَامَ حَتَّى أُوتِرَ».
صحیح مسلم، رقم الحديث: (۱۷۰۸).
وصلاةُ الضُّحَى أقلها ركعتان … وأكملها ثماني ركعات … وأوسطها أربع؛ روى مسلم في صحيحه أن معاذة ▲ سألت عائشة ▲: كَمْ كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُصَلِّي صَلاَةَ الضُّحَى؟ قَالَتْ: أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَيَزِيدُ مَا شَاءَ.
وقال النووي: حاصل ما في الأحاديث أنَّ الضحى سُنَّةٌ مؤكدة، وأنَّ أقلها ركعتان، وأكملها ثمان، وبينهما أربع أو ست كلاهما أكمل من ركعتين ودون ثمان.
أما وقتها: فمن ارتفاع الشمس قدر رمح عقب الشروق إلى الزوال، فتُصلى لما قبيل الظهر بعشر دقائق.
ويندب تأخيرها إلى وقت شدة الحر؛ روى مسلم عَنِ الْقَاسِمِ الشَّيْبَانِيِّ أَنَّ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَأَى قَوْمًا يُصَلُّونَ مِنَ الضُّحَى فَقَالَ: أَمَا لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ الصَّلَاةَ فِي غَيْرِ هَذِهِ السَّاعَةِ أَفْضَلُ؛ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «صَلاَةُ الأَوَّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ الْفِصَالُ». [صحیح مسلم، رقم الحديث: (۱۷۸۰).]
ولعل من حكمة ذلك: ألا يخلو كل ربع من النهار عن عبادة؛ ففي الربع الأول صلاة الصبح وفي الثاني صلاة الضحى، وفي الثالث صلاة الظهر وفي الرابع صلاة العصر.
ولعل من الحكمة أيضًا أنَّ هذا الوقت وقت غفلة؛ فالناس يكونون مشتغلين فيه عادةً بمعاشهم ومصالحهم الدنيوية،
خامسًا: النفل المطلق
ما جاء عند الطبراني في معجمه الأوسط من حديث أبي هريرة ◙ قال: قال رسول الله ﷺ: «الصَّلاة خير موضوع، فمن استطاع أن يستكثر فليستكثر». حسنه الألباني.
المعجم الأوسط، رقم الحديث: (٢٤٣).
روى البخاري في الصحيح عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيّ ◙ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ أَوْ يَمَسُّ مِنْ طِيبٍ بَيْتِهِ ثُمَّ يَخْرُجُ فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ ثُمَّ يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الْإِمَامُ.. إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى». [صحيح البخاري، رقم الحديث: (۸۸۳).]
الفرع الثاني: الصيام والاعتكاف
وأعرض مادته في البنود الأربعة الآتية:
أولًا: فضيلة الصيام:
روى الشيخان عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ◙ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «قَالَ اللهُ: كُلُّ عَمَل ابن آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ؛ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالصَّيَامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمٍ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُتْ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنَّ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ خُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ الله مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ».
صحيح البخاري، رقم الحديث: (١٩٠٤)، صحیح مسلم، رقم الحديث: (٢٧٦٢).
وفي لفظ عند مسلم: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ قَالَ الله عَزَّ وَجَلَّ: إِلا الصَّوْمَ؛ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي».
صحیح مسلم، رقم الحديث: (٢٧٦٣).
وروى الشيخان عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ ◙ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ عَبْدِ يَصُومُ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا بَاعَدَ اللَّهُ بِذَلِكَ الْيَوْمِ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا».
صحيح البخاري، رقم الحديث: (٢٨٤٠)، صحيح مسلم، رقم الحديث: (٢٧٦٧) واللفظ لمسلم.
ثانيًا: صيام الأيام الفاضلة
ومن ذلك الأنواع السبعة الآتية:
۱ – صيام الست من شوال:
روى مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِي ◙ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتَّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ»؛ أي السنة.
صحیح مسلم، رقم الحديث: (٢٨١٥).
والأفضل صومها متصلة بيوم العيد على التتابع،
۳، ۲- صيام التسع من ذي الحجة وثلاثة أيام من كل شهر:
روى أبو داود والنسائي عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَصُومُ تِسْعًا مِنْ ذِي الحِجَّةِ وَيَوْمَ عَاشُورَاءَ وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ أَوَّلَ اثْنَيْنِ مِنْ الشَّهْرِ وَخَمِيسَيْنِ. صححه الألباني.
سنن أبي داود، رقم الحديث: (٢٤٣٩)، سنن النسائي، رقم الحديث: (٢٤١٦) واللفظ للنسائي.
٤،٥ – صيام يوم عرفة ويوم عاشوراء:
روى مسلم في صحيحه أن النبي ﷺ قال: «صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ، وَصِيَامُ يَوْمٍ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهُ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ قَبْلَهُ».
صحیح مسلم، رقم الحديث: (۲۸۰۳).
٦ – صيام الأيام البيض:
روى أبو داود عَنِ ابْنِ مِلْحَانَ الْقَيْسِيُّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنَا أَنْ نَصُومَ الْبِيضَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ، قال وقال: «هُنَّ كَهَيْئَةِ الدَّهْرِ». صححه الألباني.
سنن أبي داود، رقم الحديث: (٢٤٥١)، وروي عند ابن ماجه من رواية المنهال، وذلك في حدیث رقم: (۱۷۰۷).
7- صوم الإثنين والخميس:
روى أصحابُ السُّنَنِ إلَّا أبا داود عَنْ عَائِشَةَ ▲ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَحَرَّى صَوْمَ الاثْنَيْنِ وَالخُمِيسِ. صححه الألباني.
سنن الترمذي، رقم الحديث: (٧٤٥)، سنن النسائي، رقم الحديث: (٢٣٥٩)، سنن ابن ماجه، رقم الحديث: (۱۷۳۹).
ثالثًا: صيام مطلق التطوع
روى الشيخان عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ◙ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «إِنَّ فِي الجُنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يَدْخُلُ مَعَهُمْ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَدْخُلُونَ مِنْهُ، فَإِذَا دَخَلَ آخِرُهُمْ أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ».
صحيح البخاري، رقم الحديث: (١٨٩٦)، صحيح مسلم، رقم الحديث: (٢٧٦٦) واللفظ له.
واعلم أنَّ صيامَ النَّافلة لا يُشترط فيه تبييتُ النِّيَّةِ من الليل،
ودليل ذلك: ما روى مسلم عن طلحة بن يحيى بن عبد الله عن عائشة بنت طلحة عن عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ▲ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ الله ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ: «يَا عَائِشَةُ هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ»؟ قَالَتْ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهُ مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ. قَالَ: «فَإِنِّي صَائِمٌ».
صحیح مسلم، رقم الحديث: (۲۷۷۰).
رابعًا: اعتكاف العشر الأواخر من رمضان:
هذا العملُ يَسَّرَ الله لي العناية العلمية به فكتبت فيه كتابًا بعنوان: «دليل المعتكف»، … أدركت أنه أحد أبرز المصانع التربوية في الشريعة لمن قام به على وجهه الوارد عن النبي ﷺ.
يُصنع في هذا المصنع قلب عابد طاهر من خبث الشبهات ونجس الشهوات،
ومن الخلاصات التي خلصت إليها: أنَّ أحوج الناس للاعتكاف هـم العلماء والقادة فضلًا عمَّن يشاركهم في مهمة التربية والإصلاح والخير من مثل طلبة العلم والدعاة والمربين والمحفظين والمجاهدين وأضرابهم.
ولو كان الأمر بيدي لجعلت الاعتكاف لازما لكلّ ذي ولاية، ومن حجزته العوائق من كل وجه فإنه يقضيه.
ومن الأمور التي تشد الانتباه أنَّ النبي ﷺ لم يترك الاعتكاف حتى فارق الدنيا؛ روى البخاري ومسلم عن عَائِشَةَ ▲ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ الله.
صحيح البخاري، رقم الحديث: (٢٠٢٦)، صحیح مسلم، رقم الحديث: (٢٨٤١).
ومن أجل مقاصد الاعتكاف: إدراك ليلة القدر التي تتفوق في الفضل على ألف شهر،
روى الشيخان عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ◙ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوَّلَ مِنْ رَمَضَانَ، ثُمَّ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ فِي قُبَّةٍ تُرْكِيَّةِ عَلَى سُدَّتِهَا حَصِيرٌ، -قَالَ- فَأَخَذَ الْحَصِيرَ بِيَدِهِ فَنَجَّاهَا فِي نَاحِيَةِ الْقُبَّةِ، ثُمَّ أَطْلَعَ رَأْسَهُ، فَكَلَّمَ النَّاسَ فَدَنَوْا مِنْهُ، فَقَالَ: «إِنِّي اعْتَكَفْتُ الْعَشْرَ الْأَوَّلَ أَلْتَمِسُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ اعْتَكَفْتُ الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ، ثُمَّ أُتِيتُ فَقِيلَ لي: إِنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَعْتَكِفَ فَلْيَعْتَكِفْ»، فَاعْتَكَفَ النَّاسُ مَعَهُ.
صحيح البخاري، رقم الحديث: ((۲۰۲۷) صحيح مسلم، رقم الحديث: (۲۸۲۸۲) واللفظ له.
ثمة مقاصد أخرى كثيرة منها: إصلاح القلب وتربيته، وتحريك العقل وتنقيته، وتزكية النفس وتهذيبها وتعلم العبادة وتجويدها، وتعلم الخلوة وعكوف القلب على الله، وتعلم الإخلاص واختباره وغير ذلك،
ولو كنتَ موظفا ولم يمكنك الاعتكاف إلا بأخذ إجازة بلا راتب فليس بمُبَالَغ أن تفعل ذلك لتدرك الاعتكاف في وقته، وتؤديه على وجهه.
ومن لم يستطع أن يعتكف كليًّا فليعتكف جزئيا،
روى ابن ماجه في سننه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ◙ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا تَوَطَّنَ رَجُلٌ مُسْلِمُ المَسَاجِدَ لِلصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ إِلَّا تَبَشْبَشَ الله لَهُ كَمَا يَتَبَشْبَشُ أَهْلُ الْغَائِبِ بِغَائِبِهِمْ إِذَا قَدِمَ عَلَيْهِمْ». صححه الألباني. [سنن ابن ماجه، رقم الحديث: (۸۰۰).]
وقوله: «إِلَّا تَبَشْبَشَ الله لَهُ»؛ أي أقبل عليه وتلقاه بِبِره وإكرامه وإنعامه لوقوع صنيعه الموقع الجميل عنده.
الفرع الثالث: الزكاة والصدقات
والزكاة بلغت في الرتبة أنها من أركان الإسلام والقرآن في عشرات المواضع يقرن الأمر بالزكاة بالأمر بالصَّلاة، والصلاة من إحسان العلاقة مع الرب، والزكاة والصدقات من إحسان العلاقة مع العبد.
وأعرض مادة هذا الفرع في أربعة بنود:
أولا: الزكاة:
الزكاة واجبة من غير خلاف، وقد جاء الحديث عن فرضيتها ومصارفها في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُم ووَفِي الرِّقَابِ وَالْغَرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمُ﴾ [التوبة: ٦٠].
رواه ابن ماجه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أقبل علينا رسول الله ﷺ فقال: «يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ، وعدَّ منها: «وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنْ السَّمَاءِ وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا». حسنه الألباني.
سنن ابن ماجه، رقم الحديث: (٤٠١٩).
وحيث حـل وقـتُ إخراج الزكاة لم يكن له أن يتأخر في أدائها، فيجب أن يدفعها فورا إذا تمكن من الأداء بحضور المال ووجود الآخذ للزكاة؛
ثانيًا: الصدقة:
من سياسة المؤمن لنفسه أنه يربيها على الشكر، وعلى أن المال يكون في يده لا في قلبه، وعلى أنه يتوسل به لحيازة الدرجات العلا في الجنة، وعلى أن يُسعد به أهله وإخوانه وذوي الحاجة ما استطاع إلى ذلك سبيلا.
وهذا ييسر له كثرة الإنفاق، وهي تربية القرآن في سبيل تحصيل مقــام الــبر؛ قال سبحانه: {لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائكَةِ وَالْكِتَب وَالنَّبِينَ وَءَاتى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّابِلِينَ} [البقرة: ١٧٧].
قال ابن مسعود ◙ في قوله: {وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ}: أي: يؤتيه وهو صحيح شحيح، يأمل العيش ويخشى الفقر.
وفي الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ◙ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «قَالَ الله عَزَّ وَجَلَّ: أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ، وَقَالَ: «يَدُ اللهِ مَلْأَى لَا تَغِيضُهَا نَفَقَةٌ سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضُ مَا فِي يَدِهِ».
صحيح البخاري، رقم الحديث: (٤٦٨٤)، صحيح مسلم، رقم الحديث: (٢٣٥٦) واللفظ للبخاري.
قوله: «لَا تَغِيضُهَا نَفَقَةٌ»؛ أي لا تنقصها، ومن هنا قال أبو سعيد الخدري: «إذا سَأَلْتُمَ الله تعالى فَارْفَعُوا فِي المُسْأَلَة؛ فَإِنَّ مَا عِنْدَ الله لَسْتُمْ مُنْفِدِيهِ».
وقوله: «سحاء»؛ أي دائمة السح؛ أي الصب والسيلان، فيـد الله تعالى دائمة العطاء، وإذا منع فإنما هو لحكمة.
وبشر النبي ﷺ المتصدق بأنَّ ماله لا ينقص بالصدقة؛ روى الإمام أحمـد عـن عبـد الرحمن بن عوف ◙ قال: إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «ثَلَاثٌ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنْ كُنْتُ خَالِفًا عَلَيْهِنَّ: لَا يَنْقُصُ مَالٌ مِنْ صَدَقَةٍ فَتَصَدَّقُوا وَلَا يَعْفُو عَبْدٌ عَنْ مَظْلَمَةٍ يَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ الله إِلَّا رَفَعَهُ الله بِهَا، وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ إِلَّا زَادَهُ اللَّهُ بِهَا عِزَّا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَفْتَحُ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلَّا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ». حسنه شعيب الأرنؤوط وصححه الألباني.
فالصدقة تزيد المال ولا تنقصه، وقد أفردت فصلا للكلام عن ذلك في كتاب: «سراج الغرباء إلى منازل السعداء» تحت عنوان: «استمطار الأرزاق بالتصدق والإنفاق» فانظر إليه إن شئت، وهو منشور على الشبكة.
وخلصت فيه إلى النصيحة التي جادت بها أم المؤمنين عائشة ▲ بقولها: «إذا افتقرتم فتصدقوا».
والأهم من كل ذلك أنَّ الصَّدَقَةَ ترفع صاحبها يوم القيامة، وتُبقي مالـه لـه؛ روى الترمذي عَنْ عَائِشَةَ ▲ أَنَّهُمْ ذَبَحُوا شَاةً فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَا بَقِيَ مِنْهَا؟» قَالَتْ: مَا بَقِيَ مِنْهَا إِلَّا كَتِفُهَا، قَالَ: «بَقِيَ كُلُّهَا غَيْرَ كَتِفِهَا». صححه الألباني. [سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٤٧٠).]
فالصدقة بعين البصر قد ذهبت لكنها بعين القلب قد بقيت، وعلى هذا؛ فإذا كنت تُصْلِحُ بصدقتك دنيا غيرك فإن من يقبلها منك يُصلح لك دينك، فلا يبعد أن يقال: إنَّ الغني أحوج إلى الفقير من حاجة الفقير إلى الغني.
وكلما وقعت الصدقة موقعها من الحاجة عَظُمَ أجْرُها وزاد فضلها.
ويشهد لذلك ما روى الترمذي والنسائي أن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَلَيْسَ بِهَا مَاءً يُسْتَعْذَبُ غَيْرَ بِثْرِ رُومَةَ فَقَالَ: «مَنْ يَشْتَرِي بِشْرَ رُومَةَ فَيَجْعَلُ فِيهَا دَلْوَهُ مَعَ دِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ بِخَيْرٍ لَهُ مِنْهَا فِي الجَنَّةِ»، فاشتراها عثمان بن عفان ◙ من صلب ماله. صححه الألباني.
سنن الترمذي، رقم الحديث: (۳۷۰۳)، سنن النسائي، رقم الحديث: (٣٦٠١).
ولكـن مـن منفعة البئر ألا يتحكم بأساسيات حياتنا أحـد مـن النـاس، حتى لو كان مسلما، ولهذا اشترط في المتصدق ألا يكون مالكًا للبئر؛ بل يجعل دلوه مع دلاء المسلمين،
وجاء عند الترمذي أنَّ عثمان بن عفان الله جاء إلى النبي يوم تبوك بألف دينار يشارك بها في تجهيز جيش العسرة، قال عبد الرحمن بن سمرة ◙ راوي الحديث: فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُقَلِّبُهَا فِي حِجْرِهِ وَيَقُولُ: «مَا ضَرَّ عُثْمانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ» مَرَّتَيْنِ! حسنه الألباني.
سنن الترمذي، رقم الحديث: (۳۷۰۱).
والمعنى: لم يضر عثمان ما يعمل من الذنوب بعد هذه الصدقة؛ فإنَّها مغفورةٌ مُكفّرة.
ثالثًا: التعفف
روى الحاكم عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ◙ قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «يَا مُحَمَّدُ، عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، وَأَحْبِبْ مَنْ أَحْبَبْتَ فَإِنَّكَ مَفَارِقُهُ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَجْزِي بِهِ»، ثُمَّ قَالَ: «يَا مُحَمَّدُ شَرَفُ المُؤْمِن قِيَامُ اللَّيْلِ، وَعِزُّهُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنِ النَّاسِ». حسنه الألباني.
المستدرك على الصحيحين، رقم الحديث: (۸۰۳۸).
ووصى النبي ﷺ ابن عمه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما على هذا المعنى الكبير وهـو غـلام ﷺ صغير فقال له: «يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظْ الله يَحْفَظْكَ، احْفَظُ اللَّهُ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلُ الله، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِالله..» صححه الألباني.
سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٥١٦).
روى أصحاب السنن إلا الترمذي عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ أنه قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ تَكَفَّلَ لي أَنْ لاَ يَسْأَلُ النَّاسَ شَيْئًا وَأَتَكَفَّلَ لَهُ بِالجُنَّةِ؟» فَقَالَ ثَوْبَانُ: أَنَا. فَكَانَ لَا يَسْأَلُ أَحَدًا شَيْئًا. صححه الألباني.
سنن أبي داود، رقم الحديث: (١٦٤٥)، سنن النسائي، رقم الحديث: (٢٥٨٩)، سنن ابن ماجه، رقم الحديث: (۱۸۳۷) واللفظ لأبي داود.
وفي رواية ابن ماجه: «فَكَانَ ثَوْبَانُ يَقَعُ سَوْطُهُ وَهُوَ رَاكِبٌ فَلَا يَقُولُ لِأَحَدٍ نَاوِلْنِيهِ حَتَّى يَنْزِلَ فَيَأْخُذَهُ».
من يتقبل الحظوظ الدنيوية من أهل العلم والدعوة ومن قاربهم فإنه يكون مستفيدًا للدنيا من بوابة الدين بعد الوجاهة التي حصلت له بسببه.
والاسترزاق الدنيوي من المدخل الديني من أقبح الأرزاق التي كان يتوقاها سلفنا الصالح، والكلام في هذا يحتاج لبسط ليس المقـام لــه.
رابعا: الكرم:
ولا يُشترط أن يكون الإنسان غنيًّا؛ فالرجل الكريم ييسر الله مـا يقـوم بـه بـما يناسب حاله، وإنَّ المعونة تنزل على قدر المؤونة وما زال الناس يتناقلون فيما بينهم أنَّ الجود من الموجود، ويميزون بطبعهم الكريم ولو كان فقيرًا والبخيل ولو كان غنيًّا.
أما عن النصوص التي تحث على الكرم فهي كثيرة، ومن ذلك: ما روى الشيخان عَنْ أَبِي شُرَيْح الْعَدَوِيُّ ◙ قَالَ: سَمِعَتْ أُذُنَايَ وَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ..»
صحيح البخاري، رقم الحديث: (٦٠١٩)، صحيح مسلم، رقم الحديث: (١٨٥) واللفظ للبخاري.
الفرع الرابع: الحج والعمرة
وأعرض مادته في ثلاثة بنود:
البند الأول: مركزية الحج:
إنَّ الحجّ لا يزيد عن بضعة أيام، ومعظم أعماله تنحصر بين ظهر اليوم التاسع من ذي الحجة وظهر اليوم العاشر، ومع ذلك فإنَّه ركن من أركان الإسلام!
ما يجده الحاج في نفسه من حالة إيمانيّة ومشاعر روحانية لا يُحسن أن يُعبّر عنها، ولكنه يعـي مـن غير مبالغة قط أنَّ الوجبة الإيمانية التي يُقَدِّمُهَا الحج لا نظير لها في جميع الأعمال في الشريعة.
ارتباطُ الأُمَّةِ بقِبْلَةٍ واحدة معلومة، ومناسك متحـدة معلومة، وهذا يثمر استقلال الأمة عقديًا ومنهجيًّا، فقبلة اليهود بيت المقدس، وقبلة النصارى مطلع الشمس، ولـن يتبعوا قبلتنـا كـما أننـا لـن نـتبـع قبلتهـم.
هذا التحويل كان أول نسخ وقع في الشريعة،
روى ابن حبان والبيهقي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ ◙ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يَقُولُ رَبِّي تَبَارَكَ وَتَعَالَى: إِنَّ عَبْدًا صَحَحْتُ لَهُ جِسْمَهُ وَأَوْسَعْتُ عَلَيْهِ فِي رِزْقِهِ يَأْتِي عَلَيْهِ خَمْسُ سِنِينَ لَا يَفِدُ إِلَيَّ لَمَحْرُومٌ» صححه الألباني.
أما من خرج لإصلاح قلبه واستنقاذ نفسه مما يعرض لها من الفتن والشهوات حتى يشعر أنها تلطخت بأوساخ الدنيا، وصارت عـلـى كـدر لا يُخرجه منه إلا محطة فلترة قوية يستعيد بهـا عافيته الإيمانية كالحج والعمرة.. فإني أراه على فـقـه وبصيرة وخير.
وعافية النفس وسكينتها مطلب يستحق أن تُنفَقَ فيه الأموال.
والعتب يشتد بـمـن يـعـتـاد الحج والعمرة ويتكرر ذلك منه ثـم هـو في بعـد عـن المعركة بين الحق والباطل وأعباء الجهاد في سبيل الله، فهذا يتبع الهوى وإن توهم أنه على الهدى،
البند الثاني: فضيلة الحج:
روى أصحاب السنن إلا أبا داود عَنْ عَبْدِ الله بْن مَسْعُودٍ ◙ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ وَالذَّهَب وَالْفِضَّةِ، وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ المُبْرُورَةِ ثَوَابٌ إِلَّا الجَنَّةُ». صححه الألباني.
وقوله: «المبرورة» قيل: المقبولة، وقيل: التي لم يخالطها شيء من الإثم، وقيل غير ذلك، وحاصل الأقوال: أنها الحجة التي وفّيت أحكامُها فوقعت موقعا لما طلب من المكلف على الوجه الأكمل.
البند الثالث: ما يعين على تجويد نسك الحج
روى مسلم في صحيحه من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلاءِ». [صحیح مسلم، رقم الحديث: (٣٣٥٤).]
نبي الله إبراهيم رجم الشيطان رجم حس ونحن نرجمه من بعده رجم معنى ترجم رمزيته وحزبه؛ إعلانًا للمفاصلة بيننا وبينه، وإعلانًا للحـرب مـعـه ومـع حزبـه وأوليائه المبطلين.
ما روى ابن ماجه في سننه عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمُسْجِدَ الْحَرَامَ، وَصَلَاةٌ فِي المَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ». صححه الألباني. [سنن ابن ماجه، رقم الحديث: (١٤٠٦).]
التجارب تفتي بأنَّ المتدبر يزداد فهما للقــرآن بتلاوته في مكان نزوله، ومقام الإنسان مدة في البقعة التي شهدت مهبط الوحي فرصة للعيش مع الآيات.
وقد كتبت منشورًا مرةً يتضمن هذا المعنى هذا نصه:
یزداد فهمك للقرآن بتلاوته في زمن نزوله «رمضان والليل»، أو في مكان نزوله «مكة والمدينة»، أو باستماعه من إمام ذي صوتٍ خاشع يقرأ قراءةً تفسيرية، أو بدراسة البيئة التي تَنَزَّلَ فيها، أو بمرورك بظروف تشبه أحوال تنزيله، كما قال الجصاص: «القرآن لا تتفتق معانيه إلا لمن يعانيه».
وأرجي المواضع إجابةً عرفة؛ روى الترمذي أن النبي ﷺ قال: «خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ». صححه الألباني. [سنن الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٨٥).]
ويمكن التقاط هذه الكلمات، بحيث تقول عند الشرب: اللهم إنه قد بلغني أن نبي ﷺ قال: «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ» وإني أشربه لكذا وكذا، وتسمي حاجتك من مثل التقوى والصدق والثبات على الدين والطاعة والتهجد وقضاء الدين وعافية البدن وما إلى ذلك مما يفتحه الله عليك.
استدرار رحمة الله وعفوه بالعفو عن كل من أساء إليك،
الفرع الخامس: الجهاد في سبيل الله
الجهاد له إطلاقـان خاص وعام، أما الخاص فهو خصوص القتال بالسيف، وأمـا العام فيشمل عامة مراتب الجهاد و درجاته وساحاته.
وقد خلصت في كتاب «الرباط وأحكامه في الفقه الإسلامي» إلى أنَّ عِدَّةَ الدرجات من جهة التفصيل ثمان وثلاثون درجة، موزعة على جهاد النفس والشيطان وأرباب الظلم والمنكرات والبدع والكفار والمنافقين.
والحكم الفقهي يختلف بحسب الإطلاق: فالجهاد بحسب الإطلاق الخاص فرض كفاية عند الجمهور إذا كان الجهاد جهاد طلب، وفرض عين إذا كان الجهاد جهاد دفع، وبحسب الإطلاق العام فرض عين كما خلص إلى ذلك الحافظ ابن حجر بقوله: «والتحقيق أنَّ جنس جهاد الكفار متعين على كل مسلم؛ إما بيده وإما بلسانه وإما بماله وإما بقلبه».
فالجهاد في سبيل الله عبادةٌ مفروضة كالصلاة والصيام والزكاة والحج.
والقتال أحد أفراد الجهاد العسكري وهو يشمل أربع مراتب: الهجرة حيث احتيج إليها، والإعداد والتدريب، والرباط والحراسة، والقتال.
والرباط هو «الإقامة بالثغر لتقوية المسلمين وحراستهم من عدوهم».
وحراسة الثغور رأس مهام المرابط.
وباجتماع الرحمة إلى القوة دخل الناس في دين الله أفواجًا، وذلك حين رأوا أنَّ المسلمين يفتحون بلادهم من أجلهم هم لا من أجل مصادرة ثرواتهم والسيطرة على ممتلكاتهم، وحينئذ رأينا معجزةً تُبهر كلَّ ناظر تمثلت في دخول المغلوب في دين الغالب.
فقد روى ابن عساكر من حديث أبي هريرة ◙ أن النبيَّ ﷺ قال: «قِيَامُ سَاعَةٍ فِي الصَّفِّ لِلقِتَالِ فِي سَبِيلِ الله خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ سِتِّينَ سَنَةٍ». صححه الألباني.
تاریخ دمشق لابن عساكر (٢٢/ ٤٤٤).
وهذا فضل لا طاقة للقاعـد بـه مهما أوتي من جلد في التعبـد؛ فساعة قتال في يــوم مـن حياة مجاهد أعظم أجرًا من رجل تهجد كل ليلة مدة ستين سنة!
إن هذا لهو الفضل العظيم.
لكن المجاهد ضعيف من غير تعبد، والعابد ضعيف من غير جهاد، فلا يقوم الأمر إلا بهما، ولا تحصل التربية إلا باجتماعهما،
أخرج الترمذي والنسائي عن أبي صالح مولى عثمان قال: سمعت عثمان وهو على المنبر يقول: إني كتمتكم حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ كراهية تفرقكم عني، ثم بدا لي أن أحدثكموه؛ ليختار امرؤ لنفسه ما بدا له؛ سمعت رسول الله ﷺ يقول: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ الله خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ يَوْمٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ المَنَازِلِ».
سنن الترمذي، رقم الحديث: (١٦٦٧)، سنن النسائي، رقم الحديث: (٣١٦٩)، سنن ابن ماجه، رقم الحديث: (٢٧٦٦).
أخرج المنذري عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّ النبي ﷺ قَالَ: «أَلَا أُنبِّئُكُمْ لَيْلَةً أَفْضَلَ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ؛ حَارِسٌ حَرَسَ فِي أَرْضِ خَوْفٍ لَعَلَّهُ أَنْ لَا يَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهِ» صححه الألباني.
الترغيب والترهيب للمنذري، رقم الحديث: (١٩٢٤).
وذلك أنه حين سقطت الخلافة، وبات المسلمون لأول مرة بفراغ سياسي، ولم يكن في قدرة الأفراد استعادة الخلافة.. هُرِعَ المسلمون لتأسيس جماعات تسد ما أمكن من الفراغ، و تتصدى لحملات التغريب التي استهدفت الأمة يومئذ، ومن ثم تأسست جماعة أنصار السنة المحمدية بمصر أولًا على يد الشيخ محمد حامد الفقي سنة ١٩٢٦م بعد سقوط الخلافة بسنتين فقط، وجماعة الدعوة والتبليغ في نفس السنة بالهند على يد الشيخ محمد إلياس الكاندهلوي، وجماعة الإخوان المسلمين سنة ۱۹۲۸م بمصر على يد الأستاذ حسن البنا، رحمة الله على الجميع.
والمقدار الذي أستطيع الآن أن أصدح به في سمع كل مسلم أيا كان موضعه أن يكون مجاهدا في سبيل الله؛ إما بيده وإما بلسانه وإما بماله وإما بقلبه.
وعـار عـلى مـن أسكنه الله أرض الثغور ثم لم يكن له حظ من الجهاد في سبيل الله.
إنَّ الجهاد في سبيل الله من أبرز الأعمال التي تملأ سيرة نبينا، حتى إنَّك لو فتحت أي كتاب في السيرة، وطالعت أطوار المرحلة المدنية ولو من خلال فهرس الكتاب فقط.. لشعرت أنها ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بالمعارك والحروب، بل لكأن السيرة هي المعارك؛ وذلك أنَّ المعارك هي التي تحدد مصائر الأمم، وترسم خرائط البلدان.
المطلب الثالث: الأعمال القولية
يتولى هذا المطلب الأعمال التعبدية التي تؤدى باللسان خاصة أو يغلب فيها ذلك، ويمكن ردُّها إلى خمسة أعمال كبرى تلاوة القرآن وحفظه، والأذكار، والدعاء، والخلق الحسن، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأجعل لكل عمل فرعًا يتناوله.
ولا تخلو هذه الأعمال من اشتراك بين الظاهر والباطن، بل قد يتركَّز فيها عمل الباطن كالحفظ؛ فإنَّ دور العقل فيه من جهة الذاكرة قوي غاية القوة، والدعاء؛ فإنَّ اختيار كلماته راجع إلى فقـه يتولاه القلب والعقل، وحسن الخلق؛ فإنَّ منشأه الباطـن مـن قلـب وعقل لكن قد يكون قولا لطيفًا باللسان، أو سلوكًا حسنًا بالجوارح والأركان.
إذا عُلم هذا فلنأخذ في بيان مادَّة هذا المطلب في خمسة أفرع كما يلي:
الفرع الأول: تلاوة القرآن وحفظه
وأعدل الأوراد أن تقرأ ختمةً في كلِّ شهر،
ورمضان أعظم ما يميزه أنه شهر القرآن، وفيه نزل كما هو صريح قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءانُ﴾ [البقرة: ١٨٥].
بل ونزلت فيه بقية الكتب؛ روى البيهقي والطبراني عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ ◙ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «نَزَلَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ لِسِتٌ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ الإِنْجِيلُ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ الزَّبُورُ لِثَمَان عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، وَالْقُرْآنُ لَأَرْبَعِ وَعِشْرِينَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ». حسنه الألباني.
السنن الكبرى للبيهقي، رقم الحديث: (۱۹۱۲۱)، المعجم الأوسط للطبراني، رقم الحديث: (٣٧٤٠).
حفظ القرآن الكريم والطريقة الوحيدة الناجحة فيه:
المتعبد لا بُدَّ وأن ينتظم في سلك الحفظة ولو بأن يحفظ عدة أجزاء من القرآن حفظاً راسخًا ليدخل فيمن امتدحهم الله تعالى بقوله: {بَلْ هُوَ ءَايَتُ بَيِّنَتُ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} [العنكبوت: ٤٩].
ومبنى الطريقة التي أدونها هنا أنَّ الحفظ يكون للعمر لا ليوم ولا لأسبوع ولا لشهر ولا لسنة، وهي تمر بثلاث مراحل كما يلي:
المرحلة الأولى: قوة الحفظ حين الحفظ لأول مرة:
وذلك بأن تقسم الصفحة خمسة أقسام أو نحوها، كل قسم ثلاثة أسطر أو نحوها، ثم تقرأ الأسطر الثلاثة إحدى عشرة مرة (۱) نظرًا بالعين، حتى لو حفظتها في مرات أقل؛ إذ ليس القصد هنا الحفظ؛ بل رسم صورة في الذهن للقطعة المراد حفظها.
ثم تحفظها.
ثم تعيدها عن ظهر قلب إحدى عشرة مرة كذلك.
وإذا أخطأت في حرفٍ أو كلمةٍ فلا تُعِدِ الآيةَ كُلَّهَا؛ ولكن موضع الخطأ فقط؛ فتأتي بكلمة قبله وكلمة بعده وتكرره إحدى عشرة مرة؛ لأنَّ الهدف ترويض اللسان على الصحة في موضع الضعف.
(۱) لا توجد ميزة خاصة للعدد ۱۱، فلو كررت عشرا مثلاً لم تختلف النتيجة، ولكني أثرت العدد ١١ لأن متابعة العد أثناء التكرار والحفظ أمرٌ يُشوش الذهن، فلو أمسكت سبحةً فإنَّ هناك حاجزا بعد كل ١١ حبة، فتصبح تكرر وحيث وصلت للحاجز تتوقف، وبهذا تتابع الـعـد دون أن تُشغل به ذهنيًّا.
وبعد إتمام المقطع الأول تنتقل للمقطع الذي يليه، وتكرره بنفس الطريقة، فإذا أتممته قرأت المقطعين ثلاث مراتٍ أو نحوها ليحصل الربط بينهما، وهكــذا حـتـى تـتـم الصفحة.
المرحلة الثانية: التكرار
وذلك بأن تُكَرِّرَ الصفحة التي باتت محفوظةً حفظًا قويا مائة مرة على عدة مجالس، ولا ينبغي أن تكون في مجلس واحد أو في يوم واحد.
لكن الذي مرت به السنوات، ووجد أنه كلما حفظ شيئًا نسيه، وأنه إذا تقدم للصلاة لا يكاد يجد شيئًا راسخا في صدره.. حينئذ يعلم أن أبطأ الطرق أسرعها، وأنه لو لم يحفظ في الأسبوع كله إلا صفحةً واحدةً على قانون الحفظ الراسخ فإنه أحسن حالا ومالا من جزء كامل يذهب سريعا،
المرحلة الثالثة: المراجعة الأسبوعية:
المراجعة الأسبوعية تقي من ضعف المحفوظ مع مرور الزمن، وتُبقي الإنسان كثير التلاوة، دائم العيش مع كتاب الله تعالى، وهي صفة المتعبد.
أما أن هذه الطريقة تحتاج وقتاً فهذا حق، ولكن {لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [آل عمران: ۹۲]، بل إن إنفاق الجهد والوقت في حفظ القليل من القرآن مع التمكين لا يقل شأنا عن إنفاق المال إن لم يتفوق عليه.
ولولا النسيانُ هُجر العلم والقرآن؛ إذ لو كان الذي يحفظ لا ينسى لما قرأ ولا تلا ولا كرر ولا راجع ولا قـام مـن الليل به فكان النسيان جسرًا ليكون الحافظ عابدًا كثير التلاوة آناء الليل وأطراف النهار.
ولا يُشترط أن تحفظ القرآن كله؛ بل لست أدري من الذي رَوَّجَ في الناس وفي حلقات تحفيظ القرآن الكريم فكرة تَأَكُدِ حفظ القرآن كله؛ إذ صارت تَصُدُّ الطلبة عن ضبط القرآن وترسيخه، وتشغل المحفظين عن العناية بتربية الجيل وتوريثه الأدب والفهم وتحصينه من ركام الشبهات وسعار الشهوات وما إلى ذلك.
ولهذا أرى الرشاد في حفظ الأجزاء الأخيرة الخمسة مثلا،
وإني لأشتهي أن تَعُمَّ ثقافةُ حفظِ سُوَرِ المُفَصَّلِ بين الناس كبارهم وصغارهم رجالهم ونسائهم، وذلك من سورة الحجرات أو ق إلى الناس، وكان السلف يتواصـون بها، فهي وفيرة العظات كثيرة الآيات غزيرة المعاني، حتى كان شيخنا الدكتور يونس الأسطل وفقه الله يُسَمِّيها مناجم القرآن.
وهذا الذي يحفظ قدرًا كبيرًا من الآيات إذا كان حفظه على جهة الضبط والرسوخ ففي انتظاره مشهد احتفاء وتكـريـم يـوم القيامة سينسى معـه كـل تـعـب في الحفظ في الدنيا.
روى أبو داود والترمذي عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ اقْرَأْ وَارْتَقِ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا؛ فَإِنَّ مَنْزِلَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا».
سنن أبي داود، رقم الحديث: (١٤٦٦)، سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٩١٤) واللفظ لأبي داود.
الفرع الثاني: الأذكار
المُتعبِّد ينبغي أن تكون له عناية وافرةً بحفظ الأذكار، خاصة ما تكرّر منها؛ ليسهل له أداؤها أيا كان حاله ومكانه، وهذا أعون على تدبرها والتفكر في رسائلها وعظاتها.
ويمكن رد الأذكار إلى خمس مجموعات: أذكار الصباح والمساء، وأذكار النوم، والتسابيح، وأذكار الصلاة، والأذكار التي ترتبط بأفعال وأسباب؛
أولًا: التسابيح:
منها هذه السبعة:
۱ – سبحان الله وبحمده
روى الشيخان عن أَبِي هُرَيْرَةَ ◙ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهُ وَبِحَمْدِهِ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ.. حُطَّتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ»
صحيح البخاري، رقم الحديث: (٦٤٠٥)، صحیح مسلم، رقم الحديث: (۷۰۱۸).
۲ – سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم
3 – سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر
٤ – الصلاة على النبي ﷺ
روى النسائي في سننه من حديث أَنَسِ بْنِ مَالِك ◙ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً وَاحِدَةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ عَشْرَ صَلَوَاتٍ، وَحُطَّتْ عَنْهُ عَشْرُ خَطِيئَاتٍ، وَرُفِعَتْ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ». [سنن النسائي، رقم الحديث: (1296).]
5 – لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير
٦ – أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه
روى أبو داود والترمذي عن زيد مَوْلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ قَالَ: «أَسْتَغْفِرُ الله الَّذِي لَا إِلَهَ إِلا هُوَ الحَيَّ الْقَيُّومَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ.. غُفِرَ لَهُ وَإِنْ كَانَ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ». صححه الألباني.
سنن أبي داود، رقم الحديث: (١٥١٩)، سنن الترمذي، رقم الحديث: (٣٥٧٧).
۷- رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
الفرع الثالث: الدعاء
العنصر الأول: أقسام الدعاء:
الدعاء أربعة أقسام: دعاء مسألة، ودعاء خبر، ودعاء مطلق، ودعاء قلبي.
أما دعاء المسألة.. فهو أن تسأل الله حاجتك مباشرة؛
وأما دعاء الخبر.. فأنت تذكر ربك بما هو عليه من الكمال وما هو أهله، وتذكر نفسك بما أنت عليه من النقص وما أنت أهله، فليس فيه تصريح مباشر بالحاجة.
ومثال ذلك: قوله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ وَأَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣].
ومن الأمثلة كذلك: قوله تعالى عن يونس: {وَذَا النُّونِ إِذ ذَهَبَ مُغَضِبًا فَظَنَ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّلِمِينَ} [الأنبياء: ٨٧].
وجرَّبتُها مرةً في موطن خوفٍ فأمنني الله من القوم الظالمين.
وأما الدعاء المطلق.. فتقوم فكرته على أنك تُفَوِّضُ أمر حاجتك إلى الله تعالى، فهو أعلم بك من نفسك، تسأله أن يمن عليك بخير الدنيا والآخرة.
ومن أمثلته في القرآن قوله سبحانه: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا ءَاتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١].
وأما الدعاء القلبي.. فأن تقوم الحاجة بنفسك، ثم لا تنطق بها نطق مسألة ولا خبر ولا إطلاق، بل لا تتحرك شفتاك بشيء، غير أنَّ الله تعالى يجيب ما يتردد في صدرك من غير أن تطلب؛ إكراما لك وتفضلًا منه عليك لما أنت عليه منه عليك لما أنت عليه من الصدق وسرعة الاستجابة لأمره سبحانه.
ومن أمثلة ذلك في القرآن: قوله سبحانه عن نبينا: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلْيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَهَا فَوَلِ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: ١٤٤].
العنصر الثاني منهجية الوصول إلى دعاء مجاب:
إنَّ المتعبد حتى يكون في أدنى موضع من الإجابة فأمامه ثلاث مراحل في الدعاء، هذا بيانها وتفصيل ما يندرج تحتها:
المرحلة الأولى: ما قبل الدعاء:
ينبغي للداعي أن يتأدب بآداب الدعاء وشروطه من مثل السلامة من حرمة المطعم والمشرب والملبس، أو كونه يتضمن إنما.
ويستحب له أن يتوضأ قبله ويلتمس أوقات الإجابة؛ كالسَّحَرِ وبين الأذان والإقامة وغير ذلك.
المرحلة الثانية: مرحلة الدعاء نفسه:
نجتهد هنا أن نبدأ الدعاء بكلماتٍ مقبولةٍ وأن نختمه بكلمات مقبولة كذلك؛ رجاء أن يكون ما بينهما مقبولا بإذنه سبحانه وفضله.
وسبيل ذلك: أن نبدأ الدعاء بالثناء على الله تعالى والصلاة والسلام على نبيه وأن نختمه بذلك، وقد جاء عن أبي سليمان الداراني أنه قال: «من أراد أن يسأل الله حاجته فليبدأ بالصلاة على النبي، وليسأل حاجته، وليختم بالصلاة على النبي، فإنَّ الصلاة على النبي ﷺ مقبولة، والله أكرم أن يرد ما بينهما». [فقه الأدعية والأذكار لعبد الرزاق البدر (٢/ ٢٠٦-٢٠٧).]
وإليك تفصيل ذلك وزيادةً عليه في الخطوات الخمس الآتية:
أولا: الثناء على الله تعالى:
قد مر بنا قول النبي ﷺ: «خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوم عَرَفَة، وَخَيْرُ مَا قُلْت أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَه إِلَّا الله وحده لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الملك وَلَهُ الْحَمْدِ وَهُوَ عَلَى كُلَّ شَيْءٍ قَدِير».
ثانيًا: الصلاة على النبي ﷺ:
أخرج الترمذي عن عمر بن الخطاب ◙ قال: «إِنَّ الدُّعَاءَ مَوْقُوفٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا يَصْعَدُ مِنْهُ شَيْءٌ حَتَّى تُصَلِّي عَلَى نَبِيِّكَ». صححه الألباني.
سنن الترمذي، رقم الحديث: (٤٨٦).
وهذا ما عبر عنه ابن القيم بقوله: «إِنَّ مِفتاحَ الدُّعَاءِ الصَّلَاةُ على النبي ﷺ كما أَنَّ مِفتاح الصَّلاة الطهور». [جلاء الأفهام ص (۳۷۷).]
وكم من داع يغفل عن هذا!
ثالثًا: الإكثار من الدعاء بالأدعية المأثورة:
الدعاء وعاء كريم لحوائج الإنسان، ولن يجد العبد أحسن من أدعية الكتاب والسنة التي تُبلغه مقصوده وتعطيه حاجته.
ولا تحسبن الأدعية المأثورة نصوصا عامةً فحسب؛ فالذي يُفتش فيهـا قـد يتفاجأ من استيعابها لحوائج الإنسان إلى مستوى التفاصيل، وبألفاظ رصينة ومعانٍ عميقة، وبها يسلم من الاعتداء في الدعاء.
وهذا ما أشار إليه الغزالي حين نصح بها فقال: «والأَوْلَى أن لا يُجاوِزُ الدعوات المأثورة؛ فإنه قد يعتدي في دعائه، فيسأل ما لا تقتضيه مصلحته، فما كلُّ أَحَدٍ يُحْسِنُ الدُّعَاء».
إحياء علوم الدين (٣٠٦/١).
رابعا: الدعاء باسم الله الأعظم:
أخرج أصحاب السنن إلَّا النسائي عن بُريدة أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سَمِعَ رَجُلاً يَقُولُ: «اللهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ الله، لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ، الأَحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ»، فَقَالَ: «لَقَدْ سَأَلْتَ اللهِ بِالِاسْمِ الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ» صححه الألباني. [سنن ابن ماجه، رقم الحديث: (٣٨٥٨).]
خامسًا: الدعاء لأخيك بظهر الغيب:
ودليل ذلك: ما روى مسلم في صحيحه عن صفوان ◙ قَالَ: قَدِمْتُ الشَّامَ فَأَتَيْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ فِي مَنْزِلِهِ فَلَمْ أَجِدْهُ، وَوَجَدْتُ أُمَّ الدَّرْدَاءِ فَقَالَتْ: أَتُرِيدُ الْحَجَّ الْعَامَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، قَالَتْ: فَادْعُ الله لَنَا بِخَيْرٍ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ: «دَعْوَةُ الْمَرْءِ المُسْلِمِ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ، عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكٌ مُوَكَّلْ كُلَّمَا دَعَا لِأَخِيهِ بِخَيْرٍ قَالَ الْمُلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ وَلَكَ بمثل». [صحیح مسلم، رقم الحديث: (٧١٠٥).]
وتستفيد أنت بذلك دعاء الملائكة؛ فإنه أرجى في القبول والاستجابة.
المرحلة الثالثة: ما بعد الدعاء:
إذا يسر الله لك الدعاء وفتح لك بابه فأعظك بثلاث طاعات بعده:
۱- أن تشكر ربك على الدعاء وعلى الإجابة حين تحصل؛ فإنَّ الشكر مؤذن بالإجابة والزيادة كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧].
٢- أن تحسن الظن بربك أنه مجيبك؛ روى الترمذي عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ◙ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «ادْعُوا الله وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبِ غَافِلٍ لَاهِ». حسنه الألباني. [سنن الترمذي، رقم الحديث: (٣٤٧٩).]
وفي المسند عن أبي هريرة ◙ عن رسول الله ﷺ أن الله قال: «أَنَا عِنْدَ ظَنَّ عَبْدِي بِي؛ إِنْ ظَنَّ بِي خَيْرًا فَلَهُ وَإِنْ ظَنَّ شَرًّا فَلَهُ». صححه الألباني.
٣- ألا تتعجل الإجابة لو تأخرت؛ روى الشيخان عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ◙ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ، يَقُولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لي».
والرجاء لمن عظمت استجابته لأوامر ربه وسارع فيها وأحسن المسألة أن يستجيب الله أدعيته عن قريب؛ فقد أماط القرآن الكريم اللثام عن السر في سرعة استجابة الله لأدعية الأنبياء؛ وذلك أنَّ الله تعالى لما ذكر أدعية عددٍ منهم وهم أيوب ويونس وزكريا وذكر إجابته لهم عقب على ذلك بقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَرِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠].
الفرع الرابع: الخلق الحسن
مركزية التعاملات الاجتماعية في الإسلام
الدين يجعل الأخلاق معتبرةً، بل ويجعلها في مرتبة بالغة الفضل والأهمية.
روى البخاري في الأدب المفرد عن أبي الدرداء ◙ عن النبي ﷺ قال: «أَثْقَلُ شَيْءٍ فِي ميزان المؤمنِ يَومَ القيامَةِ حُسنُ الخُلُقِ، وإنَّ الله ليبغضُ الفاحش البذي». صححه الألباني.
الأدب المفرد للبخاري، رقم الحديث: (٤٦٤).
وروى أبو داود عَنْ عَائِشَةَ ▲ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ». صححه الألباني. [سنن أبي داود، رقم الحديث: (٤٨٠٠).]
وروى الترمذي عَنْ جَابِرٍ ◙ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «إِنَّ مِنْ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي تَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا، وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي تَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ وَالمُتَفَيْهِقُونَ».
قَالُوا: يَا رَسُولَ الله قَدْ عَلِمْنَا الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدَّقُونَ فَمَا الْمُتَفَيْهِقُونَ؟
قَالَ: «المتكَبَّرُونَ». صححه الألباني.
سنن الترمذي، رقم الحديث: (۲۰۱۸).
والثَّرْثَارُونَ هم المكثارون من الكلام تكلفا وخروجًا عن الحق، والثرثرة: كثرة الكلام و ترديده.
والمتَشَدَّقُونَ هم الذين يتكلفون في الكلام فـيـلـوون بـه أشداقهم حرصًا على التفصح، والشدق: هـو جـانـب الفـم ممـا تحت الخـد، فالمتشدق هـو المتكلـم بـمـلء شـدقـه تـفـاصـحـا وتعظيمًا لكلامه.
والمتفيهِقُونَ هم الذين يتوسعون في الكلام ويتنطعون فيه، يقال: فلان متفيهق في كلامه إذا توسع فيه وتنطع، وأصله من الفهق وهو والامتلاء كأنه ملأ به فمه، وهذه علامة الكبر، ولهذا فسره النبي ﷺ بذلك.
اختلاف حال الأخلاق بين التيسر والتعسر:
يمكن القول على جهة الإجمال: إنَّ تحصيل الأخلاق شيء صعب، لا سيما إذا تعارض بعضُها مع الطبائع التي ابتلاك الله بها؛ فإنَّ الإنسان كما هو مكلف بامتثال الشرائع فإنَّه مكلف بمغالبة الطبائع.
والغالب أنَّ كلَّ إنسان يُبتلى بطبع أو طبعين يحتاج فيهما إلى تربيـة شـرعيـة ومجاهـدة جادة، ثم هو معافى في بقية الطبائع،
ومن الحال: أنَّ إعمال الأخلاق مع أقرانك ومن هم فوقك أمر متيسر، لكنه يزداد شدةً وكُلْفَةً مع من لا كلفة بينك وبينهم، ومن لك ولاية عليهم؛ كالوالدين في الأول، والأولاد والزوجة والجنود والموظفين في الثاني.
وتكمن الشدة في أنَّ الإنسان يتخفف عادةً مع الدائرة الأولى، في الوقت الذي أمرت الشريعة بتقديمها في حسن الخلق والصحبة.
روى الإمام مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ◙ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَقُّ بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ؟ قَالَ: «أُمُّكَ ثُمَّ أُمَّكَ ثُمَّ أُمُّكَ ثُمَّ أَبُوكَ ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ».
صحیح مسلم، رقم الحديث: (٦٦٦٥).
فمن عكس السُّلَّمَ فالغالب أنه يباشر الأخلاق عادةً لا عبادة.
والمقصود أن المتعبد ينبغي أن تكون عنايته بالأخلاق موازية لعناية الشريعة بها، ومن ثـم يخلو بنفسه لترتيب خطة عنايته بها، ويُفتِّش عن حاله وسلوكه مع كل خلق ليكون متعبدا الله بكل ما أمر، فيكون ذا عدل وإنصاف وعفةٍ وتواضع ورحمة ووفاء وأمانة وحياء وبذل وعطاء وعفو وصفح وتغافل وإحسانٍ وحلم وأناةٍ ولطف وعزة وشجاعة وحكمةٍ ورفق وكرم ووقار…، إلى آخر قائمة الأخلاق.
ويمكن أن تجعل عنايتك في كل عام أو في نصفه بخُلقين مثلا تركز عليهما وتقرأ عنهما وتأخذ بالأسباب التي توصلك لهما، والله يتولاك وهو يتولى الصالحين.
فالعجز الذي عندنا في صنوف العبادات يمكن أن يُعوَّضَ بمكارم الأخلاق.
ولعله اليوم أعظم أجرًا؛ فحسن الخلق في زمن ساءَ فيه الخلق أعظم أجرًا من حسن الخلق في زمانٍ حَسُنَ فيه الخلق؛
الفرع الخامس: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
وهذا من بركة تماسك المنهج الأصولي، وتكامل المنهج الفقهي، والذي تمثلت ذروته في المذاهب الفقهية الأربعة وما سار في فلكها، فالدين بما بلغنا من تراث عظيم عصي على التطويع لأهواء الظلمة والمنتفعين.
روى ابن ماجه من حديث أبي عِنبَةَ الخوْلَانِيّ ◙ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَزَالُ الله يَغْرِسُ فِي هَذَا الدِّينِ غَرْسًا يَسْتَعْمِلُهُمْ فِي طَاعَتِهِ». حسنه الألباني.
سنن ابن ماجه، رقم الحديث: (۸).
وعلى هذا؛ فإنَّ المسلم إذا رأى منكرًا وجب عليه أن ينكر؛ استجابةً لأمر النبي ﷺ الذي لا ضبابية فيه: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ». [صحیح مسلم، رقم الحديث: (١٨٦).]
أما ما يمكن أن يَتْبَعَ ذلك من أذى فهو من الضريبة التي يدفعها المسلم في ذات الله تعالى، ولكثرة ترتب الأذى على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جمع بينهما لقمان في وصيته لولده إذ قال له -كما حكى عنه القرآن-: ﴿يَبْنَى أَقِمِ الصَّلَوَةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧].
تأمل في جواب أويس القرني حين جاءه رجل من قبيلة مراد يسأله عن حاله، فتسلسل الحوار بينهما حتى قال له:
«يَا أَخَا مُرَادٍ إِنَّ قِيَامَ الْمُؤْمِنِ بِأَمْرِ الله لَمْ يُبْقِ لَهُ صَدِيقًا، وَاللَّهُ إِنَّا لَنَأْمُرَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ فَيَتَّخِذُونَنَا أَعْدَاءَ، وَيَجِدُونَ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْفَاسِقِينَ أَعْوَانًا، حَتَّى وَاللَّهُ لَقَدْ يَقْذِفُونَنَا بِالْعَظَائِمِ، وَوَالله لَا يَمْنَعُنِي ذَلِكَ أَنْ أَقُولَ بِالحقِّ»
المستدرك على الصحيحين للحاكم، رقم الحديث: (٥٧٤٧).
إن أويسًا هذا هو التابعي الذي نال أعظم تزكية نبوية.
روى الإمام مسلم في صحيحه عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ◙ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ خَيْرَ التَّابِعِينَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: أُوَيْسٌ، وَلَهُ وَالِدَةٌ، وَكَانَ بِهِ بَيَاضٌ فَمُرُوهُ فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُمْ». [صحیح مسلم، رقم الحديث: (٦٦٥٥).]
وجاء عند ابن ماجه من حديث أبي سعيد الخدري ◙ بلفظ: «أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ». [سنن ابن ماجه، رقم الحديث: (٤٠١١).]
فلو قتل في ذلك فإنه شهيد بمنزلة سيد الشهداء حمزة ◙؛ روى الحاكم في مستدركه عَنْ جَابِرٍ ◙ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَرَجُلٌ قَامِ إِلَى إِمَامٍ جَائِرِ فَأَمَرَهُ وَنَهَاهُ فَقَتَلَهُ». صححه الألباني.
المستدرك على الصحيحين للحاكم، رقم الحديث: (٤٨٧٢).
واعلم أنه لا بد من الجهر بالحق ولو عَلِمْتَ أنَّ الناس لا يستجيبون لك أو لا يعملون بما تقول، وذلك أنَّ ترك إنكار المنكرِ يجعله يكتسب مشروعية مع الزمن تحت وطأة شبهة الإقرار، بحيث لو أنكر على الفاعل فيما بعد لقال: ما سمعت من يمنع هذا من قبل، وربما اتهم المنكر بالتشدد.
وأشار الشيخ عبد العزيز الطريفي فرج الله كربه إلى ذلك بقوله: «لا بد من إظهار الحق ولو لم يتبعه الناس؛ حتى يبقى حاضرًا في الأذهان؛ لأنَّ أخطر الحجج أن يأتي جيل يقول: ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين».
وحـيـث أمــر ونهى.. فإنه ينبغي أن يكون مستوثقا من صحة الذي يقول، وأن يمارس الأمر والنهي على قاعدة الحكمة والموعظة الحسنة، ليجمع بين العلم والرحمة على سَنَنِ أهل الحق، وقد تناول شيخ الإسلام ابن تيمية هذا بكلام رصين فقال: «وأهل السنة والعلم والإيمان يعلمون الحق ويرحمون الخلق». [مقامات الحريري ص (۲).]
المطلب الرابع: الأعمال العقلية
أتناول في هذا المطلب خمسة أعمال الخشوع في الصلاة، وتدبر القرآن الكريم، والقراءة، ومحاسبة النفس، والتفكر وهو يشمل تدبير أمر الشخصية وما يقع في نطاق عنايتها على صعيد الأهـل والمجتمع والبـلـد ومـا هـو أوسـع مـن ذلـك.
ودونك بيان هذه الأعمال، كل عمل في فرع كما يلي:
الفرع الأول: الخشوع في الصلاة
الخاشعَ يُرزَقُ بقلب مطمئن وسكينة ويقين يهون عليه مصائب الدنيا، ويعينه على كمالات التربية والأخلاق والقيم.
ولو أن رجلًا كان يحرص على الدنيا أشد الحرص؛ بحيث يجزع عند البلاء ويبخل عند الرخاء.. فإنَّه لا يصلي على التمام؛ فالصلاة تربي وتُهذَّبُ كما يُرشد لذلك قوله سبحانه: {إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلَّا الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائمُونَ} [المعارج: ۱۹ – ۲۳].
ولهذا صدق من قال: «إذا كانت أمورك لا تسير جيدًا فاعلم أنك لا تصلي جيدًا».
وأنصح في علاج هذه المشكلة بالنصائح الأربع الآتية:
أ- التبكير إلى الصلاة عند الأذان،
ب- أن تحفظ أدعية الصلاة المتقدمة حفظًا جيدًا،
ج- أن تجلس بين الفينة والفينة تنظر حالك وتفكر فيما تـرى فـيـه صـلاح أمرك، مـع الاستعانة بالله والتوسل إليه بحسن الدعاء أن يهبك حسن الوقوف بين يديه، وإذا رآك الله مهموما بذلك مجتهدا في تحصيل الخشوع بالتفكير والتخطيط والتدبير والدعاء.. فالظـن الكريم أن يعطيك ويكرمك.
د – أن تقرأ الكتابات التي تُنَكِّرُ للخشوع بشكل عملي؛
وأفضل المواد التي وقفت عليها في ذلك رسالة: «ذوق الصلاة عند ابن القيم» للدكتور عادل عبد الشكور الزرقي، وقد جمعها من موضعين من كتب ابن القيم.
ثم جاء الشيخ خالد أبو شادي فرج الله كربه فنظر في هذه الرسالة وأضاف إليهـا أشياء مأخوذة من كلام ابن القيم، وقرَّبها بأسلوب سهل، وزاد عليها حتى خرجت في كتاب سماه: «أول مرة أصلي وكان للصلاة طعم آخر».
الفرع الثاني: تدبر القرآن الكريم
إنَّ التدبر هو التفكر الشامل الموصل إلى دلالات الكلام وإدراك مراميه البعيدة.
وهذا يعني أنَّ عملية التدبر بمثابة اكتشاف ما بالنص القرآني من معان مستكنة فيه، وإخراج ما فيه من مختلف الدلالات التي لا تظهرُ بادي الرأي.
وهذه كانت عادةُ السَّلَفِ يُرَدِّدُ أحدهم الآيةَ إلى الصباح، وقد ثبت عن النبي ﷺ أَنَّه قام بآية يرددها حتى الصباح، وهي قوله سبحانه: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨].
فقراءة القرآن بالتفكر هي أصل صلاح القلب، ولهذا قال ابن مسعود ◙: «لا تهذوا القرآن هَذَ الشعر ولا تنشروه نثر الدَّقَل، وقفوا عند عجائبه وحرّكوا به القلوب، لا يكن هم أحدكم آخر السورة».
وروى أبو أيوب عن أبي جمرة قال: قلت لابن عباس: إني سريع القراءة؛ إني أقرأ القرآن في ثلاث قال: «لأن أقرأ سورةً من القرآن في ليلة فأتدبرها وأرتلها أحب إلي من أن أقرأ القرآن كما تقرأ».
وأختم الكلام بأربع من النصائح التي تعين في رحلة التدير:
استحضر قضية علميَّةً في كل ختمة،
أن تطالع بعض الكتب في مفاتيح التدبر، ومن ذلك هذه الخمسة:
۱) مفاتيح للتعامل مع القرآن الكريم للدكتور صلاح الخالدي
۲) مفاتيح تدبر القرآن والنجاح في الحياة عشرة مفاتيح لتحقيق التدبر الأمثل للدكتور خالد اللاحم.
3) أفلا يتدبرون القرآن معالم منهجية في التدبر والتدبير للدكتور طه جابر العلواني.
4) منهج الاستنباط في القرآن الكريم للشيخ فهد الوهبي.
5) الخارطة الذهنية للقرآن الكريم.. سورة البقرة أنموذجًا، الطريق الأسهل للحفظ والتدبر معا للدكتور إبراهيم الدويش فرج الله كربه.
روى أبو داود والنسائي عن عوف بن مالك ◙ يقول: قُمْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَبَدَأَ فَاسْتَاكَ وَتَوَضَّأَ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى فَبَدَأَ: فَاسْتَفْتَحَ مِنْ الْبَقَرَةِ لَا يَمُرُّ بِآيَةٍ رَحْمَةٍ إِلَّا وَقَفَ وَسَأَلَ. وَلَا يَمُرُّ بِآيَةِ عَذَابٍ إِلَّا وَقَفَ يَتَعَوَّذُ.
وعند ابن ماجه عَنْ حُذَيْفَةَ ◙ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فَكَانَ: إِذَا مَرَّ بِآيَةِ رَحْمَةٍ سَأَلَ. وَإِذَا مَرَّ بِآيَةِ عَذَابِ اسْتَجَارَ. وَإِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَنْزِيهُ اللهُ سَبَّحَ. صححه الألباني.
سنن ابن ماجه، رقم الحديث: (۱۳5۱) وأصله عند مسلم بمزيد تفصيل برقم: (١٨٥٠).
ومما يعينك على هذا أن تجعل صلاتك بالليل زمنًا تلتزم به لا قدرًا تنتهي إليه؛
لمهم أن تدخل ساحة التفاسير المطولة ولا تتهيب، ولسوف تكتشف أنَّ الكُتُبَ المطولة أيسر من كثير من الكتب المختصرة؛ لأنّها بُنيَتْ على البسط والبيان، فتكتمل عندك المعاني دون عناء، أما المختصرات فهي تدور في فلك فكّ العبارة بأوجز لفظ فلا يتحصل منها القارئ على المطلوب.
الفرع الثالث: القراءة
القراءة غذاء العقل، وهي سبيل تحصيل الأفكار وتثويرها وتنضيجها،
من كان يجد ضيقًا إذا قرأ فعلاجه أن يصابر نفسه على طاولة القراءة، ويقرأ الكتب التي تُشَوِّر الأفكار بحيث تجذبه إليها جذبًا شديدًا يعسر معه أن يترك هذا السبيل العظيم في تحصيل العلم والإيمان.
الفرع الرابع: محاسبة النفس
إنَّ الإنسانَ محاط بما يثير الشبهات والشهوات، وفيه ميل إلى الراحة، ثم إنه ملتصق بالذنب لا ينفك عنه، وهذا كله يدفعه لمحاسبة نفسه؛ من أجل أن يرى خطأه وصوابه، وتقدمه وتأخره، وأين ينبغي أن يزيد وأين ينبغي أن يُحجم؟
فالمحاسبة عملية تربية وتهذيب، وهي قسمان:
محاسبة قبل العمل، فلا يُبادر إلى عمل حتى يتبيَّنَ له حكمه، ورجحانه على غيره.
ومحاسبة بعد العمل، فينظر لأمر الإخلاص فيه، وإيقاعه على الوجه المطلوب، ومن ثم يعالج مواطن الخلل فيه،
فمثلًا:
كل علم صحبه عمل يُرضي صحبه عمل يُرضي الله سبحانه فهو منة عليه وإلا.. فهو حجة.
وكلُّ مال اقترن به إنفاق في سبيل الله وطاعته فهو منة وإلا.. فهو حجة.
وكل فراغ اقترن به اشتغال بمراد الرب وما لا يخالف أمره فهو منة عليه وإلا.. فهو حجة. وكل قبول في الناس وتعظيم ومحبة لـه اتصـل بـه خضوع للرب وذل له وانكسار بين يديه ومعرفةً بعيب النفس فهو منة عليه وإلا.. فهو حجة.
وعلى هذا فقس.
ومن حاسب نفسه في الدنيا هون عليه الحساب في الآخرة، أسأل الله أن يدخلني وإياك الجنة بغير حساب ولا عقاب ولا عذاب ولا عتاب.
الفرع الخامس: التفكر
وقد ذكرت هناك تسع مجالاتٍ للتفكر، وأضيف هنا عاشرًا؛ وهو تدبير أمر الشخصية وما يقع في نطاق عنايتها سواء على صعيد النفس أو الأهل أو المجتمع أو البـلـد ومـا هـو أوسع من ذلك.
خذ هذه العناوين التي يحتاج الإنسان لجلسات هادئةٍ يُعمل فيها عقله لإنجازها:
أ- ترتيب الخطة الشخصية بما تشمله من نواح علمية وتعبدية واجتماعية ومالية وصحية وترفيهية وغير ذلك.
ب- تكوين الحوائج الأساسية للذات من مثل البيت والزواج والعمل الوظيفي.
ت- متابعة ما يعرض من حوائج وأزمات من مثل المرض والدين والمشاكل الأسرية والاجتماعية.
ث- سبل التعايش مع أفراد الأسرة باختلاف أذواقهم وآرائهم وتعاملهم وطرائق تفكيرهم.
ج- تربية الأبناء وتنميتهم ومعالجة الصفات الرديئة فيهم.
ح- التفكير في مسار الدراسة بمختلف درجاتها
خ- التفكر في أحوال الناس وهمومهم ومشاكلهم
والمقصود أن يكون المتعبد مرتَّبَ الشخصية، بعيدًا عن التشتت والتشويش والعشوائية، منظما في أمر دينه ودنياه.
المطلب الخامس: الأعمال القلبية
والأعمال القلبية كثيرة ولعل أهمها: الإخلاص واليقين والتفكـر والخشوع والمراقبة والورع والتوكل والمحبة والرجاء والخوف و الخضوع والتعظيم والحياء والغيرة والتوبة والصبر والرضا والشكر.
وأحيل على عددٍ من الكتب المفردة في الأعمال القلبية أو التي أحسنت العناية بها لمن أراد أن يقوم بواجب الباب، وهي كما يلي:
۱ – «التحفة العراقية في الأعمال القلبية» لشيخ الإسلام ابن تيمية.
2 – «مدارج السالكين» لابن القيم، وقد اعتنى بأعمال القلوب كذلك في كتابيه: «الوابل الصيب» و «الداء والدواء».
٣ – «المهذب من إحياء علوم الدين» للشيخ صالح الشامي فرج الله كربه،
4 – «أعمال القلوب» للشيخ خالد السبت وفقه الله،
الفرع الأول: الإخلاص
عرف ابن القيم الإخلاص بأنَّه تصفية العمل من كل شائبة.
ثم بيّن هذا المعنى بقوله: أي لا يمازج عمله ما يشوبه من شوائب إرادات النفس؛ إما طلب التزين في قلوب الخلق، وإما طلب مدحهم والهرب من ذمهم، أو طلب تعظيمهم أو طلب أموالهم أو خدمتهم ومحبتهم وقضائهم حوائجه أو طلب محبتهـم لـه أو غير ذلك من العلل والشوائب التي عَقْدُ متفرقاتها: إرادة ما سوى الله بعمله كائنـا ما كان. [مدارج السالكين لابن القيم (١/ ٩٢).]
روى النسائي والترمذي عن أبي هريرة ◙ قال:
سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أَوَّلُ النَّاسِ يُقْضَى لهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَةٌ:
رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأْتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ: «فَما عَمِلْتَ فِيهَا»؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: «كَذَبْتَ»؛ وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِيُقَالَ: فُلَانٌ جَرِيءٌ فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ.
وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ فَأْتِي بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ: «فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟» قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ قَالَ: «كَذَبْتَ»؛ وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: قَارِئُ فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ.
وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ المَالِ كُلِّهِ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا فَقَالَ: «مَا عَمِلْتَ فِيهَا؟» قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلِ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ قَالَ: «كَذَبْتَ»؛ وَلَكِنْ لِيُقَالَ: إِنَّهُ جَوَادٌ فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ فَأُلْقِيَ فِي النَّارِ»
صححه الألباني. سنن الترمذي، رقم الحديث: (۲۳۸۱)، سنن النسائي، رقم الحديث: (۳۱۳۷).
والعجيب في المقاتل أنه رضي أن يُقتل في سبيل كلمة الثناء وهو لن يسمعها في حياته؛ فإنّها تُقال بعد مقتله، لكنه تلذذ في حياته بظن قولها بعد مماته، وربما لم يقلها الناس، بل ربما قالوا: فلان متهور، وهذا كله يدفع لتربية النفس والتحكم بها.
ومن النصائح في ذلك هذه الثلاث:
أولًا: أن يستحضر الإنسان أنَّ الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وأنه عدل إذ لم يقبل الشرك والرياء؛
ثانيا: أن تجعل عملك في السر أكثر من عملك في العلانية،
وفي هذا يقول الإمام مالك: «من أحب أن يفتح له فرجة في قلبه وينجو من غمرات الموت وأهوال يوم القيامة.. فليكن في عمله في السر أكثر منه في العلانية».
ترتيب المدارك وتقريب المسـ للقاضي عياض (٥٤/١).
وهذا ضابط نفيس.
ويُشعر به قول النبي ﷺ: «من استطاع منكم أن يكون له خِبْءُ من عمل صالح فَلْيَفْعل». صححه الألباني. [جامع الأحاديث، رقم الحديث: (٤٥٦٨٣).]
فكل عمل يمكن أن تفعله بعيدًا عن أعين الناس فهو عبادة سر،
ثالثًا: إذا سمعت من يثني عليك.. فحرك شفتيك بدعاء الصدِّيق ◙ حيث كان يقول إذا مُدِح: «اللهم أنت أعلم مني بنفسي، وأنا أعلم بنفسي منهم، اللهم اجعلني خيرا مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون».
وروى البخاري في الأدب المفرد عن عدي بن أرطأة قال: كان الرجل من أصحاب النبي ﷺ إذا زُكِّي قال: «اللهمَّ لَا تُؤَاخِذُنِي بِمَا يَقُولُونَ، وَاغْفِرْ لِي مَا لَا يَعْلَمُونَ». صححه الألباني.
الأدب المفرد، رقم الأثر: (٧٦١).
الفرع الثاني: الرجاء
الرجاء هو الطمع في رحمة الله
فالرَّجاءُ عبادةٌ قلبيَّةٌ تبعث على العمل والجد والنشاط والبذل، وتُبقي باب الأمل مفتوحا لا يُغلق، ولولا الرجاء لنزل اليأس بالقلوب وعم الإحباط وترك الناس العمل.
وهذا ما صرح به ابن القيم بقوله: … فالرجاء ضروري للسالك، ولو أنَّه فارقه لحظةً لتلف أو كاد؛ فإنَّه دائر بين ذنب يرجو غفرانه، وعيب يرجو إصلاحه، وعمل صالح يرجو قبوله، واستقامة يرجو حصولها ودوامها، وقرب من الله ومنزلة عنده يرجو وصوله إليها.
مدارج السالكين (٢/ ٤٢-٤٣).
وإذا كانت شاكلة العبد هي العصيان.. فإن شاكلة الرب هي الغفران، والله تعالى يقول: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء: ٨٤].
وهذه هي الآية التي عدها أبو بكر الصديق ◙ أرجى آية في كتاب الله، وقال: «لا يشاكل بالعبد إلا العصيان ولا يشاكل بالرب إلا الغفران». [تفسير الألوسي (٧١/١١).]
لي مقال منشور عنوانه: «أرجى آية في القرآن ذكرت فيه ثلاث عشرة آية قيل عنها إنها أرجى آية في القرآن مع بيان وجه قول صاحبها القائل بها، وهي تمثل تُحفة في دقة النظر وحسن التفاعل مع كتاب الله تعالى.
والرجاء يقطع الطريق على الشيطان الذي يريد أن يغرز في قلب العاصي أنه بعيد عن رحمة الله، وأنَّ تكرر الذنب منه يُفقده فرصة توبة الله عليه، ويتسلل من هذه الثغرة إلى إنزال معاني اليأس والقنوط وعدم قبول العمل به.
ولهذا من فقه التعامل مع الذنب أن تبقى على تفعيل جيد لقطار الحسنات حتى لو استمر قطار السيئات، بمعنى أنك تصنع لنفسك مسارًا ثابتًا للطاعة لا يتأثر بوقوعك في الذنب.
وهذه وصية النبي ﷺ إذ قال بلفظ واضح بين يحمل البشرى: «وَأَتبع السَّيِّئَةَ الحَسَنةَ تَمحُها».
وهذا تأويل قول الله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ طَرَفَي النَّهَارِ وَزُلَقَا مِّنَ الَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤].
ولا ذنب يقف في وجه رحمة الله وعفوه وكرمه وفضله.
ومـا دمـت تـعـمـل وتجاهـد نفسك وأنت صادق مع ربك في هذا، من غير أن يكون عندك استهانة بالمعصية.. فأبشر برحمته سبحانه فإنَّه القائل: ﴿وَاللهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٢٧].
إنَّ هذا الرب الرحيم هو الذي غفر لامرأة بغي بسقاية كـلـب شـربـة مـاء، ولـرجـل بإماطة غصن شوك عن الطريق، ولمن قتل مائة نفس ثم قرر أن يتوب، فاقصد باب الله ولا تيأس،
لكن الرجاء لا يتم إلا مع ما يقابله من الخوف والخشية من الله سبحانه؛
وهذا ما نبه عليه الحافظ ابن حجر بقوله في جمع الرجاء مع الخوف: لا يقطع النظر في الرجاء عن الخوف ولا في الخوف عن الرجاء؛ لئلا يُفضي إلى المكر في الأول وإلى القنوط في الثاني، وكل منهما مذموم.
ولأجل ذلك نرى اقتران الخوف بالرجاء في عديد من المواضع في القرآن كما في قوله سبحانه: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءَانَاءَ الَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائمَا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: 9].
وقوله سبحانه: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦].
وقوله سبحانه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَرِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠].
الفرع الثالث: الخوف
عَلِمتَ أنَّ الخوف يصنع التوازن بضمه للرجاء، فإذا كان الله قـد غـفـر لامرأة بغـيّ بسقاية كلب شربة ماء فإنَّ امرأة دخلت النار في هرة حبستها حتى ماتت جوعًا لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض.
فنصوص الرجاء يقابلها نصوص الخوف، ولن يذهب الخوف حتى تضع قدميك في الجنة بإذن الله تعالى وفضله، لكنه الخوف الذي يدفع للعمل،
وكيف يمكن للإنسان أن يأمن وهو يقرأ الآيات التي تجعله خائفًا وَجلًا لا يدري ما يصنع الله به خذ هذه القبضة من الآيات:
قال سبحانه: ﴿وَإِيَّيَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠].
وقال سبحانه: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: ۲۸].
وقال سبحانه: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩].
وكيف لنا أن نأمن ونحن نرى كثرة من تقلب وانتكس وارتكس!
والقصد من الخوف ليس ذات الخوف وإنما الإقبال على العمل كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ وَالَّذِينَ هُم بِئايَتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ أُوْلَئكَ يُسَرِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧، ٦١].
فإذا جاء الموت انقطع العمل، فيغلب الرجاء.
وأرشد النبي ﷺ إلى ذلك؛ روى مسلمٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ يَقُولُ: «لاَ يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِالله عَزَّ وَجَلَّ». [صحیح مسلم، رقم الحديث: (٧٤١٢).]
والخوف في الدنيا ثمن الأمن في الآخرة؛ روى الطبراني عـن شداد بن أوس ◙ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ: وَعِزَّتِي وَجَلالِي لا أَجْمَعُ لِعَبْدِي أَبَدًا أَمَنَين وَلَا خَوفَينِ إِنْ هو أَمِنَنِي فِي الدُّنْيَا أَخَفْتُهُ يَومَ أَجَمَعُ فِيهِ عِبَادِي، وَإِن هُوَ خَافَنِي فِي الدُّنيا أَمَّنْتُهُ يوم أَجَمَعُ فِيهِ عِبَادِي». حسنه الألباني. [مسند الشاميين للطبراني، رقم الحديث: (٣٤٩٥).]
وضابط ذلك وما دار في فلكه: ألا تقنط من رحمة الله وألا تتجرأ على محارم الله،
الفرع الرابع: الحياء
يُعرفُ الحياء بأنَّه: انقباضُ النَّفس من شيء وتركه حذرًا من اللوم فيه.
فـهـو عـمـل قلبي يحمل صاحبه على فعل المحاسن وترك القبائح، ومـا هـو مظنة أن يعاب به ويُذَمّ، فالحياء بهذا هو كسوة الإيمان وجماله وبهاؤه، فهو الذي يتحكم في صورة التصرفات من الأفعال والأقوال بحيث تقع على أحسن المواقع.
والحياء من الله تعالى يدفع الإنسان لطلب الكمالات، بحيث يصبح المتعبد ذا حساسية من أي تقصير أو نزول عن مرتبة الإحسان.
فتجد العبد الحيي يستحيي من الله تعالى إذا أعطاه مالا ألا ينفق منه،
إنَّ العبدَ الحَيِيّ يستحيي أن يراه الله لاعبًا، يُقَصِّرُ في ورده مــن القــرآن، وفي تبكيره إلى الصلاة، وفي صلاته للضحى وفي موقعه من قيام الليل ومواطن الثغور.
الفرع الخامس: المحبة والشوق
تُعرَّفُ المحبةُ بأنَّها: ميل القلبِ إلى المحبوب، وهذا يقتضي إيثاره وتقديمه على غيره.
ومحبة الله لا تخرج عن ذلك؛ فهي ميل القلب إليه، وهذا يقتضي إيثار محبوبات الله على محبوبات النفس، وتقديم طاعته على طاعة غيره من النفس والهوى والشيطان وطاعة المخلوقين.
ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية أنَّ المحبة هي أقوى محركات القلوب إلى الله تعالى، وهذا نص كلامه بلفظه: «لا بد من التنبيه على قاعدة تُحرّك القلوب إلى الله فتعتصم به فتقل آفاتها أو تذهب عنها بالكلية بحول الله وقوته، فنقول: اعلم أن محركات القلوب إلى الله ثلاثة: المحبة والخوف والرجاء.
وأقواها المحبة، وهي مقصودةٌ تراد لِذَاتِهَا؛ لأنها تراد في الدنيا والآخرة بخلاف الخوف؛ فإنَّه يزول في الآخرة؛ [مجموع الفتاوى (١/ ٩٥).]
إنَّ للمحبين شأنا آخر، إنهم يفعلون الطاعة حبًّا فيها، وعلامة الحب عندهم أنهم يستكثرون من النوافل ما استطاعوا وليست مفروضةً عليهم، ومـن هـنـا جـوزي المحب بحب الله له ليكون الجزاء من جنس العمل.
روى البخاري في صحيحه. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ◙ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ..». [صحيح البخاري، رقم الحديث: (٦٥٠٢).]
فالنوافل تجلب حب الله تعالى للعبد، وليس الشأن أن تُحِب؛ بل الشأن أن تُحب، والقرآن حافل بالآيات التي تخبر بما يجلب حبّ الله تعالى،
الفرع السادس: الذُّلّ
وهذا عمل قلبي عظيم؛ فإنَّه مرتبط ارتباطاً مباشرًا بالتعبد.
وقد تولى ابن القيم بيان هذه العلاقة فقال: «حقيقة التعبد: الذل والخضوع للمحبوب»، ومنه قولهم: طريقٌ مُعبَّد؛ أي مُذلَّلٌ قد ذللته الأقدام.
فالعبد هو الذي ذلله الحبُّ والخضوع لمحبوبه.
ومقام الذل يقع منها في الصدر؛ لأنَّه يجعل العبد سهل الحركة والتحريك، لينا هينا، إذا بلغه أمر ربه أقبل عليه، ولو كان في اتجاه آخر ثم ذُكِّـر بـالله فإنه يستدير بسهولة امتثالا لأمر الله.
أبو طالب المكي يقول: «يقال من علامات التوفيق ثلاث: دخول أعمال البرِّ عليك من غير قصد لها، وصرف المعاصي عنك مع الطلب لها، وفتح باب اللجأ والافتقار إلى الله في الشدة والرخاء. ويقال من علامات الخذلان ثلاث: تَعَمُّر الخيرات عليك مع الطلب لها، وتيسر المعاصي لك مع الرهب منها وغلق باب اللجأ والافتقار إلى الله عزَّ وجلَّ».
وعلى قدر تمريغ الأنف في الأرض في السجود تبقى في صعود؛ روى مسلم في صحيحه عن ربيعة بن كَعْبِ الأَسْلَمِيِّ قَالَ: كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ فَقَالَ لِي: «سَلْ» فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ. قَالَ: «أَوَغَيْرَ ذَلِكَ»؟ قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ. قَالَ: «فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ». [صحیح مسلم، رقم الحديث: (۱۱۲۲).]
وفي آي التنزيل قوله سبحانه: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب﴾ [العلق: ۱۹].
عن طاووس التابعي قال: إنّي لفي الحِجْرِ ذات ليلة إذ دخل علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب فقلت: رجل صالح من أهل بيت الخير لأستمعن إلى دعائه الليلة فصلى إلى السَّحَر فأصغيت سمعي إليه فسمعته يقول في سجوده: «عُبَيدُكَ بفنائك، مسكينك بفنائك، فقيرك بفنائك، سائلك بفنائك». قال طاووس: فحفظتهن، فما دعوتُ بِهِنَّ فِي كُلِّ كربٍ إِلا فُرِّجَ عَنِّي.
تاریخ دمشق لابن عساكر (٤١/ ٣٨٠).
ومن ذات المشكاة ما جادت به قريحة الإمام الغزالي رحمه الله حين كان يتكلم عن الكبر وآثاره فقال: «والعالم هو الذي فهم أنَّ الله تعالى قال له: إنَّ لك عندنا قدرًا ما لم تر لنفسك قدرًا».
إحياء علوم الدين (3/351).
الفرع السابع: التعظيم
على قدر معرفـة الـعـبـد بـربـه يكون تعظيمه لـه في قلبه، فأعـرف الـنـاس بـالله أشــدهـم لـه تعظيمًا وإجلالا.
وقد ذم الله تعالى من لم يعظمه حقّ عظمته ولا عرفه حق معرفته ولا وصفه حق صفته فقال سبحانه: ﴿ما لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣].
قال ابن عباس رضي الله عنهما: أي ما لكم لا تُعَظَّمُون الله حقَّ عظمته، وقال: أي مـا لكـم لا ترجون الله عظمة، وقال مجاهد: كانوا لا يبالون عظمة الله.
ومن عظم الأمر عظم الأوامر، ومن ضعف في قلبه تعظيم الآمر رأيته يحتـال للتفلت من الأوامر.
يقول ابن القيم: أول مراتب تعظيم الحق سبحانه: تعظيم أمره ونهيه، وذلك أنَّ المؤمنَ يعرف ربه برسالته التي أرسل بها رسوله إلى الناس كافة، ومقتضاها: الانقياد لأمره ونهيه، وإنما يكون ذلك بتعظيم أمر الله واتباعه، وتعظيم نهيه واجتنابه.
فيكون تعظيم المؤمن لأمر الله تعالى ونهيه دالا على تعظيمه لصاحب الأمر والنهي، ويكون بحسب هذا التعظيم من الأبرار المشهود لهم بالإيمان والصدق وصحة العقيدة والبراءة من النفاق الأكبر.
روى مسلمٌ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبِ ◙ قَالَ: رَمَقْتُ الصَّلَاةَ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ فَوَجَدْتُ قِيَامَهُ فَرَكْعَتَهُ فَاعْتِدَالَهُ بَعْدَ رُكُوعِهِ فَسَجْدَتَهُ فَجَلْسَتَهُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ فَسَجْدَتَهُ فَجَلْسَتَهُ مَا بَيْنَ التَّسْلِيمِ وَالانْصِرَافِ قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ.
صحیح مسلم، رقم الحديث: (١٠٨٥) وعند البخاري بلفظ يستثني القيام والقعود كما في الحديث رقم: (۷۹۲).
وقد قلت لك في صدر الكلام: من عظم الأمر عظم الأوامر، ومن ضعف في قلبه تعظيم الآمر رأيته يحتال للتفلت من الأوامر.
وتعظيم الأوامر هذا يأخذ بنا إلى تَحَلّي المتعبد بعبودية سمعتُ لفظها من فضيلة الشيخ كريم حلمي وفقه الله هي «عبودية الاكتراث».
فإذا كان كثير من الناس لا يبالون بالأعمال الصالحة ولا يكترثون بالمواسم الفاضلة.. فإنَّ العبدَ المُوَفَّقَ مكترث بها متفاعل معها، فالاكتراث معناه الاعتناء.
جاء عن مجاهد في قوله: {إِنَّا أَخَلَصْنَهُم بِخَالِصَةِ ذِكْرَى الدَّارِ} أنه قال: أي بذكر الآخرة فليس لهم هم غيرها.
وهذا أحد التأويلين في الآية، والتأويل الآخر: أنهم كانوا يُذكِّرون الناس الدار الآخرة ويدعونهم إلى طاعة الله والعمل للدار الآخرة، فهو نتيجة للأول.
وهذا الصنف من العباد مُبشَّر على لسان رسول الله ﷺ بثلاث نـعـم قـل مـن يتيقظ لها؛ روى الترمذي في سننه من حديث أنس بن مالك ◙ قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ كَانَتْ الْآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ الله غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ». صححه الألباني. [سنن الترمذي، رقم الحديث: (٢٤٦٥).]
الشيخ الدكتور فريد الأنصاري قال: «إنَّ كثيرًا من طلبة العلوم الشرعية بما أعرضوا عن التربية الروحية؛ تخلية وتحلية ساءت أخلاقهم، وفسدت نياتهم، وانحرفت أعمالهم، فما صلحوا لا لأنفسهم ولا لغيرهم، وإنما الغاية من طلب العلم نيل رضا الله جل علاه، فإذا أخطأه العبد فقد خاب وخسر، وكفى بقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَؤُا﴾ [فاطر: ۲۸] ضابطًا لقصد الشارع من العلم والتعلم، وقد فسر أهل العلم {العُلَمَؤُا} هنا بأنهم العلماء بالله وبأمره.
فما عالم ليست له خلوات بجوف الليل الآخر، يتبتل فيها إلى الله ويدعوه رغبا ورهبا.
وما عالم ليست له أوقات مع ربه يذكره فيها ويستغفره ويُسَبِّحُه.
وما عالم ليست له أشواق ولا أذواق، ولا حياة لوجدانه بمسالك المحبة الإيمانية، ولا معرفة لقلبه بمدارج الخوف والرجاء.
ماذا يرجى من كان هذا حاله من ورائه لهذه الأمة!
وماذا يمكن أن يفيد في تربية الخلق! وفاقد الشيء لا يعطيه.
إنَّ العالم الذي ليس له عمق روحي لا يمكن أن يفيد الأمة بشيء دعوة وتربية؛ إذ الدعوة إلى الله إنما هي قائمة على سقي ذَوبِ الروح للعطشى والمحرومين، ونشر مواجـيـد الرحمة والمحبة للحيارى والمحزونين.
فأنى لمن تخشَّب قلبه أن يجد ذلك بله أن يعطيه للناس!
ألا وإنَّ ذلك إنما يتأتى {لَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [ق: ٣٧]، وإنما الموفق من وفقه الله، فلا بد لطالب العالميَّةِ إذن من حمل النفس على مقتضى الأدب في المعاملة مع الله والمعاملة مع خلقه وإلا كان من الهالكين.»
مفهوم العالمية من الكتاب إلى الربانية ص (١٢١-١٢٢).
رأيت أن أخصص الخاتمة لجواب عما قد يقوم بالأذهان من السؤال عن أفضل العبادات وأنفعها،
والجواب كله من كلام ابن القيم عليه رحمة الله؛
وقبل أن أورده أنبه على أنَّ التفاضل إنما يقع عند التزاحم الحقيقي بين الأعمال، بحيث يضيق الوقت عن فعلها جميعًا، فحينئذ يلجأ للترجيح بحسب مخرجات الموازنة والأولويات، وإلا فإنَّ الأصل أن يأتي بكلِّ الأعمال بحسب القدرة وواجب الوقت فالأعمال تتكامل ولا تتنافر.
والآن آتي إلى كلام الإمام ابن القيم عليه رحمة الله في كتابه الرائع المتين: «مدارج السالكين» فإنه قال:
فصل، ثم أهل مقام إياك نعبد لهم في أفضل العبادة وأنفعها وأحقها بالإيثار والتخصيص أربع طرق، فهم في ذلك أربعة أصناف:
الصنف الأول:
عندهم أنفعُ العبادات وأفضلها أشقُهَا على النفوس وأصعبها.
قالوا: لأنه أبعد الأشياء عن هواها، وهو حقيقة التعبد، والأجـر عـلى قـدر المشقة،
… الصنف الثاني:
قالوا: أفضل العبادات التجردُ والزهد في الدنيا والتقلل منها غاية الإمكان،
… إذا أذن المؤذن وأنت تحت العرش فقم وأجب داعي الله ثم عد إلى موضعك!
وهذا لأنَّ الجمعية على الله حظ الروح والقلب، وإجابـة الـداعـي حـق الــرب، ومن آثر حظ روحه على حقٍّ ربِّه فليس من أهل إياك نعبد.
الصنف الثالث:
رأوا أنَّ أنفع العبادات وأفضلها ما كان فيه نفع متعد،
… الصنف الرابع:
قالوا: إنَّ أفضل العبادة العمل على مرضاة الرب في كل وقـت بـمـا هـو مقتضى ذلك الوقت ووظيفته.
فأفضل العبادات في وقت الجهادِ الجهادُ وإن آل إلى ترك الأوراد من صلاة الليل وصيام النهار، بل ومن ترك إتمام صلاة الفرض كما في حالة الأمن.
والأفضل في وقت حضور الضيف مثلا القيام بحقه والاشتغال به عن الورد المستحب، وكذلك في أداء حق الزوجة والأهل.
والأفضل في أوقات السَّحَر الاشتغال بالصلاة والقرآن والدعاء والذكر والاستغفار.
والأفضل في وقت استرشاد الطالب وتعلم الجاهل الإقبال على تعليمه والاشتغال به.
والأفضل في أوقات الأذان ترك ما هو فيه من ورده والاشتغال بإجابة المؤذن.
والأفضل في أوقات الصلوات الخمس الجد والنصح في إيقاعها على أكمل الوجوه، والمبادرة إليها في أول الوقت والخروج إلى الجامع وإن بعـد كـان أفضل.
والأفضل في أوقات ضرورة المحتاج إلى المساعدة بالجاه أو البدن أو المال الاشتغال بمساعدته وإغاثة لهفته وإيثار ذلك على أورادك وخلوتك.
والأفضل في وقت قراءة القرآن جمعية القلب والهمة على تدبره وتفهمه حتى كأنَّ الله يخاطبك به فتجمع قلبك على فهمه وتدبره والعزم على تنفيذ أوامره أعظم من جمعية قلب من جاءه كتاب من السلطان على ذلك.
والأفضل في وقت الوقوف بعرفة الاجتهاد في التضرع والدعــاء والذكر دون الـصــوم المضعف عن ذلك.
والأفضل في أيام عشر ذي الحجة الإكثار من التعبد لا سيما التكبير والتهليل والتحميد، فهو أفضل من الجهاد غير المتعين.
والأفضل في العشر الأخيرة من رمضان لزوم المسجد فيه والخلوة والاعتكاف دون التصدي لمخالطة الناس والاشتغال بهم، حتى إنَّه أفضل من الإقبال على تعليمهم العلم وإقرائهم القرآن عند كثير من العلماء.
والأفضل في وقـت مـرض أخيك المسلم أو موته عيادته وحضور جنازته وتشييعه وتقديم ذلك على خلوتك وجمعيتك.
والأفضل في وقت نزول النوازل وأذاة الناس لك أداء واجب الصبر مع. خلطتك بهم دون الهرب منهم؛ فإنَّ المؤمنَ الذي يُخَالِطُ النَّاسَ ليصبر على أذاهم أفضل من الذي لا يخالطهم ولا يؤذونه.
والأفضل خلطتهم في الخير؛ فهي خير من اعتزالهم فيه، واعتزالهم في الشر؛ فهو أفضل من خلطتهم فيه.
فإن علم أنه إذا خالطهم أزاله أو قلله.. فخلطتهم حينئذ أفضل من اعتزالهم.
فالأفضل في كل وقت وحال إيثار مرضاة الله في ذلك الوقت والحال، والاشتغال بواجب ذلك الوقت ووظيفته ومقتضاه.
وهؤلاء هم أهل التعبد المطلق، والأصناف قبلهم أهل التعبد المقيَّد، فمتى خرج أحدهم عن النوع الذي تعلّق به من العبادة وفارقه فإنه يرى نفسه كأنه قد نقص، وترك عبادته، فهو يعبد الله على وجه واحدٍ، وصاحب التعبد المطلق ليس له غرض في تعبد بعينه يؤثره على غيره، بل غرضه تتبع مرضاة الله تعالى أين كانت.
… فهذا هو المتحقق بـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ حقًّا، القائم بهما صدقًا.
مدارج السالكين (١/ ٨٥-٩٠) بتصرف يسير جدًّا.
أسأل الله تعالى أن يجعلنا من أهل هذا الصنف، وأن يفقهنا في الدين، ويدخلنا برحمته في عباده الصالحين.
الحمد لله رب العالمين
