﷽
خُلاصة كتاب:
أيعيدون اختراع شخصية يسوع!
كيف أساء المُتشكِّكُون المُعاصرون فهم شخصية يسوع الحقيقية وأضلوا الثقافة الجماهيرية
تأليف:
جي أد كومزوسكي – أم جيمس سوير – دانيال بي ولاس
Reinventing Jesus
How Contemporary Skeptics Miss The Real Jesus
And Mislead Popular Culture
J. Ed Komoszewski – M. James Sawyer – Daniel B. Wallace
الفهرس:
مقدمة: أنعيد اختراع شخصية يسوع؟
الفصل الأول: الإنجيل الذي وراء الأناجيل
الفصل الثاني: التعليم الشفهي وثقافة الحفظ
الفصل الثالث: يسوع غريب عنَّا (لا نعرفه) ومعايير الصِّحَّة والأصالة
الجزء الثاني: فاسد سياسيا؟ تشويه نصوص “العهد الجديد” القديمة
الفصل الرابع: هل يمكننا أن نثق في العهد الجديد؟ كمية وكيفية الاختلافات النصية
الفصل الخامس: أساطير حول المخطوطات
الفصل السادس: وفرة هائلة: استرداد صياغة النص الأصلي للعهد الجديد (الجزء 1)
الفصل السابع: أساليب النقد النصي، استرداد صياغة النص الأصلي للعهد الجديد. (الجزء ٢)
الفصل الثامن: هل ما لدينا الآن هو ما كتبوه في ذلك الوقت؟
الجزء الثالث: هل قيدت الكنيسة الأولى حرية تعيين الأسفار المعترف بها؟
الفصل التاسع: نطاق الأسفار القانونية
الفصل العاشر: ماذا كانت الكنيسة الأولى تعتقد بشأن الانتحال أو التزييف؟
الجزء الرابع: ألوهية يسوع، هل هي تقليد قديم أم خرافة متأخرة؟
الفصل الثاني عشر: الصور الإلهية: يسوع في الأناجيل
الفصل الثالث عشر: العبادة الأسمى
الفصل الخامس عشر: مجرد إله؟ القضية الحقيقية في نيقية
الجزء الخامس: ادعاء مروع: هل انتحلت المسيحية الآلهة الأسطورية؟
الفصل السادس عشر: الصلات المفترضة بين المسيحية والديانات الوثنية
الفصل السابع عشر: الميلاد العذراوي للإسكندر الأكبر
الفصل الثامن عشر: أوزوريس، وفرانكشتاين، ويسوع المسيح
د. القس مكرم نجيب
(راعي الكنيسة الإنجيلية، مصر الجديدة)
هذا يعني بكل الوضوح أن المعارك التي تحاول تقويض الإيمان المسيحي بكل الطرق مازالت قائمة وفاعلة بالهجوم على شخصية يسوع، وبالنقد لنصوص العهد الجديد بغية النيل من مصداقيته هذه المعارك مازالت قائمة ودائمة من القرن الأول حتى الآن.
هذه النهضة قد تحولت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر إلى اتجاهين مختلفين، اتجاه يؤمن بالعقلانية المجردة التي اتبعت أسلوب “النقد الأعلى” وقد هجر هذا الاتجاه الإيمان، مؤمناً بالنظريات العقلية.
أما الاتجاه الثاني للنهضة العلمية فقد أسفر عن “النقد الأدنى” وهو من أعظم ما أعان الكتاب المقدس وخدمه، إذ اتجه إلى دراسة المخطوطات دراسة علمية دقيقة،
الدكتور القس أنسى أنيس يونان
مدير برنامج التربية المسيحية في رابطة الكنائس الإنجيلية في الشرق الأوسط، ومحاضر زائر في كلية اللاهوت الإنجيلية في مصر
إما أن نتبع طريقة النعامة التجاهل والإنكار والتصرف كأن لا شيء هناك، أو أن نسلك طريقة الأسد (الدفاع الغاشم والهجوم الجارح)، أو أن نتبنى طريقة البومة اليقين الواعي والفهم الهادئ والرد الموضوعي والسلوك الحكيم).
إن هذا الكتاب – في رأيي – يمثل أروع ممارسة لطريقة البومة المثالية وأشعر أن خروج نسخة عربية منه إلى النور بركة من الله لا غنى عنها لأى إنسان في منطقتنا، فهو لا غنى عنه لأى متخصص يهتم بالأسلوب العلمي الدقيق وبالبحث التاريخي الممحص وبالجانب الأكاديمي، ولا غنى عنه للقارئ العادي الذي يحتاج إلى الأدلة الواضحة المنطقية والبديهية وإلى الأسلوب العملي السلس والبسيط.
القس عصام عطية برسوم
راعي الكنيسة الإنجيلية العربية – أبو ظبي
هذا الكتاب بمنهجيته ووسائله العلمية الدقيقة يعيد تقديم الحق الأزلي (يسوع المسيح)، بل ويكشف جوانب ربما لم يدركها أو يميزها الإنسان من قبل.
على أن الأمر الجدير بالذكر في هذا الكتاب هو عمل العقول العظيمة – الماضية والحاضرة – التي صارعت بضراوة وبشرف للحصول على المعلومات التاريخية، وهكذا فإننا اعتمدنا على عمالقة.
لكننا نتحمل مسئولية أية تقصيرات أو هفوات في هذا الكتاب هذا لأن براهين المسيحية التاريخية زاخرة ووفيرة، رغم أنها أحياناً ما تكون معقدة ومركبة، ولذلك فقد كنا في كثير من الأحيان تتحير بشأن ما يجب أن يقال وما لا يجب أن يقال وكيف يقال. لكننا بلا شك قد فقدنا بعض الأمور في سعينا للتقليل من الكم الهائل من البراهين حتى تصل إلى حجم معقول يمكن التعامل معه. … ليس لكل شخص الميل أو القدرة على أن يفك الطلاسم المتشابكة المعقدة لرجال مثلنا يعيشون لأجل هذه الأمور.
ونصلى أن يساهم هذا العمل في الرد على المتشككين في صحة شخص يسوع المسيح كما تؤمن به الكنيسة اليوم وفي صحة الكتاب المقدس الذي بين أيدينا اليوم ويرد الكثيرين إلى معرفة الحق.
وذلك بالعقل والمنطق والبراهين التاريخية.
فلا تخافوا من الحق… فالحق وحده سيحرركم»
وإذا كنت متشككاً بشأن يسوع الذي يتحدث عنه الكتاب المقدس، فإني أتمنى أن تكتشف أن خطوة واحدة تجاهه لا تستدعى أن تترك عقلك خلفك. … فإننا نريدك أن تعلم أن الإيمان بالتجسد – أي بدخول الله إلى حيز الزمان والمكان في العالم كإنسان منذ قرنين من الزمان – يجبرك على أن تنظر إلى التاريخ بجدية.
لم يكتب هذا الكتاب للعلماء بل للأشخاص العاديين – الذين لديهم الحافز والرغبة في المعرفة.
بول إل ماير
مؤلف كتاب In the Fullness of Time
أستاذ التاريخ القديم، بجامعة ويسترن ميتشجان
يجب على الناس أن يعلموا أن الإنجيل والسجلات القديمة للكنيسة جديرة بالثقة إلى أقصى الحدود، ولكنهم يتعرضون للتضليل بواسطة سلسلة من الكتب والأفلام السينمائية والبرامج التليفزيونية الموجودة حالياً، التي تقدم ضلالاً بدلاً من الحق، وإثارة بدلاً من الفهم، والتطرف بدلاً من الحقيقة. … ورغم أن هذا الكتاب يسعى للوصول إلى عامة الناس إلا أن المتخصصين أيضاً يمكنهم أن يقرأوا هذه الصفحات وينالوا فائدة جمة، فقد نلتها أنا بالفعل!
جي بي مورلاند
أستاذ متميز في الفلسفة بجامعة بيولا ومدير مركز إيدوز المسيحي
فإن كتاب “أيعيدون اختراع شخصية يسوع هو كتاب متفرد من حيث أنه يشمل هذا الأمر ويتخطاه أيضاً، بمعالجة قضايا تتعلق بدقة نصوص العهد الجديد، وبمصداقية الأسفار القانونية للعهد الجديد وبالعلاقة بين يسوع وتطور الفكر حول لاهوت المسيح المتأصل في خرافات الديانات الوثنية. هذا الكتاب هو بالحقيقة مرجع نرحب به.
مايكل ليكونا
مؤلف The Case for the Resurrection of Jesus و Paul Meets Muhammad مدير هيئة التبشير وعلوم الدفاع عن الإيمان المسيحي، بمجلس إدارة إرسالية أمريكا الشمالية
يقوم هؤلاء العلماء الثلاثة بتقديم أسباب قوية للاعتقاد بأن العهد الجديد يقدم أكثر الصور دقة عن حقيقة يسوع.
جوش ماكدويل مؤلف ومتحدث دولي
يضع كتاب أيعيدون اختراع شخصية يسوع الدراسات التي تعتبر في أعلى الدرجات يضعها في أدنى الدرجات. فقد أتقن كل من كومزوسكي، وسوير، ووالاس، كتاباً مدروساً بعناية، وموثقاً بغزارة، ومكتوبا بوضوح. وسوف يعوّض هذا الكتاب بسخاء عن جهد أي قارئ جاد يبحث عن الدلائل الحقيقية خلف الاعتقاد التاريخي بألوهية المسيح.
سكوت ماكنايت كارل إيه أولسون
أستاذ الدراسات الدينية، بجامعة نورث بارك
مهما كانت المشاكل الموجودة في المسيحية القويمة من ناحية إظهار المصداقية التاريخية أو الاستقامة التاريخية، فإن المشكلة لا تكمن فيما إذا كان العهد الجديد نفسه يحوى ما كان مكتوباً في المخطوطات الأصلية أم لا. بل الحقيقة أنه بالرغم من تلاطم الاختلافات، إلا أن البراهين المتوفرة لدينا تجعلنا ندرك تماماً أننا نتعامل مع الإنجيل والرسائل والكتابات الأصلية التي كتبت منذ القرن الأول.
فرانسيز جي بيكويث
أستاذ مساعد في الدراسات الكنسية – الدولية، جامعة بايلور
من يقول الناس إني أنا؟ هذا السؤال طرحه يسوع على تلاميذه، وهو سؤال لا يزال يطرح اليوم.
ديفيد جريجورى
مؤلف كتاب “Dinner with a Perfect Stranger“
يوضّح مؤلفو كتاب “أيعيدون اختراع شخصية يسوع” بصورة مقنعة أن يسوع الإيمان ويسوع التاريخ هما ،واحد ، وهما نفس الشخص.
مقدمة: أنعيد اختراع شخصية يسوع؟
هدفنا الأول هنا هو أن نقدم برهاناً إيجابياً للصحة التاريخية للمسيحية.
إذا كانت الأناجيل الأولى قد كتبت بعد حياة يسوع بعدة حقب، فكيف لنا أن نعرف أن من كتبوا الإنجيل قد قصّوا الرواية بطريقة صحيحة؟
إذا كان من كتبوا الإنجيل قد رووا القصة صحيحة، فكيف تعرف إن كانت الأناجيل وغيرها من وثائق العهد الجديد قد نسخت بأمانة؟ فهل ما لدينا الآن هو ما كتبوه عندئذ؟
إذا كان من كتبوا الإنجيل قد حصلوا على الرواية السليمة وتم نسخ تلك الوثائق بأمانة فكيف نعرف أن الوثائق الصحيحة هي التي تم وضعها في الكتاب المقدس؟ كيف قررت الكنيسة أية وثائق ستدمجها في الكتاب المقدس؟
إذا كان من كتبوا الإنجيل قد حصلوا على الرواية الصحيحة، وتم نسخ الوثائق بأمانة، وتم إدراج الوثائق السليمة في الكتاب المقدس، فماذا يقول هذا عن الإيمان الأساسي بيسوع؟ هل كان رأى أتباع يسوع أنه أكثر من مجرد إنسان منذ بداية المسيحية؟ أم أن ألوهية يسوع كانت من اختراع المجمع الكنسي في القرن الرابع؟
وإذا كان من كتبوا الإنجيل قد حصلوا على القصة الصحيحة، وكانت الوثائق قد نسخت بأمانة، وتم إدراج الوثائق الصحيحة في الكتاب المقدس، وكان الكتاب المقدس يكشف الاعتقاد بألوهية يسوع، فكيف لنا أن نعرف أن الأمر كله غير مسروق أو منتحل من ديانات أخرى؟
سنقوم بتركيز اهتمامنا في الأساس على سلامة وصحة نصوص العهد الجديد، حيث أنها تشهد بصحة الاعتقاد التاريخي بألوهية يسوع. وفي هذه الحالة فإن منهجنا سيكون أولاً تاريخياً أكثر منه لاهوتياً،
كما قال أحد العلماء البريطانيين: “إننا نعامل الكتاب المقدس على أنه مثل أي كتاب آخر، لكي نبين أنه ليس مثل أي كتاب آخر.“
الفصل الأول: الإنجيل الذي وراء الأناجيل
إن يسوع كما تخبرنا عنه الأناجيل هو بنية لاهوتية خيالية، نسجت داخلها آثار لغز ذلك الحكيم الذى من الناصرة. إنها آثار تصرخ طلبا للاعتراف بها والتحرر من القبضة القوية لمن سيطر إيمانهم على ذاكرتهم. إن البحث عن يسوع الحقيقي هو بحث عن يسوع الذي نهيناه. [روبرت دبليو فانك، وروى دبليو هوفر و “مدرسة يسوع”، والأناجيل الخمس.]
كيف يمكننا أن نعرف ما إن كان من كتبوا الأناجيل قد عرفوا القصة الصحيحة؟ ولماذا تأخرت كتابة الأناجيل لعدة حقب؟ وماذا حدث في ذلك الوقت؟ أليس من المحتمل أن يكون من كتبوا الأناجيل أو البشيرون، كما يطلق عليهم في بعض الأحيان قد نسوا ببساطة معظم التفاصيل الخاصة بما قاله وفعله يسوع عندما بدأوا في الكتابة؟ وحيث أنه من الواضح أن جميع من كتبوا الأناجيل كانوا أناساً مؤمنين، فكيف نعرف ما إن كان إيمانهم لم يقف في طريق الرواية التاريخية الدقيقة وحيث أنهم كانوا يكتبون إلى جماعات محددة، فكيف تعرف أنهم لم يعيدوا بتطرف كتابة المادة لكي تتوافق مع احتياجات جمهورهم؟
تعريف المصطلحات
تبدأ بتعبير “الأناجيل المتشابهة”. وكلمة “المتشابهة” هنا تشير إلى تلك الأعمال التي تتبنى نفس وجهة النظر، وهكذا فالأناجيل المتشابهة هي تلك التي تنظر إلى يسوع بنفس الطريقة تقريباً. ويبدو أن هناك ثلاثة أناجيل تتداخل فيها المادة تقريباً (في كل من التعبيرات اللفظية وترتيب الروايات)؛ ولذلك فإنهم معروفون باسم الأناجيل المتشابهة، وهم إنجيل متى وإنجيل مرقس وإنجيل لوقا لكن نظرة إنجيل يوحنا إلى يسوع تختلف عن هذه الأناجيل، حتى أنه قدر أن تسعين بالمائة من المادة التي وردت في إنجيل يوحنا ينفرد بها هذا الإنجيل، بينما هناك أقل من عشرة بالمائة من إنجيل مرقس يتفرد به هذا الإنجيل. ولذلك لا يعتبر إنجيل يوحنا واحداً من الأناجيل المتشابهة.
هناك علاقة أدبية بين الأناجيل المتشابهة. وهذا يعنى أن أناجيل متى ومرقس ولوقا لم يكتبوا بمعزل تام عن بعضهم البعض، بل إن كاتبيهم قد اشتركوا في بعض الاقتباسات الأدبية.
ثانيا، فيما يختص بالعلاقة الأدبية، يعتمد معظم العلماء على أسبقية إنجيل مرقس، والصياغة المعتادة لذلك أن إنجيل مرقس هو أول إنجيل كتب، واستفاد كل من متى هي ولوقا من مرقس بصورة مستقلة في كتابة كل منهما لإنجيله ومع ذلك فهناك نسبة قليلة من العلماء يعتقدون بأسبقية إنجيل متى والصياغة المعتادة لهذا هي أن إنجيل متى كتب أولاً ثم كتب لوقا بعده ولكن بصورة مستقلة عنه. ثم قام مرقس باستخدام كل ما كتبه متى ولوقا في كتابة إنجيله.
هناك نقطة أخرى بشأن نقد المصدر نحتاج أن نذكرها، وهى أن من يعولون على أسبقية إنجيل مرقس يعتمدون عامة على فرضية المصدر الرباعي وهذا يعني في الأساس أن متى ولوقا قد استخدما أربعة مصادر مختلفة في كتابة إنجيليهما. وقد تم تحديد هذه المصادر الأربعة كالآتي:
مرقس: إنجيل مرقس
ك: إما مصدر مكتوب لم يعد موجوداً أو.. مصدر شفهي مثل ما تسلموه من حياة وتعاليم يسوع بصورة خاصة من خلال الكلمة المنطوقة أكثر مما عن طريق نص مكتوب)، أو بعض من هذا وذاك.
م: مادة تفرّد بها متى. ويعتقد بعض العلماء أنها نوع من المصدر المكتوب، بينما يعتقد آخرون أنه شفهي؛ ولا يزال آخرون يعتبرون البشير هو مصدر المعلومات لنفسه، لو كان شاهد عيان.
ل: مادة تفرّد بها لوقا وحيث أن إنجيل لوقا بالتأكيد لم يكتب بواسطة شاهد عيان ففي لوقا 1:1-4 يذكر الكاتب أنه استخدم مصادر في كتابته لإنجيله)، فلابد أن تكون هذه المصادر غير البشير نفسه.
على سبيل المثال فإن الترجمات العربية الحديثة مثل ترجمة كتاب الحياة والترجمة العربية المبسطة وترجمة الكتاب الشريف، كلها تعتبر تنقيحات لترجمة فاندايك التي صدرت عام ١٨٨٦.
إن تحديد العلاقة بين هذه الترجمات يعبر عنه بمصطلح “نقد المصدر”.
السؤال الأول: هل كان لدى من كتبوا الأناجيل الرواية السليمة المختصة بيسوع؟
هذا يعني اكتشاف موضوع الإنجيل الذى وراء الأناجيل. ولهذا فإننا سنتعامل مع نشر كلمات وأعمال يسوع قبل تدوينها في الأناجيل، ويطلق على هذا التعليم الشفهي.
وهكذا فإننا نحتاج أن نعرف مقاييس الصحة والأصالة.
هل كان من كتبوا الأناجيل أمناء في تسجيل ما قاله وما فعله يسوع؟
لماذا الانتظار؟ الإبطاء في كتابة الأناجيل
أياً كانت الحسابات فقد تمت كتابة الأناجيل بعد بضعة حقب من قيامة يسوع.
موضوع النقاش هنا هو ما حدث فيما بين زمن قيامة يسوع وزمن كتابة الأناجيل. وهذا الموضوع يتضمن سؤالين: لماذا كان هذا التباطؤ في كتابة الأناجيل؟ وماذا حدث في الفترة ما بين قيامة يسوع وكتابة الأناجيل؟
من الأفضل أن نسأل لماذا كتبت الأناجيل من الأساس؟ فإذا فكرنا من منطلق التباطؤ، فإن هذا يفترض مسبقاً أن كتابة الأناجيل كانت في أذهان هؤلاء الكتاب منذ البداية، ولكن بالتأكيد لم تكن هذه هي الحالة. … فابتداء من أورشليم، ثم الانتقال بعد ذلك إلى اليهودية والجليل والسامرة، أصبحت الأخبار السارة عن يسوع معروفة، … بدأ اليهود يشكون بولس وسيلا لمجلس المدينة، قائلين: “إن هؤلاء الذين فتنوا المسكونة حضروا إلى ههنا أيضاً.” (أعمال ١٧: ٦).
ويكرر سفر أعمال الرسل أن البشارة كانت تنتشر وكانت الكنائس الصغيرة تنمو بسرعة. وقد أكد بولس هذا الأمر في رسائله،
بكلمات أخرى، انشغل الرسل وقادة الكنيسة الناشئة بنشر الإنجيل شفهياً، ولم تكن هناك حاجة لأن يفكروا في إنجيل مكتوب في ذلك الوقت.
كثيراً ما يشير العلماء إلى وجود عاملين ساعدا على كتابة الأناجيل. الأول هو أن الرسل بدأوا يموتون الواحد تلو الآخر. والثاني هو أن مجيء الرب ثانية كان من الواضح أنه لن يحدث في خلال الحقب القليلة الأولى من وجود الكنيسة.
على أنه لم يكن في إمكان بولس على الإطلاق أن يكتب إنجيلاً، في المقام الأول لأنه لم يعرف يسوع في حياته الأرضية. … فالحقيقة هي أن كل إنجيل من الأناجيل كانت هناك أسباب خاصة لكتابته وكان موجهاً لأناس معينين عند كتابته.
يعتبر معظم العلماء أن مرقس كان هو الإنجيل الأول، وأنه كتب قبل ستينيات القرن الميلادي الأول. فإن كان يسوع قد صلب في عام ٣٠ أو ۳۳ هناك نوع من الجدل حول هذين التاريخين) يكون الإنجيل الأول عندئذ قد كتب خلال العقود الأربعة التالية لموت يسوع.
وحتى لو كان إنجيل مرقس قد كتب في هذا الوقت المتأخر، فكان هناك الكثير من شهود العيان الذين مازالوا أحياء ليؤكدوا حقيقة ما كتب.
النقطة الأولى: إذا كان لوقا قد استعان بإنجيل مرقس في كتابة إنجيله (كما يعتقد معظم العلماء)، يكون إنجيل مرقس بالتأكيد قد كتب قبل إنجيل لوقا.
ماذا حدث في ذلك الوقت؟
فقد كان الناس، إذ يشعرون بالجوع للمعرفة عن الرب يسوع، يسألون الرسل، وهكذا فإن القصص عن يسوع وأقوال يسوع كانت تتكرر مئات بل ربما آلاف المرات بواسطة العشرات من شهود العيان قبل كتابة الإنجيل الأول.
فإن كان التبشير الأول بيسوع قد تغير في سنوات لاحقة، لكان الجيل الأول من المسيحيين بالتأكيد عرفوا بهذا التغيير واعترضوا عليه.
وفي الحقيقة، إن الرسالة قد انتشرت منذ اليوم الأول لتكون الكنيسة – يوم الخمسين – منذ أن بشر بطرس بالرسالة لليهود الذين كانوا قد أتوا من أماكن قصية قد تصل إلى روما (أعمال 2: 9-11).
والثاني، أنهم لم يكونوا هم فقط الذين شاهدوا يسوع المسيح عياناً، فالمئات من أتباع يسوع الآخرين قد عرفوه جيداً، ورأوا معجزاته، وسمعوا كلماته. فما علمه يسوع وما فعله لم يحدث في السر أو في الخفاء. [كلام كيلسس عن تحريف الإنجيل هام جدًّا في هذا الموضع]
الفصل الثاني: التعليم الشفهي وثقافة الحفظ
تذكر يسوع
ما مدى دقة التلاميذ في نقل الإعلان عن يسوع؟ [هذا بافتراض إنَّ التلاميذ هُم المصدر فعلاً، وهذا نوع من الخِداع]
لم تكن ذكرياتهم، وما جمعوه من ذكريات مكتوبة. ذكريات فردية، ولكنها كانت جماعية – توثقت بواسطة شهود عيان آخرين، واشتعلت في أذهانهم عن طريق إعادة روايتهم المستمر للقصة. … إنَّ “الذاكرة الجماعية” هي ضربة قاضية للرأي القائل بأن الرسل، ببساطة، قد نسوا يسوع الحقيقي.
فإن شرح كروسان يوضح فقط أن وقت ومكان معجزات يسوع أو أقواله كان يمكن أن يختلط في أذهان التلاميذ لكن لا توجد أية إشارة إلى إمكانية تغيير عمل غير معجزي وتحويله مُعجزة. [الفرق بين متى ومرقس في هذا الصَّدد، مثل النص الذي يقول أنه لم يصنع هُناك ولا قُوَّة واحدة]
يوجد من يعتقدون أن التلاميذ قد أعادوا استرجاع ما قاله يسوع حرفياً. [مثال نص من يقول عني إني أنا ابن الإنسان لها أربع إجابات مختلفة في الأناجيل]
رسوخ ثقافة الذاكرة في العالم اليهودي القديم. [علاقة الأناجيل بالمسيحية اليونانية وليس المسيحية اليهودية]
فيوضح أن يسوع كان يمكن أن يعتبر معلماً ويعتبر أتباعه تلاميذ. وفي مثل هذه العلاقة كان حفظ كلمات المعلم أمراً طبيعياً للغاية، [إثبات أن الحفظ لم يحدث دليل على أن هذه العلاقة لم تحدث]
وعندما يوضع في الاعتبار موضوع تكرار كلمات المعلم لتلاميذه. [ما هو الدليل على هذا التكرار؟!]
لكن المشكلة هي أن الرأي الذي يعتمد على الاستشهاد الحرفي لا يتفق تماماً مع الأناجيل المكتوبة. [دليل واضح على أن منهج كتبة الأناجيل ليس له علاقة بهذه الطريقة اليهودية من تكرار وغيره] فالكثير من العلماء يشيرون إلى أن المؤرخين القدماء لم يكونوا يهتمون بسباس كلمات الشخص عينها، بل في الأغلب بالحصول على جوهر ما كان عليه أن يقوله. وهذا بالتأكيد هو الحال مع كتاب الأناجيل أيضاً. وهكذا فإننا حالياً نحتاج ببساطة لأن نشير إلى أن الأناجيل لا تدون دائماً كلمات يسوع (أو (الآخرين) بنفس الطريقة التي قيلت بها تماماً – حتى بالنسبة للأقوال التي لابد وأنها قد قيلت في مناسبة واحدة فقط (مثلاً صرخة يسوع وهو على الصليب، أو الصوت السماوي الذي سمع عند معمودية يسوع).
التعليل الصحيح
بالرغم من وجود نوع من المرونة في إعادة رواية القصص في الثقافة الشفهية، مثل تلك التي كانت موجودة في فلسطين القديمة، كان هناك جوهر ثابت يتكرر بالضبط وبصورة غير متغيرة.
يُعيد كل بشير رواية كلمات يسوع الحية والقوية بطريقة جديدة لقرائه، بينما يقوم بأمانة وبدقة بعرض “جوهر” ما قاله يسوع. وإني أرى أن هذا المنهج يدرك كون تعاليم يسوع “حية” في ديناميكيتها ونوعيتها.
ناقشنا مسألة أن الرسل وغيرهم من شهود العيان الآخرين قد كرروا رواية تاريخ حياة يسوع كثيراً في الوقت الذي بدأت فيه كتابة الأناجيل. وهذا التكرار بواسطة الكثير من شهود العيان قدم رقابة على جودة التعليم المنقول.
كثيراً، إن لم يكن عادة ما قيلت تعاليم يسوع بصورة إيقاعية أو بأسلوب يمكن لفظه. كما يشير بارنيت: “إن الكثير من تعاليم يسوع كانت تقال بشكل شعرى باستخدام الجناس (تكرار نفس الأصوات أو الحروف)، والسجع (تشابه الأصوات)، والتطابق، والإيقاع. … 80% من تعاليم يسوع كانت تقال بصورة شعرية. [على عكس هذا، هناك نصوص كثيرة توضح أن تلاميذ المسيح لم يفهموا أصلاً كلامه، فهل حفظوا ما لم يفهموا؟!]
ربما دون بعض من تلاميذ يسوع بالفعل مُلاحظات عنه أثناء فترة حياته. … رغم أنه لا يوجد أيضاً دليل على أنهم فعلوا ذلك.
الفصل الثالث: يسوع غريب عنَّا (لا نعرفه) ومعايير الصِّحَّة والأصالة
كيف يقوم العلماء النقاد بتحديد ما إذا كان يسوع قد قال شيئاً مما قد كتب في الأناجيل؟
معيار الاختلاف (التباين)
[هذه القوانين العقلية مبنية أولاً على المُتاح من كلام يسوع في الأناجيل، ثانياً، مبنية في الأساس على الظن، وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً]
يقول المعيار أساساً، إنه إذا وجد قول ينسب إلى يسوع ولكنه يختلف عن تعاليم اليهودية في أيامه، وعما علمته الكنيسة الأولى فيما بعد، فلا بد أن يكون هذا القول صحيحا. … تذكر “مدرسة يسوع” ما يلى على أنه حقيقة، فتقول: إننا نعرف أن البشيرين كثيراً ما نسبوا كلمات مسيحية ليسوع – فجعلوه يتحدث كمسيحي.
ما إذا كان هذا الجزم غير الممحص له ما يبرره أم لا، فهذا هو ما لن نتناوله هنا، إذ أننا نود أن نشير ببساطة إلى أن قول يسوع أشياء تفرد بها هو معيار مهم.
على أن هناك مشكلة رئيسية تختص بمعيار الاختلاف، وهى أنه إذا تم مراعاته بصرامة وجمود، فإن يسوع الذي يتبقى لدينا سيكون يسوع غريباً – شخصاً ليس لديه أي شيء مشترك مع اليهودية في عصره، وليس لديه أي تأثير على أتباعه!
ولكن في ضوء ضعفه الأصلي الأول، فإن هذا المعيار في الحقيقة يمكن شرعياً استخدامه فقط لتقديم تقييم إيجابي، أي أنه يجب ألا يستخدم لإنكار أن يسوع قد قال شيئاً ما حيث أن ما قاله يمكن حقاً أن يشبه اليهودية في عصره، أو الكنيسة الأولى).
إذ إنه حتى عندما يجتاز قول ما أكثر اختبارات التباين صلابة، فإن أصالته رغم ذلك يمكن رفضها.
في الأناجيل، استخدم يسوع كلمة آمين” (الحق) في بداية عبارات قالها هو شخصياً بحسب الأناجيل الأربعة، كان ابن الإنسان تعبير يسوع المفضّل عن نفسه.
… فإن نسب التعبير ليسوع نفسه ليس معناه إنكار أن بعض مرات ورود عبارة “ابن الإنسان” في الأناجيل ربما أضيفت إلى الأقوال الأصلية؛ ولكني لا يوجد سبب يمنع من وجود أصل رباني لكل من النوعين الرئيسيين للأقوال.
إن كان يسوع مجرد حكيم وراو للأمثال، فلماذا إذاً كل هذه الجلبة بشأنه؟ من أين إذا قد أتت كل هذه العداوة الشديدة التي تحيط به؟
ففي القرن الأول الميلادي، كانت حالة اليهود المؤمنين بعقيدة التوحيد قوية للغاية. ولكن الأناجيل كانت تقدم يسوع على أنه أكثر من مجرد نبي، وأكثر من مجرد حكيم، وأكثر من مجرد راو أمثال فإن أفعاله وكلماته تظهره على أنه يكاد يدعى الألوهية.
معيار البراهين المتعددة
يقول هذا المعيار: “عندما يبدو إن قولاً ما يأتي من مصادر متعددة (م، ل ك مرقس) أو في صيغ متعددة (مثلاً، في إطار معجزة، أو مثل، أو رؤية “، فإنه بذلك يكون متعدد البراهين.۱۱ ولكى نتذكر ما قلناه في بداية هذا الفصل، فإن “م ، ل ، ك مرقس تشير إلى المصادر الأربعة التي استخدمها متى ولوقا.
التطبيق الصارم لهذا المعيار سيقدم لنا مفهوماً مشوّهاً عن يسوع، إذ يقبل فقط تلك الأقوال التي رددها يسوع في سياقات مختلفة وبطرق مختلفة، ولكنه سيترك الكثير من الأقوال التي نطق بها يسوع في مواقف متفردة أو قالها مرة واحدة فقط. … إذ إنه لو كان أحد أقوال يسوع قد تم تسجيله مرة واحدة، فهل هذا يعنى أنه لم يقله حقاً؟
معيار الاتساق
يناقش هذا المعيار أن كل ما يكتشفه العلماء عن يسوع في الأناجيل، يجب أن يكون متفقاً أو متسقاً. مع بقية الصور التي رسمها العلماء ليسوع الحقيقي أو التاريخي. … والآن تقوم “مدرسة يسوع” بتأكيد 18% فقط من كلمات يسوع على أنها صحيحة وأصيلة وأنها تنسب إلى يسوع سواء شفهياً أم من ناحية المفهوم.
معيار الحرج
وهو يتعلق بالأمور الموجودة في الأناجيل، التي يمكن رؤيتها على أنها كانت محرجة بالنسبة للمسيحيين الأوائل أو للتلاميذ، أو حتى ليسوع. فالسبب الوحيد الذي لأجله تم وضع مثل هذه الأمور المربكة والمحرجة في الأناجيل هو أنها قد قيلت بالفعل.
فمثلاً، يعلن يسوع في مرقس (13: 32): “وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذين في السماء ولا الابن إلا الآب.” فقد اعتادت الكنيسة الأولى أن تنظر إلى يسوع على أنه أكثر من مجرد إنسان – بل إله في هيكل إنسان. ولذلك فإن هذه العبارة تسبب لهم بالتأكيد نوعاً من الحرج.
يوجد الكثير من العبارات السلبية في إنجيل مرقس عن أبطال المسيحية الأوائل – الرسل – تصلح لهذا المعيار. فمثلاً توبيخات يسوع المتكررة للتلاميذ لعدم إيمانهم، ولعدم فهمهم الواضح لكلامه، ولصراعاتهم على مركز القيادة، تشير جميعها إلى الأصالة. فمن الصعب أن تقرأ إنجيل مرقس دون أن تأخذ انطباعاً سلبياً عن الرسل، مع أن هذا يعتبر أول الأناجيل التي كتبت بحسب رأى معظم العلماء، حيث أن شهود العيان مازالوا على قيد الحياة في ذلك ال بما فيهم بعض الرسل أنفسهم.
هناك شرح آخر لمعيار الحرج وهو الشهود الأوائل على قيامة يسوع. فالأناجيل الأربعة كلها تقول إن النسوة كنّ أول من ذهبن إلى القبر، وأول من علمن أن. يسوع حي. لكن لماذا يسبب هذا حرجاً؟ لأن النساء في المجتمع اليهودي لم تعتبرن شهوداً يعتد بمصداقيتهن.
اعتبارات أخرى
فيقول: “وعرضت عليهم الإنجيل الذى أكرز به بين الأمم ولكن بالانفراد على المعتبرين لئلا أكون أسعى أو قد سعيت باطلاً.” ثم يقول إن “هؤلاء المعتبرين لم يشيروا علي بشيء” (غلاطية 2: 2-6). وهنا نرى في رسالة لا خلاف عليها من الرسول بولس، أن الإنجيل الذي كان الرسول بولس يبشر به على مدى سنوات كان هو نفس الإنجيل الذي بشر به بقية الرسل.
وفي غلاطية 1، يقول بولس إنه بعد حوالى ثلاث سنوات من إيمانه، سمعت الكنيسة في أورشليم أنه كان يبشر “بالإيمان الذي كان قبلاً يتلفه” (ع ٢٣). الأمر المهم هنا هو الاستمرارية والتواصل بين إنجيل الرسل قبل تجديد بولس وبين إنجيل بولس بعد ذلك بقليل. فلا توجد أية إشارة للتواطؤ ، أو أي شعور بأن الإنجيل قد تغير عبر السنين.
مُلخَّص
انتشر الإنجيل وتكررت الروايات عن حياة يسوع وتعاليمه مئات بل آلاف المرات بواسطة شهود عيان من أهل الثقة.
الجزء الثاني: فاسد سياسيا؟ تشويه نصوص “العهد الجديد” القديمة
الفصل الرابع: هل يمكننا أن نثق في العهد الجديد؟ كمية وكيفية الاختلافات النصية
ماذا لو أن نسخ هذه الأناجيل قد حُرِّفت؟ وماذا لو أن أسفار العهد الجديد قد نسخت على نحو رديء بحيث أننا لا يمكن أن نستعيد النص الأصلي؟ … باختصار، هل ما لدينا الآن هو ما كتبوه في الأصل؟
هدفنا هنا هو أن نعرف القارئ بالنظام العام المعروف باسم النقد النصي. … بنهاية هذا الجزء يجب أن نكون قد فهمنا الحقائق الأساسية عن نصوص العهد الجديد.
هدف النقد النصي للعهد الجديد
النقد النصي عامة هو دراسة نسخ أية وثائق مكتوبة لا يكون أصلها معروفاً أو يكون غير موجود لكي يتم تحديد التعبير اللفظي أو الصياغة اللغوية المحددة تماماً للأصل.
نحتاج للنقد النصي للعهد الجديد لسببين : (۱) إن الوثائق الأصلية والمعروفة باسم المخطوطات لم تعد موجودة، و (۲) لا توجد نسختان تتفقان بالكامل، ففي الحقيقة أنه بين أكثر النسخ المتشابهة من الألفية الميلادية الأولى يوجد ما يقرب من عشرة اختلافات في كل إصحاح. فلو أن الأصول مازالت موجودة معنا، بالطبع لما كان هناك حاجة لمثل هذا النظام.
كمية وكيفية الاختلافات النصية
يوجد آلاف من الاختلافات النصية والاختلاف النصي هو عبارة عن أي مكان في مخطوطات العهد الجديد لا تتماثل فيها الصياغة أو التعبيرات اللفظية. وعلى أ أفضل تقدير، هناك ما بين ثلاثمائة ألف وأربعمائة ألف اختلاف نصى بين المخطوطات. وهذا يعنى أنه في المتوسط، لكل كلمة في العهد الجديد باليونانية يوجد على الأقل اختلافان.
إحدى طرق قياس أثر هذه الاختلافات هي مقارنة نص العهد الجديد باليونانية الذي استخدمه مترجمو نسخة كينج جيمس الإنجليزية (١٦١١) بنص العهد الجديد المكتوب باليونانية الذي يستخدمه معظم العلماء اليوم. فالنص اليوناني الذي استخدم في ترجمة كينج جيمس الإنجليزية كان مبنياً أساساً على ما يقرب من نصف دستة من المخطوطات، التي لا يرجع عمر أي منها إلى ما قبل القرن العاشر الميلادي. أما نص العهد الجديد اليوناني المستخدم اليوم فهو عبارة عن آلاف المخطوطات، التي يرجع تاريخ بعضها إلى القرن الثاني الميلادي. [هذا خداع كبير، لأن المخطوطات التي ترجع نظرياً إلى القرن الثاني الميلادي لا تحتوي على أي نص يمكن الاستفادة منه]
معظم الحدثين يرون المخطوطات اليونانية التي استخدمت في ترجمة كينج جيمس على أنها اقل في الأهمية جزئياً، لأن الناسخين قد أضافوا كلمات للكتب المقدسة، ولكن كمية ما أضافوه يمكن المبالغة فيها. فعلى مدى فترة تقدّر بعدة قرون، أضيف ما يقرب من ألفين وخمسمائة كلمة للنص الأصلي. وهكذا زاد حجم العهد الجديد من النسخ الأولى إلى النسخ الأخيرة – – بعد ألف وأربعمائة عام – بنسبة حوالى 2%، [هل المشكلة فقط في الزيادة؟ أم في التغيير؟ أم في الحذف؟ أم في تغيير المعنى؟]
وحيث أن النصوص الأولى التي لدينا تتفق بصورة أساسية مع النصوص المتأخرة، فلو استطعنا أن نعود بنظرنا إلى الوراء، إلى الأصل، لوجدنا أن الاختلافات بين النص الأصلي والنسخ الأولى ستكون قليلة حداً لذلك يمكننا أن نلتمس العذر لمن يعتقدون أن هذا النقل الثابت بصورة ملحوظة يدل على آية الله في حفظه للكتب المقدسة.
ومع ذلك، فحتى الألفين والخمسمائة كلمة لا تعتبر كمية قليلة وأكثر من ذلك، فإن هذه تمثل فقط الإضافات، إذ يوجد أيضاً مئات من الاستبدالات التي لا تضيف إلى طول العهد الجديد ولكنها تعتبر اختلافات بين النصوص الأولى وتلك المتأخرة.
لكننا لا يمكن أن نفكر في كمية الاختلافات دون النظر أيضاً إلى كيفيتها. كم منها يؤثر في معنى النص؟
اختلافات التي لها معنى كما أنها قابلة للتطبيق
ولا يقع ضمن هذا القسم إلا حوالى ١٪ من جميع الاختلافات النصية. … الاختلاف يغير في معنى النص بدرجة ما. … فالحقيقة هي أنه، رغم أن معظم نصوص العهد الجديد غير متضاربة، إلا أن بعض المقاطع متضاربة بالفعل.
ينظر العلماء إلى عدد من العوامل المجتمعة في تعيين صياغة النص الأصلي والفصل فيها. وإحدى هذه العوامل بالطبع هي المخطوطات والنسخ القديمة – التي تعرف باسم البراهين الخارجية.
وكمثال أخير للاختلافات ذات المعنى والقابلة للتطبيق سوف ندرس معاً أكبر اختلاف نصى في العهد الجديد، وهو يتضمن أكثر من عشر آيات. ۱۷ ففي الأصحاح الأخير من إنجيل مرقس (إصحاح ١٦) تنهى أقدم وأفضل المخطوطات هذا السفر بالعدد ٨: «فخرجن سريعاً وهربن من القبر لأن الرعدة والحيرة أخذتاهن ولم يقلن لأحد شيئاً لأنهن كن خائفات. وتعتبر هذه نهاية مفاجئة بصورة مروّعة لإنجيل مرقس، فالنساء اللاتي كن خائفات، قال لهن الملاك إن يسوع المسيح قد قام من الأموات وأن عليهن أن يعلمن التلاميذ بهذا. إن الأغلبية العظمى من المخطوطات بها اثنا عشر عدداً تالياً لذلك، ولكن أقدم وأفضل المخطوطات تتوقف عند الآية 8.
ويجادل العلماء فيما إذا كان مرقس قد قصد أن ينهى إنجيله عند هذه النقطة، أو كان قد كتب أكثر من ذلك، ولكن نهايته الحقيقية قد فقدت، أم أن الأعداد الاثني عشر الموجودة في معظم المخطوطات هي النهاية الأصلية للإنجيل ۱۸۰ ولكن ما نهدف إليه هنا، هو أننا نريد ببساطة أن نشير إلى أنه سواء كانت هذه الأعداد أصيلة أم لا، فإنه لا يوجد حق أ أساسي. يمنح أو يفقد بها. فبالتأكيد إن تعيين النص سوف يؤثر على كيفية رؤية المرء لإنجيل مرقس ككل، ولكنه لن يؤثر على أي مبدأ أساسي.
لكن على الرغم من أن كمية الاختلافات النصية في مخطوطات العهد الجديد تعد بمئات تلاف، إلا أن نوعية هذه الاختلافات التي تمثل تغييرات في المعنى تعتبر ضعيفة وقليلة نسبياً. فحوالي 1% فقط من الاختلافات تكون ذات معنى وقابلة للتطبيق.
الفصل الخامس: أساطير حول المخطوطات
صحيح أننا لا نعرف تماماً ماذا كانت صياغة العهد الجديد الأصلية في كل جزء منه، فإن هذا لا يعنى أننا يجب أن نفقد كل أمل في فهم المحتويات الأساسية للعهد الجديد.
استبدل بعض المسيحيين طلب الحق بطلب التيقن وبفعلهم هذا تكون أية ملامح للشك أمراً بغيضاً بالنسبة لهم، ولكن هذا أيضاً موقف غير عقلاني.
الأساطير والاتجاهات
يوجد اتجاهان يجب تجنبهما عندما يتعلق الأمر بنص العهد الجديد، وهما: اليقين المطلق والبأس المطبق.
جماعة «كينج جيمس فقط». فبالنسبة لهم يعتبر التيقن من النص هو «شرط لا غنى عنه» للإيمان المسيحي.
أسطورة اليقين المطلق
طبعة إيرازمس الثالثة من العهد الجديد اليوناني ( عام ١٥٢٢) تقف بقوة وراء ترجمة كينج جيمس، رغم أنها مأخوذة من العديد من الطبعات اليونانية الأخرى للعهد الجديد. فقد استخدم إيرازمس حوالي نصف دستة من المخطوطات في معظم أعماله التي يعود أقدمها إلى القرن العاشر وهكذا فإن ترجمة كينج جيمس اعتمدت على مخطوطات أقدم منها بحوالي ستمائة إلى سبعمائة عام فقط.
أقدم مخطوطاتنا يرجع تاريخها إلى القرن الثاني الميلادي، والمخطوطات الرئيسية يرجع تاريخها إلى القرنين الرابع والخامس،
لابد أن نسمح ببعض الشك في الصياغة الأصلية. وبمرور القرون كان هناك في الحقيقة اتفاق أعظم بين المخطوطات اليونانية للعهد الجديد.
أسطورة اليأس المطبق
حتى لو كانت لدينا نسخ أكثر انتشاراً من الأناجيل خلال جيلين من كتابتها، فإن هذا لن يثبت حالة الأصول، أو كمية التطور الذي قد تعرضت له خلال هذين الجيلين أو الثلاثة الأولى. … لكن ليس لدينا في الأناجيل ما يلقي ضوءاً واضحاً على هذا التطور المبكر أو يعطينا ضماناً على أن النصوص الباقية هي صورة يعتمد عليها عن بدايات الإيمان.
ليس لهذا النوع من الشك ما يبرره. ورغم أنه من الصحيح أن النقل النصي في الحقب الأولى بعد كتابة العهد الجديد يعتريه الغموض، إلا أننا لا يمكن أن نعتبر أن المخطوطات والترجمات القديمة واقتباسات آباء الكنيسة التي ظهرت بعد ذلك بوقت قصير، كانت جميعها خاطئة.
إن الفجوة الزمنية التي تفصل يسوع عن النسخ الأولى الباقية من الأناجيل، حوالي مائة وخمسة وسبعين عاماً،
إن أقدم جزء من الإنجيل يمكن أن يرجع تاريخه إلى حوالي عام ١٢٥ أو قبل ذلك.. وهذا يعني أن هذا الجزء قد جاء بعد حوالي مائة عام من حياة يسوع على الأرض. ورغم أنه مجرد جزء صغير، إلا أنه يتفق تقريبا مع أقدم نسخ الإنجيل.
أية شكوك تلقيها على نصوص العهد الجديد يجب أن نلقى مثلها بمائة مرة على أية نصوص قديمة أخرى تقريباً. هذا لأن مخطوطات العهد الجديد تقترب كثيراً من الأصل، وهي أكثر عدداً ووفرة من مخطوطات أية نصوص قديمة أخرى. فإن العهد الجديد هو أكثر الأعمال الأدبية اليونانية أو اللاتينية المشهود لها على الإطلاق في العالم القديم.
كما أشرنا من قبل، يوجد ما يقرب من خمسة آلاف وسبعمائة مخطوطة كاملة أو أجزاء من مخطوطات للعهد الجديد الموجود معروفة وموجودة حالياً، (المخطوطات اليونانية فقط). … وبجانب المخطوطات اليونانية، توجد طبعات لاتينية وقبطية وسريانية وأرمينية وقوطية وجورجية وغيرها من الترجمات الأخرى للعهد الجديد.
والآن، ما رد فعل المتشككين تجاه هذا النوع من المعلومات؟
سأفترض أنه ليست الكثرة هي العامل المهم هنا، أو حتى أية مُقارنات بالكتابات القديمة الأخرى؛ بل المهم هنا مدى القرب الذي يمكننا به أن نصل إلى النص الأصلي لهذه الوثائق المسيحية.
إنه أمر صحيح أن الكثير من الأعمال القديمة تم حرقها عن عمد بواسطة المسيحيين»، ولكن هذه الأعمال كانت كتابات هرطقية. على أن هذا لا يبرر قيام المسيحيين الأوائل بهذا الأمر، ولكنه يشير إلى أن لا أحد من هذه الكتب هي الكتب موضع المقارنة التي قمنا بها، فهي لم تكن كتابات هؤلاء المؤلفين الكلاسيكيين.
إن أسوأ مجزرة بشرية ضد هذه الديانة قادها دقلديانوس في الأعوام ٣٠٣ – ٣١١ – «آخر حرب إبادة شنتها الوثنية ضد المسيحية » وقد تضمن اضطهاد المسيحيين دمار شامل لكتبهم المقدسة. وقد كانت هذه الحملة شديدة النجاح حتى أنه بعد تحويل مرسوم دقلديانوس وتشريع المسيحية، شعر قسطنطين بالحاجة عام ٣٣١ إلى الأمر بإنتاج خمسين كتاباً مقدساً. وهكذا فعندما يأتي الأمر إلى موضوع إنتاج المخطوطة وبقائها عبر الثلاثة القرون الأولى، تكون الوثائق المسيحية في موضع الأذى المحقق لأن الأوضاع السياسية كانت ضدها. ومع ذلك، فإن ما يسترعي الانتباه بصورة ملحوظة، أن مخطوطات العهد الجديد كانت أكثر عدداً خلال هذه الحقبة من نسخ أي كتابات أدبية قديمة أخرى.
الأساطير والاتجاهات المختلفة والمنطق
بالرغم من أننا لا يمكن أن نتيقن بشأن كل التفاصيل في النص، إلا أننا يمكن أن نتيقن من الأكثر. … ومع ذلك فإنه من المبالغة أن نقول إننا حيث لا يمكننا أن نتأكد من كل شيء فإننا لا يمكن أن نتأكد من أي شيء.
الفصل السادس: وفرة هائلة: استرداد صياغة النص الأصلي للعهد الجديد (الجزء 1)
الجزء الأصغر (1%) من تلك الاختلافات يتعامل مع صياغة ذات معنى وبدائل قابلة للتطبيق. ولكننا حتى في هذه الحالة، فإن الكمية العظمى من الاختلافات لا تؤثر إلا في أمور ثانوية صغيرة متعلقة بالمعنى.
يريدنا الليبراليون المتطرفون أن نؤمن أننا لا يمكن أن تتأكد من أي شيء فيما يختص بصياغة النص الأصلي، فلا يوجد شيء محتمل؛ بل كل شيء ممكن فقط، ولا يمكن تأكيد أي شيء.
أحياناً يتم الزعم بأنه حيث أن المخطوطات يمكن تقسيمها إلى مجموعات متشابهة، فإنه ليست لدينا فكرة عن كيفية العودة مرة أخرى للصياغة الأصلية. لكن الحقيقة أن تلك المجموعات تساعدنا على تحديد الصياغة الأصلية.
إن المشكلة الأساسية للنقد النصي للعهد الجديد هي هذه حيث أن الأصول لم تعد موجودة، وحيث أن هناك اختلافات بين جميع النسخ الباقية، فكيف لنا أن نحدد صياغة النص الأصلي؟
بينما يعاني العلماء الذين يدرسون الأدب القديم من نقص في المعلومات، فإن أولئك الذين يتعاملون مع مخطوطات العهد الجديد يعانون من وفرة هائلة في البيانات. وتندرج هذه الوفرة تحت ثلاثة أقسام فرعية المخطوطات اليونانية؛ والترجمات القديمة للعهد الجديد المكتوبة بلغات أخرى والاقتباسات المأخوذة من العهد الجديد في كتابات آباء الكنيسة.
المخطوطات اليونانية
تعتبر المخطوطات اليونانية هي الوثائق الأساسية المستخدمة في تحديد نصوص العهد الجديد. ويمكن تقسيمها إلى مجموعات مخطوطات ورق البردى ومخطوطات الحرف الإنشي أو البوصي، ومخطوطات الأحرف الصغيرة، ومخطوطات كتب الفصول التي تتلى في القداس.
يرجع تاريخ معظم هذه المخطوطات إلى الفترة من القرن الثاني إلى القرن السادس عشر. وأول جزء يرجع تاريخه في الأغلب إلى النصف الأول من القرن الثاني (100 – ١٥٠م)، الذي يعرف باسم برديات ٥٢ أو p52. وفي السنوات الأخيرة تم اكتشاف مخبأ يحوي عدداً من مخطوطات البردى في جامعة أكسفورد، ما بين عشرة إلى خمسة عشرة مخطوطة، يرجع تاريخها إلى القرن الثاني. اثنان من هذه البرديات كبيرة وأساسية. وبداية من القرن الثالث، كان هناك تيار ثابت من الشهود على نصوص العهد الجديد.
بحلول القرن الرابع، تم إنتاج المخطوطات العظيمة ذات الأحرف الكبيرة، التي تشمل ما يعتبر الآن أقدم عهد جديد كامل، وربما يرجع تاريخ المخطوطة السينائية Sinaiticus ومخطوطة الفاتيكان Vaticanus إلى بداية القرن الرابع.
وهاتان المخطوطتان ترتبطان ببعضهما البعض ارتباطاً وثيقاً، ومع ذلك فإنهما ليستا بالقرب الشديد الذي يفكر فيه البعض، فهناك آلاف الاختلافات بينهما، ولكن كلا منهما يرجع إلى القرن الرابع.
وفي الحقيقة إنهما عندما تتفقان عادة ما تعود نصوصهما المشتركة إلى بداية القرن الثاني.
على أن بعض المخطوطات اللاحقة بها دلائل على أنها قد نسخت من مصدر أقدم كثيراً. فمثلا، مخطوطة ۱۷۳۹ ، وهى مخطوطة ترجع إلى القرن العاشر ذات الأحرف الصغيرة المتصلة، الاحتمال الأكبر أنها قد نسخت مباشرة من مخطوطة أخرى يرجع تاريخها إلى أواخر القرن الرابع.
فكّر البعض في إمكانية أن تكون مخطوطة الفاتيكان Vaticanus نسخة من مخطوطة P75 ولكن هذا الرأي لم يعد مقبولاً حيث أن صياغة مخطوطة الفاتيكان Vaticanus بالتأكيد أكثر بدائية من صياغة P75 في عدة أجزاء. لكن لابد أن كلاً منهما يرجع إلى سلف مشترك أقدم، قد يكون واحداً يرجع تاريخه إلى بداية القرن الثاني. وهاتان باجتماعهما مع (( يشكلون شهادة قوية لأقدم صياغة للنص.
الترجمات
تعتمد قيمة الترجمة على تاريخها، وعلى أسلوب الترجمة ودقتها، ونوعية النص الذي ترجمت منه. … فمثلاً، لا يوجد في اللاتينية أداة تعريف، بينما يوجد في اليونانية درجة عالية من التطور في استخدام أداة التعريف. فاللاتينية لا تستطيع ببساطة أن تمثل اليونانية بصورة سليمة في الأماكن التي تتضمن فيها المشكلة النصية أداة التعريف.
وأهم ثلاث ترجمات هي اللاتينية والقبطية والسريانية. أما بالنسبة للترجمات الأخرى التي لها قيمة مقاربة فهي القوطية والأرمينية، ثم يتبعهما الترجمتان الجورجية والأثيوبية.
الترجمة اللاتينية
عبر تاريخ غنى ومركب، تمكنت المخطوطات اللاتينية للعهد الجديد من السيادة على هذا المجال – في الكمية. فعدد المخطوطات اللاتينية للعهد الجديد يبلغ حوالى ضعف عددها في اليونانية، أي أكثر من عشرة آلاف، بالمقارنة بحوالي خمسة آلاف وسبعمائة في اليونانية.١٠ ويرجع تاريخ هذه المخطوطات إلى الفترة من القرن الثالث إلى القرن السادس عشر، ولكن أصولها قد تصل إلى القرن الثاني.
الترجمة القبطية
وأهم لهجاتها الصعيدية والبحيرية، هذا ويمتد أصل العهد الجديد بالصعيدية إلى بداية القرن الثالث. وتوجد بها مئات، بل ربما آلاف من المخطوطات، ولكن بضع مئات فقط هي التي تم فهرستها. وربما يوجد على الأقل ألف مخطوطة قبطية، تمثل أسلوب النص الإسكندري.
الترجمة السريانية
ترجع أصول الكنيسة السريانية إلى القرن الثاني، وبالرغم من أنه لا توجد مخطوطات سريانية باقية للعهد الجديد منذ ذلك الوقت البعيد، فإنه من المؤكد أن العهد الجديد قد ترجم اللغة السريانية ليس بعد أوائل القرن الثالث.
آباء الكنيسة
ففي الحقيقة إن هذه الاستشهادات شديدة الامتداد بحيث أنه لو أن جميع المصادر الأخرى الخاصة بمعرفتنا لنص العهد الجديد قد دمرت فإنها ستكون وحدها كافية عملياً لإعادة بناء العهد الجديد بأكمله.
ومع ذلك فإن هناك مشاكل في الاستشهاد بالآباء أولاً، لأن كتاباتهم موجودة في نسخ فقط، وليس في أصول، وبالتالي، تحتاج نصوص الآباء إلى إعادة بنائها وتنظيمها. ثانياً، البعض منها قد يفتقر إلى المصداقية لأن نفس المقطع قد يقتبس بطرق مختلفة. وعادة ما ترجع هذه الاختلافات إلى فقد الذاكرة، أو إلى دمج الكتابات المقدسة ببنية جمل الآباء المشوهة النسيج، أو باستخدام مخطوطات كتابية مختلفة.
بالإضافة لذلك، في بعض الأحيان يقوم أحد الآباء بمناقشة الاختلافات النصية، مشيراً إلى مخطوطة ذات صياغة معينة.
الفصل السابع: أساليب النقد النصي، استرداد صياغة النص الأصلي للعهد الجديد. (الجزء ٢)
كيف يمكن النقاد النصوص أن يحددوا الصياغة الأصلية للعهد الجديد، بوجود هذا الكم الهائل من المواد تحت تصرفهم، فإن المخطوطات تختلف مع بعضها البعض بصورة كبيرة، مما يعني أنه يجب استخدام بعض الوسائل للفصل فيها. باختصار، كيف يمكن للعلماء أن يعرفوا أياً من النصوص المختلفة هو النص الأصلي.
ولكن فيما يختص بنسبة ضئيلة من الاختلافات لابد من وجود مجموعة من الوسائل مجتمعة لتكون هي المفتاح في تحديد الصياغة الأصلية. أولاً، يقوم العلماء بفحص البرهان الخارجي – المخطوطات والترجمات والاقتباسات الكتابية التي استخدمها آباء الكنيسة. وهناك طرق يمكننا بها أن نعرف من البيانات الخارجية مدى قدم نص معين. ثانياً، يقوم العلماء بفحص البرهان الداخلي – أي العادات وأساليب كتابة المؤلفين، وأيضاً أخطاء الكتاب. وهاتان الوسيلتان يتم التعامل مع كل منهما بصورة مستقلة عادات وحتى عن الأخرى، ثم تتم مقارنة النتائج. لكن العامل الفصل في كل هذا المجهود المضنى هو هذا النص الذي ينشأ عنه نصوص أخرى يكون في الأرجح هو النص الأصلي. وعندما يشير البرهان الخارجي والداخلي إلى نفس الاتجاه، يكون لدى نقاد النص ثقة كبيرة في أن لديهم الصياغة الأصلية.
البرهان الخارجي
توجد ثلاثة معايير خارجية تستخدم للحكم على الاختلافات وإظهار أي منها هو الأرجح أن يكون الصياغة الأصلية تاريخ المخطوطة وسماتها واتصال النسب والتوزيع الجغرافي.
تاريخ المخطوطة وسماتها
عادة ما يكون الاختلاف أو النص المفضّل هو ذلك الموجود في أقدم المخطوطات.
اتصال النسب
يشبه نص العهد الجديد هذا الأمر، فهناك ثلاثة أساليب نصية رئيسية، وهي الإسكندري والغربي، والبيزنطي. فالأسلوب الإسكندري تم إنتاجه بوجه خاص في مصر، والغربي تم إنتاجه في روما وفي الغرب (رغم أنه أنتج في أماكن أخرى كذلك ، والبيزنطي أنتج معظمه في الشرق. ويتفق معظم العلماء على أن أسلوب النص الإسكندري بدأ في القرن الثاني، مثل الأسلوب الغربي، بينما جاء النص البيزنطي في تطور لاحق، مبنى بصورة كبيرة على المخطوطات الغربية والإسكندرية.
وهذا لأن النص الإسكندري كان له على الأرجح فرعان – الإسكندري الأولى، الإسكندري الثانوي وكل من هذين الفرعين هو تيار قديم في النقل، ولكن التيار الإسكندري الأولى تم إنتاجه بعناية أكثر.
التوزيع الجغرافي
إن الاختلاف الذي يوجد في مناطق جغرافية منتشرة في القرون القليلة الأولى للحقبة المسيحية من الأرجح أن يكون أصلياً أكثر مما يكون الاختلاف الذي يوجد في منطقة واحدة فقط.
لكن رغم أن التوزيع الجغرافي ليس معصوماً من الخطأ، إلا أنه عامل مهم في تحديد صياغة العهد الجديد الأصلية.
يجب الإشارة إلى أنه بعد الأربعة القرون الأولى، لم يعد التوزيع الجغرافي بنفس الفائدة تقريبا حيث أنه بحلول هذا الوقت كان هناك مزج على نطاق واسع بين المخطوطات، بسبب حرية تبادل المعلومات التي انتشرت بمجرد أن أصبحت المسيحية ديانة شرعية.
البرهان الداخلي
البرهان الداخلي هو اختبار صياغة الاختلافات من أجل تحديد أية قراءة نصية هي التي تسببت في نشأة قراءة ما أو قراءات أخرى، وربما تكون بالتالي هي الأصلية.
إن الدليل الإرشادي الأساسي في النقد الداخلي هو هذا اختر القراءة النصية التي تشرح بأفضل صورة نشأة القراءة أو القراءات النصية الأخرى.
هناك اثنين من هذه الإرشادات بارزان بصورة خاصة وهما القراءة النصية الأصعب هي الأفضل، والقراءة النصية الأقصر هي الأفضل.
القراءة الأصعب هي الأفضل
إن القراءة النصية الأصعب هي تلك الأكثر إرباكاً، والأكثر غموضاً، والأكثر إرهاقاً. … هذه القاعدة مهمة لأن الكتاب كانوا يميلون إلى تيسير الصعوبات الموجودة في النصوص، أكثر مما يميلون إلى خلق صعوبات.
كثيراً ما تحدث مثل هذه الأمور في الأشياء المتشابهة في الأناجيل. فيتم تقديم قراءة أسهل لكي تتوافق صياغة إحدى الأناجيل مع إنجيل آخر. كما قام النساخ بتسهيل النحو والأسلوب بل وحتى الفكر اللاهوتي – نعم الفكر اللاهوتي. فعبر الزمن كان الكتاب يغيرون في صياغة النص لكى يجعلوه متسقاً بوضوح أكثر مع معتقداتهم اللاهوتية.
وبالمثل، فإن النص الأصلي أسلوبه صعب ويضايق المسيحيين، ولكنه في النهاية نص يمكننا أن نميزه ونثق فيه.
ولتوضيح عملية تحويل النص لكى يتوافق مع المعتقد التقليدي القويم نجد هذا الأمر في ( ١ تيموثاوس ٣ : (١٦)، وهي آية قد ناقشناها في الفصل السادس (أنظر ملحوظة 9). فإن صياغة «الله ظهر في الجسد» هي : تأكيد واضح لألوهية المسيح، بينما صياغة الذي ظهر في الجسد» فيها معنى ضمني لذلك فقط ٦٠ وبالرغم من وجود كم كبير من النصوص التي تؤكد ألوهية المسيح، فإن الكتاب التقليديين قاموا من حين إلى آخر بتغيير نصوص أخرى لكى يجعلوها تقول هذا الأمر أيضاً. وهكذا فإن القراءة الأصعب في هذه الحالة. هي «الذي».
القراءة النصية الأقصر هي الأفضل
كان لدى الكتاب اتجاه قوى لإضافة كلمات أو جمل أكثر من أن يحذفوا. وهكذا كان النص يميل إلى الطول مع مرور الوقت بدلاً من أن يتقلص أو يقصر – رغم أنه قد زاد بنسبة في المائة فقط عبر ألف وأربعمائة عام. لم يكن الكتاب في الأغلب يحذفون أي شيء عن عمد.
على أن الكتاب قاموا أيضاً بمزيد من الإضافات الأساسية. فمثلاً، في (رومية ٨: ١)، يشير البرهان الخارجي بالكامل إلى صياغة «إذا لا شيء من الدينونة الآن على الذين هم في المسيح يسوع». لكن هناك اختلافان يتنافسان مع تلك الصياغة، فبعض المخطوطات تضيف السالكين ليس حسب الجسد»، وأيضاً مخطوطات لاحقة تضيف «بل حسب الروح». وهكذا قد كان لدى الكتاب الاتجاه بأن يضيفوا إلى النعمة، لكي يعدلوا أو يقيدوا العبارات المطلقة.
فبعض المخطوطات، خاصة في النص ، كانت معرضة لأن تحذف آيات بأكملها. وعلى الرغم من أن النص الغربي كان قديماً، إلا أنه في نفس الوقت غير متقن إلى حد ما.
أقسام البرهان الداخلي
احتمالات النسخ
إن احتماليات النسخ لها علاقة بما يحتمل أن يقوم به الكاتب (الناسخ). وهناك نوعان من التغييرات التي حدثت في النص وقام بها الكتاب هما التغييرات المتعمدة وتلك غير المتعمدة.
في كثير من الأحيان قام الكتاب عن عمد بتغيير النص لأسباب نحوية ولاهوتية وتفسيرية،
على أن الكثير من التغييرات النسخية لم تكن متعمدة، فبسبب مشاكل ضعف البصر والسمع والإجهاد أو سوء الحكم، كان الكتاب كثيراً ما يقومون بتغيير النص عن غير عمد. … هناك خطأ شائع لدى الكتاب هو أنهم كانوا يكتبون مرة واحدة ما كان يجب. عليهم يكتبوه مرتين. ويطلق على هذا الأمر الكتابة المفردة، كان هذا يحدث خاصة عندما كانت عين الكاتب تتخطى الكلمة الثانية التي تنتهى بنفس طريقة كتابة الكلمة التي قبلها ولكنها كانت تحدث أيضاً عندما كان سطران ينتهيان بنفس الكلمات. فمثلاً، في (1يو ۲ : ۲۳)، نقرأ كل من ينكر الابن ليس له الآب أيضاً ومن يعترف بالابن فله الآب أيضاً.»، ففي اليونانية تنتهى كل من الجملتين «له الآب أيضاً». فإذا تم الاختلاط بين السطرين سنحصل على قراءة مروّعة: كل من ينكر الابن له الآب أيضاً ومن يعترف بالابن ليس له الآب أيضاً».
إن أسلوب النص البيزنطي ليس به هذا الجزء الثاني من العدد.
احتمالات الأصالة
وهذا يختبر ما كان يحتمل أن يكون كاتب السفر الأصلي قد كتبه. … هناك أمران أساسيان يتضمنهما هذا الاحتمال، وهما – السياق والأسلوب.
في (يوحنا ١٤)، يتحدث يسوع لتلاميذه في الليلة التي سبقت صلبه ، وفي عدد ۱۷ يخبرهم عن الروح القدس، فيقول: «وأما أنتم فتعرفونه لأنه ماكث معكم ويكون فيكم.» يوجد اختلاف نصى هنا: فبدلاً من ويكون فيكم»، تقول بعض المخطوطات القديمة والموثوق فيها بصورة كبيرة «وهو فيكم». فالفارق هنا هو بين زمن المستقبل وبين المضارع. لكن عندما يفكر المرء فيما كان المؤلف قد كتبه، يكون زمن المستقبل هو الأرجح أكثر في الاستخدام.
أي اختلاف يلائم أسلوب المؤلف أكثر من الآخر؟ هنا يعنى السؤال بما يفعله المؤلف عادة، وكيف يعبر عن نفسه، وما هي دوافعه واللغة التي يستخدمها عادة. فمثلاً، واحد من الأسباب التي لأجلها لا يعتبر معظم العلماء أن مرقس (16: 9- 20) جزء أصيل هو أن المفردات والنحو في هذه الآيات لا تشبه على الإطلاق ما يوجد في بقية إنجيل مرقس. وعندما يضاف إلى هذه الملحوظة الاحتمال القوى بأن الكتاب كانوا يرغبون في إنهاء إنجيل مرقس بأكثر من القول بأنهن كن خائفات»، وبالإضافة إلى حقيقة أن أقدم وأفضل المخطوطات لا توجد بها تلك الآيات الاثنا عشر ، يكون البرهان المربك هو أن (مرقس ١٦: ۹- ۲۰) تمت إضافته فيما بعد.
المُلخَّص
الاختلاف النصي الذي يقترب أكثر من الأصالة هو الذي يوجد في أقدم وأفضل وأكثر الشهادات المنتشرة جغرافياً. كما أنه يكون متفقاً. مع السياق وأسلوب المؤلف، ويكون هو المنشئ الواضح للقراءات المنافسة له على المستوى الأدبي.
ولكننا هنا نحتاج أن نشدد على أمر واحد مهم أنه إذا وجد اختلاف معين في المخطوطات غير اليونانية فقط، أو إذا وجد فقط في بعض المخطوطات القليلة الحديثة، حتى لو كانت مصداقيتها الداخلية ممتازة فلابد من رفضه.
في فيلبي (١: ١٤) ، تقول ترجمة فاندايك: «وأكثر الإخوة وهم واثقون في الرب بوثقى يجترئون أكثر على التكلم بالكلمة بلا خوف. لكن، ما هي تلك «الكلمة» التي يتكلمون بها بلا خوف؟ هذا النوع من الغموض ترك الكتاب في مأزق، إذ يحتاج الأمر إلى نوع من التوضيح. وهنا نشأ اختلاف متوقع وهو إضافة كلمة «الله»، أي «كلمة الله»، كما جاءت في ترجمة كتاب الحياة. هذا الاختلاف المحدد موجود في بعض من أفضل وأقدم المخطوطات، خاصة في المخطوطات من أسلوب النص الإسكندري بعض مخطوطات النص الغربي تضيف «الرب». وليس من السهل أن نعرف لماذا سقطت كلمة «الله» أو «الرب» من النص. فلا يمكن تمييز سبب متعمد أو غير متعمد لذلك من جانب الكتاب.
إن الشهادات غير اليونانية تعتبر ثانوية في الأهمية، وحتى النسخ الكاملة (وليس مجرد مخطوطات منفصلة داخل النسخة) في حد ذاتها، لا تستطيع أن تشير إلى صياغة نص أصلي.
الفصل الثامن: هل ما لدينا الآن هو ما كتبوه في ذلك الوقت؟
الكتاب المقدس لم يسقط بصورة سحرية من السحاب، كما أن الكتاب المقدس قد ألفه بشر.
في حالة العهد الجديد، هذا الأمر غير صحيح. فبمرور الزمن نقترب أكثر فأكثر لصياغة النص الأصلي بسبب الكم الهائل من المخطوطات – العديد منها من زمن مبكر للغاية – ومازال العلماء مستمرين في اكتشافه.
التصحيحات الحدسية (التخمينية)
يشكو ميروسلاف ماركوفيتش في كتابه «النقد النصي لآباء الكنيسة»، من أن النسخ الباقية من بعض من الكتاب من آباء الكنيسة الأولين مليئة بالفجوات وفاسدة، ومحذوف منها ومحرفة. ٣ ثم يستكمل بعد ذلك لكى يضع مبادئ التصحيح الحدسي التي يجب عليه اتباعها لكي يعيد بناء وتركيب الصياغة الأصلية.
فكل قراءة قد وجدت في التعليم النصي للعهد الجديد قد تم حفظها بصرامة حتى لو كانت النتيجة غير ذات معنى. وأية قراءة قد وجدت في التعليم النصي للعهد الجديد منذ القراءة الأصلية وفيما بعد، قد تم حفظها في التعليم وتحتاج فقط أن يتم تعريفها.
بل أن كيرت وباربارا ذهبا إلى أبعد من ذلك لكى يقولا إنه إذا وجدت قراءة في مخطوطة واحدة فقط، فإنها تكون في الأغلب غير أصيلة: «إن المبدأ القائل بأن القراءة الأصيلة يمكن أن توجد في أية مخطوطة أو ترجمة وحيدة عندما تقف بمفردها، أو تقريباً بمفردها، يعبّر فقط عن مجرد إمكانية نظرية.
إن عدم الحاجة للتخمين أو الحدس بشأن الصياغة الأصلية للعهد الجديد تعنى أنه تقريباً في كل حالة سنجد القراءة الأصلية موجودة في مكان ما في المخطوطات.
لكن وضع العهد الجديد لا يصل إلى مثل هذه الصورة القائمة فمن ضمن ۱۳۸۰۰۰ كلمة في النص الأصلي، ربما يوجد فقط كلمة واحدة أو اثنتان ليس لهما سند مخطوطي. وفي الأماكن التي قد يكون فيها الحدس ضرورياً، فإن هذا لا يعنى أنه ليست لدينا أية فكرة عما قاله النص الأصلي.
عندما يحاول المشككون أن يدعوا ببساطة عدم وجود أي دليل على ما كان يقوله النص الأصلي للعهد الجديد، فإن المرء يجب أن يتعجب ويتساءل عما دفع بهم إلى هذا الشك العقائدي، لأنه بالتأكيد لا يمكن أن تكون البراهين هي السبب.
ما هي الحقائق اللاهوتية موضوع المخاطرة؟
إن الإجابة المختصرة على السؤال عن الحقائق اللاهوتية موضوع المخاطرة في هذه الاختلافات هي – لا توجد. فمعظم علماء العهد الجديد يتفقون في الرأي بأنه لا يوجد مبدأ أو عقيدة لاهوتية أو تعليم في العهد الجديد تعرّض للخطر بسبب الاختلافات النصية.
حديثاً، قام بارت إيرمان، وهو ناقد نصى رائد، بكتابة كتاب للقراءة الشعبية بعنوان «إساءة اقتباس كلمات يسوع». وإيرمان معروف جيداً بعلمه الذي لا يعرف الكلل وآرائه المثيرة التحريضية. ١٦ وهذا الكتاب، على حد قول إيرمان، هو أول كتاب يكتب عن النقد النصي للعهد الجديد للقارئ العلماني،
بالرغم من أن بعض المخطوطات القديمة تتحدث عن أن. يسوع غضب في مرقس ١ : ٤١ بينما تقول بعض الترجمات الأخرى أنه تحنن، فإن الحقيقة هي أنه في مرقس : (٥) يقال عن يسوع أنه غضب – وهي صياغة لا خلاف عليها في النص الأصلي لمرقس.
بخصوص (متى ۲٤: ٣٦) تسجّل كثير من المخطوطات أن يسوع يتحدث عن جهله النبوي الشخصي وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا ملائكة السموات، ولا الابن إلا أبى وحده، ولكن العديد من المخطوطات الأخرى لا يوجد بها الكلمات ولا الابن» ۲۰۰ فما إذا كانت ولا الابن» هي كلمات أصيلة أم لا، هذا موضوع خلاف ولكن ما ليس عليه أي خلاف هو الصياغة الموازية في (مر (۱۳ : ۳۲) «وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذين في السماء ولا الابن إلا الآب.» لذلك لا يمكن أن يكون هناك شك في أن يسوع كان يتحدث عن جهلة النبوي الشخصي في الحديث على جبل الزيتون.
(كما أنه لم يذكر أيضاً أنه حتى لو أن الكلمات ولا الابن لم يتم ذكرها بوضوح في متى، فإن فكرة جهل الابن ترى بوضوح في الجزء الأخير من العدد ٣٦ إلا أبي وحده». فلماذا إذا قام نفس هؤلاء الكتاب ببساطة بتخطي مرقس (۱۳ (۳۲)، تاركين الصياغة دون أن يغيروها؟ إن فكرة أن يسوع قد اعترف بجهله النبوي تشهد لها الكتب المقدسة بقوة، فلا يوجد إعلان أو كشف جديد في هذا الأمر. … ولكن حيث أن الكنيسة الأولى كانت تعلم بوجود مثل هذا النص في مرقس وتركته دون تغيير، فإن هذا معناه أن اللاهوت الذي علمه (مرقس ۱۳: (٣٢) لم يكن له تأثير تقريباً ۲۱ إذ إن حفنة قليلة من المخطوطات الحديثة هي التي قامت بحذف الكلمات)، وهكذا فإن أسباب حذفها أو إضافتها في مت ٢٤: ٣٦ يجب أن تعزى لأسباب أخرى.
ويعتبر جاسبر جیمس راي ممثل شديد التأثير لهذه النظرة. ٢٦ ففي كتابه، كتب الله كتاباً مقدساً واحداً»، يقول رأى إنه لا توجد نسخة حديثة تصلح أن يطلق عليها الكتاب المقدس بطريقة ملائمة، وإن الخلاص والنمو الروحي يمكن فقط أن يحدثا عن طريق نسخ اعتمدت على ترجمة TR، وأن الشيطان هو المحرك الأول وراء جميع الترجمات المبنية على المخطوطات الأكثر قدماً.
فرانك زيندلر ، وهو ملحد صريح ومن نقاد المسيحية، يناقش مقطعاً شهيراً في رسالة يوحنا الأولى الأصحاح الخامس في ترجمة كينج جيمس ولكنه غير موجود في الترجمات الحديثة. ويقول هذا النص : «فإن الذين يشهدون في السماء هم ثلاثة الآب والكلمة والروح القدس وهؤلاء الثلاثة هم واحد.» (١ يو ٧:٥). فيشير زيندلر على حق أن هذه الآية قد تمت إضافتها إلى طبعة قديمة للعهد الجديد باليونانية، وصدرت عام ١٥٢٢، بسبب ضغط السلطات الكهنوتية الكنسية. كما يشير أيضاً إلى أن هذه الصياغة لم تكن موجودة في أية مخطوطات يونانية سابقة على القرن الخامس عشر.
فبينما لا تزال توجد آيات أخرى تتفق مع عقيدة التثليث، فليست واحدة منها تثبتها.
إن كان كذلك، فكيف كان في إمكان مجمع قسطنطينية عام ٣٨١ أن يؤكد بوضوح تام عقيدة الثالوث؟ كيف استطاعوا القيام بذلك دون مساعدة آية لم تأت في العهد الجديد اليوناني إلا في ألفية أخرى؟ وأكثر من ذلك فإن قرار القسطنطينية لم يكتب من فراغ، بل لقد وضعت وجمعت الكنيسة الأولى في صياغة لاهوتية ما رأته مكتوباً في العهد الجديد.
في الحقيقة ستكون محل شك فقط لو أن جميع الآيات التي تؤكد ألوهية المسيح مشكوك فيها نصياً. … من المعروف جيداً أن المخطوطات اللاحقة قد أضافت كلمات هنا وهناك تتفق مع التعليم المستقيم. ۳۳ ولكن هذا لا يعنى أن جميع الآيات التي تؤكد عقيدة معينة قد تأثرت بذلك.
فلو أن التعاليم الأساسية للعهد الجديد لم تتأثر بالاختلافات القابلة للتطبيق، فماذا عن العقائد الثانوية؟ ونعنى بالعقائد الثانوية نوعاً من المعتقدات أو الممارسات غير المحورية. نعم، البعض منها يبدو أنه قد تأثر، ولكن هذا الأمر شديد الندرة.
المخطوطات القديمة وألوهية المسيح
فالحقيقة هي أنه يوجد على الأقل ثمانية وأربعون مخطوطة يونانية للعهد الجديد يسبق تاريخها القرن الرابع ٣٧ إن جميع هذه المخطوطات عبارة عن أجزاء، ولكن الكثير منها يحوى أجزاء كبيرة للغاية (مثل معظم رسائل بولس أو حوالى إنجيلين كاملين وهى معاً مجتمعة تغطى حوالي نصف العهد الجديد.
دعونا الآن ننظر إلى بعض الآيات في المخطوطات التي تسبق القرن الرابع وتتحدث صراحة عن ألوهية المسيح. وسوف نحصر نقاشنا في تلك الآيات التي دعا فيها يسوع «الله». وخلف هذه الآيات توجد العشرات من المقاطع الأخرى التي تؤكد على ألوهيته ضمنياً (البعض منها سوف نناقشه في قسم ألوهية يسوع»). ولكننا نرغب هنا في أن نوضح أنه كان من المستحيل للغاية بالنسبة لقسطنطين أن يكون قد ابتدع عقيدة ألوهية المسيح إن لم تكن هذه العقيدة موجودة بالفعل في المخطوطات التي سبقت زمنه هو شخصياً بنحو قرن أو أكثر.
من المهم أن نلاحظ أن هذه البرديات الثلاثة هي من ضمن أهم مخطوطاتنا للعهد الجديد. فمخطوطة p46 تشمل ثمانية من رسائل بولس والرسالة إلى العبرانيين، ومخطوطة p66 تغطى معظم إنجيل يوحنا، أما مخطوطة p75 فتشمل معظم إنجيل لوقا وجزء من إنجيل يوحنا. … والحقيقة إن المخطوطة التي تعتمد عليها الترجمات الحديثة مثلما تعتمد على أي مخطوطات أخرى هي مخطوطة الفاتيكان Vaticanus، وهي مخطوطة من القرن الرابع وبها نحو ثلاثة أرباع العهد الجديد. إن الاتفاق بين مخطوطة الفاتيكان Vaticanus ومخطوطة p75 هو اتفاق عظيم مثل الموجود بين أية مخطوطتين قديمتين.
ببساطة، لا يوجد مكان للشك أو عدم اليقين بشأن ما علّمه العهد الجديد في الأصل. … إن ما يهمنا هنا ببساطة هو أن نوضح أن التعاليم الأساسية للعهد الجديد لم تفسد بواسطة الاختلافات النصية القابلة للتطبيق.
الجزء الثالث: هل قيدت الكنيسة الأولى حرية تعيين الأسفار المعترف بها؟
الفصل التاسع: نطاق الأسفار القانونية
هناك اختلاف كبير بين الصياغة بأسلوب مميز لما حدث بالفعل في قصة حياة يسوع من جهة أولى، وبين الزعم بوجود اختلاق لقصة حياة ليسوع من الفراغ من جهة ثانية. فحقيقة أن الأناجيل بها العديد من الاختلافات توضح أنها لم تكتب بتواطؤ ممن كتبوها مع بعضهم البعض. وحتى إن كان متى ولوقا قد استخدما إنجيل مرقس كقالب، فهذا لا يعنى بأي حال من الأحوال أنهما قاما بنسخ رواياته بسذاجة بدون التحقق من صحة القصة. بل يبدو العكس هو الصحيح، فإن كانا قد استخدما مرقس، فإنهما يكونان بذلك قد صدقا على إنجيل مرقس في توكيداته الأساسية.
فرغم أننا قد لا تعرف بالضبط شكل النص في كل مرحلة. وماذا كانت الصياغة الأصلية، فإن هذا يختلف تماماً عن القول بأننا لا نعرف أي شيء عن الصياغة الأصلية. … ورغم أننا لا نستطيع أن نتيقن تماماً بشأن صياغة النص الأصلي، فليس هناك حاجة لليأس المطبق.
مقدمة
لكن كيف يمكننا أن نعرف أي من الأسفار هي التي يجب إدراجها ضمن العهد الجديد؟ كيف حددت وقررت الكنيسة الأولى ما هي الأسفار المقدسة من غيرها؟ وما هي المعايير التي حكمت هذا الأمر؟ على وجه التحديد كيف يمكننا أن نعرف أن أناجيلنا الأربعة هي التي يجب أن تكون موجودة بدلاً من إنجيل توما، أو أي سفر آخر مثلاً؟
إن عملية تمييز أي من الأسفار هي التي تنتمي للكتاب المقدس، وكيفية علمنا بذلك، يطلق عليها عملية إقرار القانونية تتضمن هذه العملية تاريخاً طويلاً ومعقداً، فالسفر الذي كان يتم قبوله كسفر من الأسفار المقدسة كان يطلق عليه “قانوني” أو له صفة القانونية. بعض من الموضوعات المرتبطة بهذا الأمر كانت تشمل التوقيت الذي تم فيه اعتبار أسفار العهد الجديد كأسفار مقدسة؛ وما هي المعايير التي استخدمت لتحديد أي الكتب كانت متضمنة وأيها لم تكن متضمنة، سوف ننظر في اثنين فقط من هذه المعايير)؛ وكيف ترتبط أسفار العهد الجديد القانونية بأسفار العهد القديم القانونية؛ ولماذا يوجد لدى البروتستانت قائمة أسفار مختلفة للعهد القديم عما لدى الروم الكاثوليك ؛ وما إذا كانت الأسفار القانونية قد تم الإغلاق عليها حقاً بحيث لا يمكن إضافة أسفار جديدة إليها. يصارع المسيحيون المفكرون مع هذه الموضوعات، ولكنها بقدر أهميتها، فإنها غير مركزية بالنسبة لما يشغلنا في هذا المقام فهدفنا هنا ببساطة هو أن تلقى الضوء على بعض القضايا القليلة الرئيسية التي تتعلق في النهاية بشخص المسيح.
نود في هذا الجزء أن نستكشف ثلاثة أسئلة مفتاحية: (۱) متى ولماذا تم قبول أسفار العهد الجديد داخل الأسفار المقدسة، وعلى وجه الخصوص، أيها الذي تم قبوله مبكراً وبلا نزاع؟ (۲) ماذا كانت الكنيسة القديمة تعتقد بشأن التزييف أو التزوير؟
تعريف الأسفار القانونية
ماذا يعنى أن نقول إن العهد الجديد قانوني؟ إن كلمة “قانوني” منقولة عن الكلمة اليونانية “Kanon” ، والتي تعنى “قانون” أو “قياس”. … فإما أن العهد الجديد هو مجموعة من الأسفار الموثوق بها والجديرة بالقبول، أو أنه مجموعة من الأسفار التي تم التوثق منها. ۲ بمعنى أنه إما أن السبعة والعشرين سفراً للعهد الجديد تم اكتشاف أنها جديرة بالثقة بسبب قيمتها الأصيلة، وبسبب أن بها “طابع الحق”، وبسبب سلطتها الظاهرة وهكذا فإنها مجموعة من الأسفار الموثوق بها أو أن هذه الأسفار قد تم تقرير أنها جديرة بالثقة بواسطة سلطة ما أخرى وهكذا تكون مجموعة من الأسفار التي تم التوثق منها).
يقول ويليام باركلي، إنها حقيقة بسيطة أن نقول إن أسفار العهد الجديد قد أصبحت قانونية لأن أحداً لم يستطع أن يمنعها عن أن تكون كذلك. كما يتفق معه بروس ميتزجر قائلاً: “لم تخلق الكنيسة الأسفار القانونية، ولكنها أدركت وقبلت وأكدت السمة الأصيلة لوثائق معينة فرضت قانونيها بنفسها على الكنيسة. ٤ يتضمن هذا الأمر أن سلطتها كانت أصيلة، وكانت تحتاج فقط أن يتم اكتشافها بواسطة الكنيسة الأولى. وهكذا فإن الأسفار القانونية عبارة عن مجموعة من الأسفار الموثوق بها.
أسفار قانونية داخل الأسفار القانونية؟
فالحقيقة أنه في فرع واحد من الكنيسة القديمة (السريانية)، بعض الأسفار فقط لم تعتبر قانونية حتى القرن السادس. ٦ ولكن الكنيسة السريانية كانت الشذوذ عن القاعدة، فبنهاية القرن الرابع كانت الكنيسة في الغرب قد قبلت جميعا الأسفار السبعة والعشرين كأسفار قانونية. لكن الكنيسة في الشرق قد صارعت مع بعض الأسفار إلى حد ما، لمدة أطول ۷۰ ولكن معظم أسفار العهد الجديد تم قبولها قبل ذلك بقرون من قبل جميع طوائف المسيحية.
لكن عندما يأتي الأمر لموضوع قانونية أسفار العهد الجديد لم يعلن أي قانون إيمان كنسي رسمي أن الأسفار القانونية قد أغلق عليها.۸ فحتى أثناء الإصلاح البروتستانتي، عبر بعض المصلحين والكاثوليك أيضاً عن شكوك قوية تجاه أسفار في مرتبة ثانوية بالنسبة للأسفار المقدسة. وفي عام ١٩٦٨ جادل العديد من القساوسة على أن كتاب مارتن لوثر كينج “رسالة من سجن برمنجهام” كان يجب إدخاله في العهد الجديد!؟ ومن ناحية أخرى، فإن معظم أسفار العهد الجديد الرئيسية قد تم قبولها كأسفار جديرة بالثقة منذ زمن مبكر للغاية. وبحلول القرن الرابع، تم إغلاق الأسفار القانونية بصورة غير رسمية في الغرب.
فقد تم إغلاق الأسفار القانونية عملياً، وليس رسمياً، في القرن الرابع وهكذا فإنه سوء عرض للحقائق أن تدعى بأن أسفار العهد الجديد لم تعتبر قانونية إلا في القرن السادس، فقط لمجرد أنه كانت هناك قلة قليلة لا تزال موضع شك بواسطة جزء صغير واحد من الكنيسة.
هناك ثلاثة معايير كانت تستخدم لتقييم سلطة ومصداقية هذه الأسفار، وهي – الرسولية، والمعتقد القويم والشمولية بمعنى هل قام أحد الرسل أو أحد أصدقائه بكتابة السفر (الرسولية؟ هل يتفق السفر مع التعاليم القويمة للأسفار الأخرى المعروف أنها رسولية (المعتقد القويم؟ هل كان مقبولاً في زمن مبكر ومن أغلبية الكنائس (الشمولية)؟ رغم أن الكنيسة القديمة قد صارعت مع عدد قليل من الأسفار في ضوء هذه المعايير، فإن الجوهر الأساسي قد تم قبوله بسرعة وبدون نزاعات.
في البداية، لم يكن لدى المسيحيين لائحة أسفار معترف بها للعهد الجديد، فقد كان إعلان الإنجيل بالكلام الشفهي وحتى رسائل بولس، رغم أنها كانت تعتبر بوضوح قيمة وجديرة بالثقة، فالأغلب أنه لم ينظر إليها على أنها أسفار مقدسة عند تدوينها. … فقبل القرن الثاني لم يكن في الإمكان حتى أن يتم تجميعها في مجلد واحد وهذا لأن صياغة الكتاب الحديث، أي المخطوطة التي تشبه الكشكول، لم تكن قد اخترعت بعد، وكان الدرج الملفوف يحوى كماً قليلاً من المعلومات، فقد كان أكبر درج يستخدم وقتها يمكنه أن يحمل إنجيلاً واحداً فقط أو أكثر بقليل.
ولكن هناك فارق كبير بين أن نقول إن الكنيسة الأولى لم تتعرف على أسفار العهد الجديد ككتب مقدسة بسرعة وبين أن نقول إنها لم تتعرف عليها كأسفار جديرة بالثقة بصورة ما، فهذا هو شيء آخر تماماً.
إن أول قائمة عرفناها للأسفار القانونية وضعها ماركيون حوالي عام ١٤٠م. كان ماركيون يؤمن أن يسوع المسيح هو إنسان فقط، كما كان من ضمن ما ينكره أيضاً أن العهد القديم هو أسفار مقدسة، فكان ينكر أن يسوع هو ابن إله العهد القديم، الذي أطلق عليه خالق الكون المادي ؛ ۱۰ ولكنه كان يؤمن أن يسوع هو ابن الإله الصالح للعهد الجديد. وبالتالي فقد استثنى ماركيون من أسفاره القانونية كل من أناجيل متى ومرقس ويوحنا. فبالنسبة للأناجيل، شملت قائمته فقط نسخة شديدة التنقيح من إنجيل لوقا. كما شملت أسفار ماركيون عشرة فقط من رسائل بولس المنقحة أيضاً. لقد تأثر ماركيون بالثنائية المتطرفة التي كانت شائعة في الفلسفة اليونانية، والتي كانت تنظر للروح على أنها خير وللمادة على أنها شر.
على أن هناك حقيقتين مهمتين ترتبطان بقائمة ماركيون الأولى، حيث أنه كان هرطوقياً، فقد أعطت قائمة ماركيون للكنيسة الأولى الدافع لإصدار قوائم أكثر شمولاً وأقل خصوصية. ۱۲ فقد كانت هناك بالفعل العديد من الكتب المنتشرة في مجموعات، مثل رسائل بولس، والأناجيل، ولكن لم تكن هناك قائمة رسمية قد تم حصرها. وهكذا فإن قائمة أسفار ماركيون قد حفّزت الكنيسة على أن تقوم بهذا الأمر بالتحديد.
لكن لماذا لم يدمج في قائمته أعمالاً مثل إنجيل توما أو إنجيل مريم أو أعمال بطرس؟ كما كان ماركيون على دراية كاملة بالأفكار الغنوصية ١٤ فلماذا لم يدمج أي من الكتابات الغنوصية في قائمته؟ أغلب الظن أنها لم تكن قد وجدت بعد. وحتى لو أن البعض منها كان موجوداً فإنها لم تكن تعتبر كتابات أصيلة بسبب حداثة عهدها الواضح.
وهكذا فحقيقة أنه قد استخدم فقط أسفار العهد الجديد لقائمة أسفاره القانونية المقتضبة، وأنه قام بالحذف من تلك النسخ، تفترض أنه حتى هرطوقي متطرف مثل ماركيون كان يعلم أن هذه الأسفار تحظى بالفعل بمكانة سامية.
بعد ماركيون، بدأت قوائم أسفار أخرى في الظهور. فقد تكونت قائمة الأسفار الموراتورية في الجزء الأخير من القرن الثاني ١٦ أغلب الظن في روما. ورغم أن نسخ الأسفار الموراتورية كانت جميعها مجزأة ومتناثرة ، ۱۷ فقد كان يمكن تجميع معظمها. وكانت هذه القائمة تشمل الأناجيل الأربعة، وسفر أعمال الرسل، ورسائل بولس الثلاثة عشر، ويهوذا، وسفر الرؤيا، ورسالة يوحنا الأولى، وإما رسالة يوحنا الثانية أو الثالثة أو كلاهما معاً.١٨ وهكذا، فعلى الأقل كان هناك واحد وعشرون أو اثنان وعشرون سفراً مدرجة كأسفار جديرة بالثقة قبل نهاية القرن الثاني.
إن المؤلف المجهول لقائمة الأسفار الموراتورية، يعلّق أيضاً على أسفار أخرى، والتي كانت تندرج تحت ثلاثة أقسام: الأسفار المتنازع عليها، الأسفار المهذبة والمثقفة ولكنها غير الجديرة بالثقة، والأسفار التي كان يجب رفضها كهرطقات كان السفر الوحيد المتنازع عليه هو سفر رؤيا بطرس: “لقد تسلمنا فقط رؤيا يوحنا ورؤيا بطرس، رغم أن البعض منا لا يرغب في أن تتم قراءة هذا الأخير (رؤيا) بطرس) في الكنيسة 19 وإحدى الكتب التي تم الحكم عليها بأنها مشجعة ومهذبة ولكنها غير جديرة بالثقة كانت “راعي هرماس”. فقد تم التعرف عليه ككتاب حديث، وهكذا يمكن أن يقرأ بصورة شخصية.
من المهم أن نشير إلى أن زمن كتابة السفر كان عاملاً مهماً في تحديد قانونيته. فالسفر الذي يتضح أنه قد كتب بعد زمن الرسل يرفض تصنيفياً.
هناك كتاب آخرون بدأوا في مناقشة مسألة الأسفار القانونية بوضوح. فعلى مدى الحقب التالية، بعض الكتب التي كانت تقف على الحياد من الأسفار القانونية، تم النزاع بشأنها، ولكن الكتب الأساسية بقيت كما هي بصورة كبيرة في بعض الأماكن، كانت مختلف الأسفار التي لم يتم تصنيفها أنها قانونية، ينظر إليها بصورة إيجابية، بل أنها حتى تلقت وضعاً قانونياً مؤقتاً ومحلياً. ولكن على أية حال، كانت هناك أسفار معينة تظهر باستمرار في كل قائمة على أنها جديرة بالثقة وليست محل نزاع والتي بني عليها إيمان وممارسات الكنيسة.
والآن ما الذي أدركت الكنيسة الأولى أنه “الجزء الأعظم من العهد الجديد؟ أو “الأسفار القانونية داخل الأسفار القانونية؟ كانت الأناجيل الأربعة (متى ومرقس ولوقا ويوحنا) ورسائل بولس الثلاثة عشرة، في الأغلب موجودة دائماً في القوائم، كما كان موجوداً كذلك سفر أعمال الرسل. ففي بعض الحالات النادرة فقط كان هناك شك بشأن أي من هذه الأسفار. كما كان موجوداً عادة رسالتي يوحنا الأولى وبطرس الأولى. وفي الشرق، اعتبرت الرسالة إلى العبرانيين قانونية وتم وضعها مع رسائل بولس، كما تم اعتبار سفر الرؤيا قانونياً في كثير من الدوائر. وبذلك يكون هناك من عشرين إلى اثنين وعشرين سفراً من إجمالي السبعة والعشرين سفراً للعهد الجديد كانت تعتبر باستمرار كتباً مقدسة بمجرد أن تم استخدام هذا المصطلح في الإشارة إلى العهد الجديد.
إغلاق الأسفار المقدسة؟
بحلول القرن الرابع كانت الكنيسة قد استقرت حتى بالنسبة لبعض الأسفار موضع النزاع. فالمؤرخ الكنسي يوسابيوس القيصري من أوائل القرن الرابع ( ٢٦٠). ٣٤٠) كانت له مناقشة مطولة لأسفار العهد الجديد القانونية كما تم التعرف عليها في الشرق. ولكن مناقشته كانت لا تزال تعكس اتجاهات الآباء الأولين، أكليمندس وأوريجانوس:
عند هذه النقطة يبدو من المعقول أن نلخص كتابات العهد الجديد التي تم اقتباسها، ففي المقام الأول، يجب أن نضع الأناجيل المقدسة، يتبعهم كتابات سفر أعمال الرسل. وبعد هذه يجب أن نضع رسائل بولس، يتبعها رسالة يوحنا التي يطلق عليها الأولى، وبنفس الطريقة يجب اعتبار رسالة بطرس. بالإضافة إلى هذه، يجب أن نضع، إذا رغبنا، رؤيا يوحنا، والتي سنعرض الجدل الخاص بها في الوقت المناسب. تنتمى هذه الأسفار إلى قائمة الكتب المعترف بها (homolegoumena) أما بالنسبة للأسفار موضع النزاع (antilegomena)، فهي المعروفة للأغلبية بأنها رسالة يعقوب، ورسالة يهوذا، ورسالة بطرس الثانية، ورسالتي يوحنا الثانية والثالثة التي يمكن أن تكون من كتابة البشير نفسه أو شخص آخر بنفس اسمه.
كما أدرج الرسالة إلى العبرانيين بين رسائل بولس، رغم أنه في مكان آخر كان يدرك أن البعض لا يعتبرها من رسائل بولس. وعند بداية القرن الرابع، تم اعتبار جميع الأسفار السبعة والعشرين في العهد الجديد قانونية مبدئياً. مع اعتبار الاثنين والعشرين سفراً أسفاراً قانونية أكيدة.
في عام ٣٦٧، أعلن أثناسيوس في خطابه الاحتفالي التاسع والثلاثين بدون تحفظ أن الأسفار السبعة والعشرين للعهد الجديد قانونية. لكن لم يتفق الجميع في الشرق مع أثناسيوس على هذه القائمة. فقد اتفق معه جريجورى النزينزي (۳۸۹) فيما عدا على سفر الرؤيا، كما قبل أمفيلوكيوس (بعد (٣٩٤ جميع الأسفار ما عدا رسالة بطرس الثانية، ورسالتي يوحنا الثانية والثالثة، ورسالة يهوذا ، وسفر الرؤيا وقبل ديماس الضرير (۳۹۸) الجميع ماعدا فيما يبدو رسالتي يوحنا الثانية والثالثة. كما أن يوحنا ذهبي الفم وثيودور المويسوسيتي وثيودوروس، وجميعهم من الشرق وممن كتبوا في أواخر القرن الرابع أو أوائل القرن الخامس، كلهم أدرجوا على الأقل اثنين وعشرين سفراً من السبعة والعشرين. وهكذا فرغم أن يوسابيوس وأثناسيوس قد برهنوا على أن الأسفار القانونية هي سبعة وعشرين سفراً، إلا أن الآباء الشرقيين فيما بعد قد قاموا بحصر القائمة.
فإن الكتب التي رفضوها كان عليها نزاع منذ البداية – وهي الرسائل القصيرة (رسالتا) يوحنا الثانية والثالثة ورسالة يهوذا) ورسالة بطرس الثانية لأنها تختلف في الأسلوب عن رسالة بطرس الأولى)، وسفر الرؤيا لأنه يختلف في الأسلوب عن إنجيل يوحنا وبسبب نظرته الأخروية الواضحة)، ولكن الكتب الأساسية الاثنين والعشرين ظلت مؤكدة وموثقة بقوة.
المُلخَّص
بمجرد أن تم استخدام تعبير الأسفار المقدسة لكي يطلق على أسفار العهد الجديد فإن الأناجيل الأربعة ورسائل بولس الثلاثة عشرة تم إدراجها كما أن أعمال الرسل ورسالة بطرس الأولى ورسالة يوحنا الأولى لم تكن عامة موضع نزاع ونفس الأمر يمكن أن يقال عن معظم الرسالة إلى العبرانيين وسفر الرؤيا. وبنهاية القرن الرابع، كانت الأسفار القانونية قد أغلقت في الغرب فعلياً، رغم أنه لم يكن رسمياً. أما في الشرق، فقد جادلت بعض الأصوات المؤثرة ذات السلطة بأن الأسفار القانونية هي سبعة وعشرون، ولكن بعض الكتاب عارضوا ذلك.
لكن ماذا نفعل بشأن حقيقة أن الأسفار القانونية في الشرق ظلت مسألة مفتوحة لمدة طويلة؟ يتعلق هذا الأمر بسؤال أكبر ، وهو لماذا لم يتكون مجلس رسمي عالمي للكنائس، أو كان هناك قرار قديم ينص على الأسفار القانونية؟
كان الجدل يتعلق دائماً بما إذا كانت الأسفار رسولية وشاملة، ومستقيمة العقيدة وعلى هذا الأساس بدت الرسائل القصيرة أنها تفتقر للشمولية لأنها بسبب قصرها بدا من السهل تجاهلها، وكانت رسالة بطرس الثانية محل شك بسبب الشك في مصدرها الرسولي، كما كان هناك شك في سفر الرؤيا بسبب أمور تتعلق بسلامة العقيدة. ولكن رسائل بولس والأناجيل كانت هي القلب والأساس دائماً على الجبهات الثلاث.
وعلى هذا الأساس فإن أهم الأسفار الأساسية لم يتم الشك فيها مطلقا.
إنني أرغب في أن أختم هذا الفصل بالعودة إلى سؤالنا الأصلي : هل قامت الكنيسة الأولى بالاختيار الصحيح عندما اختارت الأسفار التي يجب إدراجها ضمن الأسفار القانونية؟ دعونا نفترض جدلاً، أن أسفار يوسابيوس المعترف بها” فقط هي التي كان يجب أن تكون ضمن الأسفار القانونية. فما الذى كنا سنفقده في هذه الحالة؟ كنا سنفقد فقط خمسة أسفار تحوى إحدى عشر إصحاحاً.
إننا لا نفترض بالطبع أن هذه الأسفار كان يجب أن تحذف من العهد الجديد، ولكننا نقول إنه حتى لو أنها حذفت، فإن صورة يسوع لم تكن لتتأثر على الإطلاق بل كانت ستظل كما هي تماماً.
الفصل العاشر: ماذا كانت الكنيسة الأولى تعتقد بشأن الانتحال أو التزييف؟
يبدو أن كثيرين من المسيحيين يعتقدون أن أي سفر في العهد الجديد ينتمى للكتاب المقدس فقط لأن كاتبه هو أحد الرسل. … وربما يدهش هؤلاء المسيحيين أن يعرفوا أن هناك عدداً كبيراً من الكتب القديمة الأخرى يزعم البعض أنها مكتوبة بواسطة الرسل أو إحدى الشخصيات المعروفة الأخرى من الذين كتبوا العهد الجديد. فلماذا لا تكون هذه الكتب جزءاً من العهد الجديد طالما أنها تدعى السلطة الرسولية؟ فعلى أية حال، إن كانت تدعى السلطة الرسولية، فهي تنتمى للعهد الجديد، أليس كذلك؟ لكن هذا ليس بالضرورة. فهل يجب لكتب مثل إنجيل بطرس، وإنجيل توما، وإنجيل مريم، وأعمال يوحنا، وأعمال بولس، ورؤيا بطرس، أن تكون في العهد الجديد؟ وماذا عن رسالة برنابا، أو رسالة بولس إلى أهل لاودكية؟
هناك العشرات من الكتب التي يزعم أنها كتبت بواسطة الرسل أو بعض القادة الروّاد الآخرين في العهد الجديد والتي لم يتم وضعها في العهد الجديد. فما هي المعايير التي استخدمتها الكنيسة الأولى في هذا الأمر؟ … وأكثر من ذلك، ألا توجد بعض من كتب العهد الجديد التي كتبها شخص آخر غير مؤلفها المزعوم؟
هذا الفصل سوف يركز على الوسيلة ما المعايير التي استخدمتها الكنيسة الأولى لكي تكتشف التزييف؟ أما الفصل التالي فسوف يركز على المحتوى: ماذا تقول الكتب غير الموجودة في العهد الجديد؟
دافع السلطة الرسولية
ينص العهد الجديد بوضوح وبقوة على أن الرسل كانت لهم مكانة خاصة في تأسيس الكنيسة. وتذهب الرسالة إلى أفسس (۲: ۲۰) إلى مدى أبعد من ذلك لكي تعلن أن الكنيسة “قد بنيت على أساس الرسل والأنبياء ويسوع المسيح نفسه حجر الزاوية”.
لقد كانت سلطة الرسل الخاصة بحق الإنجيل واضحة لأى شخص يعرف عن المسيحية في قرونها الأولى. وهذا يفسّر لماذا كانت هناك العشرات من الأناجيل والرسائل والرؤى المنحولة التي كانت تكتب باسم شخص آخر)، فقد كانت هذه طريقة سهلة لادعاء سلطة وثيقة ما، والتي بدونها لما كان لهذه الوثيقة أي سلطة، وهكذا، فالدافع يبدو واضحاً.
هل تم نسب بعض من الكتب باطلاً إلى الرسل؟
سوف ننظر الآن في أربع حالات سوف تسهم في فهمنا لعملية صياغة القانونية، وهي: إنجيل مرقس، والرسالة إلى العبرانيين، وسفر الرؤيا، ورسالة بطرس الثانية.
إنجيل مرقس
يحوى العهد الجديد أسفار متى ومرقس ولوقا ويوحنا كأناجيل، والتي نعرفها جميعاً بهذه الأسماء. لكن ما قد يدعو للدهشة هو أنه في الأصل كانوا جميعاً أعمالاً مجهولة الكاتب. … فاثنان من الأناجيل كتبا بواسطة الرسولين (متى ويوحنا)، وواحد بواسطة أحد المعارف المقربين لبولس (لوقا)، وواحد بواسطة مرقس.
أما عن أقدم شهادة خاصة بتأليف إنجيل مرقس، فقد قدمها بابياس، أسقف هيرابوليس حتى عام ۱۳٠. ففي أغلب الظن أنه ولد في الستينات وقد تعلّم من الجيل الأول للمسيحيين عن أصول الإيمان، ولذلك يجب تقدير شهادته حول تأليف إنجيل مرقس وإعطائها أهمية كبيرة، فيقول:
وقد اعتاد الشيخ أن يقول هذا: لقد أصبح مرقس مفسراً لكلام بطرس، وقام بكتابة كل شيء كان بطرس يتذكر أن المسيح قاله أو عمله بدقة، رغم أنه ليس بالترتيب. وذلك لأن مرقس لم يسمع الرب ولا اتبعه ولكنه بعد ذلك، كما قلت اتبع بطرس الذي كان يطبق تعاليم الرب بقدر الحاجة ولكن لم تكن لديه النية لتقديم رواية مرتبة عن أقوال الرب. وبالتالي فلم يفعل مرقس خطأ في أنه دوّن بعض الأمور كما تذكرها، حيث أنه قد جعل اهتمامه الأول ألا يحذف أي شيء قد سمعه وألا يدلى بأية بيانات كاذبة بشأنه.
وهنا يسترشد بابياس بشاهد سابق، الشيخ“، كمصدر له. وربما يكون هذا الشيخ هو الرسول يوحنا أو على الأقل واحد من الجيل الأول للمسيحيين والذي يعتبر في موضع سلطة.
إن شهادة الكنيسة القديمة بعد بابياس تتفق في نقطتين بشأن إنجيل مرقس : الأولى أن مرقس هو الذي كتبه، والثانية هي أنه استقى معلوماته من بطرس. … فالشهادة القديمة دائماً ما تميز بين مرقس كمؤلف وبين بطرس كمصدر للمعلومات. وأكثر من ذلك، فإن إيريناوس، إذ كتب بعد بابياس بعدة حقب، يختلف مع بابياس في نقطة مفتاحية واحدة، فهو يعتقد أن مرقس قد كتب الإنجيل بعد وفاة بطرس. … فإيريناوس كان يريد أن يكون الإنجيل الأول مكتوباً بواسطة أحد الرسل ( وفي هذه الحالة، متى)، ولذلك فقد اختلف مع بابياس حول زمن كتابة مرقس لإنجيله. ولكن ترتيب إيريناوس للأحداث التاريخية مشكوك فيه.
إن الطريقة التي تم بها التعامل مع إنجيل مرقس في الكنيسة القديمة يجب أن تكون مذكراً صريحاً لنا بأن المسيحيين الأوائل أخذوا مسألة التأليف بجدية، خاصة عندما كان هناك كتاب معين مجهول المؤلف، … بالتأكيد فإن الدافع للادعاء بأن إحدى الأناجيل قام بطرس بكتابتها كان قوياً بصورة خاصة، وكون الكنيسة قد امتنعت عن القيام بذلك، قائلة فقط إن مرقس قد حصل على إنجيله من بطرس، فهذا يظهر ضبط النفس الملحوظ فالحقيقة هي أن هذا القول به كل خواص الصدق والأصالة.
يقوم الكثيرون اليوم بالتشكيك في أصالة الرسالة إلى أهل أفسس والرسالة الأولى والثانية لتيموثاوس، وتيطس، ورسالة بطرس الثانية. لكن واحداً فقط من هذه الكتابات تم التشكك فيه بواسطة الكنيسة القديمة، فربما كان لدى آباء الكنيسة فهم أكثر مما ينسبه إليهم العلم الحديث.
يمكننا أن نطبق هذا السؤال أيضاً على إنجيل آخر. فكثير من العلماء ينكرون أن إنجيل متى قام متى بكتابته لأنهم يعتقدون أن آباء الكنيسة كانوا يريدون أن ينسبوا التأليف الرسولي للأناجيل. ومع ذلك فإن نفس هؤلاء الآباء لم يستسلموا لهذا الإغراء بالنسبة لإنجيل مرقس. بل وأكثر من ذلك، فإن متى، مثل مرقس، قد تلقى شهادة مجمع عليها في الكنيسة الأولى فيما يخص تأليفه، رغم أنه هو نفسه أيضاً كان عملاً مجهول الكاتب.
الرسالة إلى العبرانيين
تعتبر الرسالة إلى العبرانيين عمل آخر مجهول الكاتب. يقول أحد المؤلفين، “إن التعليقات والشروحات العلمية على وثيقة العهد الجديد هذه تقول أحياناً عن رسالة بولس إلى العبرانيين أنها تحتوى عادة على ملاحظة صحيحة تماماً وهى أن تلك الوثيقة ليست رسالة، ولم يكتبها بولس، ولم تكتب إلى العبرانيين.“۹ حقاً إنه ليس هناك اسم موجود لمؤلف هذا السفر، كما أنه من الحقيقي أيضاً أنه يبدو مثل عظة أكثر منه كرسالة، رغم أنه يشبه بدرجة ما الرسائل القديمة، ولكن حتى الرسائل غالباً ما ينسب لها كاتبها.
وبغض النظر عن السبب في عدم معرفتنا باسم كاتب العبرانيين، إلا أن هذا السفر قد اقترن سريعاً باسم بولس الرسول. … كما أن السفر به أوجه شبيهة بطريقة بولس في التفكير ويبدو من الواضح أنه يرجع لأفكار بولس.
وقد كان أول من نوّه إلى هذه الرسالة هو أكليمندس الروماني (٩٦م)، رغم أنه لم يقل من هو كاتبها. وقد تم حذف الرسالة إلى العبرانيين من قائمة الأسفار القانونية لكل من ماركيون وموراتوري، فقد كان هناك خلاف كثير بشأن مؤلفها منذ الأزمنة الأولى في تاريخ الكنيسة. وبخلاف إنجيل مرقس، فقد نسب تأليفها لعدد من الكتاب المختلفين، رغم أن بولس ترأس القائمة وقام بذلك أيضاً أكليمندس السكندري وآخرون). ولكن أوريجانوس، خليفة أكليمندس، أنكر تأليف بولس لها بوضوح، وهو الذي نطق بكلماته اللاأدرية الشهيرة: “من الذي كتب هذه الرسالة الله وحده هو الذي يعلم ذلك علم اليقين. فعلى الرغم من أن الترجمة المنقحة (RV) (۱۸۸۱) تستخدم العنوان “رسالة بولس الرسول إلى العبرانيين على نمط ترجمة كينج جيمس للكتاب المقدس KJB)، إلا أنه لا أحد اليوم يبرهن على أن يولس هو الذى كتب هذا السفر.١٢ فهناك ببساطة العديد من الاختلافات ما بين رسائل بولس والرسالة إلى العبرانيين، وقد لاحظ القراء في الكنيسة القديمة هذه الاختلافات أيضاً.
لكن إن لم يكن بولس هو الذى كتب الرسالة إلى العبرانيين، فمن الذي كتبها إذا؟ وحيث أن السفر لم ينجح في اجتياز اختبار الرسولية، فهل يمكن رؤيته على أنه جدير بالثقة كسفر مقدس؟ إن حقيقة كون الرسالة إلى العبرانيين تظهر عمقاً أدبياً وروحياً، وأنه كان يتم الاستشهاد بها دائماً بداية من نهاية القرن الأول)، وأنها تتفق مع الكتابات الرسولية المعروفة، أكدت في النهاية مكانها بين الأسفار القانونية.
إن المجادلات الخاصة بمؤلف العبرانيين والتي أدت في النهاية إلى اعتراف الكنيسة بجهلها بشخصية كاتبه أي أنه لم يكتب بواسطة بولس تخبرنا بأمر جدير بالملاحظة عن الاستقامة الكنسية.
سفر الرؤيا
في آخر سفر من أسفار العهد الجديد، سفر الرؤيا، يعرّف الكاتب نفسه فقط بأنه “يوحنا“ (رؤ ١: ١، ۲۲۹٤ (۸). لكنه لم يدع نفسه يوحنا الرسول”، أو “يوحنا الشيخ“ ولكنه قال ببساطة إنه “يوحنا”. وخلاف الكتب الرؤوية القديمة الأخرى التي كانت تستخدم اسماً مستعاراً للكاتب من أسماء الشخصيات الشهيرة في الماضي، فمن الواضح أن هذا المؤلف لم يكن في نيته الخداع، لأن اسم يوحنا” في الحقيقة لا يضيق مجال البحث كثيراً!
يرتبط صراع سفر الرؤيا لحيازة القانونية بهذه المسألة، فهو ليس مجهول الكاتب كما أنه ليس مكتوب باسم مستعار ولكن مسألة هوية هذا الشخص ” يوحنا” هي التي أثارت الشكوك بشأن إدراجه في العهد الجديد.
إن أقدم شهادة عن سفر الرؤيا يبدو أنها تفترض أن يوحنا الرسول هو الذي كتب هذا السفر (كما يفترض مليتو، ويوستينوس الشهيد وإيريناوس، وقائمة موراتوري القانونية وربما بابياس). وليس ذلك فقط، ولكن اثنين من هؤلاء الكتاب، أي إيريناوس ومليتو، كانا من اثنين من المدن التي وجّه لهما الحديث في سفر الرؤيا، وهما ساردس وسميرنا، وهكذا فإنهما “يمكن أن يقدما دليلاً مستقى من المصدر مباشرة.
لكن لم يتفق الجميع على أن يوحنا الرسول هو الذى كتب سفر الرؤيا، فقد رفض ماركيون التأليف الرسولي، كما فعل ذلك ديونيسيوس، وهو أسقف من الإسكندرية من القرن الثالث. وهكذا توالت المناقشات المتجددة بشأن المؤلف.
لكن حتى بوجود دليل كاف على أن يوحنا المذكور في هذا السفر كان هو الرسول يوحنا، فقد عارضت الكنيسة هذا الأمر. فالمسيحيون الأوائل لم يقبلوا بسذاجة هذا السفر على أنه سفر أصيل لأن اسم يوحنا كان به بل الأكثر من ذلك أن أي إنسان كان يقبل بقانونية هذا السفر في الكنيسة القديمة كان يدرك أن المؤلف هو في الحقيقة شخص ما يدعى يوحنا، فلم يكن هناك تزييف في الأمر.
فما حدد مسألة قانونية هذا السفر لم يكن في النهاية هو أن كاتبه كان الرسول يوحنا. واليوم، هناك العديد من العلماء المحافظين الذين يشككون في التأليف الرسولي للسفر. ولكنهم لا يزالون يعتبرونه سفراً مقدساً. من الواضح إذا أنه كانت هناك اختبارات أخرى تجرى بجانب اختبار التأليف الرسولي كمعيار لتحديد قانونية الأسفار في الكنيسة الأولى، … لكن مجرد حقيقة أن الكنيسة قد قبلت هذا السفر كسفر قانوني بدون التأكد بالضرورة من تأليفه الرسولي يدل بقوة على استقامة الكنيسة.
رسالة بطرس الثانية
غالبا ما كانت الرسائل القصيرة مثل رسائل يوحنا ويهوذا ويعقوب موضع نزاع، كما كان سفر الرؤيا. ولكن أكثر الأسفار نزاعاً في العهد الجديد، من ناحية المؤلف، كان هو رسالة بطرس الثانية. فبخلاف إنجيل مرقس والرسالة إلى العبرانيين لم يكن هذا السفر مجهول المؤلف، فالمؤلف يدعى أنه سمعان بطرس الرسول (۱: ۱). ولكن هذه الرسالة لم يتم الاستشهاد بها أو التلميح لها كثيراً في القرن الثاني ١٧ – ويمكن للبعض أن يقولوا إنه لم يستشهد منها على الإطلاق – وقد أثار هذا الشكوك بشأن مؤلفها منذ زمن مبكر.
إننا لن نخوض بعمق في السبب الذى لأجله اختلفت الكنيسة الأولى بشأن تأليف هذه الرسالة، ولكننا نحتاج أن نشير إلى أمرين: الأول أنه كان هناك شك بشأن أصالتها بسبب الشك بشأن قدمها فأسلوب الكتابة في رسالة بطرس الثانية كان يعتقد أنه يختلف بصورة ملحوظة عن أسلوب الكتابة في رسالة بطرس الأولى. فيشير جيروم إلى أن اختلافات الأسلوب بين رسالتي بطرس الأولى والثانية هي اختلافات جوهرية، رغم أنه كان يعتقد أنه يمكن عزوها لاستخدام بطرس لشخصين مختلفين في كتابة كل من الرسالتين، والذي أسهم كل منهما بلمسات أسلوبه الخاص ۱۸۰ إلا أن يوسابيوس الذى شك في أصالة الرسالة، جادل في أنها لم تذكر بالاسم بواسطة أقدم آباء الكنيسة.۱۹ كما أنه لا يزال يوجد سببان من أهم الأسباب التي يقدمها العلماء في جدلهم بأنه لم يكن من الممكن للرسول بطرس أن يكتب هذه الرسالة.
لكن بدون الدخول في مناقشة بشأن مؤلف رسالة بطرس الثانية، نرغب ببساطة في طرح ملاحظتين الأولى، أن الرسالة لم يتم قبلوها بدون صراع. فمزيج الافتقار إلى الاستشهادات القديمة مع الاختلافات في الأسلوب بينها وبين رسالة بطرس الأولى كان ضربة قاصمة لوضع رسالة بطرس الثانية في الأسفار القانونية. ثانياً، حيث أن هذه الرسالة تم الادعاء بأن بطرس هو الذي كتبها، لم تكن الكنيسة الأولى لتتمكن من قبولها لو كان قد ثبت أنها مزيفة. فكانت إما أن ترفضها على أنها ليست من تأليف بطرس، أو أن تقبلها على أنها أصيلة، فلم يكن هناك حل وسط ؛ ولم يكن هناك معنى “للتزييف الحميد”.
ما إذا كانت الكنيسة محقة في النهاية في تقييمها لتأليف هذه الرسالة أم لا فهذا سؤال شديد الأهمية، ولكنه ليس الأهم على الإطلاق. فالأمر الأكثر أهمية هو أن معظم أ أسفار العهد الجديد لم يتم التشكك بشأن مؤلفها بالتحديد لأنها كانت تستخدم ويتم الاقتباس منها ويحبها الناس منذ البداية، كما أنه لم يتم قبول أي كتاب أبداً لو كان هناك اعتقاد بأنه مزيف.
ولكنهم قيموا هذه المزاعم على أساسين: الأول، أنهم كانوا يفحصون البرهان التاريخي الخارجي، إذ يسألون عما إذا كانت الشهادات لسفر معين قديمة وكثيرة أم لا، والثاني أنهم كانوا يقارنون توافقها الداخلي مع الوثائق التي لم يكن هناك خلاف عليها والتي كانت تعتبر أن لها سلطة روحية.
بل أن حقيقة أن العديد من كتب العهد الجديد كانت في الأصل مجهولة المؤلف أو لم يتم توضيح مؤلفها بصورة كافية ليتم التعرّف عليه بطريقة إيجابية (مثلاً، وضع مجرد اسم يوحنا” لسفر الرؤيا، و “يهوذا” لرسالة يهوذا يوضح أن السعي للسلطة الذي ظهر فيما يتعلق بالعديد من الكتابات الهرطقية اللاحقة لم يكن هو العامل الأساسي في تحديد أسفار العهد الجديد. تعتبر رسائل بولس استثناء لذلك، بمعنى أنه في الكثير من رسائله يتم الدفاع بوضوح ووعى عن سلطته الرسولية، ولكن هذا كان يرجع لتشكك مقاوميه في سلطته ورسوليته.
التزييفات والمزيفون في الكنيسة
يرى كثير من العلماء اليوم أن انتحال اسم المؤلف أي كتابة وثيقة باسم شخص آخر) كان ممارسة مقبولة في الكنيسة القديمة. لكن موضوع التزييف والانتحال قد تم مناقشته حقيقة بنوع من الإسهاب في الكنيسة الأولى.
في حوالي عام ۲۰۰ ، عندما علم سرابيون، أسقف أنطاكية، أن إنجيل بطرس لم يكتب بواسطة الرسول بطرس، أعلن قائلاً: “من جهتنا أيها الإخوة، قد قبلنا كلاً من بطرس والرسل الآخرين كما قبلنا المسيح، ولكننا نرفض الكتابات التي تحمل أسمائهم باطلاً، كأناس لدينا خبرة في هذا الأمر، إذ نعلم أن مثل هذه الكتابات لم تسلّم إلينا.”
وفي القرن الثاني، أدانت لائحة موراتوري للأسفار القانونية كلاً من الرسالة إلى اللاوديكيين والرسالة إلى أهل الإسكندرية لأن كلاً منهما “تم تزييفها باسم بولس ۲۱ وكان أحد الأدلة على التزييف هو الافتقار إلى برهان القدم، فالحقيقة أنه إذا وجد أن إحدى الكتابات من أصل حديث، حتى لو لم يكن هناك شك في مؤلفها، لم تكن تعتبر قانونية. فمثلاً، رفضت لائحة موراتوري کتاب راعى هرماس”، لأنه رغم كونه من الأعمال الأدبية المحفّزة، إلا أنه تم تأليفه في زمن حديث للغاية، في زمننا في مدينة روما. فعدم القدم كان هو السبب الوحيد لرفضه، وهذا لأن تلك الوثيقة تم كتابتها بعد زمن الرسل.
كما يعكس يوسابيوس هذا الرأي أيضاً، ففي الربع الأول من القرن الرابع، تحدث عن أسفار العهد الجديد القانونية بإسهاب وتفصيل. … لكن من الجدير بالذكر أن نورد هنا منطقه بالكامل ولماذا كان يجب رفض بعض الكتب رفضاً صريحاً:
كانت الكنيسة بالفعل تصارع بجدية مع معايير القانونية الرسولية والشمولية، واستقامة العقيدة. وقد فشلت الكتب الهرطقية في الاختبار بهذه المعايير الثلاثة.
فإن فرضية براءة نسب الكتب إلى الرسل كذباً. يبدو أنه قد تم تصميمها للدفاع عن قانونية بعض من كتابات العهد الجديد التي كانت في نفس الوقت، ينظر إليها على أنها تنسب تأليفها للرسل كذباً. لكن هذه الفرضية هي اختراع حديث ليس له أساس يبرهن عليه في اتجاه أو كتابات الكنيسة الرسولية وآباء الكنيسة…
المُلخَّص
لقد رأينا أن الكنيسة القديمة لم تنسب التأليف الرسولي بسرعة وبدون نقد للكتب مجهولة المؤلف، رغم أنه كان هناك إغراء للقيام بهذا الأمر. … وفي النهاية كانت الكنيسة تتحقق مما إذا كان هذا الكتاب يرجع إلى الحقبة الكنسية المبكرة وما إذا كان قد قبل على نطاق واسع، وما إذا كان مستقيم العقيدة أم لا. معظم أسفار العهد الجديد اجتازت هذا الاختبار بدون جهد يذكر – ولكن هذا بالتحديد لأنها قد نجحت في هذه المعايير الثلاثة وقد ناضلت كتب أخرى لكى يتم قبولها، ولكن هذا النضال عينه كان يجب أن يضع حداً لمسألة ما إذا كان المسيحيون الأوائل شديدي السذاجة بشأن كتبهم المقدسة.
ومن ناحية أخرى، فقد تم قبول بعض الكتب غير الجديرة بالثقة ككتب مقدسة في بعض أجزاء من الكنيسة لفترة زمنية محدودة، ولكن هذه الكتب لم تستطع أن تخدع الكنيسة لفترة طويلة.
الفصل الحادي عشر: ماذا كان المزيفون القدماء يعتقدون بشأن المسيح؟
إن السجلات الباقية من الكنيسة القديمة لا تظهر أي تهاون أو سماح بقبول كتب منحولة كتبها شخص باسم شخص آخر. لكنهم حتى لو كانوا قد قاموا بذلك، فحيث أن الأناجيل نفسها كانت جميعها في الأصل مجهولة الكاتب، فقد كان هذا يستبعد دافع التزييف من جانب المؤلفين!
ماذا كانت هذه الأناجيل الأخرى، وماذا كان فيها حقيقة، ولماذا لم تنجح في الاختبار. وعلى وجه الخصوص، كم كان عدد تلك الأناجيل الأخرى؟ ومتى تمت كتابتها؟ وماذا كانت تقول عن يسوع؟
غرض الأناجيل الأخرى
إن الأناجيل التي لم يتم قبولها داخل الأسفار القانونية يطلق عليها “أناجيل الأبوكريفا. والكلمة اليونانية القديمة “أبوكريفا” تعنى الأمور المخفاة، وكانت تصف مختلف الكتب اليهودية والمسيحية، وبسبب معناها المطاطي المتسع، فقد كان في الإمكان استخدامها بمعنيين مختلفين بالكامل. فمن كانوا يوافقون ويؤيدون هذه الكتب كانوا يرونها مخفاة بمعنى أنها كانت بعيدة عن الاستخدام العام بسبب. أنه كان ينظر إليها على أنها تحوى أموراً غامضة أو تقاليد متشابكة، والتي كانت شديدة العمق بحيث لا يمكن توضيحها ونقلها لأي إنسان إلا لمن لديهم المعرفة والاطلاع فقط. ولكن بعض الكتاب القدامى قالوا إن هذه الكتب كانت أبوكريفا لأنها تستحق أن تختفي أي أنها هرطقية في تعاليمها ويجب ألا تقرأ على الملأ.۲ وسوف نشير إلى هذه الأناجيل على أنها “أناجيل الأبوكريفا” والتي لم تنجح في الدخول إلى العهد الجديد، وهي مختلفة عن الأناجيل القانونية.
إننا نعرف عن العديد من أناجيل الأبوكريفا التي كانت منتشرة في القرون الأولى للكنيسة. البعض منها نعرفه بالاسم فقط، حيث لم يتبق أي نسخ منها اليوم، بينما لدينا أجزاء متفرقة من البعض الآخر، والوثائق الكاملة لبقيتها. لكن على وجه العموم، فإن جميع أناجيل الأبوكريفا هذه كان المقصود منها أن تحقق أمراً من اثنين: “إما تكميل (أو) زعزعة الأناجيل الأربعة التي تلقتها الكنيسة العظيمة واستئصالها. ويبدو أن البعض منها أراد أن يحقق كلا الأمرين معاً. فقد ركزت أناجيل الأبوكريفا على فجوتين في حياة يسوع كما هي مدونة في الأناجيل الأربعة وهما طفولته والثلاثة أيام بين موته وقيامته.
على أنه كان هناك دافع آخر أكثر خبثاً لأناجيل الأبوكريفا، وهو أن تقدم صورة مختلفة عن يسوع.
فما نوع شخصية يسوع تلك التي أرادت معظم أناجيل الأبوكريفا أن تقدمها؟ لقد أرادت أن تقدم شخصاً ليس إنساناً حقيقياً، كما لو أن يسوع كان يحلق فوق الأرض بارتفاع ثلاثة أقدام، فهو لا يحتاج أن يتعلم أي شيء كإنسان، ويتحدث بعبارات ذكية بينما هو ما يزال طفلاً صغيراً، ويبدو أنه من عالم آخر تماماً. إن أكثر إنجيل هرطقي كان سائداً كان يصوّر يسوع على أنه أكثر من مجرد إنسان وعلى أنه كائن آخر غير الإنسان.
فمن ناحية، كانت معظم أناجيل الأبوكريفا المرفوضة تركز على ألوهية يسوع أكثر مما على بشريته،
يسوع كما تظهره أناجيل الأبوكريفا
إن العشرات من أناجيل الأبوكريفا لم تكن موجودة في وقت أو في آخر، والقليل منها معروف بالاسم فقط، والبعض منها توجد منه أجزاء متفرقة بينما البعض الآخر قد بقيت نسخ كاملة منه. ومن الواضح أن البعض منها قد قصد به أن يكمل الأناجيل القانونية بينما البعض الآخر كان المقصود منه أن يحل محلها بصورة ليسوع تختلف عن يسوع المذكور في الأناجيل الأربعة.
أناجيل الطفولة
إن من تأثروا بالفكر الغنوصي كانوا يرون يسوع على أنه ليس بشراً حقيقياً ولكن كشخص كامل النضج وهو لا يزال طفلاً.
إن أقدم أناجيل الطفولة هي “بروتيفانجيليوم” أو الإنجيل البدائي ليعقوب، وإنجيل الطفولة لتوما ليس هو نفس إنجيل توما الذي سوف تناقشه فيما بعد). ويؤرخ معظم العلماء هذه الكتب على أنها كتبت في النصف الثاني من القرن الثاني.
يتحدث إنجيل “بروتيفانجيليوم” ليعقوب، عن مريم أم يسوع أكثر مما يتحدث عن يسوع. إنه بلا حرج عمل كان يقصد به تمجيد مريم.
فمثلاً، كانت مريم مكرسة في الهيكل منذ الطفولية؛ وكانت ” تتغذى مثل الحمامة وتتلقى الطعام من يد ملاك إلى أن أصبحت في الثانية عشرة من عمرها. … ومن الواضح أنه كان مبنياً على أساس إنجيل متى ولوقا ولكنه يضيف الكثير من المواد الشيقة المثيرة.
وهكذا فقد كانت هذه الأناجيل غير مستقيمة العقيدة لأنها قللت بصورة كبيرة من بشرية يسوع بينما رفعت من ألوهيته.
ما يطلق عليه الأناجيل الغنوصية
كان الغنوصيون عبارة عن مجموعة من المسيحيين الزائفين الذين يعرفون على أن لديهم (۱) التزام بثنائية راديكالية مضادة للكون والتي فيها يكون كل ما هو مادة – سواء العالم أو الجسد – يرى على أنه شر. (۲) نظرة للروحانية ساوت بين المعرفة – خاصة المعرفة السرية – والخلاص.
وفي نفس الوقت، قد لا يكون هناك مبرر لتصنيف إنجيل معين على أنه غنوصي، ففيما يخص الهدف الذي نرمي إليه، لا يهم ما إذا كانت أناجيل الأبوكريفا هذه من الأعمال الغنوصية أم لا.
إن السبب الأساسي في افتقار الأناجيل “الغنوصية” للسرد هو أن لديها اهتمام قليل ببشرية المسيح. فنظرتها للروح على أنها خير وللمادة على أنها شر تعنى أن ما يمكنهم أن يقتطفوه من حياة يسوع هو كلماته أكثر منها أفعاله.
وحتى الآن فإن أكثر الأناجيل “الغنوصية” سوءاً للسمعة هو إنجيل توما. فبالرغم من الإشارة إليه في كتابات آباء الكنيسة، إلا أنه لم يعرف بوجود نسخة من إنجيل توما حتى عام ١٩٤٥ ، عند اكتشاف مخطوطات نجع حمادي والنسخة التي وجدت من إنجيل توما في نجع حمادي هي باللغة القبطية، رغم أنها ربما كانت مبنية على نص يوناني أقدم. ويرجع معظم العلماء النسخة الأصلية من إنجيل توما إلى حوالى منتصف القرن الثاني، رغم أنه من الممكن أن تعود إلى زمن أسبق نوعاً ما.
لكن على الرغم من أن الكثير من الأقوال بها اتجاه غنوصي، إلا أن الروحانية العملية التي يعلّمها ليست تلك التي لا يمكن الدفاع عنها في المسيحية عامة.
أما الأناجيل الأخرى مثل أناجيل فيلبس ومريم وبطرس والمصريين، فهي أيضاً غنوصية أو ملحقة بالغنوصية، أو تشبه الغنوصية، لكن لم يكتب أي منها قبل القرن الثاني.
لفترة زمنية معينة، تم اعتبار عدد قليل من أناجيل الأبوكريفا هذه قانونية مؤقتاً في بعض أجزاء من الكنيسة.۳۱ ولكن في الوقت المناسب عندما حل الاضطهاد، تم رفضها.
لقد كان المحفّز الأساسي لهذا الأمر هو اضطهاد المسيحيين على يد الإمبراطور دقلديانوس. يصف أحد الكتاب هجوم دقلديانوس لفترة ثمانية أعوام على الكنيسة (٣٠٣ – ٣١١) على أنه “آخر حرب إبادة شنتها الوثنية ضد المسيحية ٣٢ لقد كانت بالفعل حملات دامية وعم فيها الدمار الشامل للكتب المقدسة للكنيسة ۳۳ وقد كان لهذا الأمر بالتأكيد تأثير قوى على المسيحيين في تفكيرهم بتحديد ما ينتمى للأسفار القانونية بالحق.
عندما كانت العسكر الإمبراطوري يطرق الأبواب ويطلب من المسيحيين أن يسلموا كتبهم المقدسة، أصبحت مسألة ضمير أن يقرر المسيحيون ما إذا كان عليهم أن يسلموا إنجيل يوحنا كما يسلمون مثلاً إنجيل توما أم لا، بدون أن يتكبدوا ذنب تدنيس المقدسات. في مثل هذه اللحظات الحاسمة كان معظم المسيحيين بالطبع يعنون بتحديد أي الكتب التي كان عليهم أن يتمسكوا بها ويكونون مستعدين للألم لأجلها على أسس قوية.
الجدير بالذكر أنه “خلال الاضطهاد الذي قام به دقلديانوس قام مينسوريوز، أسقف قرطاج، بإخفاء نسخة من الكتب المقدسة في مكان آمن وبدلاً منها قام بتسليم الكتابات الهرطقية الجديدة إلى الحكام. ٣٥ وبلا شك أن أعمالاً مشابهة حدثت في أنحاء الإمبراطورية.
عامة، تظهر هذه الأناجيل معرفة أقل بتضاريس فلسطين وأعرافها، بخلاف الأناجيل القانونية – وهذا هو ما يتوقعه المرء من الظروف والتاريخ الذي تمت فيه كتابة مثل هذه الكتب.
إنها كانت تميل إلى تعزيز قيمتها بالادعاء الواعي بأن كتابها هم من الرسل. وكما رأينا، أن الأناجيل القانونية كانت جميعها مجهولة الكاتب في البداية، ولكن الكثير من أناجيل الأبوكريفا كانت تزعم التأليف الرسولي.
يتجه إنجيل توما عن وعى إلى مجال لا يمكن التحقق منه، وهذا لأنه يزعم أنه يتكون من أقوال سرية ليسوع أعطاها لتوما فقط. فتقول افتتاحية هذا الإنجيل، “هذه هي الكلمات السرية التي تكلم بها يسوع الحي ودوّنها ديديماس يهوذا توما.”
وفي كتاب أعمال يوحنا، يبدو يسوع وكأنه خارج هذا العالم. فيقول يوحنا، “أحياناً عندما كنت أقصد أن ألمسه أي يسوع) كنت أجد مادة وجسماً صلباً؛ ولكني في أوقات أخرى عندما كنت ألمسه كان غير ملموس وغير مادي، كما لو أنه لم يوجد على الإطلاق…. وكنت كثيراً ما أتمنى، بينما كنت أسير معه أن أرى آثار خطواته، ما إذا كانت تظهر على الأرض لأنى كنت أراه وكأنه مرتفعاً عن الأرض، ولكني لم أراها أبداً. ” ٤٤ وهكذا يتضح أنه يتحدث هنا عن يسوع إلهي – وليس عن يسوع بشرى.
يلخص لنا بروس ميتزجر الموقف بصورة جيدة فيقول:
يمكن للمرء أن يقدر الاختلاف بين سمات الأناجيل القانونية وبين تفاهة معظم أناجيل الأبوكريفا التي يرجع تاريخها إلى القرنين الثاني والثالث. فقد ادعت بعض أناجيل الأبوكريفا هذه تأليفها الرسولي، بينما هناك اثنان من الأناجيل القانونية الأربعة لم يكتبهما في الحقيقية أحد الرسل إلا أن هؤلاء الأربعة وهم وحدهم هم الذين أثبتوا أنفسهم. … وحتى إنجيل بطرس وإنجيل توما اللذان قد يحتفظان ببعض أجزاء متناثرة من التعليم المستقل، يتضح تماماً ضآلة شأنهما لاهوتياً وتاريخياً بالنسبة للروايات الأربعة التي اعتبرت في النهاية هي الأناجيل القانونية الوحيدة.
الجزء الرابع: ألوهية يسوع، هل هي تقليد قديم أم خرافة متأخرة؟
الفصل الثاني عشر: الصور الإلهية: يسوع في الأناجيل
مهما كان الاضطراب الذي يصيب الفكر الحديث نتيجة لفكرة تجسد الله وأنه أصبح إنساناً. ١ إلا أن الأمر الأكيد هو أن أتباع يسوع الأوائل كانوا يرونه إلها وحتى العلماء الذين لا يؤمنون هم أنفسهم بألوهية يسوع نجدهم مستعدين لإدراك أن من كتبوا العهد الجديد كانوا يعتنقون هذا الأمر.
الخلفية التاريخية
كان يهود القرن الأول الميلادي يؤمنون بالتوحيد بصرامة، … فعلى الأقل مرتين يومياً، كان كل يهودي مخلص يتلو «الشمع»، وهو نص يبدأ بالقول: «اسمع يا إسرائيل: الرب إلهنا رب واحد (تث ٦: ٤). هذا المقطع لا يؤكد فقط على تفرّد الله ؛ ولكنه يتضمن أيضاً أنه هو الوحيد المستحق للعبادة.
وفي ضوء هذه الحقيقة، كان أمراً استثنائياً أن نجد أية تلميحات في الكتابات المسيحية القديمة إلى أن يسوع كان يتم التعامل معه على أنه إله. لكن الأناجيل ومعظم كتابات العهد الجديد تقدم مثل هذه التلميحات – بل وأكثر منها.
هناك عشرات من التعليقات والكتب التي تحوى مناقشات لأجزاء محددة من الأناجيل التي إما أشارت ضمنياً إلى ألوهية المسيح أو عادلته بوضوح بالله.
كيف حددت الأناجيل صورها عن يسوع؟
لننظر مثلاً إلى إنجيل مرقس، الذي يعتقد معظم العلماء أنه أقدم الأناجيل الأربعة، والذي يُعتقد أنه زمن كتابته لا يتجاوز ستينات القرن الأول. … يفتتح مرقس إنجيله بالكلمات، «بدء إنجيل يسوع المسيح ابن الله» (مر۱: ۱). ثم يصل إلى الذروة باعتراف قائد المئة الروماني الذي كان حاضراً صلب يسوع: «حقاً كان هذا الإنسان ابن الله» (مر۱٥: ۳۹). وهكذا فإن أسلوب (إنكلوجيو) الذي تمت صياغته بالإشارتين إلى يسوع على أنه ابن الله يفترض أن كل شيء بين هاتين الإشارتين يجب قراءته في ضوء الاعتقاد بأن يسوع لم يكن مجرد إنسان. فمنذ البداية حتى النهاية، يقدم مرقس يسوع على أنه هو ابن الله الوحيد المتفرد على أنه من المهم أن نشير إلى أنه بالرغم من تركيز مرقس على ألوهية يسوع، إلا أن إنجيله يكشف أن تلاميذ يسوع كانوا بطيئين قليلاً في إدراك هويته الحقيقية.
ثم قام يسوع من نومه وأمر الطبيعة أن تهدأ وتبكم وعندها حصلت غمغمة بين التلاميذ: «من هو هذا فإن الريح أيضاً والبحر يطيعانه.» (مر4: 41)
إن هذا السؤال يكشف عن ارتباك التلاميذ بشأن هوية يسوع، كما يشير أيضاً إلى أنه أكثر من مجرد إنسان.
ومثله مثل مرقس أيضاً، يركز لوقا على هوية يسوع على أنه ابن الله الوحيد لكن رغم أن دور يسوع كالمسيا كان غالباً على فكر لوقا عندما أشار إلى يسوع على أنه ابن الله يستخدم لوقا أسلوب «ابن الله» (إنكلوجيو) لكي يوضح أنه يرى بنوة يسوع أنها وحيدة ومتفردة من نوعها ۱۰ ففي لوقا ١: ٣٥، يعلن الملاك للعذراء مريم: الروح القدس يحل عليك، وقوة العلى تظللك. لذلك أيضاً فالقدوس المولود منك يدعى ابن الله.» بغض النظر عما يمكن أن يقال عن المفاهيم اللاهوتية للميلاد العذراوي، يجب على الأقل الاعتراف بالآتي: أن لوقا يقدم يسوع على أنه إنسان ذو أصل فوق طبيعي.
لكن هناك ما هو أكثر من ذلك، فكما يوضح إنجيلا متى ويوحنا، تذهب هوية يسوع إلى ما هو أبعد من مركزه الإلهي كاين لله، إذ أنه كان يرى أيضاً على أنه أقنوم إلهى مساوى لله.
لم يدعوا من كتبوا الأناجيل يسوع «الله» صراحة إلا نادراً، إن لم يكن مطلقا؟ الحقيقة أن إنجيل يوحنا فقط هو الذي يدعو يسوع صراحة «الله»، وقد فعل ذلك مرات قليلة فقط (يو1: 1، 18؛ 28: 20) فيسوع يطلق عليه «الله» صراحة مرات قليلة في العهد الجديد كله، ولكن هذا لا يقلل من قوة مثل هذه التأكيدات بتاتاً. وكما يشير آر. تي. فرانس، الرئيس السابق لويكليف هول، بجامعة أكسفورد، أننا. ألا. يجب ندهش لهذا الأمر:
إن الاستخدام الصريح لتعبير «الله» للإشارة ليسوع هو قليل في العهد الجديد، وهو يتركز في الكتابات المتأخرة… فقد كان تعبيراً يثير الصدمة، إذ رغم أن المعتقدات التي تؤكده كانت مؤسسة بقوة، فقد كان من الأسهل، وربما أكثر حكمة أن يتم التعبير عن هذه المعتقدات بمصطلحات غير مباشرة.
بالحق، كما يشير دبليو إل. شوتر:
لقد كان التجسّد في البداية يصدم اليهود ويروّعهم، لأنه كان يهدد التزامهم بالتوحيد بصورة جوهرية. فالمسيحيون من خلفية يهودية مثل بولس أو يوحنا، كان عليهم أن يصارعوا مع إمكانية التوفيق بين هاتين العقيدتين. بل الأكثر من ذلك، كان هذا الاعتقاد يمثل بالتأكيد حجر عثرة في إرسالية الكنيسة لليهود.
الصور الأساسية: مشهدان قويان، من الإنجيل «الثاني»
لم تكن معجزات يسوع غاية في حد ذاتها، فقد كانت تشير إلى ما هو أبعد من القوة أو السلطة، كانت تشير إلى الشخص إذ تكشف الهوية فوق الطبيعية للشخص الذي يمارس سلطة الله.
في بعض الأحيان كان شهود العيان لهذه المعجزات لا يستطيعون تمييز هذه الحقائق؛ وفي أحيان أخرى كان باستطاعتهم تمييزها.
وإذ تأثر يسوع بإظهار إيمانهم، قال يسوع وفعل أمراً مذهلاً. فلدهشة الجموع، شفي الرجل المفلوج، ولكن ما يثير العجب أكثر، هو أ أنه قال للرجل «يا بني، مغفورة لك خطاياك.» (عدده). وقد أدرك بعض القادة الدينيين في وسط الجمع في الحال أن هناك مشكلة لاهوتية في عبارة يسوع، وفكروا في أنفسهم قائلين، «لماذا يتحدث هذا الشخص بمثل هذه الطريقة؟ إنه يجدف فمن يستطيع أن يغفر الخطايا إلا الله وحده؟» (مر (۲ (۷). لقد كانوا محقين في نصف الموضوع، فالله وحده هو الذي يستطيع أن يغفر الخطايا، ولكن يسوع لم يكن يجدف، بل كان ينسب لنفسه ضمنياً وبسلطان معادلته الله.۱۷ بل أن يسوع نفسه أوضح أن شفاء المفلوج كان يشير إلى حقيقة أعظم عندما سأل مقاوميه: «أيما أيسر أن يقال للمفلوج مغفورة لك خطاياك. أم أن يقال قم واحمل سريرك وامش. ولكن لكى تعلموا أن لابن الإنسان سلطاناً على الأرض أن يغفر الخطايا…» (مر ۲-۹ – ۱۰).
كثيراً ما يخطئ البعض بافتراض أن لقب «ابن الإنسان» يشير ببساطة إلى بشرية يسوع. لكن مستجوبي يسوع الذين كانوا على دراية عميقة بالكتب المقدسة العبرية، لم يكن في أذهانهم أن هذا اللقب يشير إلى سمات يسوع الأرضية، بل كانوا يفكرون في الرؤيا السماوية في سفر دانيال : ۱۳ – ۱: كنت أرى في رؤى الليل وإذا مع سحب السماء مثل ابن إنسان أتى وجاء إلى القديم الأيام فقرّبوه قدامه فأعطى سلطاناً ومجداً وملكوتاً للتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة. سلطانه سلطان أبدى ما لن يزول وملكوته ما لا ينقرض.»
لم يُعرض على أحد في الكتابات اليهودية أبداً امتياز الجلوس عن يمين الله ، ولكن يسوع أصر شخصياً على حقه في القيام بذلك.
ويمكننا أن نشرع في تخيل ما كانوا يفكرون فيه عندما قال يسوع إنه سيدخل إلى قدس الأقداس السماوي ويجلس هناك، وربما كان يعزو لنفسه امتلاك ذلك المكان أيضاً!
الفصل الثالث عشر: العبادة الأسمى
ونبدأ بعدو سابق للإنجيل. وهو الرجل الذي انتهى به الأمر إلى أن يكتب حوالى نصف أسفار العهد الجديد.
الرسول بولس
لم يكن بولس واحداً من الإثني عشر تلميذاً، فهو لم يجلس أبداً عند قدمي يسوع، كما لم يشهد أية معجزة أجراها، بل أنه حتى لم يلتق به في الجسد.
فما السبب الذي لأجله كان بولس شديد العداء لهذه الطائفة الجديدة المعروفة باسم «المسيحيين»؟ كان الرسل يعلنون أن الله قد أقام يسوع من الأموات. ولكن بولس – الذي قد تدرب بصرامة على يد المعلم العظيم غمالائيل – كان يعرف الكتب المقدسة. كان يعرف لعنة سفر التثنية: «ملعون كل من علّق على خشبة.» (تث ٢١: ٢٣). فلو كان يسوع قد أقيم من الأموات، لكانت الكتب المقدسة على خطأ، إذ كيف يمكن الله أن يبارك إنساناً بأن يقيمه من الأموات لو كان قد سبق ولعنه بأن علقه على خشبة؟
نعم، لقد لعنه الله – لعنة لأجل الخطايا، ولكن تلك الخطايا لم تكن خطاياه هو.
فهو يشير في (غلاطية ٣: ١٣) إلى أن «المسيح افتدانا من لعنة الناموس إذ صار لعنة لأجلنا لأنه مكتوب ملعون كل من علق على خشبة.» كان هذا تعبيراً عن الكفارة البديلة، بأن يُقدَّم شخص كامل بلا خطية كذبيحة نيابة عنا وعلى سبيل التعريف، إن كان المسيح بلا خطية، إذا فهو لم يكن إنساناً عادياً، فهو ليس مجرد بشر».
ولكنه لم يكن فقط يحاكي ما تقوله الأناجيل، وهذا لأن بعضاً من رسائله تمت كتابتها قبل أن يدوّن أي من البشيرين الأربعة إنجيله. وحيث أن بولس مات حوالي عام ٦٤ ، فإن جميع رسائله كتبت في خلال ثلاثة عقود أو أكثر قليلاً من زمن حياة يسوع على الأرض.
إذن، بحسب كلام بولس من هو المسيح بالتحديد؟
في (رومية (۱۰: ۹) نجد إسناداً واضحاً وصريحاً للقب «الرب» ليسوع. فماذا يعنى بولس بذلك؟
وهنا نرى بولس يدلى باعتراف مذهل : فالاعتراف بأن المسيح رب يعنى الاعتراف بأن المسيح إله. وبذلك يكون هذا تعريفاً صريحاً ليسوع بأنه إنه إسرائيل.
«الذى إذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلا الله لكنه أخلى نفسه آخذاً صورة عبد صائراً في شبه الناس وإذ وجد في الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب. لذلك رفعه الله أيضاً وأعطاه اسماً فوق كل اسم لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب المجد الله الآب.»
يقول بولس إن يسوع كان أقنوماً إلهياً موجوداً في صورة الله،
والمعنى القاموسي الأصلي لكلمة (morphe) يفترض هذا أيضاً. بالرغم من أن المعنى المحدد لما كان بولس يقصده بهذه الكلمة قد تعرض لجدل ونقاش محتدم، إلا أنه من الأسلم أن نقول إنه يشير إلى الصورة التي تتفق بالكامل وبدقة مع الكيان الذي تشير إليه.٦ فإذا فكرنا في لفظ «صورة» على أنه صورة طبق الأصل فإن هذا يعطينا فكرة جيدة عما يعنيه ذلك هنا.
الذي هو صورة الله غير المنظور بكر كل خليقة. فإنه فيه خلق الكل ما في السماوات وما على الأرض ما يرى وما لا يرى سواء كان عروشاً أم سيادات أم رياسات أم سلاطين. الكل به وله قد خلق الذي هو قبل كل شيء وفيه يقوم الكل وهو رأس الجسد الكنيسة. الذي هو البداءة بكر من الأموات لكي يكون هو ، متقدماً في كل شيء لأنه فيه سرّ أن يحل كل الملء وأن يصالح به الكل لنفسه عاملاً الصلح بدم صليبه بواسطته سواء كان ما على الأرض أم ما في السماوات.»
كاتب الرسالة إلى العبرانيين
يتحدث كاتب سفر العبرانيين عن المسيح على أنه الخالق والحافظ لكل الأشياء في نفس الوقت فهو الشخص الذي جعله (الله) وارثاً لكل شيء الذى به أيضاً عمل العالمين الذي وهو بهاء مجده ورسم جوهره وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته (العددان 2-۳).
«وأيضاً متى أدخل البكر إلى العالم يقول ولتسجد له كل ملائكة الله. وعن الملائكة يقول الصانع ملائكته رياحاً وخدامه لهيب نار. وأما عن الابن كرسيك يا الله إلى دهر الدهور قضيب استقامة قضيب ملكك.»
هل كان مسيحيو القرن الأول يقبلون منح ألقاب إلهية وكرامة إلهية لمخلوقات متسامية؟ الإجابة الثابتة والأكيدة التي يقدمها العهد الجديد بأكمله هي كلا على الإطلاق، بدءاً من يسوع نفسه.
«ففي يوم معين لبس هيرودس الحلة الملوكية وجلس على كرسي الملك وجعل يخاطبهم. فصرخ الشعب هذا صوت إله لا صوت إنسان.» (أع ۱۲: ۲۱ – ۲۲).
فالجموع لما رأوا ما فعل بولس رفعوا صوتهم بلغة ليكاؤنية قائلين إن الآلهة تشبهوا بالناس ونزلوا إلينا فكانوا يدعون برنابا زفس وبولس هرمس إذ كان هو المتقدم في الكلام. … «فلما سمع الرسولان برنابا وبولس مزّقا ثيابهما واندفعا إلى الجمع صارخين وقائلين أيها الرجال لماذا تفعلون هذا. نحن أيضاً بشر تحت آلام مثلكم.» (أع ١٤: ١٤ – ١٥).
الوسيلة الوحيدة المنطقية لفهم شهادة العهد الجديد هذه للمسيح هي أن هؤلاء الذين كتبوا العهد الجديد قد آمنوا بالمسيح كإله حقيقي، فلا يمكن لأقل من ذلك أن ينصفهم في كلماتهم.
الفصل الرابع عشر: من أقلام الآباء والأعداء، يسوع خارج نطاق العهد الجديد
في هذا الفصل سوف نستكشف ما قاله كل من الأصدقاء والأعداء عن ألوهية المسيح.
إن كيلسس، الذي كان هو نفسه مؤمناً بالتوحيد لم يفهم كيف استطاع المسيحيون أن يوقروا يسوع ويهابوه على أنه الله بدون الانحدار إلى تعددية الآلهة. … بالطبع، لم يكن المسيحيون الأوائل يعتقدون أن الله قد تغير إلى هيئة بشر؛ بل كانوا يؤمنون أنه قد أضاف صفة الإنسانية إلى طبيعته الإلهية.
السؤال الحقيقي: هل كان يسوع بالحق إنساناً؟
في القرن الميلادي الأول، كان هناك فلسفة فكرية تعرف باسم الأفلاطونية تنمو في شعبيتها وتنتشر في كل أنحاء العالم اليوناني الروماني.
هذه الفلسفة بجانب الفلسفات الأخرى، كانت تؤثر على البعض في الكنيسة الأولى لكى يتبنوا نظرة عن المسيح كانت بعيدة تماماً عن نظرة العهد الجديد له. شهد بداية القرن الثاني نمواً في التفكير الهرطقي الخاص بلاهوت المسيح والمعروف باسم «الدوسيتية (Docetism)، المأخوذ من الفعل اليوناني الذي يعني «يبدو أو يظهر». كان فكر الدوسيتية يعلّم أن يسوع يبدو فقط أنه إنسان، فيتحدث أنه نوع من الخيال.
هذه الإدانة القوية لهرطقة الدوسيتية، إلا أنها أصبحت الأساس السائد للمفكرين والكتاب الغنوصيين. فماذا كانت نتيجة كل هذا؟ كانت ببساطة أن أصبحت المناقشات التي تدور في القرن الثاني حول طبيعة المسيح تهتم بسماته البشرية أكثر من اهتمامها بمنزلته الروحية. وفي العالم الذي عاش فيه آباء الكنيسة وكتبوا، لم يكن اعتناق ألوهية يسوع هو المشكلة، ١٧ بل كانت المشكلة هي اعتناق بشريته. فيجب إذا ألا يدهشنا أن نجد عدم توضيح لألوهية يسوع في كتابات آباء الكنيسة.
شهادة من الآباء الرسوليين
أولى كتابات الآباء، والتي نشطت منذ التسعينات وعبر النصف الأول من القرن الثاني تعرف باسم كتابات الآباء الرسوليين. وقد أطلق على هؤلاء الآباء هذا الاسم لأن البعض منهم قد عرفوا الرسل أو تعلموا منهم مباشرة.
أكليمندس الروماني، والذى كتب في نهاية القرن الأول، يتحدث عن يسوع على صولجان الله السحري» مؤكداً على دوره كأداة الله للسيادة الإلهية. وهكذا، فبحسب أكليمندس، يمنح يسوع المقام كرامة إلهية في محضر الآب.
فيؤكد إيريناوس بشكل لا لبس فيه ألوهية المسيح عندما كتب الآب هو الله والابن هو الله؛ لأن من ولد من الله فهو إله.
وقد أظهر بحثنا المقتضب هذا أنه باقتراب القرن الثالث من نهايته، كان هناك اتفاق على أن المسيح له السيادة، وأنه كان موجوداً منذ الأزل، وأنه شارك في عملية الخلق. فالحقيقة أنه كان يعتبر إلهاً حقيقياً وإنساناً حقيقياً متحدين في شخص واحد، بينما كان مجمع نيقية عندها لا يزال في الأفق البعيد.
الفصل الخامس عشر: مجرد إله؟ القضية الحقيقية في نيقية
لم يكن أحد ممن اشتركوا في مجمع نيقية يفكر في حقيقة أن ألوهية يسوع كانت موضع مناقشة، فقد كان هذا أمراً مفترضاً مسبقاً. فبحلول الوقت الذي قام فيه الأساقفة بعقد مجمع نيقية في ٢٠ مايو عام ٣٢٥ ، كانت ألوهية يسوع قد تأكدت بواسطة معظم المسيحيين على مر حوالى ثلاثة قرون (انظر الفصول ۱۲ – (١٤). ومثل آبائهم السابقين في الإيمان، كان كل من الأساقفة المشتركين في المجمع – والكنائس التي كانوا يمثلونها – يشتركون بنشاط في عبادة يسوع والصلاة له والاعتراف به كرب واله على الجميع. وقد كانت هذه الأعمال كلها بالطبع تفترض إيمانهم المسبق بكونه إنساناً كان من خارج هذا العالم. وهكذا فإن الادعاء الشائع حالياً بأن ألوهية يسوع تم اختراعها في نيقية هو من علامات أمِّيَّتنا التاريخية. … فما المزيد الذي يمكن أن يقال عن يسوع أكثر من أنه إله؟ بمعنى آخر، ماذا كانت القضية الحقيقية لمجمع نيقية؟
مثل الآب، كذلك الابن؟
كان آريوس، وهو عضو من هؤلاء الكهنة الأساسيين وكاهن لكنيسة في منطقة مهمة من الإسكندرية، على خلاف مع ألكسندر حول الطريقة المحددة لوصف مكانة يسوع الإلهية. وفي إحدى المحاضرات التي ثبت أنها محورية، أعلن ألكسندر بما لا يدع مجالاً للبس أن المسيح كان يشارك جميع الصفات الإلهية للآب – بما فيها السرمدية. وهكذا فإن آريوس، الذى كان يذكر أن الابن ،سرمدي، لزم حدوده. كان آريوس يؤمن أن يسوع إله من حيث أنه يشبه الآب. فقد كان يشبه الآب في أنه كان موجوداً قبل الخلق، وفي أنه لعب دوراً في نشأة الخليقة، وأنه سامى ومرتفع فوق كل الخليقة، ولكنه كان يعتقد أن الابن نفسه كان مخلوقاً. فبحسب فكر ،آريوس، قام الآب بخلق الابن («من العدم») في الأزل، ثم قام بدوره بتكليف الابن بخلق الكون. وهكذا، فبينما كان يسوع يشبه الآب في ألوهيته، إلا أن طبيعتهما الإلهية لم تكن متساوية أو متطابقة. فقد كان يسوع، من وجهة نظره، إلهاً بدرجة أقل. لكن ألكسندر أثبت وأكد بالحجة أن الألوهية. مثل الحبل: أي أنها هي مطلقة. فكما أن المرأة لا يمكن أن تكون حبلى وغير حبلى في نفس الوقت، كذلك. يكون إما إلهاً كاملاً أو لا يكون إلهاً على الإطلاق. … وهكذا ففي عام ۳۱۸ ، قام أ ألكسندر بجمع حوالي مائة الأساقفة في الإسكندرية لمناقشة الأمر وتجريد آريوس رسميا.
قام آريوس بوضع تعليمه في شكل قوافي وجعلها في «أغاني لكى يترنم بها البحارة والطحانون والمسافرون. ولم يمض وقت طويل حتى كانت الكتابات تغطى الجدران، وكانت النبذ تغطى الميادين العامة، وانتشر العنف في الشوارع.
قسطنطين، الذي أطاح بآخر أعدائه وبرز كالحاكم الوحيد للإمبراطورية الرومانية عام ٣٢٤، شعر بالحرج للمشاحنات الحادثة بين أساقفته، فقد كانت وحدة إمبراطوريته هي ما يحتاجه الإمبراطور الجديد أكثر من أي شيء آخر، … كان قسطنطين يقيم عادة في عاصمته مدينة بيزنطة التي أطلق عليها فيما بعد القسطنطينية إسطنبول حاليا، في تركيا)، لكنه في ذلك الوقت كان يمكث في قصره بجانب البحيرة في نيقية، حيث كان يقوم بتجديد المدينة التي كانت ستحمل اسمه فيما بعد.
ولا ذرة واحدة
وهكذا كانت آثار الاضطهاد شديدة الانتشار والكثرة حتى أن أحد الكتاب القدماء قال: «كان المجمع يبدو وكأنه جماعة من جيش من الشهداء ٦ وبالطبع فإن الرجال الذين عانوا مثل هذه الإصابات الجسدية بسب استقامتهم الروحية لم يكن من الممكن إخبارهم بما يجب أن يؤمنوا به بشأن المسيح – سواء تحت ضغوط ملكية أم غيرها.
وقد كانوا أحرص على التقليد الرسولي من التجديد اللاهوتي وكانوا يسعون للحصول على شهادة الروح القدس للحق في سياق تجمعهم. بمعنى آخر، لم يكن المجمع عبارة عن مجموعة من الأفراد لهم آراء مستقلة ومنفصلة عن بعضهم البعض، بل على العكس، فقد أحضروا معهم تحت سقف واحد الحكمة المجتمعة لآباء الكنيسة الذين سعوا من قبلهم لفهم طبيعة المسيح.
لم يكن الإمبراطور على علم كبير بالأمور اللاهوتية، لذلك فقد اعتمد على مستشاره اللاهوتي، هوسيوس، لكى يعلمه عن هذه الأمور قبل وصول الأساقفة. وكان هوسيوس يعرف أن أغلبية الثلاثمائة أسقف أو نحو ذلك المتوقع تجمعهم في نيقية، لن يكونوا إلى جانب آريوس، ففي الحقيقة أن أقل من ثلاثين أ أسقفاً فقط. هم الذين جاءوا وهم مستعدين لأن يقولوا أن الابن كان كائناً مخلوقاً. بينما كان هناك الكثيرون، وربما الأكثرية، ممن دخلوا إلى قاعة الاجتماع وهم يقفون على الحياد، فلم يكن لديهم بعد فهماً واضحاً للقضية.
وحيث أن قسطنطين كان مهتماً بالوحدة السياسية في إمبراطوريته أكثر مما بالدقة والاستقامة اللاهوتية، فقد كان متحمساً للوصول إلى حل يتفق مع آراء أكبر : عدد من الأساقفة – بغض النظر عن نوعية هذا الحل.
تمت الدعوة لتوضيح الموقف الآريوسي. لم يكن في استطاعة آريوس التواجد في المجمع حيث أنه لم يكن أسقفاً، وهكذا قام صديقه يوسابيوس من نيقوميديا للتحدث باسمه، وأعطى الفرصة لعرض الموقف الآريوسي بمصطلحات واضحة لا لبس فيها. فقام يوسابيوس بالتأكيد بقوة على أن الابن لم يكن أبداً مساوياً للآب، بل أنه كان في الحقيقة مخلوقاً محدوداً. وما أن قال هذا حتى شعر الأساقفة بالصدمة والعار.
فلم يعجب الأساقفة ما قاله آريوس وأتباعه عن الطبيعة المحدودة للابن، فقد كانوا يعلمون بوضوح ما لا يؤمنون به». لكن كيف كان يمكنهم بالتحديد توضيح «ما كانوا يؤمنون به بشأن ألوهية المسيح؟ وهنا تكمن القضية الحقيقية في نيقية: وهي تحديد كيف أن وليس ما إذا كان – يسوع إلها.
فقد أصرت حفنة من الآريوسيين في المجمع على استخدام المصطلحات اللاهوتية الموجودة في الكتاب المقدس فقط؛ بينما جادل من يعارضون آريوس بأن هناك احتياج لتعبيرات أكثر مما في الكتاب المقدس للكشف عن معانى الكلمات المستخدمة في الكتب المقدسة.
لقد اقترح الإمبراطور أن يوصف الابن على أنه يحمل نفس الجوهر» (باليونانية homoousios الذى للآب. كان من الواضح أن قسطنطين كان يؤمن أن هذا الوصف يعرّف يسوع على أنه إله كامل
ولكن الآريوسيين العنيدين كانوا يعتقدون أن الكلمة محملة بالكثير من المعاني، فمن وجهة نظرهم كانت هذه الكلمة تعطى يسوع مساواة مع الآب، لكنها لم تكن تشرح بطريقة سليمة كيف تندرج تلك المساواة في إطار الاعتقاد بالإله الواحد.
فقد اتفق قسطنطين مع الأغلبية على كتابة قانون إيمان جديد يعلن أن المسيح له نفس جوهر الآب. وأصبح قانون الإيمان الناتج ينص على الآتي:
بالحقيقة نؤمن بإله واحد، الآب كلى القدرة، خالق كل الأشياء، المرئية وغير المرئية؛ نؤمن برب واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد، المولود من الآب، أي من جوهر الآب، إله من إله، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، واحد مع الآب في الجوهر (homoousios) هذا الذي به كان كل شيء، سواء ما في السماء أو ما على الأرض، هذا الذي لأجلنا نحن البشر ولأجل خلاصنا نزل وتجسد، وصار بشراً، وتألم وقام ثانية في اليوم الثالث، وصعد إلى السماء، وسيأتي ثانية ليدين الأحياء والأموات؛ ونؤمن بالروح القدس. أما بالنسبة لمن يقولون أنه كان هناك وقت لم يكن الابن موجوداً فيه، أو أنه قبل ولادته لم يكن موجوداً، أو أنه جاء للوجود من العدم، أو لمن يؤكدون أن ابن الله هو من أقنوم أو من جوهر مختلف، أو أنه مخلوق، أو أنه خاضع للتغيير أو التحوّل – فهؤلاء تلعنهم الكنيسة الجامعة.
لكن البعض ممن لم يكونوا راغبين في اعتناق الأريوسية كانوا رغم ذلك لا يشعرون بالراحة لاستخدام تعبير (homoousios). فقد كانوا قلقين من أن الكلمة التي يفترض معناها أن الآب والابن يشتركان في نفس الجوهر يمكن أن ينحرف معناها للقول بأن الآب والابن هما نفس الشخص أو نفس الأقنوم.
وقف الكثيرون من المضادين للأريوسية بتصميم خلف قرار وصف يسوع بالمصطلح (homoousios). وكان أثناسيوس واحداً من هؤلاء الرجال الذين لم يتزحزحوا – ولا بإضافة حرف iota واحد.
الإمبراطور يرد الضربة
كان أثناسيوس في العشرينات من عمره عندما رافق الأسقف ألكسندر لمجمع نيقية. وبعد ثلاثة سنوات في عام ۳۲۸ ، قام بخلافة معلمه كأسقف للإسكندرية. وبعد أربعة حقب، أثبت أثناسيوس أنه أعظم أبطال الكنيسة المسيحية في نيقية.
فقد أعلن بعض أعضاء المجمع أن الصياغة القديمة هي انتصار للنظرة التي لا تميز بين الأقانيم الإلهية والتي تدعى «السابيليانية Sabellianism).
في عام ۳۲۸ ، أعاد تجمع من الأساقفة آريوس وأتباعه إلى شركة العضوية. وبدأ هؤلاء الأساقفة أيضاً في الضغط على الإمبراطور لكي يعيد آريوس رسمياً ککاهن إسكندري. وهكذا فإن قسطنطين، الذي منذ عدة سنوات مضت أمر بالحكم على آريوس على أنه هرطوقي، أذعن لمطالبهم. وفي عام ۳۳۲، أعلن الإمبراطور آريوس كاهناً برتبة جيدة، وأمر الأسقف الجديد للإسكندرية.. أثناسيوس الشاب – أن يعيد آريوس مرة أخرى إلى الحظيرة. لكن أثناسيوس رفض أمر قسطنطين ورفض التصديق على إدراج آريوس مرة أخرى. وبسبب إخلاصه لقانون إيمان نيقية ووقوفه ضد من أدائهم الإمبراطور من قبل، كان جزاء أثناسيوس النفي إلى الحدود الخارجية للإمبراطورية الغربية. وبهذا الفعل كشف قسطنطين أن مسألة الدقة والاستقامة في العقيدة كانت بالنسبة له أقل أهمية بكثير من وحدة الإمبراطورية.
إن تأييده المتغير لأثناسيوس مرة، ثم لأريوس مرة أخرى، نستطيع أن نفهم معناه عندما ندرك أن مخطط قسطنطين الأساسي لم يكن هو مساندة العقيدة المستقيمة أو القضاء على الهرطقة، ولكنه كان تعزيز الوحدة والانسجام في إمبراطوريته.
قسطنطين قد أطلق على نفسه لقب «أسقف الأساقفة»،
الجزء الخامس: ادعاء مروع: هل انتحلت المسيحية الآلهة الأسطورية؟
الفصل السادس عشر: الصلات المفترضة بين المسيحية والديانات الوثنية
إن ما يجعل المسيحية متفردة بين ديانات العالم المختلفة، هي أنها مؤسسة على التاريخ. بل بأكثر تحديد ترتكز الديانة المسيحية على شخص يسوع المسيح كإنسان وكشخصية تاريخية حقيقية. ففكرة أن يصبح الله إنساناً في حيّز التاريخ، وأن يعيش بيننا، ويموت على صليب روماني، ويقوم من الأموات، هي جوهر الإعلان والبشارة المسيحية. ففي الحقيقة أن أحد المفاهيم المتضمنة في التجسد – في أن الله بشراً – هو أن التجسد يدعونا، يصبح بل ويطالبنا، بأن نختبر مصداقيته التاريخية.
لكن هناك مشكلة، وهى أن فكرة التجسّد، والميلاد العذراوي، والقيامة، قد لا تكون فكرة جديدة خاصة بالإيمان المسيحي. فالبعض يدعى أنه كانت توجد مثل هذه الأفكار في الديانات الوثنية قبل نشأة المسيحية.
لكن هل هذه بالحق تشابهات حقيقية؟ وهل المسيحية هي مجرد أسطورة، ليس لها أساس تاريخي على الإطلاق؟ وهل انتحلت المسيحية أساطير الآلهة الوثنية؟ لن نستطيع أن نتعامل مع كل هذه القضايا في هذا الفصل، ولكننا سنقدم إطاراً لتفسير البيانات.
مغالطة التبعية
وجود التشابه لا يشير بالضرورة إلى أي نوع من أ أنواع الاستعارة.
لابد لنا أن نرفض منهج المقارنة الذي يجد ارتباطاً عشوائياً غير منظم بين كل شيء وكل شيء آخر… فبهذه الوسائل يمكن للمرء أن يحوّل المسيح إلى إله الشمس في لمحة من البصر،
فهل كان أصل المسيحية تابعاً للأفكار اليونانية الفلسفية والدينية الموجودة؟ إن هذا السؤال يتوقف عليه كيفية استخدام المرء لكلمة «تابع». يجادل ناش بأن التبعية يمكنها أن تكون ضعيفة أو قوية وهذا الفارق هو فارق حيوي. فالتبعية القوية تعنى أن فكرة يسوع كإله مخلّص مات وقام لم تكن لتخطر على بال المؤمنين لو لم يكونوا على وعى بها أولاً في الفكر الوثني. إن كان الأمر كذلك، يكون من المعترف به أن بولس والمسيحيين الجدد الآخرين، قد آمنوا بأن المسيح هو إله – إنسان قام من الأموات وأنه قام بعمل كفاري لأجل خطايا العالم، لأن مثل هذه الأفكار كانت بالفعل جزءاً من الأفكار الوثنية. لكن إثبات تبعية المسيحية القوية للفكر اليوناني كان ليمثل ضرراً بالغاً لأولئك الذين يتمسكون بالتاريخية العامة للأناجيل. أما التبعية الضعيفة فقد تعنى أن أتباع يسوع قد استخدموا المصطلحات الدينية الشائعة لكي يرووا قصتهم بطريقة مفهومة للثقافات العبرية واليونانية في زمانهم، أو أنهم ببساطة ربما قاموا باستخدام التعبيرات التي تصادف أنها كانت تشبه تعبيرات الديانات الأخرى، لأسباب سنناقشها فيما يلى.
ويتحدى فوكس أطروحة أن المسيحية «لم تكن غريبة تماماً عن العالم الوثني.»19 وقد قاده البحث للاستنتاج أنه يوجد ، بحسب تعبير ليون ماكينزي مجرد تشابه هامشي ضعيف فقط بین الوثنية والمسيحية.»
يجادل والتر كونيث في كتابه «لاهوت القيامة بالقول: إن حقيقة أن موضوع موت وعودة الإله هي موضوع عام في تاريخ الديانات، وأن انتقال هذا الموضوع هو أمر ممكن، يجب أ ألا تكون فرصة للحديث فوراً عن التبعية، أو عن التأثر، أو عن ماهية المحتوى. بل على العكس، فإن المهمة العلمية هي ألا يتم تجاهل الاختلافات الجوهرية في الشكل والمحتوى والاتجاه النهائي حتى في حالات التشابه الشكلي الواضح، لأجل العمل على الاختلاف الحاسم في المحتوى.
يجب أن نضع في الاعتبار عملية تكييف اللغة لدى المسيحيين الأوائل. ويبدو هذا أنه يأخذ على الأقل شكلين وهما اللغة التي ترتبط بدافع التبشير » ٢٥ واللغة التي كان الدافع لها الرغبة في أن تحوز القبول الثقافي ككل. يتفق الرسول بولس مع نوع الأسلوب الأول؛ أما الأسلوب الثاني فقد اتبعه يوستينوس الشهيد، وهو كاتب من القرن الثاني. فقد قال بولس لأهل كورنثوس، «صرت للضعفاء كضعيف لأربح الضعفاء. صرت للكل كل شيء لأخلص على كل حال قوماً» (۱كو ۹: ۲۲).
السؤال الحقيقي هو، «هل حقيقة معرفة واحد من الذين كتبوا العهد الجديد بالمعتقدات أو المصطلحات الوثنية، تثبت أن ما كان يعرفه كان له تأثير تشكيلي أو أصلى على معتقداته هو الخاصة؟ … المسيحية ليست مثل أية ديانة وثنية في أي من عقائدها الأساسية.
لقد كان يوستينوس الشهيد (۱۰۰ – ١٦٥) تحركه دوافع وجدت في أفكار سابقة للفيلسوف فيلو السكندري (۲۰ ق.م. – ٥٠م)، وهو المفكر اليهودي الذي عبر عن اليهودية بمصطلحات فلسفية يونانية. فهل هذا يعنى أن اليهودية كانت مدينة للفلسفة اليونانية؟ … جاء يوستينوس الشهيد من بيت وثني وقد تربى وتتلمذ على الفلسفة اليونانية. «لقد اضطر يوستينوس عند اهتدائه إلى المسيحية إلى أن يبحث عن رابطة أو علاقة بين ماضيه الوثني والفلسفي، وحاضره المسيحي اللاهوتي. وقد قام بالتعبير عن هذا الاجتهاد الذاتي عندما سعى للتوسط بين عالمي الفكر اليوناني والمسيحي. ۲۹ فعلى سبيل المثال، قام يوستينوس بالدفاع عن الميلاد العذراوي كالآتي: «حتى لو أكدنا أنه (المسيح) ولد من عذراء، فاقبل هذا بجانب ما تقبله عن فرساوس.» ٣٠ من الواضح أن هناك معنى فيما يريد يوستينوس أن يجده من أمور مشتركة. مع الديانات الأخرى – من ناحية، لكى يخفف من الهجوم على المسيحية ( حيث أنها كانت ديانة غير شرعية في ذلك الوقت، ومن ناحية أخرى، لكى يقدم الإنجيل بطريقة جذابة، ويوضح أنه ليس من غير المعقول اعتناقه.
من الحقيقي أن يوستينوس ادعى أن الشيطان هو الذي أوحى بالديانات الوثنية لكي يقلد بعض نواحي المسيحية،
أشرنا إلى أن العهد الجديد قد استعار فقط مفاهيم، وفي بعض الأحيان تعبيرات من الديانات الوثنية لأسباب متعددة. وهكذا لم تكن هناك تبعية قوية – أي أنه لا يوجد دليل على أن من كتبوا العهد الجديد كانوا مدينين للديانات السرية برسالتهم الأساسية.
وفي القرن الثاني ذهب يوستينوس الشهيد إلى أبعد الحدود بأن قدّم بعض التشابهات المعينة بين المسيحية والديانات الوثنية – في الأغلب كوسيلة لعبور الفجوة بين قرائه الوثنيين وبين الإيمان المسيحي. وقد فعل هذا، من ناحية بسبب خلفيته في الفلسفة اليونانية، ومن ناحية أخرى لكى يعطى المسيحية صفة القانونية كديانة، من حيث أنها لا تختلف كثيراً عن الديانات الأخرى وبالتالي يمكن اعتناقها.
مغالطة التسلسل الزمني
إن ما يتم تجاهله في كثير من الأحيان عندما نفكر في التشابهات وفي التبعية، هو ما إذا كان اليهود الفلسطينيون في القرن الأول الميلادي قد استعاروا معتقدات أساسية معينة من العبادات الوثنية.
هناك العقلية اليهودية في القرن الأول، والتي كانت تحتقر سياسة التوفيق. فبعكس الأمم في هذه الحقبة، كان اليهود يرفضون أن يمزجوا ديانتهم بالديانات الأخرى.
لكن بداية من القرن الرابع، بدأ الوضع يعكس نفسه بدأت المسيحية تتبنى مصطلحات وأساليب العبادات السرية من المهم أن نضع هذا الأمر في الاعتبار، حيث أن التشابهات التي يستخدمها. بعض المتشككين هي من الأشكال اللاحقة من المسيحية. لذلك يتحدث فريك وغاندي عن ٢٥ ديسمبر كتاريخ أخذه المسيحيون من الديانات السرية في الاحتفال بميلاد يسوع. وهذا بالطبع أمر محتمل، … فمن الواضح أنه تم استخدام هذا التاريخ واختياره لاستيعاب العبادات الأخرى داخل الديانة الجديدة، المسيحية، التي أصبحت سائدة في ذلك الوقت في الإمبراطورية الرومانية. ولكن هذا الأمر لم يتم بصورة رسمية حتى القرن الرابع.
الأمور المشتركة بين الديانات السرية
كان الخيط المشترك بين هذه الديانات أنه كانت لديها جميعها احتفالات وطقوس سرية، أو أسرار بالنسبة لكل من هم خارجها. وكانت هذه الأسرار هي التي تأتى بالخلاص» للمشتركين فيها.
قامت كل عبادة بالاستفادة من الاحتفالات السرية في أغلب الأحيان في ارتباطها بطقس الانضمام لها… كما أن كل ديانة سرية كانت «تنقل «سراً»، أو «معرفة» بحياة الإله ووسائل الاتحاد به.
كان محور تركيز أسطورة كل ديانة سرية هو نصرة الإله على شيء ما. يمكن لهذا الأمر أن يكون هو العودة للحياة مرة أخرى أو حرباً ونصرة على أعدائه. وكانت الأسطورة تتضمن موضوع التحرر من كل شيء أرضي أو دنيوي.
كانت العقيدة والإيمان الصحيح له أهمية ضئيلة. فقد كانت العبادات تهتم أساساً بالمشاعر ٥١ فكانت المواكب والأصوام والألعاب هي أفعال تطهيرية، وأضواء مشتعلة، وطقوس باطنية سرية» تثير الانفعال العاطفي الذي يأتي بالشخص إلى الاتحاد مع الإله.
كان الهدف المباشر للمنضمين هو الحصول على اختبار تصوفي سرى يقودهم للشعور أنهم قد حققوا اتحاداً مع إلههم… وفيما وراء هذا المطلب للاتحاد السري، كان هناك هدفان آخران نهائيان الحصول على نوع من التحرر أو الخلاص، والحياة الخالدة.
هناك أوجه تشابه في هذه العناصر مع المسيحية، لكن الاختلافات أعظم. فكل منهما يعترف بنصرة إلهه كعنصر مهم في الديانة، وكل منهما يركز على الخلاص. لكن هذه السمات هي سمات عامة بالنسبة لمعظم الأديان.
لم يحدث إلا بعد عام ١٠٠م أن بدأت الديانات السرية تبدو أنها تشبه المسيحية كثيراً، وذلك بالتحديد لأن وجودها كان مهدداً بواسطة هذه الديانة الجديدة، فكان عليها أن تنافس لكي تنجو وتستمر.
الخلاصة: المسيحية مضادة للأسرار.
الفصل السابع عشر: الميلاد العذراوي للإسكندر الأكبر
الدفاع القياسي لتاريخية الميلاد العذراوي تمت كتابته على مدى أكثر من خمسة وستين عاماً بواسطة جى جريشام ماكين. لقد كان دفاعاً علمياً بحثياً، تفاعل مع جميع المواد المتعلقة بالموضوع، وكان ثاقباً. إن هذا البرهان القوى المتصل – الذي يزيد عن الأربعمائة صفحة – لم يستطع أحد أن يدحضه على الإطلاق. وسوف نقوم بتلخيص بعض من النقاط الأساسية في كتاب ماكين “ميلاد المسيح العذراوي”.
الميلاد العذراوي للآلهة الوثنية
برسیوس: زيوس، الإله الرئيسي للبانثيون اليوناني، انبهر بجمال هذه المرأة البشرية وفي إحدى الليالي جاء إليها كدش من الذهب وحملت منه. فكان ابنها هو البطل اليوناني برسيوس، المولود من أب إلهى، ومن أم بشرية عذراء (سابقاً).
هناك خيط واحد يربط بين جميع هذه الروايات، ولكن التشابهات المزعومة تختلف تماماً وبالكامل عن روايات الكتاب المقدس عن الميلاد العذراوي للمسيح.
إن محبة الآلهة للنساء البشريات هو النقطة المحورية للروايات الوثنية – وهو الأمر الذي بدونه ما كان يمكن أن توجد هذه الروايات … عندما نقرأ روايات متى ولوقا فإننا نكون في عالم مختلف تماماً عن العالم الذي ينتج بواسطة القصص الوثنية عن حب وكراهية الآلهة.٦
روايات الكتاب المقدس
وفي الحقيقة أن هذه العقيدة تذكر بوضوح مرتين فقط في العهد الجديد، في متى (1: 18-20) وفي لوقا (1: 26).
في كل أنحاء العالم القديم، كانت العظمة ترتبط دائماً بالولادة الجسدية بواسطة إله. وبالمثل فإن العهد القديم، خاصة الترجمة اليونانية المعروفة باسم “السبعينية” (LXX) ، كانت تلمّح إلى إمكانية الميلاد العذراوي.٨ الأمر المهم هو. أن (إشعياء (٧ (١٤ تم اقتباسه بواسطة متى بمعنى أن مريم كانت لا تزال عذراء عندما حبلت إن الترجمة السبعينية التي تم إنتاجها قبل ميلاد يسوع ، تتحدث بوضوح عن عذراء. وهكذا فإن فكرة الميلاد العذراوي لم تكن في حاجة على الإطلاق أن تشتق من الديانات الوثنية، حيث أن من كتبوا العهد الجديد رأوها بالفعل في العهد القديم. وكما أشرنا من قبل، أن اليهودية في فلسطين في القرن الأول الميلادي لم يتم مسها تقريباً بواسطة التأثيرات الوثنية. لذلك فلا يوجد أي سبب على الإطلاق لأن نشك بأن متى جاء بهذه الفكرة من مصادر وثنية.
أجاب أحد علماء الكتاب المقدس على هذا الاعتراض بملاحظة شديدة العملية، فقال: إذا كان الميلاد العذراوي هو أمر معروف وشائع بين جماعة الرسل، فإن من كتبوا العهد الجديد “كانوا سيمتنعون عن ذكره لأسباب حكيمة، لئلا يعرّضوا أم ربنا للفضيحة والعار أثناء حياتها – فإن مثل هذه الفضائح قد ثارت بالفعل بمجرد أن تم إعلان الميلاد العذراوي ۱۰۰. وهكذا فإن الرسل ربما لزموا الصمت بخصوص هذه العقيدة حتى وفاة مريم.
الخُلاصَة
الأساطير كانت تُقدِّم روايات عن آلهة ذكورية تتخذ أشكالاً مادية بشرية أحياناً) لكي تنجب من نساء من خلال اتصال جسدي … روايات الأناجيل عن الميلاد العذراوي هي روايات غير جنسية على الإطلاق. فقد حبل بيسوع بواسطة القوة الخلاقة للروح القدس في رحم مريم. وهكذا فقد ولد يسوع من امرأة بدون زرع بشر – أو إله.
وقد لاحظ ريموند براون، وهو واحد من رواد علماء العهد الجديد في القرن العشرين، ما يلي:
هذه التشابهات” تتضمن باستمرار قيام إله ذكرى في صورة بشرية أو صورة أخرى، بتخصيب امرأة، سواء عن طريق اتصال جنسي طبيعي، أو من خلال شكل بديل ما أشكال الاختراق أو التغلغل وهذه الروايات لا تتشابه حقيقة مع الحبل العذراوي غير الجنسي الذي هو في جوهر الروايات التي تحكى ميلاد المسيح، حيث الحبل لم يكن به إله أو عنصر ذكرى لكى يتزاوج مع مريم.
الفصل الثامن عشر: أوزوريس، وفرانكشتاين، ويسوع المسيح
قيامة المسيح
كانت فكرة القيامة من الصعب ترويجها في الثقافة اليهودية، بل كان من الأكثر صعوبة ترويجها في الثقافة اليونانية – الرومانية الوثنية في القرن الأول.
لم يوجد واحد ممن يطلق عليهم “الآلهة المخلصة، مات لأجل شخص آخر. ففكرة أن ابن الله يموت بدلاً من خليقته هي فكرة تتفرد بها المسيحية.
يسوع فقط هو الذي مات لأجل الخطية… وكما يلاحظ فاجنر، فإنه لم تتسب لأى من الآلهة الوثنية النية لمساعدة الناس. فنوع الموت الذى كانوا يموتونه هو مختلف تماماً في حادث صيد، أو بإضعاف النفس، الخ.)
موت يسوع كان حدثاً فعلياً وحقيقياً في التاريخ. ولكن موت الآلهة الموصوف في العبادات الوثنية هو عبارة عن دراما أسطورية بدون روابط تاريخية؛ وترديدها المستمر يحتفل بتكرار موت وحياة الطبيعة من جديد فالحقيقة التي لا تقبل الجدل بأن الكنيسة الأولى آمنت بأن تبشيرها بموت وقيامة يسوع كان مؤسساً على وقائع تاريخية حقيقية، جعلت أية محاولات لإثنائها عن هذا الاعتقاد عن طريق أية روايات أسطورية غير تاريخية للعبادات الوثنية، هي محاولات مستحيلة.
بعكس آلهة العبادات السرية، مات يسوع طواعية.
وأخيراً، لم يكن موت يسوع هزيمة بل نصرة. … فحتى رغم أن يسوع كان يختبر الألم والمعاناة والإهانات على الصليب، إلا أنه كان منتصراً.
يسوع الحقيقي
كلما نظرت عن قرب أكثر كلما بدونا لك أفضل
فإننا إذ ألقينا نظرة أكثر قرباً على الشخصية التاريخية ليسوع، فقد رأينا الآتي:
إن الأناجيل الأربعة هي شهادات يعتمد عليها وجديرة بالثقة لشخص وكلمات وأفعال يسوع المسيح. وأن ما كتبه البشيرون كان مبنياً على تعليم شفهي قوى كانت له استمراريته بشهادة شهود العيان الأوائل. ففي جوهره، لم يتغير الإنجيل من إعلانه الشفهي الأول وحتى آخر إنتاج مكتوب له.
إن الوثائق الأصلية للعهد الجديد قد فقدت، ولكن محتواها تم حفظه بأمانة في آلاف من النسخ. وإننا اليوم واثقون من حوالى %۹۹ من الصياغة الأصلية. كما أن ألوهية المسيح أو قيامته الجسدية لم يتم الشك فيهما في أي مكان من العهد الجديد بسبب الاختلافات النصية. وعلى الرغم من أن الكثير من صياغة النصوص قد تعرض للتغييرات على مر القرون، إلا أن جوهر الحقائق التي تدّعيها المسيحية قد ظلت سليمة.
مارست الكنيسة القديمة الفحص والحكم الدقيق والمتمعّن في تحديدها لأي الكتب التي تنتمى للعهد الجديد. وقد أظهرت اهتمامها العميق بالأصالة – أصالة التأليف، والأصالة التاريخية واللاهوتية. ورغم أن الكنيسة قد صارعت مع بعض من الأسفار على مدى قرون، إلا أن جوهر أساسي من الأسفار تم قبوله في البداية. لا يوجد دليل على أن الكنيسة الأولى كان عليها أن تفحص مختلف الأناجيل لكى تجد الأناجيل التي تتفق مع الجماعة المسيحية على نطاق واسع. بل على العكس، فإن الأناجيل الأولى انتشرت بالتحديد لأنها كانت مكتوبة مبكراً، ولأنها كانت مكتوبة بواسطة شهود عيان و / أو مؤرخين موثوق بهم، ولأنها لم تكن منساقة للشطحات الخيالية.
أتباع يسوع كانوا ينظرون إليه باستمرار على أنه أكثر من مجرد إنسان. بل وحتى أعداء المسيحية كانوا يدركون أن المسيحيين الأوائل يعبدون يسوع المسيح كإله.
إن الرسالة المسيحية لم تنتحل كتابات الديانات الوثنية. … فالتشابهات المزعومة بين الديانات الأقدم وبين المسيحية لا يمكن أن تثبت أو تجد ما يساندها عندما يتم فحص الدلائل بصورة عادلة.
لا تفترض أي من هذه البراهين أننا قد أثبتنا الأصالة التاريخية للإيمان المسيحي.
فإن أوقية (كمية قليلة) من البراهين خير من رطل (كمية كثيرة) من الافتراضات. ولكننا في هذه الحالة، لدينا أكثر كثيراً من أوقية من البراهين فالحقيقة هي أن الاحتمالية أو الترجيح يميل إلى جانب الرسالة المسيحية تماماً.
إننا نتجنب نقيضين خطرين عندما نؤسس فهمنا ليسوع على الاحتمالية أو الترجيح. فمن ناحية، نحن نتجنّب الدعوة غير الواقعية للتأكيد التاريخي فإننا لو استطعنا تفسير البرهان على تاريخية المسيحية بنسبة مائة بالمائة، فلن تكون هناك حاجة للإيمان. فاحذر لئلا تخطيء، لأن الإيمان بمسيح الكتاب المقدس يتطلب خطوة إيمان. ولكن تلك الخطوة لا تصل إلى درجة القفزة.
إننا نفعل حسناً إن تذكرنا أن تقريباً كل رأى خاطئ عن يسوع هو مبنى على إحدى طرق الفهم الممكنة للبيانات القديمة، ولكن مثل هذه الآراء لم يظهر أبداً أنها محتملة أو ممكنة.
ولماذا لا يهتم المجتمع باختراع شخصيات جديدة لشخصيات دينية شهيرة أخرى؟ لماذا يهتم مثلاً باختراع شخصيات جديدة لبوذا أو لموسى أو لكونفوشيوس أو لغيرهم؟ لماذا يسوع؟ الإجابة في كلمة واحدة هي الأهمية.
الحمد لله رب العالمين
