القائمة إغلاق

خُلاصة كتاب: المدخل إلى تفسير العهد الجديد، إعداد: جورج فرج

خُلاصة كتاب:

المدخل إلى تفسير العهد الجديد

النص اليوناني الترجمات العربية – أسس التفسير

إعداد: جورج فرج

تحميل الخُلاصة: [DOC] [PDF]

الفهرس:

مقدمة عامة. 1

الفصل الأول: مفاهيم أساسية. 2

الفصل الثاني: النص اليوناني للعهد الجديد. 5

الفصل الثالث: ترجمة الكتاب المقدس11

الفصل الرابع: أسس تفسير العهد الجديد. 13

الفصل الخامس: الخطوات الأساسية لتفسير أي سفر من أسفار العهد الجديد. 13

الفصل السادس: دراسة الرسائل.. 15

الفصل السابع: الأناجيل.. 17

 

مقدمة عامة

يركز الكتاب بعرض طريقة عملية لدراسة الرسائل، وقد اعتمدنا بشكل خاص على الدراسات التي قدمها العالم جوردن” في Gordon Fee” ، لما لمسناه من طريقة واضحة وعملية في التفسير، كما استعنا بدراسات العالم اليوناني يوحنا كرافيذوبلس عند دراسة الأناجيل، وقد اكتفينا في هذا الكتاب بشرح أسس تفسير الرسائل والأناجيل، آملين أن يعننا الله في تقديم دراسة مكملة لباقي أسفار العهد الجديد.

ونحن نضع هذا الكتاب حتي نهيئ الأذهان لضرورة وحتمية وجود ترجمة جديدة للكتاب المقدس في كنيستنا القبطية، وإحلالها بدلاً ترجمة فاندايك القديمة المتداولة والغير مستخدمة في الليتورجيا القبطية، حيث نجد المُصلي في الكنيسة القبطية يقرأ الكتاب المقدس ويدرسه بترجمة، ثم يسمع النص الكتابي في القداسات بترجمة أخرى، ويصلي بأجبيته بترجمة ثالثة، ويحضر البصخة ليستمع إلى ترجمة رابعة في كتاب الدلال وهكذا، وكل هذه الترجمات هي ترجمات قديمة. فقد آن الأوان أن تكون للكنيسة ترجمة موحدة تواكب العصر بلغة عربية حديثة.

الفصل الأول: مفاهيم أساسية

أولا:- توصيف الكتاب المقدس

يمكن توصيف الكتاب المقدس بأنه مكتبة تضم مجموعة متنوعة الكتب المتباينة من جهة فنون الأدب الذي كُتبت به، من قصة وتاريخ وتشريع وأشعار وصلوات وأمثال ورسائل وكتابات نبوية ورؤيوية، وهذه المكتبة متنوعة أيضا من جهة اللغة التي كتبت بها عبرية وأرامية ويونانية)، [حيث كُتب العهد القديم بالعبرية ما عدا أجزاء من سفري دانيال وعزرا قد كُتِبا باللغة الآرامية كما أن بعض أسفار ما بين العهدين (وهي المدعوة بالأسفار القانونية الثانية) قد كتبت باللغة اليونانية أما بالنسبة للعهد الجديد فقد كُتب كله باللغة اليونانية.] كما يمتد زمن تدوين الكتاب المقدس تاريخيًا إلى أكثر من ١٠ قرون وتنسب أسفاره إلى مجموعة من الكتاب متفاوتي الثقافة ومختلفين من جهة الزمان والمكان.

ينقسم الكتاب المقدس إلى قسمين رئيسيين هما العهد القديم و العهد الجديد.

ثانيا:- تعبير “العهد الجديد”

يأتي تعبير العهد الجديد من شخص السيد المسيح ذاته إذ يقول لتلاميذه: لأَن هذَا هُوَ دَمِي الَّذِي لِلْعَهْدِ الْجَدِيدِ الَّذِي يُسْفَكُ مِنْ أَجْلِ كَثِيرِينَ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا (مت ۲٦: ۲۸).

ولكن مع نهاية القرن الثاني، بدأ استخدام هذا الاصطلاح ليعبر تحديدًا على مجموعة من الكتب، كتبها مجموعة من الكتاب الموحى لهم من الروح القدس، وقد أستقر تماما استخدام هذا الاصطلاح مع بداية القرن الثالث وهذه الكتابات هي:

<· بشائر أو أناجيل وهي لـ (متي، مرقس، لوقا، يوحنا).

<· سفر أعمال الرسل.

<· ۱۳ رسالة للقديس بولس الرسول.

<· الرسالة للعبرانيين وقد استقر التقليد الكنسي على نسبها للقديس بولس الرسول أيضاً وإن اختلف الأسلوب والصياغة عن كتاباته الأخرى.

<· رسائل جامعة (يعقوب، رسالتين لبطرس، ۳ رسائل ليوحنا، رسالة ليهوذا)

<· سفر الرؤيا للقديس يوحنا

يشكلون ۲۷ سفرًا هي أسفار العهد الجديد.

ثالثًا:- طبيعة الكتاب المقدس (مفهوم الوحى المقدس)

لا يمكننا أن نبدأ أي حديث عن الكتاب المقدس دون أن نبدأ بالحديث عن طبيعة ذلك الكتاب الفريد، ومفهومنا المسيحي للوحي الإلهي، وهو أمر يتميز به الكتاب المقدس عن أي كتاب أخر، لذلك فنحب أن ننبه على أن المفهوم المسيحي يتنافى تماماً مع ما يعرف بالتنزيل.

الوحي الآلي (التنزيل)، لماذا نرفضه؟

التنزيل هو عملية إملاء يكون فيه النبي مستسلما تماما لقوة تسيطر عليه وتسلبه إرادته، وهذا ما يعرف بالو. الآلي، لذلك فهو يتعارض مع حرية شخصية الكاتب، ويتعارض أيضًا مع بشرية القارئ، كما يتعارض مع بشرية اللغة، فاللغة بشرية وذات نواحي قصور متعددة، كذلك التنزيل يتعارض مع عملية نقل النص التي تتم بطريقة بشرية يكون فيها الخطأ أو السهو واردا، سواء كانت عن طريق النسخ أو بالتلقين الشفاهي، كما أن عملية الترجمة تكون مستحيلة في هذه الحالة، والنتيجة تكون إنكار إمكانية نقل النص “المُنَزل” من لغة لأخرى، إذ أن التنزيل يؤله النص ولغته. ويترتب على فكرة الوحي الآلي، ما يعرف بالإعجاز العلمي أو اللغوي الأمر الذي ترفضه الكنيسة تمامًا، لأنه يتعارض مع طبيعة الكتاب نفسه.

بولس هو الذي كتب وله أسلوبه الخاص الذي قد وهبه إياه الروح القدس، وهو ما يتعارض مع التنزيل.

ونجد أن لكل كاتب لغته المميزة عن الآخر وتعبيراته المفضلة عنده دون الآخرين،

وأيضًا فإن البشيرين الأربعة عبروا بصيغ مختلفة عن أقوال محددة، ففي معمودية المسيح مثلاً نجد الصوت الآتي من السماء قد صيغ بصور متنوعة لغويا:

<· «أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ» (مر ۱۱:۱)

<· «هَذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ» (مت ۱۷:۳)

<· «أَنْتَ ابْنِي الْحَبيبُ بكَ سُررْتُ لو (۳: ۲۲)

ولكن في النهاية الحقيقة الإيمانية واحدة.

هنا تجدر الإشارة أن السيد وتلاميذه لم يكونوا متحدثين باليونانية أساسا التي كتب بها العهد الجديد بل الآرامية ومن ثم فان نظرية الإملاء اللفظي مرفوضة وبعيدة كل البعد عن المفهوم المسيحي السليم لطبيعة الكتاب المقدس.

رفض الإعجاز اللغوي

يقول القديس باسيليوس عن كلمات الكتاب المقدس «إنها كلمات قد دونت لا لكي تُثير تصفيق المستمعين إليها بل لتهب خلاصا لمن يؤمن بها» … فالعهد الجديد قد كُتب بلغة يونانية عامية وبسيطة وليست لغة بليغة، وأسفاره تتفاوت من جهة بلاغة اللغة مِنْ كاتب لآخر.

وجدير بالذكر أن إطلاق لفظة “آية” لتعبير عن العبارة أو الجملة الكتابية، هو تأثر بفكرة تأليه النص، حيث تعني معجزة، بينما نجد بأن الكلمة المستخدمة في اللغة اليونانية لا تعني سوى سطر أو جملة أو مقطع فتستخدم كلمة ctikhos أو edafio (وفي الإنجليزية verse) وهي بعيدة تماماً عن معنى المعجزة أو الأعجوبة.

رفض الإعجاز العلمي

لا يمكن للنص أن يحوي حقائق علمية لم يكن يعنيها الكاتب لمراسليه الأصليين، فلا يوجد شيء اسمه إعجاز علمي للكتاب، فالحقائق العلمية متغيرة دائما، فغاية الكتاب المقدس هو رسالة الخلاص وليس معلومات خفية يمكن اكتشفها بعد مرور قرون من الزمن، … وهنا يجب التنبيه على أنه لو أن الكاتب تحدث عن كروية الأرض وكان القارئ غير ملم بهذه المعلومة العلمية فأما أنه سوف يستخف بالكاتب والسفر بأكمله وتصير هذه العبارة سبب عثرة للقارئ في قبول رسالة الله له، أو أن هذه المعلومة ببساطة كانت معروفة لأهل زمان الكاتب وقُرَّائه الأصليين.

المفهوم الأرثوذكسي للوحي الإلهي (تفاعل الروح القدس مع الكاتب)

فهمت الكنيسة طبيعة الكتاب المقدس مثل فهمها لشخص السيد المسيح، كونه إله كامل وفي ذات الوقت إنسان كامل بدون تعارض، كذلك الكتاب هو كتاب من الله بشكل كامل، وفي نفس الوقت كتاب بشري بشكل کامل، دون أدني تعارض،

ويمكننا التأكيد على أن الروح القدس لم يمنع الكاتب من بذل الجهد في الحصول على المعلومات التي كتبها مثلما صرح القديس لوقا: «إِذ كَانَ كَثِيرُونَ قَدْ أَخَذُوا بِتَأْلِيفِ قِصَّةٍ فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقْنَةِ عِنْدَنَا، كَمَا سَلْمَهَا إِلَيْنَا الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَاينينَ وَخُدّامًا لِلْكَلِمَةِ، رَأَيْتُ أَنَا أَيْضًا إِذْ قَدْ تَتَبَعْتُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الْأَوَّلِ بِتَدْقِيقِ، أَنْ أَكْتُبَ عَلَى التَوَالِي إِلَيْكَ…» هنا نري أن عبارتي: سلمها إلينا، تتبعت كل شيء، تؤكد أن القديس لوقا قد بذل مجهودًا بشريًا في جمع المعلومات التي دونها، بعيدنا عن فكرة الإملاء الآلي.

الخلاصة

كل الكتاب هو موحي به من الله . كما يؤكد الكتاب المقدس على ذلك. وكل ما فيه كان بإلهام من الروح القدس.

الشريعة

لا يمكن مقارنة شريعة موسي بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان للفارق الزمني، هذه واحدة من الإشكاليات التي يقع فيها قارئ الشريعة في العصر الحديث، حيث لا يراعي الزمن الذي كتبت فيه هذه الشريعة، ويحاول أن يقارنها بأسمى ما وصلت إليه الإنسانية في عصرنا الحديث،

الخلفية التاريخية:- وهي تشمل:-

الخلفية اليهودية: وتشمل الحالة السياسية لليهود تحت حكم الرومان ومن قبلهم، الأحزاب والطوائف اليهودية (فريسيين – صدوقيين – كتبة – عشارين الخ)، الفكر الديني لليهود في فترة ما بين العهدين.

الخلفية الهيلينية: وتشمل الثقافة الهيلينية (اليونانية) وعناصرها وعلاقتها بالعهد الجديد وباللغة اليونانية الخاصة بالعهد الجديد.

الفصل الثاني: النص اليوناني للعهد الجديد

أولاً:- اللغة اليونانية للعهد الجديد

دون العهد الجديد باللغة اليونانية المعروفة باسم (الكيني) koinh أو الكويني Koine Greek أي اليونانية الشائعة أو الشعبية، ويمكن أن تُسمّى “اليونانية الهيلينية” Hellenistic Greek وهي تختلف عن اللغة اليونانية الكلاسيكية Classic Greek السابقة عليها،

أما يونانية العهد الجديد (الهيلينية) فتعتبر صورة أكثر تبسيطًا منها وقد بدأ استخدام هذه اللغة بعد ذلك، مع فتوحات الإسكندر الأكبر بين اليونان والهند فيما عُرف بالحضارة الهيلينية وهذه اللغة هي التي كتب بها كل من:

<· العهد الجديد.

<· الترجمة السبعينية للعهد القديم.

<· معظم كتابات آباء الكنيسة الشرقيين.

<· النصوص الليتورجيا في الكنائس الشرقية.

واستمر استخدامها حتي حل محلها اليونانية الحديثة Modem Greek التي بدأت في الظهور مع سقوط القسطنطينية على أيد الأتراك عام ١٤٥٣م.

وهكذا فاليونانية مرت بثلاث مراحل هي الكلاسيكية – الهيلينية التي دون بها العهد الجديد – الحديثة.

خصائص اللغة اليونانية الخاصة بالعهد الجديد:

تنقسم اللغة اليونانية في مرحلتها الهيلينية والتي تدعي بالكويني، إلي مستويين:

الأول ذات مستوى لغوي مرتفع وتتميز بمحاولة محاكاة فصاحة اللغة اليونانية الكلاسيكية

أما الثاني فهي لغة ذات مستوى منخفض، وبها قد دَون كتبة العهد الجديد أسفارهم بلغة بسيطة يفهمها عامة الناس،

وهكذا فإن العناية الإلهية شاءت أن يدون العهد الجديد بأسلوب لغوي بسيط، بعيدًا عن زخارف الأساليب البلاغية.

ويمكننا تقسيم كتب العهد الجديد من جهة بلاغة اللغة لعدة مستويات هي:

<1.   رسالة العبرانيين وكتابات القديس لوقا الإنجيل وسفر الأعمال)، أيضا رسالة بطرس الأولي ورسالة يعقوب.

حيث نجد أن تلك الكتابات هي أفضل ما كُتب في العهد الجديد من جهة بلاغة اللغة.

<2.   باقي العهد الجديد ماعدا كتابات القديس يوحنا.

فنجد أن أسلوب القديس مرقس، يشبه الأسلوب الشفوي أكثر منه أسلوب نص مكتوب، أي أنه حديث محكي.

<3.   إنجيل يوحنا ورسائله الثلاث.

أما بالنسبة لكتابات القديس يوحنا ما خلا سفر الرؤيا، فتتميز بان قاموسها اللغوي بسيط، فلا نجد غزارة في مفردات اللغة، وبعيدة عن بلاغياتها.

<4.               سفر الرؤيا الذي يأتي في المرتبة الأخيرة حيث يصفه البابا ديونيسيوس الإسكندري بأنه كتب بلغة بربرية أي لغة عامية.

وغني عن البيان بأن المستوى البلاغي للنص الكتابي لا يؤثر في محتواه الروحي، طالما يحوي القصد الإلهي بلغة واضحة ومفهومة

نطق اللغة اليونانية للعهد الجديد:

ينطق بطريقتين هما: النظام الإيرازمي المعمول به في الجامعات الأوربية، وطريقة النطق لليوناني الحديث المعمول بها في بلاد اليونان وهي تتوافق مع النطق المستخدم في الكنيسة القبطية حاليا،

ثانيًا:- النُّسخة المُحقَّقة للعهد الجديد اليوناني

وأشهر هذه النسخ المطبوعة هي المعروفة باسم Textus Receptus 1516-1633 وهي النص المُسَلَّم بالتقليد (أو) النص المتداول، الذي يتشابه مع التقليد البيزنطي للعهد الجديد وهو النص المستخدم في الكنيسة اليونانية. ومن هذا النص تمت أشهر الترجمات للكتاب المقدس مثل ترجمة مارتن لوثر الألمانية وترجمة كينج جميس الإنجليزية King James وأيضا ترجمة فاندايك العربية الشهيرة (الطبعة البيروتية).

ومع بدايات القرن التاسع عشر بدأت جهود العلماء في تقديم نسخة محققة لكتاب العهد الجديد اليوناني، كي تكون أكثر تدقيقًا للنص عن طريق تحقيقه من كل المخطوطات القديمة التي وصلت لنا للوصول لأدق نص، أي أقرب قراءة للنص الأصلي المكتوب بمعرفة كتبة أسفار العهد الجديد، وهذه النسخة المحققة تُعرف باسم النص النقدي (أي المحقق) للعهد الجديد Critical Text.

الاحتياج لنص محقق لكتاب العهد الجديد:

خلال قرون عديدة بذل نُسَاخ الكتاب المقدس كل ما بوسعهم يحفظوا لنا نصًا أمينًا وصادقًا لرسالة الخلاص التي قدمها لنا الروح القدس بواسطة الكتاب المقدس،

ومع ذلك فيجب التأكيد على حقيقة مهمة وهي أنه لا يوجد في الدنيا کتاب تناقل بالنسخ اليدوي تتطابق فيه كل مخطوطاته بدون اختلافات طالما أن الكتاب له عدة نسخ يدوية تم نسخها بشكل بشري قبل ظهور ماكينات الطباعة.

ولكن في نفس الوقت نلفت الانتباه إلى أن نص العهد الجديد اليوناني، يتمتع بميزة مهمة لو قورن بغيره من النصوص القديمة ألا وهي، أن الأبجدية اليونانية بها حروف متحركة ( حروف العلة) كحروف مستقلة، وليس علامة توضع أعلى أو أسفل الحروف مثل اللغة العبرية أو العربية، ففي تلك اللغات الأخيرة تظهر مشكلة كبيرة عند وجود مخطوط غير مُشكل، مما تكون هناك احتمالات كثيرة للقراءة، كما أن اللغة العربية تحديدا بها المشكلة أكبر لتشابه كثير من الحروف فيما بينها، والتميز بينها يتم فقط عن طريق وضع النقاط على الحروف، الأمر الذي قد حدث في فترة متأخرة من تاريخ كتابة كثير من المخطوطات، ومن ثم تكون احتمالات تنوع قراءات النص الواحد كبيرة للغاية. أما اللغة اليونانية فلا توجد بها مثل تلك الإشكاليات حيث أن وضع النبرات على الحروف المتحركة اليونانية لا يؤثر غالبًا في فهم أي عبارة.

سبب ظهور النقد النصي:

يرجع سبب ظهوره إلي العوامل الآتية:

<1.   المخطوطات الأصلية غير موجودة.

<2.   تم تداول الكتاب لمدة ١٤٠٠ سنة من خلال النسخ اليدوي وقد حدثت بلا شك أخطاء متنوعة في عملية النسخ،

العلاقة بين مخطوطات العهد الجديد:

يُقسم علماء النقد النصي مخطوطات العهد الجديد إلي ثلاث عائلات أو ثلاث تقاليد رئيسية لنص العهد الجديد، هما:-

التقليد الإسكندري وأهم مخطوطاته هي المخطوطة الفاتيكانية B والمخطوط السينائي Aleph وبالطبع فإن الترجمات القبطية تنتمي لهذا التقليد وينظر علماء النقد النصي على أن هذا التقليد هو أقدم وأدق نصوص العهد الجديد وصار هو الأساس الذي يعتمد عليه النص المحقق، وبالتالي فإن معظم الترجمات الحديثة المعتمدة على النسخة المحققة تتشابه مع هذا التقليد.

التقليد البيزنطي: هو أحدث تقليد حيث أن مخطوطاته غير أنها الأكثر من جهة الكمية والأكثر انتشارا وبالأخص في زمن ظهور الطباعة،

وبالطبع فإن علماء النقد الكتابي لا يتبعون هذا النص لعدم إتباعه أصول النقد النصي السليم، الذي يعتمد على قدمية المخطوطات وانتشارها الجغرافي للاطمئنان على أصالة القراءة.

الإصداران الخاصان بالنسخة المحققة للعهد الجديد اليوناني:

النسخة المحققة (النقدية) تصدر الآن في طبعتين أو إصدارين هما:-

Nestle-Aland, Novum Testamentum Graece )NA, NTG)

وقد صدر منها حتى الآن الإصدار رقم ۲۸ حيث يتم تحديثه مع اكتشاف مخطوطات جديدة مهمة، وسُميت بهذا الاسم نسبة للعالم الألماني Eberhard Nestle الذي قام عام ۱۸۹۸ بإصدار أول طبعة من هذه النسخة، وأيضا العالم Kurt Aland الذي قام بإدخال حواشي للنص اعتمادًا على المخطوطات القديمة وليس الطبعات القديمة، وهكذا ظهر الإصدار رقم ٢٥ لهذه النسخة يحمل اسم هذين العالمين Nestle-Aland.

The Greek New testament, United Bible Societies (GNT, UBS)

ويصدرها اتحاد جمعيات الكتاب المقدس (UBS) وهي حاليًا في إصدارها الرابع تأخذ نفس نص نسخة Nestle-Aland ولكن الفارق بينهما يتمثل في:

نسخة (UBS) حواشيها موجهة بالأكثر للمهتمين بترجمة الكتاب المقدس، فتتجاهل في هوامشها الاختلافات غير المؤثرة في معني النص،

لا تستخدم نسخة (UBS) الرموز السابقة لنسخة (NA) بل أنها تضع النص المرجح في صلب النص والغير مرجح يوضع في الهامش مع وضع درجات التأكد:

{A} ويعني أن اللجنة المسئولة عن الإصدار متأكدة أن القراءة الموضوعة في صلب النص هي الأصيلة.

{B} يعني أن اللجنة تعتقد أن القراءة الموضوعة في صلب النص هي غالبا الأصيلة.

{C} يعني أن اللجنة لديها صعوبة في تحديد أي القراءات هي الأصلية.

{D} وتستخدم في حالات نادرة للغاية وتعني أن اللجنة تجد صعوبة بالغة في تحديد أي القراءات هي الأصيلة.

مثال للقراءات الصعبة من (1 كو ۱۳: ۳)

فمثلاً قبل أن تتساءل ماذا يقصد القديس بولس بعبارة “وَإِن سَلَّمْتُ جَسَدِي حَتَّى أَحْتَرِقَ (۱ كو) (۱۳ (۳) الموجود في ترجمة فاندايك العربية، يجب أن تتأكد من هذه العبارة من خلال قراءة نص الآية من النسخة المحققة للعهد الجديد سواء NA أو UBS وكذلك قراءة الحواشي في أسفل النص المتعلقة بهذه الآية تحديدًا إن وجد لها حواشي.

تجد أن العبارة في النسخة المحققة هي “حتي أفتخر” وليس أحترق، وتجد في الهامش توضيح أن هذه العبارة بعض المخطوطات توجد هكذا “حتى أحترق”، ونلاحظ أن الفرق هو في استبدال حرف واحد فقط قد غير المعنى، فنجد أن ترجمة فاندايك (الطبعة البيروتية) بها العبارة: “حتي احترق” لأنها أخذت من النص التقليدي غير المحقق Textus Receptus وهو المشابه للتقليد البيزنطي وهو يتوافق مع معظم الترجمات المطبوعة السابقة على القرن ال ۱۹ قبل ظهور النص المحقق، وفي الهامش السفلي للنسخة النقدية تجد توضيح لعائلة المخطوطات الخاصة بالنص اليوناني والترجمات القديمة وكذلك اقتباسات آباء الكنيسة، التي تؤيد القراءة ” أفتخر” وبعدها عائلة أخرى من المخطوطات الخاصة بالنص اليوناني والترجمات القديمة وكذلك آباء الكنيسة، التي تؤيد القراءة الأخرى “أحترق”.

وعمل النسخة المحققة هو ترجيح أي القراءتين باعتبارها القراءة الأدق التي كانت في النص الأصلي على أساس: قدم المخطوطات وتنوعها الجغرافي وكذلك الترجمات القديمة وكتابات الآباء، ثم يأتي الدليل الخارج المتعلق بسياق النص، قواعد اللغة اليونانية وتوافقها مع أسلوب الكاتب، والدلائل التاريخية الخ.

وإذ نظرنا للمثل السابق نجد أن اللجنة قد أعطت درجة التأكد الثالثة {C مما يعني أنه توجد صعوبة في ترجيح أي القراءتين هو الأصل، فالشواهد أي المخطوطات والترجمات ونصوص الآباء تقريبا شبه متساوية بالنسبة للقراءتين – هنا تأتي الدلائل الخارجية لترجيح عبارة أفتخر.

اختلاف مخطوطات العهد الجديد والادعاء بـ “تحريف الكتاب المقدس”

سؤال: هل يمكن اعتبار اختلاف مخطوطات العهد الجديد “تحريفا للكتاب” ؟

كلا بالطبع لأن التحريف هو عملية تدخل متعمَّد في النص لتشويه النص الأصلي وتقديم رواية جديدة لنص ومحتوى جديد تمامًا بهدف أو غرض ما، وهذا أمر غير حادث بالمرة في أي نص للكتاب المقدس، فوجود اختلاف في حرف أو كلمة أو فقدان سطر، لا يؤثر في الرواية الأصلية في شيء، لأن الاختلاف هنا ناتج لحادث غير مقصود، وليس بهدف تقديم عقيدة مغايرة، … فكل اختلافات المخطوطات هي اختلافات غير جوهرية ويمكن وصفها بأنها تافهة ولا يوجد اختلاف بين المخطوطات يؤثر على مفهومنا لأي عقيدة مسيحية بأي شكل كان.

كما أن مسألة فقدان المخطوطات الأصلية للكتاب ليست سببا في التشكيك في مصداقية النص، طالما وُجد عدد كاف من المخطوطات في مناطق متفرقة تحوي نفس النص، ففقدان المخطوطات الأصلية التي كتبت بمعرفة الرسل، أمر لا يخص الكتاب المقدس وحده، بل أن كل الكتابات القديمة لا يمكن الجزم نهائيًا بوجود المخطوط الأصلي لمؤلفها،

نقطة أخرى مهمة وهي أنه لا يوجد أي مخطوط للعهد الجديد، ذو توجه لاهوتي معين، بحيث نراه يتعمد تغيير القراءات في كل نصوصه لخدمة فكرة لاهوتية معينة، أمر هكذا لا جود له نهائيًا في أي مخطوط.

فمثلاً قام أحدهما بعمل دراسة نقدية لعبارة “ابن الله” الواردة في إنجيل يوحنا في معجزة المولود أعمى (يو (۹) (٥٣) وقد وردت هكذا في ترجمة فاندايك المتداولة «أَتُؤْمِنُ بِابْنِ اللهِ؟»، غير أنها في النسخة المحققة المعتمدة على أدق وأقدم المخطوطات قد وردت ” أَتُؤْمِنُ بِابْنِ الإنسان” (التقليد الإسكندري)، ومن ذلك حاول أن يستنتج أن المسيح لم يكن يلقب بابن الله في القرون الأولى حيث معظم المخطوطات القديمة كانت بها قراءة هذه الآية: “ابن الإنسان” بينما في المخطوطات الأحدث ترد العبارة “ابن الله” (التقليد البيزنطي)، فاستنتج من ذلك أن ألوهية المسيح لم يكن معترفًا بها قديما في زمن تلك المخطوطات القديمة وإنما فيما بعد حدث عبث بالنص لتدعيم ألوهية المسيح ومن ثم أنتهى إلي فكرة تحريف الكتاب!

هنا نكتشف المغالطة لأن الخطأ في المخطوطات لم يكن لتدعيم ألوهية المسيح، لأن تعبير “ابن الله” قد ورد كثيرًا في مواضع أخرى غير نص المولود أعمى في تلك المخطوطات القديمة التي أوردت عبارة “ابن الإنسان” في (يو ٩: ٥٣)، وبالمثل فالمخطوطات الحديثة يرد فيها أيضا عبارة “ابن الإنسان” وفي كثير من المواضع الأخرى غير معجزة المولود أعمى، فالاستنتاج الذي وصل إليه المعترض غير سليم وغير منطقي، حيث أن الخطأ في النسخ في هذه الآية تحديدًا سواء كان بشكل غير مقصود (سهوا) أو بشكل متعمد من الناسخ لاعتقاده بأن المخطوط الذي ينقل منه به خطأ معتقدًا أن إيمان المولود أعمى يستوجب الاعتراف بان المسيح ابن الله وليس ابنا للإنسان، هي حالة فردية وليس توجه عام عند ناسخ المخطوط لكل نصوص العهد الجديد.

ونحب أن نوضح أن تعبير تحريف الكتاب المقدس” هو تعبير لا وجود له في البحث العلمي الخاص بالعلوم الكتابية،

الفصل الثالث: ترجمة الكتاب المقدس

ففيما يخص الدراسة الأكاديمية يجب التنبيه على المبدأ الآتي:-

“أنت تقرأ الكتاب المقدس مترجمًا إذن أنت قد دخلت بالفعل في داخل دائرة التفسير”.

ويشبه البعض بين قراءة العهد الجديد من ترجمة وقراءته من النص اليوناني الأصلي، بالفرق بين من يتابع مباراة لكرة القدم عن طريق الراديو وآخر يتابعها عن طريق التليفزيون بكل تأكيد نتيجة المباراة واحدة، ولكن من يتابع بالراديو لا يملك سوى المعلومة التي يقدمها له مُعلِّق الراديو، ولكن من يتابع المباراة بالتليفزيون يمكنه أن يحكم بنفسه عما يشاهده بعين رأسه ويُكَوِّن قناعاته الشخصية عن أحداث المباراة.

الحقيقة الهامة هي أنه مهما كانت الترجمة ممتازة فإنها تقدم ببساطة اقتراحا تفسيريًا للنص، ربما يكون هناك أكثر من احتمال أخر للتفسير،

وغني عن البيان أن علامات الترقيم لم يكن لها وجود في المخطوطات القديمة.

وفي اللغة اليونانية الاحتمالين في الترجمة على قدم المساواة، هنا يأتي دور المُترجم في تفسير النص وصياغته في اللغة التي ينقل إليها حسب فهمه وتفسيره للمعنى، والقارئ للترجمة يكون تحت رحمة المُترجم.

في كل الترجمات السابقة يُفهم أن القديس بولس يرى أنه خير للرجل يمس امرأة ولكن في النص اليوناني يمكن أن يكون هناك احتمال أخر لمعني الكلام، وهو أن أهل كورنثوس هم الذين يدعون ذلك وتكون ترجمة العبارة: – “وأما من جهة ما كتبتم: أنه خير للرجل أن لا يمس امرأة … “་་

هنا نلاحظ ميزة مهمة في الترجمات الحديثة هي وضع هوامش توضيحية للترجمات البديلة للنص.

الاستنتاج: المترجم يقرأ النص الأصلي ويستوعبه ثم يصيغه إلى اللغة التي ينقل إليها بحسب فهمه للنص، الخلاصة أن الترجمة ببساطة هي عملية “تفسير”.

مثال سادس: (۲ بط ۱:۱)

إِلَى الَّذِينَ نَالُوا مَعَنَا إِيمَانًا ثَمِينًا مُسَاوِيًا لَنَا بِيرٌ إِلَهِنَا وَالْمُخَلّص يَسُوعَ الْمَسِيحِ: (فاندايك)

في هذه الآية نجد أن النص الأصلي يعطي أداة تعريف واحدة لكل من كلمة إلهنا ويسوع المسيح مما يعني أن الألوهية تعود على شخص السيد المسيح وليس المقصود الله الآب: فهي دلالة مهمة على ألوهية السيد المسيح بوصفه الله (معرف بالـ). لا تعطي الترجمات العربية هذه الدلالة بوضوح.

 وتؤكد الترجمة القبطية (في بعض طبعاتها) هذا المعنى بأنها وضعت أداة العطف لأن الأولى تعطف صفة على صفة بينما الثانية تعطف اسم على اسم (أي أن المقصود نفس الشخص).

وأنواع الترجمات أيا كانت على شاكلتين: حرفية أو حرة.

الترجمة الحرفية Literalist وتُسمّى بالتكافؤ الشكلي formal equivalence

يكون هدفها الأمانة بقدر الإمكان للنص الأصلي، وذلك بالحفاظ على الألفاظ التي وردت في النص الأصلي والصياغات اللغوية ذاتها، لكن مع جعل الترجمة مفهومة في اللغة المترجم إليها، كما أنها تحتفظ بالبعد الحضاري التاريخي دون تدخل لتوضيح المعني. ومن أهم خصائصها:

<· التأكد من أن كل كلمة في الأصل لها ما يقابلها في الترجمة.

<· إبراز الكلمات المضافة في الترجمة، وغير موجودة في الأصل كضرورة لإيضاح المعني.

<· اتباع نفس ترتيب الكلمات في الأصل بقدر الإمكان في اللغة المترجم إليها.

وبهذه الطريقة تمت ترجمة كنج جيمس الشهيرة وكذلك ترجمة فاندايك العربية.

أما الترجمة الحرة وتُعرف بإعادة الصياغة paraphrase فعلى النقيض يكون هدفها الاهتمام بتقديم نص مفهوم وواضح وسلس إلي لغة الاستقبال

سمات الترجمات العربية للعهد الجديد

ترجمة فاندايك: أشهر وأهم ترجمة عربية وهي المعروفة باسم الطبعة البيروتية.

<· تتميز بحرفيتها وبالتالي فهي أدق ترجمة.

<· ولكن في نفس الوقت صعبة حيث تلتزم بتركيبات لغوية تبدو غريبة عن اللغة العربية.

<· ترجمة قديمة لا تعتمد على النص المحقق للعهد الجديد.

<· ترجمة قديمة لذلك تستخدم لغة عربية ثقيلة وصعبة في مفرداتها.

<· لا توجد بها أي هوامش تفسيرية أو مقدمات للأسفار أو عناوين جانبية لتقسيم السفر وإن كان بعض طبعاتها الحديثة أدخلت هذه العناوين.

 يجب قراءة النص من أكثر من ترجمة لتوضيح المعنى وتقديم كل المعاني الممكنة للنص ورفع الغموض عن مشاكل ترجمة بعينها.

الفصل الرابع: أسس تفسير العهد الجديد

أما الفريق الأخر فيرى أن كلمة الله واضحة ولا تحتاج لكتب تفاسير، ومن المؤكد أن هذه الفكرة خاطئة لأن الكتاب المقدس كتب في حضارة معينة، لا نعيشها الآن متباينة عن واقعنا المعاصر في أمور كثيرة.

هدف التفسير

. إن هدف التفسير ببساطة هو الوصول للمغني الحقيقي الواضح للنص الكتابي، وهذا المعنى الجلي والواضح هو ببساطة أن نصل لنفس القصد الذي قصده الرسول وأن نفهم نفس الفهم الذي فهمه قُراءه الأصليين الذين استلموا السفر وتُليت عليهم رسالته.

ضرورة التفسير

الهراطقة قديمًا وحديثاً أيضًا يدّعون أن معتقداتهم هي من صلب الكتاب بدءً من إنكار ألوهية السيد المسيح عند أريوس حتى الانحرافات الفكرية في بعض الطوائف المتعددة في الغرب في عصرنا. كما أن الأمر نجده أيضًا بين المؤمنين الأرثوذكس فكثيرًا ما تجد أراء متضاربة وكل فريق يعتقد أن ما يُعلَّم به هو ما يعلنه الكتاب بوضوح.

التفرد:- وهو محاولة الواعظ المفسر أن يقدم شيئًا جديدًا على آذان المستمع أو المتلقي. وهنا يجب التنبيه على أن التفسير الذي يُهدف إلى التفرد أو يسعى إليه غالبًا هو تفسير غير صحيح، وربما يعزو إلى الكبرياء، فالتفسير الصحيح غالبا هو الأكثر بساطة.

 الحقيقة هي أن الخلفية الحضارية للنص أمر ضروري لا غنى عنه ولكن المهم التنبيه عليه هو أن الرجوع للخلفية التاريخية عند التفسير لا ينبغي أن يتم بشكل انتقائي أي يجب ألا يتم فقط مع بعض الآيات التي تسبب مشكلة لنا، بل يجب أن تكون مبدأ أساسي في التفسير وليس فقط عندما نجد في الأمر مشكلة أو أن المعنى الظاهري للآية لا يروق لنا.

الفصل الخامس: الخطوات الأساسية لتفسير أي سفر من أسفار العهد الجديد

عند تفسير أي نص يمكن اتباع عدة خطوات في التفسير يمكن تلخيصها في الآتي:

نظرة شاملة على المحتوى بشكل عام (قراءة نص السفر كاملاً دفعة واحدة).

القراءة الأولى للنص: قبل فحص أي من آيات السفر أو فقراته، أو غيرها من مقاطع من السفر، يحتاج المرء دائمًا أن يُكون لمحة عامة جيدة للسفر بأكمله.

من هو المؤلف؟

من هم القُرَّاء الأصليين الذين كُتِب لهم السفر ( أي الذين استلموه)؟

العلاقة بينهما ؟ أين كان يعيش هؤلاء المرسل إليهم السفر؟

وما هي ظروف وضعهم الحالي ؟

وما هي الأسباب التاريخية التي دفعته لتدوين هذه السطور؟ ما هو الغرض الأساس من السفر؟ أي ما هو الموضوع العام للسفر؟

هل يقدم الكاتب براهين واضحة ومتسلسلة تتعلق بالموضوع؟

هل الكاتب له خط معين في الكتابة ومميزات خاصة تلاحظها؟

ويستحسن أن تستخدم ترجمة ليست حرفية إنما ترجمة حديثة سهلة، ويفضل أن تكون جديدة على أذنك بحيث تستقبل النص بنوع من الانتباه أفضل من النص التقليدي المألوف لديك ومن ثم فان الترجمات المقترحة هي:

<· الترجمة العربية المشتركة.

<· الترجمة اليسوعية الجديدة.

<· كتاب الحياة.

ويفضل أن تقرأ النص مرتين من ترجمتين مختلفتين.

غير أن أهم ما يجب عمله بعد القراءة الثانية للنص هو محاولة تقسيم محتوى السفر من خلال وجهة نظرك الخاصة.

الخطوة الثانية: التحقق من استنتاجاتك: وهي أن تطابق ما وصلت إليه من المعلومات بواسطة كتب تقدم شرح لمقدمة السفر مثل:

<· قاموس الكتاب المقدس

<· دائرة المعارف الكتابية

<· كتاب المدخل للعهد الجديد

<· کتاب تفسیر به مقدمة عامة عن السفر.

تحديد المقاطع: عند دخولك لتفسير نص الآيات يجب عليك أولاً تحديد الفقرة الكاملة، حتى لو كنت مهتمًا بتفسير آية واحدة فقط في النص، فيجب أن تعرف حدود الفقرة الصحيح أين تبدأ؟ وأين تنتهي؟، فالترجمات تختلف فيما بينها في تحديد المقطع، … لاحظ أن المقاطع تختلف باختلاف الترجمات حيث أن المخطوطات القديمة لم تكن تُقسم النص إلى فقرات نهائيًا. بكل تأكيد التقسيم الجيد للفقرات سوف يؤثر في المعنى المقصود، وسوف تجد أحيانا بعض الاختلافات بين الإصدارات المختلفة فيجب أن تتخذ قرارك بنفسك في تحديد أي تقسيمات سوف تتبع.

التعامل مع النص الأصلي لمن يجيد اليونانية

التعامل مع النص المحقق: عن طريق قراءة حاشية النسخة النقدية لتتعرف على القراءات الصعبة للنص.

الفصل السادس: دراسة الرسائل

أنواع الرسائل عامة وخاصة:

تنقسم الرسائل عادة إلى نوعين عامة وخاصة … فبعضها يشبه رسائل خاصة جدا (مثل رسالة فيلمون وكورينثوس الأولى وغلاطية) وأخرى تتسم بالعمومية والتي تشبه العظة أو الخطبة أكثر من كونها رسالة أو خطاب موجه لشخص أو جماعة محددة، (مثل رسالة يوحنا الأولى).

والرسائل الخاصة هي الرسائل “الفعلية” أي الحقيقية التي كتبت إلى شخص أو لجماعة محددة أملتها ظروف خاصة، وهذه الرسائل عادة لا تكون ذات طابع بلاغي وخطابي إذ أنها خطابات عملية، وذلك على عكس الرسائل العامة التي تمثل كتابات أدبية وبلاغية.

الخلاصة هي أن كون الرسالة عامة مثل رسالتي رومية والعبرانيين مثلاً، هذا لا يمنع من أن هاتين الرسالتين هما رسالتان فعليتان قد بعثا لمجموعة محددة من الناس كما تشهد نصوصهما بذلك.

إشكالية تفسير الرسائل

إشكالية الرسائل تكمن في أنها عبارة عن ردود لأسئلة غير معروفة لنا، فالراسل يجيب عن أسئلة قد طُرحت عليه، ولا نعرف نحن أبدا ماذا كانت هذه الأسئلة

الأسئلة الواجب طرحها عند دراسة أي رسالة للعهد الجديد:

الكاتب (الراسل) من هو الكاتب وما هي شخصيته؟ وما هي مشاعره وحالته حسبما يظهر من الرسالة؟

(۲) الكنيسة (المرسل إليه هل زارها الرسول من قبل أم لا؟ ما مدي موقف الرسول منها؟ هل راضي عنها وعن مواقف المؤمنين فيها؟ هل لا يوجد مشكلة بين الرسول وأهل الكنيسة أو مع بعض أعضائها؟

نموذج للآيات الصعبة كورنثوس ١٥: ٢٩ المعتمدين لأجل الأموات (استخدام كتاب التفسير).

وَإِلا فَمَاذَا يَصْنَعُ الَّذِينَ يَعْتَمِدُونَ مِنْ أَجْلِ الْأَمْوَاتِ؟ إِنْ كَانَ الأَمْوَاتُ لا يَقُومُونَ الْبَتَّةَ، فَلِمَاذَا يَعْتَمِدُونَ مِنْ أَجْلِ الأَمْوَاتِ؟ (ت. فاندايك)

هذه واحدة من أصعب آيات العهد الجديد، حيث أننا لا نعرف القرينة التاريخية، فالقديس بولس يشير إلى ممارسة ما كانت معروفة بالتأكيد لأهل كورنثوس، ومن ثم فإن قصد القديس بولس هنا بالطبع كان واضحًا لهم، ولكن بالنسبة لنا فإن الأمر غامض، هنا يأتي دور كتاب التفسير، الذي يقدم لنا كل احتمالات التفسير من جهة اللغة، ومن جهة الإحاطة بالخلفية الحضارية المتعلقة بهذا النص، فلو نظرنا إلي تفسير وليم باركلي نجده يقول:

“مرة أخرى نجد أنفسنا أمام فصل صعب جدًا، وقد وقف الناس دائمًا حياري أمام ما تعنيه عبارة، يعتمدون من لأجل الأموات”. وحتى الآن لا يمكن القول إنهم قد استقروا على تفسير محدد قاطع بشأنها. وكلمة “لأجل Uper” في العبارة المشار إليها في الأصل اليوناني معنيان رئيسيان. فعندما تستخدم للمكان فأنها تعني “فوق”. ولكنها غالبًا ما ترتبط بالأشخاص أو الأشياء وتعني “بدلاً من” أو ” بالنيابة عن”. وإذ نتذكر هذين المعنيين لنتأمل بعض المعاني التي فسرت هذه العبارة.”

ثم يحاول وليم باركلي تقديم كل التفاسير المختلفة للنص:-

“١- استنتج بعض المفسرين الذين يترجمونها بكلمة “فوق” ـ أن هذه العبارة تشير إلي الذين كانوا يعتمدون فوق قبور الشهداء. وعزوا هذه الفكرة إلي أن الاعتماد فوق الأرض المقدسة، أرض السحابة غير المنظورة من الشهود المحيطة بالمكان – هو شيء مثير بصفة خاصة. وهي فكرة جذابة وجميلة إلا أنه في الوقت الذي كان بولس يكتب فيه إلي أهل كورنثوس لم يكن الاضطهاد العنيف للمسيحين قد بدأ بعد. ربما كانوا يتعرضون في ذلك الوقت للنفي أو للاضطهاد الاجتماعي، ولكن عصر الشهداء لم يكن قد بدأ بعد.

2- أما إذا كنا نفهمها بمعنى بدلاً” “من” أو “بالنيابة عن”، فإن العبارة المشار إليها يمكن أن تقودنا إلى ثلاث احتمالات. فقد تشير إلي الذين يعتمدون ليشغلوا الأماكن الحالية في الكنيسة التي خلفها الأموات. وما أمجد أن يملأ المؤمن الجديد والشاب المسيحي، الذي يأتي إلي الكنيسة مكان المتمرنين المتدربين الذين أدوا رسالتهم وانطلقوا إلى راحتهم. فالكنيسة تحتاج إلى مدد يقويها وينعشها وإلي أعضاء جدد يملؤون الفراغ الذي يخلفه الراحلون ويحلون محلهم.

3- كما أن هذه العبارة يمكن أن تشير إلي الذين يعتمدون احترامًا للموتى وتعبيرًا عن محبتهم لهم. وهنا أيضًا توجد حقيقة ثمينة. فإن كثيرين منا قد انضموا إلي الكنيسة لأنهم عرفوا وتذكروا إنسان أحبهم وأحبوه، وكان قبل موته يصلي لأجلهم ويتمنى هدايتهم. وكثيرون منا سلّموا حياتهم للمسيح بفضل التأثير غير المنظور الذي كان لأحد المؤمنين عليهم قبل أن يعبر إلي الحياة الأخرى.

٤- ومع أن كل هذه الأفكار جميلة، ولكننا في النهاية نظن أن هذه العبارة لا يمكن إلا أن تشير إلى عادة واحدة كانت موجودة في الكنيسة الأولي، ولكن ممارستها اختفت تمامًا فيما بعد. فقد كانت عندهم عادة المعمودية بالنيابة فإذا حدث أن مات شخص ما كان ينوى أن يصير عضوا في الكنيسة وكان يتلقى التعليم المسيحي فعلاً، فإن شخصًا آخرًا كان يعتمد نيابة عنه بعد موته أي أنها كانت بمثابة معمودية بالإنابة أو بالتوكيل…”.

ويشرح وليم باركلي كيف أن هذه العادة كان سببها اعتقاد الناس الراسخ بضرورية المعمودية للخلاص وحرمان غير المعمد من نوال سعادة الملكوت، الأمر الذي دفع بعض الناس لهذه الممارسة الغريبة بأن يعتمدوا بدل أحبائهم الذين وافتهم المنية قبل العماد ثم يؤكد باركلي قائلا: “وهنا لا يؤيد بولس ممارسة هذه العادة ولا يعارضها، ولكنه فقط يتساءل عما إذا كان لها معنى على الإطلاق إذا لم تكن هناك قيامة وإذا لم يكن الأموات سيقومون ثانية.”

الفصل السابع: الأناجيل

تعريف كلمة إنجيل

يعرف الإنجيل بأنه “بشارة” أي خبر سار كما وصف القديس مرقس كتابه في بدايته بدء إنجيل يسوع المسيح).

الإنجيل كأدب

من الصعب تعريف أي نوع من أنواع الأدب يمثل الإنجيل حيث أنه لا يمكن توصيفه بأنه سيرة حياة إذ أن الأناجيل لا تذكر طفولة يسوع نهائيا ما خلا حادثة وحيدة ذكرها لوقا عندما كان يسوع في الثانية عشر من عمره لو (٢ (٤٢ كما أنه يصمت عن ذكر أوصاف يسوع الجسمانية أو طباعه النفسية، مما دفع البعض لافتراض أن الأناجيل تمثل “ذكريات” عن يسوع غير أن توصيف مثل هذا أبعد ما يكون عن الواقع، والحقيقة أن الإنجيل يمثل أدب فريد من نوعه فهو بلا شك يمثل كتاب تاريخ طالما يروي فيه البشيرون أحداث حقيقية قد وقعت في التاريخ البشري، بل قد أثرت بشكل جذري في ذلك التاريخ، ومع ذلك فإن الأناجيل قد تعدت بكثير مسألة سرد لتاريخ حياة المسيح إلى التعبير عن إيمان الكنيسة الحي فيما يخص شخص المسيح وعمله، فالإنجيل وبشكل أساسي هو شهادة إيمان الكنيسة عن المخلص، يقدم فيها البشيرون تفسيرهم اللاهوتي عن شخص المخلص وحياته وكرازته، وليس فقط مجرد سرد روايات تاريخية عنه.

مصادر الأناجيل، الأناجيل المتناظرة (المتشابهة)

يلاحظ أن التشابه الكبير بين الأناجيل الثلاثة الأولى (متي، مرقس، لوقا) دفع الباحثين منذ القرن الثامن عشر إلى إطلاق تعبير الأناجيل المتناظرة على هذه الأناجيل الثلاثة Synoptic Gospels أي الأناجيل المتناظرة أو الإزائية أو المتشابهة (تعني ذات النظرة المشتركة).

هذا التشابه الواضح بين الثلاثة أناجيل الأولى، يجعلنا نستبعد فكرة التقليد الشفوي المشترك، حيث نجد أن المقاطع المتشابهة في هذه الأناجيل تتعدى الأفكار إلى أسلوب صياغة الجمل الذي يكاد يتطابق في بعض الأحيان،

اليونانية تعطي حرية كبيرة في ترتيب كلمات الجملة، ومع ذلك نجد تشابهًا لفظيًا كبيرًا بين الأناجيل الثلاثة الأولى، متى ومرقس ولوقا، سواء في القصص أو أقوال المسيح يصل إلى تشابه الكلمات حتي في حروف الجر والعطف.

السيد المسيح كان يتحدث الآرامية وليس اليونانية التي كتبت بها الأناجيل مما يجعلنا نستبعد فكرة التقليد الشفوي لتفسير التشابه اللغوي في الأناجيل المتشابهة.

يجب الأخذ في الاعتبار أن البشيرين الثلاثة كانوا في أنحاء متفرقة في الإمبراطورية الرومانية ومع ذلك نجد هذا التشابه اللفظي الكبير.

كما أن افتراض أن الروح القدس قام بإملاء البشيرين هو أمر مرفوض حيث يوجد تنوع في الصيغ بين الأناجيل، فعلى سبيل المثال نجد أن الصوت الذي جاء من السماء عند عماد المسيح غير متطابق في منطوقه بين البشيرين وبالمثل العبارة التي وضعت على صليب المسيح، مما فكرة الإملاء الآلي،

الأناجيل المتشابهة وإنجيل يوحنا

ومما يعزز فكرة وجود مصدر مكتوب كأساس للأناجيل المتشابهة هو مقارنة هذه الأناجيل مع إنجيل يوحنا،

يمكن للقارئ لهذه المعجزة باللغة العربية من الأناجيل الأربعة أن يكتشف بسهولة تفرّد إنجيل يوحنا عن باقي الأناجيل،

ومن هنا ظهرت إشكالية الأناجيل المتشابهة وهي محاولة معرفة مصادر الأناجيل الثلاثة وأي منها اعتمد على الآخر.

المقاطع المشتركة بين الأناجيل المتشابهة

إنجيل مرقس يتكون من ٦٧٧ أية يشترك بأكمله مع إنجيلي متى ولوقا فيما عدا ٣٠ أية فقط يتفرد بهما!

مصادر الأناجيل المتشابهة

ولحل إشكالية الأناجيل المتشابهة ظهرت مجموعة من النظريات خاصة بأصل الأناجيل ومصدرها خاصة مع وجود بعض الروايات عما يُسمّى أقوال يسوع (Logia) التي يتحدث عنها بابياس أسقف هيرابوليس (حوالي عام ١٤٠) ووصلت لنا عن طريق يوسابيوس القيصري في تاريخه، كذلك توجد روايات أخرى عن النسخة الآرامية لإنجيل متى سابقة عن النسخة اليونانية المتداولة الآن.

قدمية إنجيل مرقس

يوجد اتفاق عام الآن في أن إنجيل مرقس هو أقدم الأناجيل، وهذا الاتفاق في الوسط العلمي وأيضا بين الدارسين في الكنيسة القبطية، فلماذا؟

أن مسألة قدمية إنجيل مرقس لم تأتي بشهادة من التاريخ أو التقليد بل على العكس كان الرأي الغالب عند آباء الكنيسة هو أن إنجيل مرقس أخر ما كُتب من الأناجيل الثلاثة المتشابهة، إذ أعتبر أنه عبارة عن ملخص للإنجيلين الآخرين متى ولوقا، ومما هو جدير بالذكر أن هذا الرأي ربما يكون السبب الذي جعل أباء الكنيسة يهتموا في وضع تفاسير لإنجيلي متى ولوقا (مع إنجيل يوحنا بالطبع) دون الاهتمام بتفسير إنجيل مرقس،

لا يمكن أن يكون إنجيل مرقس ملخص للإنجيلين الأخريين وكتب بعدهما ويتجاهل أحداث مهمة ذكرت في هذين الإنجيلين مثل:

أحداث الميلاد – أمثال المسيح الرائعة – تعاليم مهمة للسيد مثل العظة على الجبل وغيرها من تعاليم كالصلاة الربانية.

أن متى ولوقا عندما يذكرا ما هو مدون عند مرقس فهما يتفقان معه تماماً في الترتيب الزمني للأحداث والتعاليم التي يرويها ولكن عندما يذكرا شيئا غير مدون فيه، فكل منهما أي) متى ولوقا) يتبع تقليدًا أخرًا مختلفًا تمامًا عن الأخر (مثل حادثة الميلاد، فمتي يتحدث عن المجوس بينما لوقا عن الرعاة الخ)، مما يؤكد أن كل منهما اطلع على إنجيل مرقس وأتبعه. ولكن عندما يذكر أي منهما شيئًا يغيب عن إنجيل مرقس فكل منهما له مصدر أخر لم يطلع عليه الآخر، أي أن إنجيلي متى ولوقا كتبا كل منهما بشكل منفرد ولكن كل منهما كان معه نسخة إنجيل مرقس.

هكذا فيمكننا القول بأن نسختي إنجيل متى ولوقا هما نسختان منقحتان ومزيدتان عن إنجيل مرقس النسخة أو الإصدار الأول من الإنجيل، ولكن بكل تأكيد فأن متى ولوقا قاما بصياغة عمليهما بأسلوب وشكل جديد مما جعل لكل إنجيل منها شخصيته المستقلة عن إنجيل مرقس بحيث يظهر جلياً أن لكل إنجيل مميزاته وأهدافه الخاصة المميزة عن أي إنجيل أخر.

المصدر Q

غير أن النظرية السابقة لقدمية إنجيل مرقس وكونه مصدرًا للإنجيلين الأخريين، تواجه إشكالية وهي أنه يوجد قاسم مشترك بين متى ولوقا متشابه وليس له وجود بمرقس، وهذا القاسم بخلاف ما ذكرنها من روايات اتبع كل منها تقليدًا خاصًا به مثل أحداث الميلاد)

وقد لاحظ الباحثون أن هذا القاسم المشترك أغلبه عبارة عن تعاليم وأقوال المسيح، الأمر الذي دفع العلماء لافتراض مصدر أخر قديم بخلاف إنجيل مرقس، كان في حوزة كل من متي ولوقا، وقد أطلق على هذا المصدر اسم Q وذلك لأن كلمة “مصدر” باللغة الألمانية Quelle تبدأ بهذا الحرف”. ومما يعزز فكرة العلماء هذه هو الرواية المتواترة عن بابياس أسقف هيرابوليس من أنه كان هناك كتاب يدعى الأقوال يضم تعاليم السيد المسيح.

الخلاصة هي أن العلماء افترضوا وجود مصدرين أساسيين لإنجيلي متي ولوقا هما إنجيل مرقس و مصدر أخر مجهول، ربما هو كتاب الأقوال الذي تحدث عنه بابياس أو النسخة الآرامية لإنجيل متى، ولكن أغلب الباحثين ينظروا للمصدر Q على أنه مصدرًا كان مكتوبا باليونانية هذا بخلاف المصادر الخاصة بمتي ولوقا كل منهما علي حدي. وبذلك تعرف هذه الفرضية بنظرية المصدرين مرقس) و (Q) أو الأربعة مصادر بإضافة المصادر الخاصة بمتي M والمصادر الخاصة بلوقا L (مرقس و Q و M وL).

وبالطبع فتوجد فرضيات أخرى كثيرة لتفسير العلاقة بين الثلاثة أناجيل المتناظرة، ولكن هذه النظرية هي الأكثر قبولاً الآن في الوسط العلمي.

وأخيرًا فأنه غني عن البيان أن تلك النظريات لا تؤثر في مفهومنا للوحي المقدس، حيث أكدنا في السابق أن الوحي لم يمنع كتبة الأسفار من بذل الجهد في الحصول على المعلومات التي كتبوها، كما يؤكد ذلك لوقا في مقدمة إنجيله، كما أن العبرة ليست بالمصادر، إنما بالمنتج النهائي الذي قدمه كل بشير إذ نرى أن كل منهم قدم لنا منتجا متميزًا عن الأخرين.

طبيعة الأناجيل

توجد إشكاليتان تتعلقان بالأناجيل وهما أن لم يقم السيد المسيح بكتابة أي إنجيل بنفسه، ثانيا أنه توجد أربعة كتب للإنجيل وليس كتاب وحيد.

لماذا لم يكتب الرب يسوع الإنجيل بنفسه؟

فيما يخص السؤال الأول فأنه يجب التأكيد أن المسيح ليس نبيًا أو رسولاً مهمته نقل رسالة إلهية أو نبوة حتي يدون لنا كتابا إنما شخص المسيح نفسه كان الرسالة، فالمسيح في حد ذاته هو هدف الإيمان المسيحي وهو أمر يختلف عن أي ديانة أخري، لذلك كان يجب أن يوجد من هم جديرون بأن يدونوا لنا كتبا تحدثنا عن شخص المسيح وتوضح لنا هويته، كما فعل الإنجيليون الأربعة.

لماذا الإنجيل مدون في أربعة كتب؟

شخص المسيح واحد هذا صحيح ولكن المتلقي أو القارئ ليس شخصا واحدًا بل شعوب كثيرة بثقافات متعددة، لذلك كان يجب أن يكتب الإنجيل بطرقة متعددة تناسب ثقافات متعددة للبشر كاليهود، والأمميين، والرومان.

نقطة أخرى مهمة يمكننا أن نجيب بها على هذين التساؤلين، وهي أن الإنجيل – كما قلنا – شهادة عن شخص المسيح، ومن ثم، فمن المحال أن يكون شخص الرب يسوع هو الشاهد عن ذاته بل تلاميذه، كما أن تنوع هذه الشهادة بواسطة أربعة هو لتأكيد وتوضيح تلك الشهادة.

نقطة أخرى جديرة بالملاحظة هو أنه لا يوجد أي إنجيل كُتب كي يقرأ إنجيلاً أخر بجواره، فكل إنجيل كتب ككتاب مستقل وكافي بمفرده، (ويمكن أن يستثني من ذلك إنجيل يوحنا كما يرى كليمندس الإسكندري)، وذلك على الرغم أن الأناجيل اعتمدت على بعضها عند كتابتها كما سبق وأكدنا.

الحمد لله رب العالمين

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

اكتشاف المزيد من مدونة التاعب

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading