القائمة إغلاق

خُلاصة كتاب: من أنا؟ محمد البشير الإبراهيمي – سيرته يقلمه

بسم الله الرحمن الرحيم

خُلاصة كتاب:

من أنا؟ محمد البشير الإِبْرَاهِيمِيُّ سيرته يقلمه

تَحقيقُ: الدكتور رابح بن خوية

تحميل الخُلاصة: [DOC] [PDF]

ولم يتسع وقتي للتأليف والكتابة مع هذه الجهود التي تأْكُلُ الأَعمَارَ أكْل، ولكنّني أتسلّى بأنّني ألفْتُ للشعب رجالًا، وَعَمِلْتُ لتحرير عُقولِهِ تمهيدًا لتحريرِ أجساده، وَصَحْحْتُ لَهُ دِينَه ولُغَتَهُ، فَأَصْبحَ مُسلما عَربيا، وصَحْحْتُ لَهُ مَوازِينَ إدراكِهِ، فَأَصْبَحَ إنسانًا أبيا، وحَسْبِي هَذا مقربًا مِنْ رِضَى الرَّبِ ورِضَى الشَّعْب.

مقدمة: سيرة الشيخ محمد الإبراهيمي

إن آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي بوصفها مرجعا تاريخيا ومستندا سيريا عظيم الفائدة كثير الغناء تتوفر على قيم تاريخية كبيرة وأدبية نادرة، وهي بقدر ما ـعبر عن مسيرة رجل مصلح عظيم وسيرة عالم مهم، فهي بصدق وافر عن تاريخ جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ونضالاتها في سبيل تحرير العقول والأبدان وتعبر عن تاريخ الجزائر في مرحلة دقيقة من مراحلها في العصر الحديث.

أحمد طالب الإبراهيمي: آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط1، 1997. وهي خمسة أجزاء، تبدأ بسنة 1929م، تتوقف عند سنة 1964.

لم يكن من غرضه، غير أنه خط بقلمه سيرة ذاتية موجزة صغيرة الحجم، وردت في ثلاث نسخ مختلفات تبعا للمواقف والأسباب والبواعث التي دعت إلى كتابتها واقتضت تقديمها سواء أكان ذلك في مجالس علمية أم في لقاءات صحافية.

فأشهر سيرة ذاتية وجيزة للإبراهيمي وهي بتخطيط قلمه وبتعبير لسانه، تلك التي كتبها وأرسل بها إلى مجلة (المصوّر) المصرية خلال حوار مع المجلة، ونشرت سنة 1955م وهي ذاتها النسخة الواردة، أيضا، في الجزء الخامس من الآثار وتمتد من الصفحة (163) إلى الصفحة (170)، ووسمها بـ (من أنا؟).

يحدثنا الإبراهيمي في سيرته (من أنا؟) فتدهشنا التجربة المتميّزة وتذهلنا الشخصية المتفردة، ويفتح لنا نافذة إلى آفاقه الرّحبة السّامية، لنتطلع إليها بإعجاب وإكبار لهذا الفتى… ولهذا الشاب… ولهذا الكهل… ولهذا الشيخ العلامة الداعية… العالم العامل… المجاهد المصلح المربي.. الناقد الأديب.. نادرة عصره ونسيج وحده.

وليت الشباب الذي تمثله الإبراهيمي بالقول:

أتمثله واسع الوجود، لا تقف أمامه الحدود، يرى كل أخا له، أخوة الدم، وكلَّ مسلم أخا له، أخوة الدين، وكل بشر أخا له أخوة الإنسانية، ثم يُعطي لكل أخوة حقها فضلا أو عدلا.

السيرة 1 من أنا؟

أنا محمد البشير بن محمد السعدي بن عمر بن محمد السعدي بن عبد الله بن عمر الإبراهيمي نسبة إلى قبيلة عربية ذات أفخاذ وبطون تعرف بـ أولاد أبراهم، وهي إحدى قبائل سبع متجاورة في سفوح الأطلس الأكبر الشمالية المتصلة بقمم جبال أوراس من الجهة الغربية، وكل ذلك واقع في مقاطعة قسنطينة من القطر الجزائري، وتجتمع قبيلتنا مع هذه القبائل السبع في يحيي بن مساهل ني النسب الشريف المتواتر بالسماع الفاشي، والثابت عند أئمة النسابين أمثال الإمام عبد الرحمن الصباغ البجاوي صاحب كتاب الفصول المهمة، ويقع في عمود نسبنا خمسة من العلماء الأجلاء، عاشوا في ما بين المائة التاسعة والمائة الثالثة عشرة للهجرة، وكلهم كتب هذا النّسب وأثبته بالأدلة التاريخية الممكنة، وآخرهم جدي الأدنى الشيخ عمر الإبراهيمي وله فيه كتاب قرأته وأنا صغير.

ومهما يكن من أمر هذا الشرف النسبي الذي ورثت عدم الاهتمام به من عمّي الذي ربّاني وعلمني، فمما لا شك فيه أن نسبنا عربي صميم،

مَوْلِدِي:

ولدت عند طلوع الشمس من يوم الخميس في الرابع عشر من شهر شوال سنة ست وثلاثمائة وألف 1306 هجرية، الموافق للثالث عشر جوان سنة 1889 ميلادية

نشأتي وتعلُّمي:

نشأت على ما نشأ عليه أبناء البيوتات العلمية الريفية من طرائق الحياة، وهي تقوم دائما على البساطة في المعيشة والطَّهارة في السلوك والمتانة في الأخلاق والاعتدال في الصّحة البدنية، كلّ ذلك لبعد أريافنا في ذلك العهد عن الحضارة الجليبة ومواقعها من المدن فلما بلغت التاسعة أصيبت رجلي اليسرى بمرض، وكان للإهمال والبعد عن التطبيب المنظم أثر كبير في إصابتي بعاهة العرج في رجلي، وقد أنساني ألمها والحزن عليها ما كنت منكبا عليه من التهام كتب كاملة بالحفظ، فكان لي في ذلك أعظم سلوى عن تلك العاهة، وفي ما عدا تلك العاهة فأنا مدين لتربيتي الرّيفيّة في كلّ ما أتمتع به إلى الآن من قوى بدنية وفكرية وخلقية.

قام على تربيتي وتعليمي من يوم درجت عمي شقيق والدي الأصغر الشيح محمد المكي الإبراهيمي عالم إقليمنا المعروف بوطن “ريغة” وفريد عصره في إتقان علوم اللسان العربي، … ويقوم عالم الأسرة أو علماؤها بتعليمهم دروسا منظمة على ساعات اليوم، لكتب غالبها مما يدرّس في الأزهر إلى عهد قريب وإلى الآن،

تَعلُّمي:

لم أفارق في تعلمي بيت أسرتي، فهي مدرستي الّتي تعلّمت فيها وعلمت أخذني عمي بالتربية والتعليم منذ أكملت السنة الثالثة، وكنت ملازما له حتى في النوم والطَّعام، فكان لا يخليني دقيقة واحدة من فائدة علمية، وكانت له طريقة عجيبة في تنويع المواضيع والمحفوظات حتى لا أمل واختصصت بذاكرة وحافظة خارقتين للعادة، وعرف رحمة الله عليه كيف يصرفهما في، فحفظت القرآن حفظا متقنا في آخر الثامنة من عمري، وحفظت معه وأنا في تلك السِّن، نتيجة للتنويع الذي ذكرته ألفية ابن مالك وتلخيص المفتاح، وما بلغت العاشرة حتى كنت أحفظ ألفيتي العراقي في الأثر والسير، ونظم الدول لابن الخطيب ومعظم رسائله المجموعة في كتابه ريحانة الكتاب، ومعظم رسائل فحول كتاب الأندلس کابن شهيد وابن أبي الخصال وأبي المطرف ابن أبي عميرة، ومعظم رسائل فحول كتاب المشرق كالصابي والبديع، مع حفظ المعلقات والمفضليات وشعر المتنبي كله وكثير من شعر الرضي وابن الرومي وأبي تمام والبحتري وأبي نواس كما استظهرت كثيرا من شعر الثلاثة جرير والأخطل والفرزدق، وحفظت كثيرا من كتب اللغة كاملة كالإصلاح والفصيح ومن كتب الأدب كالكامل والبيان وأدب الكاتب، ولقد حفظت وأنا في تلك السن أسماء الرّجال الّذين ترجم لهم نفح الطيب وأخبارهم وكثيرا من أشعارهم،

مات عمّي سنة 1903 ولي من العمر أربع عشرة سنة، ولقد ختمت عليه دراسة بعض الكتب وهو على فراش المرض الذي مات فيه، وأجازني الإجازة المعروفة عامة وأمرني بأن أخلفه في التدريس لزملائي الطلبة الذين كان حريصا على نفعهم، ففعلت ووفق الله وأمدتني تلك الحافظة العجيبة بمستودعاتها، فتصدرت دون سن التصدّر، وأرادت لي الأقدار أن أكون شيخا في سن الصبا، وما أشرفت على الشباب حتى أصبت بشر آفة يصاب بها مثلي وهي آفة الغرور والإعجاب بالنفس،

رحلتي إلى الشرق:

رحلتُ من الجزائر إلى الحجاز سنة 1911 وعُمري إحدى وعشرون سنةً ملتحقا بوالدي الذي اتخذ المدينة قرارا له وأمرني بالالتحاق به فمررت على القاهرة وأقمت بها ثلاثة أشهر، طُفْتُ بها بحلق الدروس في الأزهر، وزرت شوقي الذي كنت راوية لشعره، وحافظ إبراهيم في مقهى من مقاهي القاهرة، والشيخ رشيد رضا في دار الدعوة والإرشاد وجماعة من علماء الأزهر، ثم ألقيت الرّحال بالمدينة حيث استقرّ والدي، وعكفت على القراءة والإقراء، فكنت ألقي عدة دروس متطوعا وأتلقى دروسا في التفسير والحديث، وأعانتني تلك الحافظة على استيعاب أسماء الرجال وحفظ كتب كاملة في الحديث، وكنت أغشى ثلاث مكتبات جامعة غنية بعشرات الآلاف من المخطوطات النادرة: مكتبة شيخ الإسلام ومكتبة السلطان محمود ومكتبة شيخنا الشيخ الوزير التونسي مع مكتبات أخرى شخصيّة، فبلغت منها غايتي حفظا واطلاعا ملة خمس سنوات وشهور.

انتقالي إلى بِمَشِق:

كنت أنا ووالدي من المرحلين من المدينة إلى السّام في النصف الأخير من سنة 1916، فاستقررت بدمشق في حالة يرثى لها،

فأصبحت بذلك أستاذا للآداب العربية و تاريخ اللغة وأطوارها وفلسفتها بالمدرسة السلطانية الأولى، واطمأنت بي الدار إذ وقعت على وظيفتي الطبيعية، وتخرّج على يدي في ظرف سنة واحدة جماعة من الصفوف الأولى هم اليوم في طليعة الصفوف العاملة في حقل العروبة.

رُجُوعي إلى الجزائر:

ثم اضطربت أحوال سوريا في النصف الأخير من 1919 وتبين لي مصير فيصل ومصير سوريا فقلبت الرّأي على وجوهه وعواقبه، وجاءتني من الجزائر أخبار متواترة تفيد أن الجو فيها أصبح صلحا للعمل المثمر في العلم وفي السياسة، فعقدت العزم على الرجوع إلى الجزائر،

رجعت إلى الجزائر في أوائل سنة 1920 على نية القيام بعمل علمي عام يعقبه عمل سياسي، … فاتفقت أنا وجماعة من إخواني العلماء الأحرار على أن نبتدئ بإكمال الاستعداد في الأمة وقررنا الوسائل المؤدية إلى ذلك، وكان الجهد شاقا والنتائج بطيئة، ولكننا صبرنا عشر سنوات مع مواصلة ذلك الجهد الشاق، وجاءت سنة 1930 حدا فاصلا بين الماضي والحاضر، ففيها تم للاحتلال الفرنسي من العمر مائة سنة، وأقامت فرنسا المهرجانات ابتهاجا بذلك، وسخطت الأمة العربية الإسلاميّة على ذلك، ورأت في بعض مواد المهرجان إهانة سافرة لها وامتهانًا لِمَجْدِهَا وجرحًا لكرامتها وافتراء على تاريخها واستغللنا نحن ذلك كله في إثارة نخوتها وإيقاظ إحساسها وإكمال استعدادها للعمل، وفشلت تلك المهرجانات بأعمالنا وبعوامل أخرى خارجية، وخسرت فرنسا آمالها المرجوة منها كما خسرت الأموال الطائلة التي أنفقتها عليها.

تأسيس جَمْعِيّة العُلَمَاءِ الجزائريين:

تأسست جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في سنة 1981، وكانت عوامل تكوينها طبيعية بسيطة عن قصد، لنلا تثير من الاهتمام ما يدعو إلى مقاومتها قبل أن يستوي على سوقها فتكون الضربة القاضية عليها، ولو مضي عليها إذ ذاك لما استطعنا تجديدها في عشرات السنين، وعشنا في ظلّ تلك البساطة سنة ثبتنا فيها قواعد العمل، واتّصلنا بطبقات الأمة ووثقنا فيها العلائق بها، وما جاءت السنة الثالثة حتى بدأت الأيدي المُتدسِّسة تعمل عملها ولكنها لم تؤثر شيئا لأن مبادئ الجمعية تغلغلت في ذلك الزمن القصير إلى مستقر العقيلة من نفوس من كمل استعدادهم من الأمة.

عملي في الجمعية:

وإنّما أنا معتز بالثّقة التي أولانيها إخواني من تكونت هذه الجمعيّة، فلم أزل وكيلها من يومئذ نائبا عن الرئيس الإمام عبد الحميد بن باديس باني نهضة الجزائر بجميع فروعها، وكنت أقوم عليه بكثير من الأعمال إلى أن توفاه الله في السادس عشر أبريل 1940، وأنا في الاعتقال فانتخبني إخواني رئيسا للجمعية، وما زلت متشرّفا بهذه الرّئاسة إلى الآن، وكان من أعمالي بعد خروجي من الاعتقال ثلاث سنوات أن أسست في سنة و بعض السنة نحو سبعين مدرسة عربية حرة متفرقة في جهات القطر بمال الأمة، وقد وصل عدد المدارس الابتدائية الحرّة الّتي أسستها الجمعية بسعيي وإشرافي و بمال الأمة الخالص نحو مائة وخمسين مدرسة منها الضخم الفخم ومنها دون ذلك، وتحتوي هذه المدارس على نحو خمسين ألف تلميذ وعلى نحو أربعمائة معلم، يتوجها معهد ثانوي فخم يأوي نحو ألف تلميذ، وهو بجميع مرافقه ملك للأمة.

مَوقِفُ الاسْتِعْمَارِ منّي:

يقبح بالمجاهد أن يذكر للناس ما أصابه في سبيل الله من بلاء،

لا أذكر الملاحقات الجزئية والمضايقات فتلك طبيعة الاستعمار مع كل عامل على غير هواه، وإنما أذكر الكليات الكبرى، فقد أصدرت الحكومة الفرنسية أمرا باعتقالي في أوائل الحرب العالمية الثانية بدعوى أن وجودي خطر على الأمن العام،

ثم بدا للاستعمار فأطلق سبيل الجميع باسم العفو العام لا باسم الرجوع إلى الحق.

رجعت إلى عملي من تعمير المدارس القديمة وتأسيس مدارس جديدة، حتى بلغت العدد الذي ذكرناه، ونجحت في إحياء اللغة العربية نجاحاً مُنقطع النظير.

رُجُوعِي إِلَى الشرق:

الغرض من هذه الرحلات أمران رئيسيان: الأول مشاركة دعاة الخير في هذا الشرق في ما يدعون إليه، وأنا أرى أن هذا فرض عليّ يجب أن أؤديه، والثاني التعريف بالجزائر المنسيّة من أخواتها ودعوة الحكومات الإسلامية والعربية على الخصوص إلى إعانتها في نهضتها الثقافية.

فالناس يظنون أنّني أتقاضى مرتبا من الحكومة السعودية أو من غيرها من الحكومات العربية. وليس لهذه الظنون حقيقة ولا ظلّ من الحقيقة، … الواقع يا سيدي السائل أنّني أعيش بالدِّين (بفتح الدال)، ولي في خلاص هذا الدين طريقة وهي قضاء الدين بالدين،

السيرة 2 خلاصةُ تَارِيخ حَيَاتِي العِلْمِيةِ والعَمَلِيةِ

إلى الفترة التي تبدأ بالاحتلال التركي وكان أئمة العلم لا يعتمدون في تخرجهم على الشهادات الرّسميّة، وإنما كانوا يعتمدون على الإجازات من مشايخهم الذين يأخذون عنهم.

فلما بلغت سبع سنين استلمني عمي من معلمي القرآن وتولى تربيتي وتعليمي بنفسه، فكنت لا أفارقه لحظة حتى في ساعات النوم، فكان هو الذي يأمرني بالنوم الّذي يوقظني منه على نظام مطّرد في النوم والأكل والدّراسة، وكان لا يخليني من تلقين حتى حين أخرج معه وأماشيه للفسحة، فحفظت فنون العلم المهمة في ذلك السن مع استمراري في حفظ القرآن، فما بلغت تسع سنين من عمري حتى كنت أحفظ القرآن مع فهم مفرداته وغريبه.

ولم يكن شيء من ذلك يرهقني، لأنّ الله تعالى وهبني حافظة خارقة للعادة، وقريحة نيّرة، وذهنا صيودًا للمعاني ولو كانت بعيلة، ولما بلغت أربع عشرة سنة، مرض عمي مرض الموت، فكان لا يخليني من تلقين وإفادة وهو على فراش الموت، بحيث أنّي ختمت الفصول الأخيرة من ألفية ابن مالك عليه وهو على تلك الحالة.

ولما مات عمي شرعت في تدريس العلوم التي درستها عليه، وأجازني بتدريسها، وعمري أربع عشرة سنة، لطلبته الذين كانوا زملائي في الدّراسة عليه، وانثال على طلبة العلم من البلدان القريبة منّا، والتزم والدي بإطعامهم والقيام عليهم كالعادة في حياة عمي،

فتاقت نفسي إلى الهجرة إلى الشرق، واخترت المدينة المنوّرة لأنّ والدي سبقني إليها سنة 1908 فرارًا من ظلم ،فرنسا فالتحقت به متخفيا أواخر سنة 1911 كما خرج هو متخفيا،

وطفت بحلق العلم في الحرم النبوي مختبرا، فلم يرق لي شيء منها، وإنّما غثاء يلقيه رهط ليس له من العلم والتحقيق شيء ولم أجد علما صحيحا إلا عند رجلين هما شيخاي: الشيخ العزيز الوزير التونسي، والشيخ حسين أحمد الفيض أبادي الهندي، فهما – والحق يقال – عالمان محققان واسعا أفق الإدراك في علوم الحديث وفقه السنة.

وأشهد أنّي لم أَرَ لهذين الشيخين نظيراً من علماء الإسلام إلى الآن.

ولكنّني لم أرَ مثل الشيخين في فصاحة التعبير ودقة الملاحظة والغوص على المعاني واستنارة الفكر والتوضيح للغوامض والتقريب للمعاني القصيّة. ولقد كنت لكثرة مطالعتي لكتب التراجم والطبقات قد كوّنت صورة للعالم المبرز في العلوم الإسلامية منتزعة مما يصف به كتاب التراجم بعض مترجميهم، وكنت أعتقد أنّ تلك الصورة الذهنية لم تتحقق في الوجود الخارجي منذ، أزمان ولكنني وجدتها محققة في هذين العالمين الجليلين.

وقد مات الشيخ الوزير بالمدينة في أعقاب الحرب العالمية الأولى، أما الشيخ حسين أحمد فقد سلمه الشريف حسين بن على إلى الإنجليز فى أواخر ثورته المشؤومة،

وبالجملة فقد كانت إقامتي بالمدينة المنورة أيام خير وبركة علي، فكنت أنفق أوقاتي الزائدة في إلقاء دروس في العلوم التي لا أحتاج فيها إلى مزيد كالنحو والصرف والعقائد والأدب وكنت أتردّد على المكتبات الجامعة،

ثمّ بعد خروج الأتراك من دمشق وقيام حكومة الاستقلال العربي دعتني الحكومة الجديدة إلى تدريس الآداب العربية بالمدرسة السلطانية (وهي المدرسة الثَّانويّة الوحيدة إذ ذاك مشاركًا للأستاذ اللغوي الشيخ عبد القادر المبارك.

وقد تخرّج عنّي جماعة من الطلبة هم اليوم عماد الأدب العربي في سوريا منهم الدكتور جميل صليبا، والدكتور أديب الروماني، والدكتور المحايري، والدكتور عدنان الأتاسي.

كان من تدابير الأقدار الإلهية للجزائر، ومن محبات الغيوب لها أن يرد علي بعد استقراري في المدينة المنورة سنة وبضعة أشهر أخي ورفيقي في الجهاد بعد ذلك، الشيخ عبد الحميد بن باديس، أعلم علماء الشمال الإفريقي ولا أغالي وباني النهضات العلمية والأدبية والاجتماعيّة والسّياسيّة للجزائر.

كنا نؤدّي فريضة العشاء الأخيرة كل ليلة في المسجد النبوي، ونخرج إلى منزلي، فنسمر مع الشيخ ابن باديس، منفردين إلى آخر الليل حين يفتح المسجد فندخل مع أوّل داخل لصلاة الصبح، ثمّ نفترق إلى الليلة الثانية، إلى نهاية ثلاثة الأشهر التي أقامها بالمدينة المنورة.

كانت هذه الأسمار المتواصلة كلّها تدبيرا للوسائل التي تنهض بها الجزائر، ووضع البرامج المفصلة لتلك النّهضات الشاملة التي كانت كلها صورًا ذهنيّة تتراءى في مخيلتينا، وصحبها من حسن النية وتوفيق الله ما حققها في الخارج بعد بضع عشرة سنة، وأشهد الله على أن تلك الليالي من سنة 1913 ميلادية هي التي وضعت فيها الأسس الأولى لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي لم تبرز للوجود إلا في سنة 1931.

واشتعلت الحرب العالمية الأولى وهو في مبدء الطريق، فاعتصم فكفاه شرّ الاستعمار وكان له من وجود والله درع وقاية من بطش فرنسا التي لا تصبر على أقل من هذه الحركات، وكان لوالده مقام محترم عند حكومة الجزائر، فسكتت عن الابن احترامًا لشخصية الوالد،

ورأيت بعيني النتائج التي حصل عليها أبناء الشعب الجزائري في بضع سنوات من تعليم ابن باديس واعتقدت من ذلك اليوم أنّ هذه الحركة العلمية المباركة لها ما بعدها، وأنّ هذه الخطوة المسلّحة التي خطاها ابن باديس هي حجر الأساس في نهضة عربيّة في الجزائر، وأنّ هذه المجموعة من التلاميذ الّتي تناهز الألف هي الكتيبة الأولى من جند الجزائر.

ولمست بيدي آثار الإخلاص في أعمال الرجال، ورأيت شبانا ممن تخرجوا على يد هذا الرجل وقد أصبحوا ينظمون الشعر العربي بلغة فصيحة وتركيب عربي حر، ومعان بليغة وموضوعات منتزعة من صميم حياة الأمة،

ثمّ لما تم استعداد الجمهور الذي هزّته صيحاتي إلى العلم، أسست مدرسة صغيرة لتنشئة طائفة من الشبان نشأة خاصة وتمرينهم على الخطابة والكتابة وقيادة الجماهير بعد تزويدهم بالغذاء الضروري من العلم.

وكانت أعمالي هذه في التعليم الذي وقفت عنايتي عليه فاترة أحيانًا لخوفي من مكائد الحكومة الاستعمارية، إذ ليس لي سند آوى إليه كما لأخي ابن باديس، وكانت حركاتي منذ حللت بأرض الوطن مثار ريب عند الحكومة ومنبع شكوك حتى صلاتي وخطبي الجمعية، فكنت أتغطى لها بألوان من المخادعة حتى أنّي تظاهرت لها عدة سنين بتعاطي التجارة وغشيان الأسواق لإطعام من أعولهم من أفراد أسرتي ولكنّها لم تنخدع ولم تطمئن إلى حركتي، فكان بوليسها يلاحقني بالتقارير ويضيّق الخناق على كل من يزورني من تونس أو الحجاز، كل هذا وأنا لم أنقطع عن الدروس لطلاب العلم بالليل.

في هذه الفترة ما بين سنتي 1920 و 1930 كانت الصلة بيني وبين ابن باديس قوية وكنا نتلاقى في كل أسبوعين أو كلّ شهر على الأكثر، يزورني في بلدي (سطيف) أو أزوره في قسنطينة فنزن أعمالنا بالقسط ونزن آثارها في الشعب بالعدل ونبني على ذلك أمرنا، ونضع على الورق برامجنا للمستقبل بميزان لا يختل أبدًا، وكنا نقرأ للحوادث والمفاجآت حسابها فكانت هذه السنوات العشر كلّها إرهاصات لتأسيس جمعية العلماء الجزائريين.

كملت لنا على هذه الحالة عشر سنوات كانت كلها إعدادًا وتهيئة للحدث الأعظم وهو إخراج جمعية العلماء من حيّز القول إلى حيّز الفعل، وأصبح لنا جيش من التلامذة يحمل فكرتنا وعقيدتنا مسلّح بالخطباء والكتاب والشعراء، يلتفّ به مئات الآلاف من أنصار الفكرة وحملة العقيلة يجمعهم كلهم إيمان واحد وفكرة واحدة، وحماس متأجج، وغضب حاد على الاستعمار.

كانت الطّريقة التي اتفقنا عليها أنا وابن باديس في اجتماعنا بالمدينة في تربية النشء هي: الا نتوسع له في العلم، وإنّما نربيه على فكرة صحيحة ولو مع علم قليل، فتمّت لنا هذه التجربة في الجيش الذي أعددناه من تلامذتنا.

كانت سنة 1930 هي السنة التي تم بتمامها قرن كامل على احتلال فرنسا للجزائر فاحتفلت بتلك المناسبة احتفالا قدرت له ستة أشهر ببرنامج حافل مملوء بالمهرجانات ودعت إليه الدنيا كلها، فاستطعنا بدعايتنا السرية أن نفسد عليها كثيرًا من برامجها، فلم تدم الاحتفالات إلا شهرين واستطعنا بدعايتنا العلنية أن نجمع الشعب الجزائري حولنا ونلفت أنظاره إلينا.

فأعلنا تأسيس الجمعية في شهر مايو سنة 1931 بعد أن أحضرنا لها قانونا أساسيًا مختصرًا من وضعي أدرته على قواعد من العلم والدين لا تثير شكا ولا تخيف وكانت الحكومة الفرنسية في ذلك الوقت تستهين بأعمال العالم المسلم، وتعتقد أننا لا نضطلع بالأعمال العظيمة فخيبنا ظنّها والحمد لله.

لأنّ أولئك الفقهاء كانوا يخافوننا لما سبق لنا من الحملات الصادقة على جمودهم، ووصفنا إياهم بأنّهم بلاء على الأمة وعلى الدين لسكوتهم على المنكرات الدّينيّة، وبأنّهم مطايا للاستعمار، يذل الأمة ويستبعدها باسمهم فاستجابوا جميعا للدعوة، واجتمعوا في يومها المقرّر.

وأصبحت الجمعية حقيقة واقعة قانونية… وجاء دور العمل.

هذه المرحلة من حياتي هي مناط فخري وتاج أعمالي العلميّة والاجتماعية والأفق المشرق من حياتي. وهذه هي المرحلة التي عملت فيها لديني ولغتي ووطني أعمالا أرجو أن تكون بمقربة من رضى الله، وهذه هي المواقف التي أشعر فيها كلّما وقفت أردّ ضلالات المبتدعة في الدين، أو أكاذيب الاستعمار، أشعر كأن كلامي امتزج بزجل الملائكة بتسبيح الله.

وكان يحضر الجلسات طائفة كبيرة من المحامين والصحافيين العرب المثقفين بالفرنسيّة، فأعلنوا في نهاية عرض اللائحة إيمانهم بأنّ العربية أوسع اللغات، وأنّها أصلح لغة لصوغ القوانين ومرافعات المحاميين، وكأنّما دخلوا في الإسلام من ذلك اليوم، وخطب الرئيس عند تمام مناقشة اللائحة وإقرارها بالإجماع خطبة مؤثرة أطراني فيها بما أبكاني من الخجل وكان مما قال عجبت لشعب أنجب مثل فلان أن يضلّ في دين أو يخزى في دنيا، أو يذلّ لاستعمار ، ثم خاطبني بقوله: وَريَ بك زناد هذه الجمعية.

كان من نتائج الدراسات المتكررة للمجتمع الجزائري بيني وبين ابن باديس منذ اجتماعنا في المدينة المنورة، أنّ البلاء المنصب على هذا الشعب المسكين آت من جهتين متعاونتين عليه، وبعبارة أوضح من استعمارين مشتركين يمتصان دمه ويتعرقان لحمه ويفسدان عليه دينه ودنياه استعمار مادي وهو الاستعمار الفرنسي يعتمد على الحديد والنار، واستعمار روحاني يمثله مشائخ الطرق المؤثرون في الشعب والمتغلغلون في جميع أوساطه المتاجرون باسم الدين، المتعاونون مع الاستعمار عن رضى وطواعية، … ومظهرهما معًا تجهيل الأمة لئلا تفيق بالعلم فتسعى في الانفلات وتفقيرها لئلا تستعين بالمال على الثّورة.

فكان من سداد الرأي وإحكام التدبير بيني وبين ابن باديس أن تبدأ الجمعية بمحاربة هذا الاستعمار الثاني لأنه أهون، وكذلك فعلنا ووجد المجلس الإداري نظامًا محكما فاتبعه، لذلك كانت أعمال الجمعية متشعبة وكان الطريق أمام المجلس الإداري شاقًا ولكنه يرجع إلى الأصول الآتية:

1. تنظيم حملة جارفة على البدع والخرافات والضلال في الدين،

2. الشروع العاجل في التعليم العربي للصغار في ما تصل إليه أيدينا من الأماكن،

3. تجنيد المئات من تلامذتنا المتخرجين ودعوة الشبان المتخرجين من جامع الزيتونة للعمل في تعليم أبناء الشعب.

4. العمل على تعميم التعليم العربي للشبان على النمط الذي بدأ به ابن باديس.

5. مطالبة الحكومة برفع يدها عن مساجدنا ومعاهدنا التي استولت عليها لنستخدمها في تعليم الأمة دينها، وتعليم أبنائها لغتهم.

6. مطالبة الحكومة بتسليم أوقاف الإسلام التي احتجزتها ووزّعتها على معمّريها، لتصرف في مصارفها التي وقفت عليها (وكانت من الكثرة بحيث تساوي ميزانية دولة متوسطة).

7. مطالبة الحكومة باستقلال القضاء الإسلامي في الأحوال الشخصية مبدئيا.

8. مطالبة الحكومة بعدم تدخلها في تعيين الموظفين الدينيين.

وفضحنا الاستعمار شرّ فضيحة، ومجموع المطالب في ظاهرها دينية، ولكنّها في معناها وفي نظر نصف الاستقلال.

وكشر الاستعمار عن أنيابه، فبدأ يمنعنا من إلقاء الدّروس في المساجد الواقعة في قبضته، وثارت نخوة الأمة فأنشأت بمالها بضعة وتسعين مسجدًا حراً في سنة واحدة في أمهات القرى.

أمّا الحكومة الاستعمارية فإنّنا بنينا أمرنا من أوّل خطوة على الاستخفاف بها وبقوانينها، وقد كنا نعلن في جرائدنا كل أسبوع بأنّ القوانين الظالمة لا تستحق الاحترام من الرّجال الأحرار، ونحن أحرار فلتفعل فرنسا ما شاءت، وكان هذا الكلام ومثله أنكى عليها من وقع السهام لأنّها لم تألف سماعه، وقد اطمأنّت إلى أنّ الشعب الجزائري قد مات كما صرّح بذلك أحد ساستها الكبار في خطبة ألقاها على ممثلي الأمم في المهرجان الذي أقامته في عيدها المئوي لاحتلال ،الجزائر، وكان مما قال: “لا تظنوا أنّ هذه المهرجانات من أجل بلوغنا مائة سنة في هذا الوطن، فقد أقام الرّومان قبلنا فيه ثلاثة قرون، ومع ذلك خرجوا منه، ألا فلتعلموا أنّ مغزى هذه المهرجانات هو تشييع جنازة الإسلام بهذه الديار“.

بقيت في المنفى ثلاث سنين تقريبا، ولما أطلق سراحي من المنفى أوّل سنة ثلاث وأربعين كانت فاتحة أعمالي تنشيط حركة إنشاء المدارس، فأنشأت في سنة واحدة ثلاثًا وسبعين مدرسة في مدن وقرى القطر كلّه، كلّها بأموال الأمة ،وأيديها واخترت لتصميمها مهندسًا عربيًا مسلمًا فجاءت كلها على طراز واحد لتشهد للأجيال القادمة أنها نتاج فكرة واحدة.

وتهافتت الأمة على بذل الأموال لتشييد المدارس حتى أربت على الأربعمائة مدرسة ولم أتخلّ بعد رئاستي للجمعية وخروجي من المنفى عن دروسي العلمية للطلبة وللعامة، ولما رأت فرنسا أنّ عقابها لي بالتغريب ثلاث سنوات لم يكف لكسر شوكتي، وأنني عدت من المنفى أمضى لسانًا وقلبًا وعزيمة مما كنت، وأن الحركة التي أقودها لم تزدد إلا اتساعًا ورسوخا، انتهزت فرصة نهاية الحرب وديرت للجزائر ثورة مفتعلة فقتلت من الشعب الجزائري المسلم ستين ألفًا، وساقت إلى المعتقلات سبعين ألفا معظمهم من أتباع جمعية العلماء، وألقت بي في السجن سنة إلا قليلا، ثم أخرجوني بدعوى صدور عفو عام عن مديري الثورة ومجرميها

ولما خرجت من السجن عدت إلى أعمالي أقوى عزيمة مما كنت وأصلب عودًا وأقوى عنادًا، وعادت المدارس التي عطلتها الحكومة زمن الحرب، وأحييت جميع الاجتماعات التي كانت معطلة بسبب الحرب، ومنها الاجتماع السنوي العام، وأحببت جريدة البصائر التي عطلناها من أوّل الحرب باختيارنا باتفاق بيني وبين ابن باديس لحكمة، وهي أننا لا نستطيع تحت القوانين الحربية أن نكتب ما نريد، ولا يرضى لنا ديننا، وهمتنا، وشرف العلم، وسمعة الجمعية في العالم أن نكتب حرفًا مما يراد مناء فحكمنا عليها بالتعطيل وقلنا: بيدي لا بيد عمرو، وحسنا فعلنا،

ولكن عون الله إذا صاحب امرأً خفَّت عليه الأثقال،

الاستعمار الذي من همه بث الفتن، وإغراء العداوة والبغضاء بين النّاس فكنت معطلا لتدبيراته في جميع الميادين.

ولما بلغ عدد المتخرجين من مدارسنا بالشهادة الابتدائية عشرات الآلاف وجدت نفسي أمام معضلة يتعسّر حلها، ذلك أنّ حاملي هذه الشهادة ذاقوا حلاوة العلم فطلبوا المزيد، وأرهقوني من أمري عسرا، والحوا علي أن أتقدّم بهم خطوة إلى الأمام، وحرام علي -على حدّ تعبيرهم أن أقف بهم دون غاياته، فكان واجبًا علي أن أخطو بهم إلى التعليم الثانوي، وأهبت بالأمة أن تعينني بقوّة أبلغ بها غرض أبنائها، فاستجابت فكان ذلك مشجعًا على إنشاء معهد ثانوي بمدينة قسنطينة نسبناه إلى إمام النّهضة ابن باديس تخليدا لذكره، واعترافا بفضله على الشعب، فاشترينا دارًا عظيمة واسعة من دور عظماء البلدة، وجعلنا منها معهدًا ثانويا، وهيأنا له من سنته الأساتذة والتلامذة والكتب والمال.

ثم اشترينا من مال الأمة دارًا أخرى تتسع لسكنى سبعمائة طالب،

مالية جمعية العلماء تأتيها من موردين: اشتراکات الشعب الشهريّة والتبرعات غير المحدودة، وميزانيتها في السنوات الأخيرة أصبحت ضخمة وقد قسمتها إلى أقسام فمالية بناء المدارس لا تدخل خزينة الجمعية، بل تقبضها الجمعية المحليّة وتنفقها على البناء، فإذا تم البناء جرى الحساب علنًا على رؤوس الأشهاد بحضرتي وسُدّ بابها.

عليه أمين مالها في التقرير المالي الذي يتقدم به إلى الاجتماع العام، ويضاف إليه ما يتحصل من التبرعات غير المحدودة.

أثر أعمالنا في الشعب بارز لا ينكره حتى أعداؤنا من الاستعماريين، وخصومنا من إخواننا السياسيين فمن آثارنا بت الوعي واليقظة في الشعب حتى أصبح يعرف ما له وما عليه، ومنها إحياء تاريخ الإسلام وأمجاد العرب التي كان الاستعمار يسدّ عليه منافذ شعاعها، حتى لا يتسرب إليه شيء من ذلك الشعاع، ومنها تطهير عقائد الإسلام وعباداته من أوضار الضلال والابتداع وإبراز فضائل الإسلام، وأولها الاعتماد على النفس وإيثار العزة والكرامة والنفور من الذلة والاستكانة والاستسلام ومنها أخذ كل شيء بالقوة ومنها العلم.

وقد وصل الشعب الجزائري إلى ما وصل إليه، بفضل جمعية العلماء، وما بذلناه من جهود في محو الرذائل التي مكن لها الاستعمار، وتثبيت الفضائل التي جاء بها الإسلام، … وأحيينا دين الإسلام وتاريخه المشرق وأعدنا لهما سلطانهما على النفوس وتأثيرهما في العقول والأرواح، … فاندفع إلى الثورة بحطم الأغلال ويطلب بدمه الحياة السعيدة والعيشة الكريمة، ويسعى إلى وصل تاريخه الحاضر بتاريخه الغابر.

مُؤَلَّفَاتِي:

لم يتسع وقتي للتأليف والكتابة مع هذه الجهود التي تأكل الأعمار أكلاً، ولكنّني أتسلّى بأنّني ألفت للشعب رجالاً وعملت لتحرير عقوله تمهيدا لتحرير أجساده وصححت له دينه ولغته فأصبح مسلما عربيا، وصححت له موازين إدراكه فأصبح إنسانًا أبيا هذا مقربًا وحسبي من رضى الرب ورضى الشعب.

خلاصة الخلاصة:

ولدت عند طلوع الشمس من يوم الخميس الثالث عشر من شهر شوال عام 1306هـ الموفق للرابع عشر من شهر يونيو سنة 1889م.

حفظت القرآن ومتون العلم الكبيرة وأنا ابن تسع سنين، وتلقيت علوم الدين والعربية في بيت أسرتي على عمي القائم بتربيتي الشيخ محمد المكي الإبراهيمي وكان علامة زمانه في العلوم العربية.

وهبني الله حافظة خارقة، وذاكرة عجيبة تشهدان بصدق ما يحكى عن السلف وكانتا معينتين لي في تحصيل العلم في هذا السن.

رحلت إلى المدينة أنا ووالدي مهاجرين فرارا من الاستعمار الفرنسي، فكنت من مدرسي الحرم النبوي الشريف، وتلقيت فيها علم التفسير، وعلم الحديث رواية ودراية، وعلم الرّجال وأنساب العرب.

مخاطبة حكومات العرب والمسلمين في إعانتنا ماليا حتى تستطيع الجمعية أن تواصل أعمالها بقوة، لأن الميدان اتسع أمامها والشعب الجزائري محدود القوة المالية، إذا لم يعنا إخواننا فربّما تنتكس حركتنا، وهذا ما ينتظره الاستعمار لنا.

السيرة 3 الشيخ محمد البشير الإبراهيمي في لقاء مع مجلة الشبان المسلمين

فضيلة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، شيخ علماء الجزائر، رجل من رجال الدّعوة الإسلامية والجهاد العربي

كيف نقوّي الرّابطة بين الشباب المسلم؟

فقال: معظم الشباب المسلم اليوم مفكك الأجزاء لا تربطه رابطة دينية ولا دنيوية، وهذا أمر يؤسف له…

وسألت: ما هي الأسباب؟

فأجاب قائلا: أهم الأسباب لذلك يرجع إلى تنشئته، فالكثير من هؤلاء الشباب لم ينشأ دينيا؛ لا في البيت الذى هو أوّل مدرسة في حياته، ولا في المدرسة التي هي هو التقويم الخلقي لتلامذتها، ولا في المجتمع.

فإذا نشأ الشباب على التدين أحب الدين، وإذا أحب ما فيه وأحب ما يستتبعه من فضائل وأخلاق حميدة، عمل على غرسها في نفوس غيره من الأجيال اللاحقة.

وأنا أرى أن الأزهر وسائر معاهدنا مثل جامع الزيتونة في تونس، وجامع القرويين بفاس، يجب أن تتحمل القسط الأوفر من العمل على تقوية الروابط بين الإخوة المسلمين، والأزهر جامعة لجميع الأمم الإسلامية: ففيه المسلم الشرقي والغربي، وفيه الجنوبي والشمالي،

وكيف نطمع في التبشير بالإسلام في الأقطار الوثنية إذا لم نجهز جيشا من الشباب ونسلحهم بالسلاح اللازم لذلك من أخلاق أقواها العزيمة والتضحية والصبر على المكاره وتحمّل المشاق، فلم ينتشر الدين في أول أمره إلا برجال من هذا الطراز العالي.

يلي هذا العامل عامل آخر فعّال، وهو الجرائد والمجلات المصرية الإسلامية التي تعرض على الشباب في جميع أوقاته، فيأخذ منها ما ينبه إحساسه ويثير عزيمته إلى التعارف بإخوانه من شبيبة الإسلام في جميع الأقطار.

لكن المجلات الإسلامية عندنا لا تزال قليلة وسبل نشرها في العالم الإسلامي متعذِّرة.

كان العالم يسمع ببلايا الاستعمار الفرنسي لدياركم فيعجب كيف لم تثوروا، وكان يسمع أنينكم وتوجعكم منه، فيعجب كيف تؤثرون هذا الموت البطيء على الموت العاجل المريح وكانت فرنسا تسوق شبابكم إلى المجازر البشرية في الحروب الاستعمارية، فتموت عشرات الآلاف منكم في غير شرف ولا محملة بل في سبيل فرنسا، وتوسيع ممالكها وحماية ديارها ولو أن تلك العشرات من الآلاف من أبنائنا ماتوا في سبيل الجزائر، لماتوا شهداء وكنتم بهم سعداء.

فما رعت في حربها لكم دينا ولا عهدا، ولا قانونا ولا إنسانية، بل ارتكبت كلّ أساليب الوحشية من تقتيل النساء والأطفال والمرضى وتحريق القبائل كاملة بديارها وحيواناتها وأقواتها.

لم تبق لكم فرنسا شيئا تخافون عليه، أو تدارونها لأجله، ولم تبق لكم خيطا من الأمل تتعللون به. أتخافون على أعراضكم وقد انتهكتها؟ أم تخافون على الحرمة وقد استباحتها. لقد تركتكم فقراء تلتمسون قوت اليوم فلا تجدونه؟ أم تخافون على الأرض وخيراتها، وقد أصبحتم فيها غرباء حفاة عراة جياعا، أسعدكم من يعمل فيها رقيقا زراعيا يباع معها ويشترى، وحظكم من خيرات بلادكم النظر بالعين والحسرة في النفس؟ أم تخافون على القصور، وتسعة أعشاركم يأوون إلى الغيران كالحشرات والزواحف ؟ أم تخافون على الدِّين؟ ويا ويلكم من الدين الذي لم تجاهدوا في سبيله ويا ويل فرنسا من الإسلام ابتلعت أوقافه وهدمت مساجده وأذلّت رجاله واستعبدت أهله ومحت آثاره من الأرض، وهي تجهد في محو آثاره من النفوس.

أيها الإخوة المسلِمُونَ: إن التراجع معناه الفناء.

إن فرنسا لم تبق لكم دينا ولا دنيا، وكلّ إنسان في هذا الوجود البشري إنّما يعيش لدين ويحيا بدنيا، فإذا فقدهما فبطن الأرض خير له من ظهرها.

إنّ الرضى بسلب الأموال قد ينافي الهمة والرجولة، أما الرّضى بسلب الدين والاعتداء عليه فإنه يخالف الدين، والرضى به كفر بالله وتعطيل للقرآن.

وقد قمتم الآن قومة المسلم الحرّ الأبي فنعيذكم بالله وبالإسلام أن تتراجعوا أو تنكصوا على أعقابكم. إنّ التراجع معناه الفناء الأبدي والذل السرمدي.

ما كان المسلم أن يخاف الموت، وهو يعلم أنّها كتاب مؤجل، وما كان للمسلم أن يبخل بماله أو بمهجته؛ في سبيل الله والانتصار لدينه وهو يعلم أنها قربة إلى الله وما كان له أن يرضى الدنيّة في دينه، إذا رضيها في دنياه.

يا معشر المؤمنين: إنّكم لم تسترجعوا من هذا المسجد سقوفه وأبوابه ،وحيطانه ولا فرحتم باسترجاعه فرحة الصبيان ساعة ثم تنقضي ولكنكم استرجعتم معانيه التي كان يدلّ عليها المسجد في الإسلام ووظائفه التي كان يؤديها من إقامة شعائر الصلوات والجمع والتلاوة ودروس العلم النافعة على اختلاف أنواعها من دينية ودنيوية، فإنّ المسجد كان يؤدّي وظيفة المعهد والمدرسة والجامعة.

يَا مَعْشَرَ الجزائريين. إنّ الاستعمار كالشيطان الذي قال فيه نبينا ﷺ: ((إن الشيطان قد يئس يعبد في أرضكم هذه، ولكنه رضي أن يطاع فيما دون ذلك))، فهو قد خرج من أرضكم ولكنه لم يخرج من مصالح أرضكم ولم يخرج من ألسنتكم، ولم يخرج من قلوب بعضكم، فلا تعامل وه إلا فيما اضطررتم إليه، وما أبيح للضرورة يقدر بقدرها.

لقد آن للمسؤولين أن يضربوا المثل في النزاهة وألا يقيموا وزنا إلا للتضحية والكفاءة وأن تكون المصلحة العامة هي أساس الاعتبار عندهم، وقد آن أن يرجع إلى كلمة الأخوة التي ابتذلت معناها الحق، وأن نعود إلى الشورى التي حرص عليها النبي ﷺ.

وَفَاتُه:

بعد الاستقلال، وإثر عودة الإبراهيمي إلى أرض الوطن، وعقب خَيْبَةٍ كبيرةٍ في الاختيارات السّياسيّة التي تبنتها السلطة للشروع في بناء الدّولة الفتية، وقد تقدمت به السِّنُ واضطَرَبت صحته، ولقي الإقصاء والتهميش، اضطر إلى لزوم بيته وتقليل نشاطه، إلى أن توفاه ربه إليه مجاهدا صادقا ثابتا، غير مبلّل جريئا في كلمة الحق، وقد كان ذلك بمنزله في يوم 20 مايو سنة 1965.

الحمد لله رب العالمين

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

اكتشاف المزيد من مدونة التاعب

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading