بسم الله الرحمن الرحيم
الأدِلَّة مِن القُرآن والسُّنَّة على تحريف الكُتُب السَّماوية السَّابقة
محمد شاهين التَّاعِب (عفا الله عنه)
فهرس المواضيع:
قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 75]
قول الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: 79]
قول الله تعالى: ﴿لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [آل عمران: 71]
قول الله تعالى: ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾ [آل عمران: 78]
قول الله تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: 13]
ومثله قول الله تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: 41]
ومثله قول الله تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء: 46]
قول الله تعالى: ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة: 14-15]
قول الله تعالى: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ [الأنعام: 91]
قول الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾ [الجمعة: 5]
قول الله تعالى: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ﴾ [المائدة : 44]
قول الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]
معنى الاستحفاظ في الكتاب المُقدَّس
ثانيًا: الأحاديث النَّبويَّة الصَّحيحة
حديث عبدالله بن عباس رضي الله عنهما
نهي النبي ﷺ عن تصديق أهل الكتاب مطلقًا أو تكذيبهم بلا تفصيل
حديث رجم اليهوديَّين الثَّابت في الصَّحيحين وغيرها
ذكر الله تعالى في مواضع عديدة من القُرآن أنَّ أهل الكتاب (اليهود والنَّصارى) حرّفوا كتبهم السَّماوية عن الحقّ، إمَّا بتغيير ألفاظها أو بكتمان ما فيها أو بتحريف معانيها. فيما يلي أبرز الآيات مع بيان تفسير عُلماء أهل السُّنَّة لها:
قول الله تعالى: ﴿✷ أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 75]
هذه الآية صريحة في وقوع التَّحريف؛ فقد بيّن المفسرون أنَّ جماعة من أحبار اليهود كانوا يسمعون كلام الله ثم يتعمَّدون تغييره بعد فهمه، أي يُبدِّلون التَّوراة عن عِلْمٍ وعَمْدٍ.
«تفسير الطبري» (2/ 143): «وقد كان بعضُهم يَسْمَعُ مِن اللهِ كلامَه وأمْرَه ونهيَه، ثم يُبَدِّلُه ويُحَرِّفُه ويَجْحَدُه، فهؤلاء الذين بينَ أَظْهُرِكم مِن بقايا نسلِهم أحْرَى أن يَجْحَدوا ما أَتَيْتُموهم به مِن الحقِّ وهم لا يَسْمَعونه مِن اللهِ، وإنما يَسْمَعونه منكم –وأقربُ إلى أن يُحَرِّفوا ما في كُتُبِهم مِن صفةِ نبيِّكم محمدٍ ﷺ ونعتِه، ويُبَدِّلوه وهم به عالمون، فيَجْحَدوه ويُكَذِّبوا– مِن أوائلِهم الذين باشَروا كلامَ اللهِ مِن اللهِ جل ثناؤُه ثم حرَّفوه مِن بعدِ ما عقَلوه وعلِموه، مُتَعمِّدين التحريفَ.»
«زاد المسير في علم التفسير» (1/ 80): «وفي سَمَاعهم لكلام الله قولان: أحدهما: أنَّهم قرءوا التَّوراة فحرّفوها، هذا قول مجاهد والسُّدِّيّ في آخرين، فيكون سماعهم لكلام الله بتبليغ نبيهم، وتحريفهم: تغيير ما فيها.»
«تفسير ابن كثير – ط ابن الجوزي» (1/ 460): «{وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ} أي: يتأولونه على غير تأويله، {مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ} أي: فهموه على الجلية، ومع هذا يخالفونه على بصيرة، {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أنَّهم مُخطئون فيما ذهبوا إليه من تحريفه وتأويله. وهذا المقام شبيه بقوله تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ} [المائدة: 13].»
قول الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: 79]
وهذه الآية تُهدِّد أحبار اليهود الذين اخترعوا كُتُبًا ونُصُوصًا من عند أنفسهم ثمَّ زعموها وحياً إلهياً.
«تفسير الطبري» (2/ 165): «فمعنى الآيةِ على ما رُوِى عمن ذكرْتُ قولَه في تأويلِ {فَوَيْلٌ}: فالعذابُ الذي هو شُرْبُ صديدِ أهلِ جهنمَ، الذي في أسفلِ الجحيمِ، لليهودِ الذين يَكْتُبون الباطلَ بأيديهم ثم يقولون: هذا من عندِ اللهِ.»
«زاد المسير في علم التفسير» (1/ 82): «هذه الآية نزلت في أهل الكتاب الذين بدَّلوا التَّوراة وغيّروا صِفة النَّبيّ ﷺ فيها. وهذا قول ابن عباس وقتادة وابن زيد وسُفيان.»
«تفسير ابن كثير – ط ابن الجوزي» (1/ 469): «وقوله (تعالى): {فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} أي: فويل لهم مما كتبوا بأيديهم من الكذب والبهتان والافتراء، وويل لهم مما أكلوا به من السُّحت، كما قال الضَّحَّاك.»
«تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن» (2/ 9): «قَوْلُهُ تَعَالَى: {بِأَيْدِيهِمْ} تَأْكِيدٌ، … وَقِيلَ: فَائِدَةُ {بِأَيْدِيهِمْ} بَيَانٌ لِجُرْمِهِمْ وَإِثْبَاتٌ لِمُجَاهَرَتِهِمْ، … قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَالْكَلْبِيُّ: كَانَتْ صِفَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي كِتَابِهِمْ … وكانت للأحبار والعُلماء رئاسة وَمَكَاسِبُ، فَخَافُوا إِنْ بَيَّنُوا أَنْ تَذْهَبَ مَآكِلُهُمْ ورئاستهم، فَمِنْ ثَمَّ غَيَّرُوا.»
قول الله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101) وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: 101-102]
«تفسير الطبري» (2/ 311): «وأما قولُه: {مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ} فإنَّه يَعنى به أن محمدًا ﷺ يُصدِّقُ التوراةَ، والتوراةُ تصدِّقُه في أنه نبيٌّ للهِ مبعوثٌ إلى خلقِه. وأما تأويلُ قولِه: {لِمَا مَعَهُمْ} فإنه: للذِي هو مع اليهودِ، وهو التوراةُ. فأخبَر اللهُ جلَّ ثناؤه أن اليهودَ لمَّا جاءهم رسولٌ مِن اللهِ بتصديقِ ما في أيديهم مِن التوراةِ، بأن محمدًا ﷺ نبيٌّ للهِ؛ {نَبَذَ فَرِيقٌ} يعنى بذلك أنَّهم جحَدوه ورفَضوه بعدَ أن كانوا به مُقرِّين؛ حسدًا منهم له وبغيًا عليه. وقولُه: {مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} وهُم عُلماءُ اليهودِ الذين أعطاهم اللهُ العلمَ بالتَّوراةِ وما فيها. ويعنى بقولِه: {كِتَابَ اللَّهِ}: التوراةَ. وبقولِه: نَبَذوه {وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ}: جعَلوه وراء ظُهُورِهم.»
«تفسير الطبري» (2/ 313): «يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ}. الفريقَ مِن أحبارِ يهودَ وعلمائِها الذين وصَفهم جلَّ ثناؤه بأنهم نبَذوا كتابَه الذي أنزَله إلى موسى وراءَ ظهورِهم، تجاهلًا منهم وكفرًا بما هم به عالِمون، كأنهم لا يعلَمون، فأخبَر عنهم أنهم رفَضوا كتابَه الذي يعلَمون أنه تنزِيلٌ مِن عندِه على نبيِّه [موسى صلواتُ اللهِ عليه]، ونقَضوا عهدَه الذي أخَذه عليهم في العملِ بما فيه، وآثَروا السحرَ الذي تلَتْه الشياطينُ في ملكِ سليمانَ بنِ داودَ صلى اللهُ عليه فاتَّبَعوه، وذلك هو الخَسارُ والضلالُ المبينُ.»
«تفسير ابن كثير – ط ابن الجوزي» (1/ 514): «أي: طرح طائفة منهم كتاب الله الذي بأيديهم مما فيه البشارة بمحمد ﷺ وراء ظُهُورهم؛ أي: تركوها، كأنَّهم لا يعلمون ما فيها، وأقبلوا على تعلُّم السِّحر واتِّباعه.»
قول الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 71]
نادى الله أهل التَّوراة والإنجيل مُعاتبًا إيَّاهم على خلطهم الحقّ الذي بأيديهم بالباطل الذي اخترعوه وتحريفهم الكَلِم، مع كتمانهم للحقّ عن علم.
«تفسير الطبري» (5/ 494): «وقال آخرون في ذلك بما حدَّثني به يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللهِ عز وجل: {لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ} قال: الحقُّ: التوراةُ التي أنْزَل اللهُ على موسى، والباطلُ: الذي كتبُوه بأَيديهم.»
«تفسير الطبري» (5/ 494): «القولُ في تأويلِ قولِه: {وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ولم تَكْتُمون يا أهلَ الكتابِ الحقَّ؟ والحقُّ الذي كتَموه: ما في كتبِهم من نعتِ محمدٍ ﷺ ومبعثِه ونبوَّتِه.»
«زاد المسير في علم التفسير» (1/ 293): «وفي الحق والباطل أربعة أقوال: أحدها: أنَّ الحقّ: إقرارهم ببعض أمر النبيّ ﷺ، والباطل: كتمانهم بعض أمره. والثَّاني: الحقّ: إيمانهم بالنبيّ ﷺ غدوة، والباطل: كفرهم به عشية، رويا عن ابن عباس. والثَّالث: الحقَّ: التَّوراة، والباطل: ما كتبوه فيها بأيديهم، قاله الحسن، وابن زيد. والرَّابع: الحقّ: الإسلام. والباطل: اليهودية والنَّصرانية، قاله قتادة. قوله تعالى: {وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ} قال قتادة: كتموا الإسلام، وكتموا محمّدا ﷺ.»
«تفسير ابن كثير – ط ابن الجوزي» (2/ 362): «{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أي: تكتمون ما في كُتُبكم مِن صِفَة محمد ﷺ وأنتم تعرفون ذلك وتتحقَّقونه.»
قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 78]
هذه الآية تبيّن لونًا آخر من التحريف؛ وهو ليُّ ألسنتهم بقراءة الكتاب على غير ما أنزل لتحريف المعنى، أو إضافة كلام من عندهم ثم نسبته إلى الله. وهذا تحريف لفظي ومعنوي معًا، إذ يغيّرون الكلام بالتلاوة المحرفة ليُظن أنه من الكتاب وما هو منه.
«تفسير الطبري» (5/ 521-522): «{يَلْوُونَ}. يعنى: يُحرِّفون {أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ}. يعنى: لِتَظُنُّوا أن الذي يُحرِّفونه بكلامِهم من كتابِ اللهِ وتنْزيلِه. يقول اللهُ عز وجل: وما ذلك الذي لوَوا به ألسنتهم فحَرَّفوه وأحدَثوه مِن كتابِ اللهِ، ويَزعمُون أنّ مَا لَوَوْا بِه أَلسِنتَهم من التَّحْرِيفِ والكذبِ والباطلِ، فألْحَقوه في كتابِ اللهِ، {وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ}. … يقولُ عز وجل: {وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}. يعنى بذلك أنهم يتَعمَّدُون قِيلَ الكذبِ على اللَّهِ، والشهادةَ عليه بالباطلِ، والإلحاقَ بكتابِ اللهِ ما ليس منه، طلبًا للرياسةِ والخسيسِ مِن حُطامِ الدنيا.»
«زاد المسير في علم التفسير» (1/ 297): «ومعنى {يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ}: يقلبونها بالتَّحريف والزِّيادة.»
«تفسير ابن كثير – ط ابن الجوزي» (2/ 368): «يُخبر تعالى عن اليهود -عليهم لعائن الله-، أنَّ منهم فريقًا يُحرِّفون الكَلِم عن مواضعه، ويُبدِّلون كلام الله ويُزيلونه عن المُراد به، ليُوهموا الجهلة أنَّه في كتاب الله كذلك، وينسبونه إلى الله وهو كذب على الله، وهُم يعلمون من أنفسهم أنهم قد كذبوا وافتروا في ذلك كله.»
قول الله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: 13]
حيث جمع لهم التَّحريف والتَّبديل مع نسيان جُزء كبير ممَّا أنزل اللهُ عليهم.
«تفسير الطبري» (8/ 251): «القولُ في تأويلِ قولِه: {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ}. … يُحرِّفون كلامَ ربِّهم الذي أنْزَله على نبيِّهم موسى ﷺ، وهو التوراةُ، فيُبَدِّلونه ويَكْتُبون بأيدِيهم غيرَ الذي أنْزَلَه اللَّهُ جلَّ وعزَّ على نبيِّهم، ثُمَّ يقولون لجُهَّالِ النَّاسِ: هذا هو كلامُ اللَّهِ الذي أَنْزَله على نبيِّه موسى ﷺ، والتَّوراةُ التي أوْحاها إليه.»
«زاد المسير في علم التفسير» (1/ 528): «وفي تحريفهم الكَلِم ثلاثة أقوال: أحدها: تغيير حُدُود التَّوراة، قاله ابن عباس. والثَّاني: تغيير صفة محمّد ﷺ، قاله مُقاتل. والثَّالِث: تفسيره على غير ما أُنزل، قاله الزَّجَّاج. … قوله تعالى: {وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} النسيان هاهنا: الترك عن عمد. والحظ: النَّصيب. قال مجاهد: نسوا كتاب الله الذي أُنزل عليهم، وقال غيره: تركوا نصيبهم من الميثاق المأخوذ عليهم.»
«تفسير ابن كثير – ط ابن الجوزي» (3/ 354): «{يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ} أي: فسدت فُهُومهم وساء تصرّفهم في آيات الله، وتأوَّلوا كتابه على غير ما أنزله، وحملوه على غير مُراده، وقالوا عليه ما لَم يقُل، -عياذًا بالله من ذلك- {وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} أي: وتركوا العَمَل به رغبةً عنه.»
ومثله قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ [المائدة: 41]
في هذه الآية توبيخ لليهود على جعلهم كتاب الله أوراقًا مفرقة يُظهرون بعضها ويخفون كثيرًا منها. وهذا إشارة إلى كتمانهم أجزاء من التوراة وعدم إظهارها للناس عندما لا توافق أهواءهم.
«تفسير الطبري» (8/ 423): «يقولُ تعالى ذكرُه: يُحَرِّفُ هؤلاء السَّمَّاعون للكذبِ السمَّاعون لقومٍ آخرين منهم ولم يَأْتُوك بعدُ مِن اليهودِ – الكَلِمَ. وكان تحريفُهم ذلك تَغْييرَهم حكمَ اللَّهِ تعالى ذكرُه الذي أنْزَله في التوراةِ في المُحْصَناتِ والمُحْصَنِين مِن الزُّناةِ، بالرَّجمِ إلى الجلدِ والتَّحميمِ، فقال تعالى ذكرُه: {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ}. يعنى: هؤلاء اليهودُ. والمعنِيُّ حكمُ الكَلِمِ. فاكْتُفِى بذكرِ الخبرِ مِن تحريفِ الكَلِمِ عن ذكرِ الحُكْمِ؛ لمعرفةِ السَّامعين لمعناه. وكذلك قولُه: {مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ}. والمعنى: مِن بعدِ وضْعِ اللَّهِ ذلك مَواضِعَه.»
«زاد المسير في علم التفسير» (1/ 548): «وفي تحريفهم الكَلِم خمسة أقوال: أحدها: أنَّه تغيير حُدُود الله في التَّوراة، وذلك أنَّهم غيّروا الرّجم، قاله ابن عباس، والجمهور. والثَّاني: تغيير ما يسمعونه من النبيّ ﷺ بالكذب عليه، قاله الحسن. والثَّالث: إِخفاء صفة النبيّ ﷺ. والرَّابع: إِسقاط القود بعد استحقاقه. والخامس: سوء التَّأويل.»
«زاد المسير في علم التفسير» (1/ 549): «قوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ} قال الزَّجَّاج: أي مِن بعد أن وَضَعه الله مواضعه، فأحلّ حلاله وحرّم حرامه.»
ومثله قول الله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: 46]
ومعناه تغيير اليهود لألفاظ التَّوراة عن مواضعها الأصلية أو تبديل أحكامها عن موضعها الصَّحيح.
«تفسير الطبري» (7/ 103): «وأما تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ} فإنَّه يقولُ: يُبَدِّلون معناها ويُغَيِّرونها عن تأويلِها. والكَلِمُ جماعُ كلمةٍ، وكان مجاهدٌ يقولُ: عَنَى بالكَلِم التَّوراةَ. وأمَّا قولُه: {عَنْ مَوَاضِعِهِ} فإنَّه يعنى: عن أماكنِه ووُجُوهِه التي هي وُجُوهُه.»
«زاد المسير في علم التفسير» (1/ 416): «فأمَّا «التَّحريف» ، فهو التَّغيير. … وفي معنى تحريفهم الكَلِم قولان: أحدهما: أنَّهم كانوا يسألون النبيّ ﷺ عن الشيء، فإذا خرجوا، حرَّفوا كلامه، قاله ابن عباس. والثاني: أنَّه تبديلهم التَّوراة، قاله مُجاهد. قوله تعالى: {عَنْ مَواضِعِهِ}، أي: عن أماكنه ووُجُوهه.»
«تفسير ابن كثير – ط ابن الجوزي» (3/ 127): «وقوله: {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ} أي: يتأوَّلون الكلام على غير تأويله، ويُفسِّرونه بغير مُراد الله عزَّ وجلَّ قصدًا منهم وافتراءً.»
قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (14) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: 14-15]
«تفسير الطبري» (8/ 256-257): «يقولُ عزَّ ذكرُه: وأخَذنا من النَّصارى الميثاقَ على طاعتي، وأداءِ فرائضي، واتِّباعِ رسلي، والتَّصديقِ بهم، فسلَكوا في ميثاقي الذي أخَذْتُه عليهم منهاجَ الأمةِ الضالةِ من اليهودِ، فبدّلوا كذلك دينَهم، ونَقَضُوه نقضَهم، وترَكوا حظَّهم مِن ميثاقي الذي أخَذْتُه عليهم بالوفاءِ بعهدي، وضيَّعوا أمري. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ}: نسُوا كتابَ اللهِ بين أظهرِهم، وعهدَ اللهِ الذي عهِده إليهم، وأمرَ اللهِ الذي أمَرهم به.»
«تفسير الطبري» (8/ 262): «وقولُه: {يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ} يقول: يُبيِّنُ لكم محمدٌ رسولُنا كثيرًا ممَّا كنتم تكتُمونه النَّاسَ ولا تُبَيِّنُونه لهم مما في كتابِكم. وكان ممَّا يُخْفُونه من كتابِهم فبيَّنه رسولُ اللهِ ﷺ للنَّاسِ، رجمُ الزَّانيَين المُحْصَنين.»
«زاد المسير في علم التفسير» (1/ 528): «قوله تعالى: {وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ} قال الحسن: إِنَّما قال: قالوا: إِنَّا نصارى، ولم يقُل: مِن النَّصارى، لِيَدل على أنهم ليسوا على منهاج النصارى حقيقة، هُم الذين اتَّبعوا المسيح.»
«زاد المسير في علم التفسير» (1/ 529): «قوله تعالى: {يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ} قال ابن عباس: أخفوا آية الرّجم، وأمر محمّد عليه السَّلام وصفته.»
«تفسير ابن كثير – ط ابن الجوزي» (3/ 355): «وقوله تعالى: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ} أي: ومن الذين ادَّعوا لأنفسهم أنَّهم نصارى يُتابعون المسيح ابن مريم عليه السَّلام وليسوا كذلك، أخذنا عليهم العُهُود والمواثيق على مُتابعة الرسول ﷺ، ومُناصرته، ومُؤازرته، واقتفاء آثاره، وعلى الإيمان بكلّ نبي يُرسله الله إلى أهل الأرض، ففعلوا كما فعل اليهود، خالفوا المواثيق، ونقضوا العُهُود، ولهذا قال تعالى: {فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} أي: فألقينا بينهم العداوة والبغضاء لبعضهم بعضًا، ولا يزالون كذلك إلى قِيام السَّاعة، وكذلك طوائف النَّصارى على اختلاف أجناسهم لا يزالون مُتباغضين مُتعادِّين يُكفِّر بعضهم بعضًا، ويلعن بعضهم بعضًا.»
«تفسير ابن كثير – ط ابن الجوزي» (3/ 355): «{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} أي: يُبيِّن ما بدَّلوه وحرَّفوه وأوَّلوه، وافتروا على الله فيه، ويسكت عن كثيرٍ ممَّا غيّروه ولا فائدة في بيانه.»
قول الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾ [الأنعام: 91]
«تفسير الطبري» (9/ 398-399): «فمَن قرأ ذلك: {تَجْعَلُونَهُ} جَعَله خطابًا لليهودِ، على ما بيَّنْتُ مِن تأويلِ مَن تأَوَّل ذلك كذلك. ومَن قرَأه بالياء: (يَجْعَلونه) فتأويلُه في قراءتِه: يَجْعَلُه أهلُه قَراطيس. وجرَى الكلامُ في (يُبْدونها) بذكرِ القراطيس، والمرادُ منه المكتوبُ في القَراطيس. يُرادُ: يُبْدون كثيرًا مما يَكْتُبون في القراطيسِ فيُظهِرونه للناسِ، ويُخْفُون كثيرًا مما يُثْبِتونه في القَراطيسِ فيُسِرُّونه ويَكْتُمونه الناسَ. ومما كانوا يَكْتُمونه إياهم ما فيها مِن أمرِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم ونبوتِه.»
«زاد المسير في علم التفسير» (2/ 54): «وقيل: إنَّما قال: قراطيس، لأنَّهم كانوا يكتبونه في قراطيس مُقطَّعة، حتى لا تكون مجموعة، ليخفوا منها ما شاؤوا.»
«تفسير ابن كثير – ط ابن الجوزي» (3/ 575): «وقوله: {تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا} أي: تجعلون جملتها قراطيس؛ أي: قطعًا تكتبونها من الكتاب الأصلي الذي بأيديكم، وتحرفون منها ما تحرفون، وتبدلون وتتأولون، وتقولون هذا من عند الله؛ أي: في كتابه المنزل، وما هو من عند الله، ولهذا قال: {تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا}.»
قول الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة: 5]
«تفسير الطبري» (22/ 633): «يقولُ تعالى ذكرُه: مثَلُ الذين أُوتوا التوراةَ مِن اليهودِ والنصارى، فحُمِّلوا العملَ بها {ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا}. يقولُ: ثم لم يَعْملوا بما فيها، وكذَّبوا بمحمدٍ ﷺ، وقد أُمِروا بالإيمانِ به فيها، واتِّباعِه والتصديقِ به، {كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا}. يقولُ: كمثَلِ الحمارِ يحمِلُ على ظَهْرِه كتبًا مِن كتبِ العلمِ لا يَنتفِعُ بها، ولا يَعْقِلُ ما فيها، فكذلك الذين أُوتوا التوراةَ التي فيها بيانُ أمرِ محمدٍ ﷺ، مثلُهم إذا لم يَنْتَفِعوا بما فيها كمثَلِ الحمارِ الذي يحمِلُ أسفارًا فيها عِلْمٌ، فهو لا يَعْقِلُها ولا يَنْتَفِعُ بها.»
«زاد المسير في علم التفسير» (4/ 281): «ثُمَّ ضرب لليهود الذين تركوا العمل بالتَّوراة مثلاً، فقال عزَّ وجلَّ: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ} أي: كُلِّفوا العَمَل بما فيها {ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها} أي: لم يعملوا بموجبها، ولم يؤدُّوا حقها {كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً} وهي جمع سفر. والسِّفْر: الكتاب، فشبَّههم بالحمار لا يعقل ما يحمل، إذ لم ينتفعوا بما في التّوراة، وهي دالّة على الإيمان بمحمّد ﷺ.»
«تفسير ابن كثير – ط ابن الجوزي» (7/ 273): «يقول تعالى ذامًّا لليهود الذين أعطوا التَّوراة وحملوها للعمل بها ثمَّ لم يعملوا بها: مثلهم في ذلك كمثل الحمار يحمل أسفارًا؛ أي: كمثل الحمار إذا حمل كتبًا لا يدري ما فيها، فهو يحملها حملًا حِسِّيًّا ولا يدري ما عليه، وكذلك هؤلاء في حملهم الكتاب الذي أوتوه حفظوه لفظًا ولم يتفهموه ولا عملوا بمقتضاه، بل أوَّلوه وحرَّفوه وبدَّلوه فَهُم أسوأ حالًا من الحمير؛ لأنَّ الحمار لا فهم له وهؤلاء لهم فهوم لم يستعملوها.»
أشار القرآن أيضًا إلى أمثلة مُحدَّدة من تحريف أهل الكتاب لشريعة الله عملاً أو لفظًا، مثل تغيير بني إسرائيل لكلمة «حِطَّة» التي أمروا أن يقولوها (فقالوا غيرها استهزاء).
قال تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة: 59]
وقال تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: 162]
فهذا تبديل لفظي لمعنى شرعي. وكذلك تحايلهم في ترك حُكم الرَّجم: فقد كانت آية الرَّجم موجودة في التَّوراة لكنَّهم حاولوا إخفاءها وعَدَم العَمَل بها.
قول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة : 44]
هذه الآية هي العُمدة في بيان أنَّ الله عزَّ وجلَّ لم يتعهَّد بحفظ الكُتُب التي أنزلها على أنبياء بني إسرائيل، ولكنَّه استحفظهم عليها.
قال الإمام أبو منصور الماتريدي رحمه الله: «وقوله: {بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ} هو طَلَب الحِفْظ، أي: بما جعل إليهم الحفظ.»([1])
وقال أيضاً في موضعٍ آخر: «وأمّا الكُتُب السَّالفة، فإنَّما جعل حفظها إليهم بقوله: {بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ} فهو -واللَّهُ أعلم- لِمَا احتمل شرائعها وأحكامها نسخها وتبديلها.»([2])
قال الإمام محمد الشنقيطي رحمه الله: «أَخْبَرَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ الْأَحْبَارَ وَالرُّهْبَانَ اسْتَحْفَظُوا كِتَابَ اللَّهِ يَعْنِي اسْتَوْدَعُوهُ، وَطَلَبَ مِنْهُمْ حِفْظَهُ، وَلَمْ يُبَيِّنْ هُنَا هَلِ امْتَثَلُوا الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ وَحَفِظُوهُ، أَوْ لَمْ يَمْتَثِلُوا الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ وَضَيَّعُوهُ؟ وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ أَنَّهُمْ لَمْ يَمْتَثِلُوا الْأَمْرَ، وَلَمْ يَحْفَظُوا مَا اسْتُحْفِظُوهُ، بَلْ حَرَّفُوهُ وَبَدَّلُوهُ عَمْدًا.»([3])
قال الشيخ محمد سيد طنطاوي رحمه الله: «وقوله {اسْتُحْفِظُوا} من الاستحفاظ، بمعنى طَلَب الحِفْظ بعناية وفهم، إذ أنَّ «السِّين» و «التّاء» للطَّلب، والضَّمير في {اسْتُحْفِظُوا} يعود على النَّبيين والرَّبانيين والأحبار. (…) ويصِحّ أن يكون قوله {بِمَا اسْتُحْفِظُوا} مُتعلِّقاً بالرَّبانيين والأحبار، وأن يكون الضَّمير عائداً عليهم وحدهم. أي: على الرَّبانيين والأحبار، ويكون الاستحفاظ بمعنى أنَّ الأنبياء قد طلبوا منهم حفظه وتطبيق أحكامه.»([4])
قول الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]
هُناك من العُلماء من قارن بين حال القرآن الكريم في قوله تعالى: {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}، وحال الكتُبُ الأُخرى في قوله: {بِمَا اسْتُحْفِظُواْ}.
قال الإمام القرطبي رحمه الله: «{وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} مِن أن يُزاد فيه أو يُنقص منه. قال قتادة وثابت البُنَانيّ: حفِظه الله من أن تزيد فيه الشَّياطين باطلاً أو تنقُص منه حقاً؛ فتولّى سبحانه حفظه فلم يزل محفوظاً، وقال في غيره: {بِمَا اسْتُحْفِظُواْ}، فوَكَل حفظه إليهم فبدّلوا وغيروا.»([5])
قال الإمام أبو القاسم الكلبي رحمه الله: «ومعنى حفظه: حراسته عن التَّبديل والتَّغيير، كما جرى في غيره من الكتب، فتولَّى اللهُ حفظ القرآن، فلم يقدر أحدٌ على الزِّيادة فيه ولا النُّقصان منه ولا تبديله، بخلاف غيره من الكُتُب، فإنَّ حفظها موكول إلى أهلها لقوله: {بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللهِ}.»([6])
قال الإمام أبو محمد القيرواني رحمه الله: «وقد أخبرنا اللهُ أنَّهم استحفظوا كتابهم، وأعلمنا أنَّهم بدَّلوا وغيّروا، وأعلمنا تعالى أنَّه يحفظ علينا ما أنزله من القرآن، فقال: {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}، فغير جائز أن يُبدِّل أحدٌ، أو يُغيِّر ما حفظه الله علينا، فنحن أُمَّة محمد ﷺ برآء من التَّبديل والتَّغيير لشيء من كتاب الله، إذ الله تولَّى حفظه علينا، ولم يُسلِّم أهل التَّوراة من ذلك، إذ الله استحفظهم عليه فخانوا، ولم يحفظه هو.»([7])
وقال أيضاً في موضعٍ آخر: «فأعلم اللهُ جلَّ ذكره أنَّه المُتولِّي لحفظ كتابه علينا، ولم يَكِل ذلك إلينا، فَسَلِمَ من التَّغير. ولو وكلَّه إلينا لم نأمن أن يُغيِّره ويُبدِّله زنادقة هذه الأُمَّة، فالحمد لله على ذلك، وقد وكَّل اللهُ حِفْظ التَّوراة والإنجيل إلى اليهود والنَّصارى فغيَّروه وبدَّلوا. وقد سُئل سُفيان بن عُيينة فقيل له: كيف غُيِّرت التَّوراة والإنجيل وهُما من عند الله؟!، فقال: إنَّ الله جلَّ ثناؤه وكَّل حفظهما إليهما، فقال جلَّ ذكره: {بِمَا استحفظوا مِن كِتَابِ الله}، ولم يَكِل حِفظ القُرآن إلى أحدٍ، فقال جلَّ ذكره: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}، فما حفظه الله علينا لم يُغيَّر.»([8])
قال الإمام القشيري رحمه الله: «يُخبر أنَّه استحفظ بنى إسرائيل التَّوراة فحرَّفوها، فلمَّا وَكَّل إليهم حفظها ضيَّعوها. وأمَّا هذه الأُمَّة فخصَّهم بالقُرآن، وتولّى سُبحانه حفظه عليهم، فقال: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ}، فلا جَرَمَ لو غيَّر واحدٌ حركةً أو سُكُوناً من القرآن لنادى الصِّبيان بتخطيئه.»([9])
وقال أيضاً في موضعٍ آخر: «أنزل التَّوراة وقد وكَّل حفظها إلى بنى إسرائيل {بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللهِ}، فحرَّفوا وبدَّلوا، وأنزل الفُرقان، وأخبر أنَّه حافظه، وإنَّما يحفظه بقُرّائه، فقُلُوب القُرَّاء خزائن كتابه، وهو لا يُضيِّع كتابه.»([10])
وقال أيضاً: «كذلك فإنَّهم استحفظوا كتابهم فبدَّلوه تبديلاً، بينما ضمن الحقُّ سُبحانه إعزاز هذا الكتاب بقوله: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ}.»([11])
قال الإمام ابن عطية الأندلسي رحمه الله: «وقوله تعالى: {بِمَا اسْتُحْفِظُوا} أي بسبب استحفاظ الله تعالى إيَّاهم أمر التَّوراة، وأخذه العهد عليهم في العَمَل والقول بها، وعرَّفهم ما فيها، فصاروا شُهداء عليه، وهؤلاء ضيَّعوا لما استحفظوا حتى تبدَّلت التَّوراة، والقُرآن بخلاف هذا لقوله تعالى: {وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ} والحمد لله.»([12])
قال الشيخ محمد سيد طنطاوي رحمه الله: «قال بعض العُلماء: سئل القاضي إسماعيل البصري عن السِّر في تطرُّق التَّغيير للكُتُب السَّالفة، وسلامة القُرآن من ذلك، فأجاب بقوله: إنَّ الله أوكل للأحبار حِفْظ كُتُبهم فقال: {بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللهِ}، وتولَّى سُبحانه حفظ القُرآن بذاته فقال: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ}. وقد ذكر الإمام القرطبي ما يُشبه ذلك نقلاً عن سُفيان بن عُيينة في قصَّة طويلة. والخُلاصة، أنَّ سلامة القُرآن من أيّ تحريف، رغم حِرْص الأعداء على تحريفه، ورغم ما أصاب المُسلمين من أحداث جِسام، ورغم تطاول القُرُون والدُّهُور، دليلٌ ساطعٌ على أنَّ هُناك قُوَّة خارقة، خارجة عن قُوَّة البشر، قد تولَّت حفظ هذا القُرآن، وهذه القُوَّة هي قُوَّة الله عزَّ وجلَّ، ولا يُماري في ذلك إلَّا الجاحد الجهول.»([13])
معنى الاستحفاظ في الكتاب المُقدَّس
معنى الاستحفاظ، وأنَّ بني إسرائيل لم يحفظوا كتاب الله عزَّ وجلَّ مِن التَّحريف موجود أيضاً في نُصُوص كثيرة من الكتاب المُقدَّس.
التَّثنية 31/25-29 (25 أَمَرَ مُوسَى اللاوِيِّينَ حَامِلِي تَابُوتِ عَهْدِ الرَّبِّ: 26 «خُذُوا كِتَابَ التَّوْرَاةِ هَذَا وَضَعُوهُ بِجَانِبِ تَابُوتِ عَهْدِ الرَّبِّ إِلهِكُمْ لِيَكُونَ هُنَاكَ شَاهِداً عَليْكُمْ. 27 لأَنِّي أَنَا عَارِفٌ تَمَرُّدَكُمْ وَرِقَابَكُمُ الصُّلبَةَ. هُوَ ذَا وَأَنَا بَعْدُ حَيٌّ مَعَكُمُ اليَوْمَ قَدْ صِرْتُمْ تُقَاوِمُونَ الرَّبَّ فَكَمْ بِالحَرِيِّ بَعْدَ مَوْتِي! 28 اِجْمَعُوا إِليَّ كُل شُيُوخِ أَسْبَاطِكُمْ وَعُرَفَاءَكُمْ لأَنْطِقَ فِي مَسَامِعِهِمْ بِهَذِهِ الكَلِمَاتِ وَأُشْهِدَ عَليْهِمِ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ. 29 لأَنِّي عَارِفٌ أَنَّكُمْ بَعْدَ مَوْتِي تَفْسِدُونَ وَتَزِيغُونَ عَنِ الطَّرِيقِ الذِي أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ وَيُصِيبُكُمُ الشَّرُّ فِي آخِرِ الأَيَّامِ لأَنَّكُمْ تَعْمَلُونَ الشَّرَّ أَمَامَ الرَّبِّ حَتَّى تُغِيظُوهُ بِأَعْمَالِ أَيْدِيكُمْ»).
رومية 3/1-4 (1 إِذاً مَا هُوَ فَضْلُ الْيَهُودِيِّ أَوْ مَا هُوَ نَفْعُ الْخِتَانِ؟ 2 كَثِيرٌ عَلَى كُلِّ وَجْهٍ! أَمَّا أَوَّلاً فَلأَنَّهُمُ اسْتُؤْمِنُوا عَلَى أَقْوَالِ اللهِ. 3 فَمَاذَا إِنْ كَانَ قَوْمٌ لَمْ يَكُونُوا أُمَنَاءَ؟ أَفَلَعَلَّ عَدَمَ أَمَانَتِهِمْ يُبْطِلُ أَمَانَةَ اللهِ؟ 4 حَاشَا! بَلْ لِيَكُنِ اللهُ صَادِقاً وَكُلُّ إِنْسَانٍ كَاذِباً.)
أعمال الرُّسُل 7/51-53 (51 «يَا قُسَاةَ الرِّقَابِ وَغَيْرَ الْمَخْتُونِينَ بِالْقُلُوبِ وَالآذَانِ أَنْتُمْ دَائِماً تُقَاوِمُونَ الرُّوحَ الْقُدُسَ. كَمَا كَانَ آبَاؤُكُمْ كَذَلِكَ أَنْتُمْ. 52 أَيُّ الأَنْبِيَاءِ لَمْ يَضْطَهِدْهُ آبَاؤُكُمْ وَقَدْ قَتَلُوا الَّذِينَ سَبَقُوا فَأَنْبَأُوا بِمَجِيءِ الْبَارِّ الَّذِي أَنْتُمُ الآنَ صِرْتُمْ مُسَلِّمِيهِ وَقَاتِلِيهِ 53 الَّذِينَ أَخَذْتُمُ النَّامُوسَ بِتَرْتِيبِ مَلاَئِكَةٍ وَلَمْ تَحْفَظُوهُ»).
ثانيًا: الأحاديث النَّبويَّة الصَّحيحة
أكَّدت السُّنَّة النَّبوِيَّة وُقُوع التَّحريف والتَّبديل في كُُتُب أهل الكتاب، إمَّا بنصّ النَّبيّ ﷺ أو بأقوال الصَّحابة بحضرته. ومن ذلك:
حديث عبدالله بن عباس رضي الله عنهما
في صحيح البخاري (2685): أنَّه قال مُستنكرًا على المُسلمين سؤال اليهود والنَّصارى: «يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الكِتَابِ، وَكِتَابُكُمُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ أَحْدَثُ الأَخْبَارِ بِاللَّهِ، تَقْرَءُونَهُ لَمْ يُشَبْ، وَقَدْ حَدَّثَكُمُ اللَّهُ أَنَّ أَهْلَ الكِتَابِ بَدَّلُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ وَغَيَّرُوا بِأَيْدِيهِمُ الكِتَابَ، فَقَالُوا: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا، أَفَلاَ يَنْهَاكُمْ مَا جَاءَكُمْ مِنَ العِلْمِ عَنْ مُسَاءَلَتِهِمْ، وَلاَ وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا مِنْهُمْ رَجُلًا قَطُّ يَسْأَلُكُمْ عَنِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ».
فهذا الأثر الصَّحيح المروي في البُخاري صريحٌ في إخبار النَّبي ﷺ وأصحابه بأنَّ أهل الكتاب غيّروا وحرّفوا كُتُبهم، وكتبوا كُتُبًا من عندهم ونسبوها إلى الله. وقد قال ابن عباس ذلك على ملأ مِن الصَّحابة ولم يُنكر عليه أحدٌ، فكان إجماعًا ضمنيًّا.
نهي النبي ﷺ عن تصديق أهل الكتاب مطلقًا أو تكذيبهم بلا تفصيل
«صحيح البخاري» (4215): عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ◙ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يقرؤون التَّوْرَاةَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ، وَيُفَسِّرُونَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ، وَقُولُوا: {آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا} الْآيَةَ.
«مسند أحمد» (17225): قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ، وَقُولُوا: آمَنَّا بِاللهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، فَإِنْ كَانَ حَقًّا لَمْ تُكَذِّبُوهُمْ، وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا لَمْ تُصَدِّقُوهُمْ.»
وهذا يُشير إلى اختلاط الحقّ المنزل بالباطل المُبدَّل في كُتُبهم، فلو كان كلّ ما عندهم حقًّا لما خيف من تكذيب حقّ، ولو كان كلّه باطلاً لما خيف من تصديق باطل.
«فتح الباري» لابن حجر (8/ 170 ط السلفية): «قَوْلُهُ: (لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ) أَيْ: إِذَا كَانَ مَا يُخْبِرُونَكُمْ بِهِ مُحْتَمَلًا لِئَلَّا يَكُونَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ صِدْقًا فَتُكَذِّبُوهُ، أَوْ كَذِبًا فَتُصَدِّقُوهُ فَتَقَعُوا فِي الْحَرَجِ. وَلَمْ يَرِدِ النَّهْيُ عَنْ تَكْذِيبِهِمْ فِيمَا وَرَدَ بِخِلَافِهِ. وَلَا عَنْ تَصْدِيقِهِمْ فِيمَا وَرَدَ شَرْعُنَا بِوَفَائِهِ. نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله.»([14])
«أعلام الحديث» (3/ 1801-1802): «وقد أمرنا أن نؤمن بالكُتُب المنزلة على الأنبياء إلَّا أن قُرَّاء الكُتُب من اليهود والنَّصارى قد حرَّفوا وبدَّلوا ولا سبيل لنا إلى العِلْم بما هو صحيح منه، وأن ما يحكونه عن تلك الكُتُب هل هو مُستقيم؟ فأمرنا بالتَّوقُّف فيه، فلا نُصدِّقهم لئلَّا نكون شركاء معهم فيما حرَّفوه وبدَّلوه منه، ولا نُكذِّب به، فلعلَّه يكون صحيحاً فنكون مُنكرين لما أمرنا أن نؤمن، ونقول: آمنا بما أنزل الله مِن كتاب.»([15])
«المفاتيح في شرح المصابيح» (1/ 259): «قوله: “لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم”؛ يعني: إن تحدَّث اليهود بشيء من التَّوراة، أو النَّصارى بشيء من الإنجيل، وقالوا: في التَّوراة كذا، وفي الإنجيل كذا = (لا تصدقوهم)؛ يعني: لا تقولوا: إنَّه حقّ؛ لأنَّه يُحتمل أن يكون كذبًا، (ولا تكذبوهم)؛ أي: لا تقولوا: إنَّه كذب؛ لأنَّه يُحتمل أن يكون صدقًا.»([16])
حديث رجم اليهوديَّين الثَّابت في الصَّحيحين وغيرها
جاء اليهود إلى النَّبيّ ﷺ وقد وقع الزِّنى بين رجل وامرأة منهم، فأرادوا تحكيمه طمعًا في تخفيف الحكم. فسألهم النَّبيّ ﷺ: «ما تجدون في التَّوراة في شأن الرَّجم؟» فتهرَّبوا من الجواب، فجاؤوا بالتَّوراة وقرءوها، ووضع أحدهم يده على آية الرَّجم ليُخفيها، فقرأ ما قبلها وما بعدها فقط. وكان حاضراً الصَّحابي عبدالله بن سلام (وكان حبرًا يهوديًّا فأسلم) فقال لليهودي: «ارفع يدك!» فرفعها، فإذا آية الرجم تحت يده. فقال اليهودي: «صدقت يا محمد، فهذه الآية في التوراة». فأمر النَّبيّ ﷺ برجمهما تنفيذًا لحكم التَّوراة الصَّحيح.
دلالة الحديث: حاول أحبار اليهود تحريف كتاب الله بالكتمان والتَّغطية على مواضع منه فرارًا من الحُكم الشَّرعي، ولو قدروا على تبديلها لأبدلوها، فلم يكن تحريفهم لها إلَّا تحريفًا عمليًا بإخفائها. وهذا نوع من التَّحريف شهد عليه الرسول ﷺ وأصحابه.
الحمد لله رب العالمين
[1] أبو منصور محمد الماتريدي (ت333هـ): تأويلات أهل السُّنَّة، دار الكُتُب العلمية ببيروت، الطَّبعة الأولى، المُجلَّد الثالث، صـ527.
[2] المرجع السابق، المُجلَّد السادس، صـ189.
[3] محمد الأمين الشنقيطي (ت1393هـ): أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، دار الفكر ببيروت، المُجلَّد الأوَّل، صـ404.
[4] التفسير الوسيط للقرآن الكريم، دار نهضة مصر بالقاهرة، الطَّبعة الأولى، المُجلَّد الرابع، صـ165.
[5] أبو عبد الله شمس الدين القرطبي (ت671 هـ): الجامع لأحكام القرآن، دار عالم الكتب بالرياض، المجلد العاشر، صـ5.
[6] أبو القاسم محمد الكلبي (ت741 هـ): التَّسهيل لعُلُوم التَّنزيل، دار الكتب العلمية ببيروت، الجزء الأول، صـ450.
[7] أبو محمد مكي بن أبي طالب القيرواني (ت437هـ): الهداية إلى بُلُوغ النِّهاية، كلية الشريعة بجامعة الشَّارقة، الطَّبعة الأولى، المُجلَّد الثالث، صـ1730.
[8] المرجع السَّابق، المُجلَّد الثاني عشر، صـ7876.
[9] عبد الكريم بن هوازن القشيري (ت465هـ): لطائف الإشارات، الهيئة المصرية العامة للكتاب، الطَّبعة الثالثة، المُجلَّد الأوَّل، صـ425.
[10] المرجع السَّابق، المُجلَّد الثاني، صـ264.
[11] المرجع السَّابق، المُجلَّد الثاني، صـ472.
[12] أبو محمد عبد الحق ابن عطية الأندلسي (ت542هـ): المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، دار الكُتُب العلمية ببيروت، الطَّبعة الأولى، المُجلَّد الثاني، صـ196.
[13] التَّفسير الوسيط للقرآن الكريم، دار نهضة مصر بالقاهرة، الطَّبعة الأولى، المُجلَّد الثامن، صـ21.
[14] أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (773 – 852 هـ): فتح الباري بشرح البخاري، المكتبة السلفية مصر، الطبعة «السلفية الأولى»، 1380-1390هـ.
[15] أبو سليمان حمد بن محمد الخطابي (ت 388 هـ): أعلام الحديث (شرح صحيح البخاري)، المُحقِّق: د. محمد بن سعد بن عبد الرحمن آل سعود، جامعة أم القرى (مركز البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي) الطبعة الأولى، 1409هـ -1988م.
[16] مظهر الدين الحسين بن محمود بن الحسن الزَّيْدَانيُّ (ت 727 هـ): المفاتيح في شرح المصابيح، تحقيق ودراسة: لجنة مختصة من المحققين بإشراف: نور الدين طالب، دار النوادر، وهو من إصدارات إدارة الثقافة الإسلامية – وزارة الأوقاف الكويتية، الطبعة الأولى، 1433هـ -2012م.