القائمة إغلاق

خُلاصة دورة علمية: تاريخ الكتاب المقدس وتشكيل قانون العهد الجديد، إعداد: بارت إيرمان

خُلاصة دورة علمية:

تاريخ الكتاب المقدّس: تشكيل قانون العهد الجديد

إعداد / بارت إيرمان

تحميل الخُلاصة: [DOC] [PDF]

فهرس المواضيع:

نظرة عامَّة على العهد الجديد. 2

بولس أقدم كاتب مسيحي لدينا 4

مشكلة الكتابة باسم مستعار (Pseudonymity) 6

بدايات التقليد الإنجيلي (Gospel Traditions) 8

أقدم الأناجيل. 10

الأناجيل الأُخرى. 12

الرؤيويّة وسفر رؤيا يوحنّا 14

النُّسَّاخ الذين نقلوا إلينا الكُتُب المُقدَّسة. 16

السُّلطة في الكنيسة الأولى. 19

أهمّيّة التَّفسير. 21

متى تمّ تثبيت قانون العهد الجديد؟. 22

 

نظرة عامَّة على العهد الجديد

كيف حصلنا على الكُتب السبع والعشرين التي يتكوّن منها العهد الجديد؟ متى وكيف كُتبت هذه الكُتب؟ ولأيّ غرض؟ كيف تمّ تداولها ونقلها؟ ومتى جُمِعت لتشكّل قانونًا للكُتُب المُقدَّسة (Scripture

سوف نركّز على المعلومات التاريخيّة المتعلّقة بالعهد الجديد.

يتضمّن العهد الجديد سبعًا وعشرين (27) سِفرًا مستقلًّا، كتبها أربعة عشر أو خمسة عشر من الكُتّاب المسيحيّين الأوائل، وُجّهت إلى جماعات وأفراد مسيحيّين آخرين.

وتُعدّ هذه الكتب أقدم الكتابات المسيحيّة التي وصلتنا، وقد كُتبت خلال القرن الميلادي الأوّل.

جميع هذه الكتب كُتبت أصلاً باللغة اليونانيّة، والتي لم تكن لغة يسوع أو أوائل أتباعه الذين تكلّموا الآراميّة، بل كانت لغة الغالبيّة من المسيحيّين في الجيل الثاني، وهو الوقت الذي بدأت فيه هذه الكتب بالظهور.

تُنظَّم كُتب العهد الجديد في أربع مجموعات بحسب النوع الأدبي (genre).

يبدأ العهد الجديد بالأناجيل، وهي أربع روايات عن حياة يسوع وخدمته وموته وقيامته.

ثم يتبعها سفر أعمال الرسل، وهو سرد تاريخي لحياة الكنيسة المسيحيّة وجهودها التبشيريّة بعد قيامة يسوع.

ويلي ذلك إحدى وعشرون (21) رسالة، وهي رسائل فعليّة كتبها قادة مسيحيّون، أبرزهم الرسول بولس، إلى جماعات وأفراد مسيحيّين، وتتناول مشكلات الإيمان والحياة.

ويُختَتم العهد الجديد برؤيا نهاية العالم كما نعرفه، وهي «سفر رؤيا يوحنّا» (Revelation of John).

وقد كُتبت كتب مسيحيّة أخرى في الفترة الزمنية ذاتها تقريبًا، لكنها لم تُدرَج في العهد الجديد.

ومن بين الأسئلة التي سنطرحها: لماذا اعتُبِرت هذه الكتب السبع والعشرون وحدها نصوصًا مقدّسة (sacred Scripture)، بينما لم يُعترف بالأخرى؟

تُعَدّ الأناجيل أقدم الروايات لدينا عن حياة يسوع وموته وقيامته.

ويُفرّق العلماء عادةً بين «الأناجيل الإزائيّة» (synoptic Gospels) من جهة، وإنجيل يوحنّا من جهة أخرى.

تروي الأناجيل الإزائيّة (متى، مرقس، لوقا) العديد من القصص نفسها، وغالبًا ما تستخدم الألفاظ ذاتها.

أما إنجيل يوحنّا، فلديه مجموعة خاصّة من الروايات وأسلوب مختلف كليًّا في العرض.

كذلك فإنّ سفر أعمال الرسل لا يستند فقط إلى اهتمامات تاريخيّة بحتة، بل تحرّكه أجندة لاهوتيّة قويّة تهدف إلى إظهار أنّ الله كان يعمل في نشر الرسالة المسيحيّة.

ويَتتبع هذا السفر انتشار المسيحيّة من بداياتها المتواضعة بعد موت يسوع إلى وصولها المرموق، بعد جهود بولس التبشيريّة، إلى عاصمة الإمبراطوريّة نفسها، روما.

ومن الأسئلة التي طرحها العلماء حول هذا السفر: مدى دقّته التاريخيّة في ضوء الأجندة اللاهوتيّة الواضحة التي يتبنّاها.

تُقسَّم رسائل العهد الجديد عادةً إلى قسمين: تلك المنسوبة إلى بولس من جهة، والرسائل «الكاثوليكيّة» (أي العامة أو الشاملة) (catholic Epistles) التي كتبها عدد من المؤلّفين من جهة أخرى.

من بين الرسائل الثلاث عشرة التي تُنسب إلى بولس، هناك سبع يُجمِع العلماء على أنّها كُتبت بيده.

وتتناول هذه الرسائل، في معظمها (مع استثناء واحد)، مشكلات ظهرت في الكنائس التي أسّسها بولس كمبشّر مسيحيّ في ما يُعرف اليوم باليونان وتركيا.

أمّا الرسائل الست الأخرى التي تُنسب إلى بولس، فقد شكّك العلماء منذ زمن طويل في أنّها كُتبت فعلًا بواسطته. ويُعتقد أنّ ما يُعرف بـ «الرسائل البولسيّة الثانية» (Deutero-Pauline Epistles) ألّفها أتباع لاحقون لبولس لمعالجة مشكلات ظهرت في زمنهم الخاص.

وهناك ثماني (8) رسائل أخرى في العهد الجديد، كتبها مؤلفون متعدّدون لمعالجة قضايا مختلفة. وهنا أيضًا، هناك شكوك حول بعض هذه الرسائل (مثل رسالة بطرس الثانية) في كونها قد كُتبت فعلًا من قِبَل الكتّاب الذين يُنسبون إليها. وسوف نتناول في محاضراتنا مسألة «الكتابة باسم مستعار» (Christian pseudepigraphy)، أي تأليف كتب تحت اسم مزيّف.

أمّا سفر رؤيا يوحنّا، فهو السفر الوحيد في العهد الجديد الذي يُصنّف ضمن الأدب «الرؤيوي» (apocalyptic). وسنسعى إلى فهم كيفية عمل هذا النمط الأدبي في المسيحيّة واليهوديّة الأولى، لكي نُدرِك كيف أنّ هذا السفر لا يقدّم «خريطة للمستقبل» كما يُزعَم كثيرًا، بل يندرج ضمن سياقه التاريخيّ لتقديم رسالة رجاء لأولئك الذين كانوا يواجهون الاضطهاد كأتباعٍ للمسيح.

وخلاصة القول: إنّ العهد الجديد مجموعة متنوّعة ومثيرة للاهتمام من الكتب، بأقلام مؤلفين مختلفين، وبأنواع أدبيّة متعدّدة، وبتوجّهات دينيّة متباينة، وجماهير قرّاء متنوعة، وتعاليم متغايرة.

بولس أقدم كاتب مسيحي لدينا

لدهشة العديد من القرّاء، فإنّ أقدم كُتب العهد الجديد لم تكن الأناجيل، بل رسائل بولس (Epistles of Paul)، التي كُتبت في خمسينيّات القرن الميلادي الأوّل، أي بعد نحو 20 إلى 25 سنة من وفاة يسوع، وقبل نحو 20 إلى 25 سنة من كتابة الأناجيل.

وهذه الرسائل، في معظمها، كتبها بولس إلى الكنائس التي كان قد أسّسها في آسيا الصغرى ومقدونيا وآخائية، وهي المناطق التي تُعرف اليوم بتركيا واليونان.

ومن خلالها، نتعرّف ليس فقط على الصعوبات التي كانت تواجه الكنيسة المسيحيّة في سنواتها الأولى، بل أيضًا على حياة وتعاليم بولس نفسه، الذي يُعتبَر بلا جدال من أهم الشخصيّات في تاريخ المسيحيّة بعد يسوع.

وقد ذهب بعض الباحثين إلى القول إنّه لولا الرسول بولس، لكانت المسيحيّة قد نشأت بصيغة مختلفة تمامًا، أو ربّما لما نشأت أساسًا كديانة عالميّة كبرى.

بدأ بولس حياته لا كأحد أتباع يسوع، بل كفريسيّ يهوديّ غيور كان يضطهد الكنيسة المسيحيّة.

فمعظم اليهود في ذلك الزمن لم يكونوا يتوقّعون مجيء «المسيّا» (messiah)، لكنّ بعضهم كان ينتظر «مسيّا» محاربًا يطرد المحتلّين الرومان؛ فيما رأى آخرون أنّه سيكون كائنًا سماويًّا؛ وتوقّع آخرون أن يكون كاهنًا عظيمًا.

لكن لم يكن أحد يتوقّع أن يكون «المسيّا» مجرمًا مصلوبًا.

وقد رأى اليهود يسوع على أنّه مجرّد مجرم مصلوب؛ واعتُبر القول بأنّه «المسيّا» تجديفًا. ولهذا السبب كان بولس يضطهد المسيحيّين.

لكن في واحدة من أعظم التحوّلات في التاريخ كلّه، تحوّل بولس من مضطهِدٍ للكنيسة المسيحيّة إلى أعظم داعية ومبشّر لها.

ويبدو أنّه اختبر رؤية (visionary experience) للمسيح خلال فترة اضطهاده للمسيحيّين، ما غيّر نظرته تمامًا: فلم يعُد يرى يسوع كمَن لُعن من الله (من خلال صلبه)، بل كمَن أتمّ مقاصد الله بنفسه.

وربّما استمرّ بولس في الالتزام بالشريعة اليهوديّة، لكنّه توصّل إلى الاعتقاد بأنّ التقيّد بالشريعة لا يُبرّر الإنسان أمام الله؛ فموت المسيح وحده هو القادر على ذلك.

كما آمن بولس بأنّ قيامة يسوع كانت دليلًا على اقتراب نهاية الزمان. فقد كان يعتقد، كما كان يؤمن كثير من اليهود، بأنّ نهاية الزمان والدينونة الأخيرة قريبتان.

وكان يرى أنّ قيامة يسوع من بين الأموات تُشكّل «باكورة» (first fruit)، بمعنى أنّ احتفال «الحصاد» (أي نهاية الزمان) قد بدأ؛ وأنّ يسوع سيعود إلى الأرض بمجد، وأنّ هذا سيحدث خلال حياة بولس نفسه.

وعندما كان يسمع عن مشكلات في الكنائس التي تركها خلفه، كان يكتب رسائل إليها لمعالجة تلك القضايا.

ويبدو أنّ رسائل بولس كانت «تُقرأ» في الكنائس التي وُجّهت إليها، أي كانت تُقرأ جهرًا في اجتماعات جماعيّة.

وقد كُتبت هذه الرسائل، في مجملها، لمعالجة مشكلات ظهرت في تلك الكنائس، سواء فيما يتعلّق بكيفيّة العيش أو بما ينبغي الإيمان به.

مشكلة الكتابة باسم مستعار (Pseudonymity)

لا نعلم على وجه التحديد متى بدأ تجميع رسائل بولس ضمن مجموعة واحدة.

ويُفترض أنّ بعض الجماعات التي وجّه إليها رسائلَه احتفظت بنُسخ من عدّة رسائل (مثل جماعة كورنثوس)، على الرغم من أنّ بعض هذه الرسائل قد فُقِد لاحقًا (انظر: 1 كورنثوس 5:9).

لكن يبدو أنّه، مع نهاية القرن الميلادي الأوّل، كانت هناك بالفعل مجموعة من كتابات بولس في التداول (انظر: 2 بطرس 3:16).

ومع ذلك، كانت هناك رسائل مزوّرة تحمل اسم بولس متداولة منذ أزمنة مبكّرة.

والدليل القوي على ذلك يمكن أن يُرى في 2 تسالونيكي 2:2، التي تشير إلى رسالة نُسبت إلى بولس زورًا.

وهناك أسباب تدعو للاعتقاد بأنّ ستًا من الرسائل «البولسيّة» الموجودة في العهد الجديد هي في الواقع «كتابات باسم مستعار» (pseudepigraphical)، أي أنّها لم تُكتب فعليًّا من قِبَل بولس.

وغالبًا ما كان الكتّاب يزوّرون الوثائق فقط ليُفسَح المجال لآرائهم الخاصّة أن تُسمع.

ونحن نعرف عددًا من الرسائل المزوّرة المنسوبة إلى بولس منذ القرون الأولى للمسيحيّة.

فعلى سبيل المثال، هناك مجموعة رسائل يُزعم أنّها بين بولس وأشهر فلاسفة عصره، سينيكا (Seneca)، حيث يمتدح الأخير بولس بإسهاب، ويشير إلى أنّ الإمبراطور نيرون نفسه تأثّر بأفكاره.

وهناك أيضًا رسالة ثالثة إلى أهل كورنثوس تحذّر من بدَع تعود إلى القرن الثاني (وهي في الواقع من ذلك القرن!).

فهل من الممكن أنّ بعض الكتابات المنسوبة إلى بولس، والتي أُدرجت في العهد الجديد، كانت بدورها مزوّرة؟

قسّم العلماء مجموعة رسائل بولس إلى ثلاث فئات:

الرسائل البولسيّة غير المُتنازع عليها (undisputed Pauline letters)، وعددها سبع رسائل.

الرسائل البولسيّة الثانية (Deutero-Pauline Epistles)، التي يُرجَّح أن بولس لم يكتبها، مثل: 2 تسالونيكي، أفسس، وكلوسي. وقد استند العلماء في مناقشتهم لمدى نسبة هذه الرسائل إلى بولس على جوانب مثل: التماسك في المفردات، والأسلوب الكتابي، والمعتقدات اللاهوتيّة.

الرسائل الرعويّة (Pastoral Epistles)، التي يُرجَّح بشدّة أنّ بولس لم يكتبها، وهي: 1 و2 تيموثاوس، وتيطس.

وتبدو الرسائل الرعويّة، على وجه الخصوص، وكأنّها مؤلّفات لاحقة، كتبها أحد أتباع بولس من الجيل الثاني أو الثالث.

لكن هذه الرسائل لا تبدو وكأنّها من تأليف بولس نفسه، لعدّة أسباب:

المفردات المستخدمة فيها تبدو غير بولسيّة.

الأهمّ من ذلك، أنّ الوضع الكنسيّ الذي تفترضه هذه الرسائل لا يتوافق مع زمن بولس، حيث لم تكن هناك بُنى هرميّة كنسيّة، بل جماعات كاريزمية تُقاد بواسطة «الرّوح».

ويبدو، إذًا، أنّ أحد أفراد كنائس بولس، وبعد نحو عشرين أو ثلاثين سنة من وفاته، كتب بعض الرسائل باسمه لمعالجة مشكلات ظهرت في عصره.

وقد جرى تداول هذه الرسائل، جنبًا إلى جنب مع الرسائل التي كتبها بولس فعليًّا، تحت اسم الرسول، وفي نهاية المطاف، أُدرجت جميعها ضمن العهد الجديد.

بدايات التقليد الإنجيلي (Gospel Traditions)

على الرغم من أنّ الأناجيل تظهر كأوّل كُتب العهد الجديد، فإنّها لم تكن أوّل ما كُتب من تلك الكُتب.

كما رأينا، فإنّ معظم رسائل بولس كُتبت في خمسينيّات القرن الميلادي الأوّل.

أما أقدم الأناجيل، فهو إنجيل مرقس، وقد كُتب بعد ذلك بنحو عقد، على الأرجح بين عامي 65 و70 للميلاد.

ويرجّح أنّ إنجيلي متّى ولوقا كُتبا بعده بنحو 10 إلى 15 سنة (أي بين عامي 80 و85 م)، في حين كُتب إنجيل يوحنّا بعد ذلك بنحو عشر سنوات أخرى (أي بين عامي 90 و95 م).

وليست هذه الأناجيل رسائل مراسلة، بل هي سرديّات (narratives) تروي قصص حياة يسوع وخدمته وموته وقيامته.

وعلى الرغم من أنّ الأناجيل تُنسب إلى متّى ومرقس ولوقا ويوحنّا، فإنّها كُتبت في الواقع دون ذكر أسماء المؤلّفين.

أما العناوين الموجودة في نسخنا الإنجليزيّة من الكتاب المقدّس، فهي إضافات لاحقة، وليست جزءًا أصليًّا من النصّ نفسه.

ويُلاحظ أنّ سرد الأناجيل كُتب دائمًا بصيغة الغائب (third person).

أما التقليد القائل إنّها كُتبت بواسطة اثنين من التلاميذ (متّى ويوحنّا)، واثنين من رفقاء الرسل (مرقس ولوقا)، فلا نجد له شهادة إلا في القرن الثاني الميلادي.

وما يمكننا قوله بيقين عن الكتّاب هو أنّهم جميعًا كانوا مسيحيّين متعلّمين، مثقّفين، يتكلّمون اليونانيّة، ومن الجيل الثاني (على الأقل).

ويقابل ذلك تلاميذ يسوع، الذين كانوا من الطبقات الدنيا، غير متعلّمين، يتكلّمون الآراميّة، وكانوا فلاحين.

ويبدو، إذًا، أنّه من غير المحتمل أن يكون أيّ من هذه الأناجيل قد كُتب فعليًّا بواسطة أحد أتباع يسوع المقرّبين.

فمن أين، إذًا، حصل هؤلاء الكتّاب على معلوماتهم عن يسوع؟

نظرًا لأنّ الأناجيل لا تُقدّم نفسها كشهادات عيان (eyewitness accounts) للأحداث التي قالها أو فعلها يسوع فهي لا تدّعي ذلك أبدًا يبدو أنّها استندت إلى تقاليد شفهيّة (oral traditions) كانت متداولة عن يسوع على مدى العقود التي تفصل بين حياته وبين زمن تأليف الأناجيل.

فعندما كان المؤمنون بالمسيح يُبشّرون آخرين ويجتذبونهم إلى الإيمان، كانوا يروون لهم قصصًا عمّا قاله وفعله يسوع.

لكن، ماذا يحدث للقصص التي تنتقل شفهيًّا على مدى سنوات؟ من الواضح أنّها تتعرّض للتغيير مع تكرار الرواية.

ولا ينبغي أن نتصوّر أنّ العالم الروماني القديم، بوصفه ثقافة شفهيّة، قد أولى عناية فائقة للحفاظ على دقّة القصص.

فهناك أدلّة قويّة على أنّ القصص المتعلّقة بيسوع قد عُدّلت وتغيّرت مع مرور الزمن، قبل أن تُدوَّن في الأناجيل، وأنّ بعض هذه القصص في الواقع ليس له طابع تاريخي على الإطلاق.

وتأتي الأدلّة على ذلك من التناقضات التي نجدها بين روايات مختلفة للقصة نفسها لدى مؤلّفين مختلفين.

وبعض هذه التناقضات يطال مسائل ذات أهميّة جوهريّة، مثل: هل طهّر يسوع الهيكل في بداية خدمته أم في نهايتها؟

أقدم الأناجيل

إنّ التباينات بين الأناجيل ليست مهمّة في حدّ ذاتها فقط (لإظهار أنّ هناك اختلافات)، بل لأنّها تُبيّن لنا أنّ كلّ إنجيل هو عمل مستقلّ ومختلف.

فإذا حاولنا أن نجعل الأناجيل كلّها تقول الشيء نفسه، فإنّنا نكون، بطريقة ما، نكتب إنجيلاً خاصًّا بنا، يختلف عن أيٍّ من الأناجيل الأربعة الموجودة في العهد الجديد.

وهذه الفروقات بين الأناجيل تؤثّر أحيانًا على بعض القصص الأكثر شهرة وأهميّة التي ترويها.

فعلى سبيل المثال، تختلف روايتا ولادة يسوع في إنجيلي متّى ولوقا اختلافًا لافتًا.

وتبرز أيضًا مشكلات تاريخيّة في هذه الروايات، منها:

طبيعة النجم المعجزيّ في إنجيل متّى الذي يقود المجوس إلى المكان الدقيق لولادة يسوع،

والإحصاء السكّاني المذكور في إنجيل لوقا، الذي يفترض أن يُطلَب من كلّ شخص أن يعرف مكان أجداده.

وفوق ذلك، يشير لوقا إلى أنّ هذا الإحصاء شمل الإمبراطوريّة الرومانيّة بأسرها، ولا نجد أيّ إشارة إلى مثل هذا الإحصاء الضخم في أيّ مصدر آخر سوى عند لوقا.

كذلك تختلف روايات موت يسوع بين إنجيلي مرقس ولوقا بشكل واضح.

لذلك، فإنّ الأفضل لنا أن نترك لكلّ مؤلّف أن يروي قصّته عن يسوع بطريقته الخاصّة.

يُصوّر إنجيل مرقس يسوع على أنّه ابن الله المتألّم، الذي لا يتعرّف عليه أحد إلى أن نصل إلى نهايته.

ويُصوّر إنجيل متّى يسوع على أنّه «المسيّا» اليهودي، المُرسَل من الإله اليهودي إلى الشعب اليهودي، ليُتمّم الشريعة اليهوديّة (Jewish Law).

وتتجلّى يهوديّة هذا الإنجيل منذ بدايته، من خلال نسب يسوع.

كما تظهر في المواضع الكثيرة التي يُشير فيها الكاتب إلى أنّ يسوع قد أتمّ النبوءات الكتابيّة.

ويُلفت النظر في هذا الإنجيل أنّ يسوع يُشدّد على ضرورة التزام أتباعه بالشريعة اليهوديّة، بل أن يلتزموها أفضل من الكتبة والفريسيّين المتديّنين.

أمّا إنجيل لوقا، فيُصوّر يسوع على أنّه نبيّ يهوديّ رُفِض من قِبل شعبه، لكي تُنقَل رسالته لاحقًا إلى الأمم (Gentiles).

ويعود نَسَب يسوع، في رواية لوقا، إلى آدم والد البشريّة جمعاء، وليس فقط والد اليهود.

ويُقدّم إنجيل يوحنّا يسوع على أنّه الآتي من السماء ليُعلّم الحقّ الذي يمنح الحياة الأبديّة لمن يؤمن.

وفي إنجيل يوحنّا، لا يعظ يسوع عن «ملكوت الله» القادم، بل عن هويّته الشخصيّة.

وعلى خلاف الأناجيل الإزائيّة (synoptics)، يُظهر يسوع في هذا الإنجيل استعدادًا أكبر للقيام بالمعجزات كعلامات (signs) تؤكّد صحّة أقواله عن نفسه.

إنّ كلّ واحد من الأناجيل الأربعة يُشكّل رواية مختلفة عن يسوع، وينبغي أن يُدرَس بحسب خصائصه الذاتيّة، لكي نعرف ما يقوله كلٌّ منها عن معنى حياة يسوع وموته.

الأناجيل الأُخرى

بينما يعرف معظم الناس الأناجيل الأربعة: متّى ومرقس ولوقا ويوحنّا، فإنّ كثيرين لا يُدركون أنّ هناك أناجيل أخرى كُتبت على يد مسيحيّين أوائل.

وهذه الأناجيل تمثّل روايات أخرى عن أقوال يسوع وأفعاله، وعن موته وقيامته. والسؤال الذي يُطرح: لماذا لم تُدرَج هذه الأناجيل الأخرى ضمن العهد الجديد؟

إنّ كلمة «إنجيل» (Gospel) تحمل معنيين: عامّ وتقني.

ففي معناها العامّ، كما رأينا، تعني الكلمة حرفيًّا «البشرى السارّة» (good news).

لكن، ومنذ وقت مبكّر في المسيحيّة، استُخدمت الكلمة أيضًا بمعناها التقني للإشارة إلى نوع معيّن من الكُتب التي تنقل هذه «البشرى السارّة»، أي الروايات التي تتناول أقوال يسوع وأفعاله.

وبهذا المعنى التقني، لدينا عدد من الأناجيل التي بقيت من العصور المسيحيّة القديمة.

وفي الواقع، لا نعرف عدد الأناجيل الأُخرى التي كُتبت في العصور القديمة هل هي 80 أو 800؟

لكن ما وصلنا منها يبلغ نحو 25 إلى 30 إنجيلاً، كثير منها في حالة مجتزأة جدًّا.

ويعود تاريخ هذه الأناجيل إلى القرن الثاني الميلادي.

ومن بين أقدم هذه الأناجيل غير القانونيّة (non-canonical Gospels): إنجيل الطفولة لتوما (Infancy Gospel of Thomas)، وإنجيل بطرس (Gospel of Peter)، والإنجيل القبطي لتوما (Coptic Gospel of Thomas).

يُعتبَر «إنجيل الطفولة لتوما» أقدم رواية وصلت إلينا عن حياة يسوع كطفل صغير.

وتبدأ الرواية بوصف يسوع في سنّ الخامسة، حيث كان يحبّ اللعب ويستخدم قواه الخارقة للهو.

لكنّه يُظهر ميولًا شقيّة، ويستخدم قوّته لإيذاء من يزعجه.

وفي النهاية، يُصلِح ما ارتكبه من أذى، فيشفي مَن أصابهم، ويُقيم من الموت مَن قتلهم، ويُصبح مطيعًا لوالديه، ويستخدم قواه للخير.

وعلى الرغم من قِدم هذا النص إذ يعود إلى أوائل أو منتصف القرن الثاني فلا يبدو أنّه يحتوي على معلومات تاريخيّة ذات أهميّة تُذكر.

أمّا «إنجيل بطرس»، فقد وصلنا فقط على شكل مقطع مجتزأ، اكتُشف في القرن التاسع عشر داخل قبر راهب مسيحي.

وهناك أوجه تشابه كثيرة بين هذه الرواية وتلك التي في أناجيل العهد الجديد، لكن من الصعب تحديد ما إذا كان هذا المؤلّف قد استخدم تلك الروايات السابقة أم لا.

فعلى سبيل المثال، تُحمّل الرواية اليهودَ مسؤوليّة موت يسوع بالكامل.

وتتضمّن بعض المقاطع التي قد تُفهَم بطريقة «هرطوقيّة»، تُشير إلى أنّ المسيح لم يتألّم فعليًّا.

لكنّ الأكثر إثارة للانتباه هو وجود رواية فعليّة لخروج يسوع من القبر، حيث يظهر أطول من ناطحة سحاب، ويتبعه الصليب خارجًا من القبر.

وربّما يُعتبَر «الإنجيل القبطي لتوما» أهمّ إنجيل اكتُشف في العصر الحديث، إذ عُثر عليه سنة 1945 ضمن مجموعة مخطوطات في صعيد مصر.

ويحتوي هذا الكتاب على 114 قولًا منسوبًا إلى يسوع، كثير منها مألوف من الأناجيل القانونيّة، لكنّ بعضها الآخر غريب للغاية.

ولا يزال العلماء يناقشون كلّ جانب من جوانب هذا الكتاب وأقواله؛ فالبعض يرى أنّه يسبق الأناجيل القانونيّة، لكنّ معظمهم يعتقد أنّ محتوياته تعود إلى تاريخ لاحق ربّما أوائل القرن الثاني وأنّها تأثّرت بحركات مسيحيّة مثل الغنوصيّة المبكّرة (early Gnosticism).

لكن قلّة قليلة من هذه الأناجيل حظيت بانتشار واسع أو قبول كبير مثل تلك التي أُدرِجت في العهد الجديد.

وعلاوة على ذلك، فإنّ معظم هذه الأناجيل جاء في فترة متأخّرة نسبيًّا مقارنة بالنصوص القانونيّة، وكانت مشبعة بعناصر أسطوريّة مضافة إلى حياة يسوع وتعاليمه.

ولذلك، فإنّ الأناجيل الأربعة التي دخلت في العهد الجديد تُعتبَر في العموم أقدم الروايات وأكثرها تداولًا عن يسوع في التاريخ المسيحي القديم.

الرؤيويّة وسفر رؤيا يوحنّا

كُتبت رؤى (Apocalypses) عديدة في العالم القديم، على الرغم من أنّ معظم الناس اليوم لا يعرفون سوى واحدة منها، وهي «رؤيا يوحنّا» (Apocalypse of John)، المعروفة أيضًا باسم «سفر الرؤيا» (Book of Revelation).

وما تشترك فيه كلّ هذه الرؤى هو أنّها تَعرض، في صيغة سرديّة، نظرةً رؤيويّة للعالم (apocalyptic worldview).

وبشكل أكثر تحديدًا، كان أتباع الفكر الرؤيوي (apocalypticists) يعتنقون أربع مبادئ رئيسيّة:

الثنائيّة (Dualism): كانوا يؤمنون بأنّ هناك قوى للخير وأخرى للشرّ في العالم، وأنّ كلّ إنسان ينتمي إلى أحد الجانبين؛ بل إنّ التاريخ ذاته كان ثنائيًّا، إذ إنّ هذا «الدهر الحاضر» تحكمه قوى الشرّ، بينما «الدهر الآتي» ستحكمه كلّ قوى الخير.

التشاؤم (Pessimism): وبما أنّ قوى الشرّ هي السائدة في هذا العالم، فإنّ الأمور لا يمكن إلا أن تسوء.

الإنصاف أو الانتصاف (Vindication): ولكن، في نهاية هذا الدهر، سيتدخّل الله ليقضي على قوى الشرّ ويقيم ملكوته الصالح. وعندئذ، سيُقام الموتى للمثول أمام الدينونة: فيُعاقَب الأشرار بعقاب أبدي، ويُكافأ الأبرار بمكافأة أبديّة.

الوشوك أو القرب (Imminence): بالنسبة للمفكّرين الرؤيويّين من اليهود، فإنّ ملكوت الله القادم كان قريبًا جدًّا، ويمكن أن يأتي في أيّ لحظة. لذلك، كان على الناس أن يستعدّوا له بالتوبة والرجوع إلى الله.

وعمومًا، كانت هذه الرؤى سردًا لتجارب رؤيويّة تشرح معاناة الزمن الحاضر في ضوء حقائق سماويّة.

وكان معظمها (وليس كلّها) يُكتب باسم شخصية دينيّة من الماضي، أي أنّها كانت «مزوّرة» من حيث اسم المؤلّف (pseudonymous).

وكان يُمنَح هذا الشخص المزعوم مجموعة من الرؤى التي غالبًا ما تتضمّن صورًا رمزيّة غريبة للغاية.

ويكون تفسير هذه الرؤى موكولًا عادةً إلى ملاك سماويّ.

ولا يُقصَد من هذه الرؤى أن تُفهم حرفيًّا، بل إنّها بيانات رمزيّة تعبّر إمّا عن ما يحدث فعليًّا على الأرض، أو ما سيحدث قريبًا.

وكانت تفسيرات الملاك هي المفتاح لفهم هذا الرمز.

وتتميّز هذه الرؤى، في العادة، بخاتمة انتصاريّة: الله سيغلب في النهاية!

وكان دورها الأساسيّ هو تشجيع المؤمنين على الثبات في الإيمان، لأنّ معاناتهم الحالية ستُجازى قريبًا بالإنصاف الإلهيّ.

وفيما يتعلّق ببنية سفر الرؤيا، فإنّ يوحنّا، النبي الأرضي، يُمنح رؤًى سماويّة تكشف له ما سيحدث قريبًا على الأرض: من كوارث وخراب ودمار شامل، إلى أن يأتي المسيح في النهاية ليقضي بالعدل على الشرّ وكلّ من يخضع له.

وأهمّ ما ينبغي التأكيد عليه هو أنّ هذا السفر لم يُكتب كخريطة مستقبليّة لعصرنا الحاضر، بل كُتب للمسيحيّين في زمنه.

ويظهر ذلك بوضوح خاصّ في الرموز التي يقوم الملاك الوسيط بتفسيرها داخل السفر.

فعلى سبيل المثال: «زانية بابل» في الإصحاح 17 تُشير إلى الاستغلال السياسيّ والاقتصاديّ الذي كان يعانيه العالم تحت سلطة روما.

و «ضدّ المسيح» (Antichrist) الذي يُرمَز له بالرقم 666 هو إشارة إلى أوّل إمبراطور معادٍ للمسيحيّة، نيرون قيصر، حيث تُضيف حروف اسمه إلى الرقم 666.

وكان الهدف من هذا السفر أن يشجّع أولئك الذين يواجهون الاضطهاد والمشقّة على التمسّك بالإيمان، لأنّ تدخّل الله في التاريخ كان وشيكًا، وسيؤدّي إلى سحق قوى الشرّ وإقامة ملكوته الأبدي الصالح على الأرض.

النُّسَّاخ الذين نقلوا إلينا الكُتُب المُقدَّسة

كيف وصلت إلينا هذه الكتابات في صورتها الحاليّة؟

علينا دائمًا أن نتذكّر أنّ إنتاج الكتب ونشرها في العالم القديم كان يختلف تمامًا عمّا هو عليه اليوم.

فلكي تُوزَّع الكتب، كان لا بدّ من نسخها، ولم يكن ذلك ممكنًا إلا يدويًّا، كلمة بكلمة، وحرفًا بحرف.

ولا نملك الأصول (originals) لأيٍّ من رسائل بولس أو الأناجيل أو سفر الرؤيا بل في الواقع، لا نملك الأصل لأيّ نصّ مسيحي مبكّر.

ما لدينا هو نُسخ، وغالبيّتها العظمى كُتبت بعد قرون من تأليف النصوص الأصليّة، ومنسوخة عن نُسخ أقدم هي بدورها نُسخت من نُسخ أخرى.

ولا توجد لدينا نُسخ كاملة من أيّ سفر من أسفار العهد الجديد في المخطوطات الباقية حتى نهاية القرن الثالث.

ولا نملك نُسخًا كاملة من العهد الجديد كلّه إلا منذ القرن الرابع، أي بعد مرور نحو 300 سنة على تأليف تلك الكتب.

ومن المؤكّد أنّ النسّاخ الذين كانوا ينسخون النصوص المسيحيّة قاموا بتغييرها.

وفي بعض الأحيان، أشار مؤلّفون مسيحيّون مبكّرون، عند تعليقهم على نصوص الكتاب المقدّس، إلى أنّ هناك اختلافات في بعض المواضع بين المخطوطات.

لكن لم يتمّ إدراك ضخامة هذه الفروقات بين المخطوطات إلا بعد اختراع المطبعة، حين اضطرّ الطابعون إلى أن يقرّروا أيّ نسخة من النص سيطبعون.

وقد حدث تقدّم كبير سنة 1707، مع نشر الباحث في جامعة أوكسفورد، جون ميل (John Mill)، لطبعة من العهد الجديد باليونانيّة.

كان ميل قد قضى ثلاثين عامًا من حياته في مقارنة المخطوطات اليونانيّة للعهد الجديد التي كانت متاحة له، وكذلك الترجمات القديمة للنصوص إلى لغات أخرى، واقتباسات آباء الكنيسة الأوائل منها.

جمع ميل نتائج أبحاثه ونشر طبعة من العهد الجديد تتضمّن «جهازًا نقديًّا» (apparatus) يحتوي على القراءات المختلفة (variant readings) التي اكتشفها أي المواضع التي توجد فيها فروقات جوهريّة بين المخطوطات.

ولدهشة وصدمة كثيرين من معاصريه، أشار جهاز ميل النقدي إلى وجود 30,000 موضع مختلف. وهذه فقط هي الفروقات التي اعتبرها «ذات أهميّة» وهناك غيرها لم يدرجها!

وقد فحص ميل 100 مخطوطة. أمّا اليوم، فلدينا أكثر من 5000 مخطوطة متاحة.

وبالتالي، لا نعرف على وجه الدقّة عدد القراءات المختلفة الموجودة، إذ لم يتمكّن أحد من عدّها كلّها.

ونحن نعرف عن فروقات بين المخطوطات أكثر ممّا لدينا من كلمات في العهد الجديد نفسه.

بعض هذه الاختلافات حدث عن طريق الخطأ؛ بينما بعضها الآخر تمّ عن عمد إذ قام النسّاخ بتعديل النصوص.

وتشمل التغييرات المتعمّدة المواضع التي غيّر فيها النسّاخ النصّ لأنّهم ظنّوا أنّه يحتوي على خطأ أو عبارة إشكاليّة.

وبعض هذه الفروقات خصوصًا المتعمّدة منها له أهميّة كبيرة في فهم معنى النصّ.

ونظرًا لتنوّع المخطوطات ووفرة التعديلات النسخيّة فيها، اضطرّ العلماء إلى تطوير وسائل لتحديد ما هو النصّ الأصلي كلّما وُجد اختلاف.

ومن بين الأسئلة التي يطرحها العلماء في هذه العمليّة:

ما القراءة التي تظهر في أقدم المخطوطات؟

ما القراءة التي تنتشر على نطاق أوسع في التقليد النصّي؟

ما القراءة التي نجدها في أفضل المخطوطات؟

أيّ قراءة تتوافق أكثر مع أسلوب الكاتب ومفرداته ولاهوتِه في أماكن أخرى؟

ما القراءة التي قد تبدو «أفضل» في نظر النُسّاخ؟ (إذ تُعتبَر القراءة الأصعب، في العادة، هي الأصل، لأنّ النسّاخ كانوا أكثر ميلًا إلى تصحيح العبارات الصعبة أو المربكة، لا إلى اختراعها).

وباستخدام هذه المعايير، يمكننا في معظم الحالات أن نكون على قدر معقول من اليقين في ما يتعلّق بما كتبه المؤلّفون في الأصل.

لكن ستبقى هناك دومًا مواضع لا يمكن الجزم فيها.

ومن المهمّ أن نتذكّر، عند قراءة العهد الجديد، أنّنا لا نقرأ الأصول التي كتبها المؤلّفون القدامى، بل نقرأ ترجمات إلى اللغة الإنجليزيّة مبنيّة على نصوص يونانيّة لا تتوفّر أصولها؛ وهذه الترجمات تعتمد على نُسخ مليئة بالأخطاء.

وفي بعض المواضع، قد لا نعرف حتى ما الذي قاله المؤلّف في الأصل.

السُّلطة في الكنيسة الأولى

كانت الكتابات المسيحيّة المبكّرة واسعة التداول، لكنّنا لم نتطرّق بعد إلى السؤال الأساسي: لماذا كانت هذه الكتابات تُتداوَل بهذه الكثافة؟

لماذا أبدى المسيحيّون اهتمامًا كبيرًا بالأدب الذي أُنتج في السنوات الأولى من نشأة الدين؟

ولماذا اكتسب بعض هذا الأدب مكانة مقدّسة لدى المسيحيّين؟ ومتى حدث ذلك؟

كانت اليهوديّة ديانة توحيديّة (monotheistic)، تُركّز على الممارسة أكثر من العقيدة، وكانت تملك كتابًا مقدّسًا (Scripture).

وقد أصبح الكتاب المقدّس اليهوديّ في وقت مبكّر هو نفسه الكتاب المقدّس للمسيحيّين.

لكن، لماذا بدأ المسيحيّون يعتبرون كتابات أخرى أيضًا بمثابة «كتاب مقدّس»؟

يجب أن نبدأ بالإشارة إلى واحدة من الخصائص الاستثنائيّة الفعليّة في المسيحيّة داخل العالم الروماني، وهي أنّها كانت ديانة إقصائيّة (exclusivistic).

أصرّ المسيحيّون على أنّ هناك ديانة واحدة صحيحة، وطريقة واحدة صحيحة للعلاقة مع الإله الحقيقيّ الواحد، ومجموعة واحدة فقط من المعتقدات التي يمكن أن تكون مقبولة لديه.

وبالتالي، فإنّ أيّ شخص يحمل معتقدات أو معرفة خاطئة يكون في حالة انفصال عن الله.

لقد أصبحت المسيحيّة ديانة تستند إلى النصوص لأنّها كانت ديانة تقوم على المعتقد (belief-based).

فإذا كانت العقائد السليمة هي ما يهمّ، فلا بدّ من معرفة ما الذي يجب الإيمان به.

وهذا بدوره يفترض وجود مرجعيّة تحدّد ما ينبغي الإيمان به.

والمصدر الأعلى للسلطة، بطبيعة الحال، هو يسوع. وبعد موته، انتقلت السلطة إلى تلاميذه. لكن بعد تفرّقهم ووفاتهم، ما الذي يمكن أن يحلّ محلّهم كمراجع موثوقة؟

الجواب هو: الكتب التي تركوها وراءهم.

نشأت المشكلات عندما ظهرت جماعات مسيحيّة مختلفة، تؤمن بأفكار متباينة، وكلّ منها يدّعي أنّ لديه الفهم الصحيح للدين أي أنّه يُمثّل تعاليم يسوع وأتباعه.

ويمكن أن نلاحظ هذا التنوع في المعتقدات المبكّرة من خلال استعراض أفكار مجموعتين مسيحيّتين بارزتين من القرن الثاني:

الإبيونيّون (Ebionites) اعتبروا يسوع «المسيّا» اليهودي، المُرسل من الإله اليهودي إلى الشعب اليهودي. وقد رأوا فيه إنسانًا بارًّا (وليس إلهًا)، اختاره الله ليموت من أجل الآخرين، لكنه لم يكن إلهًا ولا وُلد من عذراء.

المارقيونيّون (Marcionites) اعتبروا أنّ الإله اليهودي ليس هو إله يسوع، بل إله الغضب الذي خلق هذا العالم البائس، ثم أدان الناس لعدم حفظهم شريعته. واعتقدوا أنّ يسوع أتى من إله مختلف، إله صالح، لينقذ الناس من إله الغضب. وكانوا يرون أنّ يسوع لم يكن إنسانًا (أي لم ينتمِ إلى هذا العالم المخلوق)، بل كان إلهًا بالكامل.

ولِمَ لم يقرأ الإبيونيّون والمارقيونيّون «العهد الجديد» ليكتشفوا أنّ معتقداتهم خاطئة؟ لأنّ «العهد الجديد» لم يكن قد وُجِد بعد. بل إنّه نشأ كردّ فعل على هذه الصراعات، وليس قبلها.

ومن اللافت للنظر أنّ كلّ مجموعة من هذه المجموعات كانت تدّعي وجود سلطة كتابيّة تؤيّد وجهة نظرها.

فقد استند الإبيونيّون إلى نصّ شبيه بإنجيل متّى أكثر الأناجيل طابعًا يهوديًّا ورفضوا بولس باعتباره هرطوقيًّا كبيرًا.

أمّا المارقيونيّون، فقد اعتمدوا على نصّ شبيه بإنجيل لوقا أكثر الأناجيل تحرّرًا من الطابع اليهودي واعتبروا بولس المرجع الأعلى للسلطة.

لقد أصبحت المسيحيّة ديانة تستند إلى النصوص لأنّها تطلبت إيمانًا صحيحًا، والإيمان الصحيح يتطلّب معرفة صحيحة، والمعرفة الصحيحة تتطلّب سلطات موثوقة، والسلطات المدوّنة في نصوص مكتوبة تُعتبَر نظريًّا أكثر «يقينًا» من السلطات المنقولة شفهيًّا، لأنّ كلماتها تُمثّل بشكل دائم، ومُتاح لكلّ مَن له عينان أن يقرأها.

أهمّيّة التَّفسير

منذ بدايتها، كانت المسيحيّة ديانة تستند إلى النصوص، وبالتالي، كان على المسيحيّين أن يقرّروا أيّ الكُتب ينبغي اعتباره مقدّسًا.

لكن معرفة ما هي الكتب المقدّسة لا يضمن بأيّ حال أنّ الجميع سيتّفقون على ما يجب الإيمان به.

فالمشكلة تكمن في أنّ مفسّرين مختلفين قد يقدّمون تفسيرات مختلفة للنصّ ذاته.

ولكي يضمن المسيحيّون الأوائل الالتزام بـ«المعتقدات الصحيحة»، كان عليهم أن يفعلوا ما هو أكثر من مجرّد اختيار الكتب ذات السلطان؛ كان عليهم أيضًا أن يحدّدوا كيف ينبغي تفسير هذه الكتب.

فإنجيل يوحنّا، على سبيل المثال، يُصوّر يسوع ككائن إلهي جاء إلى الأرض ليُعلِن الحقيقة الإلهيّة الضروريّة للخلاص وهو تصوّر انسجم تمامًا مع الفكر الغنوصي (Gnosticism).

وقد عارض المسيحيّون «الأرثوذكس» تفسير الغنوصيّين لإنجيل يوحنّا.

وردًّا على هذا النوع من التعليم، شدّد آباء الكنيسة على أنّ التفسيرات الرمزيّة (figurative interpretations) التي قدّمها الغنوصيّون لا علاقة لها بالمعاني الحرفيّة للنصوص.

لكن، مع ذلك، وعلى الرغم من أنّ المسيحيّين «ما قبل الأرثوذكسيّين» (proto-orthodox Christians) كانوا يؤكّدون على ضرورة التفسير الحرفي للنصوص لمعرفة ما أراد الله أن يعلّمه، فإنّهم هم أيضًا استخدموا التأويل الرمزيّ عندما كان يخدم أهدافهم.

ولا يزال المسيحيّون حتى اليوم يختلفون بطرق جوهريّة حول ما تُعلّمه نصوصهم المقدّسة بشأن ما ينبغي الإيمان به وكيف ينبغي أن يُعاش الإيمان.

متى تمّ تثبيت قانون العهد الجديد؟

على الرغم من أنّ المسيحيّين المختلفين قدّموا تفسيرات متباينة للكتب المقدّسة، فقد أصبح من المهمّ بالنسبة إلى المسيحيّين «ما قبل الأرثوذكسيّين» (proto-orthodox) أن يُحدّدوا ما هي الكتب التي تُعتبَر «كتابًا مقدّسًا» (Scripture).

وكان جزء من هذا الدافع هو الرغبة في التمييز عن اليهود، الذين كانت لديهم أيضًا مجموعة من الكتب المقدّسة.

وقد استمرّت النقاشات حول أيّ الكتب يجب تضمينها أو استبعادها لفترة طويلة، ولم تُحسَم المسألة، في الواقع، إلا بعد قرون.

فبعض الكتب لم تُدرج في نهاية المطاف ضمن العهد الجديد، لكنّها كانت تُعدّ، في وقت من الأوقات، من قِبَل جماعات مسيحيّة «ما قبل أرثوذكسيّة» مختلفة، على أنّها من الكتب المقدّسة.

وينطبق هذا، على سبيل المثال، على «إنجيل بطرس» (Gospel of Peter)، وهو نصّ لم يُكتشف منه سوى جزء صغير في أواخر القرن التاسع عشر.

لقد عُرف «إنجيل بطرس» منذ قرون، لأنّه ورد ذكره في كتابات يوسابيوس في القرن الرابع، لكن لم يكن لدينا نصّه الفعليّ إلا بعد اكتشافه في ستينيّات القرن التاسع عشر.

ويُطلَق على يوسابيوس أحيانًا لقب «أبو التاريخ الكنسي» لأنه أوّل آباء الكنيسة الذين كتبوا تاريخًا للكنيسة، من أيام يسوع حتى زمنه هو، أي في مطلع القرن الرابع.

ويروي يوسابيوس قصّة عن سيرابيون (Serapian)، وهو أحد آباء الكنيسة في أواخر القرن الثاني، وكان أسقفًا على أنطاكية في سوريا.

فقد وافق سيرابيون على استخدام «إنجيل بطرس» من قِبَل كنيسة في مدينة روسّوس.

لكن قيل له إنّ «إنجيل بطرس» يتضمّن تصوّرًا لاهوتيًّا «ظاهرانيًّا» (docetic Christology).

عندما قرأ سيرابيون «إنجيل بطرس»، أدرك أنّ بعض المقاطع فيه يمكن أن تُفهم على نحو «ظاهراني» (docetic)، ولذلك حرَّم استخدامه. وهكذا تمّ استبعاده من قانون الكتاب المقدّس، ثم اختفى لاحقًا من التداول.

ويُعَدّ هذا الإنجيل النصّ الإنجيليّ الوحيد من الحقبة المبكّرة الذي يقدّم رواية فعليّة عمّا حدث في قيامة يسوع.

وهناك كتاب آخر يُنسب إلى بطرس، يُعرف باسم «رؤيا بطرس» (Apocalypse of Peter)، وكان يُعتبَر، وعلى نطاق أوسع، جزءًا من الكتاب المقدّس حتى القرن الرابع.

ويُعدّ هذا النصّ أيضًا مثيرًا للاهتمام، لأنّه أقدم رواية مسيحيّة باقية تصف جولة إرشاديّة في السماء والجحيم، حيث يُري المسيح بطرس مواطن الأبرار والهالكين.

وفي المقابل، كانت هناك كتب أُدرِجت لاحقًا ضمن العهد الجديد، لكنها بقيت موضع شكّ لفترة طويلة.

فعلى سبيل المثال، كانت «رسالة العبرانيّين» (Letter to the Hebrews) تُعتبَر غير قانونيّة (noncanonical) لدى عدد كبير من المسيحيّين «ما قبل الأرثوذكسيّين»، لأنّهم لم يروا فيها صفة رسوليّة (apostolic).

ولم تُقبَل رسميًّا ضمن قانون الكتاب المقدّس إلا بعد أن نُسبت إلى الرسول بولس (مع أنّها لا تدّعي ذلك في نصّها).

وكانت «سفر الرؤيا» (Book of Revelation) أكثر إثارة للجدل.

فجزء من المشكلة كان يعود إلى الغموض بشأن هوية مؤلّفه.

إذ يدّعي النصّ أنّه كُتب بواسطة «يوحنّا»، لكن لم يُعرَف بالتحديد مَن هو هذا «يوحنّا».

كما أنّ أسلوبه الكتابي يختلف اختلافًا واضحًا عن أسلوب إنجيل يوحنّا.

ولا يزال العلماء حتّى اليوم يعتقدون أنّ مؤلّف إنجيل يوحنّا ومؤلّف سفر الرؤيا ليسا الشخص نفسه.

ورغم هذه الشكوك، فقد كانت هناك حركة واضحة منذ الأيام الأولى للمسيحيّة تهدف إلى تثبيت قانون للكتاب المقدّس.

وفي البداية، كان الكتاب المقدّس اليهودي مقبولًا بوصفه ذا سلطان، حتى من قِبل يسوع نفسه.

وقبل نهاية الحقبة التي كُتب فيها العهد الجديد، أصبحت أقوال يسوع تُعتبَر لدى المسيحيّين مساوية على الأقل في سلطتها لتعاليم الكتاب المقدّس اليهودي (انظر: 1 تيموثاوس 5:18).

وما هو أكثر من ذلك، أنّ كتابات رسل يسوع نالت أحيانًا مكانة مقدّسة حتى قبل نهاية فترة العهد الجديد (راجع: 2 بطرس 3:16).

لقد استمرّت النقاشات حول الكتب التي ينبغي إدراجها ضمن قانون العهد الجديد لقرون عدّة.

ونعرف بوجود هذه النقاشات لأنّ عدّة قوائم بالكتب التي اعتُبِرت مقدّسة بقيت محفوظة من الحقبة المسيحيّة المبكّرة، مثل قائمة يوسابيوس.

وفي القرن الثامن عشر، اكتشف باحث إيطالي يُدعى موراتوري (Muratori) قائمة أخرى تُعرَف باسم «قانون موراتوري» (Muratorian Canon).

ويُرجَّح أنّ هذه القائمة وُضعت في أواخر القرن الثاني في روما، بواسطة كاتب مسيحي مجهول، وقد اعتبرها الكاتب قائمة بالكتب المقدّسة.

وقد قَبِل مؤلّف «قانون موراتوري» بـ22 من الكتب التي أصبحت لاحقًا جزءًا من العهد الجديد، لكنه لم يقبل برسالة العبرانيّين، ورسالة يعقوب، ورسالتَي بطرس الأولى والثانية، ولا رسالة يوحنّا الثالثة.

وبالمقابل، فقد أدرج «رؤيا بطرس» (Apocalypse of Peter) و«حكمة سليمان» (Wisdom of Solomon) ضمن القانون، ورفض كتبًا أخرى، من بينها «راعي هرماس» (The Shepherd of Hermas)، لأنّه رأى أنّه لم يُكتَب في العصر الرسولي.

وخلال هذه الفترة، كان المسيحيّون يناقشون قانونيّة كتب مختلفة استنادًا إلى أربعة معايير أساسيّة:

أن يكون الكتاب قديمًا (أي كُتب في زمن قريب من زمن يسوع).

أن يكون من تأليف رسول أو أحد رفاق الرسل.

أن يكون مستخدمًا على نطاق واسع في الكنيسة.

والأهمّ، أن يكون «أرثوذكسيًّا» (orthodox)، أي ينقل التعليم «الصحيح».

ولدهشة كثيرين اليوم، فإنّ أوّل شخص مسيحي معروف أعلن أنّ العهد الجديد يجب أن يتكوّن من 27 سِفرًا كما نعرفه اليوم هو أثناسيوس، أسقف الإسكندريّة، وذلك في عام 367م، أي بعد مرور نحو 300 سنة على كتابة معظم هذه الأسفار!

لكن حتى بعد زمن أثناسيوس، استمرّت الخلافات، ولم تُحسَم المسألة بصورة نهائيّة لمعظم المسيحيّين إلا بحلول القرن الخامس.

ولم يكن هناك مجمع كنسي عالمي (ecumenical council) اتّخذ هذا القرار، وإن كانت بعض المجامع المحليّة قد صادقت على القائمة في مناسبات معيّنة.

بل إنّ المسألة حُسِمت عبر «الرأي العامّ»، الذي أثّر بدوره في أيّ الكتب تمّ نسخها عبر الزمن.

فالكنائس والأفراد كانوا مهتمّين بالحصول على نُسخ من الكتاب المقدّس، ولذلك نُسخت هذه الكتب بشكل متكرّر (مع تفاوت في عدد النسخ فمثلًا، إنجيل مرقس لم يُنسخ بالقدر نفسه الذي نُسخ فيه إنجيل يوحنّا).

أما الكتب الأخرى، فقد اختفت من التداول لا بسبب حملات حرق كبرى، بل ببساطة لأنّ أحدًا لم يعُد يرى ضرورة لنسخها، فتلاشت نُسخها المتبقيّة، أو تلفت، أو فُقِدت، أو أُهملت.

ومع اختراع المطبعة، لم يعُد هناك شكّ بشأن الكتب التي يجب أن تُدرج في العهد الجديد، إذ أصبحت الكتب الـ27 نفسها، وبالترتيب ذاته، تُنسخ مرّة بعد مرّة.

الحمد لله رب العالمين

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

اكتشاف المزيد من مدونة التاعب

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading