﷽
الخلاف التاريخي حول تحديد قانون العهد الجديد
بحث مُتعمِّق (Deep Research) باستخدام نموذج GPT-4.5 مِن OpenAI
فهرس الموضوعات
مُقدِّمة: مفهوم القانون وأهميته
الحقبة الرَّسولِيَّة وما بعد الرَّسولية المُبكِّرة (القرن الأول – أوائل القرن الثاني)
القرن الثاني: بداية تبلور قانون العهد الجديد
الأناجيل الغنوصية والكتابات الأبوكريفا
شهادات مُبكِّرة لقوائم العهد الجديد (قائمة موراتوري)
القرن الثالث: استمرار الجدل وتباين المناطق
في أنطاكية ومناطق الشَّرق النَّاطِق باليونانية
القرن الرَّابع: تلخيص يوسابيوس القيصري
الكُتُب المُعترَف بها (Homologoumena)
الكتب المتنازَع عليها (Antilegomena)
الكتب المرفوضة (لكونها – “غير الأصيلة”)
أواخر القرن الرابع: الأسفار الـ27
رسالة أثناسيوس الفِصْحِيَّة (367م)
مجمع لاودكية (اللاذقية حوالي 363م)
مجمع هيبو (393م) ومجمع قرطاجة (397م)
قوائم وآباء آخرون في القرن الرابع
مواقف الكنائس الكبرى مِن قانون العهد الجديد عبر التَّاريخ
الكنيسة الكاثوليكية (التَّقليد الغربي اللَّاتيني)
الكنائس الأرثوذكسية الشَّرقية (اليونانية والسلافية)
الكنائس الأرثوذكسية المشرقية (السُّريانية والقبطية والأرمنية والحبشية)
الكنيسة السُّريانية الغربية (اليعقوبية)
كنيسة المشرق الآشورية (السُّريانية الشَّرقية)
الكنائس البروتستانتية بمذاهبها
أسباب قبول أو رفض الأسفار: معايير ومواقف عبر التَّاريخ
Apostolicity – رَسُولِيَّة الكتاب
عامِل التَّقليد الرَّسُولِيّ المُستمِرّ
Orthodoxy – صِحَّة المضمون وملاءمته لـ “قاعدة الإيمان”
Universality/Catholicity – الشُّمُولِيَّة والقَبُول العامّ (الانتشار)
مُقدِّمة: مفهوم القانون وأهميته
يُشير مُصطلح “قانون العهد الجديد” إلى القائمة المُعترف بها من أسفار العهد الجديد التي تعتبرها الكنيسة نُصُوصًا مُقدَّسة، ومُوحى بها، ومرجعًا للعقيدة. لم تَكُن هذه القائمة واضحة أو مُتَّفقًا عليها مُنذ البداية، بل تكوَّنت تدريجيًا عبر القُرُون الأولى للمسيحية.
في القرن الأول الميلادي، بدأ تداول تعاليم يسوع ورواياته شفهيًا ثُمَّ كتابيًا، فتألَّفت الأناجيل مِن ذكريات وتعاليم المسيح، وتلا ذلك رسائل الرُّسُل إلى الجماعات المسيحية. ومع مُرُور الوقت، شاع تداول مجموعات مِن هذه الكتابات بين الكنائس، مثل مجموعة الأناجيل الأربعة ومجموعة رسائل بولس. لكن مسألة أيِّ الكتب لها سُلطة رسولية وتستحِقّ أن تُقرأ علنًا في الكنائس ظلَّت موضع نِقاش وخِلاف لعِدَّة قُرُون.
في هذا البحث، نستعرض التَّطوُّر التَّاريخي لـ «قانون العهد الجديد»، والخلافات حول تحديده من ناحيتين رئيسيتين:
(1) أقوال آباء الكنيسة الأوائل وشهاداتهم عبر العُصُور الأولى،
(2) مواقف الكنائس المُختلفة (الكاثوليكية والأرثوذكسية الشَّرقية والمشرقية والبروتستانتية وكنائس أخرى) مِن مرحلة الكنيسة القديمة حتى العصر الحديث.
كما سنُلخِّص في الختام أبرز أسباب قبول أو رفض بعض الأسفار عبر التَّاريخ، سواء كانت أسبابًا لاهوتية أو تاريخية أو تقليدية، بحسب كلّ طائفة أو كاتب كنسي أو مجمع كنسي.
الحقبة الرَّسولِيَّة وما بعد الرَّسولية المُبكِّرة (القرن الأول – أوائل القرن الثاني)
في العُقُود التي تَلَت حياة المسيح، كان الاعتماد الأساسي على التَّقليد الشَّفهي وتعليم الرُّسُل المُباشرين. ومع ذلك، بدأت بعض الكتابات تنتشر وتحظى بالاحترام. فمثلًا، كتب الرسول بولس رسائله إلى الكنائس المُختلفة في خمسينات القرن الأوَّل، ويبدو أنَّها جُمعت لَدَى بعض الجماعات وبدأ تداولها أثناء حياته. أيضًا دُوِّنت روايات حياة المسيح وتعاليمه في عِدَّة أناجيل بحُلُول أواخر القرن الأول.
آباء الجيل الرَّسولي وما يليه – مثل كليمندس الرُّوماني (حوالي 95م) وإغناطيوس الأنطاكي وبوليكاربوس (أوائل القرن الثاني) – استشهدوا في رسائلهم ببعض أقوال المسيح وبكتابات رسائل بولس، مما يدُلّ على معرفتهم ببعض أسفار العهد الجديد. لكنَّها كانت استشهادات عَرَضية دون مُحاولة واضحة لحصر قائمة مُحدَّدة مِن الكُتُب المُعتبرة.
ويُعزى ذلك إلى أنَّ الكنيسة الأولى فضَّلت لفترة: التَّقليد الرَّسُولي الحيّ، وتأخَّر تبلور مفهوم “الأسفار القانونية” لأنَّ التَّعاليم كانت تُنقل شفويًا باعتبارها موثوقة بنفس قدر النَّصّ المكتوب.
مع بداية القرن الثاني، أخذت تتزايد قيمة المصادر المكتوبة مع رحيل الجيل الرَّسولي. فقُرابة عام 130–150م يُشير القدِّيس يوستينوس (جستن) الشَّهيد إلى “مذكّرات الرُّسُل” التي كانت تُقرأ في الاجتماعات الليتورجية جنبًا إلى جنب مع كتابات الأنبياء (العهد القديم)، ممَّا يُوحِي بأنَّ الأناجيل وسفر أعمال الرُّسُل ورسائل الرسول بولس كانت معروفة وتُستخدم في العبادة.
ورغم ذلك، لم تكن هُناك بعدُ قائمة رسمية مُوحَّدة؛ فبعض المُجتمعات المسيحية رُبَّما قبلت نُصُوصًا لم تعرفها أخرى. على سبيل المثال، يبدو أنَّ الكنيسة في سوريا كانت تقرأ إنجيلًا واحدًا على شكل دياتسَّرُون تاتيان (وهو إنجيل مُوحَّد جمعه تاتيان نحو 170م بدمج الأناجيل الأربعة في رواية واحدة)، بدلًا من استعمال كلّ إنجيل على حِدَة، ممَّا يُشير إلى تنوُّع المُمارسات الإقليمية.
القرن الثاني: بداية تبلور قانون العهد الجديد
شَهِدَ القرن الثاني أحداثًا ومحطَّات مفصلية دفعت الكنيسة للتَّفكير في حُدُود كتاباتها المُقدَّسة. مِن أهمِّها ظُهُور بدع تبنَّت قوائم خاصَّة بها مِن الكُتُب، ممَّا استدعى رَدّ فِعْل مِن الكنيسة الكبرى:
كان ماركيون مُعلِّمًا مُثيرًا للجدل في روما، اقترح قانونًا خاصًا به مُقتصرًا على نسخة مُحرَّفة مِن إنجيل لوقا وعشر رسائل لبولس (حذف الرَّسائل الرَّعوية وغيرها) مع رفض تامّ للعهد القديم. كان هدفه فصل المسيحية تمامًا عن جُذُورها اليهودية.
شكَّل قانون ماركيون تحدِّيًا خطيرًا دفع الكنيسة الأرثوذكسية إلى تحديد كُتُبها المُعتبرة بشكلٍ أوضح للرَّدّ عليه. لقد أبرز ماركيون بفكرته المُتطرِّفة الحاجة إلى معيار مُشترك تجمع عليه الكنائس بخُصُوص الكُتُب الرَّسوليّة. وهكذا يُمكن القول إنَّ بدعة ماركيون سرَّعت عملِيَّة تقنين العهد الجديد لدى الكنيسة الجامعة.
سارع قادة الكنيسة في النِّصف الثاني من القرن الثاني إلى التَّشديد على الكُتُب المُستخدمة تقليديًا في التَّعليم.
إيريناوس أسقف ليون (حوالي 180م) كان مِن أوائل مَن قدَّموا ملامح قائمة قانونية: فقد أكّد وُجُود أربعة أناجيل ولا أكثر – مُشبِّهًا إيَّاها بالأربع جهات الرَّئيسية للعالَم، وبأربع أرجل الكاروبيم السماوي. رفض إيريناوس بشدة الأناجيل الغنوصية الكثيرة الرَّائجة آنذاك، مُعتبرًا أنَّ الأربعة المكتوبة بواسطة متّى ومرقس ولوقا ويوحنا هي وحدها الصَّحيحة. فإنَّ إيريناوس هو أوَّل مَن ذكر أسماء كتبة الأناجيل الأربعة.
كما اقتبس إيريناوس مُعظم رسائل بولس وسفر الأعمال ورؤيا يوحنا في كتاباته، ممَّا يدُلّ على اعتباره لها سُلطة رسولية. وإذ هاجم ماركيون، دافع إيريناوس ضمنيًا عن الرَّسائل الرَّعوية (تيموثاوس وتيطس) التي حذفها ماركيون، وأقرَّ بأنَّها جُزء مِن تُراث الكنيسة.
الأناجيل الغنوصية والكتابات الأبوكريفا
إلى جانب ماركيون، ظهرت في القرن الثاني كتابات منحولة مُتعدِّدة نسبها أصحابها كذبًا إلى الرُّسُل (كإنجيل توما وإنجيل بطرس وأعمال أندراوس… إلخ). رفضت الكنيسة مع الوقت، هذه المؤلَّفات عُمُومًا لابتعادها عن التَّعليم الرَّسولي المُستقيم. فعلى سبيل المثال، إنجيل بطرس المنحول انتشر لفترة محدودة في سوريا لكنَّه أثار الرِّيبة بسبب مادَّته العقائدية الغريبة؛ ووصفه آباء مثل أوريجانوس ويوسابيوس بأنَّه مشبوه ولا يُمكن ضمّه حتى إلى الكُتُب الكنسية غير القانونية.
هذه الظَّاهرة أيضًا دفعت الكنيسة لتعزيز مفهوم معيار “قانون الإيمان” أو قاعدة الحقّ: أي أنَّ أي كتاب لا ينسجم مع الإيمان المُستلم مِن الرُّسُل يُرفض بوصفه غير موحى به.
شهادات مُبكِّرة لقوائم العهد الجديد (قائمة موراتوري)
نحو نهاية القرن الثاني، بدأت بعض القوائم بالظُّهُور محاولةً تحديد الكُتُب المُعترف بها في الكنائس. أشهرها ما يُعرف بـشذرة موراتوري (أو قائمة موراتوري) التي يرجع أصلها تقليديًا إلى روما حوالي 170–180م (مع أنَّ دراسات أحدث تُرجِّح كتابتها في القرن الرَّابع). هذه الوثيقة اللاتينية تعرض قائمة كُتُب مقبولة للقراءة في الكنيسة مع تعليقات على بعضها. ومن أبرز معالمها:
تضُمّ القائمة الأناجيل الأربعة (رغم أنَّ بداية المخطوط مفقودة، لكن يُفهم أنَّها ذكرت متّى ومرقس ثُمَّ لوقا ويوحنا).
تضُمّ أعمال الرُّسُل وجميع رسائل بولس الثلاث عشرة، لكنَّها لا تُدرِج الرِّسالة إلى العبرانيين ضِمْن رسائل بولس. وتُحذِّر من رسائل زائفة منسوبة لبولس مثل رسالة إلى اللاوديكيين وأخرى للإسكندريين.
تعترف بوُجُود رسائل يوحنا (“رسالتان أو ثلاث” يوحنا) ورسالة يهوذا، ولكن لا تذكر رسالة يعقوب ولا رسالتي بطرس صراحةً (ممَّا قد يعود لفقدان جُزء من النَّصّ أو لعدم اعترافها بهما آنذاك).
يُلاحظ أن إغفال بطرس الأولى غريب لأنَّها كانت واسعة الانتشار مبكرًا.
تذكر سفر الحكمة (مِن العهد القديم) على نحو مُفاجئ ضِمْن كُتُب العهد الجديد، ورُبَّما كان ذلك خطأً في فهم النَّصّ أو في ترتيب المخطوط.
تقبل رؤيا يوحنا (سفر الرُّؤيا) وتقبل أيضًا رؤيا بطرس، لكنَّها تستدرك أنَّ البعض في الكنيسة يمنع قراءتها علنًا. هذا يوحي بأنَّها كانت معروفة ويُستفاد منها لكن هُناك جَدَل حول مَدَى لياقتها للقراءة الكنسِيَّة العامَّة.
تُعطي مكانة خاصَّة لكتاب الرَّاعي لهرماس: تقول إنَّه كُتب حديثًا جدًا في زمن أسقف روما بيوس (منتصف القرن الثاني)، لذا يُمكن قراءته على انفراد للبنيان الشَّخصي، ولكن ليس ضمن الأسفار المُقدَّسة المقروءة في الكنيسة لأنَّه ليس مِن زَمَن الرُّسُل.
ويذكر النَّصّ سببين لعَدَم قانونية “الرَّاعي”: (1) أنَّ مؤلّفه ليس مِن الأنبياء (وقد أُغلق عهد الأنبياء)، (2) ولا هو مِن الرُّسُل. أي أنَّ المعيار الزَّمني والرَّسولي واضح هُنا: كلّ ما جاء بعد عصر الرُّسُل والأنبياء لا يُعتبر موحى به.
ترفض القائمة بشكلٍ قاطعٍ بعض الكُتُب الهرطوقية المنسوبة لمُبتدعين مثل أرسينوس وفالنتينوس وميليتيادس، التي “لا يُمكن أن تُقبل في الكنيسة الجامعة” لأنَّها خليط مِن المرارة والعسل (أي حقّ ممزوج بباطل).
هذه الشَّذرة الموراتورية تُظهِر لنا جانبًا مِن تفكير كنيسة روما أو الغرب: فقد قَبِلَت مُعظم ما أصبح لاحقًا العهد الجديد (باستثناء بعض الرَّسائل الجامعة ورُبَّما العبرانيين)، وسمحت بقراءة بعض الكُتُب التَّقَوِيَّة خارج القانون، ورفضت أخرى بوُضُوح. كما أبرزت معايير مُهمَّة كانت تتشكَّل آنذاك وهي الرَّسولية (نسبةً لزَمَن الرُّسُل أو لشخص الرَّسول) والانتشار في الكنائس وصِحَّة التَّعليم.
القرن الثالث: استمرار الجدل وتباين المناطق
خِلَال القرن الثَّالث، استمرّ تشكيل القانون تدريجيًا، وبرزت اختلافات بين مراكز المسيحية في الشَّرق والغرب بشأن بعض الأسفار:
كان العلّامة أوريجانوس (توفي 254م) على دراية بمُعظم الأسفار التي نعرفها اليوم، لكنَّه أدرك وُجُود جدل حول بعضها. نعرف مِن خلال اقتباس يوسابيوس القيصري عنه في كتابه: تاريخ الكنيسة، أنَّه ميَّز بين الكُتُب المقبولة عُمُومًا والكُتُب محَلّ الشَّكّ.
فمثلاً، قبل أوريجانوس الرِّسالة إلى العبرانيين واعتبرها ذات قيمة – رغم أنَّه تردَّد في الجَزْم بهُوِيَّة كاتبها – كما قبل “يوحنا الثانية” و”يوحنا الثالثة” و”بطرس الثانية” لكنَّه أقرَّ بأنَّ البعض يُشكِّك فيها.
ونُقِلَ عنه قوله: “يَعْلَم الرَّبُّ مَن الذي كتب رسالة العبرانيين!” اعترافًا بغُمُوض كاتبها.
كذلك علّق أنَّ سفر الرُّؤيا محَلّ خِلَاف: بعض الكنائس تقبله وأخرى ترفضه، ورُبَّما أشار إلى أنَّه شخصيًا يتحفَّظ عليه أو يترك أمره مفتوحًا.
في أنطاكية ومناطق الشَّرق النَّاطِق باليونانية
يظهر مِن كتابات غريغوريوس العجائبي وديونيسيوس وغيرهما وُجُود تردُّد خاصّ تجاه سفر الرُّؤيا. فالهرطقة المُسمَّاة المونتانية (أواخر القرن الثاني) أفرطت في استخدام سفر الرُّؤيا لتبرير رؤى نبوية جديدة، ممَّا جعل كثيرين مِن آباء الكنيسة الشَّرقية يتحفَّظون على هذا السِّفر كإجراء احترازي ضِدّ التَّفسيرات الجامحة.
ديونيسيوس أسقف الإسكندرية (توفي 265م) انتقد تفسير المونتانيين للرُّؤيا، وألمح إلى احتمال أنَّ كاتبها يوحنا آخر غير رسول المسيح، ما يعكس شكَّه في قانونيتها الرَّسولية.
يبدو أنَّ الموقف كان عُمُومًا أكثر تقبُّلًا لسفر الرُّؤيا (رُبَّما لأنَّ المونتانية كانت أقل انتشارًا هُناك) وأيضًا أكثر تحفُّظًا تجاه رسالة العبرانيين.
ترتليان (حوالي 200م) في قرطاجة اقتبس كثيرًا من سفر الرُّؤيا باعتباره كتابًا موحى به. لكنَّه تجاهل تقريبًا رسالة العبرانيين ولم يعتبرها ضِمْن رسائل بولس، ورُبَّما شَكَّ بأنَّها مِن تأليف برنابا أو غيره.
كذلك كبريانوس (ت 258م) أسقف قرطاجة لم يذكر العبرانيين في قائمته لأسفار العهد الجديد. وعلى النَّقيض، الكنائس الشَّرقية (مثل الإسكندرية) كانت تقرأ العبرانيين لكن تشُكّ بعض الأوساط هُناك في الرُّؤيا كما أسلفنا.
القرن الرَّابع: تلخيص يوسابيوس القيصري
بحُلُول بداية القرن الرَّابع، قدَّم المؤرِّخ الكنسي يوسابيوس القيصري في كتابه: تاريخ الكنيسة (حوالي 325م) تلخيصًا للحالة الرَّاهنة للأسفار في الكنيسة الجامعة.
قسَّم يوسابيوس كُتُب العهد الجديد إلى أربع فئات:
الكُتُب المُعترَف بها (Homologoumena)
وهي التي اتَّفقت عليها الكنائس كلّها بلا جِدَال. وعدَّد منها: الأناجيل الأربعة، سفر أعمال الرُّسل، رسائل بولس الأربع عشرة (هو اعتبر العبرانيين ضمن رسائل بولس)، رسالة بطرس الأولى، رسالة يوحنا الأولى، ورُبَّما أشار إلى قبول الرُّؤيا مع تحفُّظ بقوله “إن رأى المرء أنَّ ذلك صواب”.
الكتب المتنازَع عليها (Antilegomena)
ولكنَّها معروفة لَدَى كثيرين في الكنيسة: وهي رسالة يعقوب، رسالة يهوذا، رسالة بطرس الثانية، رسالتا يوحنا الثانية والثالثة. هذه السبعة كان بعض الكنائس – خاصَّة في الشَّرق – لم يتيقَّن بعدُ مِن صفتها الرَّسولية أو استفادتها الواسعة، رغم أنَّ كثيرين اعترفوا بها.
الكتب المرفوضة (لكونها – “غير الأصيلة”)
وضع فيها يوسابيوس بعض الكُتُب التي اعتبرتها الكنيسة السَّابقة مُفيدة لكن ليست مُوحى بها أو مشبوهة الأصل. فذكر منها: أعمال بولس، راعي هرماس، رؤيا بطرس، رسالة برنابا، تعليم الرُّسُل (الدِّيداخي).
ولاحظ أنَّه حتى في هذه الفئة، عاد فأدرج سفر رؤيا يوحنا مرَّة أخرى، مُشيرًا إلى أنَّ البعض يضعه هُنا في الكُتُب غير الأكيدة. هذا يظهر استمرار الانقسام حول الرُّؤيا في زمنه. وقد يُفهم بسبب هذا، أنَّ الكُتُب المرفوضة هي نفسها الكُتُب المُتنازع عليها، ولكنَّه استخدمه مُصطلح جديد لوصف هذه الكُتُب (وهذا الفَهْم بناءً أيضاً على السِّياق).
كما أشار إلى أنَّ البعض كان يضع إنجيل العبرانيين (وهو إنجيل غير قانوني استعمله مسيحيون يهود) ضِمْن هذه الكُتُب المرفوضة.
وهي المؤلفات التي ينبذها الجميع كُلِّيًّا ولا تُعتبر حتى ضِمْن المرفوضات، بل مرفوضة تمامًا. ذكر يوسابيوس هُنا الأناجيل المنسوبة لغير الرُّسُل مثل إنجيل بطرس وإنجيل توما وإنجيل متياس وغيرها، وأعمال أندراوس وأعمال يوحنا… إلخ، وصرَّح أنَّها “خُرافات باطلة من وضع الهراطقة”، وينبغي عدم تداولها على الإطلاق.
ملحوظة: يظهر من تصنيف يوسابيوس أن 7 كتب تحديدًا كانت محل نقاش مُبكِّر (يعقوب ويهوذا و2بطرس و2-3يوحنا بالإضافة إلى العبرانيين والرؤيا). وهذه نفس الكُتُب التي سيُعاد الجدل حولها في عصر الإصلاح البروتستانتي لاحقًا. أمَّا بقية الأسفار العشرين (الأناجيل وأعمال الرُّسُل ورسائل بولس الـ13 و1بطرس و1يوحنا) فكانت قد حظيت بقبول شبه عامّ بحُلُول أواخر القرن الثاني ولم يتزعزع مكانها بعد ذلك.
أواخر القرن الرابع: الأسفار الـ27
بحُلُول نهاية القرن الرَّابع، تبلورت تدريجيًا إجماعات كنسِيَّة على قائمة العهد الجديد المُكوَّنة مِن 27 سفرًا كما نعرفها اليوم. هُناك عِدَّة محطَّات مُهِمَّة في هذه المرحلة:
رسالة أثناسيوس الفِصْحِيَّة (367م)
وجَّه القدِّيس أثناسيوس أسقف الإسكندرية في عيد الفِصْح سنة 367م رسالة دورية إلى كنائس مصر، تضمَّنت أوَّل قائمة تُطابق تمامًا العهد الجديد الحالي مِن حيث عَدَد الكُتُب.
عدَّد أثناسيوس كُتُب العهد الجديد: الأناجيل الأربعة، أعمال الرُّسُل، الرَّسائل الجامعة السَّبع (يعقوب؛ 1-2بطرس؛ 1-2-3يوحنا؛ يهوذا)، رسائل بولس الأربع عشرة (باحتساب العبرانيين)، وأخيرًا سفر رؤيا يوحنا. ثُمَّ أكّد قائلاً: “هذه هي ينابيع الخلاص… لا يضف إليها أحد، ولا ينقص منها أحد”، مُشدِّدًا أنَّ هذه الكُتُب وحدها قانونية ومصدر التَّعليم القويم.
كما ميّز أثناسيوس بين هذه الكُتُب القانونية وبين بعض الكُتُب الأخرى “المسموح بقراءتها” لفائدة الرُّوح مثل تعليم الرُّسُل (الدِّيداخي) وراعي هرماس، لكنَّه أوضح أنَّه لا يجوز اعتبارها ضِمْن الكتاب المُقدَّس.
تُعَدّ رسالة أثناسيوس هذه علامة فارقة لأنَّها أوَّل شهادة واضحة مِن بطريرك كبير تُعلن بسُلطة كنسِيَّة القائمة المُكتملة للأسفار الـ27.
مجمع لاودكية (اللاذقية حوالي 363م)
وهو مجمع محلِّي في آسيا الصغرى. أصدر قانونًا (البند 59) بمنع قراءة أيّ كُتُب غير قانونية في الكنيسة، وتضمَّن على الأرجح قائمة بالكُتُب المسموح بها. نُسبت إلى هذا المجمع قائمة للأسفار تتوافق مع جميع كُتُب العهد الجديد عدا سفر الرُّؤيا.
يجدر ذكر أنَّ البند 60 الذي يحتوي القائمة محَلّ خلاف تاريخي، حيث يعتقد مُعظم العُلماء أنَّه أضيف لاحقًا ولم يكُن جُزءًا أصيلًا من قرارات المجمع.
ومع ذلك، إنَّ صِحَّة هذه القائمة أو عدمها تعكس واقعًا بأنَّ كنائس كثيرة بالشَّرق في القرن الرَّابع لم تكن تتلو سفر الرُّؤيا في عبادتها ورُبَّما لم تُدرجه بعد في قانونها الرَّسمي.
مجمع هيبو (393م) ومجمع قرطاجة (397م)
عقد هذان السينودسان في شمال أفريقيا (إقليم قرطاجة بإشراف القدِّيس أوغسطينوس وآخرين). وقد أقرّا رسميًا قائمة كُتُب الكتاب المُقدَّس بما فيها 27 كتابًا للعهد الجديد.
جاء في قانون مجمع قرطاجة سنة 397: “إنَّ كان أحد يسأل ما هي الكُتُب المُقدَّسة المُعترف بها في الكنيسة، فهذه هي…” ثم سرد كلّ أسفار العهد القديم والجديد الـ27 (وذكر ضِمْن العهد الجديد: أربعة أناجيل، سفر الأعمال، 13 رسالة لبولس، رسالة للعبرانيين، رسالتان لبطرس، ثلاث رسائل ليوحنا، رسالة ليعقوب، رسالة ليهوذا، وسفر الرؤيا).
كما أوصى المجمع بإبلاغ أسقف روما بتلك القائمة للاستحصال على موافقته، ممَّا يُشير إلى الرَّغبة في توحيد التَّقليد شرقًا وغربًا. وقد صدّق البابا أنوسنت الأول بعد بضع سنوات (سنة 405 م) على نفس قائمة العهد الجديد الـ27 في رسالة جوابية وجَّهها لإحدى الكنائس.
قوائم وآباء آخرون في القرن الرابع
قدَّم عِدَّة قدِّيسين في تِلْك الفترة قوائم مُماثلة، مع اختلافات طفيفة أحيانًا في التَّرتيب أو التَّصنيف:
غريغوريوس النزينزي (ت 389م) وضع قصيدة شعرية باليونانية تُعدِّد أسفار الكتاب المُقدَّس، وضِِمْن العهد الجديد ذكر 26 كتابًا مُستبعدًا الرُّؤيا (إذ قال في آخرها: “وأمَّا أنت يا مَن يرفض هذا [أي الرُّؤيا] فليُغفَر لك”)، ممَّا يُؤكِّد استمرار تردُّد البعض بشأن الرُّؤيا في الشَّرق حتى نهاية القرن الرَّابع.
هذه القصيدة نالت صفة رسمية إذ أقرَّها المجمع المُنعقد في ترولو بالقسطنطينية عام 692م ضمن الكُتُب الكنسية.
أمفيلوخيوس الأيقوني (حوالي 394م) أيضًا كتب أبياتًا شعرية إلى صديقه سلكوس يذكر فيها الأسفار القانونية ويعترف بحيرةٍ بشأن بعض الرَّسائل الجامعة والرُّؤيا، قائلاً عن الرُّؤيا: “البعض يقبلها والكثيرون ينكرونها، رُبَّما ليست كاذبة لكنَّ الأفضل للبعض عدم قراءتها” – ممَّا يُوضِّح الحالة الذِّهنية آنذاك.
جيروم (إيرونيموس) مُترجم الكتاب المُقدَّس اللَّاتيني (الفولجاتا) في أواخر القرن الرَّابع، تبنّى الأسفار الـ27 جميعها في ترجمته التي أصبحت النُّسخة المعيارية للكتاب المُقدَّس في الغرب. كان جيروم شخصيًا مُتحفِّظًا في البداية تجاه بعض الكُتُب (مثلاً رآها أقلّ مُستوى)، لكنَّه أذعن لإجماع الكنيسة.
أوغسطينوس في كتابه “حول التَّعليم المسيحي” (396م) عدَّد نفس كُتُب العهد الجديد السَّبعة والعشرين واعتمد عليها كمعيار.
بنهاية القرن الرَّابع وبداية الخامس، يُمكن القول إنَّ الكنيسة الكاثوليكية الجامعة (شرقًا وغربًا) قد استقرَّت فعليًا على قانون العهد الجديد المُكوَّن مِن 27 سفرًا. ورغم بقاء اختلافات بسيطة في بعض الكنائس الشَّرقية النَّائية، إلَّا أنَّ التَّيَّار العامّ في الإمبراطورية الرُّومانية كان مُوحَّدًا حول هذا القانون.
مواقف الكنائس الكبرى مِن قانون العهد الجديد عبر التَّاريخ
الكنيسة الكاثوليكية (التَّقليد الغربي اللَّاتيني)
مُنذ قرارات هيبو وقرطاجة في أواخر القرن الرَّابع، تبنّى التَّقليد اللَّاتيني الغربي (أسلاف الكنيسة الكاثوليكية) القائمة الكاملة للعهد الجديد (27 سفرًا) دون تغيير. لم يعد هُناك جدل يُذكر في العُصُور الوسطى اللَّاتينية حول قانونية أسفار العهد الجديد؛ إذ أصبح إجماع الآباء والمجامع هو الأساس.
تبنّى البابا داماسوس الأوَّل نفس القائمة في وثيقة منسوبة إليه (مرسوم جلاسيوس المشكوك في صِحّته تاريخيًا لكنَّه يعكس فكر القرن الخامس). وقام القدِّيس جيروم بترجمة الكتاب المُقدَّس إلى اللَّاتينية (الفولجاتا) حوالي 400م مُتضمِّنًا الأسفار الـ27، ممَّا كرّس استخدامها المُوحَّد في كلّ أوروبا الغربية.
عبر القُرُون الوسطى، ورغم نُدرة الخِلاف حول العهد الجديد، حصل جَدَل محدود حول فئة “الأسفار المُتنازَع عليها” (Antilegomena) التي أقرَّت الكنيسة صِحّتها لكنَّها تُميِّزها عن الأسفار التي لم يُشَكّ فيها أبدًا. فعلى سبيل المثال، أشار البعض إلى تلك الرَّسائل السبعة (يعقوب ويهوذا و2بطرس و2-3يوحنا والعبرانيين والرؤيا) على أنَّها قبلتها الكنيسة “مع بعض التَّردُّد الأوَّليّ”. لكنَّ ذلك لم يؤثِّر على وضعها القانوني. ولمَّا جاءت حركة الإصلاح البروتستانتي في القرن السَّادس عشر، أثير النِّقاش مُجدَّدًا حول بعض هذه الأسفار (كما سنرى أدناه)، فاستجابت الكنيسة الكاثوليكية بحزم:
في مجمع ترنت (ترنتو) الكاثوليكي عام 1546م، وأمام تشكيك المُصلحين البروتستانت بأسفار العهد القديم الثَّانوية (الأسفار القانونية الثانية)، أكَّد المجمع أيضًا قانونية جميع أسفار العهد الجديد الـ27 بلا استثناء واعتبر من يُنكرها محرومًا. ورسمياً، أعلن ترنت أنَّ قائمة الأسفار القانونية للكتاب المُقدَّس تشمل تمامًا السَّبعة والعشرين المعهودة للعهد الجديد.
وهكذا أقفِل أيّ نقاش مُستقبلي داخل الكاثوليكية حول هذا الموضوع. مُنذ ذلك الحين وحتى اليوم، تُقرّ الكنيسة الكاثوليكية بهذه الأسفار كافَّة كوحي إلهي معصوم.
الجدير بالذِّكر أنَّ الكنيسة الكاثوليكية تؤمن أنَّ تحديد القانون تمَّ تدريجيًا وبإرشاد الرُّوح القُدُس ضِمْن تقليد الكنيسة، أي أنَّ السُّلطة التَّعليمية للكنيسة كان لها دور في “التَّعرُّف” على الكُتُب المُقدَّسة. لكنَّها في نفس الوقت تُوافِق قول القدِّيس أوغسطينوس بأنَّ الكنيسة لم تخلق الكتاب المُقدَّس بل اعترفت به ككلمة الله. كما يؤكِّد اللَّاهوت الكاثوليكي (في مُواجهة البروتستانت إبّان الإصلاح) أنَّ الكنيسة هي التي صانت وحدَّدت القانون بوحي إلهي لضمان نقاء الإيمان.
الكنائس الأرثوذكسية الشَّرقية (اليونانية والسلافية)
الكنائس الأرثوذكسية البيزنطية (كاليونان وروسيا وباقي الكنائس المُرتبطة بالبطريركيات الشَّرقية الخلقيدونية) تشترك فعليًا مع الكاثوليكية في قبول العهد الجديد بسبعة وعشرين سفرًا. فقد ورثت هذه الكنائس التَّقليد الذي استقرَّ مُنذ القرن الرَّابع. ومع أنَّ بعض الشَّخصيات الشَّرقية القديمة – كما ذكرنا – تردَّدت بخُصُوص سفر الرُّؤيا، إلَّا أنَّ هذا لم يستمِرّ إلى الأبد.
في العُصُور اللَّاحقة، نجد لَدَى الأرثوذكس الشَّرقيين توثيقًا صريحًا للقانون: المجامع المسكونية لم تتناول موضوع قانون الكتاب المُقدَّس بشكل مُباشر (إذ كان الأمر مُعتبرًا محسومًا ضمنيًا)، لكن مجمع ترولو (المنعقد 692م) صادق ضمنًا على قائمة غريغوريوس النزينزي وقائمة أمفيلوخيوس في قوانينه – رغم أنَّه لم يكن مجمعًا مسكونيًا بل مجلسًا تكميليًا لمجمعي القسطنطينية الثالث. عمليًا، تُليت كلّ الأسفار الـ27 في ليتورجيات الكنيسة الأرثوذكسية (باستثناء سفر الرُّؤيا الذي لم يدخل ضِمْن قراءات العبادة العامَّة لأسباب طقسية، لكنَّه يظلّ مُعترفا به كجُزء من الكتاب المُقدَّس).
ظلّ سفر الرُّؤيا حالة خاصَّة في التَّقليد الأرثوذكسي: فهو مقبول قانونيًا – استشهد به آباء قدِّيسون مثل أندراوس القيصري في تفسيره الشَّهير للرُّؤيا (القرن السَّادس) – لكنَّه لم يُدرج في القطمارس (جدول القراءات الكنسية) رُبَّما بسبب رمزيته وصُعُوبته التَّفسيرية. ومع ذلك، لم تشُكّ الكنيسة الأرثوذكسية في قانونيته: فمثلًا، أعلن مجمع القدس للكنيسة الأرثوذكسية عام 1672م (في زمن البطريرك دوسيثيوس) قبول الكُتُب المُقدَّسة بما فيها الرُّؤيا، ردًا على البروتستانت. كما أدرجته جميع التَّرجمات الأرثوذكسية للكتاب المُقدَّس.
بوجهٍ عامٍّ، تؤكِّد الكنائس الأرثوذكسية الشَّرقية أنَّ تحديد القانون تمَّ في سِياق التَّقليد الرَّسولي المُستمِرّ. فهُم يُشدِّدون على أنَّ الإجماع الكنسي هو ما جعل هذه الأسفار قانونية – أي الكُتُب التي “فرضت نفسها” عبر الاستعمال اللِّيتورجي والإجماع الإيماني. لذلك لم يكن عندهم حاجة إلى قرار مجمعي عالمي خاصّ بالأسفار؛ لأنَّ الرُّوح القُدُس قاد الكنيسة تدريجيًا نحو الاعتراف بها. وهذا الموقف مُتَّفِق مع العبارة المنسوبة إلى متزجر: “إنَّ كُتُب العهد الجديد صارت قانونية لأنَّ أحدًا لم يستطع منعها مِن أن تكون كذلك”. أي أنَّها أثبتت ذاتها بقُوَّتها الدَّاخلية في حياة الكنيسة.
الكنائس الأرثوذكسية المشرقية (السُّريانية والقبطية والأرمنية والحبشية)
يقصد بهذه الكنائس التَّقاليد الشَّرقية القديمة التي انفصلت عن باقي العالم المسيحي بعد مجمع خلقيدونية (451م) أو قبله بقليل، وأهمَّها: القبطية في مصر، السُّريانية الغربية (يعقوبية) في المشرق، الأرمنية، الإثيوبية، والهندية المالانكارية المُرتبطة بالسُّريانية.
عُمُومًا، موقف هذه العائلات الكنسية من العهد الجديد قريب جدًا من الإجماع القديم، لكن وُجدت في تاريخها بعض الخصوصيات الجديرة بالذِّكر:
ورثت كنيسة الإسكندرية تقليد أثناسيوس القوي. لذلك تبنَّت الأسفار الـ27 كاملة مُنذ زمن مُبكِّر. لا نعلم بوُجُود أيّ كُتُب إضافية اعتبرها الأقباط ضِمْن العهد الجديد. ومُنذ ترجمة الكتاب المُقدَّس إلى القبطية (اللَّهجة الصَّعيدية ثُمَّ البحيرية) في القُرُون 3-4 م، نجد ترجمة لمُعظم – إن لم يكن كُلّ – أسفار العهد الجديد المُتعارف عليها. صحيح أنَّ في إحدى المخطوطات القبطية البحيرية القديمة (مخطوطة شستر بيتي 14/1 من القرن الرَّابع) لم يَرِد سفر الرُّؤيا، لكنَّ هذا يُحتمل أنَّه بسبب تجميع المخطوط لا أكثر.
استخدمت الكنيسة القبطية هذه الأسفار كلّها في قراءاتها (مع نفس الاستثناء الليتورجي للرُّؤيا). ودوَّن قدِّيسوها مثل القدِّيس كيرلُّس الكبير (القرن الخامس) والقدِّيس ساويرس الأنطاكي (القرن السَّادس) قوائم مُطابقة للأسفار السَّبعة والعشرين أو اقتبسوا منها جميعًا. فلا يبرز في التَّقليد القبطي أيّ خلاف خاصّ حول قانونية العهد الجديد.
الكنيسة السُّريانية الغربية (اليعقوبية)
تشمل الكنائس السُّريانية الأرثوذكسية (أنطاكية) ومَن تفرَّع عنها. ورثت هذه الكنيسة أوضاعًا خاصَّة مِن التُّراث السُّرياني المُبكِّر. التَّرجمة السُّريانية البشيطة (البسيطة) للعهد الجديد، التي استقرَّت بحُلُول أوائل القرن الخامس، كانت تحوي 22 كتابًا فقط مِن العهد الجديد. فقد استبعدت البشيطة خمس رسائل قصيرة هي: 2بطرس، 2يوحنا، 3يوحنا، يهوذا، والرؤيا.
السَّبب في ذلك تاريخي: عندما دخلت المسيحية إلى المناطق النَّاطقة بالسُّريانية (بلاد الشام والعراق)، كانت تِلْك الأسفار الخمسة لا تزال موضع شَكّ أو غير معروفة تمامًا في بعض الأوساط، فلم تُترجم ضِمْن أولى التَّرجمات السُّريانية. وهكذا أصبحت النُّسخة السُّريانية القياسية بدونها.
استمر هذا الوضع قُرُونًا عِدَّة؛ فمثلاً لم يقتبس القدِّيس أفرام السُّرياني (ت 373م) شيئًا من 2بطرس أو 2-3يوحنا أو يهوذا أو الرُّؤيا في تفسيراته، ممَّا يؤكِّد أنَّها لم تكن رائجة في الكنيسة السُّريانية في عصره.
حتى أفرهاط الحكيم الفارسي (340م) يبدو أنَّه اعتبر “رسالة ثالثة إلى أهل كورنثوس” – وهي كتاب منحول – جُزءًا من كتاباته المُقدَّسة، إذ استخدمها ضِدّ الغنوصيين. واللَّافت أنَّ الكنيسة الأرمنية أيضًا تبنّت “3كورنثوس” لفترة مِن الزَّمن وتأخَّرت في نبذها (أدرجتها في طبعة الأوسكان الأرمنية 1666 ثم نقلتها كمُلحق عام 1805م).
هذا يدُلّ على أنَّ بعض الكنائس الشَّرقية المعزولة حافظت على كُتُب أبكر مِن القرار الجامع، لكنَّها لاحقًا تخلَّت عنها لمَّا اتَّضح إجماع الكنيسة ضِدَّها.
على أيَّة حال، بقيت الكنيسة السُّريانية الغربية خلال القُرُون الوسطى تستخدم البشيطة النَّاقصة. لكن عندما اشتدَّت الصِّلات بينها وبين العالم اليوناني واللَّاتيني (ابتداءً من القرنين السَّادس والسَّابع)، شعرت بالحاجة لإكمال نصّ العهد الجديد. فكلّف أسقف مابوغ (منبج) فيلبسينو (فيلوكسينوس) عام 508م بترجمة سُريانية جديدة تشمل الأسفار التي غابت عن البشيطة. وقد أنجز المُترجم بوليقرابوس ما دعي بـالتَّرجمة الفيلكسينية التي أضافت تلك الكُتُب. ثُمَّ جاء الرَّاهب توما الحرقلي عام 616م ونقَّح التَّرجمة (التَّرجمة الحرقيلية) وأضاف هوامش لتُوافق النَّصّ اليوناني أكثر.
وهكذا حصلت الكنيسة السُّريانية على النَّصّ الكامل. لكن مِن حيث الاعتراف الكنسي، استمرّ البعض يتحفَّظ على تلك “المُلحقات”. إنَّنا نجد مخطوطات سُريانية للكتاب المُقدَّس حتى قُرُون مُتأخِّرة (القرن 12–13م) تخلو تمامًا من الرُّؤيا وسفر يهوذا وغيرهما، ممَّا يدُلّ على استمرار تقليد عَدَم قراءتها في الكنيسة المشرقية السُّريانية. وفي العصر الحديث فقط، مع انتشار المطابع والتَّأثُّر بالكنائس الأخرى، باتت طبعات الكتاب المُقدَّس السُّرياني تضُمّ تلك الرَّسائل، وأقرَّت الكنيسة السُّريانية الأرثوذكسية رسميًا قانونية الأسفار الـ27 جميعًا.
كنيسة المشرق الآشورية (السُّريانية الشَّرقية)
هذه الكنيسة (التي كانت تمتدّ في بلاد فارس وخارج الإمبراطورية الرُّومانية) حافظت على استقلالية تقليدية. وقد ورثت نص البشيطة أيضًا، وبالتَّالي استخدمت فقط 22 كتابًا مِن العهد الجديد لمئات السنين.
رفض آباؤها المُبكِّرون – كتلميذ أفرام المدعو رابولا – إدخال الرَّسائل “الغربية” (كما سمُّوها) إلى قانونهم. فلا نجد أثراً لرؤيا يوحنا أو 2بطرس و2-3يوحنا ويهوذا في طقس هذه الكنيسة القديم، ولم تُقرأ في قراءاتها الكنسية. وبعض قادتها (مثل البطريرك إيشوعياب الرابع في القرن السابع) دافع عن الاكتفاء بكُتُب البشيطة باعتبارها هي فقط الموروثة مُنذ الآباء القُدامى.
استمر هذا الوضع حتى العصر الحديث. في سنة 1973م قرر مجمع الكنيسة الآشورية تحت البطريرك شمعون قبول إدراج تلك الأسفار الخمسة في طبعات الكتاب المُقدَّس المقروءة، ولكنَّه ترك الحُرِّيَّة لكُلّ أبرشية في قراءتها من النَّاحية الليتورجية. وهكذا تمَّ إضافة الأسفار النَّاقصة إلى التَّرجمة الحديثة المُسمَّاة “بشيطة مُوحَّدة” في القرن العشرين.
ومع ذلك، لا تزال بعض القطع الليتورجية لكنيسة المشرق تتبع ترتيب القراءات القديم الخالي من تلك الأسفار، ما يعني أنَّ الاعتراف القانوني تأخَّر جدًا لديهم مُقارنة بغيرهم.
ترجمت أرمينيا الكتاب المُقدَّس إلى اللغة الأرمنية في أوائل القرن الخامس (على يد القدِّيس مسروب ماشدوتس وتلاميذه). وشملت التَّرجمة الأرمنية مُنذ بداياتها أسفار العهد الجديد الـ27 (بما فيها الرُّؤيا).
إلَّا أنَّ خُصُوصية أرمنية حدثت بعد ذلك: فقد تسرَّب إلى بعض تقاليدهم “رسالة بولس الثالثة إلى أهل كورنثوس” (وهي جُزء من كتاب أبوكريفي يُسمَّى أعمال بولس). ويبدو أنَّ أفرهاط السُّرياني كان سببًا في ذلك لأنَّه اعتبرها ضِمْن مُراسلات بولس، ومنها انتقلت إلى الأرمنية. أدرجت الكنيسة الأرمنية 3كورنثوس في قانونها لفترة طويلة امتدَّت حتى العُصُور الوسطى، فظهرت في بعض مخطوطاتهم كجُزء مِن العهد الجديد.
وعندما طُبع الكتاب المُقدَّس الأرمني لأوَّل مرَّة عام 1666 (طبعة أوسكان)، ظهرت 3كورنثوس ضمنه. لكن لاحقًا في طبعة البطريرك زوهراب 1805 وُضعت في مُلحق، وفي العصر الحديث لم تعد تعتبرها الكنيسة الأرمنية قانونية.
تمتلك كنيسة إثيوبيا الأرثوذكسية أوسع قانون كتابي مسيحي؛ فهي لا تكتفي بـ27 كتابًا في العهد الجديد، بل لديها قانون مُوسَّع. عرفت إثيوبيا المسيحية العهد الجديد عبر ترجمته إلى لغة الجعز في القرن الرابع/الخامس، ويبدو أنَّ ترجمتها شملت الكُتُب الـ27 المعهودة (رُبَّما عبر اللُّغة اليونانية أو القبطية).
ولكن الكنيسة الإثيوبية أضافت إلى هذه قائمة مِن الكُتُب الكنسية الخاصَّة بها التي وضعتها ضِمْن العهد الجديد، ليصبح مجموع أسفار العهد الجديد في التَّقليد الإثيوبي 35 كتابًا. فإلى جانب الأسفار الـ27 المقبولة في كل مكان، يُقسِّم الإثيوبيون قانونهم إلى “قانون ضَيِّق” و”قانون واسع”.
عمليًا، تعادل هذه الإضافات الإثيوبية كتب “الرَّسائل الرَّسولية” و “الدَّساتير الرَّسولية” وأجزاء من أبوكريفا العهد الجديد التي ارتأت الكنيسة الإثيوبية عبر تاريخها الطَّويل – المُنعزل عن بقية العالم – أنَّها نافعة للبُنيان وتستحقّ مكانًا في كتابها المُقدَّس.
حتّى اليوم تطبع الكنيسة الإثيوبية كتابها المُقدَّس حاويًا 35 سفرًا في العهد الجديد. ومع ذلك، فهي تُفرِّق بين درجة “إلهام” هذه الكُتُب: فالأسفار الـ27 أعلى مقامًا وبها كلّ أُسُس العقيدة، بينما الأسفار الأخرى ثانوية للاستشهادات الأخلاقية والتَّقليدية.
باختصار، مُعظم الكنائس الشَّرقية (قبطية وسريانية غربية وشرقية وأرمنية) شاركت الكنيسة الجامعة في القبول بالـ27 سفرًا، وإن تأخَّر تمام الوُصُول لذلك في السُّريانية والأرمنية قليلًا. أمَّا الكنيسة الإثيوبية فشكَّلت حالة مُتفرِّدة بضمّها مواد تَقَوِيَّة ضِمْن قانونها المُقدَّس المُوسَّع. ومع ذلك يجدر التَّأكيد أنَّ جميع الكنائس الرَّسولية اليوم – كاثوليكية وأرثوذكسية (بفرعيها) وبروتستانتية – تَتَّفِق الآن على الأسفار السَّبعة والعشرين كأسفار العهد الجديد القانونية، مهما اختلف تقييمهم لبعض الكُتُب الأخرى خارجها.
الكنائس البروتستانتية بمذاهبها
نشأت الكنائس البروتستانتية في القرن السَّادس عشر بعملية إصلاح قادها مارتن لوثر وغيره، وكان تركيز الجدل آنذاك على أسفار العهد القديم القانونية الثانية. أمَّا أسفار العهد الجديد الـ27 فقبلتها جميع الطَّوائف البروتستانتية أساسًا، إذ سارت على نهج إجماع الكنيسة القديم في هذا الشأن. ومع ذلك، لا يخلو الأمر من بعض المُلاحظات ضِمْن إطار الإصلاح:
مارتن لوثر (1483–1546م) نفسه، في ترجمته الألمانية للكتاب المُقدَّس (1522م)، قام بترتيب أسفار العهد الجديد بحيث وضع رسالة العبرانيين ويعقوب ويهوذا والرُّؤيا في النِّهاية بعد بقِيَّة الأسفار الـ23. وبرر ذلك بأنَّ هذه الأسفار الأربعة أقلّ شأنًا في رأيه. أشهر تعليقاته كان وصفه رسالة يعقوب بأنَّها “رسالة مِن قَشّ” لأنَّها برأيه تتعارض ظاهريًا مع عقيدة التَّبرير بالإيمان وحده (إذ شدَّدت رسالة يعقوب على الأعمال وبرّ الإيمان الملموس).
كما انتقد لوثر سفر الرُّؤيا قائلاً إنَّه يجد “فيه أُمُورًا لا تظهر فيها المسيح بوُضُوح”. لكنَّه مع ذلك لم يحذف هذه الأسفار مِن ترجمته، بل أوردها مع فصلها ترتيبًا كقسم خاصّ. كذلك أشار أحيانًا إلى الرِّسالة إلى العبرانيين مُشكِّكًا في نسبتها إلى بولس، وإلى رسالة يهوذا لأنَّها تستشهد بسفر أخنوخ غير القانوني. لكنه بقي عُمُوما مُلتزماً بوُجُودها في الكتاب المُقدَّس.
خلال القرنين 16–17م، ناقش بعض اللَّاهوتيين البروتستانت مفهوم Antilegomena (المُتنازَع عليها) الوارد عند المؤرِّخين القُدماء مثل يوسابيوس القيصري. فأقرّوا بأنَّ هُناك سبعة أسفار بالعهد الجديد كانت موضع جدل في التَّاريخ، إلَّا أنَّهم لم يُخرجوها مِن القانون. فمثلاً، صنَّف الإصلاحي مارتن كيمنيتز (أحد خلفاء لوثر) تِلْك الأسفار كدرجة ثانية مِن حيث اليقين القانوني، لكنَّه أبقاها ضِمْن الكتاب المُقدَّس.
الكنيسة الأنجليكانية في إحدى وثائقها (مقالة رقم 6 من الـ39 مقالة إيمان) ألمحت إلى أنَّ كلّ أسفار العهد الجديد مقبولة وإن أقرَّت بأنَّ “الكنيسة قرأت في الماضي” بعض الكُتُب الأبوكريفية للتَّهذيب فقط. ولكن لم يشمل ذلك أسفار العهد الجديد القانونية.
مع مُرُور الزَّمن، توحَّدت جميع الطَّوائف البروتستانتية على الاعتراف الكامل بالسَّبعة والعشرين سفرًا للعهد الجديد ككتاب مُقدَّس معصوم. إقرار إيمان وستمنستر (1647م) الذي تُقرُّه الكنائس الإصلاحية ينُصّ صراحةً على قانونية هذه الأسفار وحسب، وينفي أيّ سُلطان لما سواها. وبالتالي، لا خلاف بين الأنجليكان والمشيخيين والمعمدانيين وغيرها في مُحتوى العهد الجديد.
لقد قبل البروتستانت قائمة القانون من إجماع الكنيسة القديم، لكنَّهم اختلفوا مع الكاثوليك في فلسفة هذا القبول: فبدلاً من إسناد سُلطان القانون لقرار كنسي (كما في مجمع ترنت)، شدَّدوا على أنَّ الكتاب المُقدَّس يُبرهن نفسه بنفسه.
قال جون كالفن إنَّ شهادة الرُّوح القُدُس الدَّاخلية لقلب المؤمن هي التي تجعلنا نوقن بسُلطان الأسفار المُقدَّسة، لا إعلان مؤسَّسة كنسية. بكلمات أخرى: الكنيسة لم تمنح الكُتُب سُلطانها؛ الكُتُب هي التي فرضت سُلطانها بقُوَّة الرُّوح، والكنيسة فقط اعترفت بذلك.
مِن النَّاحية التَّطبيقية، لم تُحاول أيّ طائفة بروتستانتية نزع أيّ سفر مِن العهد الجديد. حتى أكثر المُصلحين جرأةً لم يقترحوا قانونًا مُختلفًا. فإنَّ مُحاولات لوثر النَّقدية بقيت شخصية ولم تُصبح عقيدة كنسية. على العكس، قام عُلماء بروتستانت بالدِّفاع عن قانونية يعقوب والرُّؤيا وغيرها بطُرُق جديدة بعد فَهْم مقاصدها في إطار الكتاب كلّه.
أسباب قبول أو رفض الأسفار: معايير ومواقف عبر التَّاريخ
طرحت الكنيسة مُنذ فجرها عِدَّة معايير موضوعية وروحية لتقرير قانونية أسفار العهد الجديد. ويُمكن إيجاز أهمّ أسباب قبول أو رفض الكُتُب – كما استخلصها الآباء والمؤرِّخون – فيما يلي:
Apostolicity – رَسُولِيَّة الكتاب
أي ارتباطه المُباشر أو غير المباشر بأحد الرُّسُل أو تلاميذهم المُقرَّبين.
هذا معيار تاريخي محوري. فالكنيسة قبلت الأناجيل الأربعة لأنَّها آمنت بأنَّه من كاتبة رُسُل أو صحابة رسل (متى ويوحنا رسولان؛ مرقس ولوقا تلميذان لرُسُل). وقبلت رسائل بولس لأنَّها صادرة عن رسول. واعتبرت رسالة يعقوب صادرة عن يعقوب أخي الرَّبّ (الذي عُدَّ رسولًا في مجمع أورشليم)، وبطرس الأولى عن بطرس الرَّسول… إلخ.
وفي المقابل، رُفضت كتابات كثيرة لأنَّها مُنتحَلة الأسماء أو مُتأخِّرة زمنًا: فـ”إنجيل توما” مثلاً ظهر في القرن الثَّاني ويُنسب كذبًا لتوما الرسول، فرُفِضَ لأنَّه ليس حقيقةً مِن عصر الرُّسُل. وكتاب “الرَّاعي لهرماس” رغم قيمته الأدبية رُفِضَ لأنَّ مؤلّفه لم يكن نبيًا ولا رسولًا، بل من الجيل الثاني كما صرّح قانون موراتوري.
إذًا، كان العصر الرَّسولي حُدُودًا فاصلة: أيّ كتاب كُتب بعد موت آخر رسول (=نهاية القرن الأوَّل) لا يُمكن أن يُعتبر موحى به.
عامِل التَّقليد الرَّسُولِيّ المُستمِرّ
ارتبط بهذا مفهوم التَّسليم الكنسي. فقد قبلت الكنيسة ما توثَّق لديها عبر أجيال مُتعاقبة أنَّه سُلِّم مِن الرُّسُل وقراءاته مُستمِرَّة. فإن شهد مُعلِّمون موثوقون في القرن الثَّاني لوُجُود كتاب، فهذا يُعزِّز صِحّته. وبالعكس، كتاب يظهر فجأة بيد شخصٍ في القرن الثالث بدون أن يذكره أحدٌ قبله، اعتُبر مشبوهاً.
Orthodoxy – صِحَّة المضمون وملاءمته لـ “قاعدة الإيمان”
كان على أي سفر يُراد قبوله أن يتوافق مع الإيمان المسيحي المُستَلَم مِن الرُّسُل والمُتداول في الكنائس. أي يُفترض فيه عَدَم تناقض تعاليمه مع ما عُرف مِن تعليم شفوي ورسولي عام.
لذلك رفضت الكنيسة كُتُبًا لأنَّ تعليمها شاذّ أو هرطوقي: مثال، إنجيل المصريين وبعض الأناجيل الغنوصية تضمَّنت أفكارًا غريبة (كإنكار ألوهة المسيح الصَّريحة أو الدَّعوة لمُمارسات شاذَّة نُسُكًا)، فرُفِضَت فورًا. أيضًا رسالة “أعمال بولس وتقلا” و”رؤيا بطرس” رُفِضَت لاشتمالها على عناصر عقائدية غير مقبولة (كمثل الفتيات الرَّاقصات في الفردوس برؤيا بطرس).
وفي بعض الحالات، كُتُب قانونية كادت تُرفَض أو تأخَّرت بسبب سُوء فَهْم عقائدي لها: مثال ذلك سفر الرُّؤيا – إذ تحفَّظ البعض عليه بسبب الإفراط التَّأويلي عند المونتانيين وليس لخطأ في السِّفر نفسه. وأيضًا رسالة يعقوب – تردَّد مارتن لوثر عليها نابع من اختلاف تفسيره اللَّاهوتي لموضوع الإيمان والأعمال، لكنَّه في النِّهاية أقرّ أنَّ الخطأ في الفَهْم وليس في الرِّسالة.
هكذا نجد أنَّ معيار الاستقامة العقائدية استخدمه الآباء مُبكِّرًا: فعلى سبيل المثال، استشهد إيريناوس وقادة القرن الثَّاني بالأسفار المقبولة لأنَّها تعلن ذات الإيمان الذي تسلَّموه، بينما ندَّدوا بالكُتُب المرفوضة قائلين إنَّها تُظهر ذاتها كخليط مسموم يناقض الحقّ.
Universality/Catholicity – الشُّمُولِيَّة والقَبُول العامّ (الانتشار)
لقد لوحظ مُنذ القرن الثَّاني أنَّ الكُتُب التي قبلتها مُعظم الكنائس شرقًا وغربًا هي على الأرجح موحى بها، بينما الكُتُب التي استأثرت بها فئة أو منطقة دون غيرها هي مشكوك فيها. فوُجُود الكتاب عبر مناطق مُختلفة (أورشليم، أنطاكية، روما، الإسكندرية…) واستخدامه في اللِّيتورجيا على نطاقٍ واسعٍ أعطى وزنًا لقبوله.
مثلاً، الأناجيل الأربعة ورسائل بولس انتشرت بسرعة في كلّ الكنائس لذلك لم يشُكّ فيها أحد. بينما رسالة يهوذا كانت معروفة في بعض الكنائس ومجهولة في أخرى، فتأخَّر إجماع الكنيسة عليها لهذا السَّبب. وكذلك 2بطرس لم تصِلّ نُسخها إلى كثيرٍ من الكنائس في القُرُون الأولى، فبقيت مُدَّة أطول في خانة “المُتنازع عليها”. وقد عبّر قانون موراتوري عن هذا المبدأ عندما أشار إلى أنَّ بعض الكُتُب “لا يقبلها الكثيرون في الكنيسة الجامعة”.
هُناك أيضًا عوامل أثَّرت على قبول/رفض بعض الكُتُب في حالات مخصوصة:
بعض الرَّسائل كانت قصيرة جدًا وخاصَّة (مثل 3يوحنا التي هي مُذكِّرة شخصية)، فاستغرق الأمر وقتًا لتقدير قيمتها الجامعة. كذلك رسالة فليمون عند البعض، لكنَّها استُثنيت بفضل نسبتها لبولس.
الإنجيل بحسب العبرانيين مثلاً كان موجودًا بالعبرية فقط لدى المسيحيين اليهود، فلم يتوفَّر على نطاق واسع باليونانية، لذا بقي محدودًا ولم يُعتبر عالميًا.
رسالة يهوذا اقتبست من سفر أخنوخ غير القانوني، فاستنكر البعض ذلك مُعتبرين أنَّه يُقلِّل مِن شأن وحيها. لكنَّ آباء آخرين أوضحوا أنَّ اقتباس حقيقة من كتاب غير مُوحى به لا يجعل الكتاب المُقدَّس غير موحى به، تمامًا كما اقتبس بولس من شعر وثني في أعمال 17 دون أن يقدح هذا في قُدسِيَّة أعمال الرُّسُل.
ما كان يُقرأ على الشَّعب في الكنيسة اعتُبر ذا سُلطة. فمعيار “يُقرأ علنًا في الكنائس” كان علامة على الكتاب القانوني. لهذا انزعج الآباء لوضع كتاب غير موحى به على المنبر. فقانون موراتوري مثلاً نبّه أن رؤيا بطرس يقرأها البعض ولكنَّ كثيرين لا يُجيزون قراءتها للنَّاس في الكنيسة، فأوحى ذلك بأنَّها تحت الاختبار وفي النِّهاية لم تُجز.
الحمد لله رب العالمين