﷽
خُلاصة الخلاف التَّاريخي في تحديد قانون العهد الجديد
بحث مُتعمِّق (Deep Research) باستخدام نموذج GPT-4.5 مِن OpenAI
للتَّحميل: [DOC] [PDF]
المراجع المُعتمدة في هذا البحث
أولًا: آراء آباء الكنيسة الأوائل في قانون العهد الجديد
كليمنضس الإسكندري (ت نحو 215م)
أثناسيوس الرسولي: الرِّسالة الفِصْحِيَّة رقم 39 لسنة 367م
ثانيًا: مواقف الكنائس والجماعات المختلفة عبر التاريخ
الكنائس الشَّرقية (اليونانية وغيرها)
المعايير التَّاريخية لقبول الأسفار القانونية
أرثوذكسية المضمون (قاعدة الإيمان)
الكاثوليكية (الانتشار والاستعمال العام)
خُلاصة مُشكلة قانون العهد الجديد
المراجع المُعتمدة في هذا البحث
Michael J. Kruger, The Question of Canon: Challenging the Status Quo in the New Testament Debate, InterVarsity Press, 2013.
Robert W. Wall, Eugene E. Lemcio, The New Testament as Canon: A Reader in Canonical Criticism, Sheffield Academic Press, 1992.
Brooke Foss Westcott, A General Survey of the History of the Canon of the New Testament, Macmillan and Co., 1875.
Harry Y. Gamble, The New Testament Canon: Its Making and Meaning, Fortress Press, 1985.
Lee Martin McDonald, The Formation of the Biblical Canon, Volume 2: The New Testament—Its Authority and Canonicity, Bloomsbury T&T Clark, 2017.
Julius A. Brewer, The History of the New Testament Canon in the Syrian Church, Gorgias Press, originally published 1900 (reprint 2011).
Jens Schröter (trans. Wayne Coppins), From Jesus to the New Testament: Early Christian Theology and the Origin of the New Testament Canon, Baylor University Press, 2013.
F.F. Bruce, The Canon of Scripture, InterVarsity Press, 1988.
Bruce M. Metzger, The Canon of the New Testament: Its Origin, Development, and Significance, Clarendon Press, Oxford, 1987.
Michael J. Kruger, Canon Revisited: Establishing the Origins and Authority of the New Testament Books, Crossway, 2012.
شهد تاريخ الكتاب المُقدَّس جدلًا طويلًا حول تحديد الأسفار القانونية (أي المُعترف بها ككُتُب مُقدَّسة وموحى بها) لكُلٍّ مِن العهدين القديم والجديد.
فمن المعروف أنَّ قائمة أسفار العهد القديم نفسها كانت محَلّ اختلاف بين الجماعات الدِّينية؛ فقد اعتمدت الكنيسة الأولى على التَّرجمة اليونانية للعهد القديم (السَّبعينية) التي تضمَّنت بعض الأسفار غير الموجودة في النَّصّ العبري المُعتمد في اليهودية، ممَّا أدَّى إلى تباينات في قبول ما يُسمَّى الأسفار القانونية الثانية أو الأبوكريفا في التَّقليد المسيحي.
وقد استمرّ هذا الاختلاف حتى عصر الإصلاح البروتستانتي، حيث رفض البروتستانت تلك الأسفار الزَّائدة بينما قبلتها الكنيسة الكاثوليكية والأرثوذكسية ضِمْن قانونية العهد القديم.
هذا الخلاف التَّاريخي في العهد القديم يُمهِّد لفهم السِّياق الذي ظهر فيه سُؤال قانون العهد الجديد ومعاييره، إذ احتاجت الكنيسة أيضًا إلى التَّمييز بين كُتُب العهد الجديد المقبولة وغيرها مِن الكتابات المسيحية المُبكِّرة.
ظهر العهد الجديد (العنوان المُستخدم للإشارة إلى الكُتُب المُقدَّسة المسيحية) في سياق القرن الأوَّل المسيحي دون قائمة مكتوبة مُتَّفَق عليها سلفًا لأسفاره. فخلال القرن الأوَّل كانت كتابات الرُّسل وتلاميذهم تتداول بشكلٍ مُنفصل (رسائل، أناجيل، … إلخ)، وكانت الكنيسة تنظر إليها باحترامٍ كبيرٍ وتقتبس منها في التَّعليم والعبادة، لكنَّها استمرَّت فترة مِن الزَّمن بلا قائمة نهائية تجمعها.
ومع انتشار الكتابات المسيحية وكثرة المُعلِّمين ظهرت الحاجة المُلِحَّة لتحديد الكُتُب الموثوقة التي تحمل تعليم الرُّسُل الصَّحيح. وقد برزت عوامل عديدة استدعت ذلك التَّحديد، مِن أهمِّها: مُقاومة التَّعاليم المُنحرفة والهرطقات التي حاولت استعمال كُتُب خاصَّة بها، وتحديد ما يصِحّ قراءته في الاجتماعات الكنسيّة العامَّة، ومُواجهة اضطهادات السُّلُطات الرُّومانية التي طلبت تسليم الكُتُب المُقدَّسة لحرقها – ممَّا اضطرّ الكنيسة لبيان ما هي الكُتُب التي تعتبرها “مُقدَّسة” حقًا ويحرَّم التَّفريط بها. كلّ ذلك دفع قادة الكنيسة إلى البحث في التُّراث المسيحي وتقرير قائمة أسفار العهد الجديد القانونية على أساس معايير راسخة.
سنستعرض في هذا البحث المراحل التَّاريخية لتحديد قانون العهد الجديد، عبر محورين أساسيين:
(1) آراء آباء الكنيسة الأوائل حتى القرن الرَّابع في شأن الأسفار المُقدَّسة التي يجب قبولها.
(2) مواقف الكنائس والجماعات الكبرى – مثل الكنيسة اللاتينية (الغربية) والكنائس الشرقية والسريانية – وكذلك المجامع الكنسيّة المهمة عبر التاريخ، مُسلِّطين الضَّوء على اختلاف قوائم الأسفار لدى كلّ منها والمعايير التي تبنّتها في نظرتها إلى قانونية بعض الأسفار.
وفي النِّهاية نختم البحث بخُلاصة حول الفُرُوقات الجوهريّة بين الكنائس فيما يخُصّ قبول أو رفض بعض أسفار العهد الجديد.
أولًا: آراء آباء الكنيسة الأوائل في قانون العهد الجديد
شهدت القُرُون المسيحية الأولى تدرُّجًا في وعي الكنيسة لحُدُود كتاباتها المُقدَّسة.
القرن الثَّاني الميلادي على وجه الخُصُوص كان مرحلة حاسمة تكوَّنت خلالها نواة قانون العهد الجديد. فكتابات ما يُعرف بـ “الآباء الرَّسوليين” (تلاميذ الرُّسُل مثل إغناطيوس الأنطاكي وبوليكاربوس وإكليمندس الروماني في أواخر القرن الأوَّل ومطلع الثاني) اقتبست أقوالًا مِن الأناجيل ورسائل بولس بوصفها تحمل سُلطة وتعليمًا رسوليًا، دون أن تُقدِّم قائمة مُحدَّدة بالأسفار.
في مُنتصف القرن الثاني تقريبًا، يذكر يوستينوس الشَّهيد في دفاعه الأوَّل أنَّ “مُذكّرات الرُّسُل” تُقرأ جنبًا إلى جنب مع كتابات الأنبياء في اجتماعات الكنيسة الأسبوعية. كذلك اقتبس يوستينوس من بعض رسائل العهد الجديد وسفر الرُّؤيا المنسوب للرسول يوحنا بوصفها كتابات موثوقة.
هذه الشَّهادات المُبكِّرة تدُلّ على أنَّ جماعات المسيحيين الأولى كانت تُميِّز تدريجيًا بين كُتُب اعتقدت أنَّها رسوليّة موثوقة، وأخرى مشكوك فيها أو مرفوضة.
مِن أوائل الأحداث التي أبرزت ضرورة تحديد قانون العهد الجديد ظُهُور بعض الحركات الهرطوقية ذات القوائم المُختلفة. ففي حوالي سنة 140م قدّم ماركيون (Marcion) – وهو معلّم ذو مُيُول غنوصية في روما – قائمة خاصَّة به أسقط منها كلّ أسفار العهد القديم، وكلّ أسفار العهد الجديد التي شعر أنَّها تحمل تأثيرًا “يهوديًا”. اختزل ماركيون العهد الجديد في إنجيل واحد (إنجيل لوقا بعد حذف المقاطع التي لم يوافق عليها) وعشر رسائل لبولس (حذف الرَّسائل الرَّعوية).
كانت قائمة ماركيون هذه مُختلفة جذريًا عمَّا تداولته الكنائس آنذاك، وأثار نشرها تحديًا خطيرًا دفع الكنيسة الكبرى إلى توضيح موقفها ممَّا هو قانوني من الأسفار. وفي مُواجهة طرح ماركيون، أدرك قادة الكنيسة ضرورة تحديد الأسفار الرَّسولية الموثوقة التي تسلّموها وحفظها مِن التَّحريف أو الإقصاء.
وفي أواخر القرن الثاني برزت شهادات واضحة على تشكيل قائمة شبه مُكتملة لأسفار العهد الجديد. من أهمَّها ما يسمى شذرة مُوراتوري (Muratorian Fragment) التي تُنسب إلى كنيسة روما نحو سنة 190 م، وهي أقدم قائمة معروفة لمعظم أسفار العهد الجديد. (هُناك بعض الدِّراسات الحديثة التي تقول إنَّ هذا القانون يرجع للقرن الرَّابع الميلادي.)
تذكر هذه القائمة الأربعة الأناجيل (مع اعتبار لوقا “الثالث” ويوحنا “الرابع” ممَّا يدُلّ أنَّ متّى ومرقس مذكوران قبلها في الجزء المفقود من الوثيقة). كما تذكر سفر أعمال الرُّسُل، ومجموع رسائل بولس الـ13 إلى الكنائس (رومية، كورنثوس الأولى والثانية، أفسس، فيلبي، كولوسي، غلاطية، تسالونيكي الأولى والثانية) والـ4 رسائل إلى الأفراد (فليمون، تيطس، تيموثاوس الأولى والثانية). وتضم أيضًا رسالة يهوذا و(على الأرجح) رسالتين من رسائل يوحنا، وسفر الرُّؤيا (رؤيا يوحنا).
بالمُقابل تستبعد القائمة بعض الأسفار التي اعتبرتها غير رسوليّة أو مشكوكًا فيها؛ فهي لا تذكر رسالة يعقوب ولا رسالتي بطرس (رُبَّما لضياع جُزء من القائمة أو لعدم اعتمادها آنذاك في روما)، كما أشارت إلى أنَّ بعض الجماعات لا تُوافق على قراءة رؤيا بطرس في الكنيسة رغم وُجُودها لدى البعض. كذلك صرَّحت بأنَّ كتاب الرَّاعي لهرماس رغم فائدته “للقراءة” لا يُعدّ من الكتابات النَّبوية أو الرَّسولية المُعتمدة.
أعلن إيريناوس أسقف ليون بوُضُوح مبدأ الأناجيل الأربعة دون سواها. فقد دافع بقُوَّة عن كون الكنيسة لديها أربعة أناجيل رسولية لا أكثر ولا أقل، واعتبر ذلك أمرًا بديهيًا يستند إلى رمزيات كونية (كالجهات الأربعة والرِّياح الأربع). استخدم إيريناوس جميع هذه الأناجيل الأربعة كأسفار مُقدَّسة موثوقة، كما استخدم سفر أعمال الرُّسُل وعددًا كبيرًا من رسائل بولس الرَّسول (بما فيها الرِّسالة إلى العبرانيين التي كان إيريناوس أوَّل مَن اقتبس منها بين آباء الغرب) ورسائل أخرى مثل 1بطرس و1يوحنا والرُّؤيا.
وبوجهٍ عامٍّ، يُستدل مِن كتاباته أنَّه عرف ووافق ضمنيًا على ما يقرب مِن 21 كتابًا من العهد الجديد. أمَّا بعض الأسفار القصيرة جدًا فلم يرد عنه اقتباس منها (مثل رسالة فليمون و3يوحنا) ورُبَّما لم يكن يعلم بها أو لم يعتبرها ذات أهمية في سجالاته العقائدية. ويبدو أيضًا أنَّه لم يقتبس رسالة يهوذا أو رسالة يعقوب بشكلٍ مُباشرٍ، ممَّا دفع بعض الباحثين للقول إنَّ إيريناوس استخدم مُعظم أسفار العهد الجديد ما عدا بعض الرَّسائل القصيرة التي لم تحظ بعدُ بانتشار واسع في زمانه.
وعلى أيّ حال، يؤكِّد المؤرِّخون أنَّ إيريناوس «كان قادرًا على التَّمييز بين “كتابات الحقّ” و “جمهرة الكُتُب الأبوكريفية الزَّائفة”» في زمنٍ مُبكِّرٍ، ما يدُلُّ على وعي الكنيسة المُبكِّر بضرورة الفرز بين الكُتُب.
كليمنضس الإسكندري (ت نحو 215م)
إلى جانب إيريناوس في الغرب اللاتيني، نجد مُعاصريه في الشَّرق مثل كليمنضس الإسكندري الذي كان مُطَّلعًا على مجموعة واسعة جدًا من الكتابات المسيحية. اقتبس كليمنضس من جميع الأناجيل الأربعة ومن مُعظم رسائل بولس، واعتبر رسالتي برنابا وهيرماس كُتُبًا نافعة روحيًا لدرجة أنَّه أوردها أحيانًا جنبًا إلى جنب مع الأسفار المُقدَّسة.
وكذلك فعل الكاتب اللَّاتيني ترتليان في قرطاجة، الذي يُنسب إليه استخدام اصطلاح العهد الجديد (Novum Testamentum) لأوَّل مرة للدَّلالة على مجموعة الكتابات المُقدَّسة المسيحية مُقابل العهد القديم. كان ترتليان مُدافعًا شرسًا عن سُلطة الكُتُب الرَّسولية في وجه ماركيون وغيره؛ قبلَ كلّ الأسفار التي سلّمتها الكنيسة (بما فيها الرُّؤيا كما يظهر من كتاباته) رُبَّما عدا الرِّسالة إلى العبرانيين التي نسبها إلى برنابا لا إلى بولس. كما انتقد ترتليان نُزُوع البعض في عصره إلى قبول كتاب الرَّاعي لهرماس، مُشيرًا إلى حداثة عهد هذا الكتاب (كتبه هرماس حوالَي 150 م) وبالتَّالي عدم رسوليّته.
وهكذا نرى أنَّه بنهاية القرن الثَّاني كانت معظم كُتُب العهد الجديد قد حظيت بالقبول على نطاقٍ واسعٍ في الكنيسة الجامعة، وظلّت قِلَّة مِن الكُتُب محلّ نقاش وتردُّد، وغالبها رسائل قصيرة الحجم أو مُتأخِّرة الانتشار.
في القرن الثالث الميلادي، استمرّ هذا المسار إلى حَدٍّ بعيد.
كان العلَّامة أوريجانوس السكندري من أبرز عُلماء الكتاب المُقدَّس في عصره، وقد درس بدِقَّة مسألة الأسفار المُقدَّسة المُعتمدة. وصلت إلينا شهادة أوريجانوس عن قانون العهد الجديد عبر اقتباس المؤرِّخ الكنسي يوسابيوس القيصري لها في كتابه: تاريخ الكنيسة.
يُقسِّم أوريجانوس الكُتُب إلى فئتين: فئة الكُتُب المُعتبرة “موحى بها ومُعترَف بها من الجميع”، وتشمل الأناجيل الأربعة وسفر الأعمال ورسائل بولس الثلاث عشرة (من رومية إلى فليمون) ورسالة بطرس الأولى ورسالة يوحنا الأولى وسفر الرُّؤيا.
أمَّا الفئة الثَّانية فهي “كُتُب مُتنازَع عليها” اختلف البعض في شأنها، وتشمل: الرِّسالة إلى العبرانيين، ورسالة يعقوب، ورسالة بطرس الثانية، ورسالتَي يوحنا الثانية والثالثة، ورسالة يهوذا.
أضاف أوريجانوس أنَّ هناك أيضًا بعض الكُتُب التي قرأها بعض المسيحيين رغم عَدَم إقرار الكنيسة لها، مثل: رسالة برنابا وكتاب الرَّاعي لهرماس وكتاب الدِّيداخي (تعليم الرُّسُل) وإنجيل للعبرانيين.
يتَّضِح من ذلك أنَّ أوريجانوس كان على عِلْمٍ بكُلّ الأسفار التي ستُشكِّل العهد الجديد لاحقًا، وفرَّق بين ما حصل منها على إجماع الكنيسة، وما كان لا يزال موضع تردُّد هُنا أو هُناك.
وعندما نصل إلى أوائل القرن الرَّابع الميلادي نجد أوضح تصوير لحالة النِّقاش القانوني في كتابات يوسابيوس القيصري. فقد عقد يوسابيوس – في أثناء تأريخه لأحوال الكنيسة حتى زمنه – فصلًا خاصًّا لحصر الأسفار المُقدَّسة المُعترف بها عُمُومًا وتلك المُختلف عليها.
ذكر أنَّ الأسفار المُعترف بها (Homologoumena) عند الكنيسة هي: الأناجيل الأربعة، وسفر أعمال الرُّسُل، ورسائل بولس الأربعة عشرة (باحتساب العبرانيين ضِمْن رسائله)، ورسالة بطرس الأولى، ورسالة يوحنا الأولى؛ وأضاف أنَّه يُمكن أن يُدرج سفر الرُّؤيا في هذه الفئة رغم أنَّ بعضهم نازع في قبوله.
أمَّا الأسفار المُختلف عليها (Antilegomena) ولكن “معروفة لدى كثيرين” فهي: رسالة يعقوب، ورسالة يهوذا، ورسالة بطرس الثانية، ورسالتا يوحنا الثانية والثالثة.
ثُمَّ يذكر يوسابيوس فئة ثالثة هي الكُتُب المرفوضة (غير الأصيلة)، ومنها: أعمال بولس، وراعي هرماس، ورؤيا بطرس، ورسالة برنابا، و”تعليم الرُّسُل” … إلخ، وهي كُتُب اعتبرتها الكنيسة مُفيدة روحيًا لبعض النَّاس لكنَّها ليست جُزءًا مِن العهد الجديد.
وأخيرًا حذَّر مِن كُتُب هرطوقية مُختلَقة لا يجوز حتى مُجرَّد مُطالعتها، مثل أناجيل بطرس وتوما وغيرها من كتابات الغنوصيين.
يُبرز تصنيف يوسابيوس واقع الكنيسة عند مطلع القرن الرَّابع: فقد تكرَّس لديها أغلب أسفار العهد الجديد (الأناجيل والأعمال ومعظم الرسائل) باعتبارها قانونية بلا نزاع، وظلَّت عِدَّة رسائل قصيرة في الأطراف ينتظر حسم الكنيسة لأمرها. كما يظهر أنَّ سفر الرُّؤيا كان حالُهُ فريدًا، إذ قبله كثيرون ورفضه آخرون حينئذ؛ ورُبَّما يعود تردُّد البعض حوله إلى سوء استخدام بعض البدع له (مثل جماعة مونتانيوس) وإلى صُعُوبات تفسيره ومُحتواه الرَّمزي.
أثناسيوس الرسولي: الرِّسالة الفِصْحِيَّة رقم 39 لسنة 367م
وفي مُنتصف القرن الرَّابع جاء الحسم النِّهائي من جهة الكنيسة في رسالة عيد الفِصْح الشَّهيرة سنة 367م التي كتبها بطريرك الإسكندرية أثناسيوس الرَّسولي. فقد تضمّنت “الرِّسالة الفصحية التَّاسعة والثَّلاثون” لأثناسيوس قائمة واضحة وصارمة بكُتُب العهد الجديد المقبولة باعتبارها وحدها «الينبوع الخلاصي للتَّعليم الإلهي».
حدَّد أثناسيوس في رسالته تلك سبعة وعشرين سفرًا على وجه التَّحديد – هي كلّ أسفار العهد الجديد المعروفة اليوم – وأعلن أنَّه «مِن الواجب عَدَم إضافة أيّ كتاب آخر إليها وعَدَم حذف أيّ كتاب منها». وكانت تلك أوَّل مرَّة يُعلَن فيها اتِّفاق الكنيسة على القائمة المُكتملة التي تشمل أسفار العهد الجديد السَّبعة والعشرين دون سِواها.
وأشار أثناسيوس أيضًا إلى بعض الكُتُب المسيحية المُفيدة التي يُمكن قراءتها على انفراد «للتَّهذيب في التَّقوى» ولكنَّها ليست من الأسفار القانونية، مثل: كتاب الرَّاعي وكتاب الدِّيداخي ورسالة برنابا. وبذلك ميَّز بوُضُوح بين الكتابات الرَّسولية القانونية وتِلْك المؤلَّفات الكنسية الأخرى. لقد مثّل موقف أثناسيوس تتويجًا لعملية الغربلة والنِّقاش التي استمرَّت في القُرُون السَّابقة، وتبنَّت كنائس الشَّرق النَّاطقة باليونانية موقفه سريعًا.
في الوقت نفسه تقريبًا (أواخر القرن الرابع) كانت كنائس الغرب اللَّاتيني قد تبنَّت القائمة نفسها بفضل تأثير القدِّيس جيروم (إيرونيموس) والقدِّيس أغسطينوس في شمال أفريقيا وغيرهما. وهكذا بنهاية القرن الرَّابع توحَّدت الكنيسة شرقًا وغربًا بصُورةٍ عامَّة على قبول الأسفار السَّبعة والعشرين للعهد الجديد القانونية، واعتبرتها “الأسفار المُقدَّسة” التي لا يجوز إنكارها أو إضافة غيرها إليها.
مع ذلك، تجدر الإشارة إلى أنَّ تمام هذا الاتِّفاق حصل بالتَّدريج.
فمثلاً، استمرّ بعض قادة الكنائس في الشَّرق في التَّحفُّظ على سفر الرُّؤيا ولم يُدرجوه في قوائمهم خلال القرن الرَّابع؛ مِن هؤلاء كيرلُّس الأورشليمي (أسقف أورشليم حوالي 350م) الذي قدّم لمُرشّحي المعمودية قائمة بأسفار العهد الجديد تضمَّنت كلّ شيء عدا سفر الرُّؤيا، وكذلك فعل غريغوريوس النزينزي (حوالي 390م) الذي نظم أبياتًا شعرية في عَدِّ أسفار الكتاب المُقدَّس لم يذكر فيها الرُّؤيا أيضًا. وكان سبب هذا الاستبعاد الأرجح هو استمرار الرِّيبة القديمة حول الرُّؤيا عند بعض كنائس الشَّرق بسبب ارتباطها بتعاليم المونتانيين المُتطرِّفين قبل ذلك.
لكن هذه التَّحفُّظات كانت محلِّيَّة ومؤقَّتة، فسُرعان ما أخذ الشَّرق البيزنطي لاحقًا بآراء أثناسيوس والإسكندرية في قبول جميع الأسفار القانونية بما فيها الرُّؤيا (وإن بقيت تُقرأ في نطاق محدود من النَّاحية اللِّيتورجية). وبحُلُول مطلع القرن الخامس يُمكننا القول إنَّ الكنيسة الجامعة أرست قاعدة العهد الجديد القانونية بشكل يكاد يكون موحَّدًا، باستثناء بعض الجُيُوب في أطراف العالم المسيحي التي استمرَّت في تبنِّي قوائم مُختلفة قليلًا، كما سنرى.
ثانيًا: مواقف الكنائس والجماعات المختلفة عبر التاريخ
بعد استعراض تطوُّر نظرة آباء الكنيسة إلى قانون العهد الجديد، نستعرض الآن اختلاف تقاليد الكنائس الإقليمية وقوائمها عبر التَّاريخ، وكذلك قرارات المجامع الكنسية الكبرى، مع إبراز المعايير التي طبّقتها كلّ كنيسة في قبول أو رفض بعض الأسفار:
كانت كنيسة روما وعُمُوم الغرب اللَّاتيني بطيئة في قبول بعض الأسفار الرَّسولية التي كُتبت أو انتشرت في المشرق.
فمثلًا، لم تكن الرِّسالة إلى العبرانيين شائعة القبول في روما خلال القُرُون الأولى بسبب الشَّكّ في كاتبها (إذ اعتبرها كثيرون هُناك غير مكتوبة مُباشرةً من بولس الرَّسول). كذلك تردَّد البعضُ إزاء رسالة يعقوب ورسالة يهوذا لصغر حجمهما وقِلَّة اقتباس الآباء الأوائل منهما.
لكن مُنذ أواخر القرن الرَّابع توحَّد موقف الكنيسة الغربية مع الشَّرقية في الاعتراف بالسَّبعة والعشرين سفرًا جميعها كأسفار مُقدَّسة. وقد انعقدت في شمال أفريقيا مجموعة من المجامع المحلِّيَّة لتثبيت هذا الأمر، منها مجمع هيبو (393م) ثُمَّ مجمع قرطاجة الثالث (397م) الذي أصدر قرارًا رسميًا يُحدِّد أسفار العهد الجديد القانونية السَّبعة والعشرين.
اعتمد مجمع قرطاجة قائمة مُطابقة تمامًا لما أورده أثناسيوس قبل ذلك بثلاثين عامًا. وتجدر الإشارة إلى أنَّ هذه المجامع المحلِّيَّة لم “تخلق” قانونًا جديدًا، بل أكَّدت ما كان شائعًا ومُعترفًا به في الكنائس سلفًا؛ فقد انعقدت بالتَّنسيق مع روما لضمان وِحْدة الكنيسة الجامعة حول الأسفار المُقدَّسة.
لاحقًا، في عصر الإصلاح البروتستانتي (القرن السَّادس عشر)، أبدى المُصلح مارتن لوثر تحفُّظات شخصية حول بعض أسفار العهد الجديد (خاصَّةً يعقوب ويهوذا والعبرانيين والرُّؤيا) وشكَّك في توافقها مع بقية أسفار الكتاب المُقدَّس، حتى إنَّه وصف رسالة يعقوب بأنَّها «رسالة مِن قش» لانطباعه بأنَّها تُعارض رسالة بولس بشأن التَّبرير.
قام لوثر في طبعة العهد الجديد الألمانية (1522م) بوضع الرَّسائل الأربع المذكورة في نهاية التَّرتيب وبفصلها قليلًا عن بقية الأسفار (من دون ترقيمها في الفهرس) للدَّلالة على مرتبتها الثَّانوية في نظره. ومع ذلك، لم يخرج لوثر ولا باقي المُصلحين البروتستانت عن إجماع الكنيسة القديم، إذ استمرُّوا في قبول الأسفار السَّبعة والعشرين ضمنيًا وضمَّنوها في ترجمات الكتاب المُقدَّس (مع تقديم على استحياء لبعضها).
وردًا على الجدالات التي أثارها موقف الإصلاح، عقدت الكنيسة الكاثوليكية مجمع ترينت (ترنت) سنة 1546م وأصدر مرسومًا قطعيًا بقائمة أسفار الكتاب المُقدَّس، مؤكِّدًا بصورة نهائية الأسفار القانونية للعهد الجديد السَّبعة والعشرين ومُطلقًا حَرْمًا (لعنة كنسيّة) على من يستبعد أيًا منها.
وهكذا ثبتت في التَّقليد اللَّاتيني الكاثوليكي نفس قائمة العهد الجديد التي أقرَّتها الكنيسة الجامعة مُنذ القرن الرَّابع، والتزمت بها أيضًا جميع الكنائس البروتستانتية (مع اختلافها مع الكاثوليك في أسفار العهد القديم فقط).
الكنائس الشَّرقية (اليونانية وغيرها)
في الكنائس الأرثوذكسية الشَّرقية النَّاطقة باليونانية حصل توافق مُماثل على قانون العهد الجديد عبر عملِيَّة تدريجية. فكما أسلفنا، اعتمد أثناسيوس في الإسكندرية (وهي كنيسة شرقية) القائمة المُكتملة سنة 367م، وتبعته كثير من كنائس الشَّرق. ولكنَّ بعض المراكز الشَّرقية الكبرى تأخَّر قليلًا في تبنّي سفر الرُّؤيا ضِمْن القانون.
فعلى سبيل المثال، لم يظهر سفر الرُّؤيا في بعض القوائم الشَّرقية في القرن الرَّابع (مثل قائمة كيرلُّس الأورشليمي وغريغوريوس النزينزي المذكورة أعلاه) نتيجة الشُّكُوك حوله. استمرَّ هذا التَّحفُّظ في القُرُون اللَّاحقة أيضًا؛ فقد لاحظ المؤرِّخون أنَّ الكنيسة البيزنطية لم تولِ سفر الرُّؤيا مكانة مُتساوية تمامًا مع بقية الأسفار لفترة طويلة، حتى بعد قبوله ضمنيًا، والدَّليل أنَّه لم يُدرج ضِمْن القراءات الكنسية (الليتورجيا) السَّنوية التَّقليدية للأناجيل والرَّسائل.
ورغم عدم انعقاد مجمع مسكوني شرقي خاصّ بالكتاب المُقدَّس، إلَّا أنَّ إجماع الكنيسة الشَّرقية استقرّ عمليًا بحُلُول القرن الخامس–السَّادس على قبول كلّ أسفار العهد الجديد القانونية السَّبعة والعشرين. ويشهد على ذلك أنَّ التَّرجمات الشَّرقية عن اليونانية – كالترجمة القبطية والسُّريانية الحيرقلية – في تِلْك الفترة كانت تتضمَّن جميع الأسفار بما فيها الرُّؤيا.
وبعد انقسام الكنائس الشَّرقية عن روما (بعد مجمع خلقيدونية 451م)، ظلّت الكنائس الأرثوذكسية البيزنطية وفُرُوعها (اليونانية والسَّلافية وغيرها) مُتمسِّكة بذات القانون الرسولي. وفي القرن السابع عشر، أصدر مجمع أورشليم (1672م) للكنائس الأرثوذكسية اعترافًا إيمانيًا رسميًا تضمَّن تأكيد قائمة الأسفار الكتابية للعهد الجديد كاملةً (27 سفرًا) بلا زيادة أو نقصان.
وهكذا يُمكن القول إنَّ الكنيسة الشَّرقية تقبل اليوم ذات كُتُب العهد الجديد التي تقبلها الكنيسة الغربية، وليس لديها أيّ أسفار إضافية أو مُختلفة في العهد الجديد (وإن كانت تختلف في بعض أسفار العهد القديم).
تميَّزت تقاليد الكنائس النَّاطقة بالسُّريانية ببعض الاختلاف في قانون العهد الجديد خلال القُرُون الأولى.
انتشرت في منطقة أنطاكية وبلاد ما بين النَّهرين ترجمة سُريانية مُبكِّرة للكتاب المُقدَّس عُرفت باسم البشيطا (أي “البسيطة” أو الواضحة) حوالي القرن الرَّابع الميلادي. احتوت البشيطا على 22 سفرًا فقط مِن العهد الجديد، حيث أغفلت منها بعض الأسفار التي لم تكن شائعة الاستعمال في تلك الكنائس آنذاك. وهذه الأسفار غير الموجودة في البشيطا هي: رسالة بطرس الثانية، ورسالتا يوحنا الثانية والثالثة، ورسالة يهوذا، وسفر الرُّؤيا.
استمرَّت هذه القائمة المُختصرة شائعة في التَّقليد السُّرياني الشَّرقي لعِدَّة قُرُون، ممَّا يعني أنَّ الكنائس السُّريانية الشَّرقية (وخاصَّةً كنيسة المشرق الآشورية التي وُصفت تاريخيًا بكنيسة “النَّساطرة”) لم تكن تعتبر تلك الأسفار الخمسة ضِمْن قانونها الكتابي خلال العُصُور الأولى.
في أوائل القرن السَّادس الميلادي، جرت مُحاولة لسَدّ هذا النَّقص عندما كلَّف الأسقف فيلوكسينوس أسقف مبوغ بتحضير ترجمة سُريانية جديدة للأناجيل والأسفار التي تنقص البشيطا. وبالفعل أُنجزت سنة 508م ترجمة تُعرف بـ “الفيلكسينية” اشتملت على أسفار بطرس ويوحنا الثانية والثالثة ويهوذا والرُّؤيا لأوَّل مرة باللغة السُّريانية. لكنَّ هذه التَّرجمة لم تلقَ رواجًا كبيرًا، ثُمَّ قام حنين (توما الحرقلي) في القرن السابع (616م) بإعداد مُراجعة سُريانية أدَقّ لتلك الأسفار عُرفت بالنّسخة الحيرقليّة.
ورغم هذه التَّرجمات، بقي استعمال تلك الأسفار محدودًا لدى بعض الكنائس السُّريانية الشَّرقية. فمثلًا، استمرَّت كنيسة المشرق الآشورية (المُنتشرة في فارس والهند والصِّين قديمًا) على استخدام البشيطا رسميًا وإغفال رسالة بطرس الثانية ورسائل يوحنا الثانية والثالثة ويهوذا والرُّؤيا حتى العصر الحديث. بل إنَّ بعض الباحثين أشاروا إلى أنَّ هذه الكنيسة – حتى يومنا هذا – لا تقرأ سفر الرُّؤيا في ليتورجيتها ولا تعتمده كليًا في قانونها، رغم أنَّها لا تمنع أتباعها من مُطالعته على انفراد.
بالمقابل، قبلت الكنيسة السُّريانية الغربية (اليعقوبية) تلك الأسفار تدريجيًا عبر تأثير التَّرجمات اليونانية والكنيسة البيزنطية، وهي مُدرجة اليوم في طبعات الكتاب المُقدَّس السُّرياني (مثل ترجمة البشيطا المطبوعة الحديثة التي أضيفت إليها الأسفار “المسكونية” الخمسة من الحيرقلية). وهكذا تفرَّدت الكنيسة السُّريانية لفترة طويلة بقانون جديد أقصر قليلًا، قبل أن تلتحق بالتَّوافق العامّ لبقية الكنائس.
حافظت مُعظم الكنائس المسيحية القديمة (كالكنيسة القبطية في مصر والكنيسة الأرمنية في أرمينيا والحبشية في إثيوبيا وغيرها) على نفس أسفار العهد الجديد الـ27 مع تفاوتات محدودة جدًا.
الكنيسة الأرمنية مثلاً تأخرت في إدراج سفر الرُّؤيا ضِمْن كتابها المُقدَّس حتى القرن التاسع الميلادي تقريبًا بسبب المُلابسات التَّاريخية والتَّرجمية، لكنَّها اعترفت به في النِّهاية وضمَّنته في طبعات كتابها المُقدَّس الرَّسمية.
أمَّا الكنيسة الإثيوبية (الحبشية الأرثوذكسية) فلديها وضع خاصّ في قانون الكتاب المُقدَّس عُمُومًا: فهي تعتمد ما يُعرف بـ «القانون الأوسع» الذي يشمل بعض الكُتُب الكنسية ضِمْن العهد الجديد.
فإلى جانب الأسفار الـ27 المعروفة، تُضيف الكنيسة الإثيوبية في كتابها المُقدَّس عِدَّة كُتُب أخرى كُتِبَت في العصر الرَّسولي أو بعده بقليل وحظيت بتقدير خاصّ هُناك، مثل: قوانين الكنيسة (سنهدوس) وكتاب العهد، ورسالة إكليمندس الرُّوماني، وتعاليم الآباء (الدِّسقولية). وبذلك يبلغ مجموع كُتُب العهد الجديد لدى الكنيسة الإثيوبية (وفقًا لقانونها الأوسع) 35 كتابًا.
مع ذلك، تجدر الإشارة إلى أنَّ هذه الكُتُب الإضافية ذات مكانة ثانوية مُقارنة بالأسفار الرَّسولية، ونادرًا ما تُطبع في الأناجيل الحبشية الحديثة إلَّا في طبعات خاصَّة؛ كما أنَّ بقية الكنائس الأرثوذكسية لا تُشارك الكنيسة الإثيوبية في اعتمادها ضِمْن القانون.
بشكلٍ عامٍّ، يُمكن القول إنَّ كافَّة الكنائس المسيحية الكبرى اليوم، تَتَّفِق اتِّفاقًا تامًّا على قائمة أسفار العهد الجديد القانونية (27 سفرًا)، ولا خلاف بينها في هذا الشَّأن إلَّا في الحالات الخاصَّة المذكورة أعلاه.
المعايير التَّاريخية لقبول الأسفار القانونية
اعتمدت الكنيسة عبر تاريخها على عِدَّة معايير موضوعيّة لتمييز ما يعتبره الآباء كتابًا «قانونيًا» موحى به. وأهمّ هذه المعايير التي تذكرها المصادر التَّاريخية هي:
أرثوذكسية المضمون (قاعدة الإيمان)
أي تَوَافُق تعليم السِّفر مع الإيمان المسيحي المُستمَدّ مِن الرُّسُل. فقد رفضت الكنيسة مثلًا الأناجيل الغنوصية وغيرها لأنَّ مُحتواها اللَّاهوتي غريب ومُناقض لـ «قاعدة الإيمان» المُستقِرَّة في الكنائس. وبالمُقابل، كلّ كتاب رسولي حافظ على صِحَّة العقيدة وتعاليم المسيح اعتُبر جديرًا بالقبول.
أي أن يكون مؤلِّف الكتاب رسولًا مِن تلاميذ المسيح، أو تابعًا مُباشرًا لرسول. فهذا المعيار يضمن «صِلَة الكتاب برسول موثوق أو شاهد عيان»، وقد أصرّ الآباء على استبعاد أيّ كتاب مجهول المصدر أو مُتأخِّر عن عصر الرُّسُل. لذلك قُبلت الأناجيل الأربعة لأنَّ الكنيسة آمنت بصِحَّة نسبتها إلى متى ومرقس ولوقا ويوحنا، فيما استُبعدت مثلاً رسالة هرماس لأنَّ كاتبها لم يكن من الرَّعيل الرَّسولي الأوَّل.
الكاثوليكية (الانتشار والاستعمال العام)
أي كَوْن الكتاب مقبولًا ومُستخدمًا على نِطَاق واسع في الكنائس عبر أماكن مُختلفة، وليس حِكرًا على جماعة محلِّيَّة قليلة. فالكنيسة اعتبرت انتشار الكتاب دليلًا على أصالته ورسوليّته. لذا فالرَّسائل العامَّة التي تأخَّر انتشارها (مثل 2بطرس و2–3يوحنا ويهوذا) تأخَّر الاعتراف بها تبعًا لذلك. أمَّا الكُتُب التي وُجِدَ أنَّها محبوبة فقط لَدَى مجموعات مُنشقَّة أو ذات أفكار شاذَّة فرفضتها الكنيسة (مثل إنجيل بطرس عند بعض الجماعات في سوريا قديماً).
وقد لخّص العالِم «بروس متزجر» هذه المعايير التَّاريخية بقوله إنَّ الكنيسة أقرّت قانونية الأسفار التي حازت صِحَّة العقيدة، والارتباط الرَّسولي، والإجماع الكنسي في استخدامها. فلم يكن قرار القانون اعتباطيًا ولا فرديًا، بل جاء نتيجة فحص طويل بحسب هذه الضَّوابط.
ومن الجدير بالذِّكر أنَّ دور المجامع والسُّلُطات الكنسية في هذا الموضوع كان دور إقرار لما هو مُتداول أكثر منه تأسيس جديد. فالأسفار لم تُصبح مُقدَّسة لأنَّ المجامع وضعتها في قائمة، بل العكس تمامًا: وضِعت في القائمة لأنَّ الكنيسة آمنت أنَّها أسفار موحى بها، وتحمل حقيقة الإنجيل، وتنقل صوت الرُّسُل.
خُلاصة مُشكلة قانون العهد الجديد
يتبيّن لنا من العرض السَّابق أنَّ الخلافات التَّاريخية حول قانون العهد الجديد انحصرت أساسًا في بضعة أسفار قصيرة ومُتأخِّرة الانتشار من العهد الجديد، بينما حازت الأغلبية المُبكِّرة مِن الأسفار (كالأناجيل وسفر الأعمال ورسائل بولس الكبرى) اعترافًا سريعًا وواسعًا في الكنيسة.
الكُتُب التي تأخَّر حسم أمرها هي ما يُسمّى «الأسفار المُتنازَع عليها» (Antilegomena) وأشهرها: رسالة يعقوب، ورسالة يهوذا، ورسالة بطرس الثانية، ورسالتا يوحنا الثانية والثالثة، إضافة إلى سفر الرُّؤيا. وقد رأينا كيف تباينت مواقف الكنائس تجاه هذه الأسفار: فمثلاً قبلتها كنائس الغرب اللَّاتيني عُمُومًا منذ القرن الرَّابع، في حين تريّثت كنائس الشَّرق اليوناني قليلًا بخُصُوص سفر الرُّؤيا، وتردَّدت الكنيسة السُّريانية الشَّرقية بشأن عدد من الرَّسائل القصيرة والرُّؤيا حتى القرن السَّادس وما بعده.
ورغم هذه التَّباينات الإقليمية، حصل مُنذ أواخر القرن الرَّابع توافقٌ عامّ بين مُعظم الكنائس على قائمة الأسفار القانونية، وظلّت أي اختلافات فيما بعد محصورة في نطاق ضَيِّق أو لأسباب لُغوية وجغرافية. وبحُلُول القرن الخامس كانت الكنيسة الجامعة – بشرقيّها وغربيّها – قد قبلت بوجه نهائي الأسفار السَّبعة والعشرين، وهو ما استمرّ عبر الأجيال اللَّاحقة. ولم يشذّ عن ذلك إلَّا بعض المجامع المحلِّيَّة الصَّغيرة أو الجماعات المعزولة.
وفي العصر الحديث، تَتَّفِق جميع الطَّوائف المسيحية الكُبرى على قانونية الأسفار السَّبعة والعشرين للعهد الجديد، وتُطبِّق ذلك عمليًا في كلّ طبعات الكتاب المُقدَّس المُعتمدة لديها. وهكذا فإنَّ الخلافات الجوهرية التَّاريخية التي برزت حول قانون العهد الجديد أمكن تجاوزها، لتُقدِّم الكنيسة في النِّهاية شهادة مُوحَّدة بخُصُوص العهد الجديد الذي بين أيدينا.
الحمد لله رب العالمين