﷽
مُختصر كتاب:
قانون العهد الجديد: أصله وتطوره وأهميته
The Canon Of The New Testament
Its Origin, Development, and Significance
تأليف:
بروس أم. ميتزجر Bruce M. Metzger
إعداد:
محمد شاهين التَّاعِب (عَفَا اللهُ عنه)
باستخدام: Google NotebookLM
الأدبيات حول القانون المنشورة قبل القرن العشرين
الأدبيات حول القانون المنشورة خلال القرن العشرين
الموضوعات الرَّئيسية والأفكار والحقائق الهامَّة
السُّلطة المُبكِّرة للكتابات الرَّسولية
فترة الإعداد: الآباء الرَّسوليُّون
كليمنت الروماني (Clement of Rome)
إغناطيوس الأنطاكي (Ignatius of Antioch)
بابياس أسقف هيرابوليس (Papias of Hierapolis)
رسالة برنابا (Epistle of Barnabas)
بوليكاربوس أسقف سمرنا (Polycarp of Smyrna)
هرماس الرُّوماني (Hermas of Rome)
رسالة كليمنت الثانية (Second Epistle of Clement)
تطوُّر الإشارة إلى الأناجيل الأربعة وعناوينها
1. الإشارة المُبكِّرة إلى أقوال يسوع أو «الإنجيل» بشكل عام
2. الإشارة إلى مجموعة الأناجيل الأربعة كوحدة واحدة
3. استخدام اسم الإنجيلي لتحديد الإنجيل
المؤثِّرات التي أثَّرَت في تطوير القانون
أوَّلاً: الغُنُوصِيَّة (Gnosticism)
رسائل نجع حمادي (Nag Hammadi Tractates)
ثالثًا: المونتانية (Montanism)
تنمية عَدَم الثِّقة في الأدب الرُّؤيوي في الكنيسة الكبرى
رابعًا: الاضطهادات والكتابات المُقدَّسة
خامسًا: التَّأثيرات الأخرى المُحتملة
ثيئوفيلس الأنطاكي (Theophilus of Antioch)
سِرَابِيُون الأنطاكي (Serapion of Antioch)
ميليتو أسقف ساردس (Melito of Sardis)
ديونيسيوس أسقف كورنثوس (Dionysius of Corinth)
أثيناغوروس الأثيني (Athenagoras)
بانتاينوس الإسكندري (Pantaenus)
كليمنت الإسكندري (Clement of Alexandria)
أوريجانوس الإسكندري (Origen of Alexandria)
يوستينوس الشَّهيد (Justin Martyr)
إيريناوس أسقف ليون (Irenaeus of Lyons)
هيبوليتوس الرُّوماني (Hippolytus of Rome)
تِرْتُلْيَانوس الإفريقي (Tertullian)
كُتُب ذات قانونية مؤقَّتة ومَحَلِّيَّة: أدب الأبوكريفا
أجزاء من إنجيل مجهول (ورقة إجرتون البردية 2)
إنجيل العبرانيين (The Gospel of the Hebrews)
إنجيل المصريين (The Gospel of the Egyptians)
إنجيل بطرس (The Gospel of Peter)
أعمال يوحنا (The Acts of John)
أعمال بطرس (The Acts of Peter)
الرِّسالة الثالثة لبولس إلى الكورنثيين
الرسالة إلى اللَّاودكيين (The Epistle to the Laodiceans)
رؤيا بطرس (The Apocalypse of Peter)
رؤيا بولس (The Apocalypse of Paul)
قائمتان مُبكِّرتان لكُتُب العهد الجديد
أولاً: القانون الموراتوري (THE MURATORIAN CANON)
ثانياً: تصنيف يوسابيوس لكُتُب العهد الجديد
مُحاولات إغلاق القانون في الشَّرق
الجُزء الأوَّل: مِن كيرلُّس الأورشليمي إلى مجمع ترولان (Trullan Synod)
كيرلُّس الأورشليمي (حوالي 315-386م)
غريغوريوس النزينزي (توفي 389م)
أمفيلوخيوس الأيقوني (توفي بعد 394م)
ديديموس الضَّرير (توفي حوالي 398م)
يوحنا الذهبي الفم (حوالي 347-407م)
ثيودوريت (حوالي 393-حوالي 466م)
الجُزء الثَّاني: القانون في الكنائس الشَّرقية القومية
مُحاولات إغلاق القانون في الكنيسة الغربية
الجزء الأول: من دقلديانوس إلى نهاية العُصُور القديمة
اضطهاد دقلديانوس وتأثيره (303م)
آباء الكنيسة الغربية البارزون وآراؤهم
هيلاري أسقف بواتييه (توفي 368)
لوقايفيروس من كالاريس (توفي 370 أو 371)
فيلاستر أسقف بريشيا (توفي حوالي 397 م)
تيرانيوس روفينوس (حوالي 345 – حوالي 410)
استمرار التَّباينات بعد قرارات المجامع
الجزء الثاني: العُصُور الوسطى، الإصلاحيون، ومجمع ترينت
النَّهضة والإصلاح وتجدُّد الشُّكُوك
جاكوب توماس دي فيو (الكاردينال كايتان، توفي 1534)
إيراسموس من روتردام (توفي 1536)
أندرياس بودينشتاين من كارلشتادت (توفي 1541)
اعترافات الإيمان البروتستانتية اللَّاحقة
المشاكل التي واجهت الكنيسة المُبكِّرة بخُصُوص القانون
1. المُطابقة «لقاعدة الإيمان» (Orthodoxy)
2. الصِّلَة الرَّسُولِيَّة (Apostolicity)
3. القَبُول والاستخدام المُستمِرّ مِن قِبَل الكنيسة بشكلٍ عامٍّ
ثالثاً. أي جُزء من العهد الجديد تمَّ الاعتراف به أوَّلاً كسُلطة؟
خامساً. خُصُوصِيَّة رسائل بولس
أسئلة حول قانون العهد الجديد اليوم
أوَّلاً: أيُّ شكلٍ مِن النَّصّ هو القانوني؟
ثانياً: هل القانون مفتوح أم مُغلق؟
ثالثاً: هل يوجد قانون داخل القانون؟
رابعاً: القانون: مجموعة كُتُب ذي سُلطة أم مجموعة ذي سُلطة من الكُتُب؟
نصّ القوائم المُبكِّرة لأسفار العهد الجديد
القانون الموراتوري (The Muratorian Canon)
قانون أوريجانُس (Origen) (نحو 185–254م)
قانون يوسابيوس القيصري (Eusebius of Caesarea) (نحو 265–340 م)
القانون المُدرج في مخطوطة «كلارومونتانوس» (Codex Claromontanus)
قانون كيرلُّس الأورشليمي (Cyril of Jerusalem) (نحو 350م)
قانون تشلتنهام (The Cheltenham Canon) (نحو 360م)
القانون الذي أقرّه مجمع لاودكية (Synod of Laodicea) (نحو 363م)
قانون أثناسيوس (Athanasius) (سنة 367م)
القانون المُعتَمَد في «القوانين الرَّسولية» (Apostolic Canons) (نحو 380م)
قانون غريغوريوس النزينزي (Gregory of Nazianzus) (329–389م)
قانون أمفيلوخيوس الأيقوني (Amphilochius of Iconium) (توفي بعد عام 394م)
القانون الذي أقرّه المجمع الثالث في قرطاج (Synod of Carthage) (سنة 397م)
مراجع أخرى هامَّة عن قانون العهد الجديد
التَّعريف بالكتاب
الكتاب بعنوان «قانون العهد الجديد: أصله وتطوُّره وأهمّيته» للمؤلِّف: بروس إم. ميتزجر، وقد نشرته مطبعة جامعة أكسفورد.
الأدبيات حول القانون المنشورة قبل القرن العشرين
كلمة «قانون» (canon) هي كلمة يونانية. ويرتبط استخدامها بالكتاب المُقدَّس بالفترات المسيحية، في حين أنَّ فكرة وُجُود «قانون» للنُّصُوص المُقدَّسة تعود إلى اليهودية.
كان تطوُّر قانون العهد الجديد عَمَلِيَّة طويلة وتدريجية، وليس نتيجة لمرسوم مُفاجئ صادر عن فرد أو مجلس في بداية العصر المسيحي. وتاريخ الكنيسة صامت إلى حَدٍّ كبيرٍ حول كيفية وزمان ومَن قام بهذه العَمَلِيَّة المُهِمَّة.
خِلَال العُصُور الوسطى، نادرًا ما كانت تُطرح أسئلة حول عَدَد وهُوِيَّة الكُتُب التي يتألَّف منها قانون العهد الجديد. وحتى خِلَال عصر النَّهضة والإصلاح، لم يجرؤ أحدٌ على التَّشكيك الجدّيّ في قانونيتها، رغم بعض المُناقشات حول تأليف بعض الكُتُب مثل الرِّسالة إلى العبرانيين والرَّسائل الجامعة وسفر الرُّؤيا. حتى لوثر شكَّك في بعض الكُتُب الأربعة (العبرانيين، يعقوب، يهوذا، والرؤيا)، لكنَّه لم يحذفها من ترجمته.
في أواخر القرن السَّابع عشر، بدأت الشُّكُوك حول قانون العهد الجديد في الظُّهُور مع صُعُود الحركة الرُّبُوبِيَّة (Deism).
كان جون تولاند (John Toland) من أبرز قادة هذه الحركة في بريطانيا. وقد أثار أسئلة تُشكِّك في صِحَّة قبول العديد من كُتُب العهد الجديد على أنَّها قانونية. ادَّعى أنَّ الآباء اقتبسوا من كتابات زائفة (Apocryphal) على قَدَم المُساواة مع ما هو مقبول عُمُومًا في العهد الجديد. وتساءل لماذا تُقبل كتابات مرقس ولوقا بينما تُرفض كتابات كليمنت الرُّوماني وبرنابا، مع أنَّ جميعهم كانوا رفاقًا للرُّسُل. ذهب تولاند إلى حَدِّ القول إنَّه «لا يوجد كتاب واحد مِن العهد الجديد لم يرفضه بعض الكُتَّاب القُدَامَى على أنَّه نُسِب ظُلمًا إلى الرُّسُل وتمَّ تزويره بالفعل مِن قِبَل خُصُومهم».
أثارت حُجَج تولاند رُدُودًا مِن مُدافعين عن الإيمان مثل صموئيل كلارك، ستيفن ناي، وجون ريتشاردسون.
كانت حُجَّة جون ريتشاردسون مَبْنِيَّة على فرضية معقولة مفادها أنَّ ما كتبه الرُّسُل وما أذنوا به لا يُمكن معرفته إلَّا «مِن خِلَال شهادات أولئك الذين عاشوا في نفس زمنهم، وتقليد مَن خلفوهم».
في أوائل القرن الثامن عشر، ساهم عددٌ مِن العُلماء في دراسة القانون:
إرميا جونز (Jeremiah Jones): ألَّف «طريقة جديدة وكاملة لتحديد السُّلطة القانونية للعهد الجديد». استخدم فيها منهجًا تاريخيًا ولُغويًا تفصيليًا لفحص شهادات أولئك الذين عاشوا أقرب إلى زمن كتابة الكُتُب. قدَّم ترجمة إنجليزية للعديد من الكتابات الزَّائفة (Apocryphal).
ويليام ويستون (William Whiston): كان لديه رأي غريب بأنَّ الدَّساتير الرَّسُولِيَّة (Apostolic Constitutions) يجب اعتبارها جُزءًا من قانون العهد الجديد.
ناثانيال لاردنر (Nathaniel Lardner): شجَّع الدِّراسة مِن خِلَال نشر سلسلة مُجلَّدات «مصداقية تاريخ الإنجيل». جَمَعَ ووَزَنَ بعناية شهادات آباء الكنيسة. اعتقد أنَّ القانون استقرَّ قبل فترة طويلة من مجمع لاودكية.
في القارَّة الأوروبية، بدأ بعض العُلماء الفرنسيين في الاهتمام بمسائل القانون:
ريتشارد سيمون (Richard Simon): المعروف بأنَّه «أبو النَّقد الكتابي». تناول قانون العهد الجديد في كتابه «التَّاريخ النَّقدي لنَصّ العهد الجديد».
جاك باسناد دي بوفال (Jacques Basnage de Beauval): وَجَدَ أنَّه لم يكن هُناك قرار بشأن حُدُود قانون العهد الجديد خِلَال القُرُون الثَّلاثة الأولى، وأنَّ كلّ كنيسة مَحَلِّيَّة كان لديها حُرِّيَّة الاختيار أو الرَّفض. لاحظ أنَّ الكنائس الشَّرقية غالبًا ما رفضت سفر الرُّؤيا.
في ألمانيا خلال عصر التَّنوير، اهتمَّ يوهان سالومو سيملر (Johann Salomo Semler) بشكلٍ نقدِيٍّ بمسائل القانون. طرح أطروحتين أساسيتين:
الأولى هي أنَّ «كلمة الله والكتاب المُقدَّس ليسا مُتطابقين»، وأنَّ الكتاب المُقدَّس يحتوي على كُتُب (مثل راعوث، أستير، نشيد الأناشيد، والرُّؤيا) كانت مُهِمَّة فقط لزمانها ولا تُساهم في «التَّحسين الأخلاقي» اليوم. وبالتَّالي، ليس كلّ أجزاء القانون يُمكن أن تكون مُلهَمَة.
الأطروحة الثَّانية هي أنَّ مسألة ما إذا كان كتاب ينتمي إلى القانون هي مسألة تاريخية بحتة، لأنَّ القانون، كما يراه سيملر، يُمثِّل فقط اتِّفاق رجال الدِّين في مناطق مُختلفة من الكنيسة المُبكِّرة بشأن الكُتُب التي يُمكن استخدامها في القراءات العامَّة والتَّعليم.
في بداية القرن التَّاسع عشر:
أيخهورن (Eichhorn): كان أوَّل مَن نسب الفضل في التَّحفيز على جمع كتابات العهد الجديد إلى ماركيون (Marcion). واقترح أنَّ نواة القانون المُستقبلي قد تأسَّسَت بحُلُول عام 175 ميلادي.
دي فيته (De Wette): مَدَّ تاريخ التَّطوُّر التَّدريجي للقانون حتى عام 400 ميلادي.
شلايرماخر (Schleiermacher): عمل عكسيًا من المنتج النِّهائي حوالي عام 400 ميلادي إلى «الظَّلام الفوضوي للقرن الثاني».
في مُنتصف وأواخر القرن التَّاسع عشر:
كارل أغسطس كريدنر (Karl August Credner): «تاريخ قانون العهد الجديد». تميَّز بثراء المعلومات والوُضُوح. حلَّل بإسهاب الأدِلَّة من القانون الموراتوري (Muratorian Fragment).
كونستانتين فون تيشندورف (Constantin von Tischendorf): جادل بأنَّ القانون كان قد تأسَّس بالكامل بالفعل بحُلُول بداية القرن الثاني.
بروك فوس ويستكوت (Brooke Foss Westcott): «مسح عام لتاريخ قانون العهد الجديد». تتبَّع تاريخ الاعتراف بسُلطة كُتُب العهد الجديد. رأى أنَّ تشكيل القانون كان من بين أوَّل الأفعال الغريزية للمُجتمع المسيحي، مُستندًا إلى الاعتراف العامّ للكنائس وليس على آراء فردية. تمَّ فَصْل الكُتُب القانونية عن غيرها بواسطة «الفطنة الحدسية للكنيسة».
تيودور زان (Theodor Zahn): أعماله على تاريخ قانون العهد الجديد لا غنى عنها. رأيه النَّاضِج هو أنَّ القانون ظهر بحُلُول نهاية القرن الأوَّل.
أدولف هارناك (Adolf Harnack): كان المُنافس الرَّئيسي لـ زان. في كتابه «العهد الجديد حوالي عام 200 ميلادي»، انتقد إعادة بناء زان. وفقًا لهارناك، شكَّل القانون واحدًا مِن ثلاثة حواجز (الاثنان الآخران هُمَا العقيدة والأسقفية) التي أقامتها الكنيسة في صراعها مع الهرطقة، وخاصَّة الغُنُوصِيَّة. كانت العَمَلِيَّة تتضمَّن بشكلٍ أساسِيٍّ تنافُس العديد مِن الكُتُب وبقاء الأكثر فائدة للكنيسة.
ناقش زان وهارناك بشكلٍ كبيرٍ التَّاريخ الذي تشكَّل فيه قانون العهد الجديد. كان الخلاف في جُزءٍ كبيرٍ منه اختلافًا في التَّعريف وليس في الحقائق. فَهِمَ هارناك القانون كمجموعة من الكُتُب التي تمتلك سُلطة لأنَّها تُعتَبَر «كتابًا مُقدَّسًا» (Holy Scripture)، ووضع صُعُوده في أواخر القرن الثاني.
فهمه زان كمجموعة من الكُتُب التي تمتلك سُلطة، لكنَّه لم يُصِرّ على أنَّ هذه السُّلطة يجب أن تستند إلى كونها «كتابًا مُقدَّسًا». لذلك، استطاع زان التَّحدُّث عن وُجُود «قانون» للعهد الجديد قبل مائة عام من هارناك.
الخُلاصة هي أنَّ «قانوني» يعني كُتُبًا ذات سُلطة، لكنَّ «القانون» يعني الكُتُب الوحيدة ذات السُّلطة. الاستخدام لا يُساوي القانونية، إلَّا نوع مُعيَّن من الاستخدام، وهو الاستخدام الذي يستبعد أيّ كتاب آخر.
الأدبيات حول القانون المنشورة خلال القرن العشرين
من المُساهمات الرَّئيسية في بداية القرن العشرين:
يوهانس ليبولدت (Johannes Leipoldt): «تاريخ قانون العهد الجديد» في مُجلَّدَين. انطلق من فرضية أنَّ الرُّؤى المسيحية المُبكِّرة كانت أساس القانون.
كاسبار رينيه جريجوري (Caspar René Gregory): «قانون ونُصُوص العهد الجديد». تميَّز بالمنح الدِّراسية والحكم الحصيف.
ألكسندر سوتر (Alexander Souter): تناول نفس الموضوعين.
خِلَال النِّصف الأوَّل من القرن العشرين، ظَهَرَ عدد من الدِّراسات القصيرة والأقلّ تقنية:
جورج إتش. فيريس (George H. Ferris): «تشكيل العهد الجديد». شكَّك في صلاحية فكرة وُجُود قانون مكتوب.
هنري سي. فيدر (Henry C. Vedder): عارض بقُوَّة آراء هارناك وفيريس.
واصل هارناك الاهتمام بمشاكل القانون. من نظريَّاته أنَّ أصل العهد الجديد يَكْمُن في الأدبيات النَّبوية-الرُّؤيوية، وأنَّ ماركيون كان «مُبتكر الكتاب المُقدَّس المسيحي»، وأنَّ القانون الموراتوري كان وثيقة رسمية للكنيسة في روما.
من الكُتُب المكتوبة لغير المُتخصِّصين:
فلويد في. فيلسون (Floyd V. Filson): «أي الكُتُب تنتمي إلى الكتاب المُقدَّس؟ دراسة في القانون».
روبرت م. جرانت (Robert M. Grant): «تشكيل العهد الجديد». تميَّز بالوُضُوح والحكم النَّقدي المستقل.
سي. إف. دي. مول (C. F. D. Moule): بحث في العَمَلِيَّة التي أدَّت إلى ظُهُور العهد الجديد، مؤكِّدًا على تأثير العبادة والوعي الذَّاتيّ للكنيسة والهجمات اللَّاهوتية. رأى أنَّ السُّلطة التي دفعت إلى تشكيل القانون كانت تستند إلى شهادة شُهُود العيان.
دراسات عُلماء هولنديين:
ند بي. ستونهاوس (Ned B. Stonehouse): أطروحة دكتوراه حول قانونية سفر الرُّؤيا.
دبليو. سي. فان أونيك (W. C. van Unnik): اتَّبَع منهجًا لُغوِيًا. خلص إلى أنَّ عبارة «لا تزد ولا تنقص» تُشِير إلى مجموعة ثابتة من الكتابات. كما جادل بأنَّ الكاتب نفسه هو أوَّل مَن ربط اسم «العهد الجديد» بمجموعة من الكُتُب.
إف. دبليو. جروسهايد (F. W. Grosheide): رأى أنَّ «مفهوم القانون مُرتبط بمفهوم الله».
دراسات عُلماء جنوب أفريقيين:
إس. جي. بي. كي. ريكرت (S. J. P. K. Riekert): عارض وِجْهَة نظر سوندبرج بأنَّ التَّمييز بين الكتاب المُقدَّس والقانون غير قابل للدِّفاع.
إيه. بي. دو توا (A. B. du Toit): جادل بأنَّ الشَّهادة الدَّاخلية للرُّوح القُدُس لا تخلق سُلطة الكتاب المُقدَّس، بل هي الوسيلة التي يعترف بها المؤمنون بسُلطته الذَّاتية. المعيار المُميَّز للقانونية هو «الشهادة للمسيح».
شملت التَّحقيقات الكاثوليكية الرُّومانية الهامَّة دراسات لـ:
الأب جاكييه (Abbé Jacquier): قدَّم معلومات مُفصَّلة مُرتَّبة حسب الأقسام الجغرافية للكنيسة المُبكِّرة.
م.-ج. لاجرانج (M.-J. Lagrange): تناول تاريخ القانون المُبكِّر.
نيكولااس أبيل (Nikolaas Appel): ناقش العلاقة بين «القانون والكنيسة»، وعملية القانون التَّاريخية وشهادة الرُّوح.
كارل-هاينز أوهليغ (Karl-Heinz Ohlig): تناول «الأساس اللَّاهوتي لقانون العهد الجديد في الكنيسة القديمة».
ألكسندر ساند (Alexander Sand): قدَّم مُعالجة موجزة وشاملة لتاريخ القانون حتى القانون الموراتوري.
في النِّصف الثَّاني من القرن العشرين، ظهر اهتمام جديد بالجوانب اللَّاهوتية للقانون:
دراسات عن العلاقة بين التَّقليد والكتاب المُقدَّس في الكنيسة المُبكِّرة، مثل عمل إيلين فليسمان-فان لير (Ellen Flesseman-van Leer) و آر. بي. سي. هانسون (R. P. C. Hanson).
مُناقشات حول كيفية توثيق القانون، ومعنى تشكيل القانون.
نشأ اهتمام بموضوع «القانون داخل القانون» (Canon within the Canon)، مدفوعًا بتنوُّع التَّأكيدات داخل كُتُب العهد الجديد، وحتى داخل نفس الكتاب. قاد وُجُود ما يُطلق عليه «الكاثوليكية المُبكِّرة» (Emergent Catholicism) اللَّاهوتيين إلى البحث عن هذا «القانون داخل القانون».
من الكُتُب المُعاصرة التي تناولت القانون بمناهج مُختلفة:
هانز فرايهر فون كامبنهوسن (Hans von Campenhausen): عمل هام حول تطوُّر الكتاب المُقدَّس المسيحي حتى زمن أوريجانوس.
إرنست كازيمان (Ernst Käsemann): تجميع لمقالات حول موضوع «القانون داخل القانون».
وليام آر. فارمر (William R. Farmer) و دينيس إم. فاركاسفالفي (Denis M. Farkasfalvy): كتاب «تشكيل قانون العهد الجديد: منهج مسكوني». ركَّز فارمر على الاضطهاد والاستشهاد كعوامل مؤثِّرة، وركَّز فاركاسفالفي على فهم إيريناوس «للرَّسُولِيَّة».
أنتون ماير (Anton Mayer): منهج سوسيولوجي، يرى أنَّ تعاليم يسوع «تمَّت رقابتها» و «أزيلت منها البروليتارية» من قبل مؤلِّفي العهد الجديد.
بريفارد إس. تشايلدز (Brevard S. Childs): «العهد الجديد كقانون: مُقدِّمة». يرفع أسئلة أدبية ولاهوتية تتعلَّق بتفسير العهد الجديد في شكله القانوني الحالي. يرى أنَّ عملية القانون بدأت خلال فترة العهد الجديد.
هاري واي. جامبل (Harry Y. Gamble): «قانون العهد الجديد، صنعه ومعناه». مُجلَّد مُوجَز يتناول العوامل التَّاريخية والآثار اللَّاهوتية.
ديفيد جي. ميد (David G. Meade): «التَّسمية المُستعارة والقانون». يُجادل بأنَّ إسناد التَّأليف في سياق القانون يجب أن يُعتبر أساسًا بمثابة بيان (أو تأكيد) لتقليد موثوق.
جوزيف إف. كيلي (Joseph F. Kelly): «لماذا يوجد عهد جديد؟». يستهدف الجمهور غير المُتخصِّص، ويتناول تأليف ونقل وتقنين كُتُب العهد الجديد.
هذا هو الجزء الأكثر تفصيلاً في المصادر المُقدَّمة، ويُركِّز بشكلٍ خاصٍّ على فترة الآباء الرَّسوليين كمرحلة إعداد حاسمة في عملية التَّشكيل.
الموضوعات الرَّئيسية والأفكار والحقائق الهامَّة
السُّلطة المُبكِّرة للكتابات الرَّسولية
كتابات الرُّسُل، وخاصَّة بولس، كانت تحمل سُلطة كبيرة من البداية. استند بولس إلى تفويضه من الرَّبّ والرُّوح القُدُس لتوجيهاته وتعاليمه. ونقل عن 1 كورنثوس 14:37 حيث اعتبر بولس تعليماته «من الرَّبّ»، ممَّا يعني أنَّ الرَّبّ نفسه كان يتحدَّث من خلاله (انظر أيضًا 1 تسالونيكي 2:13).
بل إنَّ بولس ادَّعى سُلطة لعن أيّ إنجيل آخر لا يأتي من الله (غلاطية 1:7-9). كما ادَّعى مُعلِّمون آخرون في العصر الرَّسولي سُلطة في إصدار التَّعليمات (عبرانيين 10:26-27، 13:18-19، 3 يوحنا 5-10).
هذا يُشير إلى أنَّه قبل وُجُود قانون مُحدَّد للعهد الجديد، كانت هُناك مجموعة مِن الكتابات ذات السُّلطة المُعترف بها داخل الجماعات المسيحية المُبكِّرة.
فترة الإعداد: الآباء الرَّسوليُّون
يُشير مُصطلح «الآباء الرَّسوليُّين» إلى دائرة من المؤلِّفين الذين يُعتقد أنَّهم كانوا على معرفةٍ شخصِيَّةٍ ببعض الرُّسُل، لكنَّهم لم ينتموا فعليًا إلى عددهم. الأصل في هذا العُنوان هو «آباء العصر الرَّسولي»، الذي أُطلق على خمسة مُؤلِّفين جمع ي. ب. كوتيلييه أعمالهم لأوَّل مرَّة في عام 1672، وهم: برنابا، وكليمنت الرُّوماني، وهرماس، وإغناطيوس، وبوليكاربوس. لا يُمثِّل هذا العُنوان أيّ تقليد قديم، ولا تُوجَد آثار لأيّ مجموعة مُبكِّرة مِن كتابات الآباء الرُّسوليِّين، ولكُلٍّ منهم تاريخ أدبي مُنفصِل.
تمتد أعمالهم من حوالي 95 إلى حوالي 150 ميلادي. وهُم شُهُود على تطوُّر المسيحية، حيث كانت هذه الفترة بمثابة حقبة انتقال. كانت المسيحية تبدأ، شيئًا فشيئًا، في التَّحوُّل إلى مؤسَّسة، وبدأ قادة الكنيسة يضعون التَّركيز على التَّنظيم الكنسي. يأتي الآباء الرَّسوليُّون من خلفيات جُغرافية واسعة الانتشار، ويُمثِّلون قدرًا مِن التَّنوُّع العقائدي فيما يتعلَّق بالتَّطوُّرات داخل المسيحية اليهودية مِن جِهَة، والمسيحية الهلنستية مِن جِهَة أخرى.
إنَّ الأعمال الباقية مِن الآباء الرَّسوليين ذات حجم صغير نسبيًا، حيث تُشكِّل مُجلَّدًا بحجم العهد الجديد تقريبًا. باستثناء كتاب «راعي هرماس» و «الدِّيداخي» و «شُرُوحات بابياس»، فإنَّ جميعها على شكل رسائل على غرار رسائل بولس. نشأت هذه الأعمال من شُعُور ديني عملي، وليس من دراسة عِلْمِيَّة، وتحتوي على تأكيدات بسيطة ومُباشرة للإيمان وتحريضات على الحياة المُقدَّسة، وليست تحليلات للعقيدة.
في مثل هذه الوثائق، لا نتوقَّع العُثُور على مُناقشات حول الصِّفة القانونية (canonicity)، ولكن على الأكثر شهادات مُتفرِّقة على وُجُود هذا الكتاب أو ذاك الذي أصبح لاحقًا يُعتبر جزءًا من الكُتُب المُقدَّسة للعهد الجديد.
على الرّغم من الاختلافات الواسعة بين الآباء الرَّسوليين في البيئة الجغرافية والتَّوجُّه الأيديولوجي، يُمكن استخلاص عِدَّة استنتاجات عامَّة: اختلفت المواقف تجاه العهد القديم وتجاه الكُتُب الفردية للعهد الجديد (بقدر ما كانت معروفة) وفقًا لخلفية كلّ مؤلف.
بالنِّسبة للمسيحيين اليهود الأوائل، كانت الكتاب المُقدَّس يتكون من العهد القديم وبعض الأدبيات الأبوكريفية اليهودية. إلى جانب هذه السُّلطة المكتوبة، كانت هُناك تقاليد، شفهية في الغالب، لأقوال تُنسب إلى يسوع. من ناحية أخرى، يُشير المؤلِّفون الذين ينتمون إلى «الجناح الهلنستي» للكنيسة بشكلٍ أكثر تكرارًا إلى الكتابات التي تمَّ إدراجها لاحقًا في العهد الجديد. في الوقت نفسه، نادرًا جدًا ما اعتبروا هذه الوثائق «كتابًا مُقدَّسًا».
كليمنت الروماني (Clement of Rome)
كان قائدًا مسيحيًا بارزًا في روما. يُعرف بأنَّه المؤلِّف التَّقليدي لرسالة تُسمى «كلمنت الأولى». كُتبت الرسالة باسم كنيسة روما ووُجِّهت إلى الكنيسة في كورنثوس. يُعتقد أنَّها كُتبت حوالي عامي 95-65 ميلاديًا، على الرّغم من أنَّ هُناك تواريخ أخرى مُقترحة حوالي 69 أو 70 ميلاديًا.
كان الغرض مِن الرِّسالة هو دعوة الأطراف المُتنازعة في كورنثوس إلى التَّوبة، وإعادة القسس الذين عُزلوا، وإطاعة المسؤولين الشرعيين.
كان كتابه المُقدَّس هو العهد القديم، الذي يُشير إليه مرارًا وتكرارًا على أنَّه «الكتاب المُقدَّس» (γραϕή). ينسج عددًا كبيرًا جدًا من الاقتباسات من العهد القديم في رسالته. يُقدِّم اقتباسات العهد القديم بصيغ تقديمية معروفة مثل «الكتاب المُقدَّس يقول»، «مكتوب»، و «ما هو مكتوب». اقتباساته من العهد القديم مأخوذة إلى حَدٍّ كبيرٍ بدِقَّة مِن النَّصّ اليوناني للسَّبعينية.
اقتباسات العهد الجديد قليلة ومُقدَّمة بطريقة مُختلفة عن العهد القديم. يحُثّ القُرَّاء مرَّتين على «تذكُّر أقوال الرَّبّ يسوع». في موضعٍ واحدٍ، يجمع عبارات من متى ولوقا، وعبارات أخرى ليس لها نظير دقيق في الأناجيل القانونية. في موضعٍ آخرٍ، يتذكَّر أقوال يسوع الموجودة في مرقس، متى، ولوقا، ولكن مع بعض الاختلافات في العبارات. يستخدم صورًا من مثل الزَّارع.
من الصَّعب تحديد ما إذا كان يعتمد على أناجيل مكتوبة أو تقليد شفوي لأقوال يسوع. على الرّغم من أنَّ أقوال يسوع ذات سُلطة بالنِّسبة له، إلَّا أنَّه لا يبدو أنَّه يستفسر عن كيفية ضمان صِحّتها. يستدعي السُّلطة المُطلقة لأقوال يسوع مرَّتين فقط، مُقارنةً بأكثر من مائة إشارة إلى العهد القديم. في حالتين من ثلاث حالات يتحدَّث فيها عن تذكُّر «أقوال» المسيح أو الرَّبّ يسوع، يبدو أنَّه يُشير إلى سِجِلّ مكتوب، لكنَّه لا يُسمِّيه «إنجيل».
كانت شهادته بشأن رسائل بولس أكثر تحديدًا. يدعو أهل كورنثوس إلى الرُّجُوع إلى الرِّسالة التي أرسلها لهم «الرسول الطُّوباوي بولس»، ممَّا يُشير إلى أنَّ نُسخة من الرِّسالة كانت مُتاحة في كلٍّ مِن روما وكورنثوس. يُشير على ما يبدو إلى رسائل رومية، غلاطية، فيلبي، وأفسس، ممَّا قد يفترض وُجُود مجموعة من رسائل بولس.
مع ذلك، لا يُقدِّم رسائل بولس على أنَّها ذات سُلطة إلهية. بعد إعادة صياغة جُزء من رومية، يُقدِّم اقتباسًا مِن المزامير باستخدام صيغة «لأنَّ الكتاب المُقدَّس يقول…». هذا يقود إلى استنتاج أنَّ رسائل بولس لم تكن في نظره «الكتاب المُقدَّس»، لكنَّها كانت تمتلك نوعًا مُعيَّنًا من السُّلطة.
يُظهر إشارات متكررة إلى رسالة العبرانيين. قد يكون عرف أيضًا أعمال الرُّسُل، يعقوب، وبطرس الأولى بناءً على عبارات عابرة.
خلاصة القول، بالنِّسبة لـ كلمنت الرُّوماني، كان العهد القديم هو «الكتاب المُقدَّس» الموثوق، بينما كانت كتابات العهد الجديد (بما في ذلك أقوال يسوع ورسائل بولس والعبرانيين) ذات أهمِّيَّة كبيرة وتقييم عالٍ لمُحتواها، لكنَّه لم يُشِر إليها أبدًا على أنَّها «الكتاب المُقدَّس» الموثوق.
كان من المُعتاد قراءة رسالة كلمنت الأولى علنًا في خدمات العبادة في كورنثوس حوالي عام 170 ميلاديًا. استخدم إيريناوس، كلمنت الإسكندري، وأوريجانوس رسالته.
تم تضمين نصّ رسالة كلمنت الأولى (إلى جانب جُزء مِمَّا يُسمَّى رسالة كلمنت الثانية) في نهاية المخطوطة السكندرية Codex Alexandrinus التي تعود إلى القرن الخامس.
يقتبس كلمنت الإسكندري فقرات من رسالة كلمنت الروماني على أنَّها موحى بها.
في التقليد الإثيوبي، هُناك كتابات تُنسب إلى كلمنت، مثل كتاب للنِّظام الكنسي يُعرف بـ Sinodos وكتاب آخر بعنوان Clement، لكن هذه تختلف عن مُراسلات روما/كورنثوس.
يُذكر صراحةً أنَّ العمل المعروف باسم «كلمنت الثانية» ليس رسالة وليس عملًا حقيقيًا لـ كلمنت الرُّوماني. إنَّه عظة تختلف في الأسلوب والمُحتوى عن كلمنت الأولى.
إغناطيوس الأنطاكي (Ignatius of Antioch)
وفقًا لأوريجانوس، كان إغناطيوس الأسقف الثاني لأنطاكية، خليفة الرسول بطرس. أمَّا حسب يوسابيوس، فقد كان الثالث بعد خليفة بطرس، إيفوديوس. لا يُعرف الكثير عن حياته إلَّا رحلته تحت حراسة مُسلَّحة من أنطاكية إلى روما، حيث نال الشَّهادة تحت حُكم الإمبراطور تراجان حوالي عام 110 ميلاديًا. أثناء رحلته، كتب سبع رسائل، أربع من سميرنا وثلاث من ترواس.
من سميرنا، كتب رسائل تشجيع إلى كنائس أفسس، مغنيسيا، وتراياليس في آسيا الصُّغرى. في الرِّسالة الرَّابعة، التي وجَّهها إلى كنيسة روما، طلب منهم ألَّا يحرموه مِن الشَّهادة بالتَّدخُّل نيابةً عنه لدى السُّلُطات الوثنية.
في ترواس، بعد أن تلقَّى أخبارًا بأنَّ الاضطهاد في أنطاكية قد توقَّف، كتب إلى كنائس فيلادلفيا وسميرنا، وكذلك إلى بوليكاربوس، أسقف سميرنا، طالبًا منهم إرسال مندوبين لتهنئة المسيحيين في أنطاكية على عودة السَّلام.
يستخدم إغناطيوس بشكلٍ مُتكِّررٍ لُغة تُردِّد عبارات مُميَّزة موجودة في كتابات بولس. يستخدم مرَّتين عبارة بولس التي تُقلِّل من شأنه «صرنا كأقذار العالم» (1 كورنثوس 4: 13) مُشيرًا بها إلى نفسه في رسالته إلى أهل أفسس. يستخدم عبارة بولس «لئلَّا أكون مرفوضًا» (1 كورنثوس 9: 27).
في رسالته إلى أهل رومية (5: 1)، يدمج تقريبًا حرفيًا عبارة بولس من 1 كورنثوس 4: 4 «لكنِّي لستُ بهذا مُبرَّرًا». تأثَّر بكلمات بولس في 1 كورنثوس 15: 8-10 «وآخر الكُلِّ كأنَّه للسَّقط ظهر لي أنا، لأنِّي أصغر الرُّسُل، أنا الذي لستُ أهلًا لأن أدعى رسولًا، لأنِّي اضطهدتُ كنيسة الله. ولكن بنعمة الله أنا ما أنا» ويُدرج صدى هذه الكلمات في خمس من رسائله.
بالإضافة إلى 1 كورنثوس، تجعل أوجه التَّشابه في العبارات من المُحتمل أنَّ إغناطيوس كان على دراية أيضًا بالعديد من رسائل بولس الأخرى، بما في ذلك رومية، أفسس، وفيلبي. من المُمكن أنَّه عرف رسالة العبرانيين و1 بطرس، على الرّغم من أن صدى العبارات من هذه الرَّسائل خافتة إلى حَدٍّ ما.
على الأرجح أنَّه عرف مجموعة من رسائل بولس. المصادر تقترح أنَّه عرف (حسب ترتيب استخدامه لها): 1 كورنثوس، أفسس، رومية، غلاطية، فيلبي، كولوسي، و1 تسالونيكي.
فيما يتعلق بالأناجيل الإزائية، هُناك أوجه تشابه أقرب في كتابات إغناطيوس مع متى أكثر من مرقس أو لوقا. في رسالته إلى أهل سميرنا، يذكر أنَّ يسوع «تعمّد من يوحنا لكي يُتمِّم به كلّ بِرّ» (1: 1)، وهذا يتَّفِق مع ما ذكره متى وحده (3: 15).
في نفس الرسالة (6: 1)، يقول في سياق صعب: «من يقبل هذا، فليقبله»، وهي عبارة تُذكِّرنا بكلمات يسوع في متى (19: 12) «من استطاع أن يقبل فليقبل».
هذه الذكريات لمتى دفعت مُعظم العُلماء إلى استنتاج أنَّ إغناطيوس كان على دراية إمَّا بإنجيل متى أو بوثيقة قريبة جدًا منه.
فيما إذا كان إغناطيوس قد عرف إنجيل لوقا أم لا، فالأمر يعتمد بشكلٍ كبيرٍ على أوجه التَّشابه بين نُصُوص مُعيَّنة، ومن الصَّعب تحديد ما إذا كان يعتمد على لوقا أو على مصدر آخر، شفوي أو مكتوب.
على النَّقيض من قِلَّة الإشارات إلى الأناجيل الإزائية، فإنَّ رسائل إغناطيوس غالبًا ما تُقدِّم إشارات ذات صدى لمُحتوى إنجيل يوحنا. يتحدَّث في رسالته إلى أهل مغنيسيا (7: 2) عن الله الذي «أظهر نفسه مِن خِلَال يسوع المسيح ابنه، الذي هو كلمته التي خرجت من الصَّمت… الذي في كلِّ شيءٍ أرضى الذي أرسله»، وهُنا إشارتان واضحتان لإنجيل يوحنا (1: 1 و8: 28-29).
يكتب إلى أهل فيلادلفيا (7: 1): «… الرُّوح… ليست مخدوعة، لأنَّها مِن الله. لأنَّها تعرف مِن أين تأتي وإلى أين تذهب»، وهي نفس الكلمات اليونانية الخمس الموجودة في يوحنا 3: 8 بخُصُوص الرُّوح الإلهي.
يكتب إلى أهل رومية (7: 2) أنَّ «رئيس هذا الدَّهر يرغب في أسري وإفساد عقلي الذي هو نحو الله»، وهذا يُذكِّرنا بإشارات مُتكرِّرة في إنجيل يوحنا (12: 31؛ 14: 30؛ 16: 11) إلى «رئيس هذا العَالَم».
يُشير لاحقًا إلى «الماء الحَيّ» الذي يتحدَّث فيه قائلاً: «تعال إلى الآب» (قارن يوحنا 4: 10؛ 7: 38).
في السَّطر التَّالي، يُعلن: «ليست لدَيَّ رغبة في طعام فاسد أو في لذَّات هذه الحياة. أريد ‘خبز الله’، الذي هو جسد المسيح، ‘الذي كان من نسل داود’، وشرابي أريد دمه، الذي هو حبّ غير فاسد». هُنا نجد عبارات مثل تلك الموجودة في يوحنا 6: 33 و7: 42، بالإضافة إلى إشارات أخرى للاهوت اليوحناوي.
يستخدم في رسالته إلى أهل فيلادلفيا (9: 1) استعارة المسيح كالباب، مُؤكِّدًا عقيدة يوحنا عن نشاط اللوغوس قبل التَّجسُّد: «هو [الكاهن الأعظم] باب الآب، الذي يدخل من خلاله إبراهيم وإسحاق ويعقوب والأنبياء والرُّسُل والكنيسة».
تظهر هذه الأمثلة من أوجه التَّشابه، أحيانًا في الكلمات وأحيانًا في الأفكار، أنَّ إغناطيوس كان على دراية جيدة باللَّاهوت اليوحناوي وتُشير إلى أنَّه رُبَّما اكتسب هذه المعرفة من قراءته لإنجيل يوحنا.
غياب أيّ اقتباسٍ صريحٍ من هذا الإنجيل يَتَّفِق مع أسلوب إغناطيوس الأدبي والظُّرُوف التي كان يكتب فيها.
يستخدم إغناطيوس صيغة التَّقديم «مكتوب» (γέγραπται) ثلاث مرَّات فقط، وكلّها تُشير إلى العهد القديم. يستخدمها مرَّتين مع سفر الأمثال (مغنيسيا 12: 1 وأفسس 5: 3؛ قد يكون الأخير مستندًا إلى 1 بطرس 5: 5)، والمرَّة الأخرى مُرتبطة بتقرير مُكثَّف وغامض لمناظرة دارت، على ما يبدو مع مسيحيين متهوِّدين في فيلادلفيا (فيلادلفيا 8: 2-9: 1).
في تلك المناظرة، أعلن خُصُومه (حسب معظم المُفسِّرين) أنَّهم إذا لم يجدوا شيئًا في «المحفوظات» (ἀρχείοις، هُنا يُشير إلى العهد القديم)، فإنَّهم لا يؤمنون به في الإنجيل (εὐαγγέλιον).
عندما ردَّ بأنَّ الكتاب المُقدَّس يدعمه (“ولكن مكتوب”)، أجابوا: «هذا هو السُّؤال بالضَّبط» – أي أنَّهم شكَّكوا في التَّفسير المسياني الذي وضعه على النُّصُوص الشَّاهدة المأخوذة من «محفوظات» العهد القديم.
المحفوظات (ἀρχεîα) والإنجيل (τὸ εὐαγγέλιον) مُتضادَّان كالعهد القديم والعهد الجديد، نتيجة كلّ هذا هي أنَّ السُّلطة الأساسية لإغناطيوس كانت الكرازة الرسولية حول حياة وموت وقيامة يسوع المسيح. لم يكن يُفرِّق كثيرًا بالنِّسبة له ما إذا كانت هذه الكرازة شفوية أم مكتوبة.
من المُؤكَّد أنَّه عرف مجموعة مِن رسائل بولس، ومن المُحتمل أنَّه عرف الأناجيل حسب متى ويوحنا، ورُبَّما لوقا. لا يوجد دليل على أنَّه اعتبر أيًا مِن هذه الأناجيل أو الرَّسائل “كتابًا مُقدَّسًا”.
ملاحظات إضافية: رسائل إغناطيوس موجودة في ثلاث recensions (صيغ مُختلفة)، الصِّيغة القصيرة (الأصلية) التي تحتوي على سبع رسائل، والصِّيغة الطَّويلة التي تضُمّ رسائل مُزوَّرة، والصِّيغة السُّريانية المُختصرة التي تحتوي على ثلاث رسائل فقط.
هو دليلٌ مُوجَزٌ للتَّعلِيم الأخلاقي والمُمارسة الكنسية. وقد أشار إليه أكثر من كاتب من الآباء، حتى أن يوسابيوس وأثناسيوس اعتبروه على هامش قانون العهد الجديد.
لم يُعرف وُجُود أيّ نُسخة من الدِّيداخي حتى عام 1875، عندما اكتشف فيلوثيوس برينيوس، مطران نيقوميديا، مخطوطة (تاريخها 1056م) في مكتبة دير القبر المُقدَّس في القسطنطينية.
مسائل المؤلِّف والتَّاريخ ومكان المنشأ للدِّيداخي صعبة للغاية. بينما نسبه بعض العُلماء إلى القرن الأوَّل، وآخرون إلى القرن الثالث أو حتى الرَّابع، يُفضِّل مُعظمهم تاريخاً في النِّصف الأوَّل مِن القرن الثاني. يبدو أنَّه يعكس حياة مُجتمع مسيحي مُبكِّر ورُبَّما معزول. مكان منشئه محَلّ خِلَاف بين سوريا ومصر، لكنَّ سوريا هي الأكثر احتمالاً.
من بين المصادر المكتوبة التي استخدمها المؤلِّف، نجد اقتباسين من العهد القديم واقتباسين من العهد الجديد (كلاهما من إنجيل متى)، ورُبَّما اقتباساً من كتاب مُلفَّق غير معروف. الاقتباسان من متى هُما: الصَّلاة الرَّبَّانِيَّة (متى 6: 5 وما بعدها) وقول «لا تعطوا القدس للكلاب» (متى 7: 6).
بالإضافة إلى الاقتباسات الصَّريحة، يحتوي الدِّيداخي على ثلاث إشارات مُنفصلة إلى ما أمر به الرَّبّ في الإنجيل. يُظهر تحليل هذه التِّذكارات أنَّ إنجيل متى كان المصدر الرَّئيسي لمعرفة المؤلِّف بتعاليم يسوع. بجانب هذا الإنجيل المكتوب، كان المؤلِّف على دراية أيضاً بعبارات مِن التَّقليد الشَّفهي. في صلوات الأفخارستيا، يبدو أنَّ هُناك أصداء خافتة لمقاطع الأفخارستيا في الإنجيل الرَّابع (يوحنا 6: 25-58) وصلاة يسوع في يوحنا 17، لكنَّها ليست دقيقة بما يكفي لتؤكِّد قراءة المؤلِّف لإنجيل يوحنا، بل تعكس على الأكثر تقليداً مُشتركاً بينه وبين الإنجيلي الرابع.
فيما يتعلَّق باستخدام رسائل بولس، توجد مواقف مُختلفة، حيث لم يجد بعض العلماء أيّ أثر واضح لاستخدامها، بينما اعتقد آخرون أنَّ مؤلِّف الدِّيداخي كان على دراية كاملة بـ 1 كورنثوس. ومع ذلك، يجد مُعظم الباحثين تأثيراً قليلاً من بولس.
في النِّهاية سُلطة التَّعليم التَّقليدي مُستمَدّ مِن الرَّبّ يسوع. يُشير المؤلِّف إلى «الإنجيل»، ويقتبس فقط كلمات يسوع. هذا “الإنجيل”، وهو بلا شَكّ إنجيل متى، لا يُعتبر مصدراً ضرورياً… بل ببساطة مجموعة مُناسبة لهذه الكلمات.
فيما يتعلَّق بسُلطته، استخدمه كليمنت السَّكندري وأوريجانوس كنَصّ مُقدَّس، وهُناك دليل على أنَّه استمرّ اعتباره كذلك في مصر خلال القرن التَّالي.
يصفه روفينوس الأكويلي (حوالي 400م) بأنَّه من الكُتُب «الكَنَسِيَّة» إلى جانب الكُتُب «القانونية»، ويقول إنَّه «يمكن قراءتها في الكنائس، لكن لا ينبغي الاحتجاج بها في نقاط الإيمان».
ديديموس الضَّرير (في النِّصف الثَّاني من القرن الرَّابع)، في تعليقاته المُكتشفة حديثاً، أشار إليه عرضاً كنَصّ موثوق مرَّتين.
هيبوليتس اقتبس أحيانًا من الدِّيداخي، من بين كتابات مسيحية أخرى من القرنين الأول والثاني، لكنها «لم تمتلك في عينيه نفس السُّلطة التي تمتلكها الأناجيل أو سفر الرُّؤيا».
بابياس أسقف هيرابوليس (Papias of Hierapolis)
هو أسقف هيرابوليس في فريجيا، المدينة التي أسس فيها إبفراس (Epaphras)، أحد مُعاوني الرسول بولس، كنيسة مسيحية. كان مِن أوائل الذين أظهروا اهتماماً بالكتابات المسيحية المُبكِّرة بالإضافة إلى التَّقاليد الشَّفهية. لا يُعرف الكثير عن حياته بخلاف تعليق إيريناوس.
وصفه إيريناوس بأنَّه «رجل من زمن طويل» (ἀρχαîος ἀνήρ). يُعتقد أنه سمع الرسول يوحنا وهو يبشر وكان أيضاً صديقاً لبوليكاربوس، أسقف سميرنا (هذا حسب إيريناوس أسقف ليون، ولكنَّ يوسابيوس القيصري يذكر هذا الكلام، ويظهر من تعليقاته أنَّ المقصود هو يوحنا الشيخ وليس يوحنا بن زبدي).
يُرجَّح أنَّه عاش ما بين حوالي 70 ميلادي وحوالي 140 ميلادي، على الرّغم من وُجُود آراء مُختلفة بين العلماء حول تاريخه.
يُعرف بابياس بأنَّه مؤلِّف مصنَّف في خمسة كُتُب بعنوان «شُرُوحات (تفسير) أقوال الرَّبّ» (Λογίων κυριακῶν ἐξηγήσεις)، وللأسف لم يتبقَ منه سوى أجزاء صغيرة اليوم. من مُقدِّمة هذا العمل، يبدو أنَّ بابياس كان حريصاً على تعلم تفاصيل حياة المسيح من التَّقليد الحَيّ، الذي نقله تلاميذ الرَّبّ. ذكر أنَّه لم يكن مُهتمًّا بكمّية التَّقليد بل بنوعيته ومدى مُطابقته للحقيقة.
تضمَّنت «أقوال الرَّبّ» التي شرع في شرحها وثائق مكتوبة وتقاليد شفهية. كانت مصادره للمعلومات حول ما قاله أندراوس وبطرس وفيليبس وتوما ويعقوب ويوحنا ومتى، أو ما كان يقوله أريستيون والقِسّ يوحنا (يوحنا الشيخ)، رُبَّما مسيحيين فلسطينيين هاجروا إلى آسيا الصُّغرى بعد سُقُوط القُدْس عام 70م. كان هؤلاء يحظون بتقدير كبير لأنَّهم عاشوا في نفس بلد يسوع، وبالتَّالي اعتبروا حاملين لتقليد أصيل وثمين بشكلٍ خاصٍّ. وهكذا اعترف بابياس بمصدرين للتَّقليد المسيحي: أحدهما نُقل شفهياً، والآخر تجسَّد في الأناجيل المكتوبة. لقد فضَّل الأوَّل (التَّقليد الشَّفهي) لأسباب نفسية أكثر منها عقائدية.
بالإضافة إلى التَّقاليد الشَّفهية، والتي استمتع بابياس بجمعها، تضمَّنت «شُرُوحاته» روايتين مُوجزتين حول تأليف إنجيلي مرقس ومتى. روايته بخُصُوص متى مُوجزة جداً، جملة واحدة: «متى جمع الأقوال (τὰ λόγια) بلهجة عبرية، وكلّ واحد فسّرها (أو ترجمها) قدر استطاعته».
قد يكون مفهوم التَّرجمات المُرتجلة من أصل سامي قد نشأ لتفسير الاختلافات عند مُقارنة إنجيل متى، وإنجيل العبرانيين، وأناجيل آرامية أو يونانية أخرى ذات صلة.
ويقول عن مرقس إنَّه كان «مُفسرًا لبطرس، ودوَّن بدِقَّة كلّ ما تذكّره عن أقوال المسيح وأعماله»، لكن ليس بالتَّرتيب.
يُظهر بابياس معرفة وتقديرًا للأناجيل (متى ومرقس)، وكذلك للإنجيل حسب العبرانيين. يُشير بابياس أيضًا إلى قِصَّة عن امرأة مُتَّهمة أمام الرَّبّ، والتي يقول يوسابيوس إنَّها موجودة في «الإنجيل حسب العبرانيين».
يمكن اكتشاف قصد دفاعي في تعليق بابياس بخصوص عمل متى. كان هذا الاهتمام الدِّفاعي أكثر وُضُوحاً في تعليقاته على مرقس. كما أدرج في كتابه الرَّابع أساطير غريبة حول نهاية يهوذا الإسخريوطي.
مِن خِلَال الأدِلَّة المُتفرِّقة التي حفظها كُتَّاب لاحقون مثل يوسابيوس وجيروم وفيليبوس الصيدي، بالإضافة إلى آباء آخرين، يتبيَّن أنَّ بابياس كان يعرف الإنجيل الرَّابع، وبطرس الأولى، ويوحنا الأولى، وسفر الرُّؤيا. فيما يتعلَّق بإنجيل لوقا ورسائل بولس، لا نجد لها أثراً في المُقتطفات التي نجت.
خُلاصة القول، يقف بابياس كنوع من الجسر بين المرحلتين الشَّفهية والمكتوبة في نقل التَّقليد الإنجيلي. على الرّغم مِن أنَّه يُعلن تفضيلاً واضحاً للتَّقليد الشَّفهي، إلَّا أنَّ المرء يرى في عمله الأسباب التي أدَّت تدريجياً إلى رفض هذا الشَّكل من التَّقليد لصالح الأناجيل المكتوبة. بشكلٍ عامٍّ، شهادة بابياس بشأن تطوُّر قانون العهد الجديد مُهمَّة بالدَّرجة الأولى في عكس مُمارسة مُجتمع أعاقت فيه التَّكريس للتَّقليد الشَّفهي تطوُّر فكرة واضحة عن القانونية.
رسالة برنابا (Epistle of Barnabas)
رسالة برنابا هي مقال لاهوتي وتبدو كرسالة فقط في المظهر. لقد قُدّرت قيمة العمل عالياً من قبل كليمنت الإسكندري وأوريجانوس. نسب كليمنت الإسكندري وأوريجانوس تأليف الرِّسالة إلى برنابا رفيق الرسول بولس. لكن هذا النِّسبة غير صحيحة بالتَّأكيد، وذلك لسببٍ واحدٍ على الأقل هو أنَّ الرِّسالة تُشير إلى أنَّ سُقُوط أورشليم (عام 70 للميلاد) قد حدث قبل فترة وجيزة.
مِن المُرجَّح أنَّ المؤلِّف المجهول كان مُعلِّماً مسيحياً مِن أصلٍ أمميّ. بسبب ولعه بالتَّفسير الرَّمزي والنمطي، يُعتقد عُمُوماً أنَّ المؤلِّف كان مُقيماً في الإسكندرية أو بالقُرب منها. يعتقد مُعظم العُلماء أنَّ فحوى الرِّسالة تُشير إلى تاريخ كتابتها في النِّصف الأوَّل من القرن الثَّاني الميلادي.
في اقتباساته المُتكرِّرة من العهد القديم، يكون برنابا دقيقاً إلى حَدٍّ ما في الاستشهاد بالسِّياقات المعروفة مِن المزامير وسفر إشعياء، ولكن في مواضع أخرى يبدو أنَّه يعتمد على الذَّاكرة.
يستخدم العديد من صيغ الاقتباس، ومُعظمها عامَّة وغير واضحة، مثل «الكتاب المُقدَّس يقول»، «مكتوب»، «النبي يقول»، «الرب (أو الله) يقول (أو قال)». كما يُشير أحياناً إلى الكتاب أو المُتحدِّث بالاسم (يعقوب، موسى، داود، إشعياء، دانيال).
بالإضافة إلى اقتباس أنبياء العهد القديم، يستشهد برنابا أيضاً كمُنبئين بمؤلفي سفر حكمة سليمان، وعزرا الثاني، وباروخ الثاني. لا يُشير برنابا إلى أخنوخ كدليل على نبوءة عن الأزمنة الأخيرة فحسب، بل يقتبس أيضاً بياناً من 1 أخنوخ بصيغة «لأنَّ الكتاب المُقدَّس يقول».
من الواضح أنَّه، على عكس آباء رسوليين آخرين مثل هرماس، برنابا هو مؤلِّف «مُطّلِع» قرأ على نطاق واسع ويقتبس بشكلٍ مُتكرِّرٍ من مجموعة مُتنوِّعة من الكُتُب.
يعرف برنابا أنَّ يسوع «لم يأت ليدعو الأبرار بل الخطاة»، وهو بيان يرد حرفياً في متى ومرقس.
فيما يتعلق بمعرفة برنابا بأسفار العهد الجديد الأخرى، وجد البعض ما قد يكون أصداء لمقاطع من 1 و2 تيموثاوس. كما أنَّ استخدامه للكلمة اليونانية (ποδήρη) في وصف يسوع بثوب قرمزي قد يشير إلى تأثره بسفر الرُّؤيا، حيث تظهر هذه الكلمة في وصف المسيح السَّماوي (رؤ 1: 13).
باختصار، بالنِّسبة لبرنابا، فإنَّ الأسفار المُقدَّسة هي ما نُسمِّيه العهد القديم، بما في ذلك عِدَّة كُتُب خارج القانون العبري.
مُعظم اتِّصالاته بتقاليد الأناجيل الإزائية تتضمَّن جُملاً بسيطة قد تكون معروفة لمسيحيي ذلك الوقت من التَّقليد الشَّفهي. مُقابل الحالة الوحيدة التي استخدم فيها صيغة «مكتوب» في تقديم عبارة «كثيرون يُدعَون، ولكن قليلون يُختارون»، يجب أن نضع في الاعتبار إهماله شبه التام للعهد الجديد.
بشكل عام، هو يقدم القليل أو لا شيء من الأدلة لتطور قانون العهد الجديد.
في مخطوطة السِّينائية (Codex Sinaiticus) من القرن الرَّابع الميلادي، والتي تحتوي على النَّصّ اليوناني للكتاب المُقدَّس، تأتي رسالة برنابا (مع كتاب الرَّاعي لهرماس) بعد نهاية العهد الجديد.
يذكر القانون الموراتوري رسالة برنابا في قائمته.
اعتبرها كليمنت الإسكندري «ذات أهمية كافية» لكتابة شرح لها. يقتبس كليمنت الإسكندري مقاطع «بوصفها مُوحاة» من رسالة برنابا، رغم أنَّه ينتقد تفسيرًا قدَّمه مؤلّفها.
يُسمِّيها أوريجانوس «جامعة» (catholic)، وهو مُصطلح طبَّقه في أماكن أخرى على بطرس الأولى ويوحنا الأولى. في مُناسبة أخرى، يُسمِّيها «رسالة برنابا الجامعة».
اقتبس هيبوليتس منها أحيانًا، لكنها «لم تمتلك في عينيه نفس السُّلطة» مثل الأناجيل أو الرُّؤيا.
يُظهر جيروم تردُّداً غريباً فيما يتعلَّق برسالة برنابا. من ناحية، يعترف بأصالتها ككتابة لرفيق بولس وقيمتها «لبُنيان الكنيسة»، لكنَّها تُعتبر من بين الكُتُب الأبوكريفا. من ناحية أخرى، يظهر جيروم تفضيله لها، حتى أنَّه كاد يعتبرها كتاباً من العهد الجديد. في أحد أعماله، أدرج أسماء من رسالة برنابا في نهاية قائمة كُتُب العهد الجديد.
لا تظهر رسالة برنابا في قوائم الأسفار القانونية اللَّاحقة، مثل قائمة أثناسيوس لعام 367م (التي هي أقدم قائمة تضم 27 كتاباً للعهد الجديد)، أو قائمة كيرلُّس الأورشليمي (حوالي 350م)، أو قائمة أمفيلوخيوس الأيقوني (توفي بعد 394م).
بوليكاربوس أسقف سمرنا (Polycarp of Smyrna)
بوليكاربوس كان أسقف سميرنا. وصفه إيرينيئوس بأنَّه «رجل من الماضي البعيد». كان صديقاً لـ بابياس أسقف هيرابوليس. يُقال (حسب إيريناوس) إنَّه سمع يوحنا الرسول يعظ. استقبله هو وكنيسته في سميرنا بحرارة إغناطيوس الأنطاكي حوالي عام 110 ميلادي أثناء رحلة إغناطيوس إلى روما حيث استشهد.
كتب بوليكاربوس رسالة إلى مسيحيي فيلبي. هذه الرِّسالة مُرتبطة ارتباطاً وثيقاً برسائل إغناطيوس واستشهاده. كتب القادة المسيحيون في فيلبي إلى بوليكاربوس بعد مُرُور إغناطيوس بمدينتهم، يطلبون منه أن يرسل لهم نسخاً من رسائل إغناطيوس التي كتبها إليه وإلى عِدَّة كنائس في آسيا الصغرى. قام بوليكاربوس بذلك، وأضاف رسالة تغطية خاصة به.
يُظهر بوليكاربوس معرفة أوسع بكثير بالعهد الجديد مُقارنة بـ إغناطيوس. لديه ضعف أو ثلاثة أضعاف عدد الاقتباسات والتَّلميحات مِن العهد الجديد بالنِّسبة لطول ما كتبه، مُقارنة بـ إغناطيوس.
حوالي مئة من 112 تلميحاً كتابياً لديه هي من العهد الجديد، وقليل منها فقط من العهد القديم.
يقتبس أو يشير إلى أقوال على أنها «أقوال الرب» (the words of the Lord). تتضمَّن هذه الأقوال عبارات تُشبه ما ورد في العظة على الجبل (مثل ما ورد في متى 7: 1-2 ولوقا 6: 36-8 ومتى 5: 3 و10)، وجزءاً من الصلاة الربانية، وعبارة من متى 26: 41 «الروح مستعد أما الجسد فضعيف».
لا يرى حاجة لضمان الأقوال التي يقتبسها بسُلطة المُبشِّرين الذين نقلوها. يرى أنَّ «قول الرَّبّ» يُوفِّر السُّلطة بمضمونه وبسبب أنَّه يأتي مِن الرَّبّ.
من بين كتابات العهد الجديد الأخرى التي يُشير إليها، يُظهر معرفة برسائل رومية، كورنثوس الأولى، غلاطية، أفسس، فيلبي، تسالونيكي الثانية، تيموثاوس الأولى، وتيموثاوس الثانية. ويكاد يكون مؤكَّداً أنَّه يعرف رسالة العبرانيين. يستمد بوُضُوح بيانه ضِدّ «الضِّدّ المسيح» من 1 يوحنا 4: 2-3.
توجد العديد من التَّلميحات إلى 1 بطرس، ممَّا يُشير إلى أنَّه قد عرفها عن ظهر قلب تقريباً.
يُعتقد أنَّه كان لديه مجموعة من ثماني رسائل بولسية على الأقل، بما في ذلك تيموثاوس الأولى والثانية. يُوفِّر بوليكاربوس أقدم التَّلميحات الواضحة لهذين الرسالتين.
باستثناء حالة واحدة، فإنَّ تلميحاته المُتعدِّدة إلى العهد الجديد لا تُذكر على أنَّها «كتاب مُقدَّس».
الحالة الاستثنائية هي عندما يقول: «كما قيل في هذه الكُتُب المُقدَّسة: ‘اغضبوا ولا تخطئوا’ و ‘لا تغرب الشمس على غيظكم’». الاقتباس الأوَّل من مزمور 4: 5، وكلاهما يظهران في أفسس 4: 26. قد يعني هذا أنَّه يعتبر رسالة أفسس «كتاباً مُقدَّساً». يرى البعض الآخر أنَّه رُبَّما اقتبس من الذَّاكرة ونسبهما خطأً إلى العهد القديم. ومع ذلك، فإنَّ عقله مشبع بأفكار وعبارات مُشتقَّة مِن عددٍ كبيرٍ مِن الكتابات التي أصبحت فيما بعد أسفاراً مُقدَّسة للعهد الجديد.
يُظهر احتراماً ضمنياً لهذه الوثائق الرَّسولية كسُلطة تفتقر إليها الكتابات الأخرى. وهو يُميّز بين العصر الرَّسولي وعصره.
نصّ «استشهاد بوليكاربوس» لا يحتوي على اقتباسات صريحة من كتاب في العهد الجديد. لكنَّ القارئ المُدقِّق سيُلاحظ أصداء لعبارات من الرِّوايات الإنجيلية ومن الرَّسائل الرَّسولية منسوجة في السَّرد دون إقرار. تشمل هذه الأصداء عبارات من متى 20: 22، متى 26: 39، 1 كورنثوس 2: 9، رومية 13: 1 و 7، تيطس 3: 1، فيلبي 2: 4، وربما 1 بطرس 3: 18، بالإضافة إلى توسيع لتهنئة يهوذا 2.
هذا يشير إلى أنَّ ذهن مؤلِّف الاستشهاد كان مُشبعاً بمعرفة هذه النُّصُوص، لكنَّنا لا نمتلك وسيلة لتحديد السُّلطة التي عزاها لها.
هرماس الرُّوماني (Hermas of Rome)
كتاب «الرَّاعي لهرمس» (ὁ Ποιμήν) كان من بين الكُتُب الأكثر شعبية التي أنتجت في الكنيسة المُبكِّرة. لم يتم الاقتباس منه بشكل مُتكرِّر فحسب، بل لبعض الوقت كان يُعتبر مُلهمًا.
يحتوي الكتاب على مزيج متجول من خمس «رؤى» (Visions)، واثني عشر «وصية» (Mandates)، وعشر «أمثال» (Similitudes). يوصف بأنَّه استعارة دينية تصويرية، حيث يكون مُرشد هرماس شخصية قوية المظهر ترتدي زيّ راعٍ، ومن هُنا أخذ الكتاب اسمه «الرَّاعي».
لقد نجت أكثر من عشرين قطعة مُنفصلة من نَصِّه اليوناني، تعود إلى القرنين الثَّاني والسَّادس، بالإضافة إلى أجزاء منه في نُسختين لاتينيتين واثنتين قبطيتين، وشذرات باللُّغة الفارسية الوسطى.
يبدو أنَّ الأجزاء الأربعة الأولى من «الرُّؤى» رُبَّما كانت لها تاريخ نصِّيّ مُنفصل في مرحلة ما، حيث تظهر المخطوطات أنَّها كانت في الأصل تستبعدها. وقد يُشير هذا إلى أنَّ الكتاب قد يكون في الأصل عملين تمَّ جمعهما لاحقًا («رؤى هرماس» و «الرَّاعي»).
تُعرف شخصية هرماس بوُضُوح في الكتاب. يروي بتفاصيل حميمة عن نفسه وعائلته بسذاجة كثيرة الكلام. نعلم أنَّه كان عبدًا مسيحيًا بيع في روما لامرأة تُدعى رودا، التي أعتقته. كمعتق، تزوَّج وكسب ثروة (وإن لم يكن دائمًا بمعاملات قانونية)، ومن سوء الحظ عاد إلى الفقر. ويقول إنَّ أطفاله ارتدوا أثناء الاضطهاد، وخانوا والديهم، وعاشوا حياة غير منظمة.
أوريجانوس وجيروم اعتقدا أنَّ المؤلف هو هرماس المذكور في رسالة بولس إلى أهل رومية (16: 14)، لكن الأدِلَّة الدَّاخلية والخارجية تُشير إلى تاريخٍ لاحقٍ. يُشير الكاتب إلى أنَّه مُعاصر لشخصٍ يُدعى كليمنت كان له وظيفة التَّواصل مع المؤمنين في مُدُن أخرى (يُعتقد أنَّه كليمنت الرُّوماني أسقف روما الذي كتب إلى كنيسة كورنثوس حوالي عام 96م). إذا كان هذا صحيحًا، فقد وُضِع «الراعي» في نهاية القرن الأوَّل أو بداية الثاني.
من ناحية أخرى، ووفقًا لبيان في القانون الموراتوري (Muratorian Canon)، كان هرماس شقيق بيوس، أسقف روما، الذي توفي حوالي عام 154م.
أقل حل مُرضٍ للأدِلَّة المُتضاربة هو افتراض أنَّ هرماس كان مُعاصرًا أصغر سِنًّا لكليمنت وكتب (ورُبَّما نشر) أجزاء من أطروحته على فترات زمنية طويلة، ثُمَّ جمعها في مُجلَّد واحد حوالي مُنتصف القرن الثاني. مُشكلة تحديد تاريخه لا تزال بلا حَلّ.
القانون الموراتوري يذكر أنَّ هرماس كتب «الراعي» «مؤخّرًا جدًا، في زماننا»، في مدينة روما، بينما كان بيوس، أخوه، يشغل كرسي الأسقف لكنيسة مدينة روما. هذا يُشير إلى تاريخ في الجزء الأخير من القرن الثاني، وبالتَّأكيد ليس بعد عام 200م.
هرماس لا يقتبس بشكلٍ قاطعٍ من العهد القديم أو العهد الجديد. ومع ذلك، يُمكن للمرء أن يلاحظ أصداءً هُنا وهُناك لكلمات وأفكار كتابية، يتعامل معها المؤلِّف بلمسةٍ خفيفةٍ، ويُحوِّلها إلى تركيبات جديدة.
يبدو أنَّه عرف إنجيل يوحنا وواحدًا على الأقل من الأناجيل الإزائية. ويُظهر معرفة بـ رسالة أفسس و رسالة يعقوب.
في المثل التاسع (9: 12)، يبدو أنَّ إعلانه بأنَّ المرء يدخل ملكوت الله فقط من خلال تلقي اسم ابن الله هو استذكار ليوحنا 3: 18. وفي المثل التاسع (9: 20)، يُفكِّر هرماس في مثل الزوان والقمح، ويُعلن أنَّ الذين يشتغلون في أعمال كثيرة هم مثل الأشواك، ويُخنقون بمعاملاتهم التجارية، وهؤلاء الأشخاص «سيجدون صعوبة في دخول ملكوت الله» (مقارنة بـ متى 19: 23 وما بعدها).
من المُرجَّح أنَّ أفسس 4: 3-6، الذي يأمر بالسَّلام والوحدة في جسد واحد وروح واحد، زوَّد هرماس بأفكار تتعلَّق بالحالة المثالية لأعضاء الكنيسة. يُلمِّح مرَّتين إلى المؤمنين على أنَّهم مَن يصبحون أو يمتلكون «روحًا واحدًا وجسدًا واحدًا».
تزامن تعبيرات هرماس مع تعبيرات في رسالة يعقوب كثيرة للغاية. يبدو أنَّ أقسامًا كاملة من «الراعي» صيغت مع تذكُّر واضح لتلك الرسالة.
كلمة «ذي النَّفسين» (δίψυχος)، التي ترد في العهد الجديد فقط في رسالة يعقوب (1: 8 و 4: 8) وليس في السبعينية أو اليونانية العلمانية، يبدو أنَّها لفتت انتباه هرماس؛ يستخدمها 19 مرَّة، بالإضافة إلى الفعل المُرتبط بها 20 مرَّة والاسم 16 مرَّة.
لقي كتابه تقديرًا عاليًا في الكنيسة المُبكِّرة لقيمته الأخلاقية.
في أجزاء من الكنيسة خلال القرنين الثاني والثالث، كان يُعتبر أحيانًا كتابًا مُقدَّسًا ملهمًا.
على سبيل المثال: مِن قبل إيريناؤس وترتليان (قبل تحوُّله إلى المونتانية) وكليمنت الإسكندري. وصفه أوريجانوس في سنواته اللَّاحقة بأنَّه «عَمَل يبدو لي مُفيدًا جدًا، وأعتقد أنَّه مُوحى به إلهيًا».
أدرجه إيريناؤس مع سفر الرُّؤيا وسمّى كلاهما «كتابًا مُقدَّسًا»، على الرّغم من أنَّه أُدرج «بشيء من الشَّكّ» في قائمة تضُمّ حوالي اثنين وعشرين كتابًا.
اقتبس هيبوليتس منه أحيانًا، لكنَّه «لم يمتلك في عينيه نفس السُّلطة» مثل الأناجيل أو الرُّؤيا.
يُذكَر في القانون الموراتوري على أنَّه كُتب حديثًا في زمن الأسقف بيوس، ويجب قراءته ولكن لا ينبغي قراءته علنًا في الكنيسة «بين الأنبياء الذين اكتمل عددهم، ولا بين الرُّسُل، لأنه بعد زمانهم». يُشير هذا إلى أنَّه كان يُنظر إليه كسُلطة روحية ولكن ليس بنفس مُستوى سُلطة كُتُب العهد الجديد المقبولة.
وصفه أثناسيوس بأنَّه «لا ينتمي إلى القانون».
يُظهر جيروم تحيزًا لـ «الرَّاعي»، حيث يقول إنَّه يُقرأ علنًا في بعض الكنائس في اليونان، وهو كتاب مُفيد ويقتبس منه العديد من الكُتَّاب القدماء كسُلطة، ولكنَّه غير معروف تقريبًا بين اللَّاتينيين.
ترتليان غيَّر رأيه بمُرُور السِّنين. في كتاباته المُبكِّرة يتحدَّث بشكلٍ إيجابيٍّ عن «الرَّاعي». ولكن خلال فترة المونتانية، أعلن أنَّ الكتاب حُكم عليه بأنَّه كاذبٌ وزائفٌ من قبل كلّ مجلس في العُصُور المُبكِّرة.
ديديموس الضَّرير، رئيس مدرسة الإسكندرية اللاهوتية، استشهد بمئات من النُّصُوص من العهد الجديد في شُرُوحاته، لكنه استثنى فليمون و 2 و 3 يوحنا. عندما يقتبس من 1 يوحنا، يُشير إليها على أنَّها «رسالة يوحنا» وليس «الرسالة الأولى ليوحنا»، مما قد يعني أنه لم يقبل المكانة القانونية لـ 2 و 3 يوحنا. (ملاحظة: هذا يتعلق بمقارنة ديديموس لكتابات يوحنا، ولكنه يظهر كيف كانت مكانة الكُتُب تتأرجح في بعض الأحيان).
روفينوس يُصنِّف «الرَّاعي» على أنَّه كتاب «كَنَسِي» (ecclesiastical) إلى جانب الكُتُب «القانونية». يقول إنَّه قد يُقرأ في الكنائس، لكن لا ينبغي اللُّجوء إليه في مسائل الإيمان.
بالمُقابل، هُناك حالة ذكر فيها واعظ مجهول كتاب «الرَّاعي» كنصّ «كتاب مُقدَّس إلهي».
رسالة كليمنت الثانية (Second Epistle of Clement)
الكتاب الذي يحمل اسم «الرِّسالة الثَّانية لكليمنت» ليس رسالة بالفعل، ولا هو من أعمال كليمنس الروماني الأصلية. كاتب العمل يذكر بوُضُوح (في الفصل 19) أنَّه يقرأ بصوتٍ عالٍ وأنَّه يقوم بذلك في اجتماع ديني. من الواضح أنَّ هذا العمل هو عظة مسيحية مُبكِّرة.
يختلف أسلوبها عن أسلوب الرسالة الأولى لكليمنت؛ فهو أقلّ أناقة، ولا يُشير الواعظ إلى نفسه بصيغة الجمع كما هو عادة مؤلِّف الرسالة الأولى لكليمنت، بل يستخدم صيغة المُفرد. ويُميِّز الكاتب نفسه وسامعيه عن الأمَّة اليهودية بطريقة مُختلفة تمامًا عن كليمنت الحقيقي.
تاريخ الكتابة غير مؤكَّد. يقترح بعض العُلماء تاريخًا حوالي عام 98-100 ميلادي. تمَّ اقتراح كورنثوس أو الإسكندرية كمكان المنشأ، ولكن هذه الاقتراحات لا ترتكز على أدِلَّة كافية. هُوِيَّة المؤلِّف مجهولة.
اقتباساته لا تقتصر تقريبًا على العهد القديم مثل كليمنت الحقيقي، بل تتضمن إشارات مُتكرِّرة إلى التاريخ الإنجيلي. والهدف الرَّئيسي للمؤلِّف هو غرس قداسة الحياة الشخصية، ويدعم تعليمه بالرُّجُوع المُتكرِّر إلى العهد القديم وكلمات الرَّبّ.
يحتوي الكتاب على مزيجٍ من اقتباساتٍ من العهد القديم، وكلمات منسوبة ليسوع، وبعض الإشارات إلى كتابات مسيحية أخرى. ومع أنَّه على دراية بإنجيلي متى ولوقا، فإنَّه لا يستشهد بهما أبدًا كسردين للإنجيليين.
صيغته المُفضَّلة لتقديم أقوال يسوع هي «الرَّبّ يقول». يقتبس أقوالًا منسوبة للرَّبّ هي على صدى واضح للتَّقليد الموجود في الأناجيل القانونية، مثل قول مُماثل لما ورد في ختام عظة الجبل في متى (متى 7: 21). ويُقدِّم اقتباسات مُركَّبة من إنجيلين مُختلفين، مثل دمج لوقا 8: 21 مع متى 12: 49f، أو متى 6: 24 / لوقا 16: 13 مع لوقا 9: 25.
يقتبس أيضًا كلمات وجمل كاملة منسوبة للرَّبّ لكنَّها غير محفوظة في الأناجيل القانونية. خمسة من الأحد عشر مرة التي يستشهد فيها بكلمات يسوع، لا توجد هذه الكلمات في الأناجيل القانونية.
هُناك مثال واحد (في 7: 5) يتطابق جزئيًا مع لوقا 16: 10، لكنَّ الجزء الأول غير موجود في الأناجيل الحالية.
يحتوي على اقتباس (12: 2) يشبه العبارة 22 في إنجيل توما وجُزءًا من إنجيل المصريين. رُبَّما استمَدَّ المؤلِّف من تقليد شفوي واحد ظهر أيضًا في هذه الأناجيل الأبوكريفا.
يذكر اقتباسًا واحدًا من كلمات يسوع يتم تعريفه على أنَّه «كتاب مُقدَّس» (في 2: 4): «لم آت لأدعو الصديقين بل الخطاة». بما أنَّ هذا يُوازي تمامًا متى 9: 13 ومرقس 2: 17، يبدو أنَّ هذا الاقتباس يُظهِر أنَّ مؤلف 2 كليمنت اعتبر إنجيل متى كتابًا مُقدَّسًا، على قدم المُساواة مع إشعياء.
يعرف بالتأكيد ويستخدم إنجيلي متى ولوقا، والرسالة الأولى إلى كورنثوس، والرسالة إلى أفسس. ولكن لا يوجد أثر لإنجيل يوحنا أو رسائله، أو لسفر أعمال الرسل. ولا يمكن القول أكثر من أنَّه رُبَّما عرف الرسالة إلى العبرانيين، ورسالة يعقوب، والرسالة الأولى لبطرس.
يقتبس أيضًا من كتاب أبوكريفا من العهد القديم على أنَّه «الكلمة النَّبوية». هذا يُظهِر أنَّ اقتباساته من الكلمات المُعتبرة إلهية ليست تحت سيطرة فكرة قانونية صارمة، حتى فيما يتعلَّق بكتابات العهد القديم.
يذكر المؤلِّف اعتماده على «الكُتُب والرُّسُل» (τὰ βιβλία καὶ οί ἀπóστολοι). «الكُتُب» تعني بلا شَكّ العهد القديم. «الرُّسُل» رُبَّما تضمَّنت كُتُبًا مسيحية أخرى مُعتبرة على قَدَم المُساواة مع الكُتُب اليهودية. ومع ذلك، من المُهِمّ أنَّه لا يضُمّ الوثائق الرَّسولية تحت عنوان «الكُتُب»، أي «كتابه المُقدَّس».
كان يُقرأ هذا العمل في الخدمات الدينية العامَّة في أماكن مثل كورنثوس (بعد ستين عامًا من وفاة كليمنت)، ورُبَّما في روما أيضًا حيث تمَّ ربطه بالرِّسالة الأولى لكليمنت.
تحتوي المخطوطة السَّكندرية (Codex Alexandrinus) من القرن الخامس على جُزء ممَّا يُسمَّى الرِّسالة الثانية لكليمنت في نهايته، إلى جانب الرِّسالة الأولى لكليمنت.
في مخطوط سرياني هاركليني (Harclean Syriac) يعود للقرن الثاني عشر، تمَّ إدراج الرِّسالتين الأولى والثَّانية لكليمنس بين رسالة يهوذا والرِّسالة إلى رومية، مُقسَّمتين إلى فُصُول مُرقَّمة بالتَّتابع مع الكُتُب السَّابقة، ممَّا يُشير إلى أنَّ النَّاسخ رُبَّما اعتبرهما قانونيتين.
في التَّرجمة القبطية (البحيرية) لمجموعة قوانين الرُّسُل الخمسة والثمانين (Eighty-Five Apostolic Canons)، تُدرج رسالتا كليمنت في نهاية قائمة العهد الجديد. العبارة المُرافقة تُشير إلى أنَّهما قد تُقرآن ولكن خارج القانون. تختلف المخطوطات العربية لنفس القوانين؛ بعضها لا يذكر رسالتي كليمنت، والبعض الآخر يذكرهما كـ «الرِّسالتين لـ كليمنت في كتابٍ واحدٍ».
تكشف الأعمال الباقية من الآباء الرسوليين بالكاد أكثر من الشهادة على وجود، وبدرجة ما، انتشار بعض الكتابات المسيحية المبكرة على شكل أناجيل ورسائل [19، 17]. بالتأكيد، هناك اعتراف قليل جدًا بها على أنها تُعتبر “كتابًا مقدسًا” [19، 18]. بحلول نهاية القرن الثاني الميلادي، يمكننا رؤية ملامح ما يمكن وصفه بأنه نواة العهد الجديد.
على الرغم من أن هوامش القانون الناشئ ظلت غير مستقرة لأجيال، فقد تم التوصل إلى درجة عالية من الإجماع بشأن الجزء الأكبر من العهد الجديد خلال القرنين الأولين بين المجتمعات المتنوعة والمتفرقة. بحلول نهاية القرن الثالث وبداية القرن الرابع الميلادي، تم الاعتراف عالميًا تقريبًا بالغالبية العظمى من الكتب السبعة والعشرين التي أصبحت لاحقًا تُعتبر على نطاق واسع العهد الجديد القانوني.
في هذه الفترة (الآباء الرسوليون)، يشير كُتّاب مثل كليمنت الروماني وإغناطيوس إلى شخصيات الرسل كسلطات تنتمي إلى عصر مضى. على الرغم من استخدامهم لكتابات أصبحت لاحقًا جزءًا من العهد الجديد (خاصة بوليكاربوس)، فإنهم نادرًا ما يشيرون إليها صراحةً على أنها “كتاب مقدس” بنفس طريقة العهد القديم [18، 15، 16]. هذا يشير إلى أن عملية الاعتراف الكامل بسلطة هذه الكتابات كانت لا تزال في مراحلها المبكرة.
تطوُّر الإشارة إلى الأناجيل الأربعة وعناوينها
1. الإشارة المُبكِّرة إلى أقوال يسوع أو «الإنجيل» بشكل عام
في الفترة المُبكِّرة، غالباً ما كان الكُتَّاب المسيحيون يستشهدون بأقوال يسوع أو الأحداث المُتعلِّقة به دون تحديد اسم الإنجيلي الذي روى ذلك.
على سبيل المثال، كان إغناطيوس الأنطاكي يستذكر عبارات من الأناجيل (مثل متى ويوحنا)، لكنَّه لم يكن يربطها بشكلٍ صريحٍ باسم الإنجيلي في كلّ مرَّة. في إحدى الحالات، يُشير إلى ما ورد في «الإنجيل» (εὐαγγέλιον).
بوليكاربوس السمرني يقتبس كلمات يسوع من متى ولوقا (في تركيبات مُختلفة)، لكنَّه «لا يشعر بالحاجة لضمان الكلمات التي يقتبسها بسُلطة الإنجيليين الذين رووها». مع ذلك، فهو يُقدِّم عبارة مأخوذة من متى (xxvi. 41) صراحةً على أنَّها «كلمة الرَّبّ».
يقتبس المؤلف المجهول لما يُعرف بـ «الرسالة الثانية لكليمنت» مواد من الأناجيل ويستخدم عبارات مثل «الرَّبُّ قال». في موضع آخر، يُشير إلى اقتباس مِن متى (ix. 13) على أنَّه «كتاب آخر يقول»، مما يوحي بأنَّ المؤلِّف اعتبر إنجيل متى «كتاباً مُقدَّساً، على قدم المساواة مع إشعياء».
أثيناغوروس الأثيني (حوالي 177 ميلادي) يستشهد بكلمات وعبارات موجودة في متى و/أو لوقا «دون تحديد اسم الإنجيل». ويُقدِّم هذه التَّعاليم بعبارات مثل «تربَّى المسيحيون على مثل هذه التَّعاليم (λόγοι)». كما يُقدِّم مقاطع أخرى بعبارة بسيطة ϕησί (“هو يقول”) التي قد تعني «الكتاب المُقدَّس يقول».
يوستينوس الشَّهيد يُشير إلى المادَّة الإنجيلية أحيانًا على أنَّها «مُذكّرات الرُّسُل». يستخدم أيضًا صيغة الاقتباس المُعتادة «مكتوب في الإنجيل» (γέγραπται). في مُعظم الحالات، يستغني عن هذه الصِّيغ ويُقدِّم كلمات المسيح بعبارات مثل «هكذا قال المسيح» أو «علَّم» أو «حَثَّ».
2. الإشارة إلى مجموعة الأناجيل الأربعة كوحدة واحدة
في الكنيسة النَّاطقة باللُّغة السُّريانية، كان «الإنجيل» يُشير في فترة مُبكِّرة إلى «دياتسَّرون تاتيان» (Tatian’s Diatessaron)، وهو توافق أو دمج للأناجيل الأربعة. هذا يُوضِّح أنَّ مجموعة الأناجيل الأربعة كانت تُعتبر أحيانًا «الإنجيل» كوحدة مُتكاملة.
3. استخدام اسم الإنجيلي لتحديد الإنجيل
حتى في الكتابات غير القانونية أو الأبوكريفية، كانت الأناجيل تُعرف بالرَّبط بينها وبين اسم شخص، مثل «إنجيل توما» (Gospel according to Thomas) و «إنجيل مرقس السِّرِّيّ» (Secret Gospel of Mark) الذي ينسبه كليمنت الإسكندري إلى «مرقس». هذا يُشير إلى أنَّ تسمية الأناجيل «وفقاً لـ [اسم]» كانت طريقة شائعة للتَّعريف بها.
توجد إشارة إلى كتاب لـ مورتون سميث بعنوان «كليمنت الإسكندري وإنجيل مرقس السري».
تُشير المصادر إلى أنَّ سميث قد اكتشف رسالة تُنسب إلى كليمنت الإسكندري، وأنَّ هذه الرِّسالة تنسب إنجيل مرقس السري إلى مرقس.
نسبة كليمنت للإنجيل إلى «مرقس» قد تمّ رفضها بشكل شبه عالمي من قبل الباحثين، في حين تمَّ قبول نسبة الرِّسالة نفسها إلى كليمنت على نطاق واسع.
يستخدم كبريانوس (أسقف قرطاج، توفي 258م) إنجيل متى بشكل مُتكرِّر أكثر من أيّ كتاب آخر في الكتاب المُقدَّس (178 مرَّة)، ثمَّ يليه يوحنا (117 مرَّة)، ثمَّ لوقا (84 مرَّة). هذا الاستخدام المُتكرِّر يُوضِّح أنَّ الأناجيل الفردية كانت معروفة ومُتميِّزة بأسمائها لديه.
بالنِّسبة للقائمة التي قدَّمها أمفيلوخيوس الأيقوني (توفي بعد 394م)، فإنَّه يذكر صراحةً «أربعة إنجيليين فقط: متى، ثم مرقس، إلى من، بعد إضافة لوقا كثالث، عدد يوحنا كرابع في الزمن». ويُشير إلى «الكتاب الثاني للوقا» وهو أعمال الرسل.
قانون كيرلُّس الأورشليمي (حوالي 350م) يذكر أيضًا «أربعة أناجيل فقط» ويُسمِّيها: «متى، ثم مرقس، لمن أضيف لوقا كثالث، واعتبر يوحنا رابعاً في الزمن، لكنه الأول في سمو التعاليم».
المؤثِّرات التي أثَّرَت في تطوير القانون
الفصل السَّابق (الذي يتناول الآباء الرَّسوليين) يتناول مُجرَّد الإشارة إلى وُجُود بعض الكتابات المسيحية المُبكِّرة في شكل أناجيل ورسائل ومدى انتشارها. ومع ذلك، لا يوجد اعتراف يُذكَر بأنَّها «كتاب مُقدَّس».
ومع ذلك، بحُلُول نهاية القرن الثاني، يُمكن رؤية ملامح ما يُمكن وصفه بأنَّه نواة العهد الجديد. على الرّغم من أنَّ حُدُود القانون النَّاشئ ظلَّت غير مُستقِرَّة لأجيال، فقد تمَّ تحقيق درجة عالية من الإجماع بشأن الجُزء الأكبر من العهد الجديد بين الجماعات المُتنوِّعة والمُنتشرة للمؤمنين في جميع أنحاء عالم البحر الأبيض المُتوسِّط وما وراءه.
بحُلُول نهاية القرن الثَّالث وبداية القرن الرَّابع، كان الجزء الأكبر من الكُتُب السَّبعة والعشرين التي أصبحت فيما بعد تُعتبر على نطاقٍ واسعٍ قانونية في العهد الجديد، مُعترفاً بها عالمياً تقريباً بأنَّها ذات سُلطة.
قبل سرد قِصَّة هذا التَّطوُّر، يجب مُراعاة العديد من الحركات والشَّخصِيَّات والمؤثِّرات الأخرى التي مارست ضُغُوطاً على الكنيسة المُبكِّرة لتحديد أيّ الكُتُب هي ذات السُّلطة في أُمُور الإيمان والحياة بشكلٍ أكثر دِقَّة. بعض هذه الضُّغُوط الخارجية كانت ذات طبيعة دينية، والبعض الآخر كان اجتماعيًا وسياسيًا أو، يُمكن القول، ثقافيًا على نطاقٍ واسعٍ.
أوَّلاً: الغُنُوصِيَّة (Gnosticism)
الغُنُوصِيَّة دين وفلسفة توفيقية ازدهرت لقُرابة أربعة قُرُون جنبًا إلى جنب مع المسيحية المُبكِّرة. تتميَّز مُعظم أنواع الفكر الغُنُوصي بالاعتقاد بأنَّ الأرواح المُختارة، كونها شرارات إلهية محبوسة مؤقتًا في أجساد مادِّيَّة نتيجة لكارثة كونية سابقة، يُمكنها الحُصُول على الخلاص من خلال «معرفة» خاصَّة (γνῶσις) بأصلها ومصيرها.
كان الغرض من الأدب الغُنُوصي الواسع الذي تطوَّر هو ليس فقط تعليم المؤمنين حول أصل وهيكل العالم المرئي والعوالم العليا، ولكن أيضًا لتوفير الوسائل التي يُمكن من خلالها التَّغلُّب على قوى الظَّلام والعودة إلى عالم الإله الأعلى.
تُشِير بعض المواضع في العهد الجديد إلى أنَّ تغلغل الغُنُوصية في المسيحية كان قد بدأ بالفعل، حيث يوجد جدل حادّ ضِدّ المُخطئين الذين يدَّعون معرفة مُتفوِّقة والذين احتكروا مُصطلح «المعرفة». ولكنَّ المُواجهة الحقيقية بين المسيحية والغُنُوصية لم تحدث حتى مُنتصف القرن الثَّاني الميلادي.
كانت الأنظمة الغُنُوصِيَّة التَّوفيقية، إذا نجحت، ستمحو السِّمات التَّاريخية المُميَّزة للمسيحية، ولذلك عارضها آباء الكنيسة بشِدَّة لحماية المسيحية من الدَّمار الدَّاخلي.
حتى عام 1945، كان مصدرنا لإعادة بناء أنظمة الفكر الغُنُوصي هو الاقتباسات التي أدرجها الكُتَّاب الآباء في حربهم ضِدّ خُصُومهم. لكنَّ اكتشاف مكتبة نجع حمادي في عام 1945، والتي تحتوي على حوالي خمسين مقالة غُنُوصية باللُّغة القبطية تعود إلى حوالي عام 400 ميلادي، قدَّم معلومات مُباشرة تؤكِّد الانطباع السَّابق عن الغُنُوصية وتثبت أنَّ الآباء لم يختلقوا وجهات نظر خُصُومهم، بل كان أيّ تشويه ناتجًا عن الاختيار لا الاختراع. من هذه المصادر، يُمكن تقدير المُشكلات التي واجهها الكُتَّاب الأرثوذكس.
كان من السِّمات المُميِّزة للعديد من الأنظمة الغُنُوصية:
ثنائية فلسفية ترفض العالم المرئي باعتباره غريبًا عن الإله الأعلى.
الاعتقاد في إله تابع كان مسؤولاً عن خلق العالم.
وفي بعض الأنظمة، تمييز جذري بين يسوع والمسيح، مع النَّتيجة المنطقية بأنَّ المسيح المُخلِّص بدا فقط كإنسان حقيقي (الدوستية، من δοκεῖν “يبدو”).
بهدف مُواجهة الغُنُوصِيَّة، اضطرت الكنيسة إلى تحديد أيّ الكتابات يُمكن اعتبارها ذات سُلطة، حيث أنَّ كلّ مدرسة غُنُوصِيَّة كان لديها وحي خاصّ بها. دافعت الكنيسة عن نفسها ضِدّ ادِّعاءات الغُنُوصيين بالقول إنَّ شيئًا من أنظمتهم لم يوجد في الأناجيل الأربعة وسفر أعمال الرُّسُل ورسائل بولس كما استخدمتها الجماعات.
اعترف الغنوصيون بذلك، لكنَّهم أكَّدوا أنَّ هذه التَّعاليم لم يُبلِّغها الرَّبّ للعامَّة، بل فقط لتلاميذه الأكثر ثقة. كدليل، استشهد الغنوصيون بعدد من «الأناجيل» التي كتبوها لهذا الغرض الصَّريح، والتي غالبًا ما تتعامل مع الفترة بين قيامة المسيح وصُعُوده.
مِن الطَّبيعي أنَّ الغُنُوصيين، بالإضافة إلى هذه التَّقاليد «السِّرِّيَّة»، يعرفون بل ويستفيدون من الكُتُب التي تلقَّتها الكنيسة، مع تفسيرها بطريقتهم الخاصَّة. لم يكن من السَّهل على الكنيسة الدِّفاع عن نفسها، وكان تحديد ما يُشكِّل إنجيلاً حقيقيًا وكتابة رسولية أصلية مُشكلة بالغة الأهمية.
لمنع استغلال التَّقاليد السِّرِّيَّة، التي كان من المُستحيل السَّيطرة عليها عمليًا، كان على الكنيسة أن تحرص على عَدَم قَبُول أيّ شيء لا يحمل ختم الضَّمان الرَّسولي. كانت النَّتيجة غير المُباشرة لذلك هي تقليل قيمة التَّقاليد الشَّفهية، التي كان بابياس لا يزال يُفضِّلها حوالي عام 130.
من ناحية أخرى، لمنع الغُنُوصيين من «تحريف الكُتُب المُقدَّسة»، أصرَّت الكنيسة على «قانون الإيمان» كمعيار للتَّفسير الكتابي.
كان مِن أوائل الغُنُوصيين المُتعلِّمين، وقد درَّس في الإسكندرية في ثلاثينيات القرن الثَّاني الميلادي. كتب عملًا كبيرًا بعنوان Exegetica (شُرُوحات)، يتألَّف من أربعة وعشرين كتابًا، لم يُحفظ منها سوى شذرات قليلة. استشهد باسيليدس بمقاطع موجودة في إنجيلي متى ولوقا. كما أشار أوريجانوس إلى أنَّ باسيليدس ناقش مقطعًا في رسالة رومية.
من إيريناوس، نعلم أنَّ باسيليدس أنكر أن يسوع قد تألَّم حقًا على الصَّليب، مُدَّعيًا أنَّ سمعان القيرواني صُلب مكانه بينما ضحك يسوع الحقيقي على أعدائه، واقفًا غير مرئي في شكل سمعان، ثُمَّ صعد إلى الآب (الدوستية).
وفقًا لكليمنت الإسكندري، تباهى أتباع باسيليدس بأنَّ مُعلِّمهم تلقَّى معلومات خاصَّة من شخصٍ مُعيَّن يُدعى غلوكاس، قيل إنَّه كان مُترجمًا لبطرس الرَّسول.
كان فيلسوفًا إسكندريًا أفلاطونيًا أسَّس طائفة غُنُوصية في أوائل القرن الثَّاني الميلادي. اعتبر يسوع ابن يوسف، ومثل سائر البشر، إلَّا أنَّه تذكَّر تمامًا ما شهده في دائرة الله غير المولود.
مارست الطَّائفة السِّحر ولجأت إلى الأرواح المألوفة وشياطين إرسال الأحلام. كانوا أوَّل طائفة معروفة تستخدم صورًا للمسيح. أشارت المصادر إلى اكتشاف شذرة من رسالة منسوبة إلى كليمنت الإسكندري تُشير إلى إنجيل ثانٍ لمرقس كان شائعًا بين الكاربوكراتيين.
كان فالنتين أكثر تأثيرًا في تطوير اللَّاهوت الغُنُوصي واجتذاب الأتباع. كان أصلاً من مصر وانتقل إلى روما حيث أسَّس مدرسة كبيرة ونشر مذاهبه في الغرب (حوالي 140 – حوالي 165).
ادَّعى أنَّه استمدَّ تعاليمه من ثيوداس، تلميذ الرَّسول بولس، وادَّعى أيضًا تلقِّي وحي من اللُّوغوس في رؤيا. طوَّر فالنتين نظامًا ملحميًا مُعقَّدًا لاهوتيًا وكونيًا. استمدَّ تعاليمه من خياله وتكهُّنات شرقية ويونانية وأفكار مسيحية.
استخدم كثيرًا من مُقدِّمة إنجيل يوحنا ورسالتي كولوسي وأفسس. استخدم «أناجيل» أخرى إلى جانب الأناجيل القانونية، منها ما يُسمَّى بإنجيل الحقّ (Evangelium Veritatis). هذا العمل، الذي عُثر عليه في نجع حمادي، لا يشبه الإنجيل التَّقليدي بل تأمُّل في الحياة المسيحية والخلاص. يظهر أن مؤلِّفه كان مُطلعًا على العديد من كُتُب العهد القديم واستخدم أناجيل متى ويوحنا ورومية و1 كورنثوس وغلاطية وأفسس وكولوسي وسفر الرُّؤيا، مع وُجُود آثار لمعرفة أعمال الرُّسُل و1 يوحنا و1 بطرس.
من أتباع فالنتين هرقلين، الذي كتب أوَّل تعليق على كتاب من العهد الجديد، وهو تعليق مُفصَّل على إنجيل يوحنا. عضو آخر من مدرسة فالنتين هو مرقس (Marcus) وأتباعه المرقسيون (Marcosians)، الذين استخدموا مقاطع في متى ومرقس ولوقا، ويبدو أنَّ مرقس قبل واحدة أو أكثر من رسائل بولس. كما سجل إيريناوس أنَّ المرقسيين استخدموا العديد من الكتابات الأبوكريفا والزَّائفة التي زوَّروها.
رسائل نجع حمادي (Nag Hammadi Tractates)
وفَّرت مكتبة نجع حمادي المُكتشفة حديثًا في مصر، العديد من النُّصُوص غير المعروفة سابقًا التي استخدمتها الطَّوائف الغُنُوصية في القُرُون المسيحية المُبكِّرة. رغم أنَّ المخطوطات القبطية تعود إلى حوالي عام 400 ميلادي، إلَّا أنَّ النُّصُوص الأصلية اليونانية قد تكون من القرن الثَّاني أو الثَّالث.
مُعظم النُّصُوص (39 مقالة) ذات طابع غُنُوصي واضح، وحوالي نصفها (20) يُمكن تصنيفها على أنَّها مسيحية غُنُوصِيَّة. هُناك أيضًا ثلاثة يُمكن اعتبارها مسيحية ولكن ليست غُنُوصية صراحةً (أعمال بطرس والاثني عشر رسولًا، أعمال بطرس، وتعليم سلفانوس)، واثنان ليسا مسيحيين ولا غُنُوصيين، وترجمة لشذرة من جمهورية أفلاطون. يُشار إلى أنَّ ترجمات النُّصُوص إلى القبطية تختلف اختلافًا كبيرًا في الجودة.
فيما يتعلَّق باستخدام العهد القديم في وثائق نجع حمادي، الأكثر إشارة إليها هي فُصُول سفر التَّكوين الأولى، مع إشارات عرضية فقط إلى الأنبياء وعدم وُجُود إشارات تقريبًا إلى الكُتُب التاريخية. هُناك ميل واضح لتفسير نُصُوص العهد القديم مجازيًا.
أمَّا بالنِّسبة لاستخدام كُتُب العهد الجديد، فهُناك تبايُن كبير. بعض المقالات لا تحتوي على أيّ اقتباس أو إشارة أو صَدَى لكُتُب العهد الجديد، بينما يُقدِّم البعض الآخر عددًا غير قليل من المُقارنات مع مقاطع في الأناجيل والرَّسائل التي توجد في عهدنا الجديد.
الوثيقة التي تُظهِر أكبر عدد من نقاط الاتِّصال مع الأناجيل القانونية هي إنجيل توما، الذي يبدأ بـ «هذه هي الكلمات السِّرِّيَّة التي نطق بها يسوع الحيّ وكتبها ديديموس يهوذا توما». تحتوي هذه المقالة على 114 قولًا، مُعظمها يبدأ بـ «قال يسوع». تظهر العديد من هذه الأقوال تشابهات مع أقوال يسوع المُسجَّلة في متى (خاصَّة في الموعظة على الجبل وجمع الأمثال) ولوقا، ولكن يبدو أنَّه لا توجد مُقارنات مع مادَّة خاصَّة بمرقس. المقارنات مع يوحنا قليلة، وتتعلَّق بشكلٍ رئيسي بمُحادثة يسوع مع المرأة السَّامرية وخطابات الوداع.
يُظهر إنجيل فيلبُّس (Gospel of Philip) جوانب من وصف إيريناوس للفالنتينية ويؤكِّد موثوقية تقريره بشكلٍ كبيرٍ. إنَّه مجموعة من مُقتطفات مُتفرِّقة تُركِّز على اللَّاهوت والمُمارسة الغُنُوصية للطُّقُوس. تتراوح أصداء وإشارات العهد الجديد في فيلبُّس من اقتباسات واضحة لا لبس فيها إلى ذكريات لا أهمِّيَّة لها. استخدم المؤلف اقتباسًا من يوحنا 6: 44 ليُوضِّح كيف أنَّ تجديد النَّفس هو هبة من النِّعمة. بعد ذلك، يتبع بثلاثة اقتباسات أخرى من العهد الجديد (متى 5: 4 و6، لوقا 14: 26، أعمال الرُّسُل 13: 24).
مقالات أخرى في المكتبة تحتوي على ذكريات وأصداء أقلّ وأضعف من كُتُب العهد الجديد، مثل أبوكريفا يعقوب (Apocryphon of James) الذي يحتوي على إشارات إلى كلٍّ مِن الأناجيل وعدد من الأمثال، ويبدو أنَّ إنجيل يوحنا كان كتابه المُفضَّل من العهد الجديد.
أطروحة القيامة (Treatise on Resurrection)، المكتوبة غالبًا في أواخر القرن الثاني، مُشبَّعة بالرُّمُوز والصُّوَر الفالنتينية، وتظهر عقيدتها تشابهًا لافتًا مع الإسخاتولوجيا «المتحققة بشكل مفرط» في تيموثاوس الثانية 2:18.
أطروحة بروتينويا ثلاثية الصور (Trimorphic Protennoia) يبدو أنَّها تم استيحاء بعض جوانبها من إنجيل يوحنا، وتحتوي على العديد من الإشارات إلى إنجيل يوحنا، ورؤيا متى (مرقس 13)، و1 كورنثوس 15.
الافتراضية عن رؤساء القوى (Hypostasis of the Archons) تفتح بإشارة إلى «الرسول العظيم» (أفسس 6:12) وتستمِرّ في إعطاء تفسير غُنُوصي لسفر التكوين.
رسالة بطرس إلى فيلبُّس (Epistle of Peter to Philip)، مع أنَّ القِسْم الرَّئيسي لا يحتوي على إشارة إلى العهد الجديد، فإنَّ الأقسام الافتتاحية والختامية تُظهِر معرفة لا لبس فيها بخاتمة إنجيل لوقا والفصل الأوَّل من أعمال الرُّسُل، بالإضافة إلى الإرسالية العظمى في نهاية متى.
مُلخَّصًا، يتَّضِح أنَّ مجموعة مُتنوِّعة من القادة الغُنُوصيين في القرن الثاني استخدموا أناجيل ورسائل العهد الجديد لدعم تعاليمهم، ولكن لا يوجد دليل على أنَّهم استخدموا سفر أعمال الرُّسُل. يُعد هرقلين أوَّل شخص معروف يعتبر إنجيل يوحنا مهمًا بما يكفي لكتابة تعليق عليه.
وباستثناء فالنتين المُحتَمَل، لا يبدو أنَّ أيًا من الغُنُوصيين قد أعدَّ قائمة قانونية. كان هُناك تبايُن واسع في الرَّأي بين المجموعات المُختلفة بشأن الكُتُب التي يجب اعتبارها ذات سُلطة. في المقابل، كان لماركيون قانون محدود ومُغلَق، بينما استشهد مرقس والمرقسيون بمجموعة واسعة من الكُتُب ذات السُّلطة.
في المجمل، كان الدَّور الذي لعبه الغُنُوصيون في تطوير القانون هو أساسًا إثارة ردّ فعل بين أعضاء الكنيسة الكبرى للتَّأكُّد بشكلٍ أكثر وُضُوحًا من الكُتُب والرَّسائل التي نقلت التَّعليم الصَّحيح.
كان ماركيون تاجر سُفُن مسيحيًا ثريًا من سينوب في البنطس على البحر الأسود. انضمَّ إلى إحدى كنائس روما وقدَّم لها تبرُّعات كبيرة، ممَّا جعله عُضوًا مُحترمًا في المُجتمع المسيحي. في عام 144 ميلاديًا، قدَّم تعاليمه لرجال الدِّين في روما. صُدِمَ رجال الدِّين من تعاليمه ورفضوها بشِدَّة، وتمَّ حرمانه كنسيًا رسميًا. بعد ذلك، انفصل ماركيون عن الكنيسة وشرع بنشاط في نشر نوع غريب من المسيحية سُرعان ما انتشر في أجزاءٍ كبيرةٍ من الإمبراطورية الرُّومانية وأصبح تهديدًا خطيرًا للكنيسة الرَّئيسية بحُلُول نهاية القرن الثَّاني.
كَتَبَ ماركيون عملًا واحدًا أسماه «المُتضادَّات» (Antitheses)، عرض فيه أفكاره. بما أنَّ هذا العمل لم يُحفظ، نستنتج مُحتوياته من كتابات خُصُومه، وخاصَّة كتابات ترتليانوس (Tertullian).
كانت النِّقاط الرَّئيسية في تعاليم ماركيون هي رفض العهد القديم والتَّمييز بين إله أعلى للخير وإله أدنى للعدل، هو الخالق وإله اليهود.
اعتبر ماركيون المسيح رسولًا للإله الأعلى.
جادل بأنَّ العهدين القديم والجديد لا يُمكن التَّوفيق بينهما، وسلَّط الضَّوء على تناقضات في الوصايا والمُمارسات. على سبيل المثال، قانون موسى كان «عين بعين»، بينما المسيح وضع هذا المبدأ جانبًا. كما وجد تناقضات داخل العهد القديم نفسه. نتيجةً لذلك، رفض ماركيون العهد القديم بأكمله.
اعتقد ماركيون أنَّ الرُّسُل الاثني عشر أساءوا فَهْم تعاليم المسيح، ورأوا فيه مسيح الإله اليهودي وزيَّفوا كلماته من هذا المُنطلق.
كان مُقتنعًا بأنَّ بولس وحده من بين القادة الرَّسوليين الأوائل فَهِمَ أهمِّيَّة يسوع المسيح كرسول للإله الأعلى. لذلك، قبل ماركيون فقط الرَّسائل التِّسع التي أرسلها بولس إلى سبع كنائس بالإضافة إلى الرِّسالة إلى فليمون كسُلطة. هذه الرَّسائل العشر أصبحت بالنِّسبة له مصدر العقيدة الحقيقية وضمانها ومعيارها.
أمَّا بالنِّسبة للأناجيل المُتداولة بين الكنائس، فقد شعر ماركيون أنَّ الإنجيل الوحيد الذي يُمكنه الوثوق به هو الإنجيل وفقًا للوقا. رُبَّما كان السَّبب في ذلك هو أنَّه اعتبر لوقا تلميذًا لبولس وآمن بأنَّه أكثر وفاءً للتَّقليد من الإنجيليين الآخرين.
كانت مجموعة كُتُب ماركيون مُقسَّمة إلى قسمين، «الإنجيل» و «الرسول». حتى هذه المجموعة القصيرة احتاجت إلى تقليم وتعديل تحريري. حَذَفَ كلّ ما اعتبره إضافات يهودية أو يُشِير إلى العهد القديم أو الإله الخالق. حَذَفَ مُعظم الأربعة فُصُول الأولى من لوقا وبدأ إنجيله من لوقا الإصحاح الثالث. كما حَذَفَ فقرات من الرَّسائل لم تتَّفِق مع فهمه لما كان يجب أن يكتبه بولس. على الرّغم من أن نيّته كانت استعادة النُّصُوص إلى شكلها الأصلي الذي يعتقده، إلَّا أن معاييره كانت ذاتية.
تحتوي عدد كبير من مخطوطات النُّسخة اللَّاتينية من الكتاب المُقدَّس (Latin Vulgate) على مُقدِّمات قصيرة لرسائل بولس. يعتقد بعض العُلماء أنَّ سبعة من هذه المُقدِّمات هي «ماركيونية» في الأصل. تمَّ تحديدها بناءً على مُلاحظة أنَّها تحتوي على ميزات ماركيونية، مثل مُعارضة التَّعاليم اليهودية والتَّأكيد على بولس كرسول امتياز.
تفترض هذه المُقدِّمات ترتيبًا للرَّسائل يُشبِه ترتيب ماركيون في «الرَّسول». ومن السِّمات الهامَّة وصف «الرُّسُل الكذبة» الذين قادوا المُهتدين إلى «النَّاموس والأنبياء». كان رفض هذا المفهوم جوهر لاهوت الكنيسة الكاثوليكية في القرن الثاني، بينما كان ماركيون هو الوحيد الذي رفض كتابات الأنبياء تمامًا. على الرّغم من وُجُود بعض الاعتراضات على أصلها الماركيوني (مثل وُجُودها في مخطوطات كاثوليكية)، يُعتقد عُمُومًا أنَّها تعكس مرحلة مُبكِّرة في تشكيل الجزء الثَّاني من العهد الجديد.
كانت نُسخة ماركيون من الإنجيل وفقًا للوقا وعشر من رسائل بولس تستند إلى ما يُسمَّى بالنَّصّ «الغربي» (Western text)، والذي كان النَّصّ الأكثر انتشارًا وشعبية للعهد الجديد في القرن الثَّاني. قام بتعديل النَّصّ مِن خِلَال الحذف والنَّقل والإضافات لتتوافق مع أفكاره. ترك تأثيره على نقل نسخ غير ماركيونية من لوقا وبولس، ممَّا أثَّر على بعض القراءات المُختلفة الموجودة في المخطوطات.
كانت إحدى السِّمات الهامَّة في تصوُّر ماركيون للكتاب المُقدَّس هي العلاقة العضوية والمُتوازنة بين عنصري «الإنجيل» و «الرسول». لم يكن بالإمكان فَهْم أيّ منهما بمفرده، بل كلّ واحد ضَمِنَ معنى وأهمِّيَّة الآخر. شكَّلت الجزأين في مجموعة ماركيون قانونًا حقيقيًا، حلَّ محلّ العهد القديم وكان له طابع قانون الكتاب المُقدَّس بعدد ثابت من الكُتُب.
هُناك جدل حول ما إذا كان قانون الكنيسة سبق قانون ماركيون أو تبعه. يرى آباء الكنيسة أنَّ ماركيون اختار كُتُبًا مُعيَّنة من قانون الكنيسة الأكثر شُمُولًا. من ناحية أخرى، يرى بعض العُلماء أنَّ ماركيون كان أوَّل من صاغ قانونًا رسميًا للكتاب المُقدَّس المسيحي وأنَّ الكنيسة تبعت قيادته، مع إضافة كُتُب أخرى.
ومع ذلك، فإنَّ الرَّأي الأقرب إلى الحقيقة هو أنَّ قانون ماركيون سرّع عملية تثبيت قانون الكنيسة، وهي عملية كانت قد بدأت بالفعل في النِّصف الأول من القرن الثاني. في مُعارضة انتقادات ماركيون، أصبحت الكنيسة واعية تمامًا بتراثها من الكتابات الرَّسولية. لقد أجبر ماركيون المسيحيين الأرثوذكس على فحص افتراضاتهم الخاصَّة وتوضيح ما كانوا يؤمنون به بالفعل بشكلٍ أفضل.
ثالثًا: المونتانية (Montanism)
كانت المونتانية حركة حماسية ونبوِيَّة ظهرت في النِّصف الثاني من القرن الثاني الميلادي. نشأت في فريجيا وانتشرت بسرعة في الكنيسة بأكملها.
ادَّعت الحركة أنَّها دين الرُّوح القُدُس، وتميَّزت بظُهُور حالات النَّشوة التي اعتبرتها الشَّكل الحقيقي الوحيد للمسيحية.
شملت شخصيَّات رئيسية مثل مونتانوس، وبريسكا (أو بريسيلا)، ومكسيميلا. ادَّعى مونتانوس أنَّه أداة مُستوحاة من «الباراقليط» الموعود به في إنجيل يوحنا.
تمَّ جمع النُّبُوَّات أو الوحي التي أصدرها مونتانوس والنَّبِيَّتان في وثائق مُقدَّسة. هذه النُّبُوَّات تميَّزت بأنَّها كلام الرُّوح الذي يتحدَّث من خلال النَّبيّ. اعتبر قادة الحركة مُهمّتهم المرحلة الأخيرة من الوحي.
انتشرت الحركة في روما وشمال إفريقيا. واجهت الكنيسة صُعُوبة في البداية في تحديد موقفها من المونتانية. فشلت مُحاولات طرد الأرواح، وبدأت المجامع في الانعقاد لاتِّخاذ تدابير مُضادَّة. في النِّهاية، أدان أساقفة ومجامع آسيا الصُّغرى المونتانية واعتبروها هرطقة وعملًا شيطانيًا. تبعهم لاحقًا أساقفة روما وشمال إفريقيا.
كان تأثير المونتانية على قانون العهد الجديد مُزدوجًا:
تمَّ جمع نُبُوَّات مونتانوس والنَّبِيَّتَين وكتابتها. أُطلق عليها اسم «الكتابات الجديدة». صدرت مراسيم إمبراطورية لاحقًا تقضي بتدمير هذه المخطوطات. قام تيميسو، وهو مونتاني بارز، بتأليف «رسالة جامعة». هذه الكتابات انتشرت على نطاقٍ واسعٍ داخل الطَّائفة وكانت تُقرأ علانية في العبادة. المصادر تُشير إلى القليل من الأدِلَّة على تأثير المونتانية على نصّ العهد الجديد. السُّلطة الحقيقية للمونتانيين كانت الرُّوح و «هباته»، وليس قانونًا جديدًا للكُتُب.
تنمية عَدَم الثِّقة في الأدب الرُّؤيوي في الكنيسة الكبرى
أصبح سفر رؤيا يوحنا محلّ شكّ في بعض الأحيان بسبب استخدامه من قبل المونتانيين لدعم «النُّبُوَّة الجديدة». ذهب جايوس، وهو كاتب مُناهض للمونتانية، إلى حَدِّ رفض سفر الرُّؤيا وإنجيل يوحنا لتقويض اللَّاهوت المونتاني.
أشار كاتب مجهول مُناهِض للمونتانية إلى تردُّده في تأليف عمله، خوفًا من أن يبدو وكأنَّه «يُضيف مقالًا أو وصية جديدة لكلمة عهد الإنجيل الجديد». هذا التَّعبير يُعتبر أوَّل ربط واضح بين «العهد الجديد» والأدب المسيحي. وهو يُشِير إلى مجموعة كُتُب ثابتة نسبيًا.
خُلاصة القول، دفعت المونتانية الكنيسة إلى التَّأكيد على السُّلطة النِّهائية للكتابات الرَّسولية كقاعدة للإيمان، واتَّخذت الكنيسة الخُطوة الأولى نحو اعتماد قانون مُغلق للكتاب المُقدَّس برفضها تجاوزات المونتانية. كان هذا التَّأثير عكس تأثير ماركيون.
رابعًا: الاضطهادات والكتابات المُقدَّسة
شكَّلت فترات الاضطهاد ضغطًا إضافيًا على الكنيسة لتحديد أيّ الكُتُب كانت مُقدَّسة وأيُّها لم تكن كذلك. في اضطهاد دقلديانوس عام 303م، صدرت الأوامر الإمبراطورية بهدم المباني الكنسية وتدمير الكتابات المُقدَّسة بالنَّار.
عندما طلب مسؤولو الإمبراطورية تسليم الكُتُب المُقدَّسة، أصبح الأمر مسألة ضمير بالنِّسبة للمسيحيين لتحديد أيّ الكُتُب يُمكن تسليمها دون الوُقُوع في خطيئة تدنيس المُقدَّسات.
نتيجةً لذلك، أُجبر المسيحيون على التَّأكُّد على أُسُس متينة أيّ الكُتُب كانوا مُستعدِّين للمُعاناة من أجلها. يُمكن القول إنَّ اضطهاد دقلديانوس سرَّع عملية تثبيت عناصر القانون التي كانت غير مُستقِرَّة سابقًا، وأدَّى إلى ظُهُور قوائم بالكُتُب المُقدَّسة بشكلٍ أكثر تكرارًا. نشأ نزاع بين أولئك الذين سلَّموا الكُتُب («الخائنون») وأولئك الذين رفضوا، ممَّا أدَّى إلى جدل دوناتستي طويل الأمد.
خامسًا: التَّأثيرات الأخرى المُحتملة
تبنَّى المسيحيون استخدام المُجلَّد (الكتاب ذي الأوراق) بدلاً من اللُّفافة (القرطاس) بحُلُول نهاية القرن الأوَّل أو بداية القرن الثَّاني. كانت اللَّفائف محدودة الطُّول (إنجيل لوقا أو سفر أعمال الرُّسُل كان يتطلَّب لفافة طويلة). سمحت المُجلَّد بجمع كُتُب مُتعدِّدة، بل وحتى مجموعات كاملة، في مُجلَّد واحد ماديًا. عزَّز هذا الشَّكل من ثبات ترتيب الوثائق في المجموعة. ومع ذلك، لا يوجد دليل على أنَّ المُجلَّد لعب دورًا في اختيار الكُتُب التي تمَّ جمعها.
يقترح بعض العُلماء أنَّ الدَّافع لتجميع التَّقليد المسيحي رُبَّما كان ردّ فعل على قوانين مسيحية ويهودية مُتنافسة كانت تُستخدم في النُّصُوص السِّحرية. استخدمت النُّصُوص السِّحرية القديمة في بعض الأحيان أسماء أو عبارات من العهد الجديد في التَّعويذات والتَّمائم. ومع ذلك، فإنَّ هذا التَّأثير أقل مُباشرة على تشكيل القانون نفسه مُقارنة بالتَّأثيرات الأخرى مثل الغُنُوصية والماركيونية والمونتانية والاضطهادات.
بعد فترة الآباء الرَّسوليين، دخلت الكنيسة حقبة جديدة في تاريخ أسفار العهد الجديد. أصبحت الأناجيل القانونية تُعتبر مجموعة مُغلقة وتمَّ قبولها بهذا الشَّكل في جميع أنحاء الكنيسة. رسائل بولس أصبحت معروفة ومقبولة ككتاب مُقدَّس مُلهَم. وفي بعض الأحيان، كان الأمر نفسه ينطبق على سفر أعمال الرُّسُل وسفر الرُّؤيا.
كانت عِدَّة أسفار أخرى لا تزال على هامش القانون، ولم يتِمّ الاعتراف بها من قبل الجميع، مثل رسالة العبرانيين ورسائل يعقوب، وبطرس، ويوحنا، ويهوذا.
بنهاية القرن الثاني وبداية القرن الثالث، كانت الغالبية العظمى من الأسفار السَّبعة والعشرين التي أصبحت لاحقًا تُعتبر العهد الجديد القانوني مُعترفًا بها على نطاق واسع كسُلطة.
كان تاتيان شخصية غامضة. وَلِدَ لأبوين وثنيين في أرض الآشوريين. تلقَّى تعليماً في الثَّقافة اليونانية وأنظمتها الفلسفية. قَدِمَ إلى روما وتعرَّف على يوستينوس الشَّهيد واهتدى إلى المسيحية تحت تأثيره.
أهمّ أعماله هو «الدياتسَّرون» (Diatessaron)، وهو عمل قام فيه بنسج الأناجيل الأربعة معًا في رواية واحدة مُتماسكة ومُستمِرَّة. مُصطلح “دياتسَّرون” (τὸ διὰ τεσσάρων) مُستعار من المُصطلحات الموسيقية ويعني «مِن خلال الأربعة»، وهو مناسب كوصف لعمل يُنسِّق الرِّوايات الأربع بسلاسة.
في كنيسة النَّاطقين بالسُّريانية، كان القانون الأوَّل يتألَّف من «الإنجيل، ورسائل بولس، وسفر الأعمال». مُصطلح «الإنجيل» هُنا يُشير إلى «الدِّياتسَّرون» (Diatessaron) لـ تاتيان.
أعطى تاتيان لنسخته المُنسَّقة الإطار الزَّمني للإنجيل الرَّابع (يوحنا). ويُعد الدياتسَّرون دليلاً على أنَّ الأناجيل الأربعة كانت تُعتبر ذات سُلطة، وإلَّا فمِن غير المُرجَّح أن يجرؤ تاتيان على دمجها في حساب إنجيلي واحد. في وقت كانت فيه العديد من الأناجيل تتنافس على الاهتمام، كان من الهام أنَّ تاتيان اختار هذه الأناجيل الأربعة فقط. لا يُغيِّر وُجُود عبارة أو فقرة عرضية خارج القانون في نسيج الدياتسَّرون هذا الاعتبار.
حوالي عام 172 ميلادي، عاد تاتيان إلى الشَّرق، حيث أسَّس طائفة الإنقراطيين (المُتقشِّفين). هذه المجموعة رفضت الزَّواج كزنا، وأدانت استخدام اللُّحُوم بأيّ شكل، وشُرب الخمر، وذهبوا إلى حَدِّ استبدال الماء بالخمر في خدمة الأفخارستيا.
في الشرق، نقل تاتيان نسخته المُنسَّقة اليونانية إلى السُّريانية وقدَّمها للكنائس المحلِّيَّة. نجح في جعل كتابه يُقرأ في كنائس مدينة الرَّها، وبعد ذلك انتشر استخدامه في جميع أنحاء المنطقة.
حول بقية العهد الجديد، نتعلَّم من مُقدِّمة جيروم لتعليقه على تيطس أنَّ تاتيان رفض بعض رسائل بولس، كما فعل ماركيون، ولكن على عكس ماركيون، فقد قبل رسالة تيطس. من المفهوم أنَّ رفضه الخاصّ للزَّواج واللُّحوم والخمر أجبره على إنكار سُلطة 1 تيموثاوس، حيث يتِمّ قبول الثلاثة (4: 3، 5: 14، 5: 23).
في خطبة تاتيان، وكذلك في شذرات أعماله الأخرى التي اقتبسها كُتَّاب لاحقون، هُناك إشارات إلى العديد من رسائل بولس. يُشير أو يقتبس مقاطع من رومية، 1 و 2 كورنثوس، غلاطية، أفسس، فيلبي، وكلوسي، وكذلك رسالة العبرانيين. يُشاع أنَّ يوسابيوس (تاريخ الكنيسة 4: 29: 6) يورد أنَّه «يُقال إنَّه تجرَّأ على إعادة صياغة بعض كلمات الرسول [بولس]، وكأنَّه يُصحِّح أسلوبها».
استمرَّ استخدام الدياتسَّرون على نطاقٍ واسعٍ خلال القُرُون التَّالية، حيث اقتبسه أفراهاط وأفرام (الذي كتب عليه تعليقًا)، وآباء سوريُّون آخرون. بسبب سُمعة تاتيان كهرطوقي، حدث ردّ فعل ضِدّ استخدام الدياتسَّرون.
ثيئوفيلس الأنطاكي (Theophilus of Antioch)
كان الأسقف السَّادس لأنطاكية. ازدهر نشاطه حوالي عام 180 ميلاديًا. ولد بالقُرب من نهر الفُرات، وكان من أبوين وثنيين، وتلقى تعليمًا هلنستيًا. تحوَّل إلى المسيحية بعد قراءة «الكتابات المُقدَّسة للأنبياء القدِّيسين».
من أعماله التي بقيت ثلاثة كُتُب في الدِّفاع عن الإيمان المسيحي مُوجَّهة إلى صديقه أوتوليكوس (Ad Autolycum). ألَّف عِدَّة أعمال لم تبقَ، رُبَّما شملت تفسيرًا للأناجيل الأربعة ومُعالجات ضد ماركيون وهرموجينيس. (جيروم يذكر هذا التَّفسير ولكنَّه يتردَّد في نسبته إليه على أساس الأسلوب).
كان أوَّل لاهوتي يستخدم كلمة «ترياس» (ثالوث) (τριάς) للإشارة إلى اللاهوت.
كان يُكِنّ احترامًا كبيرًا للتَّوراة اليهودية، ويُسمِّيها «الكتابات المُقدَّسة». ووصف الأنبياء بأنَّهم «حاملو روح الرُّوح القُدُس»، وأنَّهم مُلهَمون من الله.
فيما يتعلق بكتابات العهد الجديد: يقتبس ويشير إلى أناجيل متى ويوحنا. يقتبس مرَّة واحدة عبارة من لوقا. اعتبر الإنجيليين مُلهمين بالرُّوح القُدُس تمامًا كالأنبياء، قائلاً: «توجد أقوال مؤكَّدة مع الأنبياء وفي الأناجيل، لأنَّهم جميعًا تكلَّموا بإلهام من روح الله الواحد».
يصف إنجيل متى بأنَّه «الكلمة المُقدَّسة» (ἂγιος λόγος).
يذكر يوحنا صراحةً كواحد من «الرِّجال الحاملين للرُّوح» ويُضيف كلمات من مُقدِّمة إنجيل يوحنا.
توجد في كتاباته إشارات وتذكارات لأكثر من عشر فقرات من رسائل بولس (رومية، 1 و 2 كورنثوس، أفسس، فيلبي، كولوسي، والرسائل الرعوية الثلاث).
يشير إلى مجموعة نصوص من تيطس وتيموثاوس الأولى ورومية على أنَّها «الكلمة الإلهية» (ὁ θεῖος λόγος)، مما يُوحي بأنَّه اعتبرها مُلهمة وفي طريقها لتُصبح كتابًا مُقدَّسًا.
لا توجد إشارات واضحة إلى رسالة العبرانيين أو الرسائل الكاثوليكية في أعماله الباقية.
يذكر يوسابيوس في عمل مفقود لـ ثيئوفيلس أنَّه اقتبس «شهادات من سفر الرُّؤيا» في دحضه للهرطوقي هرموجينيس.
كان خليفته في المنصب الأسقفي في أنطاكية هو سيرابيون.
سِرَابِيُون الأنطاكي (Serapion of Antioch)
كان سرابيون أسقف أنطاكية حوالي عام 200 ميلادي. هو خليفة ثيئوفيلوس في كرسي أنطاكية الأسقفي. تعامل سرابيون مع مسألة ما إذا كان يجب قراءة كتاب مُتنازع عليه في خدمات الكنيسة. بالتَّحديد، وجد خلافًا بين المؤمنين في قرية روسوس (على ساحل سوريا) حول إنجيل يُنسب إلى بطرس.
في البداية، سمح لهم باستخدامه بسرعة دون فحص دقيق للكتاب. بعد عودته إلى أنطاكية والحُصُول على نسخة من الكتاب، وجد أنَّه مشوب بالهرطقة الدوسيتية. ذكر أنَّ معظم مُحتوى الإنجيل يتَّفِق مع تعاليم المُخلِّص الحقيقية، لكنَّ بعض الأشياء هي إضافات لتلك التَّعاليم.
تُشير رسالته إلى أنَّه أراد تعليق قراءة هذا الكتاب ريثما يقوم بزيارة ثانية، حيث كان مِن المُحتمل أن يُوجِّههم إلى التَّوقُّف عن استخدامه. في رسالته، يُوضِّح سرابيون أنَّهم (المؤمنين الأرثوذكس) يقبلون بطرس والرُّسُل الآخرين على أنَّهم المسيح. ولكن، بوصفهم رجال خبرة (ἔμπειροι)، فهم يرفضون الكتابات التي نُسبت إليهم زوراً، لأنَّهم يعرفون أنَّها لم تُسلَّم لهم.
من هذا، يُمكننا أن نتعلَّم شيئًا عن سُلطة ومعيار كُتُب العهد الجديد في نهاية القرن الثاني. سرابيون يقبل كتابات بطرس والرُّسُل الآخرين على أنَّها كلمات المسيح. ويرفض الكتابات المنسوبة زوراً إليهم بناءً على عَدَم وُجُود تقليد مُعترف به يدعمها. نقل يوسابيوس جُزءاً من رسالة سرابيون، لكنَّه لم يقتبس النِّقاط المُحدَّدة التي اعترض عليها الأسقف.
ميليتو أسقف ساردس (Melito of Sardis)
كان ميليتو أسقف ساردس (عاصمة ليديا). ازدهر خلال فترة حُكم الإمبراطور ماركوس أوريليوس (161-180 ميلادي). كان من أكثر الكُتَّاب إنتاجاً في عصره. من بين حوالي عشرين عملاً له، مُعظمها معروفة فقط من خلال عناوينها التي نسخها يوسابيوس. غطَّت كتاباته مجموعة واسعة من الاهتمامات.
أهم أعماله التي بقيت هي «عِظَة الفِصْح» (On the Passover). هذه العِظَة هي خطاب بلاغي يتميَّز بعبارات قصيرة ومُؤثِّرة. يُفسِّر فيها ميليتو الفصح على أنَّه رمز لعمل المسيح الفدائي.
فيما يتعلَّق بكتابات العهد الجديد، تحتوي عظة الفصح على أصداء لعبارات من العهد الجديد. لكن لا تُوجَد إشارات مُباشرة إلى كُتُب العهد الجديد نفسها فيها. بشكلٍ عامٍّ، فإنَّ البقايا الشَّحيحة من نتاج ميليتو الأدبي لا تُقدِّم أيّ مِثال واضح لاقتباس مُباشر من العهد الجديد على هذا النَّحو. ومع ذلك، فإنَّ هذا يُشير إلى أنَّ ذهنه كان مُشبعاً بمعرفة هذه النُّصُوص، لكن ليس لدينا وسيلة لتحديد السُّلطة التي نسبها إليها.
حول قانون العهد القديم، نتعلَّم شيئاً مُهِمًّا من مُقتطف يوسابيوس من مُقدِّمة عمل ميليتو المُسمَّى «مُختارات» (Selections). أعَدَّ هذا العمل لصديق اسمه أنسيموس، الذي طلب منه مجموعة مُختارات مِن النَّاموس والأنبياء حول المُخلِّص، ومعلومات عن عدد وترتيب كُتُب العهد القديم. لتمييز الكُتُب الأبوكريفية عن الكُتُب القانونية، قام ميليتو برحلة إلى فلسطين «حيث كُرِز بهذه الأُمُور وفُعلت»، للحُصُول على معلومات دقيقة، على الأرجح من مسيحيين يهود ناطقين باليونانية.
تتوافق قائمته مع القانون العبري، دون الكُتُب الإضافية الموجودة في التَّرجمة السَّبعينية اليونانية. يُعتقد أنَّ المُصطلحات التي استخدمها، مثل «الكُتُب القديمة» (τὰ παλαιὰ βιβλία) و «كُتُب العهد القديم» (τὰ τῆς παλαιᾶς διαθήκης βιβλία)، تُشير ضمناً إلى الاعتراف بـ «كُتُب العهد الجديد» كنقيض مكتوب للعهد القديم.
خُلاصة القول، على الرّغم من أنَّ ما بقي من كتابات ميليتو لا يتضمَّن اقتباسات مُباشرة من العهد الجديد، فإنَّ اهتمامه بتحديد قانون العهد القديم بدِقَّة يجعله مِن المُحتمل أنَّه أولى اهتماماً مُشابهاً لتحديد وثائق العهد الجديد الأصيلة. هُناك أيضاً اقتراح (من قبل ف. بارتليت) بأنَّ ميليتو هو مؤلِّف القانون الموراتوري، ولكنَّ هذا مُجرَّد اقتراح من بين عِدَّة اقتراحات لا تستند على أدِلَّة قوية بما يكفي.
ديونيسيوس أسقف كورنثوس (Dionysius of Corinth)
كان ديونيسيوس أسقفاً على كورنثوس في الرُّبع الثالث من القرن الثاني الميلادي، حوالي عام 170 ميلادي. كان شخصية مشهورة في عصره، ويحظى بتقدير كبير ككاتب رسائل رعوية أو «كاثوليكية» (catholic epistles) وجَّهها إلى جماعات مسيحية في أماكن مُتفرِّقة مثل أثينا، نيقوميديا، روما، لاكديمون، جورتينا في كريت ومُدُن أخرى.
لسُوء الحَظّ، فُقِدَت جميع رسائله تقريباً، باستثناء مُلخَّص لمُحتويات سبع منها نقله يوسابيوس، وأربعة مُقتطفات من رسالته إلى كنيسة روما المُوجَّهة إلى سوتر الأسقف في ذلك الوقت.
يُشِير مقطع مُهِمّ نقله يوسابيوس من رسالة ديونيسيوس إلى الرُّومان إلى أنَّهم كانوا يقرأون علناً في خدماتهم الإلهية الرَّسائل، سواء كانت رسالة سوتر الحديثة إلى الكورنثيين أو الرِّسالة الأقدم التي كتبها كليمنت (من روما) إليهم. هذا يُشِير بقُوَّة إلى أنَّ رسائل الرَّسول بولس إلى كورنثوس كانت أيضاً مُحتفظاً بها وتُقرأ علناً في هذه المنطقة ورُبَّما في أماكن أخرى.
اشتكى ديونيسيوس مِن أنَّ رسائله الخاصَّة قد تعرَّضت للتَّلَف [التَّحريف] بسبب الإضافات والاقتطاعات من قِبَل مَن وصفهم بـ «رُسُل الشَّيطان».
إشارة ديونيسيوس إلى «الويل» الموعود لهؤلاء الذين يُفسِدُون كتاباته تعكس معرفته بالعُقُوبة الشَّديدة المذكورة في سفر الرُّؤيا لِمَن يُضِيفُون إلى كلماته أو يُنقِصُون منها (رؤيا 22: 18 وما بعدها).
يستنتج ديونيسيوس أنَّه ليس من المُستغرب أن يُحاول البعض العبث بـ «كتابات الرَّبّ» (τῶν κυριακῶν γραϕῶν) أيضاً، طالما أنَّهم تآمروا ضِدّ كتابات أقلّ أهمِّيَّة. يُفهَم مِن عبارة «كتابات الرَّبّ» أنَّها تُشِير إلى الأناجيل، أو الأناجيل المعروفة والمقروءة في زمن ديونيسيوس. هذه الكتابات كانت مُتميِّزة عن الكُتُب الأخرى «الأقل أهمِّيَّة»، وكانت محروسة بشِدَّة، وقد تعرَّضت للتَّحريف لأغراض هرطقية.
على الرّغم من قِلَّة ما تبقَّى من كتاباته، إلَّا أنَّ المُقتطفات الموجودة تُوفِّر أقدم شهادة (وإن كانت استنتاجية) للقراءة الدَّورية لرسائل بولس، وتُظهر أنَّ ديونيسيوس كان على دراية بسفر الرُّؤيا.
من المُحتمل أن يكون ديونيسيوس أسقف كورنثوس قد استخدم مُصطلحات مثل «قانون الحق» أو «قاعدة الحق» حوالي عام 160 ميلادي، ممَّا يُشِير إلى أنَّ الحقيقة نفسها هي المعيار الذي يُحكم به على التَّعليم والمُمارسة.
أثيناغوروس الأثيني (Athenagoras)
كان أبرع المُدافعين المسيحيين في القرن الثاني. وُصف في أقدم مخطوطات أعماله بـ «الفيلسوف المسيحي من أثينا». ازدهر نشاطه حوالي عام 177 ميلاديًا.
وجَّه رسالته المعروفة باسم «التَّضرُّع مِن أجل المسيحيين» (Supplication for the Christians) إلى الإمبراطور ماركوس أوريليوس وابنه كومودوس. في هذه الرِّسالة، فنّد واحدة تلو الأخرى ثلاث اتِّهامات وُجّهت ضِدّ المسيحيين: الإلحاد، الولائم الثيستية (التي يُقال فيها إنَّ لحم البشر يؤكل)، وزنا المحارم الأوديبي. تميَّزت كتاباته بأسلوب واضح وحُجَّة قوِيَّة.
كان أوَّل من وضع دفاعًا فلسفيًا عن العقيدة المسيحية في الله بكونه ثلاثة في واحد.
فيما يتعلَّق بكتاباته، ألَّف أيضًا رسالة أخرى بعنوان «عن القيامة من بين الأموات» (On the Resurrection from the Dead)، والتي وعد بها في نهاية رسالته الأولى. تُعتبر هذه الرِّسالة من أفضل النِّقاشات المسيحية المُبكِّرة حول هذا الموضوع. يسعى فيها لدحض الاعتراضات ومن ثمَّ الدِّفاع عن العقيدة بشكل إيجابي. هذه الرسالة محلّ جدل بين بعض العُلماء، حيث يرى البعض أنَّها لكاتب آخر من القرن الثالث أو أوائل الرَّابع الميلادي، بينما يُدافع آخرون عن نسبتها لـ أثيناغوروس.
في رسالة “التَّضرُّع”، استخدم بشكل صريح عِدَّة كُتُب من العهد القديم، واقتبس أحيانًا فقرات من الخروج والأمثال وإشعياء وإرميا.
فيما يخص العهد الجديد، اكتفى في “التَّضرُّع” بذكر كلمات وعبارات موجودة في إنجيل متى و/أو إنجيل لوقا، دون تحديد اسم الإنجيل. صرّح بأنَّ المسيحيين نشأوا على هذه التَّعاليم.
أدرج أيضًا عبارات من رسائل بولس، مثل رومية 1: 27، ورومية 12: 1، وغلاطية 4: 9، وتيموثاوس الأولى 2: 2. هذا يُشير إلى أنَّه امتلك مجموعة من عِدَّة رسائل لبولس، بما في ذلك رسالة رعوية واحدة على الأقل. لا يُمكننا الجزم كيف كان ينظر إلى هذه الرَّسائل.
في رسالة “عن القيامة”، من الواضح أنَّه قرأ ما قاله بولس في كورنثوس الأولى الإصحاح الخامس عشر. يقتبس كلمات من النَّصّ 53 قائلاً: «بلغة الرسول، ‘لا بد أن يلبس هذا الفاسد عدم فساد (ولا ينحل)’».
بخلاف هذه العبارة، فإنَّ النُّصُوص العديدة الأخرى في العهد الجديد حول موضوع القيامة لم يتم اقتباسها أو حتى لم تؤثِّر على أسلوبه في هذه الرِّسالة.
يُقدِّم إشارات ضمنية إلى أناجيل متى ومرقس ويوحنا.
عُمُومًا، لم يرَ مِن المُناسب الإكثار من الاقتباسات الصَّريحة من العهدين القديم أو الجديد، اتِّساقًا مع الأغراض التي وضعها في اعتباره لكتاباته.
كان فيلسوفًا مسيحيًا من أثينا. يُعرف بأنَّه صاحب «الدِّفاع» (Apology)، والتي تُعتبر أقدم دفاع عن المسيحية وصل إلينا. وجه رسالته إلى الإمبراطور أنطونيوس بيوس، ويُرجَّح أنَّها كُتبت بين عامي 138 و 147 ميلاديًا.
تم فقدان عمله لفترة طويلة، ولم يُعرف عنه وعن عمله إلَّا من إشارات مُوجزة لدى يوسابيوس وجيروم. ثُمَّ تمَّ استعادته تدريجيًا من خلال: نشر جُزء من ترجمة أرمنية له في عام 1878. اكتشاف نصّ شبه كامل لترجمته السُّريانية في دير سانت كاترين بسيناء عام 1889. اكتشاف جُزءًا كبيرًا من نصِّه اليوناني الأصلي كان مُضمّنًا بالفعل في قِصَّة «بارلام ويوسافات» (Barlaam and Josaphat) في العُصُور الوسطى المُبكِّرة. العُثُور على جزأين كبيرين من النَّصّ اليوناني الأصلي ضمن البرديات المصرية.
الموضوع الرَّئيسي في «الدِّفاع» هو أنَّ المسيحيين وحدهم يمتلكون المعرفة الحقيقية بالله.
لا يتضمَّن اقتباسات صريحة ومُباشرة من الكتاب المُقدَّس.
يُشير إلى الإمبراطور بأنَّه يُمكنه الحُصُول على معلومات من إنجيل مكتوب ويدعوه لقراءته لـ «إدراك القوة التي تنتمي إليه».
يذكر الأحداث الرَّئيسية في حياة يسوع، مثل ولادته من «عذراء عبرانية» (أو «عذراء طاهرة» حسب النَّصّ اليوناني)، وتلاميذه الاثني عشر، وموته، وقيامته، وصعوده. قد يُشير ذكر الصُّعُود إلى معرفته بسفر أعمال الرُّسُل.
يستخدم عبارات تبدو وكأنَّها مُستعارة من عِدَّة رسائل لبولس، مثل كلوسي 1: 17، وكلوسي 2: 8، ورومية 1: 22، وتيموثاوس الأولى 6: 16.
تُظهر لغته (إملاؤه) آثارًا لعبارات من كتابات الرُّسُل. لكنَّه لا يُشير أبدًا إلى هذه الكتابات على أنَّها قانونية (Canonical). في نظره، هذه الكتابات كانت مُفيدة لتقديم المعلومات.
كان هدفه من دفاعه هو إظهار أنَّ المسيحية جديرة باهتمام الإمبراطور لأنَّها معقولة للغاية، وتُعطي حافزًا وقُوَّة لعيش حياة صالحة.
بانتاينوس الإسكندري (Pantaenus)
كان أوَّل رئيس معروف لمدرسة الإسكندرية اللاهوتية. ازدهر نشاطه خلال فترة حُكم الإمبراطور كومودوس (180-192 ميلاديًا). تحوَّل من المذهب الرواقي إلى المسيحية. اضطلع بالعمل التَّبشيري في بُلدان أجنبية. وصلت رحلاته إلى “الهند”.
في «الهند»، وجد نُسخة من «إنجيل متى مكتوبة بحروف عبرية»، يُقال إنَّ الرَّسول برثولماوس تركها هُناك. يوسابيوس ينقل هذه القِصَّة كـ «تقليد» (λέγεται). لم يبقَ أي من كتاباته.
نعرف رأيه في مسألة كانت محلّ نزاع كبير في الكنيسة المُبكِّرة، وهي «تأليف رسالة العبرانيين». وفقًا ليوسابيوس، الذي ينقل رأي «القسِّيس المُبارك» (بانتاينوس)، فإنَّ الرِّسالة كانت من «عمل الرسول بولس»، لكنَّ بولس فضَّل الحفاظ على إخفاء هُوِيَّته فيها. يُبرِّر بانتاينوس ذلك بأنَّ بولس، بصفته مُرسلاً إلى الأمم، لم يكتب نفسه بصفته رسولاً للعبرانيين تواضعاً واحتراماً للرَّبّ الذي أُرسل للعبرانيين بصفته رسول الآب القدير.
هذا الرَّأي تبنَّاه فيما بعد كليمنت الإسكندري وأوريجانوس. يبدو أنَّ هذا الرَّأي كان مُحاولة للتَّوفيق بين مجموعتين من رسائل بولس، إحداهما تحتوي على العبرانيين والأخرى لا.
خلفه في رئاسة المدرسة تلميذه كليمنت الإسكندري. كان كليمنت يصف بانتاينوس بـ “القسيس المبارك”. يوسابيوس يذكر أن بانتاينوس هو مؤسس مدرسة الإسكندرية.
كليمنت الإسكندري (Clement of Alexandria)
كان خليفة بانتاينوس ورئيس المدرسة التعليمية في الإسكندرية. كان على الأرجح من مواليد أثينا ومن أبوين وثنيين. كان مُلمًّا بجميع فُرُوع الأدب اليوناني والأنظمة الفلسفية الموجودة. اعتنق المسيحية في سنوات بُلُوغه وسافر على نطاقٍ واسعٍ بحثًا عن أبرز المُعلِّمين.
جاء إلى الإسكندرية حوالي عام 180 ميلاديًا وأصبح تلميذًا لـ بانتاينوس. أصبح قسِّيسًا في كنيسة الإسكندرية، ومُساعدًا لـ بانتاينوس، وحوالي عام 190 ميلاديًا، خلفه في رئاسة المدرسة اللاهوتية.
استمر في العمل في الإسكندرية حتى أجبره الاضطهاد تحت حكم الإمبراطور سبتيموس سيفيروس في عام 202 ميلاديًا على الفرار. توفي حوالي عام 211 ميلاديًا.
اتَّفق مع الغنوصيين في اعتبار المعرفة الدينية «غنوسيس» العنصر الرَّئيسي في الكمال المسيحي، لكن بالنِّسبة له كانت «الغنوسيس» الوحيدة هي التي تفترض إيمان الكنيسة (παράδοσις).
تكشف كتاباته عن نطاق واسع بشكل مذهل لمعرفته بالأدب الكلاسيكي والكتابي. يقتبس من كتابات العهد الجديد ما يقرب من ضعف ما يقتبس من العهد القديم.
يستخدم كلمة «قانون» حوالي واحد وعشرين مرَّة بمعانٍ مُختلفة («قانون الحق»، «قانون الإيمان»، و«القانون الكنسي»)، لكنَّه لا يُطبِّقها على مجموعة من الكُتُب. يستخدمها بمعنى “قاعدة” أو “معيار”.
يُميِّز بوُضُوح بين الكُتُب التي يعتبرها ذات سُلطة وتلك التي لا يعتبرها كذلك. يُستشهد به في كتاباته لجميع كتب العهد الجديد باستثناء فليمون، يعقوب، بطرس الثانية، ويوحنا الثانية والثالثة.
قبِل القانون الرباعي للأناجيل (متى ولوقا كُتِبا أولاً، ثم مرقس ثانيًا، ويوحنا آخرها كـ “إنجيل روحي”). يصِرّ على تناغم تعليم الأناجيل الإزائية ويوحنا.
يشير إلى يوحنا الأولى 5: 16-17 كـ «رسالة يوحنا الأطول» ممَّا يعني أنَّه كان يعرف رسالة يوحنا أخرى واحدة على الأقل، ورُبَّما واحدة فقط.
اعتمد نظرية بانتاينوس بخُصُوص رسالة العبرانيين، والتي تفيد بأنَّها عمل الرَّسول بولس، وأضاف إليها فكرة أنَّ لوقا ترجمها إلى اليونانية.
قد يكون على دراية بـ «إنجيل مرقس السري» الذي كان مُتداولاً بين الكاربوكراطيين، وذلك وفقًا لرسالة منسوبة إليه إلى ثيودور.
استخدم أقوالًا غير مكتوبة ليسوع (agrapha).
اعتبر أنَّ الكتابات التي تحتوي على حقائق أخلاقية ودينية: مُلهمة، حتى تلك التي ليست ضمن القانون الذي تحدَّد لاحقًا.
اقتبس من رسائل كليمنت الرُّوماني وبرنابا، وراعي هرماس، ورؤيا بطرس على أنَّها مُلهمة.
ثَمَّن رسالة برنابا كثيرًا، ونسب تأليفها إلى برنابا رفيق بولس، وكتب تعليقًا عليها في عمله المفقود Hypotyposes. رغم ذلك، لم يتردَّد في نقد تفسير مؤلِّف رسالة برنابا.
استخدم تعاليم الدِّيداخي كـ «كتاب مُقدَّس».
استخدم إنجيل العبرانيين.
حَفِظ أجزاء من إنجيل المصريين واستخدمه في جدل.
قبل رؤيا بطرس كعمل لبطرس وكتب تعليقات عليها.
خلفه في رئاسة المدرسة اللاهوتية: أوريجانوس.
أوريجانوس الإسكندري (Origen of Alexandria)
كان شخصية بارزة للغاية في الكنيسة الشَّرقية خِلَال الفترة ما قبل نيقية، حيث اشتهر كلاهوتي وعالم كتاب مُقدَّس غزير الإنتاج. ولد حوالي عام 185 ميلادي في مصر لعائلة مسيحية. قضى معظم حياته في الإسكندرية كمعلم، حيث عيَّنه الأسقف ديميتريوس في عام 203 ميلادي ليخلف كليمنت الإسكندري على رأس مدرسة التَّعليم المسيحي.
زار أماكن مُتعدِّدة مثل أنطاكية وأثينا وبلاد العرب وأفسس وروما، وعاش لفترة طويلة نسبيًا في قيصرية فلسطين. في عام 215 ميلادي، اضطر عمله في المدرسة للتَّوقُّف وتمَّ طرده من الإسكندرية نتيجة لهجوم الإمبراطور كركلا على أهل الإسكندرية.
لجأ إلى قيصرية في فلسطين ووعظ في الكنائس هُناك بناءً على طلب أسقفي أورشليم وقيصرية. بسبب كونه علمانياً، اعتبر أسقفه ديميتريوس ذلك خرقًا للنِّظام الكنسي.
استدعي لاحقًا إلى الإسكندرية حيث استأنف عمله العلمي في مدرسة الإسكندرية اللاهوتية.
في عام 230 ميلادي، سافر إلى اليونان في بعض شؤون الكنيسة، وتوقَّف في قيصرية في طريقه، حيث رسمه الأسقفان الصَّديقان اللَّذان دعواه للوعظ سابقًا كقسيس. عندما علم ديميتريوس بذلك، شعر بأنَّ سُلطته قد تحدّيت، وعند عودة أوريجانوس، عزله من منصبه التَّعليمي وحرمه من كنيسة الإسكندرية على أساس عدم انتظام الرَّسامة.
انتقل بعد ذلك إلى قيصرية، حيث افتتح مدرسة جديدة للكتاب المُقدَّس واللَّاهوت سُرعان ما تفوَّقت على مدرسة الإسكندرية، وواصل عمله الأدبي الواسع، بالإضافة إلى الوعظ وشرح الكتاب المُقدَّس يوميًا تقريبًا.
في عام 250 ميلادي، خلال اضطهاد ديسيوس، سجن أوريجانوس وعُذِّب بوحشية وحكم عليه بالإعدام حرقًا. استعاد حرِّيَّته عند وفاة الإمبراطور، لكنَّه توفِّي بعد فترة وجيزة، في عام 253 أو 254 ميلادي، في صور، على الأرجح نتيجة للعنف الذي تعرض له.
كان لديه إجلال كبير للكتاب المُقدَّس اليهودي (العهد القديم). استخدم مُصطلح «العهد الجديد» وذكر أنَّ كتبه (الأناجيل والرسائل) هي «كُتُب إلهية» كُتِبَت مِن قِبَل إنجيليين ورُسُل مِن خلال الرُّوح نفسها ومن نفس الله مثل العهد القديم.
الأناجيل: اعتبر قانون الأناجيل الأربعة (متى، مرقس، لوقا، يوحنا) مُغلقًا. صرَّح بوُضُوح في شرحه على متى أنَّ هذه الأناجيل الأربعة هي «الوحيدة التي لا نزاع عليها (ἀναντίρρητα) في كنيسة الله تحت السَّماء». ذكر أنَّه تعلَّم من التَّقليد أنَّ متى كتب إنجيله أوَّلاً للذين آمنوا من اليهود، وأنَّه كتب باللغة العبرية.
رفض أناجيل مثل توما، متياس، الأناجيل الاثني عشر رسولًا، أناجيل باسيليدس، والإنجيل حسب المصريين باعتبارها هرطقية، وقال إنَّ مؤلِّفيها سارعوا للكتابة دون نعمة الرُّوح القُدُس. أكَّد أنَّه «لا يوافق على شيء آخر سوى ما توافق عليه الكنيسة، أي أربعة أناجيل فقط باعتبارها صحيحة للقبول».
نسب سفر أعمال الرُّسُل إلى لوقا، مؤلِّف الإنجيل الثالث. وقَبِلَ أربع عشرة رسالة لبولس. اقتبس منها بشكلٍ مُتكرِّرٍ، بما في ذلك رسالة فليمون القصيرة. غالبًا ما استخدم عبارات مثل «يقول بولس». لاحظ أنَّ البعض تجرَّأ على رفض رسالة تيموثاوس الثانية لكنَّهم لم يتمكَّنوا من ذلك.
قَبِلَ رسالة بطرس الأولى، ويوحنا الأولى، ويهوذا. ذكر رسالة يعقوب. عبَّر عن تحفُّظه بخُصُوص يعقوب وبطرس الثانية ويوحنا الثانية والثالثة. وقَبِلَ سفر الرُّؤيا.
ذكر أنَّ بطرس ترك رسالة واحدة «مُعترف بها» (بطرس الأولى)؛ ورُبَّما رسالة ثانية ولكنَّها «مُتنازع عليها» (بطرس الثانية).
ذكر أنَّ يوحنا، الذي كتب الإنجيل والرُّؤيا، «ترك أيضًا رسالة مِن سُطُور قليلة جدًا» (يوحنا الأولى)، ورُبَّما ثانية وثالثة، لكن «ليس الجميع يعتبرونها أصلية» (يوحنا الثانية والثالثة).
لا يقتبس أو يذكر بطرس الثانية أو رسالتي يوحنا الصَّغيرتين في أيّ مِن كتاباته اليونانية التي وصلتنا. اقتبس رسالة يعقوب عِدَّة مرَّات، لكنَّه أشار إليها بـ «رسالة يعقوب التي في التَّداول»، ممَّا يدُلّ على بعض الشَّكّ في أصالتها. ذكر أنَّ يهوذا كتب رسالة قصيرة مليئة «بالكلمات المُفيدة للنِّعمة السَّماوية».
اقتبس رسالة العبرانيين أكثر من مئتي مرَّة في كتاباته. في الغالبية العُظمى من إشاراته، كان يكتفي بنسبها إلى بولس. لكن في أواخر حياته، في عظاته على العبرانيين، اعترف بصراحة أنَّ تقليد تأليفها غير مؤكَّد، ورأى أنَّه مِن الأفضل أن نستنتج أنَّها، مع احتوائها على أفكار بولس، كتبها شخصٌ آخر، رُبَّما لوقا أو كليمنت الرُّوماني.
استخدم بشكلٍ مُتكرِّر أقوال يسوع غير المكتوبة (agrapha). في بعض الأحيان أشار إليها بـ «أمر يسوع» أو «حسب الكتاب المُقدَّس». قدَّم أمثلة مثل «كونوا صرَّافين مؤتمنين» و «اطلبوا الأشياء العظيمة».
اقتبس أيضًا نُسخة من العبارة 82 من إنجيل توما.
احتفظ باقتباس من إنجيل العبرانيين في شُرُوحه على يوحنا وإرميا.
أشار إلى كتابات الآباء الرَّسوليين، مُقتبسًا من رسالة كليمنت الأولى ورسالة برنابا. وصف رسالة برنابا بأنَّها «رسالة برنابا العامَّة». أشار عِدَّة مرَّات إلى راعي هرماس. في سنواته الأخيرة، وصف راعي هرماس في شرحه على رومية بأنَّه «عمل يبدو لي مفيدًا جدًا، وحسب اعتقادي، مستوحى إلهيًا».
ومع ذلك، رفض بشكلٍ قاطعٍ أصالة كتاب بعنوان كرازة بطرس، قائلاً إنَّه غير مُدرج ضمن الكُتُب الكنسية لأنَّه لم يؤلِّفه بطرس أو أي شخصٍ آخر مُستوحى من روح الله. أشار إلى كرازة بطرس في مناسبة أخرى باعتبارها قد تكون مزيفة أو مختلطة.
يُمكن ملاحظة تطوُّر مُعيَّن في تفكير أوريجانوس، أو على الأقلّ في طريقة تعبيره. كان أكثر استعدادًا لاستخدام النُّصُوص غير القانونية بشكلٍ إيجابيٍّ عندما كان مُعلِّمًا في مدرسة الإسكندرية اللاهوتية، مُقارنة بحذرٍ أكبر لوحظ لاحقًا في سياق إعطاء الشُّرُوحات الكتابية من المنبر في قيصرية. هذا صحيح بشكلٍ خاصٍّ فيما يتعلَّق براعي هرماس. عملية تشكيل القانون التي يُمثِّلها أوريجانوس تقدَّمت عن طريق الاختيار، من العديد من المُرشَّحين للإدراج إلى عددٍ أقل.
تحتوي كتاباته على تقسيم للكُتُب إلى مجموعتين: الإنجيل (أو الأناجيل) والرَّسول (أو الرُّسُل)، يجمعها تحت اسم «العهد الجديد».
في عظاته على يشوع (التي حُفِظَت لنا فقط في ترجمة لاتينية قام بها روفينوس)، المكتوبة حوالي عام 240 ميلادي، يوجد تعداد عرضي لمؤلِّفي العهد الجديد بالكامل. هذه القائمة تحتوي الكُتُب التي سيُصنِّفها يوسابيوس لاحقًا على أنَّها «معترف بها» و «مُتنازع عليها» دون تمييز.
ترتيب الكُتُب في هذه القائمة ملحوظ: ثلاث مجموعات هي الأناجيل؛ الرَّسائل الجامعة مع الرُّؤيا والأعمال؛ وأخيرًا رسائل بولس. هذا التَّرتيب لسفر الرُّؤيا وسفر الأعمال موجود أيضًا في (فقط) فهرس كلارومونتانوس. القائمة ذات أهمية لتاريخ القانون، على الرّغم من أنَّه من المُمكن أنَّ روفينوس قد غيَّر كلمات أوريجانوس لتعكس رأيًا لاحقًا من القرن الرَّابع، لكن موضع سفر الأعمال في القائمة لا يدعم هذا الافتراض. قد يكون التعداد في سياق عظة يهدف إلى تعداد كتابات يُمكن استخدامها للإرشاد، بدلاً من تفريقها حسب فئات كما يفعل في مُناقشات مُفصَّلة.
اقتباس من تاريخ الكنسية ليوسابيوس القيصري يُلخِّص رأي أوريجانوس بخُصُوص الأناجيل الأربعة.
في القائمة المنسوبة إليه (عن طريق يوسابيوس)، تمَّ إدراج الأناجيل الأربعة، وأعمال الرُّسُل، ورسائل بولس الأربعة عشر (بما في ذلك العبرانيين)، ورسالة بطرس الأولى، ورسالة يوحنا الأولى كـ «كُتُب مُعترف بها». أمَّا رسائل يعقوب ويهوذا و 2 بطرس و 2 و 3 يوحنا ورؤيا يوحنا، فقد ذكر أنَّها «مُتنازع عليها».
أمفيلوخيوس (حوالي عام 380 ميلادي) يذكر قائمة قد تُمثِّل قانون أوريجانوس، واصفًا إيَّاها بأنَّها «ربَّما هي القانون الأكثر موثوقية للكُتُب المُستوحاة إلهيًا». هذه القائمة تشمل الأناجيل الأربعة، أعمال الرُّسُل، 14 رسالة لبولس، العبرانيين، بطرس الأولى، يوحنا الأولى، ويهوذا. وتلاحظ الخلاف حول بطرس الثانية، يوحنا الثانية والثالثة، والرُّؤيا.
استخدم راعي هِرْمَاس ككتاب مقدس، على الرغم من أنه وفقًا له لم يكن يُقرأ بشكل عام في الكنيسة.
قَبِلَ رؤيا بطرس (Apocalypse of Peter) كعمل بطرس وكتب تعليقات عليه.
نشأت المسيحية في الشَّرق، لكنَّها سُرعان ما وصلت إلى الغرب، مع وُجُود مؤمنين في روما بحُلُول وقت وُصُول بولس كسجين. بحُلُول مُنتصف القرن الثَّاني، كانت الكنيسة المسيحية راسخة بقُوَّة في روما، وتمَّ زرع بؤر استيطانية أبعد غربًا في بلاد الغال وشمال إفريقيا.
كان للكنيسة اللاتينية بشكلٍ عامٍّ شُعُور أقوى من الكنيسة اليونانية بضرورة الفَصْل الحادّ فيما يتعلَّق بالقانون. كانت أقلّ وعياً بالتَّدرُّج في الجودة الرُّوحية بين الكُتُب التي قبلتها، وبالتَّالي كانت أكثر ميلًا للتَّأكيد على أنَّ الكُتُب التي رفضتها لا تمتلك أيّ جودة روحية على الإطلاق.
يوستينوس الشَّهيد (Justin Martyr)
كان يوستينوس الشَّهيد أحد أبرز المُدافعين المسيحيين الأوائل (Apologists). وُلد قُرْب بداية القرن الثَّاني الميلادي في السَّامرة بفلسطين، بمدينة شكيم. بعد تجربة فلسفات مُختلفة، اهتدى إلى الإيمان المسيحي حوالي عام 130 ميلادي. أصبح مُعلِّماً مسيحياً لفترة وجيزة في أفسس، حيث خاض نقاشاً مع يهودي يُدعى تريفو حوالي عام 135 ميلادي. بعد ذلك، انتقل إلى روما وأسَّس مدرسة مسيحية.
كتب «الدِّفاع الأوَّل» (First Apology) حوالي عام 150 ميلادي، مُوجِّهًا إيَّاه إلى الإمبراطور أنطونينوس بيوس. كان هدفه تبرئة المسيحيين من الاتِّهامات المُوجَّهة إليهم وتبرير الدِّين المسيحي.
نشر أيضًا «حِوار مع تريفو اليهودي» (Dialogue with Trypho the Jew) حوالي عام 160 ميلادي، والذي كان على الأرجح أطول كتاب لكاتب مسيحي أرثوذكسي حتى ذلك الوقت. في هذا العمل، أكَّد على طبيعة العهد القديم المؤقَّتة واقتبس من الأنبياء لإثبات صِحَّة الحقيقة المسيحية.
كتب أيضًا «الدِّفاع الثاني» (Second Apology) وهو أقصر مِن الأوَّل، مُوجِّهًا إيَّاه إلى مجلس الشُّيُوخ، على ما يبدو بعد تولِّي ماركوس أوريليوس العرش (161 ميلادي).
كان يوستينوس أكثر الكُتَّاب المسيحيين إنتاجاً حتى عصره. أشار يوستينوس إلى أنَّ المسيحيين كانوا يقرأون علنًا في خدمات العبادة يوم الأحد «مُذكّرات الرُّسُل [أي الأناجيل]» أو «كتابات الأنبياء». هذا يُشير إلى أنَّ الأناجيل كانت تُعتبر، بمعنى ما، على قَدَم المُساواة مع الأسفار اليهودية الأقدم.
هو يُشِير إلى الأناجيل بـ «مُذكّرات الرُّسُل» (Memoirs of the apostles). هذا المُصطلح استخدمه زينوفون لوصف «مُذكّرات سقراط». ذكر يوستينوس أنَّ هذه «المذكّرات» كانت تُسمَّى «أناجيل».
في وصفه لخدمات يوم الأحد، ذكر أنَّ مُذكَّرات الرُّسُل كانت تُقرأ بالتَّبادل مع أنبياء العهد القديم. عندما ذكر المُذكّرات قبل أنبياء العهد القديم، فإنَّه وضعها عمليًا ليس فقط على قدم المُساواة معهم، بل فوقهم.
ذكر مرَّة أنَّ المُذكَّرات «دوَّنها رُسُل المسيح والذين تبعوهم» (Dial. ciii. 8)، وفي هذه الحالة اقتبس من لوقا. وفي حالة اقتباسه من مرقس (iii. 16–17) بخُصُوص اسم بطرس ويعقوب ويوحنا، أطلق عليها «مُذكّراته [بطرس]»، وهذا رُبَّما يُلمِّح إلى التَّقليد الذي نقله بابياس بأنَّ مرقس كتب كلمات بطرس.
استخدم أحيانًا صيغة الاقتباس المُعتادة «كما هو مكتوب» (γέγραπται) عند الإشارة إلى الإنجيل. ومع ذلك، في الغالبية العُظمى من الحالات، كان يُقدِّم كلمات المسيح بعبارات مثل «هكذا قال المسيح» أو «علّم» أو «حَثَّ»، ممَّا يعني أنَّ كلمات يسوع كانت ضمانًا بذاتها.
غالبًا ما تُظهِر اقتباساته هارمونيا (توفيقًا) بين متى ولوقا، وأحيانًا بين مرقس وإنجيل إزائي آخر.
هُناك أدِلَّة (عامَّة وخاصَّة) على معرفته واستخدامه لإنجيل يوحنا. الدَّليل العامّ يشمل عقيدته عن اللُّوغوس، لا سِيَّما التَّجسُّد، التي يبدو أنَّه استمدَّها من يوحنا، حيث لا تُعلَّم في الأناجيل الإزائية. الدَّليل الخاصّ يتضمَّن اقتباسًا واضحًا من يوحنا 3: 3، 5 («إلَّا إذا وُلدتم ثانية…») في الدِّفاع الأوَّل.
إلى جانب مُذكّرات الرُّسُل، استخدم يوستينوس أيضًا تقاليد خارجية مُتنوِّعة عن حياة يسوع، رُبَّما شفوية. من أمثلة ذلك: المجوس جاءوا من بلاد العَرَب، يسوع وُلِدَ في مغارة بالقُرْب من بيت لحم، والجحش المُستخدم في دُخُوله القُدْس كان مربوطًا بليفة عند مدخل القرية.
أشار يوستينوس أيضًا إلى قولين خارجين عن الأناجيل (agrapha) ليسوع:
«في أيِّ شيءٍ أجدكم، فيه سأحكم عليكم أيضًا» (Dial. xlvii. 5).
«سيكون هُناك انقسامات وبدع» (Dial. xxxv. 3).
الكتاب الآخر الوحيد من العهد الجديد الذي أشار إليه يوستينوس بالاسم هو سفر الرُّؤيا. لم يقتبسه، ولكنَّه استخدمه كدليل على وُجُود القُوَّة النَّبوِيَّة في الكنيسة المسيحية. ذكر يوحنا الرَّسول كنبيّ تنبَّأ في الرُّؤيا عن ألف سنة في أورشليم والقيامة والدَّينونة.
رغم أنَّه لم يقتبس من رسائل بولس، فإنَّ خلافه مع ماركيون يُشِير إلى معرفته ببعضها على الأقل. كما تَظْهَر بعض أشكال التَّعبير والتَّعليم البولسية أحيانًا في كتاباته، ممَّا يدُلُّ على تأثير بولس عليه.
خلاصة رأي يوستينوس هي أنَّ أنبياء العهد القديم يمتلكون سُلطة بذاتهم، بينما الأناجيل ذات قيمة كونها شُهُودًا مُصرَّحًا بهم لحياة وتعاليم يسوع. استخدم الأناجيل الإزائية (متى، مرقس، لوقا) بشكلٍ أكثر تكرارًا من إنجيل يوحنا. لم يُسند للتَّقاليد الإضافية التي ذكرها (مثل الأناجيل الأبوكريفية) عُمُومًا سُلطة مُماثلة لسُلطة مذكّرات الرُّسُل، والتي كانت تُقرأ علنًا في العبادة. لم يعتمد على سُلطة بولس (مُباشرةً)، ولكنَّه اعتبر سفر الرُّؤيا عملاً رسولياً ونبوِيًّا.
إيريناوس أسقف ليون (Irenaeus of Lyons)
كان أسقفاً على ليون في بلاد الغال (فرنسا الحالية). في الأصل، كان مِن آسيا الصُّغرى ويُمثِّل التَّقليد الشَّرقي، وكان حلقة وصل حيَّة بين آسيا وبلاد الغال. استخدمت كنيسة ليون اللُّغة اليونانية. كان تلميذاً لبوليكاربوس أسقف سميرنا، الذي كان يُعتبر تلميذاً للرُّسُل. تعلَّم من بوليكاربوس «الإنجيل الأصلي غير المغشوش». رُبَّما رافق بوليكاربوس في رحلته إلى روما عام 154 ميلادي.
متى وكيف مات غير معروف. يذكر جيروم وآخرون أنَّه مات شهيداً في اضطهاد تحت حُكم الإمبراطور سيبتيموس سيفيروس (حوالي 202 ميلادي)، لكن هذا التَّقليد غير مؤكَّد. ويذكر فوتيوس أنَّ هيبوليتوس كان تلميذاً لإيريناوس.
يُعرف إيريناؤس بشكلٍ شبه كامل من كتاباته، التي لم تُنقل إلينا بالكامل. يُعتبر إيريناؤس أول لاهوتي كاثوليكي عظيم، والمُدافع عن الأرثوذكسية ضِدّ الهرطقة الغُنُوصِيَّة، وحلقة وصل لاهوتية بين الكنائس الشَّرقية والغربية. رفض بقُوَّة الأعمال الأدبية للهراطقة.
عمله الرَّئيسي هو كتاب «دحض وإسقاط المعرفة المزعومة خطأً»، المعروف باختصار باسم «ضِدّ الهرطقات». هذا العمل محفوظ بأجزاء باللُّغة اليونانية وترجمة لاتينية كاملة. له أيضاً عمل آخر، «إيضاح التَّعليم الرَّسولي» [الكرازة الرَّسولية]، اكتُشِفَ مُؤخَّراً بترجمة أرمنية.
في كتاباته، يُظهر إيريناؤس وحدة العهدين القديم والجديد في مُواجهة الغنوصيين الذين حاولوا فصلهما. ويُعد إيريناؤس أوَّل كاتب آبائي يستخدم العهد الجديد بشكلٍ كاملٍ. اقتباساته من العهد الجديد أكثر عدداً من اقتباساته من العهد القديم. في كتابه «ضِدّ الهرطقات»، اقتبس 1075 مقطعاً من مُعظم كُتُب العهد الجديد.
اعتبر الأناجيل الأربعة «الإنجيل الواحد في أربعة أشكال». كان تثبيت هذا العدد والاختيار نهائياً بالنِّسبة له. قدَّم حُججاً رمزية لضرورة وُجُود أربعة أناجيل بناءً على جهات العالم الأربع، الرِّياح الرَّئيسية الأربع، المخلوقات الحيَّة الأربعة (في الرُّؤيا وحزقيال)، والعُهُود الرَّئيسية الأربعة التي قطعها الله مع البشرية. استخدم عباراته هذه عن الأناجيل الأربعة كمُقدِّمة في عددٍ كبيرٍ من المخطوطات اللَّاحقة. بالنِّسبة له، قانون الإنجيل مُغلق ونصّه مُقدَّس.
اقتبس من 280 مقطعاً من رسائل بولس، لكنَّ المصادر لا تذكر فليمون ضِمْن الرَّسائل التي اقتبس منها في كتابه الرَّئيسي. ومع ذلك، مجموع الكُتُب التي قبلها يُقدَّر بـ 22 كتاباً، مع ملاحظة أنَّ فليمون «ينبغي غالباً إدراجها» في العدد. بخلاف بعض الكُتَّاب اللَّاحقين في آسيا الصُّغرى الذين أهملوا بولس بسبب استخدامه من قبل الهراطقة، ولكنَّ إيريناؤس أظهر أنَّ التَّفسير الصَّحيح لرسائل بولس يؤكِّد التَّعليم الكاثوليكي. صنَّف رسائل بولس مع إنجيل لوقا على أنَّها جُزء من «الكُتُب المُقدَّسة».
أعمال الرُّسُل طبَّق عليها تسمية «الكتاب المُقدَّس» بشكل قاطع. واقتبس 15 مقطعاً من الرَّسائل الجامعة، لكنَّه لم يقتبس من 2 بطرس، 3 يوحنا، أو يهوذا.
دافع عن سفر الرُّؤيا بقُوَّة واعتبره «كتاباً مُقدَّساً». اعتقد أنَّه كُتب في زمن الإمبراطور دوميتيان. وأدرج راعي هرماس أيضاً مع سفر الرُّؤيا، وصنَّفه على أنَّه «كتاب مُقدَّس».
وضع كتابات الإنجيليين والرُّسُل على قدم المُساواة مع «الناموس والأنبياء». استخدم غالباً صيغاً شخصية مثل «يوحنا يقول…» أو «بولس يُعلِّم…» للإشارة إلى نُصُوص العهد الجديد، بدلاً من صيغة «مكتوب» التي استخدمها أكثر للعهد القديم.
كان مبدؤه في تحديد القانون مُزدوجاً: رسولية الكتابات و شهادة التَّقليد الذي حافظت عليه الكنائس. وتُشِير كتاباته إلى أنَّه بحُلُول عام 180 ميلادي في جنوب فرنسا، كانت هُناك مجموعة واضحة المعالم من الكُتُب الرَّسولية تضم حوالي اثنين وعشرين كتاباً، اعتبرها مُساوية في الأهمية للعهد القديم. (يشمل هذا العدد الأناجيل الأربعة، رسائل بولس، أعمال الرُّسُل، بعض الرَّسائل الجامعة، وسفر الرُّؤيا وراعي هرماس). لكنَّ المصادر تُشِير إلى أنَّ القانون الرَّسولي لم يكن مُغلقاً بنفس الطَّريقة التي كان بها قانون الإنجيل بالنِّسبة له.
كان إيريناؤس على دراية بالعديد من الجماعات الغنوصية وتعاليمها، مثل الباسيليديين، والكربوقراطيين، والفالنتينيين (ومنهم الماركيونيين). ذكر أنَّ الباسيليديين أنكروا أنَّ يسوع تألَّم حقاً على الصليب. كما سجَّل أنَّ الماركيونيين استخدموا العديد من الكتابات الأبوكريفية.
هيبوليتوس الرُّوماني (Hippolytus of Rome)
كان هيبوليتوس أسقفاً على روما، وتوفي عام 235 ميلادي. كان كاتباً غزيراً، ويُمكن مُقارنته بأوريجانوس في تنوُّع اهتماماته وعدد كتاباته. وُلد حوالي عام 170 ميلادي، وكان تلميذاً لإيريناوس أسقف ليون. وخِلَال العُقُود الأولى مِن القرن الثَّالث الميلادي، أصبح شخصية ذات سُمعة كبيرة في الكنيسة الرُّومانية.
سمع أوريجانوس وهو يُلقِي عِظَة في روما حوالي عام 212 ميلادي. ودخل في صراع مع البابا كاليستوس (217–22) حول مسائل الانضباط الكنسي، وانفصل هو وبعض أتباعه عن الكنيسة. تمَّ انتخابه أسقفاً لروما من قبل دائرة صغيرة، ليصبح بذلك أوَّل «بابا مضاد». لكنَّه تصالح مع الكنيسة قبل وفاته، ومات شهيداً عام 235 ميلادي، ويُبجَّل كقدِّيس حتى يومنا هذا.
قام بأعماله الأدبية بشكل رئيسي بين عامي 200 و 235 ميلادي. كان آخر كاتب مسيحي في روما يستخدم اللُّغة اليونانية في أعماله الأدبية. كانت كتاباته تتجاوز الأربعين عملاً، شملت تفسير الكتاب المُقدَّس، والكتابات الجَدَلِيَّة والعقائدية، والقانون الكنسي، والعظات، والتَّأريخ.
فيما يتعلَّق بأسفار العهد الجديد، شارك هيبوليتوس في جدل مع مسيحي رومي يُدعى غايوس (Gaius) حول تأليف يوحنا لسفر الرُّؤيا. رداً على ذلك، كتب هيبوليتوس رسالة بعنوان «عن إنجيل يوحنا وسفر الرُّؤيا». يبدو أنَّه هاجم في هذا العمل جماعة «الألوجي» (Alogi) الذين أنكروا عقيدة اللُّوغوس.
على الرّغم من أنَّه لم يُقدِّم قائمة بأسفار العهد الجديد (إلَّا إذا كان «قانون موراتوري» ترجمة لاتينية من قلمه، وهو ما يعتقده البعض ولكن بروس ميتزجر يطرح حُججاً ضِدّ ذلك)، إلَّا أنَّ كتاباته تُعطي صُورة واضحة نسبياً عن الأسفار التي قُبلت في روما في عصره.
قبِل هيبوليتوس الأناجيل الأربعة كأسفار مُقدَّسة. واعترف بـ ثلاث عشرة رسالة لبولس، لكنَّه لم يقبل رسالة العبرانيين ضمن الأسفار المُقدَّسة. قبِل أيضاً سفر أعمال الرُّسُل وثلاث رسائل جامعة: 1 بطرس و 1 و 2 يوحنا. وقام بـ دفاع قوي ومُتحمِّس عن سفر رؤيا يوحنا.
مجموع الأسفار التي قَبِلَها كأسفار مُقدَّسة يبلغ اثنان وعشرون كتاباً.
على الرّغم مِن أنَّه لم يُصنِّف رسالة العبرانيين ضمن الأسفار المُقدَّسة، إلَّا أنَّه اقتبس منها بشكلٍ مُتكرِّر، خاصَّة في تفسيره لسفر دانيال. تفسير هيبوليتوس لسفر دانيال (حوالي 204 م) هو أقدم عمل تفسيري من قبل مسيحي أرثوذكسي على أي سفر كتابي وصلنا.
كان يُقدِّم نُصُوص العهد الجديد بعبارات مثل: «الرَّبُّ يقول»، «الرَّسول يقول».
عزا نفس السُّلطة لكتابات العهد القديم والعهد الجديد. عند الإشارة إلى شهادة «الكتاب المُقدَّس بأكمله»، كان يُعدِّد الأجزاء: الأنبياء، الرَّبّ، والرُّسُل. تعبير «الرُّسُل» يُشِير إلى أنَّ الرَّسائل شكَّلت مجموعة لديه مثل الأناجيل.
كان هيبوليتوس على دراية بالعديد من الكتابات المسيحية الأخرى من القرنين الأوَّل والثَّاني، واقتبس أحياناً من كُتُب مثل «راعي هرماس»، و «الدِّيداخي» (تعليم الرُّسُل)، و «رسالة برنابا»، و «رؤيا بطرس»، و «أعمال بطرس»، و «أعمال بولس». ومع ذلك، لم تكن هذه الكتابات الأخرى تتمتَّع بنفس السُّلطة لديه التي للأناجيل أو سفر الرُّؤيا.
هو أوَّل كاتب مسيحي يعكس معرفة برسالة 2 بطرس، ولكن ليس بصفتها «كتاباً مُقدَّساً». يبدو أنَّه عرف رسالتي يعقوب ويهوذا ولو بشكلٍ طفيف، فقد أشار مرَّة إلى الآية الافتتاحية لرسالة يعقوب مُستخدماً عبارة «كما يُثبت قول يهوذا (كذا) في رسالته الأولى إلى الأسباط الاثني عشر ‘المُنتشرين في العالم’».
أشار إلى أنَّ الخدمة العامَّة لله ستنطفئ، والتَّراتيل ستتوقَّف، وقراءة الكتاب المُقدَّس لن تُسمع في وصفه لنهاية العالم. هذا يُمثِّل شهادة لا واعية للمكانة التي أصبحت تحتلَّها القراءة العامَّة للكتابات الرَّسولية في أذهان المسيحيين.
اقتبس هيبوليتوس من جماعات غنوصية مثل الباسيليديين والكربوقراطيين. ذكر أيضاً حديث هيبوليتوس عن أعداد «لا حصر لها» من وحي أنبياء المونتانيين.
في النِّهاية، يُمثِّل هيبوليتوس شاهداً هامًّا على تطور قانون العهد الجديد في روما خلال الثُّلُث الأوَّل من القرن الثالث الميلادي.
تِرْتُلْيَانوس الإفريقي (Tertullian)
وُلد في قرطاجنة (شمال أفريقيا) بعد مُنتصف القرن الثاني الميلادي بقليل. كان من أبوين وثنيين. تلقَّى تعليماً جيِّداً في الأدب والقانون والبلاغة، وكان مُطَّلعاً تماماً على اللُّغة اليونانية. عمل مُحامياً في روما واكتسب شهرة. اهتدى إلى المسيحية حوالي عام 195 ميلادي. عاد إلى قرطاجنة وبدأ يُدافع بحماس عن إيمانه الجديد.
بعد بضع سنوات (حوالي عام 205 ميلادي أو 206 ميلادي)، انضمَّ إلى طائفة المونتانيين، ويرجع ذلك، كما يقول جيروم، إلى «حزنه وغضبه على حسد وتراخي رجال الدِّين في الكنيسة الرُّومانية». أصبح قائداً لهذه المجموعة في أفريقيا.
يُعتبر أوَّل رجل عبقري من الجنس اللاتيني يتبع يسوع المسيح ويُعيد صياغة أفكاره باللُّغة اللاتينية. كان أكثر آباء الكنيسة اللَّاتينيين غزارة في الكتابة في فترة ما قبل نيقية. تُظهِر كتاباته، التي تغطي مجموعة واسعة من الموضوعات، فردية مُميَّزة لمؤلِّفها. كتب بأسلوب حادٍّ ومُقتضب، وصاغ اللُّغة اللَّاتينية بحُرِّيَّة في أشكال جديدة تماماً، بعضها تبنَّاه اللَّاهوتيُّون اللَّاحقون وأصبح له مكان دائم في مُفردات العقيدة المسيحية.
استخدم مُصطلح «قاعدة الإيمان» بشكلٍ حاسمٍ. وكان يقصد بها الاعتقاد الأساسي المُشترك للكنيسة، الذي تلقَّته الكنائس شفوياً من الرُّسُل ونُقِلَ مِن جيلٍ إلى جيل كقانون المعمودية (ما نعرفه كقانون إيمان الرُّسُل). بالنِّسبة له، قاعدة الإيمان هي الاعتقاد القديم للمسيحيين، مُستمدَّة من الكُتُب المُقدَّسة، ومُوضَّحة بإيجاز في قانون المعمودية.
رفض بقُوَّة الأعمال الأدبية للهراطقة، تماماً كما فعل إيريناؤس.
استخدم مُصطلحي Instrumentum و Testamentum (المُستعارين من القانون الرُّوماني) للدَّلالة على الكُتُب المُقدَّسة، مُفضِّلاً المُصطلح الأوَّل. كان المُصطلح الأوَّل يُشير إلى عَقْد أو اتِّفاق مكتوب، والآخر إلى وصية أخيرة.
كان ذا أهمِّيَّة في مُكافحة القانون الذي وضعه ماركيون. يُعرف بشكلٍ شبه كامل من كتاباته، خاصَّة كُتُبه الخمسة ضِدّ ماركيون (Adversus Marcionem). هذه الكتابات هي مصدر استنتاج مُحتويات عمل ماركيون الرَّئيسي «التَّعارضات» (Antitheses) الذي لم يُحفظ.
لام ماركيون لعَدَم قبوله سفر أعمال الرُّسُل، وبالتَّالي حرمان نفسه من المعلومات عن مسيرة بولس الرَّسول. دافع عن رسائل بولس الرَّسول الواحدة تلو الأخرى ضِدّ ماركيون. عبَّر عن دهشته من رفض ماركيون لرسالتي تيموثاوس الأولى والثَّانية ورسالة تيطس، واقترح أنَّ هدفه كان تزوير عدد رسائل بولس.
لا يختلف العهد الجديد عند ترتليان بشكل ملحوظ عمَّا سبقه، لكنَّه أضاف صبغة قضائية لسلطته. سمَّى الأناجيل الأربعة Instrumentum evangelicum (الإنجيل الرُّباعي). وأصرَّ على أنَّ مؤلِّفيهم هُم إمَّا رُسُل أو رفقاء وتلاميذ رُسُل.
استشهد بسفر الأعمال والرَّسائل البولسية (بما في ذلك رسالة العبرانيين التي نسبها إلى برنابا، واصفاً إيَّاه بأنَّه «رجل مُعتَمَد مِن الله بما فيه الكفاية» وكان «مُقاماً بجوار بولس»).
اقتبس من رسالة يوحنا الأولى ومن رسالة بطرس الأولى (دون تحديدها صراحة). واحتجَّ برسالة يهوذا (الآية 14) كشهادة لسُلطة أخنوخ. وأشار إلى سفر رؤيا يوحنا بطُرُق تُثبِت أنَّه بالنِّسبة له، لا يوجد رؤيا أخرى غير تلك التي كتبها يوحنا الرَّسول.
استشهد بجميع كتابات العهد الجديد باستثناء رسالة بطرس الثانية، ورسالة يعقوب، ورسالتي يوحنا الثانية والثالثة. وقد يكون إغفال الأخيرتين بسبب إيجازهما وأهميتهما اللاهوتية القليلة، وليس بالضَّرورة لعدم معرفته بهما.
اعتبر كُتُب العهد القديم ممنوحة إلهياً، ونسب سُلطة مُساوية لسُلطة النَّاموس والأنبياء إلى الأناجيل الأربعة والرَّسائل الرَّسولية.
كانت «قاعدة الإيمان» المنقولة شفوياً والكُتُب المُقدَّسة المكتوبة يُحتَجّ بهما بشكلٍ مُتبادل، وأي كتابة لا تتوافق مع «قاعدة الإيمان» لا يُمكن قبولها ككتاب مُقدَّس.
ذكر تسالونيكي ضمن المدن التي وُجِّهت إليها الرَّسائل الرَّسولية وكانت لا تزال تُقرأ فيها من النُّسَخ الأصلية (autographs).
تغيَّر رأيه في «راعي هرماس» على مَرّ السِّنين. في كتاباته المُبكِّرة تحدَّث عنه بشكلٍ إيجابيٍّ. لكن خلال فترة انضمامه للمونتانيين، أعلن أنَّ الكتاب قد حُكم عليه بأنَّه زائفٌ وأبوكريفيٌّ من قبل كل مجمع (بمعنى جماعة أو تجمُّع الكنائس، وليس المجمع التقني لاحقاً) في العُصُور الأولى.
أورد، مُعبِّراً عن رضاه الواضح، أنَّ الكاهن (presbyter) الذي كتب كتاب «أعمال بولس» الأبوكريفي، على الرّغم مِن ادِّعائه حُسن النِّيَّة، قُدِّم للمُحاكمة وتمَّ إدانته بتزوير الحقائق وعُزل من منصبه الكهنوتي. عُرف عنه أنَّه صُدم بأنَّ تيكلا (شخصية في هذا العمل) تجرَّأت كمرأة على القيام بالمعمودية.
كان أسقفًا مُهمًا في قرطاج بشمال إفريقيا. وُلد بين عامي 200 و 210 ميلاديًا لعائلة ثرية ونبيلة. تلقَّى تعليمًا شاملاً وعمل مُدرِّسًا للبلاغة والخطابة في قرطاج. تحوَّل إلى المسيحية حوالي عام 246 ميلاديًا بعد شُعُوره بخيبة أمل تجاه العالم الوثني وتأثره بالقس كيسيليوس، الذي تبنَّى اسمه تكريمًا له بعد تعميده.
بعد تحوّله، باع ممتلكاته لصالح الفقراء ونذر نفسه للعِفَّة. كرس نفسه بشغف، في عُزلة نسكية، لدراسة الكُتُب المُقدَّسة ومُعلِّمي الكنيسة الأوائل، وخاصَّة ترتليان. على الرّغم من مُقاومته، رُفع إلى منصب الأسقف في قرطاج بعد عامَّين فقط من تعميده عن طريق هتاف الشَّعب، وبذلك أصبح رئيسًا لجميع رجال الدِّين في شمال إفريقيا.
أدار كبريانوس منصبه الأسقفي بنشاط وحكمة لمُدَّة عشر سنوات تقريبًا، حتى استشهاده في عام 258 ميلاديًا. خلال هذه السَّنوات، خصَّص وقتًا كبيرًا للكتابة. نجا منه خمسة وستون رسالة (بعضها طويل) واثنا عشر عملاً أدبيًا رسميًا تتناول مشاكل عملية في الكنيسة في ذلك الوقت.
في جميع كتاباته، كان مُلِمًا دائمًا بالاقتباسات المُناسبة من الكُتُب المُقدَّسة. يبدو أنَّه حفظ عن ظهر قلب تقريبًا جميع الكتابات المُقدَّسة التي كانت مُتداولة في قرطاج، وطريقة استخدامه لها تُشير إلى أنَّه درس معناها بعُمق.
وفقًا لإحصائيات جمعها فون سودن، يقتبس كبريانوس 886 نصًّا من أصل 7,966 نصّ في العهد الجديد، وهو ما يُمثِّل حوالي ثُمن العهد الجديد.
يشمل عهده الجديد، كما تمّ إعادة بنائه بناءً على هذه الاقتباسات، الأناجيل الأربعة، رسائل بولس، رسالة بطرس الأولى، رسالة يوحنا الأولى، وسفر الرُّؤيا، والتي استخدمها بحرية.
لا يقتبس رسائل فليمون، العبرانيين، يعقوب، بطرس الثانية، يوحنا الثانية والثالثة، ويهوذا.
مِن المُحتمل أنَّه عرف بوُجُود رسالة العبرانيين، حيث أنَّ ترتليان (الذي درس كتاباته) يتحدَّث عنها ويُنسبها إلى برنابا. لكن كبريانوس لم يعتبرها قانونية بوُضُوح.
من المُمكن جدًا أنَّه أغفل بعض الرَّسائل القصيرة مثل فليمون عن طريق الصُّدفة البحتة لأنَّها كانت قصيرة وقدمت القليل من الفرص للإشارة.
نادرًا ما يُقدِّم كبريانوس اقتباسًا كتابيًا دون استخدام صيغة تقديمية. الصِّيغة التَّقديمية الأكثر شُيُوعًا هي التَّعبير الذي استخدمه كُتَّاب العهد الجديد أنفسهم: «مكتوب». وسائل أخرى شائعة لتحديد النَّصّ على أنَّه كتابي هي وُجُود كلمة «الكتاب المُقدَّس» أو «الكتابات المُقدَّسة»، مع أو بدون صِفات مثل «سماوي»، «مُقدَّس»، «إلهي».
وفقًا لإحصائيات جمعها مايكل فاهاي: يقتبس كبريانوس 934 اقتباسًا كتابيًا (480 من العهد القديم، 454 من العهد الجديد). تمَّ استخدام هذه الاقتباسات 1,499 مرَّة (701 من العهد القديم، 798 من العهد الجديد) في سياقات مُختلفة.
يعكس كبريانوس بوُضُوح تفضيل الكنيسة المُبكِّرة لإنجيل متى، والذي يستخدمه أكثر مِن أيّ كتاب آخر في الكتاب المُقدَّس (178 مرة). تأتي بعده في الأهمية بين كُتُب العهد الجديد: يوحنا (117 مرة)، لوقا (84)، كورنثوس الأولى (80)، رومية (53)، والرؤيا (53).
كان كبريانوس يعتقد أنَّ عدد الأناجيل (أربعة، مثل أنهار الفردوس) وعدد رسائل بولس (كتب كلّ من بولس ويوحنا إلى سبع كنائس، مُتصورًا مُسبقًا في أغنية حنة) قد تم تحديدهما مُسبقًا عن طريق توافق صوفي. يبدو أنَّه، كما فعل إيرينيئوس من قبله، استمد نوعًا من الرِّضا مِن هذا التَّوافُق.
كُتُب ذات قانونية مؤقَّتة ومَحَلِّيَّة: أدب الأبوكريفا
كان هُناك العشرات من هذه الكتابات التي لم يتِمّ إدراجها بشكلٍ دائمٍ في قائمة الكُتُب الموثوقة التي اعترفت بها الكنيسة بأكملها ككُتُب مُقدَّسة. تُسمَّى هذه الكُتُب «أبوكريفا»، وهي كلمة يونانية تعني «مُخبَّأة بعيداً». كان للمُصطلح في الأصل معنى شريف (لأنَّها تحتوي على معارف غامضة أو باطنية)، ومعنى ازدرائي (لأنَّها زائفة أو هرطقية)، اعتماداً على مَن استخدم الكلمة. نُمُوّ هذا الأدب الأبوكريفي كان شهادة على الخيال لَدَى المؤمنين المسيحيين، سواء الأرثوذكس أو الهراطقة.
رُبَّما جاء التَّشجيع على كتابة هذه الأناجيل مِن عبارات مثل تِلْك الموجودة في نهاية إنجيل يوحنا التي تُشير إلى أنَّ يسوع فعل أشياء كثيرة أخرى لم تُكتب.
كان هُناك نوعان من الأناجيل الأبوكريفا: تِلْك التي كانت تهدف إلى تكملة الأناجيل الأربعة المقبولة، وتِلْك التي كانت تهدف إلى استبدالها.
كان أعضاء الكنيسة المُبكِّرة فُضُوليين بشكلٍ خاصٍّ بشأن فترتين في حياة يسوع لم تتناولهما الأناجيل القانونية بشكلٍ كافٍ: طُفُولته وصباه، والعَمَل الذي أنجزه بين موته وقيامته.
تشمل الأمثلة على هذه الأناجيل: إنجيل طُفُولة يعقوب، إنجيل طُفُولة توما، الإنجيل العربي للطُّفُولة، الإنجيل الأرمني للطُّفُولة، تاريخ يوسف النَّجَّار، إنجيل ميلاد مريم (الطُّفُولة). وإنجيل نيقوديموس (أو أعمال بيلاطس)، وإنجيل برثولماوس (زيارة الهاوية).
بشكلٍ عامٍّ، تُظهر هذه الأناجيل معرفة أقلّ بكثير بتضاريس وعادات فلسطين مُقارنةً بالأناجيل القانونية. التَّقوى الشَّعبية ابتهجت بسيلٍ مُستمِرٍّ مِن الكتابات الرُّومانسية والخيالية، والتي كانت قيمتها التَّاريخية ضئيلة في أحسن الأحوال.
أجزاء من إنجيل مجهول (ورقة إجرتون البردية 2)
Fragments of an Unknown Gospel (Egerton Papyrus 2)
اكتُشفت في عام 1935. تُؤرَّخ بناءً على عِلْم دراسة المخطوطات إلى مُنتصف القرن الثاني الميلادي، ورُبَّما كان تاريخ تأليف الإنجيل في وقتٍ لا يتجاوز 110-130 ميلادياً. تحتوي على نُصُوص تُشبه روايات من الأناجيل الإزائية، وصدى لإنجيل يوحنا، وقِصَّة مُعجزة أبوكريفا قام بها يسوع.
يُظهر النَّصّ اتِّصالاً بالتَّقاليد الموجودة في الأناجيل الإزائية الثَّلاثة. ويبدو أنَّ المؤلِّف لَم يستخدم الأناجيل الأربعة بشكلٍ مكتوب، بل استنسخ مادَّته مِن الذَّاكرة. ويعكس هذا الإنجيل حالة تشبه ما وصفه بابياس، حيث تتداخل التَّقاليد المكتوبة والشَّفهية، ولا يزال التُّراث الشَّفهي يحظى بتقديرٍ كبيرٍ.
إنجيل العبرانيين (The Gospel of the Hebrews)
إنجيل مسيحي يهودي استمرّ استخدامه حتى القرن الرَّابع الميلادي على الأقل. كانت النُّصُوص الكاملة للإنجيل تبلغ حوالي 2200 سطر، أي أقل بـ 300 سطر فقط من طول إنجيل متى القانوني.
يُؤرخ عادةً إلى حوالي منتصف القرن الثاني الميلادي. تُشير لُغته الأصلية السَّامية إلى أنَّه كُتب للمسيحيين اليهود المُتحدِّثين بالعبرية والآرامية في فلسطين وسوريا.
أبدى جيروم اهتماماً كبيراً بهذا الكتاب، ووجد نُسخة آرامية منه في قيصرية وقام بترجمتها إلى اليونانية واللَّاتينية (لكن هذه التَّراجم فُقدت). استخدمه كليمنت الإسكندري في الرُّبع الأخير من القرن الثاني الميلادي. يحفظ جيروم اقتباساً يتعلَّق بظُهُور المسيح ليعقوب بعد القيامة.
يحفظ كيرلُّس الأورشليمي اقتباساً من إنجيل العبرانيين يُنسب لـ «الهرطقة الإبيونية» حول نُزُول المسيح على الأرض من خلال «قُوَّة عظيمة» تُسمَّى ميخائيل، والتي جاءت إلى العالَم ودُعيت مريم.
تُظهر الاقتباسات المحفوظة (من كليمنت، أوريجانوس، جيروم، وكيرلُّس الأورشليمي) أنَّ إنجيل العبرانيين اختلف بشكلٍ كبيرٍ في المضمون والشَّخصية عن الأناجيل التي اعتُبرت في النِّهاية الأناجيل القانونية الوحيدة.
لهذا السَّبب، ولأنَّه كُتب بلُغة سامية، كان استخدامه محدوداً، بشكلٍ أساسيٍّ بين المسيحيين اليهود (الذين كان يُنظر إلى بعضهم على أنَّهم هراطقة)، وقد تجاوزته الكنيسة الكبرى في الفترة التي أُغلق فيها القانون.
إنجيل المصريين (The Gospel of the Egyptians)
يلي إنجيل العبرانيين في الأهمِّيَّة بين الأناجيل الأبوكريفا المذكورة. كُتب باليونانية بعد عام 150 ميلادياً. اعتُبر قانونياً في مصر. كان هدفه تعزيز عقائد الإنسانيين (Encratites) مثل رفض الزَّواج. لم يُحفظ منه سوى بضعة أجزاء، مُعظمها بواسطة كليمنت الإسكندري. تحتوي هذه الأجزاء على حِوار بين سالومي والرَّبّ يُشير إلى أنَّ الموت سيظل قائماً ما دامت النِّساء يلدن الأطفال.
إنجيل بطرس (The Gospel of Peter)
كان معروفاَ بوُجُوده قبل عام 1886م، ولكن لم يكن هُناك اقتباسات منه معروفة. يذكره أوريجانوس بشكلٍ عابرٍ. سجَّل يوسابيوس رأي الأسقف سيرابيون السَّلبي عنه بعد قراءته. اكتُشف جزء كبير مِن النَّصّ اليوناني في قبر راهب في أخميم بصعيد مصر في شتاء 1886-1887. يُرجَّح أنَّه كُتِبَ في سوريا حوالي مُنتصف القرن الثاني الميلادي (أو حتى قبل ذلك).
يُظهر معرفة بالأناجيل القانونية الأربعة ولكنَّه يبدو أنَّه أخذ منها مُلاحظة محدودة بشكلٍ عامٍّ. تحليلات نَصِّيَّة تُشير إلى توافقه مع النّوع النَّصِّيّ السُّرياني القديم في عددٍ كبيرٍ مِن الحالات.
يُشير بعض الباحثين إلى أنَّ سرد الآلام في هذا الإنجيل كُتب بشكلٍ شبه كاملٍ بناءً على إشارات كتابية في العهد القديم (خاصَّة إشعياء والمزامير)، ويقولون إنَّه نتاج المسيحية اليهودية. يتضمَّن وصفاً مُميَّزاً لمشهد القيامة يتحدَّث عن صوتٍ عظيمٍ في السَّماء وهي مفتوحة، ونُزُول رجلين، والحجر يتدحرج من تلقاء نفسه. على الرَّغم مِن أنَّه قد يُحافظ على شذرات من التَّقليد المُستقِلّ، إلَّا أنَّه أقلّ شأناً لاهوتياً وتاريخياً من الأناجيل القانونية الأربعة.
تمَّ العُثُور على أجزاء يونانية منه ونصّ كامل باللُّغة الإثيوبية. يختلف النَّصّ الإثيوبي عن الجزء اليوناني وقد يكون شكلًا مكثفًا أو مُعاد صياغته. يتضمَّن أوصافاً للسَّماء والجحيم، مع كون وصف العذاب في الجحيم أطول بكثير.
هي مجموعة مِن الكتابات المسيحية المُبكِّرة التي تُكمِّل رواية أعمال الرُّسُل القانونية التي تُركِّز على أنشطة عدد قليل من الرُّسُل. شعر مؤلِّفو القرنين الثاني وما بعده بالحاجة إلى تأليف كُتُب أخرى تحمل اسم «أعمال» لتغطية الأنشطة المزعومة للرُّسُل الآخرين، مثل أندراوس، توما، فيليب، برثولماوس، وتداوس، وبرنابا. بالإضافة إلى ذلك، حتى الرُّسُل الذين ذُكروا في أعمال الرُّسُل القانونية، مثل بولس ويوحنا وبطرس، وجدوا مؤلِّفين مُعجبين كتبوا عن أعمالهم الأخرى في أعمال أبوكريفا مثل أعمال بولس، وأعمال يوحنا، وأعمال بطرس.
هذه الكُتُب التي تحمل اسم «أعمال» تفتقر في الغالب إلى أيِّ أساسٍ تاريخيٍّ كبير. تُشبه هذه الكُتُب من بعض النَّواحي الرِّوايات اليونانية الرُّومانية لتلك الفترة. ومع ذلك، على عكس الرِّوايات التي تحتوي على فاحشة، فإنَّ الأعمال الأبوكريفا تحِلّ محَلّ الفاحشة بنزعة أخلاقية تهدف إلى تقديم تعليم في التَّقوى المسيحية. في حين أنَّ هذه الأعمال الأبوكريفا لا تُعَدّ مصادر تاريخية موثوقة للعصر الرَّسولي، إلَّا أنَّها وثائق مُهِمَّة في حَدِّ ذاتها. تكمن القيمة الدَّائمة لهذه الأدبيات في أنَّها تعكس مُعتقدات مؤلِّفيها وأذواق قُرَّائها الأوائل الذين وجدوا فيها الفائدة بالإضافة إلى التَّرفيه.
تدَّعي هذه الأعمال أنَّها روايات موثوقة عن أقوال وأفعال الرُّسُل، لكنَّها في الواقع تعرض، تحت أسماء الرُّسُل، مفاهيم مُعيَّنة (أرثوذكسية وهرطقية) للإيمان المسيحي كانت سائدة في القرنين الثَّاني وما بعده. لم يتردَّد المؤلِّفون في اختلاق قصص عجيبة لغرس هذه الأفكار.
هذا العمل هو مزيج مِن عِدَّة أجزاء. أحد الأجزاء المعروفة هو أعمال بولس وتكلا. في هذا الجزء، يوصف بولس بأنَّه «رجلٌ قصيرُ القامةِ، أصلع الرَّأس، مُتقوِّس السَّاقين، حَسَن المظهر، حاجباه مقرونان، وأنفه معقوف قليلاً، ومليء بالنِّعمة».
يحتوي العمل على خطاب ألقاه الرَّسول بولس يُذكر ببداية عظة الجبل في إنجيل متى. تظهر فيه أسماء دِيماس، وأُنسيفورُس، وهيرموجينِس، مما يُذكر بـ 2 تيموثاوس (1: 15-16 و 4: 10).
توجد أيضاً نقاط اتصال مع رسائل بولس الأخرى. على الرّغم مِن أنَّ أعمال بولس أسطورية بالكامل تقريباً، إلَّا أنَّ المؤلِّف كان لديه معرفة دقيقة جداً بـ أعمال لوقا وكان على دراية بكُتُب أخرى من العهد الجديد.
جُزء آخر من أعمال بولس المُركَّبة هو مُراسلات أبوكريفا بين الكورنثيين وبولس. تتكوَّن هذه المُراسلات مِن رَدٍّ قصيرٍ مِن رجال دين كورنثوس على الرِّسالة الثَّانية لبولس، و «الرِّسالة الثَّالثة لبولس إلى الكورنثيين».
في عام 1950، ظهرت «الرِّسالة الثَّالثة لبولس إلى الكورنثيين» في مخطوطة بردية يونانية تعود إلى القرن الثَّالث، حيث قُدِّمت الرِّسالة الأبوكريفا مُنفصلة عن سياقها في أعمال بولس. تتناول الرِّسالة مواضيع عقائدية مُهِمَّة مثل مكانة أنبياء العهد القديم، والخلق، والميلاد البتولي وتجسُّد المسيح، وقيامة الجسد.
في وقتٍ لاحقٍ، اعتُبرت رسالة 3 كورنثوس قانونية مِن قبل الكنيستين السُّريانية والأرمنية بعد ترجمتها إلى هاتين اللُّغتين. اقتبس منها أفرهاط (حوالي 340 ميلادي) وإفرايم (توفي 373 ميلادي) على أنَّها أسفار مُقدَّسة. أدرجتها الكنيسة الأرمنية في مُلحق طبعة زهراب للعهد الجديد الأرمني. في قائمة الكُتُب القانونية الموجودة في المخطوطة الكلارومونتية Codex Claromontanus، تمَّ تضمين أعمال بولس.
أعمال يوحنا (The Acts of John)
تُعَدّ أعمال يوحنا خالية من الأهمِّيَّة بالنِّسبة ليسوع التَّاريخي والرَّسول يوحنا. ومع ذلك، فهي قيمة لتتبُّع تطوُّر المسيحية الشَّعبية. على سبيل المثال، هي أقدم مصدر يُسجِّل الاحتفال بالإفخارستيا من أجل الموتى.
علاقة أعمال بطرس بأعمال يوحنا محلّ نِقاش كبير.
أعمال بطرس (The Acts of Peter)
أقْدَم دليل مُباشر على وُجُود أعمال بطرس هو مُلاحظة يوسابيوس حيث يرفض هذا العمل على أنَّه غير أصيل. علاقتها بأعمال يوحنا محلّ نِقَاش. حاول شميدت (Carl Schmidt) إثبات أنَّ مؤلِّف أعمال بطرس استخدم أعمال يوحنا، بينما جادل كوستر (Helmut Koester) للعلاقة العكسية.
بحُلُول القرن الرَّابع الميلادي، أصبحت المصادر التي تذكر أعمال بطرس وفيرة نسبياً. استخدمها كتاب المزامير المانوي (Manichaean Psalm-Book) الذي يعود للقرن الرَّابع (المحفوظ بترجمة قبطية). واستمرَّت أعمال بطرس في كونها قراءة مُفضَّلة بين أعضاء الكنيسة الكبرى لِعِدَّة أجيال.
يُعتبر هذا العَمَل أقل شأناً لاهوتياً وتاريخياً من الأناجيل القانونية الأربعة.
تمَّ العُثُور على أجزاء يونانية منها ونصّ كامل باللُّغة الإثيوبية. يحتوي على أوصاف للسَّماء والجحيم.
مجموعة من الرَّسائل التي لم يتِمّ تضمينها في العهد الجديد القانوني، ولكنَّها كانت مُتداولة في الكنيسة المُبكِّرة.
الرِّسالة الثالثة لبولس إلى الكورنثيين
The Third Epistle of Paul to the Corinthians
هذه الرسالة هي جُزء مِن أعمال بولس المُركَّبة الأبوكريفا. تتألَّف مِن رَدٍّ قصيرٍ مِن رجال دين كورنثوس على رسالة بولس الثانية، و «الرِّسالة الثَّالثة لبولس إلى الكورنثيين». ظهرت في مخطوطة بردية يونانية تعود إلى القرن الثالث، حيث قُدِّمت الرِّسالة الأبوكريفا مُنفصلة عن سياقها في أعمال بولس.
كُتبت باليونانية حوالي عام 170 ميلادي وقُدمت إلى اللغة السريانية خلال القرن الثالث. تتناول مواضيع عقائدية مُهِمَّة مثل مكانة أنبياء العهد القديم، والخلق، والميلاد البتولي وتجسد المسيح، وقيامة الجسد.
وفي وقتٍ لاحقٍ، اعتُبرت قانونية من قبل الكنيستين السُّريانية والأرمنية بعد ترجمتها إلى هاتين اللُّغتين. اقتبس منها أفرهاط (حوالي 340 ميلادي) وإفرايم (توفي 373 ميلادي) على أنَّها أسفار مُقدَّسة.
أدرجتها الكنيسة الأرمنية في ملحق طبعة زهراب للعهد الجديد الأرمني.
الرسالة إلى اللَّاودكيين (The Epistle to the Laodiceans)
تُذكر هذه الرِّسالة في كولوسي 4: 16، حيث يُطلب قراءة رسالة بولس إلى كولوسي في كنيسة اللَّاودكيين وقراءة «الرِّسالة من لاودكية». هذا المرجع أعطى دعوة لمؤلِّف غير معروف لتأليف نصّ رسالة لبولس إلى اللاودكيين.
يذكر القانون الموراتوري رسالة إلى اللَّاودكيين، مع رسالة أخرى إلى الإسكندريين، على أنَّها مُزوَّرة باسم بولس لتعزيز بدعة ماركيون. وتذكر القطعة أنَّها «لا يُمكِن قبولها في الكنيسة الجامعة».
تم تضمينها في بعض قوائم رسائل بولس. تم تضمينها في جميع الأناجيل الألمانية الثمانية عشر المطبوعة قبل ترجمة لوثر. تم تضمينها في أول إنجيل تشيكي. ذكرها يوحنا الساليسبري (حوالي 1165 ميلادي) باعتبارها الرسالة الخامسة عشرة لبولس، بعد الأربع عشرة المقبولة عادة.
The Correspondence Between Paul and Seneca
هذه المُراسلات هي مجموعة لاتينية أبوكريفا تتكوَّن من أربع عشرة رسالة: ثماني رسائل من الفيلسوف الرّواقي سينيكا وسِتّ رسائل مِن الرَّسول بولس. وصلتنا هذه المُراسلات في أكثر من ثلاثمائة مخطوطة. تتعلَّق الرَّسائل بتحوُّل الرَّسول بولس، وأسلوب رسائله، واضطهادات المسيحيين تحت حُكم نيرون، وترشيح سينيكا كمُبشِّر بالإنجيل في البلاط الإمبراطوري.
بناءً على هذه المراسلات، أدرج جيروم سينيكا في قائمته للقدِّيسين المسيحيين البارزين. ومع ذلك، فإنَّ الأسلوب العادي واللُّغة الباهتة للرَّسائل تُظهِر أنَّها لا يُمكِن أن تكون عملاً للفيلسوف سينيكا ولا للرَّسول بولس.
هي الكتابات التي ظهرت كمُنافسات لـ «رؤيا يوحنا» القانونية، حيث نُسبت إلى رُسُل آخرين وانتشرت في القرنين الثَّاني وما بعده.
رؤيا بطرس (The Apocalypse of Peter)
تُعتبر أهمّ كتاب أبوكريفي مِن فئة الرُّؤى. يعود تاريخها إلى حوالي 125-150 ميلادي. نسمع عنها لأوَّل مرة في القانون الموراتوري، حيث ترد بعد رؤيا يوحنا، مع تحذير بأنَّ «بعضاً من قومنا لا يرغبون في قراءتها في الكنيسة». قبلها كليمنت الإسكندري كعمل لبطرس وكتب تعليقات عليها. من ناحية أخرى، اعتبرها يوسابيوس غير قانونية. اعتبرها جيروم غير قانونية. ولكن كان لبعض المسيحيين الآخرين احترام كبير للكتاب.
وفقاً لشهادة سوزومين (باللاتينية: Sozomen)، مؤرِّخ الكنيسة من القرن الخامس، كان من المُعتاد في بعض كنائس فلسطين قراءتها كلّ عامٍ يوم الجمعة العظيمة.
تُدرج قائمة الكُتُب القانونية في المخطوطة الكلارومونتية رؤيا بطرس في نهايتها.
تمَّ العُثُور على أجزاء مِن العمل باللُّغة اليونانية في عامي 1886-1887 في قبر مسيحي في أخميم بصعيد مصر. ظهر النَّصّ الكامل باللُّغة الحبشية في عام 1910. هُناك أيضاً ورقة رِقّ صغيرة تحتوي على سِتَّة وعشرين سطراً قصيراً من النَّصّ اليوناني في مكتبة بودليان. هُناك ورقة مُزدوجة، يعتقد البعض أنَّها من نفس المخطوطة، في مجموعة راينر بفيينا. المُقارنة بين النَّصّ الحبشي واليوناني يُظهر أنَّ النَّصّ اليوناني هو شكل مُكثَّف ومُعاد صياغته إلى حَدٍّ ما مِن الكتاب.
تفتح رؤيا بطرس بسرد لكيفية سؤال بطرس والتَّلاميذ الآخرين ليسوع، بينما كانوا جالسين على جبل الزَّيتون، عن العلامات التي ستسبق مجيئه ونهاية العالم. يُجيب يسوع على أسئلتهم بلُغة مأخوذة، في مُعظمها، من الأناجيل الأربعة.
يصف جزء أخميم، الذي يبدأ فجأة في مُنتصف خطاب يسوع، في رؤى بهاء ونضارة الجنَّة والقدِّيسين الذين غادروا، ثمَّ مكان العقاب وعُقُوبات الخُطاة الأفراد. يُقدِّم النَّصّ الحبشي تسلسلاً مُختلفاً للأوصاف، حيث يتناول الجحيم أوَّلاً، ثُمَّ الجنَّة بالارتباط بقِصَّة تجلِّي يسوع. من المُهِمّ مُلاحظة أنَّه في كلا شكليّ الكتاب، فإنَّ وصف عذابات الملعونين أطول بكثير من وصف مسرَّات الجنَّة. والعقاب لمُختَلَف فئات الخُطاة يتناسب تقريباً مع طبيعة جرائمهم.
رؤيا بولس (The Apocalypse of Paul)
تمّ تداول أكثر من مُصنَّف واحد يحمل عُنوان «رؤيا بولس» في الكنيسة المُبكِّرة. بالإضافة إلى المُصنَّف القبطي بهذا العنوان الذي عُثر عليه في نجع حمادي، والذي يَصِف صُعُود بولس عبر السَّموات من الرَّابعة إلى العاشرة. يوجد مُصنَّف آخر أكثر انتشاراً من رؤيا بولس باللُّغة اليونانية، مع ترجمات سريانية، قبطية، حبشية، سلافية، ولاتينية.
الرُّؤيا الأكثر انتشاراً كُتبت على الأرجح في مصر حوالي عام 250 ميلادي. تتضمَّن تنقيح لاحق ومُقدِّمة تحكي عن اكتشاف رائع للعمل الأصلي. هذا العمل مُرتبط ارتباطاً وثيقاً بـ رؤيا بطرس، والتي توسعها بطول كبير.
أحد الملائكة، الذين يُبلِّغون الله عند شُرُوق وغُرُوب الشَّمس عن أعمال كلّ شخص، يقود الرسول بولس إلى الفردوس. بوابات الفردوس بها ألواح ذهبية منقوش عليها أسماء الصَّالحين. من السَّماء، يرى بولس المُحيط (الماء) المُحيط بالأرض وبحيرة أخيروسيا. وهي أكثر بياضاً من اللَّبن، حيث يُعمِّد رئيس الملائكة ميخائيل الخُطاة التَّائبين ليدخلوا مدينة المسيح. يصل إلى هذه المدينة برحلة في سفينة ذهبية، عبر بحيرة أخيروسيا. في المدينة، يرى أربعة أنهار: واحد من عسل، وواحد من لبن، وواحد من خمر، وواحد من زيت.
قائمتان مُبكِّرتان لكُتُب العهد الجديد
ظهرت قوائم بالكُتُب التي بدأت تُعتبر كُتُباً مسيحية ذات سُلطة بحُلُول نهاية القرن الثاني. في بعض الأحيان، كانت هذه القوائم تشمل فقط كتابات تنتمي لقسمٍ واحدٍ من العهد الجديد، كما يَتَّضِح من إشارة أوريجانوس إلى الأناجيل الأربعة كـ «الأناجيل الوحيدة التي لا جدال فيها» وإلى عِدَّة رسائل لبولس وبطرس ويوحنا.
من بين القوائم الأكثر شُمُولاً لكُتُب العهد الجديد، تُعَدّ قائمة القانون الموراتوري الأقدم. تلاها قائمة أخرى أكثر شُمُولاً بعد أكثر مِن قرن أعدَّها يوسابيوس القيصري.
أولاً: القانون الموراتوري (THE MURATORIAN CANON)
يُعتبر القانون الموراتوري مِن أهّم الوثائق المُتعلِّقة بالتَّاريخ المُبكِّر لقانون العهد الجديد. يتكوَّن من خمسة وثمانين سطراً مكتوبة بلغة لاتينية ركيكة وبتهجئة مُضطربة. سُمِّيَت الوثيقة نسبةً لمُكتشفها المؤرِّخ واللَّاهوتي الإيطالي لودوفيكو أنطونيو موراتوري، الذي نشرها في عام 1740.
المخطوطة التي تُحافظ على هذه القائمة تعود للقرن الثَّامن. تاريخ الوثيقة نفسها، بناءً على الأدِلَّة الدَّاخلية، يعود عُمُوماً إلى أواخر القرن الثاني الميلادي، على الرّغم مِن أنَّ بعض الحُجَج التي ترجع تاريخها إلى القرن الرابع تُعتبر غير حاسمة وغير مثبتة.
القانون الموراتوري ليس مُجرَّد قائمة بأسماء الكُتُب بالمعنى الضَّيِّق، بل هو نوع مِن المُقدِّمة (أو التَّعريف) للعهد الجديد. بدلاً من مُجرَّد سرد الكُتُب المقبولة من قِبَل الكنيسة كسُلطة، فإنَّ المؤلِّف يُناقِش هذه الكُتُب ويُضِيف إليها معلومات تاريخية وتأمُّلات لاهوتية. هذه التَّعليقات تسمح لنا باستخلاص نتائج حول فَهْم المؤلِّف للدَّوافع والمعايير التي تكمن خلف تشكيل قانون العهد الجديد.
نُلاحظ أنَّ القائمة تُصنِّف الكُتُب تحت أربع فئات:
الكُتُب المقبولة عالمياً: تشمل الأناجيل الأربعة، سفر أعمال الرُّسل، ثلاثة عشر رسالة لبولس، رسالة يهوذا، رسالتان (رُبَّما ثلاث) ليوحنا، سفر حكمة سليمان، ورؤيا يوحنا.
كتاب مُتنازع عليه: رؤيا بطرس، والتي يرفض البعض قراءتها في الكنيسة. يذكر القانون الموراتوري أنَّ البعض لا يرغبون في قراءتها في الكنيسة.
كتاب مرفوض، ولكن يجب قراءته بشكلٍ خاصٍّ: راعي هرماس. سبب رفض إدراجه في القانون هو أنَّه حديث جداً ولا ينتمي «بين الأنبياء… أو بين الرُّسُل».
كُتُب هرطقية مرفوضة تماماً: يذكر القانون العديد من الكتب الهرطقية الأخرى التي تُرفض بالكامل.
يُظهر القانون الموراتوري أيضاً استخداماً لـ الرَّمزية العَدَدِيَّة، حيث يُلاحظ أنَّ بولس، مثل يوحنا في سفر الرُّؤيا (الفُصُول 2-3)، كتب إلى سبع كنائس، وبالتَّالي إلى الكنيسة بأكملها. تُشير المصادر أيضاً إلى نقاشات عِلْمِيَّة حول ما إذا كان الأصل هو اللَّاتينية أو اليونانية وحول العدد الدَّقيق لرسائل يوحنا المذكورة.
ثانياً: تصنيف يوسابيوس لكُتُب العهد الجديد
كتاب: تاريخ الكنيسة، تأليف: يوسابيوس القيصري، يُتيح لنا الوُصُول إلى العديد من المصادر والتَّقاليد التي كانت ستضيع بخلاف ذلك. كان يوسابيوس، «أبو التَّاريخ الكنسي»، يمتلك مكتبة قيصرية التي أنشأها أوريجانوس.
في غياب أيّ قائمة رسمية للكتابات القانونية للعهد الجديد، وجد يوسابيوس أنَّ الأبسط هو حساب أصوات الشُّهُود الذين استشارهم، وبهذه الوسيلة صنَّف جميع الكتابات الرَّّسولية أو المنسوبة للرُّسُل إلى ثلاث فئات:
1. الكُتُب التي اتَّفقت جميع الكنائس وجميع المؤلِّفين الذين استشارهم يوسابيوس على حُجِّيَّتها وأصالتها. هذه الكُتُب هي اثنان وعشرون كتابًا. وهي «الرُّباعي المُقدَّس» من الأناجيل، كتاب أعمال الرُّسُل، رسائل بولس. ويوسابيوس لا يذكر رسائل بولس واحدة تلو الأخرى ولكنَّه يشملها ضِمْن هذا التَّصنيف، وعلى الأرجح شمل رسالة العبرانيين فيها. كما تشمل هذه الفئة رسالة بطرس الأولى ورسالة يوحنا الأولى. ويُضيف يوسابيوس أنَّه بالإضافة إلى هذه، «يجب وضع، إذا بدا ذلك مُناسبًا حقًّا، رؤيا يوحنا، والتي سنُقدِّم الآراء المُختلفة عنها في الوقت المُناسب». على الرّغم من الجملة الأخيرة، يختتم يوسابيوس هذه القائمة بالقول، «هذه تنتمي إلى الكُتُب المُعترف بها».
2. الكُتُب التي اتَّفَق الشُّهُود بالمثل على رفضها. هذه الكُتُب التي تندرج في فئة الكُتُب المرفوضة يُسمِّيها يوسابيوس «غير شرعية» أو «زائفة». وتشمل أعمال بولس، راعي هرماس، رؤيا بطرس، رسالة برنابا، ما يُسمَّى بتعاليم الرُّسُل (الدِّيداخي)، والإنجيل حسب العبرانيين.
3. فئة وسيطة كانت فيها الآراء مُنقسمة. يصف يوسابيوس هذه الكُتُب بأنَّها «كُتُب مُتنازع عليها، لكنَّها مألوفة لمُعظم النَّاس في الكنيسة». في هذه الفئة يذكر رسالة يعقوب، يهوذا، رسالة بطرس الثانية، وما يُسمَّى برسالة يوحنا الثانية والثالثة، سواء كانت تنتمي إلى الإنجيلي أم إلى شخصٍ آخر بنفس الاسم. يُضيف يوسابيوس بشكلٍ غير مُتَّسِق، رؤيا يوحنا إلى هذه الفئة أيضًا، «إذا بدا ذلك مُناسبًا، والتي يرفضها البعض، كما قلت، بينما يعتبرها آخرون من بين الكُتُب المُعترف بها».
كما يُضيف يوسابيوس أنَّه من بين الكُتُب الزَّائفة، «بعضهم عد الإنجيل حسب العبرانيين». في هذه المرحلة، يزيد يوسابيوس من الارتباك بتجميع الكُتُب المُتنازع عليها والزَّائفة معًا، وتسميتها جميعًا «مُتنازع عليها».
هذا التَّفسير يُساعدنا على فهم كيف يُمكن ليوسابيوس أن يضع سفر الرُّؤيا بشكلٍ مشروطٍ في فئتين مُختلفتين. كـمؤرِّخ، يُدرك يوسابيوس أنَّه مقبول على نطاقٍ واسعٍ، ولكن كـكَنَسيّ، أصبح مُنزعجًا من الاستخدام المُبالغ فيه لهذا الكتاب مِن قبل المونتانيين وغيرهم من الألفيين. وهكذا يسعد بالإبلاغ في مكان آخر في تاريخه أنَّ آخرين يعتبرونه غير أصلي.
من المثير للاهتمام مُلاحظة أنَّ يوسابيوس لم يذكر رسالة العبرانيين في قائمته الرَّئيسية للأسفار المقبولة. التَّفسير الأبسط هو أنَّه أدرجها كقانونية بين رسائل بولس، والتي لم يُحدِّدها واحدة تلو الأخرى. صحيح أنَّ نسبتها إلى بولس كانت موضع نزاع، ويُبلِّغ يوسابيوس في مكانٍ آخر عن نظريات مُختلفة اقتُرِحَت لتفسير اختلاف أسلوبها الأدبي عن رسائل بولس. ومع ذلك، بما أنَّ يوسابيوس هُنا ببساطة يذكر، بطريقة منهجية إلى حدٍّ ما، الكُتُب التي تندرج في كلِّ فئة، ولا يُناقش طبيعة وأصل تلك الأعمال، فقد كان بإمكانه، بكل إنصاف، إدراجها بين رسائل بولس، حيث كان يعتقد هي تنتمي.
بشكلٍ عامٍّ، تصنيف يوسابيوس مُهِمّ لأنَّه يُقدِّم لمحة عن حالة قانون العهد الجديد في أوائل القرن الرَّابع الميلادي، قبل أن يتِمّ التَّوصُّل إلى اتِّفاق عالمي حول الكُتُب السَّبعة والعشرين.
مُحاولات إغلاق القانون في الشَّرق
الجُزء الأوَّل: مِن كيرلُّس الأورشليمي إلى مجمع ترولان (Trullan Synod)
الكنيسة الشرقية، كما ذكر يوسابيوس حوالي عام 325 ميلادي، كانت في شكٍّ كبيرٍ بخُصُوص سُلطة مُعظم الرَّسائل الجامعة وسفر الرُّؤيا. تمَّ اتِّخاذ خُطُوات لاحقاً في ذلك القرن لتجاوز هذا الوضع غير المرضي. يُمكن رؤية هذه الخُطُوات في قوائم الكُتُب المُقدَّسة التي وضعها شخصيَّات كَنَسِيَّة مُختلفة مثل كيرلُّس الأورشليمي، أثناسيوس الإسكندري، غريغوريوس النزينزي، أمفيلوخيوس الأيقوني، ديديموس الضَّرير، وإبيفانيوس السَّلاميسي. هذه القوائم كانت أحكاماً مُتعمَّدة لتحديد حُدُود القانون، على عكس الإشارات العرضية في الأجيال السَّابقة.
كيرلُّس الأورشليمي (حوالي 315-386م)
في عظاته التَّعليمية (حوالي 350م)، والتي كانت تحضيراً للموعوظين قبل المعمودية، ذكر كيرلُّس قائمة بكُتُب العهد الجديد.
يُعلن أنَّ العهد الجديد يحتوي على أربعة أناجيل فقط، ويُحذِّر مِن الأناجيل الأخرى المُزوَّرة والضَّارة (مثل إنجيل توما الذي استخدمه المانويين). أعمال الرُّسُل الاثني عشر. الرَّسائل الجامعة السَّبع ليعقوب وبطرس ويوحنا ويهوذا. الرسائل البولسية الأربع عشرة «كختم عليها جميعاً، وأحدث عمل للتَّلاميذ».
ينُصّ بوُضُوح على أنَّ سفر الرُّؤيا ليس مشمولاً كأحد كُتُب العهد الجديد.
ينصح بعدم قراءة أيّ كُتُب أخرى غير التي تُقرأ في الكنائس.
عقد هذا المجمع في فريجيا بآسيا الصغرى. ناقش القانون واتَّخذ إجراءً بشأنه، رغم أنَّ قراره الدَّقيق غير معروف بالكامل.
نصَّ على أنَّه «لا يجب قراءة أيّ مزامير خاصَّة أو أيّ كُتُب غير قانونية (ἀκανόνιστα βιβλία) في الكنيسة، بل فقط الكُتُب القانونية (τὰ κανονικὰ) مِن العهد الجديد والقديم».
في المخطوطات اللَّاحقة، تتبع هذا المرسوم قائمة تشمل كُتُب العهد الجديد القانونية الحالية باستثناء سفر الرُّؤيا. يعتبر مُعظم الباحثين أنَّ هذه القوائم أضيفت إلى تقرير المجمع في وقتٍ لاحقٍ بعد عام 363.
كان المرسوم بمثابة اعتراف بوُجُود كُتُب مُعيَّنة مُعترف بها بالفعل ومُناسبة للقراءة العامَّة في الكنائس، وهي الكُتُب المعروفة بـ «القانونية».
رسالته الفصحية التَّاسعة والثَّلاثون (367م) تمثل المرَّة الأولى التي يتِمّ فيها الإعلان عن نِطَاق قانون العهد الجديد ليكون بالضَّبط الكُتُب السَّبع والعشرين المقبولة حالياً كقانونية. يصف هذه الكُتُب بأنَّها «مصادر الخلاص» ويقول أنَّه لا يجب إضافة شيء إليها أو أخذ شيء منها.
غريغوريوس النزينزي (توفي 389م)
وضع قائمة بكُتُب العهد الجديد في شكلٍ شعريٍ. يتَّفِق مع أثناسيوس بخُصُوص العهد القديم، لكنَّه يختلف في وضع الرَّسائل الجامعة بعد الرَّسائل البولسية. يحذف سفر الرُّؤيا من القائمة. يُعلن أنَّه إذا كان هُناك شيء خارج هذه القائمة، فهو ليس مِن الكُتُب الأصلية. كان يعرف بوُجُود سفر الرُّؤيا ولكنَّه استبعده.
أمفيلوخيوس الأيقوني (توفي بعد 394م)
قائمته هي أيضاً في شكل شعري. يذكر بعض النِّقاشات والشُّكُوك السَّابقة بخُصُوص الرِّسالة إلى العبرانيين والرَّسائل الجامعة وسفر الرُّؤيا. يبدو أنَّه يرفض رسالتي بطرس الثانية ويوحنا الثانية والثالثة، ويهوذا. يكاد يكون من المؤكَّد أنَّه يرفض سفر الرُّؤيا.
يختتم بعبارة تُشير إلى أنَّ هذه القائمة «رُبَّما تكون القانون الأكثر موثوقية» للأسفار الموحى بها إلهياً، ممَّا يدُلّ على عَدَم اليقين.
ديديموس الضَّرير (توفي حوالي 398م)
كان رئيساً لمدرسة الإسكندرية اللاهوتية. في تعليقاته المُكتشفة حديثاً، يُشير إلى جميع كُتُب العهد الجديد باستثناء فليمون ويوحنا الثانية والثالثة. إشارته إلى يوحنا الأولى على أنَّها «رسالة يوحنا» وليست «رسالة يوحنا الأولى» توحي بأنَّه لم يقبل رسالتي يوحنا الثانية والثالثة كقانونيتين.
استشهد أحياناً بكتابات بعض الآباء الرَّسوليين (مثل الرَّاعي لهرماس، رسالة برنابا، إغناطيوس، الدِّيداخي، وكليمنت الرُّوماني الأولى) على أنَّها ذات سُلطة، ممَّا يُشير إلى استمرار السُّيُولة في القانون في الإسكندرية في النِّصف الثاني من القرن الرَّابع.
أسقف سلاميس بقبرص. في كتابه «باناريون» (374-377م)، يذكر سفر الرُّؤيا كجزء من الكُتُب المُقدَّسة، مُتَّفقاً في ذلك مع أثناسيوس. يشمل أيضاً حكمة سليمان وحكمة يشوع بن سيراخ ضمن الكُتُب الإلهية.
يوحنا الذهبي الفم (حوالي 347-407م)
ينتمي إلى مدرسة أنطاكية. يبدو أنَّ قانونه هو نفسه قانون ترجمة البشيطا السُّريانية. رغم كثرة اقتباساته من العهد الجديد، لا توجد لديه اقتباسات من بطرس الثانية، يوحنا الثانية والثالثة، يهوذا، أو سفر الرُّؤيا. مُلخَّص الكُتُب المُقدَّسة المنسوبة إليه يذكر 14 رسالة لبولس، 4 أناجيل، أعمال الرُّسُل، و3 رسائل جامعة.
مُمثِّل لمدرسة أنطاكية. اتُّهِم بأنَّه رفض رسالة يعقوب والرَّسائل الجامعة الأخرى التي تلتها (رُبَّما قصد أنَّه قبل فقط بطرس الأولى ويوحنا الأولى، أو أنَّه لم يقبل أياً مِن الرَّسائل الجامعة على الإطلاق، ممَّا يتوافق مع القانون السُّرياني قبل البشيطا). يؤيِّد إيشوعداد المروزي الرَّأي الأخير.(<![if !supportFootnotes]>[1]<![endif]>)
ثيودوريت (حوالي 393-حوالي 466م)
أسقف قورش. استبدل دياتسَّرون تاتيان بالأناجيل الأربعة المُنفصلة. يبدو أنَّ قانونه كان مُتَّفِقاً مع يوحنا ذهبي الفم، أي أنَّه لم يستخدم الرَّسائل الجامعة الصُّغرى أو سفر الرُّؤيا.
كان هذا المجمع لمطارنة الكنائس الشَّرقية. حدَّد سلسلة من السُّلُطات التي ينبغي أن تكون قانوناً في الكنيسة. صادق بشكلٍ ضمني على آراء مُتضاربة وغير مُتوافقة بشأن قائمة الكُتُب المُقدَّسة، من خلال إدراج قوائم من مصادر مُختلفة (مثل أثناسيوس، مجمع لاودكية، القوانين الرَّسولية).
اعترف أثناسيوس ومجمع قرطاج برسائل بطرس الثانية والثالثة ويوحنا الثانية والثالثة ويهوذا وسفر الرُّؤيا، بينما حذفتها قائمة لاودكية والقانون الرسولي 85. القانون الرسولي 85 شمل أيضاً رسالتي كليمنت الروماني، اللَّتين لم تتلقَّاهما السُّلُطات الأخرى.
هذا الوضع الاستثنائي لا يُمكن تفسيره إلَّا بافتراض أنَّ أعضاء المجمع لم يقرأوا النُّصُوص التي صادقوا عليها.
تاريخ الكتاب المُقدَّس اللَّاحق في الشَّرق استمرَّ في إظهار عَدَم اليقين والتَّردُّد.
تُشِير إحصائيات المخطوطات اليونانية المُتبقِّية إلى أنَّ الأناجيل هي الأكثر تمثيلاً (2328 نسخة)، بينما سفر الرُّؤيا أقل (287 نسخة). لم يتِمّ تضمين سفر الرُّؤيا أبداً في الكُتُب الطَّقسية الرَّسمية للكنيسة اليونانية، ممَّا يُشير إلى مكانته الأدنى في الشَّرق.
الجُزء الثَّاني: القانون في الكنائس الشَّرقية القومية
يتناول هذا الجزء أوضاع القانون في كنائس مُختلفة غير الكنيسة اليونانية الرَّئيسية، مثل الكنائس السُّريانية، الأرمنية، الجورجية، القبطية، والإثيوبية.
أقدم قانون في الكنائس السُّريانية الشَّرقية (الرها) كان يتكوَّن مِن «الإنجيل» (دياتسَّرون تاتيان)، رسائل بولس، وسفر أعمال الرُّسُل. كانت الرَّسائل الجامعة وسفر الرُّؤيا مفقودة في هذا القانون المُبكِّر. هذا يعتمد على «تعليم أداي» (حوالي 400م).(<![if !supportFootnotes]>[2]<![endif]>)
ظلَّ دياتسَّرون تاتيان مُستخدماً على نطاقٍ واسعٍ، لكن واجه ردّ فعل بسبب هرطقة تاتيان. شجَّع الأسقف ربولا الرهاوي (توفي 436م) على استخدام الأناجيل الأربعة «المُنفصلة».(<![if !supportFootnotes]>[3]<![endif]>)
بالنِّسبة للرَّسائل البولسية، لم تتلقَّ الكنيسة السُّريانية القومية رسالة فليمون في القرنين الثالث والرابع.
قبلت الكنيسة السُّريانية الرِّسالة الأبوكريفية «رسالة بولس الثالثة إلى أهل كورنثوس»، واستشهد بها بعض الآباء مثل أفرهاط (حوالي 340م) وأفرام (توفي 373م) على أنَّها كتاب مُقدَّس.
نُسخة البشيطا (بداية القرن الخامس) تُمثِّل تسوية. رفضت رسالة كورنثوس الثالثة. شملت 14 رسالة بولسية (بما في ذلك العبرانيين بعد فليمون) والرسائل الجامعة الثلاث الأطول (يعقوب، بطرس الأولى، يوحنا الأولى). الرَّسائل الجامعة الأربع الأقصر (بطرس الثانية، يوحنا الثانية والثالثة، يهوذا) وسفر الرؤيا غائبة عن نسخة البشيطا. بالنِّسبة لجُزء كبير من الكنيسة السُّريانية (النسطورية بعد مجمع أفسس 431)، هذا القانون المُكوَّن من 22 كتاباً هو القانون المُغلق.
الكنيسة السُّريانية الغربية (اليعاقبة) كانت لها روابط أقرب بالكنائس اليونانية. قام فيلوكسينوس (508م) بتكليف بمُراجعة نُسخة البشيطا (النُّسخة الفيلوكسينية) التي شملت الرَّسائل الجامعة الأربع الصُّغرى وسفر الرُّؤيا. ومع ذلك، كانت الكنيسة السُّريانية الغربية بطيئة في استخدام هذه الأجزاء، وظلَّ النَّساطرة يقبلون فقط كُتُب البشيطا الـ 22.
قوائم أخرى أظهرت اختلافات، بما في ذلك قائمتان (القرن التاسع والعاشر، سريانية وعربية) تفتقران إلى جميع الرَّسائل الجامعة السَّبع وسفر الرُّؤيا. قائمة عربية تُسمِّي الإنجيل «رُبَاعِيّ الأجزاء» وتذكر «رسائل التَّلاميذ وكتابات واحد منهم للآخرين» و «كتاب بولس الرسول». القائمة السُّريانية تتضمَّن حسابات «ستيخوي» (عدد الأسطر) ولديها ترتيب بولسي غريب (غلاطية، 1 و 2 كورنثوس، رومية، عبرانيين، كولوسي، أفسس، فيلبي، فيلبي مرة أخرى، 1 و 2 تسالونيكي، 2 تيموثاوس، تيطس، فليمون)، وتحذف 1 تيموثاوس.
نقش نسطوري في الصِّين (781م) يذكر 27 كتاباً مُقدَّساً، ممَّا قد يُشير إلى معرفة غير مُباشرة بالقانون الأوسع في مناطق أخرى.
مخطوط سُرياني هركلي (1170م) يحتوي على رسالتي كليمنت الرُّوماني الأولى والثانية ضمن المخطوط، بين يهوذا ورومية، ومُرقَّمتين بشكلٍ متسلسلٍ مع الكُتُب السَّابقة، ممَّا يدُلُّ على أنَّ الكاتب اعتبرهما قانونيتين. سفر الرُّؤيا مفقود في هذا المخطوط.
تبنَّت المسيحية كديانة رسمية مُبكِّراً. تُرجِم دياتسَّرون تاتيان من السُّريانية إلى الأرمنية. يُعتقد أنَّ الأناجيل الرَّسمية كانت مبنية على نُصُوص سُريانية قديمة للأناجيل المُنفصلة.
تلقَّت الرسالة الأبوكريفية «رسالة بولس الثالثة إلى أهل كورنثوس» من الكتاب المُقدَّس السُّرياني، وما زالت موجودة كمُلحق في طبعة 1805 من الكتاب المُقدَّس الأرمني.
كانت لديهم ترجمة لسفر الرُّؤيا بحُلُول القرن الخامس، ولكن كجُزء من أعمال يوحنا الأبوكريفية، وليس كجزء من العهد الجديد. فقط في أواخر القرن الثاني عشر، تمَّ إعداد ترجمة جديدة لسفر الرُّؤيا، وقبله مجمع في القسطنطينية ككتاب مُقدَّس في العهد الجديد.
مخيتار من أيريفانك (حوالي 1290م) أدرج قائمة بكُتُب أبوكريفية كان يعتقد أنَّه يجب ضمَّها إلى القانون، مثل نصائح والدة الإله للرُّسُل ورسالة برنابا.(<![if !supportFootnotes]>[4]<![endif]>)
يذكر أنَّ سفر الرُّؤيا، «بالمعنى الدَّقيق للكلمة، لم يُصبِح قطّ قانونياً بين الجورجيين».
تأثَّرت بالكنيسة اليونانية والإثيوبية.
صدرت رسالة أثناسيوس الفصحية 39 (367م) باللغة القبطية، وكانت قائمة الـ 27 كتاباً هي نفسها.
مع ذلك، فإنَّ التَّرجمة القبطية لمجموعة قوانين الرُّسُل 85 تسرد الكُتُب بترتيب مُختلف وتضيف رسالتي كليمنت الرُّوماني. العبارة الغامضة بعد اسم كليمنت في النَّصّ القبطي قد تعني أنَّها يُمكن قراءتها خارج القانون، أو قراءتها بصوت عالٍ.
بعض النُّسخ العربية (رُبَّما من مصر) للقانون الرَّسولي 85 تختلف؛ بعضها يحذف رسالتي كليمنت، والبعض الآخر يضُمّ «رسالتي كليمنت في كتاب واحد» بعد سفر الرُّؤيا.
يعتبر عدد الكُتُب القانونية عادة 81، ويتِمّ الوُصُول إلى هذا العدد بطُرُق مُختلفة.
المخطوطات الكتابية لا تحتوي إلَّا على جزء مِن العهد الجديد.
تُوجد قضايا تتعلَّق بتداخل المواد والخلط في تحديد الكُتُب التي تُكمِّل الكُتُب الـ 27 المألوفة.
تتضمن قوائم الكُتُب المُقدَّسة الإثيوبية بعض الكتابات الإضافية في قسم العهد الجديد، مثل:
سينودوس (Sinodos): كتاب نظام كنسي ينسب إلى كليمنت الرُّوماني.(<![if !supportFootnotes]>[5]<![endif]>)
كليمنت (Qälēmenṭos): كتاب من سبعة أجزاء.(<![if !supportFootnotes]>[6]<![endif]>)
كتاب العهد (Mäṣḥafä kidan): جُزءان، يتضمَّن مواد نظام كنسي وخطاباً للسيد بعد القيامة.
الدسقولية الإثيوبية (Didesqelya): كتاب نظام كنسي في 43 فصلاً.
«القانون الأوسع» بناءً على التَّعليق الأمهرية يشمل 35 كتاباً للعهد الجديد (بالإضافة إلى 46 للعهد القديم). «القانون الأضيق» يشمل 27 كتاباً للعهد الجديد (بالإضافة إلى 54 للعهد القديم).
مُحاولات إغلاق القانون في الكنيسة الغربية
الجزء الأول: من دقلديانوس إلى نهاية العُصُور القديمة
يتناول هذا الجُزء الفترة التي بدأت فيها الكنيسة الغربية، مُتأثِّرة بظُرُوف خارجية وداخلية، في تحديد حُدُود واضحة لقائمة أسفار العهد الجديد.
اضطهاد دقلديانوس وتأثيره (303م)
أعطى اضطهاد الإمبراطور دقلديانوس دافعاً جديداً لترسيم حُدُود الكُتُب المُقدَّسة. تضمَّن مرسومه الأوَّل هدم جميع مباني الكنائس وتدمير الكُتُب المُقدَّسة بالنَّار. استُخدمت عبارة «كتابات القانون» (scripturae legis) رسمياً لوصف الكُتُب التي يجب تسليمها، ممَّا يُشير إلى وُجُود مجموعة مُحدَّدة إلى حدٍّ ما. إجبار المسيحيين على تسليم كُتُبهم المُقدَّسة جعل تحديد الكُتُب التي كانوا مُستعدِّين للمُعاناة من أجل التَّمسُّك بها أمراً ضرورياً.
أتاحت حقيقة أنَّ بعض الكتابات التي كانت تُقرأ هُنا وهُناك في الكنيسة لم تكن لها نفس مكانة الجُزء الأكبر من المجموعة الفرصة لبعض المسيحيين لتسليم كُتُب مُعيَّنة للمسؤولين الرُّومان، مما بدا أنَّه يُلبِّي مطالبهم. تطوَّرت المُعارضة العنيفة من قِبَل الحزب المُتشدِّد ضِدّ مَن اعتبروهم «الخونة» إلى الجدل الدُّوناتي الطَّويل.(<![if !supportFootnotes]>[7]<![endif]>)
نتيجةً للاضطهاد، بدأنا نرى قوائم بالكُتُب المُقدَّسة تظهر بشكلٍ أكثر تكراراً.
تذكر المصادر قائمة لاتينية (قانون تشلتنهام، حوالي 360 م) يُعتقد أنَّها نشأت في شمال أفريقيا بعد مُنتصف القرن الرَّابع بوقتٍ قصير. تشهد هذه القائمة على تضارب الآراء، حيث كان البعض يتَّجِه نحو قانون أوسع ممَّا كان عليه في القرن السَّابق، بينما رفضت العُقُول الأكثر تحفُّظاً ذلك. تشمل هذه القائمة كُتُباً وتُدرِج عدد سُطُورها (stichoi)، بمُعدَّل ستة عشر مقطعاً صوتياً في السَّطر.
تُظهِر القائمة اختلافاً في الرَّأي بشأن رسائل يوحنا وبطرس؛ في حين أنَّها تُدرِج «ثلاث رسائل ليوحنا» و «رسالتي بطرس»، يُضِيف المؤلِّف عبارة «واحدة فقط» (one only) بعد كلّ منهما، ممَّا يُشير إلى اعتقاده بأنَّ الرِّسالة الأولى من يوحنا والرِّسالة الأولى من بطرس فقط هي الكتاب المُقدَّس. ويرجع سبب إدراج العدد الأكبر إلى أنَّ عدد السُّطُور (stichoi) جمع الرَّسائل معاً كوحدة.
تُسقط هذه القائمة رسالتي العبرانيين ويهوذا ويعقوب.
تُذكر قائمة لاتينية أخرى في المُلحق، موجودة في المخطوطة الكلارومونتية D (codex Claromontanus) من القرن السَّادس. يعتقد بعض العُلماء (مثل زان وهارناك) أنَّها كُتبت أصلاً باليونانية في الإسكندرية أو بالقرب منها حوالي 300 م، وتُظهر تأثيراً شرقياً في الغرب. تشمل هذه القائمة الأناجيل الأربعة، 13 رسالة لبولس، 5 رسائل كاثوليكية (1 بطرس، 1 يوحنا، يعقوب، يهوذا، 2 بطرس)، أعمال الرسل، ورؤيا يوحنا، بالإضافة إلى كتابات أخرى مثل رسالة برنابا، راعي هرماس، أعمال بولس، ورؤيا بطرس.
آباء الكنيسة الغربية البارزون وآراؤهم
هيلاري أسقف بواتييه (توفي 368)
يُعتبر رابطاً بين الشَّرق والغرب. في مُقدِّمة تفسيره للمزامير، يُقدِّم قائمة بكُتُب العهد القديم (مأخوذة من أوريجانوس) لكنَّه لا يُقدِّم قائمة مُماثلة للعهد الجديد. ينسب رسالة العبرانيين لبولس ويستشهد بها ككتاب مُقدَّس، وهو أوَّل مَن فعل ذلك في الغرب. وهو أيضاً أوَّل كاتب في الغرب يستشهد برسالة يعقوب ككتاب مُقدَّس.
لوقايفيروس من كالاريس (توفي 370 أو 371)
يستشهد بمُعظم كُتُب العهد الجديد، بما في ذلك رسالة العبرانيين. يستشهد بنَصّ رسالة يهوذا بأكملها تقريباً، باستثناء المقاطع المأخوذة من سفر صُعُود موسى وسفر أخنوخ.
فيلاستر أسقف بريشيا (توفي حوالي 397 م)
ألَّف بين 385 و 391م كتاباً في الهرطقات. في أحد فُصُوله (88)، يذكر الأناجيل ورسائل بولس الثَّلاث عشرة والرَّسائل الكاثوليكية السَّبع كـ «كتابات» العهد الجديد الموثوقة. يتجاوز رسالة العبرانيين وحتى الرُّؤيا في هذه القائمة، ولكنَّه في مواضع أخرى يتعرَّف على العبرانيين على أنَّها من تأليف بولس والرُّؤيا كرسولية. وهو فريد في رأيه بأنَّ الكُتُب الأبوكريفا (مثل أعمال أندراوس ويوحنا وبطرس وبولس) «يجب أن يقرأها الكاملون من أجل التَّثقيف الأخلاقي»، على الرّغم مِن عَدَم قراءتها من قبل جميع المؤمنين بسبب إضافات الهراطقة إليها.
تيرانيوس روفينوس (حوالي 345 – حوالي 410)
مُترجم أعمال يونانية إلى اللَّاتينية. يدرج قائمة بالكُتُب التي تُقرأ في الكنائس وفقاً لتقليد الآباء (مأخوذة من أوريجانوس)، ويُسمِّيها كُتُباً «كَنَسِيَّة». يُميِّزها عن كُتُب أخرى ليست قانونية ولكن يُمكن قراءتها على انفراد. يذكر 1 و 2 بطرس، يعقوب، يهوذا، و 1، 2، 3 يوحنا. يدرج العبرانيين كرسالة بولس الرَّابعة عشرة، مع الاعتراف بأنَّ آخرين يُشكِّكون في نسبتها لبولس. يُظهر تفضيلاً خاصاً لـ «راعي هرماس»، مُشيراً إلى قراءته علناً في بعض الكنائس اليونانية واقتباسه من قبل كُتَّاب قدامى كسُلطة، ولكنَّه كان شبه مجهول في الغرب.
كان له تأثير كبير في الكنيسة الأفريقية. في كتابه: الإيمان المسيحي (396-7، مكتمل 426)، يُقدِّم قائمة العهد الجديد التي لدينا اليوم. تشمل قائمته الأناجيل الأربعة، 14 رسالة لبولس (بما في ذلك العبرانيين)، 1 و 2 بطرس، 1، 2، 3 يوحنا، يهوذا، يعقوب، أعمال الرُّسُل، والرُّؤيا. في أعماله المُتأخِّرة، تردَّد بشأن نسبة العبرانيين لبولس لكنَّه لم يُشكِّ في قانونيتها. قدَّم مبدأ للتَّمييز بين الكُتُب القانونية يعتمد على قبولها من قبل الكنائس الأكثر عدداً والكنائس ذات السُّلطة الأكبر.
أوَّل مجمع يقبل القانون الحالي المُكوَّن من 27 كتاباً من العهد الجديد. فُقدت أعماله، ولكن تمَّ تلخيصها وقبولها في مجمع قرطاجنة عام 397م.
قبل مُلخَّص أعمال مجمع هيبو. ينُصّ المرسوم على أنَّه لا يُقرأ في الكنيسة شيء باسم الكُتُب الإلهية سوى الكتابات القانونية. يورد قائمة كُتُب العهد الجديد: الأناجيل (4 كتب)، أعمال الرُّسُل (كتاب واحد)، رسائل بولس (13 رسالة؛ وله إلى العبرانيين رسالة واحدة)، بطرس (رسالتان)، يوحنا الرسول (ثلاث رسائل)، يعقوب (واحدة)، يهوذا (واحدة)، رؤيا يوحنا. يذكر ضرورة استشارة الكنيسة «ما وراء البحر» (روما) لتأكيد هذا القانون.
يؤكد قائمة القانون مرَّة أخرى، ويذكر صراحة «أربع عشرة رسالة لبولس». يذكر أيضاً إرسال القائمة إلى بونيفاس أسقف روما والأساقفة الآخرين لتأكيد هذا القانون، مُشيرين إلى أنَّها الكُتُب التي تسلَّموها من آبائهم لتُقرأ في الكنيسة.
استمرار التَّباينات بعد قرارات المجامع
على الرّغم من تأثير جيروم و أوغسطين وقرارات ثلاثة مجامع إقليمية، استمرَّت التَّباينات في القانون في القُرُون التَّالية، إمَّا بالإضافة أو الطَّرح.
تُظهر بعض المخطوطات اليونانية واللَّاتينية (مثل Codex Boernerianus من القرن التَّاسع) عدم وُجُود رسالة العبرانيين. مخطوطات أخرى تحتوي على رسالة إلى اللَّاودكيين.
الجزء الثاني: العُصُور الوسطى، الإصلاحيون، ومجمع ترينت
يتتبَّع هذا الجُزء تطوُّر مفهوم القانون في الكنيسة الغربية خِلَال العُصُور الوسطى وفترة الإصلاح وحتى مجمع ترينت.
قَبِلَت الكنيسة في الغرب في العُصُور الوسطى العهد الجديد بالنُّسخة اللَّاتينية التي قدَّمها جيروم (الفولجاتا اللَّاتينية).
نادراً ما نوقش موضوع القانون خلال هذه الفترة. ومع ذلك، وُجدت مُرُونة مُعيَّنة في حُدُود العهد الجديد، ويتَّضِح ذلك من وُجُود «رسالة بولس إلى اللَّاودكيين» في أكثر من مائة مخطوطة من الفولجاتا اللَّاتينية (بما في ذلك أقدمها، Codex Fuldensis من عام 546م)، وكذلك في مخطوطات لنسخ قديمة أخرى. ظلَّت هذه الرِّسالة «تحوم حول أبواب القانون المُقدَّس لأكثر من تسعة قُرُون، دون أن تجد مدخلاً أو يتِمّ استبعادها بشكلٍ قاطع».
نتيجة للجُهُود الرَّامية إلى إعادة الوحدة مع الكنيسة الأرثوذكسية الشَّرقية، أصدر كرسي روما لأوَّل مرَّة رأياً قاطعاً بشأن القانون المُقدَّس. أصدر البابا يوجينيوس الرَّابع مرسوماً يُحدِّد عقائد وحدة العهدين، وإلهام الكُتُب المُقدَّسة، وبيان نطاقها.
قائمة الكُتُب القانونية السَّبع والعشرين في العهد الجديد تتضمَّن أربع عشرة رسالة بولسية (رسالة العبرانيين آخرها)، ويأتي سفر أعمال الرُّسُل مُباشرةً قبل الرُّؤيا. لم تُذكر الرِّسالة إلى اللَّاودكيين.
النَّهضة والإصلاح وتجدُّد الشُّكُوك
شهدت هذه الفترة صحوة لشُكُوك سابقة بشأن صِحَّة بعض كُتُب العهد الجديد («الكُتُب المُتنازع عليها» – antilegomena).
جاكوب توماس دي فيو (الكاردينال كايتان، توفي 1534)
أنكر الأصل البولسي لرسالة العبرانيين.
شكَّك في نسبة رسائل يعقوب ويهوذا و 2 و 3 يوحنا للرُّسُل.
دافع عن صِحَّة 2 بطرس.
امتنع عن الخوض في الرُّؤيا.
إيراسموس من روتردام (توفي 1536)
أنكر صراحةً أنَّ بولس كتب العبرانيين وشكَّك في أنَّ يعقوب الرَّسول كتب رسالته.
شكَّك في النِّسبة التَّقليدية لـ 2 بطرس و 2 و 3 يوحنا ويهوذا.
اعتبر أنَّ أسلوب الرُّؤيا يمنع نسبتها إلى مؤلف الإنجيل الرَّابع.
أصبح أكثر تحفُّظاً بعد لوم الكنيسة، مُصرِّحاً بأنَّه إذا أعلنت الكنيسة أنَّ عناوين الكُتُب قانونية مثل مُحتواها، فسوف يُدين شُكُوكه.
أظهروا انفتاحاً في مُناقشة وإعادة تقييم الكُتُب المُتنازع عليها.
أندرياس بودينشتاين من كارلشتادت (توفي 1541)
قسَّم وثائق العهد الجديد إلى ثلاث مراتب مُختلفة في الكرامة، جميعها تفوق أي كتابات أخرى.
المرتبة الأولى: الأناجيل وأعمال الرُّسُل.
الثانية: رسائل بولس غير المشكوك فيها، بالإضافة إلى 1 بطرس و 1 يوحنا.
الثالثة: الكُتُب السَّبعة المُتنازع عليها (يعقوب، 2 بطرس، 2 و 3 يوحنا، يهوذا، العبرانيين، الرُّؤيا). شكَّك في نسب أو إدراج بعض هذه الكُتُب.
أضاف في نسخته الألمانية تصنيفاً للكُتُب الأبوكريفا للعهد الجديد يشمل نهاية إنجيل مرقس ورسالة اللَّاودكيين.
وضع رسائل العبرانيين ويعقوب ويهوذا وسفر الرُّؤيا في نهاية العهد الجديد في نُسخته الألمانية عام 1522. قدَّم أسباباً في مُقدِّماته للشَّكّ في طبيعتها الرَّسولية والقانونية (العبرانيين تُناقض بولس حول التَّوبة؛ يعقوب رسالة «قَشِّيَّة» وتُناقض بولس حول التَّبرير بالأعمال؛ يهوذا يعتمد على 2 بطرس ويقتبس نُصُوصاً أبوكريفا؛ الرُّؤيا مليئة برؤى لا تُناسب الكاتب الرَّسولي ولا تُظهِر المسيح بوُضُوح).
أكَّد أنَّه لا يُريد فرض رأيه ولا إزالة هذه الكُتُب الأربعة من العهد الجديد.
أثَّر ترتيبه على بعض نسخ الكتاب المُقدَّس اللَّاحقة.
ميَّز بعض خُلفاء لوثر بين الكتابات القانونية والأبوكريفا في العهد الجديد. وسُمَّت بعض النَّسَخ الكُتُب الأربعة المُتنازع عليها بأنَّها «أبوكريفا» أو «غير قانونية».
أنكر الطَّبيعة الكتابية لسفر الرُّؤيا بناءً على خِلَافات مُعاصرة.
استجابةً للخلافات التي أثارها الإصلاحيون، عقد البابا بولس الثالث مجمعاً في ترينت.
في 8 أبريل 1546، أصدر المجمع مرسوماً (De Canonicis Scripturis) جعل، لأوَّل مرَّة في تاريخ الكنيسة، مسألة مُحتوى الكتاب المُقدَّس مادة إيمانية مُطلقة وأكَّدها بـ «الحُرُوم» (anathema).
ينُصّ المرسوم على أنَّ المجمع «يستقبل ويُوقِّر كلّ كُتُب العهدين القديم والجديد… وأيضاً التَّقاليد المُتعلِّقة بالإيمان والسُّلُوك… بنفس الشُّعُور بالتَّقوى والتَّوقير».
يُعلن الحُرُوم على كلِّ مَن «لا يستقبل هذه الكُتُب بكاملها، مع كلّ أجزائها، كما هي مُعتادة أن تُقرأ في الكنيسة الكاثوليكية ومُحتواة في النُّسخة اللَّاتينية القديمة الفولجاتا ككُتُب مُقدَّسة وقانونية، ويرفض عن عِلْم وعَمْد التَّقاليد المذكورة آنفاً». هذا شمل الأجزاء التي كانت مشكوكاً في صِحَّتها سابقاً (مثل مرقس 16: 9-20، لوقا 22: 19ب-20، يوحنا 7: 53-8: 11).
اعترافات الإيمان البروتستانتية اللَّاحقة
تُحدِّد العديد من اعترافات الإيمان البروتستانتية اللَّاحقة أسفار العهد الجديد السَّبع والعشرين بالاسم، مثل الاعتراف الفرنسي (1559)، الاعتراف البلجيكي (1561)، واعتراف وستمنستر (1647).
المواد التِّسع والثَّلاثون لكنيسة إنجلترا (1563) تقبل «جميع كُتُب العهد الجديد، كما هي مُعتادة أن تُقبل، فإنَّنا نقبلها ونعتبرها قانونية».
المشاكل التي واجهت الكنيسة المُبكِّرة بخُصُوص القانون
بعد استعراض بعض العوامل الخارجية التي رُبَّما شجَّعت عَمَلِيَّة الاعتراف ببعض الكتابات المسيحية كسُلطة فريدة في الكنيسة، يتناول هذا الفصل المعايير التي استخدمها المسيحيون الأوائل لتحديد استحقاق كتابات مُعيَّنة لتضمينها في مجموعة كتابات مُقدَّسة. كما يبحث في بعض الأسئلة التَّاريخية واللَّاهوتية الأخرى التي نشأت في هذه الفترة.
أشار الآباء الكنسيُّون أحيانًا إلى معايير مُحدَّدة للقانونية. هذه المعايير صيغت بشكل مُختلف في أوقات وأماكن مُختلفة، ولكنَّ الأكثر شُيُوعًا كانت تستند إلى تقدير لاهوتي لمُحتوى الكتاب وإلى اعتبارات تاريخية تتعلَّق بمؤلِّفه وقبوله العامّ بين الكنائس.
1. المُطابقة «لقاعدة الإيمان» (Orthodoxy)
كان هذا مطلبًا أساسيًا للقانونية. يعني هذا توافُق الوثيقة مع التَّقليد المسيحي الأساسي المُعترف به كمعياري من قِبَل الكنيسة. كما في العهد القديم حيث كان يُختبر رسالة النَّبي بمُوافقتها مع أُسُس دين إسرائيل، كذلك في العهد الجديد، تمَّ الحُكم على الكتابات التي ادَّعَت السُّلطة مِن خِلَال طبيعة مُحتواها.
يرفض كاتب القانون الموراتوري بشِدَّة الأعمال الأدبية للزَّنادقة، مثلما فعل إيريناوس وترتليان وكُتَّاب سابقون. على الرّغم مِن الجَدَل حول وُجُود «الأرثوذكسية» في المراحل المُبكِّرة جدًا، يبدو أنَّ بحُلُول وقت رسالتي يوحنا الثانية والثالثة، كانت قناعات مُعيَّنة حول التَّجسُّد قد ترسَّخت في دوائر مُؤثِّرة. تُظهِر الرَّسائل الرَّعوية أيضًا غريزة للتَّصنيف إلى صحيح وخاطئ.
استُخدمت مُصطلحات أخرى بنفس المعنى تقريبًا، مثل «قانون الحقّ» و «قاعدة الحقّ». استُخدِمَت هذه المُصطلحات للإشارة إلى أنَّ الحقّ نفسه هو المعيار الذي يُحكَم به على التَّعليم والمُمارسة. كما استُخدِم مُصطلح «القانون الكنسي» أو «قانون الكنيسة» مُبكِّرًا في كتاب «استشهاد بوليكاربوس»، ويُشير إلى مجموعة عقائد الكنيسة ومؤسَّساتها. الكتاب الذي يعرض تعاليم تُعتبر خارجة عن التَّوافُق مع هذا التَّقليد يستبعد نفسه من الاعتبار كسُلطة مُقدَّسة.
2. الصِّلَة الرَّسُولِيَّة (Apostolicity)
كان الأصل الرَّسولي، حقيقيًا كان أم مُفترضًا، يُوفِّر افتراضًا للسُّلطة.
يرفض كاتب القانون الموراتوري قبول كتاب «راعي هرماس» في القانون لأنَّه حديث جدًا ولا يُمكن إدراجه «بين الأنبياء الذين اكتمل عددهم، أو بين الرُّسُل».
تُشير المصادر إلى أنَّ كتابات بولس الرَّسول كانت أكثر احتمالًا للقبول من كتابات مثل كتابات المونتاني تييميسو.
في حالة مرقس ولوقا، اعتبر التَّقليد الذي ربطهما بالرَّسولين بطرس وبولس على التَّوالي مصداقية لكتاباتهما. يؤكِّد القانون الموراتوري على المؤهِّل الشَّخصي للمؤلِّفين كشُهُود عيان أو مؤرِّخين دقيقين.
3. القَبُول والاستخدام المُستمِرّ مِن قِبَل الكنيسة بشكلٍ عامٍّ
كان هذا اختبارًا واضحًا آخر لسُلطة الكتاب. الكتاب الذي تمتَّع بالقَبُول مِن قِبَل العديد من الكنائس على مَدَى فترة طويلة كان في وضعٍ أقوى من الكتاب الذي قبلته فقط عَدَد قليل من الكنائس وفي وقتٍ قريبٍ.
أكَّد أوغسطينوس على هذا المبدأ (أغلبية الكنائس والكنائس ذات السُّلطة الأكبر).
شدَّد جيروم على حُكم المؤلِّفين البارزين والقُدَامَى. قبل جيروم رسالة العبرانيين (نسبت إلى برنابا، واستُخدمت من قبل المونتانيين ولكن قُرئت على نطاقٍ واسعٍ) ورسالتي يهوذا وبطرس الثانية (استشهد بهما كتاب قدامى) على الرّغم من الشُّكُوك الغربية.
تمَّ اعتماد هذه المعايير الثَّلاثة (الأرثوذكسية، الصِّلة الرَّسولية، والإجماع بين الكنائس) بشكلٍ عامٍّ خِلَال القرن الثَّاني ولم تُعدَّل بعد ذلك. ومع ذلك، كان هُناك تبايُن كبير في كيفِيَّة تطبيقها.
كان تحديد القانون يعتمد على مزيجٍ جدليٍّ مِن المعايير التَّاريخية واللَّاهوتية. هذا يُفسِّر سبب بقاء وضع عدد قليل من الكُتُب موضع شَكّ لِعِدَّة أجيال. الأمر المُدهش هو أنَّ الغالبية العُظمى من العهد الجديد وصلت إلى درجة عالية من الإجماع في غُضُون القرنين الأوَّلَين، على الرّغم من تنوُّع الكنائس وتشتُّتها.
رُبَّما يبدو صَمْت المُناقشة السَّابقة حول المعايير عن الوحي أمرًا غريبًا في البداية. والسَّبب في ذلك هو أنَّه بينما اتَّفَق الآباء بالتَّأكيد على أنَّ أسفار العهدين القديم والجديد كانت مُوحاة، إلَّا أنَّهم لم يعتبروا الوحي هو الأساس الوحيد لتفرُّد الكتاب المُقدَّس. بمعنى آخر، كان الوحي الذي نسبوه إلى الكُتُب المُقدَّسة مُجرَّد وجه واحد لنشاط الوحي الأوسع للرُّوح القُدُس في جوانب كثيرة من حياة الكنيسة.
على سبيل المثال، بينما يتحدَّث كليمنت الرُّوماني عن الكُتُب المُقدَّسة (هُنا يُشِير إلى العهد القديم) بأنَّها «صادقة ومُعطاة مِن خِلَال الرُّوح القُدُس»، يكتب مؤلِّف رسالة إلى ديوجنيتس عن نفسه أنَّه كان «مُدفعًا للحديث بواسطة مشيئة الكلمة التي تأمرنا». حتى خُطبة منسوبة إلى الإمبراطور قسطنطين (ينقلها يوسابيوس) لا تعتبر الوحي مُقتصرًا على الكُتُب المُقدَّسة فقط. لا يتردَّد الآباء في الإشارة إلى وثائق غير كتابية على أنَّها «موحاة».
باختصار، الكتابات المُقدَّسة هي بالفعل مُوحاة، لكن هذا ليس سبب سُلطتها. هي موحاة، وبالتَّالي قانونية، لأنَّها الإيداع الأدبي الموجود للشَّهادة الرَّسولية المُباشرة وغير المُباشرة التي يعتمد عليها شاهد الكنيسة اللَّاحق.
في وقتٍ لاحقٍ، بدأ لاهوتيو الكنيسة في إعطاء الاهتمام للطَّبيعة الخاصَّة لوحي الكتاب المُقدَّس. وفقًا للّاهوتيين المُعاصرين (مثل دو تويت)، الكُتُب القانونية هي نفسها الكُتُب المُوحاة.
السُّلطة ليست ممنوحة من الكنيسة، بل هي مُتأصِّلة فيها، ويُشهد لها من خلال شهادة الرُّوح القُدُس الدَّاخلية في المؤمنين.
ثالثاً. أي جُزء من العهد الجديد تمَّ الاعتراف به أوَّلاً كسُلطة؟
تختلف الآراء حول أيّ جُزء من العهد الجديد كان أوَّل مَن حظي بالاعتراف العامّ كسُلطة في الكنيسة.
يعتقد هارناك أنَّ الأناجيل كانت نُواة القانون، وأنَّ رسائل بولس تبعتها بوقتٍ قصيرٍ. وأضُيفَت أعمال الرُّسُل بشكلٍ رئيسيٍّ لإثبات صِفَة بولس الرَّسولِيَّة وتبرير حَقّ رسائله في الوُقُوف إلى جانب الأناجيل.
على الجانب الآخر، اقترح جودسبيد (وتبعه بارنيت، ميتون، ونوكس) أنَّ رسائل بولس جاءت أولاً كمجموعة. تمَّ جمع رسائل بولس وتداولها كمجموعة، وأدَّى قبولها إلى جمع الأناجيل. اعتبرت هذه المجموعة «نواة» قانون العهد الجديد. تُشير أدِلَّة المخطوطات المُبكِّرة (مثل P46) إلى تجميع رسائل بولس في وقتٍ مُبكِّرٍ.
اقترح ونديش (مُطوِّرًا اقتراح ليبولدت) أنَّ كتاب الرُّؤيا يجب أن يُعتبر مؤسِّس القانون. لأنَّه يحتوي على قانون العهد الجديد بأكمله في جوهره: أقوال يسوع، تاريخ ملكوت المُستقبل، وسبع رسائل. وقد أتاح هذا الكتاب نموذجًا لقانونية الوثائق في كلٍّ مِن هذه الأنواع الأدبية.
يُعتبر نظرية كتاب الرُّؤيا الأقل احتمالاً من النَّاحيتين الزَّمنية والجغرافية. كانت رسائل بولس والأناجيل الإزائية معروفة ومُقدَّرة لسنوات قبل أن يأخذ كتاب الرُّؤيا شكله الحالي (في العقد الأخير من القرن الأوَّل). بالإضافة إلى ذلك، واجه كتاب الرُّؤيا صُعُوبة أكبر في القبول في الشَّرق مُقارنةً بالغرب.
تُشير المصادر إلى أنَّ مجموعات صغيرة من مادَّة الأناجيل والرَّسائل الرَّسولية قد أُعِدَّت قبل نهاية القرن الأوَّل. لكنَّها لم تحصل على السُّلطة القانونية الحصرية إلَّا في الأجيال اللَّاحقة. كانت العملية تدريجية وليست نتيجة مرسوم واحد. من المُرجَّح أنَّ الأناجيل قد تمَّ جمعها والاعتراف بها أوَّلاً، ثمَّ اكتسبت رسائل بولس مكانة مُماثلة، ممَّا أدَّى إلى مجموعات أوسع.
على عكس المُشكلة التي تسبَّبت فيها رسائل بولس، فإنَّ تعدُّد الأناجيل (الأربعة) كان يُمثِّل مُشكلة في الكنيسة المُبكِّرة. نشأت المُشكلة من التَّفكير بأنَّه إذا كان من الضَّروري وُجُود عِدَّة روايات عن حياة يسوع الواحدة (التي هي أساس الإيمان المسيحي)، فإنَّ هذا يعني أنَّ أيًا منها ليس كاملاً بمُفرده.
قدَّم إيريناوس تبريرًا لاهوتيًا لوُجُود أربعة أناجيل. فقد ربطها بِجِهات العالم الأربع والرِّياح الأربع والكائنات السَّماوية الأربعة. ومع ذلك، يتجاهل إيريناوس الظُّرُوف البشرية البحتة التي كانت سائدة قبل أن تُجمع الأناجيل في مجموعة واحدة.
هُناك أسباب للاعتقاد بأنَّ بعض الكنائس استخدمت إنجيلاً واحدًا فقط لفترة طويلة قبل أن يتِمّ تحديد القانون بشكلٍ نهائيٍّ (مثل استخدام متى فقط في فلسطين، ويوحنا فقط في آسيا الصُّغرى، ومرقس ولوقا في مناطقهما الخاصَّة). على الرّغم من الاستخدام المحلِّيّ الأوَّليّ، أصبح تجميع الأناجيل الأربعة هو المعيار المقبول.
خامساً. خُصُوصِيَّة رسائل بولس
على عكس مُشكلة تعدُّد الأناجيل، لم تُسبِّب كثرة الرَّسائل صُعُوبة. ومع ذلك، لم يكن مِن السَّهل بنفس القدر فَهْم سبب اعتبار الرَّسائل المكتوبة لكنائس مُعيَّنة في مُناسبات مُعيَّنة ذات سُلطة عالمية وقرأتها في جميع الكنائس.
تمَّ التَّعامُل مع هذه المُشكلة على جبهتين:
تبرير لاهوتي من خِلَال رمزية الأعداد: يُشير كاتب القانون الموراتوري إلى أنَّ بولس كتب إلى سبع كنائس (مثل يوحنا في الرُّؤيا)، وبالتَّالي كتب إلى الكنيسة بأكملها. تتكرَّر هذه النُّقطة في كتابات كبريانوس، فيكتورينوس من بيتاو، وغيرهم من المؤلِّفين. بعد ضَمّ رسالة العبرانيين (لتصبح 14 رسالة)، أصبح العدد 14 (2 × 7) يُستخدم للإشارة إلى كمال المجموعة.
يُجادل كاتب القانون الموراتوري بأنَّ الرَّسائل المُوجَّهة إلى الأفراد (فليمون، تيطس، تيموثاوس) تُعتبر مُقدَّسة في تقدير الكنيسة الكاثوليكية لتنظيم الانضباط الكنسي. تُعَدّ رسالة فليمون المثال الوحيد المعروف الذي تمَّ رفضه صراحةً بسبب نِطاقه المحدود.
تعديل النَّص: حدثت تعديلات على نُصُوص بعض الرَّسائل رُبَّما لمُحاولة تعميمها أو حلّ مُشكلة خُصُوصيتها.
مُشكلة خُصُوصية رسائل بولس كانت محسوسة قبل نشر مجموعة رسائل بولس وحتى دمجها في قانون كامل للعهد الجديد. لاحقًا، لم تَعُد المُشكلة محسوسة، لكن الاتِّجاه نحو التَّعميم بقي (باستخدامها كنُصُوص دليلِيَّة أو مصادر للَّاهوت). كانت رسائل بولس صيغة أدبية مُناسبة له لتقديم بيانات لاهوتية في مُناسبات مُحدَّدة ولمجموعات مُعيَّنة. يجب أن يأخذ التَّفسير واللَّاهوت في الاعتبار هذا الجانب التَّاريخي.
أسئلة حول قانون العهد الجديد اليوم
يناقش هذا الفصل أربعة أسئلة رئيسية تتعلَّق بقانون العهد الجديد في العصر الحديث.
أوَّلاً: أيُّ شكلٍ مِن النَّصّ هو القانوني؟
هُناك تنوُّع نصِّيّ معروف بين مخطوطات العهد الجديد، مع أنواع نصِّيَّة مُميَّزة رئيسية مثل النَّصّ السَّكندري والنَّصّ الغربي والنَّصّ البيزنطي أو الكنسي.
يُثير هذا التَّنوُّع سؤالاً حول الموقف من هذه الأنواع النَّصِّيَّة المُختلفة لكُتُب العهد الجديد فيما يتعلَّق بالقانون. هل يُعتبر نوع نصِّيّ واحد هو النَّصّ القانوني؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما هي السُّلطة التي يجب منحها للقراءات المُختلفة التي تختلف عن ذلك النَّصّ؟
قبل قرن مِن الزَّمان، جادَل رجل الكنيسة الإنجليزي الكاثوليكي جون ويليام بورجون، الذي تحدَّى مبادئ ويستكوت وهورت في إعدادهما لطبعتهما النَّقدية للنَّصّ اليوناني للعهد الجديد، بأنَّ الشَّكل اليوناني للنَّصّ الذي وجد أوسع قبول في الكنيسة عبر العُصُور يجب اعتباره النَّصّ الأصيل الوحيد.
لا يزال هذا الرَّأي، الذي يُركِّز على عَدّ مخطوطات العهد الجديد بدلاً من وَزْن القراءات المُختلفة، سائداً اليوم من قبل مُحرِّرين مثل زين سي. هودجز وآرثر إل. فارستاد.
النُّقطة الأولى التي يجب توضيحها هي أنَّه بدلاً مِن وُجُود نصّ واحد مُتجانس للعهد الجديد في الكنيسة البيزنطية، أظهر فون سودن أنَّ عِدَّة أشكال من النَّصّ البيزنطي، تختلف عن بعضها البعض في تفاصيل صغيرة، كانت مُتداولة في المسيحية الشَّرقية. ومع ذلك، كانت جميعها تُعتبر ذات سُلطة.
الاختلاف الأكثر لفتاً للنَّظر هو بين ما يُسمَّى بالنَّصّ الغربي للعهد الجديد وجميع الأنواع النَّصِّيَّة الأخرى. في سفر الأعمال، على سبيل المثال، النَّصّ الغربي أطول بنحو 10% من الشَّكل الذي يُعتبر تقليدياً قانونياً لذلك السِّفر.
في القرن الثَّامن عشر، نشر ويليام ويستون ما اعتبره الشَّكل الأصيل الوحيد للعهد الجديد، وهو ترجمة إنجليزية تستند إلى الشَّاهدَين الرَّئيسيين للنَّصّ الغربي، مخطوطة بيزا ومخطوطة كلارومونتانوس.
في هذا السِّياق، يُمكن النَّظر في الاقتراح الذي طرحه جيمس هاردي روبس قبل أكثر من خمسين عاماً، بأنَّ النَّصّ الغربي للعهد الجديد قد أُنشئ خِصِّيصاً في وقتٍ مُبكِّرٍ مِن القرن الثَّاني لتوفير وسيلة لقانون العهد الجديد النَّاشئ. على الرّغم مِن أنَّ هذا الاقتراح مُثير للاهتمام، فمِن المُهِمّ أنَّ روبس لم يُقدِّم أيّ دليل يدعم نظريته. علاوة على ذلك، إذا أخذنا في الاعتبار أنَّ الجُهُود اللُّغوية في إنتاج النُّصُوص القانونية كانت مُرتبطة بشكلٍ أساسيٍّ بنوع المنح الدِّراسية السَّائدة في الإسكندرية، فإنَّ حقيقة أنَّ ما يُسمَّى بالنَّصّ الغربي نادراً ما يظهر في الشُّهُود المُرتبطين بمصر تُقلِّل مِن احتمال نظرية روبس.
في الآونة الأخيرة، ناقش بريفارد إس. تشايلدز «المُشكلة التَّأويلِيَّة لنقد نصّ العهد الجديد»، الذي يقول إنَّ هدفه هو استعادة أفضل نصّ تمَّ قَبُوله بدلاً من نصّ المؤلِّف الأصلي.
لسوء الحظّ، لا يُقدِّم تشايلدز تحليلاً لمُشكلة نصِّيَّة مُعيَّنة، ولا يُعرِّف ما يفهمه بـ «أفضل نصّ تمَّ قبوله». يُثير التَّساؤل أيضاً ما هو المقصود بالبحث المُستمِرّ عن مثل هذا النَّصّ. هل هذا يعني أنَّه ليس لدينا نصّ قانوني ولكن يجب علينا الاستمرار في البحث عنه؟ وكيف يختلف «الأسلوب القانوني للنَّقد النَّصِّيّ» عن النَّقد النَّصِّيّ العادي؟
بصرف النَّظر عن هذه الأسئلة التي لم يتِمّ الإجابة عليها، قد نجد مِن المُفيد النَّظر في موقف آباء الكنيسة تجاه القراءات المُختلفة في نصّ العهد الجديد. مِن ناحية، فيما يتعلَّق ببعض القراءات التي تتضمَّن نقاطاً حسَّاسة في العقيدة، عادةً ما يزعم الآباء أنَّ الهراطقة قد تلاعبوا بدِقَّة النَّصّ. من ناحية أخرى، ومع ذلك، لم يظهر سؤال قانونية وثيقة ما على ما يبدو فيما يتعلَّق بمُناقشة هذه القراءات المُختلفة، حتى لو تضمَّنت أجزاء كبيرة جداً من النَّصّ.
اليوم، نعلم أنَّ الآيات الاثنتي عشرة الأخيرة من إنجيل مرقس (مرقس 16: 9-20) غائبة عن أقدم المخطوطات اليونانية واللَّاتينية والسُّريانية والقبطية والأرمنية، وأنَّ في مخطوطات أخرى علامات نجمية أو شواهد تُشير إلى أنَّ الآيات مشكوك فيها أو مُزيَّفة.
ناقش يوسابيوس وجيروم، وهُما على دراية بهذا التَّنوُّع في الشَّواهد، أي شكل من النَّصّ يجب تفضيله. تجدر الإشارة إلى أنَّه لم يقترح أي من الآباء أنَّ أحد الشَّكلين قانوني والآخر ليس كذلك. علاوة على ذلك، فإنَّ إدراك أنَّ القانون كان مُغلقاً بشكلٍ أساسيّ لَم يؤدِّ إلى تثبيت جامد لنَصّ الكُتُب القانونية.
وهكذا، يبدو أنَّ فئة «القانوني» كانت واسعة بما يكفي لتشمل جميع القراءات المُختلفة (بالإضافة إلى التَّرجمات المُختلفة في النُّسَخ المُبكِّرة) التي ظهرت خِلَال عملية نقل وثائق العهد الجديد بينما كان التَّقليد الرَّسولي لا يزال كياناً حياً، مع اختلاط الأشكال المكتوبة والشَّفهِيَّة لذلك التَّقليد.
بالفعل في القرن الثَّاني، على سبيل المثال، كانت النِّهاية الطَّويلة المزعومة لإنجيل مرقس معروفة عند يوستينوس الشَّهيد وتاتيان، الذي أدرجها في تناغم الأناجيل (الدِّياتسَّرون). يبدو أنَّ هُناك سبباً وجيهاً للاستنتاج، على الرّغم مِن أنَّ الأدِلَّة الخارجية والدَّاخلية قاطعة ضِدّ أصالة الآيات الاثنتي عشرة الأخيرة على أنَّها جاءت من نفس قلم بقِيَّة الإنجيل، يجب قَبُول هذا المقطع كجُزء من النَّصّ القانوني لمرقس.
باختصار، يبدو أنَّ مسألة القانونية تتعلَّق بالوثيقة بصفتها وثيقة، وليس بشكلٍ أو إصدارٍ مُعيَّن. بالنَّظر إلى المُصطلحات الحديثة، تقبل الكنائس اليوم مجموعة واسعة من النُّسَخ المُعاصرة كعهدٍ جديدٍ قانونيّ، على الرّغم مِن أنَّ النُّسَخ تختلف ليس فقط في التَّقديم ولكن أيضاً فيما يتعلَّق بوُجُود أو غياب بعض الآيات في عددٍ مِن الكُتُب (بالإضافة إلى نهاية إنجيل مرقس، اختلافات أخرى مُهِمَّة تشمل لوقا 22: 43-44، يوحنا 7: 53-8: 11، أعمال 8: 37).
ثانياً: هل القانون مفتوح أم مُغلق؟
القول بأنَّ القانون مفتوح يعني أنَّه من المُمكن للكنيسة اليوم إمَّا إضافة كتاب أو أكثر إلى القانون، أو إزالة كتاب أو أكثر كانت تُعتبر حتى الآن قانونية. ما هي، قد نسأل، الآثار النَّظرية والعَمَلِيَّة لكُلٍّ مِن هاتين الاحتمالين؟
أوَّلاً، إلى أيِّ مَدَى يُمكن التَّفكير في إضافة كتاب إلى قانون العهد الجديد؟ المُقترحات بإمكانية توسيع القانون لتضمين أدبيات «مُلهَمَة» أخرى، قديمة أو حديثة، تنشأ مِن عَدَم الاعتراف بماهية العهد الجديد بالفعل. إنَّه ليس مجموعة مُختارات من الأدبيات المُلهمة؛ إنَّه مجموعة من الكتابات التي تشهد على ما فعله الله من خلال حياة وعمل وموت وقيامة يسوع المسيح، ومن خلال تأسيس كنيسته بروحه.
بعد اغتيال مارتن لوثر كينغ الابن في عام 1968 بفترة وجيزة، اقترحت مجموعة من القساوسة بجِدِّيَّة إضافة رسالة كينغ «رسالة من سجن برمنغهام» إلى العهد الجديد. يُدرِك الجميع أنَّ هذه الرِّسالة، التي كُتبت في أبريل 1964 بعد سجنه في برمنغهام، ألاباما، لمُشاركته في احتجاج على الحُقُوق المدنية، تنقل شهادة نبوِيَّة قوِيَّة، وتُفسِّر مشيئة الله بروح المسيح. ومع ذلك، يُدرك مُعظم النَّاس أنَّ الفُرُوق في العمر والشَّخصية بينها وبين كُتُب العهد الجديد أكبر بكثير مِن أن تُبرِّر إضافتها إلى القانون، وقليلون جداً اليوم يأخذون هذا الاقتراح على محمل الجدّ.
مِن ناحية أخرى، ماذا يجب أن يُقال عن إمكانية إضافة وثيقة قديمة إلى القانون؟ اكتشاف عشرات النُّصُوص من الكنيسة المُبكِّرة، مثل إنجيل توما، وإنجيل فيليب، ورسالة بطرس إلى فيليب، وأبوكريفا يوحنا، في نجع حمادي قبل بضع سنوات، زاد بشكلٍ كبيرٍ عدد المُرشَّحين للإدراج المُحتمل في شكلٍ مُنقَّحٍ من القانون.
يستحقّ كلّ منهم التَّقييم من حيث أوراق اعتماده الخارجية والدَّاخلية. إلى أيِّ مَدَى، على سبيل المثال، يفي إنجيل توما (الذي، من بين جميع المخطوطات في مكتبة نجع حمادي، يبدو أنَّه الأقرب إلى العهد الجديد) بمعايير الرَّسولية والأرثوذكسية، بغَضِّ النَّظَر عن مَدَى ضِيق أو اتِّساع تعريف هذه المعايير؟
يجب المُوازنة بين وُجُود أقوال رُبَّما تكون حقيقِيَّة (أقوال منسوبة إلى يسوع غير محفوظة في الأناجيل القانونية) داخل وثيقة كهذه، ووُجُود عناصر غُنُوصية وشبه توحيدية. في هذه الحالة، فإنَّ تقييم القُرَّاء المُعاصرين سيُعزِّز بلا شَكّ تقييم الكنيسة المُبكِّرة، وهو أنَّ صوت الرَّاعي الصَّالح في إنجيل توما لا يُسمع إلَّا بشكلٍ مكتوم، وأنَّه، في الواقع، غالباً ما يُشوَّه إلى حدّ لا يُعرف بوُجُود أصوات إضافية وحتى مُعارضة.
يُحتمل أن رسالة برنابا كان على هامش القانون لبعض الوقت. على الرّغم من أنَّه يُكمِّل الرِّسالة إلى العبرانيين في مُعالجة تفسير العهد القديم، إلَّا أنَّه ليس جديداً بشكلٍ أساسيٍّ عمَّا هو مُتاح في رسائل بولس المقبولة بالفعل بشكلٍّ عامٍّ.
في ضوء هذه الاعتبارات، يبدو أنَّه على الرّغم مِن أنَّ الطَّريق مفتوح من النَّاحية النَّظرية لإضافة كتاب آخر أو رسالة أخرى إلى قانون العهد الجديد، فمن المشكوك فيه أنَّ أيّ كتاب سيفي بالمعايير، سواء كانت قديمة أو حديثة، للاعتماد.
من ناحية أخرى، يُمكن طرح سؤال حول إمكانية ورغبة إزالة كتاب أو أكثر من الكُتُب السَّبعة والعشرين من قانون العهد الجديد. هل الكنيسة اليوم مُلزمة بقرارات الكنيسة المُبكِّرة فيما يتعلَّق بعدد وهُوِيَّة كُتُب العهد الجديد؟
يجب الاعتراف بأنَّ مُحاولات الإصلاح لوضع بعض الكُتُب جانباً التي أثبتت أنَّها غير مُلائمة أو مُحرِجَة في الجدل الكنسي يجب أن تجعلنا حذرين للغاية في تقييم دوافعنا ومعاييرنا الخاصَّة في تقييم الوضع القانوني لِعِدَّة كُتُب في العهد الجديد.
يظهر مَدَى سُهُولة الخطأ الفردي في هذه الأمور من خلال أحكام لوثر التي لا يُمكن الدِّفاع عنها بشأن رسائل يعقوب، يهوذا، العبرانيين، وسفر الرُّؤيا – أحكام نشأت عن عَدَم قُدرته على تقدير الرِّسالة المسيحية التي تنقلها هذه الكُتُب وفي تفضيله الأحادي الجانب لكُتُب أخرى.
كذلك، كان إنكار زوينجلي للطَّابع الكتابي لسفر الرُّؤيا نتيجة لجدالات مُعاصرة نشأت عمَّا كان في نظره انفجاراً للخُرافات الوثنية في أينسيدلن. عندما أدان استدعاء الملائكة، أظهر له الملاك في سفر الرُّؤيا يتسبَّب في صُعُود صلوات المؤمنين إلى السَّماء مع دخان البُخُور (رؤيا 8: 3-4). لاحقاً في مناظرة برن (1528)، أعلن زوينجلي أنَّ هذا الكتاب ليس كتاباً كتابياً.
وهكذا، كما حدث أيضاً عندما قلَّل يوسابيوس من شأن سفر الرُّؤيا بسبب تجاوزات الألفيين الأوائل الذين فضَّلوا هذا الكتاب، سمح زوينجلي لاعتبار مُخصَّص بحت بالتَّأثير على حكمه بشأن طبيعة كتاب كان يُعتبر على نطاق واسع في الغرب قانونياً.
بغَضِّ النَّظَر عن حرارة الجدل اللَّاهوتي، ومع ذلك، وفي أوقات أكثر هُدُوءاًً، طُرح السُّؤال عمَّا إذا كانت إزالة عِدَّة كُتُب من قانون العهد الجديد لن تكون في الواقع مُفيدة في تعزيز وحدة الكنيسة. في مُحاضرة ألقيت في المؤتمر الدَّولي الثاني لدراسات العهد الجديد الذي عقد في أكسفورد عام 1961، اقترح كورت ألاند إجراء مُناقشات واسعة النِّطاق بين الكنائس تهدف إلى قانون أقصر وأكثر توحيداً كوسيلة للمُضِيّ قدماً في وحدة الكنيسة.
علاوة على ذلك، في هذا الوقت المُتأخِّر من تاريخ الكنيسة المسيحية، فإنَّ إزالة كتاب واحد أو أكثر من القانون، حتى لو كان مثل هذا الاقتراح يُمكن أن يجد مُوافقة عامَّة، سيؤدِّي إلى قطع جُذُور تاريخية مُهِمَّة للكنيسة. بدلاً من أن تكون خُطوة في اتِّجاه المزيد من المسكونية، فإنَّ هذه الإزالة ستُؤدِّي إلى إفقار الكنيسة العالمية.
ما تمَّ ذكره حتى الآن هو في مجال النَّظرِيَّة. إذا نظرنا إلى احتمال إجراء مُراجعة فعلية للقانون، يجب الاعتراف بأنَّ مثل هذا الاحتمال يبدو بعيداً للغاية. صحيح أنَّ الاقتراح يُطرح أحياناً بإضافة رسائل إغناطيوس إلى قانون العهد الجديد، وإسقاط بطرس الثَّانية و/أو يهوذا. ولكن، بشكلٍ عامٍّ، لا يُوجَد جسم كبير من الرَّأي داخل الكنائس يرغب في رؤية قانون العهد الجديد يتغيَّر، سواء بالتَّوسيع أو التَّخفيض. يُمكن التَّنبؤ بأنَّ وجهات النَّظر والمُقترحات الفردية ستموت موتاً طبيعياً.
يُمكن الاستنتاج إذن أنَّه، بينما يجب النَّظر إلى قانون العهد الجديد، من النَّاحية النَّظرية، على أنَّه مفتوح من حيث المبدأ لإضافة أو حذف كتاب أو أكثر، فمن النَّاحية العَمَلِيَّة لا يُمكن التَّفكير في مثل هذا التَّعديل على أنَّه مُمكن أو مرغوب فيه. القول بأنَّ القانون يُمكن مُراجعته ليس هو نفسه القول بأنَّه يجب مُراجعته. القانون الذي عاشت به الكنيسة على مَرِّ القُرُون ظهر في التَّاريخ، وهو نتيجة عملِيَّة بطيئة وتدريجية.
بالتَّأكيد، في هذا القانون هُناك وثائق موثوقة بشكلٍ أقلّ بالمعايير الخارجية من غيرها. ولكن الأجزاء المُختلفة تمَّ توحيدها جميعاً بالاستخدام والقبول العامّ في الكنيسة، التي اعترفت، ولا تزال تعترف، بأنَّ الله قد تكلَّم ويتكلَّم إليها ومن خلال هذا الجسم من الأدبيات المسيحية المُبكِّرة. فيما يتعلَّق بهذه الحقيقة الاجتماعية، لا يُمكن تغيير شيء؛ فقد تلقَّت الكنيسة قانون العهد الجديد كما هو اليوم، بنفس الطَّريقة التي ورثت بها الكنيسة اليهودية القانون العبري. باختصار، لا يُمكن إعادة تشكيل القانون – لسبب بسيط وهو أنَّ التَّاريخ لا يُمكن إعادة تشكيله.
ثالثاً: هل يوجد قانون داخل القانون؟
في الآونة الأخيرة، كان هناك إحياء، لمُناقشة «القانون داخل القانون». في هذا التَّعبير، لكلمة «قانون» معان مُختلفة. في الحالة الثَّانية، تعني «قانون» مجموعة كُتُب العهد الجديد، بينما في الحالة الأولى، تعني المعيار أو المركز داخل الكُتُب السَّبعة والعشرين للعهد الجديد. لذلك، العُثُور على القانون داخل القانون يعني العُثُور في الكتاب المُقدَّس على مبدأ تأويلي يُمكِّن المرء من رسم خَطّ فاصل بين ما هو ذو سُلطة داخل القانون وما ليس كذلك. المُناقشة الحالية تُجدِّد بذلك المُحاولات التي جرت في وقت الإصلاح لتحديد ما هو مسيحي داخل العهد الجديد.
تستحقّ أسباب البحث عن «قانون داخل القانون» اهتماماً أكثر جدِّيَّة (مثل تلك التي اقترحها هاربسمير، وفيلهاور، وكازيمان، وآخرون)، هذه الأسباب تقول إنَّ وُجُود تناقضات بين كُتُب العهد الجديد، أو حتى داخل كتاب مُعيَّن، يجعل من الضَّروري إنشاء قانون نقدي داخل القانون.
على سبيل المثال، لا يُمكن، كما يُقال، التَّوفيق بين نهاية العالم في لوقا-أعمال ونهاية عالم بولس، ومُحاولة ذلك تؤدِّي إلى التَّخلِّي عن قلب الكريجما المسيحية.
أيضاً، يبدو أنَّ النَّظرة إلى شريعة العهد القديم في رسالة رومية تختلف بالتَّأكيد عن النَّظرة في متى 5: 18 («لا تزول نقطة واحدة أو حرف واحد من الناموس حتى يتم كل شيء»).
علاوة على ذلك، يُقال إنَّ رفض بولس للشَّريعة الموسوية كوسيلة لتحقيق مكانة صحيحة في نظر الله قد تمَّ المساس به في الرَّسائل الرَّعوية، التي تحتفظ بصيغة التَّبرير البولسية ولكنَّها، إن جاز التَّعبير، «تشل» فعاليتها بإدخال الأخلاق وعقلنة الإيمان.
علاوة على ذلك، تُهاجم رسالة يعقوب عقيدة بولس في التَّبرير بالإيمان وحده.
لهذه الأسباب ولأسباب مُماثلة، يُقال، لا يوجد فقط عَدَم وحدة داخل القانون، بل إنَّه من العَبَث توقُّع أن تستطيع الكنيسة تحقيق الوحدة على أساس القانون. وهكذا، فمن الضَّروري لكُلٍّ مِن المسيحي الفردي والكنيسة بشكلٍ عامٍّ أن يعملوا بـ «قانون داخل القانون». في مثل هذه الظروف، سيظل القانون ظاهرياً كما كان، ولكن المبدأ الفعَّال للتَّفسير سيضع جانباً أو يُقلِّل من شأن بعض الأجزاء مع التَّأكيد على أجزاء أخرى يُعتقد أنَّها تُمثِّل «النَّواة المركزية» للقانون.
من ناحية أخرى، لا يُمكن إنكار أنَّ الجهد المبذول لإقامة مبدأ واحد أو عقيدة واحدة كقاعدة صالحة وحيدة لتقدير سُلطة هذا الكتاب أو ذاك داخل القانون كان مصدراً سيئ السُّمعة لعدم التَّوازُن والتَّحيُّز في الكنيسة، ممَّا أدَّى إلى إفقار الإيمان والحياة المسيحية.
مبدأ بولس الذي تبنَّاه ماركيون كمعيار لقانونه، على الرّغم من أنَّه جيِّد في حَدِّ ذاته، كان من شبه المؤكَّد أنَّه غير قادر على منع المسيحية مِن أن تُصبِح طائفة غُنُوصية مُعادية لليهود. ينعكس التَّنوُّع الغني للفكر المسيحي المُبكِّر، الذي يُحافظ على رؤى يهودية ويونانية على حَدٍّ سواء، في طيف الكُتُب السَّبعة والعشرين في قانوننا اليوم.
هذا لا يعني، بالطَّبع، أنَّ جميع كُتُب العهد الجديد كانت أو لا تزال ذات تأثير مُتساوٍ. ولكن احتياجات الكنيسة العالمية على مَرِّ القُرُون كانت مُتنوِّعة – بما في ذلك الجوانب العقائدية والعملية للحياة المسيحية، المُشتركة والفردية – وقد تكلَّمت الأجزاء المُختلفة من الكتاب المُقدَّس القانوني لتلك الاحتياجات وأجابت عليها.
في الواقع، الاختلافات الموجودة بين كُتب العهد الجديد، وحتى داخل كتابات المؤلِّف نفسه، ليست سبباً للانقسامات في الكنيسة اليوم بقدر ما هي انعكاسات لتعدُّدِيَّة لاهوتية داخل الجماعات المسيحية البدائية نفسها.
شعار «الكاثوليكية المُبكِّرة»، الذي تسبَّب في قدرٍ كبيرٍ من الضَّرر في اللَّاهوت المنهجي في السَّنوات الأخيرة، هو في الواقع شهادة على وُجُود تنوُّع داخل وبين الشَّهادات الرَّسولية. إذا قبلنا وُجُود كلّ مِن الكاثوليكية المُبكِّرة والبروتستانتية المُبكِّرة في العهد الجديد، بنفس الحقّ يُمكننا اكتشاف أيضاً اتِّجاه أرثوذكسي شرقي مُبكِّر مُميَّز، خاصًّة في إنجيل يوحنا ورسائله. تشكيل القانون، الذي يضُمّ جميع الاتِّجاهات الثَّلاثة كأنماط صحيحة ومُبرَّرة للفكر والوُجُود المسيحي، يُقدِّم لنا نمطاً أساسياً وفهماً للمسيحية في أوسع نطاقها.
مثال على التَّناقُض الظَّاهِر: التَّناقُض بين بولس ويعقوب. يجد هذا التَّناقُض ما يبدو للكثيرين حلاً معقولاً عند مُلاحظة أنَّ المؤلِّفَين كانا ينظران إلى طبيعة الإيمان كما كانت موجودة في وضعين جدليين مُختلفين في الكنيسة.
من ناحية، كان يعقوب يسعى لإظهار أنَّ مُجرَّد الإقرار الفكري بوُجُود الله – اعتقاد، حسب وصف يعقوب، تشترك فيه حتى الشَّياطين (يعقوب 2: 18)، دون تغيير طبيعتها – غير كافٍ عندما لا يدفع المسيحيين الأغنياء أيضاً إلى توفير سُبُل العيش لإخوتهم وأخواتهم الفقراء بطُرُق عملية. من ناحية أخرى، بولس، الذي أكَّد أنَّ المرء يخلص بالإيمان وحده، اعترف أيضاً أنَّ الإيمان الذي يُخلِّص لا يبقى وحده، لأنَّه يتبعه أعمال محبَّة ورحمة تثبت واقعه وحيويته (غلاطية 5: 6).
من ما قيل حتى الآن، يُمكن تقدير وُجُود خطر مزدوج في إقامة «قانون داخل القانون».
أوَّلاً، يُفهم المفهوم بشكلٍ مُختلف مِن قِبَل أشخاص مُختلفين ويتغيَّر من عصرٍ لآخر. «قانون» يتغيَّر بالكاد يستحق الاسم.
ثانياً، العمل بـ «قانون داخل القانون» سيمنع جميع العناصر داخل العهد الجديد من أن تُسمع. لذلك، بدلاً من تركيز جُهُودهم لتحديد معيار داخل القانون، تقع على عاتق عُلماء العهد الجديد مسؤولية، بصفتهم خُدَّاماً للكنيسة، التَّحقيق والفَهْم وتوضيح المعنى الكامل لكُلّ كتاب داخل القانون، وليس فقط تلك التي قد تكون الأكثر شعبية في دوائر مُعيَّنة وفي أوقات مُعيَّنة، وذلك من أجل تطوير الحياة المسيحية للمؤمنين. بهذه الطَّريقة فقط ستتمكَّن الكنيسة من سماع كلمة الله بكل اتِّساعها وعُمقها.
يُعد القانون تذكيراً دائماً للكنائس المُختلفة بالحاجة إلى فحص تفسيرها وإعلانها للشَّهادة الرَّسولية بشكلٍ نقدِيٍّ، والاستماع بانتباه إلى التَّفسيرات التي يُقدِّمها المؤمنون الآخرون. وبهذه الطَّريقة، سيعمل الخمير الدِّيناميكي داخل قانون العهد الجديد بأكمله بشكلٍ خلَّاق في الكنائس وفيما بينها. لن تتحقَّق الوحدة باتِّفاق مبدئي على العقيدة والمُمارسة، بل بالرَّغبة في النُّمُوّ معاً في البحث المُشترك عن فهم مُتجدِّد للتَّقاليد المُختلفة المُجسَّدة ضِمْن النِّطاق الكامل لقانون العهد الجديد.
رابعاً: القانون: مجموعة كُتُب ذي سُلطة أم مجموعة ذي سُلطة من الكُتُب؟
في مُعظم المُناقشات حول قانون العهد الجديد، لا يُولى اهتمام كبير للسُّؤال الأساسي عمَّا إذا كان يجب وصف القانون بأنَّه مجموعة كُتُب ذي سُلطة أو مجموعة ذي سُلطة من الكُتُب. هذان الصِّياغتان تختلفان بشكلٍ جوهريٍّ وينطويان على آثار مُختلفة تماماً. (صياغة ثالثة، وهي أنَّ القانون هو مجموعة ذي سُلطة من الكُتُب ذي سُلطة، هي مُجرَّد تعديل للصِّياغة الثَّانية، ويُمكن تجاهلها في هذه المُناقشة).
كلمة «قانون»، سواء في اليونانية أو اللَّاتينية أو الإنجليزية، تنقل العديد من المعاني المُختلفة. في اليونانية، من بين المعاني الرَّئيسية العديدة التي تحملها كلمة κανών، هُناك استخدامان، من أجل الوُضُوح، يجب التَّمييز بينهما عند النَّظر في تطوُّر قانون العهد الجديد.
لكلمة κανών معنى فعّال، يُشِير إلى الكُتُب التي تعمل على تحديد المعيار للإيمان والحياة المسيحية؛ ولها أيضاً معنى مبني للمجهول، يُشِير إلى قائمة الكُتُب التي حدَّدتها الكنيسة على أنَّها معيارية. يُمكن تحديد الاستخدامين باختصار بعلامتين لاتينيتين، norma normans، أي «القاعدة التي تُحدِّد»، و norma normata، أي «القاعدة التي يتِمّ تحديدها»، أي من قبل الكنيسة. وفقاً لهذين المعنيين لكلمة κανών، يُمكن وصف العهد الجديد إمَّا بأنَّه مجموعة كُتُب ذي سُلطة، أو مجموعة ذي سُلطة من الكُتُب.
في الحالة الأولى، تُعتبر الكُتُب ضِمْن المجموعة ذات قيمة جوهرية قبل تجميعها، وسُلطتها قائمة على طبيعتها ومصدرها. في الحالة الثَّانية، تُعتبر المجموعة نفسها تمنح الكُتُب سُلطة لم تكن تمتلكها قبل تحديدها كجُزء من المجموعة. بمعنى آخر، يُمنح القانون أهمية عقائدية ناشئة عن فعل التَّقنين. في الحالة الأولى، تعترف الكنيسة بالسُّلطة الكامنة في الكتاب المُقدَّس؛ وفي الأخرى، تخلق سُلطتها عن طريق تجميعها ووضع علامة القانونية على المجموعة.
إذا كانت سُلطة كُتُب العهد الجديد لا تكمن في ظُرُوف إدراجها ضِمْن مجموعة صنعتها الكنيسة، بل في المصدر الذي جاءت منه، فإنَّ العهد الجديد كان مُكتملاً من حيث المبدأ عندما كُتبت العناصر المُختلفة القادمة من هذا المصدر. بمعنى آخر، عندما يُحدَّد مبدأ القانون، حينئذٍ يكون نطاقه ثابتاً من النَّاحية المثالية ويكون القانون مُكتملاً عندما تُكتب الكُتُب التي تنتمي إليه من حيث المبدأ. ومع ذلك، فإنَّ بناء القانون العملي تطلَّب فترة طويلة مِن الزَّمن وتضمَّن عملية تاريخية مُعقَّدة تقدَّمت، ليس في خَطٍّ مُستقيمٍ، بل في تطوُّر مُتعرِّج. الإدراك الذي حقَّقته الكنيسة أخيراً بشأن حُدُود القانون، وتقديرها لاكتماله، كان نتيجة عملية طويلة كانت فيها العديد من القُوَى الفاعلة ووجدت فيها العديد من الاختلافات في الرَّأي تعبيراً.
يجب على مَن يُناقش «معايير القانونية»، إذن، أن تُميِّز بين أساس القانونية (الذي يتعلَّق بفكرة القانون ويقع ضِمْن نطاق اللَّاهوت) وأُسُس قناعة القانونية (التي تتعلَّق بنطاق القانون ويقع ضِمْن نطاق المؤرِّخ). الأُسس فُهمت بشكلٍ مُختلف في أجزاء مُختلفة من الكنيسة القديمة، وظلَّت حُدُود القانون غير واضحة بعض الشيء لعِدَّة قُرُون.
كان هُناك اتِّجاهان في الكنيسة، المُغالون (maximists) والمُتساهلون (minimists). في الإسكندرية، على سبيل المثال، حيث كان عدد كبير من الكُتُب «المُلهَمَة» مُتداولاً لفترة من الوقت، استمرَّت عملية التَّقنين عن طريق الاختيار، من كُتُب كثيرة إلى قليلة. في مناطق أخرى، مثل سوريا، اكتفت الكنيسة لقُرُون عديدة بقانون يتكوَّن من اثنين وعشرين كتاباً.
في كلتا الحالتين، تضمَّنت أُسُس قناعة القانونية مجموعة مُتنوِّعة من الاعتبارات – سواء كانت أدبية أو ليتورجية أو عقائدية – تتعلَّق بتأليف كتاب مُعيَّن ومُحتواه واستخدامه. باختصار، وضع القانونية ليس ادِّعاء يُمكن إثباته بشكلٍ موضوعي، بل هو إعلان عن مُعتقد مسيحي. لا يتأثَّر بميزات خاضعة للتَّحكيم، مثل مسائل التَّأليف والأصالة، فكتاب [مُزوَّر] (يُنسب كذباً لمؤلِّف) لا يُستثنى بالضَّرورة من القانون.
في هذه المرحلة، مِن المُناسب النَّظر في جانب آخر من جوانب تطوُّر القانون – وهو طابعه العرضي على ما يبدو. بالنِّسبة لبعض العُلماء، فإنَّ الطَّريقة التي تمَّ بها تحديد القانون بشكلٍ عشوائي تبدو كإهانة. يُسأل أحياناً كيف يُمكن اعتبار القانون هبة خاصَّة من الله للكنيسة عندما تطوَّر من قانون «مَرِن» إلى «صارم» بطريقة تبدو عشوائية وغير مُنظَّمة بالفعل. وفقاً لويلي ماركسين، «من وجهة نظر تاريخية، فإنَّ تثبيت قانون العهد الجديد أمر عرضي».
على سبيل المثال، على الرّغم مِن أنَّ جُزءاً كبيراً من الكنيسة كان على خطأ في نسبة الرِّسالة إلى العبرانيين المجهولة إلى الرَّسول بولس، سيَتَّفق الجميع على أنَّها كانت مُحِقَّة بشكل حدسي في الاعتراف أخيراً بالقيمة الجوهرية للوثيقة. عندما ينظر المرء إلى العبرانيين مُقارنةً، على سبيل المثال، برسالة برنابا، التي تتعامل أيضاً مع تفسير مسيحي للعهد القديم، والتي نُسبت إلى رفيقٍ للرَّسول، فليس من المُستغرب بالتَّأكيد أنَّ الكنيسة اقتنعت في النِّهاية بأنَّ الأولى كانت تستحق الإدراج في القانون.
حقيقة أنَّ «الأسباب» وُجدت لاحقاً لماذا يجب اعتبارها بولسية وبالتَّالي مؤهَّلة من جميع النَّواحي للإدراج في القانون ليس لها تأثير على مسألة حقّها الجوهري في الوضع القانوني.
بمعنى آخر، بدلاً من الإشارة إلى أنَّ بعض الكُتُب أُدرجت عن طريق الخطأ واستُبعدت كُتُب أخرى عن طريق الخطأ من قانون العهد الجديد – سواء كان الاستبعاد مُعرفاً من حيث نشاط الأفراد، أو السينودسات، أو المجامع – فمن الأكثر دِقَّة القول إنَّ بعض الكُتُب استبعدت نفسها من القانون.
من بين أكثر من عشرة أناجيل تمَّ تداولها في الكنيسة المُبكِّرة، قد يبدو السُّؤال كيف ومتى ولماذا تمَّ اختيار أناجيلنا الأربعة لمكانتها العُليا لغزاً – ولكنَّه حالة واضحة للبقاء للأصلح.
كما اعتاد آرثر داربي نوك أن يقول لطُلَّابه في هارفارد فيما يتعلَّق بالقانون، «أكثر الطُّرُق المُزدحمة في أوروبا هي أفضل الطُّرُق؛ لهذا السَّبب هي مُزدحمة جداً».
قال ويليام باركلي الأمر بشكلٍ أكثر وُضُوحاً: «الحقيقة البسيطة هي أنَّ كُتُب العهد الجديد أصبحت قانونية لأنَّه لم يستطع أحدٌ إيقافها عن ذلك».
التَّمييز بين كتابات العهد الجديد والأدبيات الكنسية اللَّاحقة لا يستند إلى قرار تعسُّفي؛ بل له أسباب تاريخية. شهدت الأجيال التي تلت الرُّسُل على التَّأثير الذي أحدثته بعض الكتابات على إيمانهم وحياتهم. شهدت الشَّهادة الذَّاتِيَّة للكلمة على الأصل الإلهي للإنجيل الذي أوجد الكنيسة؛ وهذا هو ما تُشِير إليه كلمات بولس لأهل تسالونيكي: «ونحن نشكر الله دائماً على هذا، أنَّكم لمَّا تسلَّمتم كلمة الله التي سمعتموها مِنَّا، قبلتموها لا ككلمة بشرية بل كما هي في الحقيقة، كلمة الله التي تعمل فيكم المؤمنين» (1 تسالونيكي 2: 13).
خلال القرنين الثَّاني والقُرُون اللَّاحقة، وُجدت هذه الكلمة ذات السُّلطة، ليس في أقوال القادة والمُعلِّمين المُعاصرين، بل في الشَّهادة الرَّسولية الموجودة داخل كتابات مسيحية مُبكِّرة مُعيَّنة. من هذا المُنطلق، لم تَخْلُق الكنيسة القانون، بل أدركت وقبلت وأكَّدت وأثبتت الجودة الذَّاتية لبعض الوثائق التي فرضت نفسها على الكنيسة. إذا تمَّ إغفال هذه الحقيقة، فإنَّ المرء يدخل في صراع خطير ليس مع العقيدة بل مع التَّاريخ.
خُلاصة القول، وبالمُقارنة مع العشرات من الأناجيل والأعمال والرَّسائل والرُّؤى التي لفتت انتباه الكنيسة مُؤخَّراً في مكتبة نجع حمَّادي، يُمكن القول بِثِقَة أكبر من ذي قبل أنَّه لا يُمكن مُقارنة أي كتاب أو مجموعة كُتُب من الكنيسة القديمة بالعهد الجديد من حيث أهمِّيَّته للتَّاريخ أو العقيدة المسيحية. إنَّ معرفة أنَّ عهدنا الجديد يحتوي على أفضل المصادر لتاريخ يسوع هي المعرفة الأكثر قيمة التي يُمكن الحُصُول عليها من دراسة التَّاريخ المُبكِّر للقانون. في الواقع، مهما كان الحُكم الذي نُشكله على المسيحية في أقدم العُصُور، فمن المؤكَّد أنَّ الذين ميَّزوا حُدُود القانون كان لديهم إدراك واضح ومُتوازن لإنجيل يسوع المسيح.
لكن مثل هذه الكلمات من الثَّناء لا لُزُوم لها. الأعمال الدِّينية أو الفنِّيَّة لا تكسب شيئاً حقاً من وضع ختم رسمي عليها. على سبيل المثال، إذا اتَّحدت جميع أكاديميات الموسيقى في العالم في إعلان باخ وبيتهوفن موسيقيين عُظماء، فإنَّنا سنرد، «شكراً لكم على لا شيء؛ كنا نعلم ذلك بالفعل». وما يمكن للجمهور الموسيقي أن يتعرَّف عليه دون مُساعدة، كان بإمكان ذوي التَّمييز الرُّوحي في الكنيسة المُبكِّرة التَّعرُّف عليه في حالة كتاباتهم المُقدَّسة من خلال ما أسماه كالفن «الشَّهادة الدَّاخلية للرُّوح القُدُس». هذه الشَّهادة، ومع ذلك، لا تخلق سُلطة الكتاب المُقدَّس (التي توجد بالفعل بحقّ ذاتها)، بل هي الوسيلة التي يأتي بها المؤمنون للاعتراف بهذه السُّلطة. إنَّها قرينة على المصداقية الذَّاتِيَّة للكتاب المُقدَّس، ولم يُحاول لا الآباء ولا كالفن حلّ الخلافات حول تحديد القانون بمُجرَّد الاستناد إلى توجيهات الرُّوح القُدُس.
نصّ القوائم المُبكِّرة لأسفار العهد الجديد
القانون الموراتوري (The Muratorian Canon)
التَّرجمة التَّالية تستند عادةً إلى النَّصّ المُنقَّح الذي حرّره «هانس ليتسمان» (Hans Lietzmann)، في كتابه: الجزء الموراتوري والديباجات الموناركية للأناجيل (Das Muratorische Fragment und die Monarchianischen Prologe zu den Evangelien)، ضمن سلسلة النصوص القصيرة (Kleine Texte, i؛ بون، 1902؛ الطبعة الثانية، برلين، 1933).
ونظرًا للحالة المُتردِّية للنَّصّ اللَّاتيني، يصعب أحيانًا تحديد مقصود الكاتب بدِقَّة؛ ولذا، تمَّ توفير عِدَّة ترجمات بديلة لبعض العبارات (داخل أقواس مُستديرة)، بينما وُضعت التَّوسُّعات التَّفسيرية داخل أقواس مُربَّعة. وتُشير الأرقام إلى سُطُور النَّصّ الأصلي.
… ومع ذلك، فقد كان حاضرًا، ولذلك أدرجَها \[في سرده].
(2) الكتاب الثَّالث من الأناجيل هو إنجيل لوقا.
(3) لوقا، الطَّبيب المعروف، بعد صُعُود المسيح، (4–5) عندما اصطحبه بولس معه بوصفه غيورًا على الشَّريعة، (6) ألّفَهُ باسمه الخاصّ، وفقًا للاعتقاد العامّ.
(7) إلَّا أنَّه لم يكن قد رأى الرَّبّ في الجسد؛ ولذلك، وحسب ما تمكَّن من التَّحقُّق من الأحداث، (8) بدأ فعليًّا بسرد القِصَّة من ولادة يوحنا.
(9) الإنجيل الرَّابع هو إنجيل يوحنا، \[أحد] التَّلاميذ.
(10) إلى تلاميذه وزملائه الأساقفة الذين كانوا يحثّونه على الكتابة، (11) قال: «صوموا معي من اليوم لثلاثة أيام، وما (12) سيُعلَن لكُلِّ واحدٍ (13) فلنُخبر به بعضُنا بعضًا».
في اللَّيلة ذاتها أُعلن (14) لأندراوس، \[أحد] الرُّسُل، (15–16) أنَّ على يوحنا أن يُدوِّن كلّ الأُمُور باسمه، بينما يقوم الجميع بمُراجعتها.
(17) وهكذا، رُغْم أنَّ عناصر مُتنوِّعة قد تُعلَّم في كُلٍّ مِن كُتُب الأناجيل، (18) إلَّا أنَّ ذلك لا يُحدث فرقًا في إيمان المؤمنين، لأنَّ الرُّوح الواحد السَّيِّد أعلن جميع الأُمُور (20) في كلِّ \[الأناجيل]: عن (21) الولادة، وعن الآلام، وعن القيامة، (22) وعن الحياة مع تلاميذه، (23) وعن مجيئه الثَّاني؛ (24) الأوَّل في التَّواضُع حينما كان مُحتقرًا، وهو ما قد وقع، (25) والثَّاني في المجد والقُوَّة الملكية، (26) وهو لا يزال آتيًا في المُستقبل.
فما (27) العجب إذًا، إن كان يوحنا باستمرار (28) يذكر هذه النِّقاط تحديدًا في رسائله، (29) قائلاً عن نفسه: «ما رأيناه بأعيننا، (30) وما سمعناه بآذاننا، وما لمسته أيدينا، (31) هذه الأمور كتبناها إليكم»؟
(32) فهو بهذا يعترف بأنَّه ليس فقط شاهد عيان وسامع، (33) بل كاتب لجميع أعمال الرَّبّ العجيبة، على التَّرتيب.
(34) علاوة على ذلك، فإنَّ أعمال جميع الرُّسُل (35) كُتبت في كتابٍ واحدٍ. لأنَّ لوقا لخَّص (36) الوقائع الفردية التي حدثت أمامه، لـ «ثاوفيلس الكريم»، (37) كما يتَّضِح مِن خِلَال إغفاله لاستشهاد بطرس، (38) وكذلك مغادرة بولس لمدينة \[روما] (39) حينما رحل إلى إسبانيا.
أمَّا رسائل (40–41) بولس، فهي تُظهر بنفسها، لمن يرغب في الفَهْم، ما هي، ومن أين أُرسلت، ولماذا.
(42) أوَّلًا إلى الكورنثيين، ناهياً انقساماتهم الهرطوقية؛
(43) ثُمَّ إلى الغلاطيين، ضِدّ الخِتَان؛
(44–46) ثُمَّ كتب إلى الرُّومانيين بإسهاب، شارحًا ترتيب (أو خُطَّة) الكُتُب المُقدَّسة، وأنَّ المسيح هو مبدؤها (أو موضوعها الرَّئيس).
(47) ومن الضروري (48) أن نُناقش هذه الرَّسائل واحدة تلو الأخرى، لأنَّ الرَّسول المُبارك بولس نفسه، على مثال (49–50) سلفه يوحنا، كَتَبَ فقط إلى سبع كنائس بأسمائها، على النَّحو التَّالي: إلى الكورنثيين (51) أولًا، إلى الأفسسيين ثانيًا، إلى الفيلبيين ثالثًا، (52) إلى الكولوسيين رابعًا، إلى الغلاطيين خامسًا، (53) إلى التسالونيكيين سادسًا، إلى الرومانيين (54–55) سابعًا.
صحيح أنَّه كتب مرَّة أخرى إلى الكورنثيين وإلى التسالونيكيين لأغراض التَّوبيخ، (56–57) إلَّا أنَّه مِن الواضح أنَّ هُناك كنيسة واحدة مُنتشرة في جميع أنحاء الأرض.
فإنَّ يوحنا أيضًا في (58) الرُّؤيا، مع أنَّه يكتب إلى سبع كنائس، (59–60) إلَّا أنَّه يتحدَّث إلى الجميع.
\[وكتب بولس أيضًا] بدافع المحبَّة والود رسالة إلى فليمون، وأخرى إلى تيطس، واثنتين إلى تيموثاوس؛ وهذه تُعتبر مُقدَّسة (62–63) في نظر الكنيسة الجامعة لتنظيم النِّظام الكنسي.
(64) وهناك أيضًا رسالة إلى اللاذقيين، وأخرى إلى (65) الإسكندريين، وكلاهما مُزوَّر باسم بولس لترويج (66) هرطقة ماركيون، وغيرها من الرَّسائل (67) التي لا يُمكن قبولها في الكنيسة الجامعة—إذ لا يليق أن يُخلط العلقم بالعسل.
(68) علاوة على ذلك، تُعَدّ رسالة يهوذا واثنتان ممَّا سبق ذكره (أو المنسوبة إلى) يوحنا مقبولة (أو مُستخدمة) في الكنيسة الجامعة؛
(70) وكذلك \[كتاب] الحكمة، الذي كتبه أصدقاء سليمان تكريمًا له.
(71) لا نقبل من الرُّؤى إلَّا رؤيا يوحنا وبطرس، (72) مع أنَّ بعضنا لا يرغب في قراءة الثَّانية في الكنيسة.
(73) أمَّا هرماس فقد كتب كتاب «الرَّاعي» (74) مؤخَّرًا، في أيَّامنا، في مدينة روما، (75) عندما كان شقيقه الأسقف بيوس يشغل (76) كرسي الكنيسة في مدينة روما. (77) ولذلك، ينبغي أن يُقرأ فعلًا؛ ولكن (78) لا يُمكن أن يُقرأ علنًا على الشَّعب في الكنيسة، سواء (79) بين الأنبياء الذين اكتمل عددهم، أو بين (80) الرُّسُل، لأنَّه جاء بعد زمانهم.
(81) ولا نقبل بأيِّ حالٍ من الأحوال ما كتبه أرسينوس أو فالنتينوس أو ميلتيادس، (82) الذين ألّفوا أيضًا (83) كتاب مزامير جديد لماركيون، (84–85) إلى جانب باسيليدس، المؤسِّس الآسيوي للكاتافريجيين…
قانون أوريجانُس (Origen) (نحو 185–254م)
مِن الرِّواية المُركّبة التي جمعها «يوسابيوس» في كتابه: تاريخ الكنيسة (Ecclesiastical History)، الكتاب السَّادس، الفصل الخامس والعشرون، الفقرات 3–14.
في الكتاب الأوَّل مِن تعليقه على إنجيل متى، حيث يُدافع عن قانون الكنيسة، يشهد أوريجانُس بأنَّه لا يعرف سوى أربعة أناجيل، ويكتب ما يلي تقريبًا:
(4) «من بين الأناجيل الأربعة، وهي وحدها غير القابلة للجدل في كنيسة الله تحت السَّماء، قد تعلَّمتُ بالتَّقليد أنَّ أوَّل ما كُتِب هو إنجيل متى، الذي كان جابي ضرائب في السَّابق، ثُمَّ صار رسولًا ليسوع المسيح، وقد نشره لأولئك الذين مِن اليهودية آمنوا، وقد أُلِّف باللُّغة العبرانية.
(5) ثانيًا، إنجيل مرقس، الذي ألّفه وفقًا لإرشادات بطرس، الذي يعترف به كابن في رسالته الجامعة، إذ يقول: «تُسلِّم عليكم التي في بابل المُختارة معكم، ومرقس ابني» (1 بطرس 5: 13).
(6) وثالثًا، إنجيل لوقا، وهو الإنجيل الذي أثنى عليه بولس (راجع 2 كورنثوس 8: 18)، وقد كُتِب للذين آمنوا من الأُمَم. وبعدهم جميعًا، إنجيل يوحنا.»
(7) وفي الكتاب الخامس من شُرُوحه على إنجيل يوحنا، يقول الشَّخص ذاته بخُصُوص رسائل الرُّسُل:
«أمَّا مَن تأهَّل ليكون خادمًا للعهد الجديد، لا الحرف بل الرُّوح (راجع 2 كورنثوس 3: 6)، أي بولس، الذي «بشّر بالكلمة من أورشليم وما حولها إلى إيليريكون» (رومية 15: 19)، فلم يكتب إلى كلّ الكنائس التي علّمها؛ وحتى للكنائس التي كتب لها، أرسل كلمات قليلة فقط.
(8) وأمَّا بطرس، الذي بُنيت عليه كنيسة المسيح، والتي «لن تقوى عليها أبواب الجحيم» (متى 16: 18)، فقد ترك رسالة واحدة مُعترف بها؛ ورُبَّما أيضًا رسالة ثانية، لكنَّها موضع خلاف.
(9) ولماذا أُطيل في الحديث عن ذلك الذي اتَّكأ على صدر يسوع (يوحنا 13: 25)، يوحنا، الذي ترك لنا إنجيلًا واحدًا، رغم أنَّه اعترف أنَّه يُمكنه أن يكتب أُمُورًا كثيرة حتى أنَّ العالم نفسه لا يسعها (يوحنا 21: 25)؟ وقد كتب أيضًا سفر الرُّؤيا، إذ أُمِرَ بأن يصمت وألَّا يكتب أصوات الرُّعُود السَّبعة (رؤيا 10: 4).
(10) وقد ترك أيضًا رسالة قصيرة جدًّا؛ ورُبَّما الثَّانية والثَّالثة كذلك؛ لأنَّ ليس الجميع يقولون إنَّها أصيلة—ولكن الاثنتين معًا لا تبلغان مئة سطر.»
(11) كما يقدِّم التَّصريح التَّالي بخُصُوص الرِّسالة إلى العبرانيين، في عظاته عليها:
«إنَّ أسلوب الرِّسالة المُعنونة «إلى العبرانيين» لا يحمل فظاظة الرَّسول في الكلام، الذي اعترف بنفسه أنَّه غير فصيح في التَّعبير (2 كورنثوس 11: 6)، أي من حيث الأسلوب، بل إنَّ الرِّسالة أفضل يونانية من حيث تركيبها اللُّغوي، وهذا ما سيُقِرّ به كلّ مَن لديه القدرة على التَّمييز بين الأساليب.
(12) ومن جهة أخرى، فإنَّ أفكار الرِّسالة رائعة، ولا تقِلّ شأنًا عن كتابات الرَّسول المُعترف بها، وهذا أيضًا سيُقِرّ به كلّ من يدرس النَّصّ الرَّسولي بعناية.»
(13) ويُضيف لاحقًا:
«لو كنتُ أعطي رأيي، لقلتُ إنَّ الأفكار هي أفكار الرَّسول [بولس]، أمَّا الأسلوب والتَّعبير فمن شخصٍ تذكَّر تعاليم الرَّسول ودوّنها في أوقات فراغه بناءً على ما قاله له مُعلِّمه. ولذلك، إن كانت هُناك كنيسة تعتبر هذه الرِّسالة لبولس، فلتُمدَح أيضًا على هذا. لأنَّه ليس من دون سبب سلَّمها قُدماء الزَّمان باعتبارها لبولس.
(14) لكن مَن كَتَب الرِّسالة، في الحقيقة، الله وحده يعلم. إلَّا أنَّ الرِّواية التي وصلتنا \[ذات وجهين]، بعضهم يقول إنَّ «كليمنت»، أسقف روما، هو الذي كتب الرِّسالة، وآخرون يقولون إنَّ الكاتب هو «لوقا»، الذي كتب الإنجيل وأعمال الرُّسُل.»
قانون يوسابيوس القيصري (Eusebius of Caesarea) (نحو 265–340 م)
من كتابه تاريخ الكنيسة (Ecclesiastical History)، الكتاب الثالث، الفصل الخامس والعشرون، الفقرات 1–7.
في هذا الموضع يبدو مِن المُناسب تلخيص كتابات العهد الجديد التي سبق ذكرها.
في المقام الأوَّل، يجب وضع الرُّباعِيَّة المُقدَّسة للأناجيل، تليها «سفر أعمال الرُّسُل».
(2) وبعد هذا تُعدّ رسائل بولس، وتأتي بعدها الرِّسالة الأولى القائمة ليوحنا، وكذلك يجب الاعتراف برسالة بطرس. وبعد هذه تأتي، إن بدا ذلك صائبًا، رؤيا يوحنا، التي سنعرض الآراء المُختلفة بشأنها في الوقت المُناسب.
(3) فهذه إذًا تُدرج ضمن الكُتُب المُعترف بها.
أمَّا الكُتُب المُتنازع عليها، التي هي مع ذلك مألوفة عند الأغلبية، فهي: الرِّسالة المنسوبة ليعقوب، كما يُقال؛ ورسالة يهوذا؛ والرِّسالة الثَّانية لبطرس؛ وتلك التي تُدعى الرِّسالة الثَّانية والثَّالثة ليوحنا، سواء أكانت للإنجيلي نفسه أم لشخصٍ آخر يحمل الاسم ذاته.
(4) ومِن بين الكُتُب الزَّائفة يجب أن تُحسب أيضًا: أعمال بولس، و «الرَّاعي» كما يُسمَّى، ورؤيا بطرس؛ وإضافة إلى هذه: الرِّسالة المنسوبة إلى برنابا، و«تعاليم الرُّسُل» [الدِّيداخي] كما يُدعى. وإضافةً إلى ذلك، كما قلتُ، رؤيا يوحنا، إن بدا الأمر صائبًا. وهذه الأخيرة، كما قلتُ، يرفضها بعضهم، فيما يعدّها آخرون من الكُتُب المعترف بها.
(5) وقد أُدرج أيضًا من بين هذه، عند بعضهم، إنجيل العبرانيين، الذي يجد فيه أولئك من العبرانيين الذين قبلوا المسيح لذَّة خاصَّة.
(6) فكُلُّ هذه تُعَدّ من بين الكُتُب المُتنازع عليها؛ ومع ذلك، فقد رأينا أنَّه مِن الضَّروري إعداد هذا الفهرس لها، مُميِّزين بين تِلْك الكتابات التي، وفقًا لتقليد الكنيسة، تُعتبر صحيحة وأصيلة ومُعترف بها، وبين غيرها ممَّا يختلف عنها، إذ لا تُعدّ «قانونية» (أي داخلة في العهد)، وإن كانت مُتنازعًا عليها، لكنَّها معروفة لغالبية رجال الكنيسة.
\[وقد قُمنا بذلك] لكي نكون قادرين على التَّمييز بين هذه الكتابات بعينها، وتلك التي يُروِّج لها الهراطقة تحت اسم الرُّسُل؛ مثل: أناجيل بطرس، وتوما، ومتى، أو حتى غيرهم، وأعمال أندراوس ويوحنا وسائر الرُّسُل. فلم يرَ أحدٌ مِن الكُتَّاب الكنسيين المُتسلسلين في التَّقليد أنَّه من الصَّواب الإشارة إليها في كتاباته.
(7) علاوة على ذلك، فإنَّ طبيعة الأسلوب فيها تختلف كثيرًا عن الاستخدام الرَّسولي، كما أنَّ الأفكار ومضمونها يتناقضان تمامًا مع الأرثوذكسية الحُقَّة، ويُظهران بوُضُوح أنَّهما من تلفيق الهراطقة. ولهذا السَّبب، لا ينبغي حتى عدُّها من بين الكُتُب الزَّائفة، بل يجب أن تُطرَح جانبًا باعتبارها هُراءً تامًّا وتجديفًا.
القانون المُدرج في مخطوطة «كلارومونتانوس» (Codex Claromontanus)
في المخطوطة «كلارومونتانوس» (D) من القرن السَّادس الميلادي، وهي مخطوطة يونانية ولاتينية لرسائل بولس، قام شخصٌ ما بإدراج قائمة لاتينية لأسفار الكتاب المُقدَّس بين رسالتي «فليمون» و«العبرانيين».
يرى كلٌّ مِن «زان» و «هارناك» أنَّ هذه القائمة أُعِدَّت في الأصل باللُّغة اليونانية في الإسكندرية أو ما حولها نحو سنة 300 م. أمَّا «ي. فايس» فقد اقترح أصلًا مِن شمال إفريقيا.
\[تلي قائمة العهد القديم:]
الأناجيل الأربعة:
متى: 2600 سطر
يوحنا: 2000 سطر
مرقس: 1600 سطر
لوقا: 2900 سطر
رسائل بولس:
إلى الرُّومانيين: 1040 سطر
الرِّسالة الأولى إلى الكورنثيين: 1060 سطر
الرِّسالة الثانية إلى الكورنثيين: 70 (!) سطر
إلى الغلاطيين: 350 سطر
إلى الأفسسيين: 365 سطر
الرِّسالة الأولى إلى تيموثاوس: 209 سطر
الرِّسالة الثانية إلى تيموثاوس: 289 سطر
إلى تيطس: 140 سطر
إلى الكولوسيين: 251 سطر
إلى فليمون: 50 سطر
—الرِّسالة الأولى إلى بطرس: 200 سطر
الرِّسالة الثانية إلى بطرس: 140 سطر
رسالة يعقوب: 220 سطر
الرِّسالة الأولى ليوحنا: 220 سطر
الرِّسالة الثانية ليوحنا: 20 سطر
الرِّسالة الثالثة ليوحنا: 20 سطر
رسالة يهوذا: 60 سطر
—رسالة برنابا: 850 سطر
رؤيا يوحنا: 1200 سطر
أعمال الرُّسُل: 2600 سطر
—كتاب الرَّاعي: 4000 سطر
—أعمال بولس: 3560 سطر
—رؤيا بطرس: 270 سطر
قانون كيرلُّس الأورشليمي (Cyril of Jerusalem) (نحو 350م)
من عظاته التَّعليمية، المُحاضرة الرَّابعة، الفقرة 36.
«ثُمَّ إنَّه من العهد الجديد، هُناك أربعة أناجيل فقط، لأنَّ البقية تحمل عناوين كاذبة وهي ضارَّة. فقد كتب المانويون أيضًا إنجيلًا بحسب توما، وهو مُغطَّى بعطر اسم «إنجيل»، لكنَّه يُهلك نُفُوس البُسطاء مِن النَّاس.
اقبَل أيضًا سفر أعمال الاثني عشر رسولًا؛ وإضافة إلى هذا، الرَّسائل الجامعة السَّبع ليعقوب، وبطرس، ويوحنا، ويهوذا؛ وكخاتم لها جميعًا، وآخر ما كُتب من أعمال التَّلاميذ، الرَّسائل الأربع عشرة لبولس.
أمَّا سائر الكُتُب فلتُوضَع في مرتبةٍ ثانوية. وكلّ كتاب لا يُقرأ في الكنائس، فلا تقرأه أنت أيضًا في خلوتك، كما سمعتني أقول سابقًا بخُصُوص أسفار العهد القديم الأبوكريفية.»
قانون تشلتنهام (The Cheltenham Canon) (نحو 360م)
مأخوذ من قائمة واردة في مخطوطة لاتينية تعود للقرن العاشر، تحتوي على مواد مُتنوِّعة (في الغالب آبائية)، كانت فيما مضى ضِمْن مكتبة «توماس فيليبس» في تشلتنهام، إنجلترا؛ وقد تمَّ التَّعرُّف عليها عام 1886 من قبل «تيودور مومسن» (Theodor Mommsen).
\[تلي قائمة العهد القديم:]
وكذلك فهرس كُتُب العهد الجديد:
الأناجيل الأربعة:
متى: 2700 سطر
مرقس: 1700 سطر
يوحنا: 1800 سطر
لوقا: 3300 سطر
المجموع: 10,000 سطر
رسائل بولس: عددها 13
أعمال الرُّسُل: 3600 سطر
الرُّؤيا: 1800 سطر
ثلاث رسائل ليوحنا: 350 سطر
—واحدة فقط
رسالتان لبطرس: 300 سطر
—واحدة فقط
«نظرًا لأنَّ فهرس الأسطر (stichometry) في مدينة روما غير مذكور بوُضُوح، وكذلك في أماكن أخرى لا يُحفظ كاملًا بدافع الجشع للرِّبح، فقد قمتُ بمُراجعة الكُتُب واحدًا تلو الآخر، معدًّا ستة عشر مقطعًا لفظيًّا (syllables) لكُلّ سطر، وقد ألحقتُ بكل كتاب عدد الأبيات السُّداسية لفيرجيليوس (Virgilian hexameters).»
القانون الذي أقرّه مجمع لاودكية (Synod of Laodicea) (نحو 363م)
إنَّ غياب القانون رقم 60 في عدد من المخطوطات اليونانية واللَّاتينية والسُّريانية يجعل من المُرجَّح أنَّ هذا القانون كان إضافة لاحقة نوعًا ما، تهدف إلى توضيح القانون رقم 59.
القانون 59:
«لا يجوز قراءة المزامير الخاصَّة ولا أيٍّ مِن الكُتُب غير القانونية في الكنيسة، بل فقط تلك القانونية من العهدين، القديم والجديد.»
القانون 60:
\[بعد إدراج كُتُب العهد القديم، يتابع القانون:]
«وهذه هي كُتُب العهد الجديد: أربعة أناجيل، بحسب متى، ومرقس، ولوقا، ويوحنا؛ وسفر أعمال الرُّسُل؛ والرَّسائل الجامعة السَّبع، وهي: رسالة يعقوب، ورسالتان لبطرس، وثلاث رسائل ليوحنا، ورسالة ليهوذا؛ وأربع عشرة رسالة لبولس، وهي: واحدة إلى الرُّومانيين، واثنتان إلى الكورنثيين، وواحدة إلى الغلاطيين، وواحدة إلى الأفسسيين، وواحدة إلى الفيلبيين، وواحدة إلى الكولوسيين، واثنتان إلى التسالونيكيين، وواحدة إلى العبرانيين، واثنتان إلى تيموثاوس، وواحدة إلى تيطس، وواحدة إلى فليمون.»
قانون أثناسيوس (Athanasius) (سنة 367م)
من الرِّسالة الفصحية التَّاسعة والثلاثين لأثناسيوس.
«… ومرَّة أخرى \[بعد إدراج قائمة بكتب العهد القديم]، لا يثقل علينا أن نذكر \[كُتُب] العهد الجديد.
وهذه هي: الأناجيل الأربعة، بحسب متى، ومرقس، ولوقا، ويوحنا.
بعد هذه، سفر أعمال الرُّسُل، والرَّسائل المُسمَّاة «الجامعة»، لسبعة من الرُّسُل: ليعقوب، واحدة؛ لبطرس، اثنتان؛ ليوحنا، ثلاث؛ وبعدها، واحدة ليهوذا.
وإضافة إلى ذلك، هُناك أربع عشرة رسالة للرَّسول بولس، مكتوبة بهذا التَّرتيب: الأولى إلى الرُّومانيين؛ ثُمَّ اثنتان إلى الكورنثيين؛ وبعدهما إلى الغلاطيين؛ ثُمَّ إلى الأفسسيين؛ ثُمَّ إلى الفيلبيين؛ ثُمَّ إلى الكولوسيين؛ وبعد ذلك اثنتان إلى التسالونيكيين؛ وتليها إلى العبرانيين؛ ثُمَّ اثنتان إلى تيموثاوس؛ وواحدة إلى تيطس؛ وأخيرًا، إلى فليمون.
وفوق ذلك، رؤيا يوحنا.
هذه هي ينابيع الخلاص، لكي يرتوي العطشان من الكلمات الحَيَّة التي تحتويها. ففي هذه وحدها يُعلَن تعليم التَّقوى.
فلا يُضفِ أحدٌ شيئًا إلى هذه، ولا يُنقِص منها شيئًا…»
القانون المُعتَمَد في «القوانين الرَّسولية» (Apostolic Canons) (نحو 380م)
وهو مجموعة من خمسٍ وثمانين قاعدة نُسبت إلى الرُّسُل، تمَّ جمعها في أواخر القرن الرَّابع الميلادي بواسطة مُحرِّر «الدَّساتير الرَّسولية» (Apostolic Constitutions)، وتشكّل الفصل الختامي منها.
القانون 85:
«لتُعتبر الكُتُب التالية مُوقَّرة ومُقدَّسة من قِبل الجميع، سواء من الإكليروس أو من عامَّة الشَّعب:
\[ترد قائمة بكُتُب العهد القديم…]
وأمَّا كُتُبنا المُقدَّسة، أي العهد الجديد، فهي: الأناجيل الأربعة، لمتى، ومرقس، ولوقا، ويوحنا؛
والرَّسائل الأربع عشرة لبولس؛
ورسالتان لبطرس؛
وثلاث رسائل ليوحنا؛
وواحدة ليعقوب؛
وواحدة ليهوذا؛
ورسالتان لكلمنت؛
و«الدَّساتير» (Constitutions) المُهداة إليكم، أيُّها الأساقفة، من قِبلي أنا كلمنت، في ثمانية كُتُب، والتي لا يليق إعلانها للجميع بسبب ما تحويه من أسرار؛
وأعمالنا، نحن الرُّسُل.»
قانون غريغوريوس النزينزي (Gregory of Nazianzus) (329–389م)
يَرِد هذا القانون ضمن قصائد غريغوريوس (1. xii. 5 وما بعدها)، وقد تمَّ إقراره في مجمع ترولو (Trullan Synod) عام 692م. وقد كُتب بصيغة شعرية تفعيلية (iambic verse)، وتمَّ الحفاظ – بقدر الإمكان – على ترتيب الأسطر في التَّرجمة، وإن لم يكن ذلك على مُستوى الوزن الشَّعري. يُعرض هُنا جزء العهد الجديد فقط.
\[بعد إدراج قائمة بأسفار العهد القديم…]
«ولكن عدّ الآن أيضًا \[كُتُب] السِّرّ الجديد:
فقد كتب متى للأبرار من العبرانيين أعمال المسيح العجيبة،
ومرقس كتب لإيطاليا، ولوقا لليونان،
ويوحنا، الكارز العظيم، كتب للجميع، سائرًا في السَّماوات.
ثُمَّ تأتي أعمال الرُّسُل الحكماء،
وأربع عشرة رسالة لبولس،
وسبع رسائل جامعة، إحداها ليعقوب،
واثنتان لبطرس، وثلاث أخرى ليوحنا.
ورسالة يهوذا هي السَّابعة. ها قد صار لديك الكُلّ.
وإن وُجد غير هذه، فليس من بين الكُتُب الأصيلة.»
قانون أمفيلوخيوس الأيقوني (Amphilochius of Iconium) (توفي بعد عام 394م)
كما في القانون السَّابق، كُتب هذا القانون بصيغة شعرية تفعيلية (iambic verse)، وقد كُتب لصديق يُدعى «سيليوكوس». يُعرض هنا فقط الجُزء الخاصّ بالعهد الجديد (الأسطر 289–319).
\[بعد إدراج قائمة بأسفار العهد القديم…]
«وقد حان الوقت لأتَّحدث عن كُتُب العهد الجديد.
فاقبَلْ فقط أربعة مُبشِّرين (إنجيليين):
متى، ثُمَّ مرقس، الذي يُضاف إليه لوقا،
وفي التَّرتيب الثَّالث، احسب يوحنا رابعًا زمنيًّا،
لكنَّه أوّلهم في سُمُوّ التَّعاليم،
فإنِّي أدعوه بحقّ «ابن الرَّعد»،
لأنَّه يُجلجِل بصوت عظيم بكلمة الله.
واستقبل أيضًا الكتاب الثَّاني للوقا،
أي سفر أعمال الرُّسُل الجامعة.
ثُمَّ أضف الوعاء المُختار،
مُبشّر الأمم، الرَّسول
بولس، الذي كتب بحكمة للكنائس
أربع عشرة رسالة: إلى الرُّومانيين واحدة،
ويُضاف إليها اثنتان إلى الكورنثيين،
ثُمَّ إلى الغلاطيين، وإلى الأفسسيين، وبعدها
إلى أهل فيلبي، ثُمَّ الرِّسالة المكتوبة
إلى الكولوسيّين، واثنتان إلى التسالونيكيين،
واثنتان إلى تيموثاوس، وإلى تيطس وفليمون
واحدة لكل منهما، وواحدة إلى العبرانيين.
لكن البعض يقول إنَّ رسالة العبرانيين مُزوَّرة،
وهم لا يُحسنون القول، لأنَّ النِّعمة فيها أصيلة.
وماذا بقي؟ من الرَّسائل الجامعة،
يقول بعضهم إنَّه يجب أن تُقبل سبع، بينما
يرى آخرون أنَّه لا تُقبل سوى ثلاث—
رسالة ليعقوب، وواحدة لبطرس، وتلك
المنسوبة ليوحنا، واحدة.
وبعضهم يقبل ثلاث رسائل \[ليوحنا]، وإضافةً إليها، اثنتان
لبطرس، ورسالة يهوذا السَّابعة.
وأيضًا رؤيا يوحنا،
بعضهم يقبلها، لكنَّ الأكثرين
يقولون إنَّها غير أصيلة.
ورُبَّما يكون هذا هو
«المُرجَّع» الأصدق (أي: الأقل تحريفًا)
لقانون الأسفار المُقدَّسة المُوحى بها إلهيًّا.»
القانون الذي أقرّه المجمع الثالث في قرطاج (Synod of Carthage) (سنة 397م)
يُعتبر مجمع «هيبّو ريجيوس» (Synod of Hippo Regius) في شمال إفريقيا (سنة 393م) أوَّل مجمع كنسي يقبل القانون الحالي لكُتُب العهد الجديد؛ لكنّ أعمال هذا المجمع مفقودة. وقد تمّت قراءة مُلخَّص موجز لأعماله في مجمع قرطاج سنة 397م، وقُبل هُناك.
القانون 24:
«لا يُقرأ في الكنيسة تحت اسم الكُتُب الإلهية إلَّا الكُتُب القانونية.
والكُتُب القانونية هي التَّالية: \[تُذكر بعدها قائمة بأسفار العهد القديم].
وأمَّا \[أسفار] العهد الجديد فهي:
الإنجيل، أربعة كُتُب؛
سفر أعمال الرُّسُل، كتاب واحد؛
رسائل بولس، ثلاث عشرة؛
ورسالة واحدة له إلى العبرانيين؛
ورسالتان لبطرس؛
وثلاث رسائل ليوحنا الرسول؛
ورسالة ليعقوب؛
ورسالة ليهوذا؛
ورؤيا يوحنا.
وبخُصُوص تثبيت هذا القانون، ينبغي استشارة كنيسة ما وراء البحار [روما].
وفي ذكريات الشُّهداء، يُمكن أيضًا قراءة أعمالهم.»
وبحسب «زان» (Zahn)، فقد أُعطيت في مجمع آخر عُقد بقرطاج سنة 419 الصِّيغة الختامية بالكلمات التَّالية:
«… ورؤيا يوحنا، كتاب واحد.
ليُرسل هذا إلى أخينا وزميلنا الأسقف بونيفاس \[في روما]، وإلى سائر الأساقفة في تِلْك المناطق، لكي يُثبِّتوا هذا القانون، فهذه هي الأمور التي تسلَّمناها من آبائنا لقراءتها في الكنيسة.»
مراجع أخرى هامَّة عن قانون العهد الجديد
Westcott, Brooke Foss. A general survey of the history of the canon of the New Testament.
Schröter, Jens. From Jesus to the New Testament: Early Christian Theology and the Origin of the New Testament Canon. Translated by Wayne Coppins.
Trobisch, David. On the Origin of Christian Scripture: The Evolution of the New Testament Canon in the Second Century.
Brewer, Julius A. The History of the New Testament Canon in the Syrian Church (Multilingual Edition).
Patzia, Arthur G. The Making of the New Testament: Origin, Collection, Text Canon.
Gamble, Harry Y. The New Testament Canon: Its Making and Meaning. (Guides to Biblical Scholarship New Testament Series)
Wall, Robert W., and Eugene E. Lemcio. The New Testament as Canon: A Reader in Canonical Criticism. (The Library of New Testament Studies, Vol. 76)
<![endif]>
<![if !supportFootnotes]>[1]<![endif]> إيشوعداد المروزي هو أحد كبار المفسرين واللاهوتيين المسيحيين من الكنيسة النسطورية (المعروفة اليوم بـ«كنيسة المشرق الآشورية») في القرن التاسع الميلادي. يُعَدُّ من أعظم مفسري الكتاب المقدس في التراث السرياني، وله تأثير كبير على الفكر اللاهوتي والتفسير الكتابي في العالم السرياني الشرقي.
<![if !supportFootnotes]>[2]<![endif]> عاليم أداي (بالسريانية: ܡܐܡ̈ܪܐ ܕܐܕܝܐ، بالإنجليزية: The Doctrine of Addai أو Teaching of Addai) هو نص سرياني مسيحي يُعدُّ من أهم الوثائق التاريخية والعقائدية لدى المسيحيين السريان، ويعود تأليفه إلى أواخر القرن الرابع الميلادي تقريبًا (حوالي 400م).
<![if !supportFootnotes]>[3]<![endif]> رُبُّولا الرُّهاوي (بالسريانية: ܪܘܒܼܐܠܵܐ، باللاتينية: Rabula of Edessa) هو أحد أهم الشخصيات في تاريخ الكنيسة السريانية في القرن الخامس الميلادي، ويُعدُّ من أبرز الأساقفة الإصلاحيين، كما كان له دور محوري في نشر وتطوير المسيحية السريانية، خاصةً في مدينة الرُّها (إديسّا – Edessa).
<![if !supportFootnotes]>[4]<![endif]> مخيتار من أيريفانك (بالأرمنية: Մխիթար Այրիվանեցի، بالإنجليزية: Mkhitar of Ayrivank أو Mkhitar Ayrivanetsi) هو أحد العلماء ورجال الدين والمُؤرِّخين الأرمن البارزين في القرن الثالث عشر الميلادي، تحديدًا حوالي سنة 1290م. يُعرف أيضًا أحيانًا باسم مخيتار الأيريفانكي.
<![if !supportFootnotes]>[5]<![endif]> هو كتاب نظام كنسي يُنسَب إلى كليمنت الروماني، يُشير إلى واحد من أهم الكتب القانونية والطقسية في الكنيسة الإثيوبية الأرثوذكسية، ويُعرف في النصوص الجعزية (اللغة الكنسية الإثيوبية) باسم «سِنهادوس» أو «سينودوس» (ትንሣኤ ዘሲኖዶስ – tǝnsā’e zä-sinodos). هو مجموعة من الكتب الكنسية القانونية والطقسية القديمة، تتكوَّن من نصوص وتعاليم وقوانين تُنسب إلى كليمنت الروماني (Clement of Rome)، كما تتضمّن موادًا منسوبة إلى الرسل وتقاليد كنسية قديمة. يُعتبر أحد المراجع الأساسية لتنظيم الحياة الكنسية، وسلوكيات الإكليروس، وترتيب الأسرار الكنسية، وطقوس العبادة، وقوانين الزواج والأسرة في الكنيسة الإثيوبية.
يتكوَّن كتاب السينودوس عادةً من عدة أقسام أو “كتب” صغيرة، ويشمل:
السينودوس الصغير (The Little Synodos): يتضمّن قواعد عن الأسرار الكنسية (المعمودية، الإفخارستيا، الزواج، …إلخ).
السينودوس الكبير (The Great Synodos): يتوسَّع أكثر في شرح القوانين الكنسية والعقائدية.
قوانين كليمنت (Clementine Canons): قوانين كنسية منسوبة إلى كليمنت الروماني.
قوانين الرسل (Apostolic Canons): مواد منسوبة إلى الرسل.
تمت ترجمة هذه النصوص إلى الجعزية، وأُدخلت في التقاليد القانونية والعبادية للكنيسة الإثيوبية الأرثوذكسية.
<![if !supportFootnotes]>[6]<![endif]> يُعرف أيضًا باسم “القانون الكليمنتي” أو “قوانين كليمنت” (Clementine Canons). كليمنتوس هنا يُقصد به كليمنت الروماني (بالإنجليزية: Clement of Rome، وباليونانية: Κλήμης Ῥώμης)، أما في التراث الإثيوبي، فالاسم يُكتب: Qälēmenṭos (ቀሌምንጦስ) في الجعزية (Ge‘ez)، وهو الاسم الحبشي لكليمنت. القانون الكليمنتي أو “قوانين كليمنت” عبارة عن مجموعة من القوانين الكنسية المنسوبة اسمًا إلى كليمنت الروماني. وقد دخلت هذه القوانين ضمن مجموعات القانون الكنسي الإثيوبي المعروفة باسم «سِنهادوس» (Sǝnhadōs) و«فِتحة نِغِست» (Fetha Nagast)، وهما المصدران الرئيسيان للقانون الكنسي والمدني في الكنيسة الإثيوبية الأرثوذكسية. تتضمن هذه القوانين توجيهات حول حياة الكنيسة، ترتيب الأسرار الكنسية، السلوكيات الأخلاقية، واجبات الكهنة والأساقفة، بعض الأحكام المدنية، تنظيم العلاقات الاجتماعية، وقوانين الأسرة والزواج.
<![if !supportFootnotes]>[7]<![endif]> الجدل الدُّوناتي الطَّويل يُشير إلى الصراع الفكري والكنسي الممتد لقرون حول البدعة الدوناتية (Donatism) في شمال إفريقيا خلال القرنين الرابع والخامس الميلاديَّين، وما تفرع عنها من آثار لاهوتية، وكنسية، واجتماعية، وسياسية، استمر الجدل حولها لقرون بعد ذلك في الغرب المسيحي. الدوناتية هي حركة انفصالية مسيحية نشأت في شمال إفريقيا، بعد اضطهاد دقلديانوس للمسيحيين (303-305م)، واتخذت اسمها من زعيمها «دوناتوس» (Donatus Magnus).