القائمة إغلاق

خلاصة كتاب: ما هو التاريخ؟، تأليف: إدوارد كار

خُلاصة كتاب:

ما هو التاريخ؟ What Is History

تأليف: إدوارد كار Edward Carr

روابط التَّحميل: [DOC] [PDF]

فهرس المواضيع

تعريف بالكتاب والمؤلِّف.. 2

المؤرخ ووقائعه. 2

المجتمع والفرد 7

التَّاريخ والعِلْم والأخلاق. 12

السَّببِيَّة في التَّاريخ. 19

التَّاريخ باعتباره تقدُّمًا 23

الأفق المُتَّسِع. 29

مُلاحظات لأجل إصدار جديد من «ما هو التَّاريخ؟» 32

فوضى التَّاريخ. 32

  

تعريف بالكتاب والمؤلِّف

هذا الكتاب هو واحد من الكتب المرجعية الأساسية في إبستمولوجيا التاريخ، تعريفًا بالحقل المعرفي ومناهج النظر فيه.

مؤلف الكتاب: مؤرخ وصحفي ودبلوماسي إنجليزي، وأحد كبار مُنظِّري التَّاريخ في الفكر الغربي المعاصر.

المؤرخ ووقائعه

عقَّب السير جورج كلارك في مقدمته العامة للطبعة الثانية من (Cambridge Modern History) على اعتقاد أكتون ومعاونيه بأنه من الممكن كتابة التاريخ النهائي في يوم من الأيام.

ولجأ بعض الباحثين نافدي الصَّبر إلى التَّشكيك، أو على الأقلّ إلى المبدأ القائل بأنَّه طالما أنَّ كلّ الأحكام التَّاريخية تتضمَّن أشخاصًا ووجهات نظر؛ فإنَّ الأحكام التَّاريخية لا تختلف في قيمتها، وأنَّه لا وُجُود لحقيقة تاريخية «موضوعية».([1])

فالتناقض بين أكتون والسير جورج كلارك ما هو إلا انعكاس للتغير الحاصل في نظرتنا الشاملة للمجتمع في الفترة الفاصلة بين تصريحات كل منهما.

عندما نحاول إجابة سؤال ما هو التاريخ؟) تعكس إجاباتنا بشكل واع أو غير واع – العصر الذي نعيش فيه، وتشكل جزءا من إجابتنا عن السؤال الكبير الخاص بما هي النظرة التي ننظر بها إلى مجتمعنا.

 نظرا لحرصهم على تقوية ادعائهم بعلمية التاريخ. فقالوا عليك التحقق من الوقائع أولا، ثم استخلص استنتاجاتك منها.

ويشير قاموس أكسفورد (Oxford Shorter English Dictionary) يُعرّف الواقعة Fact بأنَّها «مادَّة أوَّلِيَّة نكتسبها من التجربة تختلف عن الاستنتاجات». … فالتاريخ يتكون من مجموعة من الوقائع التي تم التحقق منها، وهي الوقائع التي يجدها المؤرخ في الوثائق والمخطوطات إلخ؛

ومع معارضة السير جورج كلارك لتوجه أكتون، إلا أنه فرّق بين «اللُّب الصَّلد للوقائع» وبين «اللُّباب المُحيط به مِن التَّأويلات المُتنازع عليها»، … عليك أوَّلاً أن تحصل على كل الوقائع بطريقة مباشرة، ثم انغمس على مسئوليتك في رمال التأويل المتحركة. ويُمكننا هنا استدعاء القول المأثور عن الصحفي الليبرالي العظيم سي. بي. سكوت بأن «الوقائع مُقدَّسة، والرَّأي حُرّ».

ليس كل واقعةٍ ماضية تُعَدّ تاريخيةً، … إذن ما هو المعيار الذي يُميِّز الوقائع التَّاريخية عن غيرها مِن الوقائع الماضية؟

ما هي الواقعة التاريخية إذن؟ … طبقاً للتَّصوُّر الشَّائع، هناك بعض الوقائع الأساسية بالنسبة إلى جميع المؤرخين أو كما يمكننا أن نسميها العمود الفقري للتاريخ؛

أتذكَّر إشارة هاوسمان التي قال فيها إنِّ «الدِّقَّة أمرٌ واجبٌ، وليست فضيلة».([2])

ولهذا أجيز للمؤرخ أن يعتمد على ما سمي بـ علوم التاريخ المساعدة: كعلم الآثار وعلم النقوش القديمة (الإيبوغرافيا)، وعلم المسكوكات، وعلم التسلسل الزمني (الكرونولوجيا) وهلم جرا.

وتمثل هذه الأشياء المسماة بالوقائع الأساسية والمتطابقة لدى جميع المؤرخين المواد الخام للمؤرخ أكثر من التاريخ نفسه.

فلا يوجد صحافي في الوقت الحاضر لا يقر بأن أكثر الطرق تأثيرا في الرأي هو اختيار الحقائق الملائمة وتنظيمها. وأصبح شائعًا القول بأن الوقائع تتحدث عن نفسها. وهو أمر خاطئ غير صحيح، فالوقائع تتحدث فقط عندما يستدعيها المؤرخ ويقرر أي الوقائع تتحدث، وبأي ترتيب وفي أي سياق.

والسبب الوحيد الذي يدفعنا للاهتمام بمعرفة أن المعركة وقعت في هاستينجز عام (١٠٦٦م)، هو أنَّ المؤرخين يعدونها حادثة تاريخية عظمى.

لقد عرَّف البروفيسور تالكوت بارسونز العلم ذات مرة بأنه «نظام انتقائي للتوجهات الإدراكية للواقع».([3])

فالمؤرخ انتقائي بشكل حتمي، والاعتقاد بوجود لب جامد من الوقائع التاريخية بشكل موضوعي ومستقل عن تأويلات المؤرخين ما هو إلا اعتقاد باطل وغير منطقي، وإن كان من الصعب محوه.

هذا يعتمد بشكل أساسي على مدى قبول مؤرخين آخرين لأطروحات البروفيسور كيتسون وتأويلاته التي يعتبر فيها هذا الحادث واقعةً تاريخية؛ … ويدخل عنصر التأويل هذا في كل واقعة تاريخية.

وتم تشبيه التاريخ بأحجية صور مقطعة ضاع منها العديد من أجزائها إلا أن المشكلة الحقيقية لا تتوقف على الأجزاء الناقصة. … فاختيار الصورة التي ستصل إلينا وتقريرها ليس عرضًا، بل عن طريق أناس مشبعين -بوعي أو بغير وعي- برؤية معينة، وظنوا أن الوقائع المؤيدة لهذه الفكرة هي الجديرة بالبقاء.

وبالطريقة نفسها، عندما قرأت في تاريخ حديث للعصور الوسطى أن الناس كانوا شديدي العناية بالدين في تلك الفترة، تساءلت عن كيفية وصول هذه المعلومة إلينا وعن مدى صحتها.

لقد قرر الموتى من المؤرخين وكتاب الحوليات والنسّاخ مسبقا الشكل الذي يجب أن يكون عليه الماضي. وكتب البروفيسور براكلاو أحد المتخصصين في التاريخ الوسيط – أنَّ «التاريخ الذي نقرؤه بالرغم من استناده على وقائع- ليس تاريخا وقائعيًا على الإطلاق بل مجموعة من الأحكام المقبولة».([4])

فتجب عليه إذن مهمة مزدوجة باكتشاف الوقائع المهمة وتحويلها إلى وقائع تاريخية، وإسقاط غيرها من الوقائع غير المهمة باعتبارها غير تاريخية.

لقد حدث شيء ما خطأ تمثل في الإيمان بأن تكديس الوقائع الجامدة المتواصل بلا نهاية هذا هو أساس التاريخ، والاعتقاد بأن الوقائع تتحدث عن نفسها وأننا لا يمكن أن نمتلك الكثير من الوقائع.

فقد كانت الوثائق كتابوت العهد في معبد الوقائع، وعلى المؤرخ الصالح أن يتقدم بخطوات حذرة في حضرتهم برأس خفيض وصوت خاشع. فالشيء صحيح ما دمت قد عثرت عليه في الوثائق.

لا يمكن أن تخبرنا الوثائق إلَّا بما اعتقده الكاتب؛

وسواء كانت الوقائع وثائقية أم لا، فلا يزال على المؤرخ أن يعالجها قبل الاستفادة منها فيما يمكن أن أسميه الترتيب السِّياقيّ.

وهذا أمر مألوف في جميع المحادثات الدبلوماسية لن تخبرنا الوثائق بما حدث ولكن ستخبرنا بما رأى شترسمان أنه حدث أو ما أراد أن يراه الآخرون أو ما أراد أن يراه هو نفسه.

في خلال الخمسين عاما الماضية أُجريت العديد من الدراسات الجادة عن سؤال «ما هو التاريخ ؟»،

أعلن كروتشه أن كل تاريخ هو «تاريخ معاصر»،([5])

كولينجوود (Collingwood) المفكر البريطاني الوحيد في القرن الحالي الذي أسهم مساهمة فعالة في فلسفة التاريخ.

يمكن تلخيص آراء كولينجوود على الوجه التالي: إن فلسفة التاريخ لا تهتم بـ «الماضي في حد ذاته» أو بـ «ما يراه المؤرخ فيه في حد ذاته»، ولكن «بالاثنين معاً والعلاقات المتبادلة فيما بينهما».

أي فعل ماض هو فعل ميت أي لا يعني أي شيء بالنسبة إلى المؤرخ إلا إذا أدرك المؤرخ المعنى الكامن وراءه، «فكل التاريخ تاريخ فكر» و «التاريخ هو إعادة تمثيل في ذهن المؤرخ للفكر المرتبط بالتاريخ الذي يدرسه».

(هامّ جدًّا) فمن ناحية لا تصلنا الوقائع التاريخية «نقية»؛ لأنَّها لا تكون كذلك أبدًا ولا يمكن أن تكون؛ إذ إنها تنعكس دائمًا كأشعة الشمس في عقل مدونها. يستتبع ذلك أنه عندما ننظر في عمل تاريخي، فلا يجب أن يرتكز اهتمامنا في البداية على الوقائع التي يحتويها العمل، بل على المؤرِّخ الذي قام بكتابته.

طالما أنه يجب على المؤرخ أن يعيد في ذهنه تمثيل ما جرى في ذهن شخصياته التاريخية، يجب بالتبعية على القارئ أن يعيد في ذهنه تمثيل ما جرى في ذهن المؤرخ. قم بدراسة المؤرخ قبل أن تدرس الوقائع.

لقد كان صعبًا على مؤرخ ليبرالي في القرن التاسع عشر نشأ على أن التضحية في سبيل الدفاع عن الوطن هي أمر يدعو للفخر ويستحق الثناء، بينما التضحية في سبيل الدفاع عن الدين هي أمر مخز ، كان صعبا عليه أن يبني فهما تصوريًا لمن شارك في حرب الثلاثين عامًا.

فالتاريخ لا يمكن كتابته إلا إذا حقَّق المؤرِّخ نوعًا ما مِن التَّواصُل مع ذهن من يكتب عنهم.

 ينزع التشديد على دور المؤرخ في صناعة التاريخ عند دفعه إلى نهايته المنطقية إلى استبعاد إمكانية وجود أي تاریخ موضوعي على الإطلاق؛ فالتاريخ هو ما يصنعه المؤرخ.

وبذلك أصبح أمامنا بدلا من نظرية تقول بأن «التاريخ ليس له معنى» نظرية المعاني اللانهائية، وليست إحداهما أصح من الأخرى.

اتبع البرجماتيون الأمريكيون المبدأ نفسه، ولكن بوضوح وإخلاص أقل؛ فالمعرفة هي معرفة لغاية ما. وتتوقف صحة المعرفة على صحة الغاية الكامنة وراءها.

وواجب المؤرخ الخاص في احترام الوقائع لا ينتهي بمجرد التأكد من دقتها، فعليه أن يبذل كامل جهده للحصول على كلّ الحقائق التي تتصل بموضوع دراسته أو بحثه.

وتتطابق صلة المؤرخ بالموضوع الذي يدرسه مع صلة الإنسان ببيئته. فالمؤرخ بالنسبة إلى وقائعه ليس عبدا ذليلا ولا سيدًا طاغيًا، بل العلاقة بينهما علاقة أخذ ورد ومساواة. فكما هو معلوم، إذا توقف المؤرخ عن التأمل فيما يكتب ويفكر سيصبح منغمسًا في عملية مستمرة من تشكيل الوقائع وفقًا لتأويله والعكس.

ومن ثمَّ تتمثل الإجابة على سؤالي الأول «ما هو التَّاريخ؟» أنه عملية مستمرة من التفاعل بين المؤرخ ووقائعه، وحوار لا ينتهي بين الماضي والحاضر.

المجتمع والفرد

يشبه السؤال عن أيهما يسبق الآخر: الفرد أم المجتمع، سؤال الدجاجة والبيضة. … بل يمكن القول إن العلاقة بين الفرد والمجتمع علاقة تكاملية كلا تجمع منهما بالآخر. ولا يمكننا الاكتفاء بالفرد دون المجتمع أو العكس. … فبمجرد أن نولد، تعمل علينا الطبيعة وتحوّلنا من وحدات بيولوجية محضة إلى وحدات اجتماعية. فكل إنسان في أي مرحلة تاريخية أو قبل تاريخية يولد في مجتمع يقوم بقولبته. فاللغة التي يتحدثها ليست وراثةً فردية، بل هي اكتساب اجتماعي من الجماعة التي ينشأ بينها. وتساهم كل من لغته وبيئته في تحديد سمات فكره، وتتشكل أفكاره الأولى من خلال الآخرين ولذلك لولا المجتمع لأصبح الإنسان أبكم وبلا عقل.

 والأسطورة الأخرى التي ترتبط بذلك الأمر هي أسطورة كيريلوف في شياطين ديستوفيسكي انتحر كيريلوف ليثبت حريته المطلقة. فالانتحار هو الخيار الحر الوحيد الذي يمتلكه الفرد، ويتضمن كلُّ فعل بوسيلة أو بأخرى انتماءه إلى مجتمع ما.

في الهامش: صك دوركايم في دراسته الشهيرة عن الانتحار مصطلح اللا معيارية للإشارة إلى حالة الفرد المنعزل عن المجتمع؛ وهي حالة تؤدي إلى الاضطراب العاطفي والانتحار لكنه أشار أيضًا إلى أن الانتحار غير مستقل بأي شكل من الأشكال عن الظروف الاجتماعية.

فإن تطور المجتمع وتطور الفرد يسيران جنبا إلى جنب، ويؤثر كل منهما في الآخر. وفي الواقع، نقصد بالمجتمع المعقد أو المتقدم ذلك المجتمع الذي اتخذ فيه الاعتماد المتبادل بين الأفراد صورًا متقدمة ومعقدة.

وهذا المفهوم المراوغ الطبيعة البشرية يختلف من بلد إلى آخر ومن قرن إلى آخر، ويصعب تجنب اعتباره ظاهرةً تاريخية تتشكل من خلال الأحوال والتقاليد الاجتماعية السائدة.

إن مذهب الفردانية هو إحدى أكثر الأساطير التاريخية الحديثة انتشارًا. ووفقا للرواية الشائعة التي ذكرها بوركهارت في كتابه حضارة عصر النهضة في إيطاليا» الذي يحمل الجزء الثاني منه عنوان نشأة الفرد فإن المذهب الفردي بدأ مع عصر النهضة عندما أصبح الفرد الذي كان حتى ذلك الوقت «لا يعتبر نفسه إلا عضوا في سلالة أو شعب أو جماعة أو عائلة أو شراكة» يعتبر نفسه فردًا روحيًا ويدرك نفسه كذلك». بعد ذلك ارتبط المذهب بنشأة الرأسمالية والبروتستانتية وبدايات الثورة الصناعية ومذهب حرية العمل وكانت حقوق الإنسان والمواطن التي نادت بها الثورة الفرنسية هي حقوق الفرد.

وعند الحديث المجرد عن التوتر بين أفكار مجردة كالحرية والمساواة أو حرية الفرد والعدالة الاجتماعية، نكون عرضة لأن ننسى كون أن هذه الصدامات لا تحدث أفكار مجردة فهذه الصراعات ليست بين الأفراد بصفتهم أفرادا وبين المجتمعات بصفتها مجتمعات بل بين مجموعات من الأفراد تسعى جاهدة لدعم سياسات مناسبة لها وإعاقة سياسات ضارة بها.

لن نصل أبدًا إلى فهم حقيقي سواء للماضي أو الحاضر إن حاولنا رؤية فرد مجرد مستقل عن المجتمع.

والشخصيات التاريخية التي يدرسها المؤرخ لم تكن تتحرك في فراغ، بل تحركت في سياق مجتمع الماضي وتحت ضغطه.

فإلى أي مدى يكون المؤرخون أفرادًا وإلى أي مدى هُم نِتاج وثمرة المجتمع والعصر الذي عاشوا فيه؟ وإلى أي مدى تمثل الوقائع التاريخية وقائع عن أفراد وإلى أي مدى تمثل وقائع اجتماعية؟

فالمؤرخ إذن إنسان فرد، لكنه كبقية الأفراد يمثل أيضًا ظاهرةً اجتماعية.

فالمؤرخ جزء من التاريخ والموضع الذي يجد فيه المؤرخ نفسه هو الذي يحدد زاوية نظره إلى الماضي.

 فالأعمال التاريخية العظيمة لا تنشأ إلا عندما تُضاء رؤية المؤرخ للماضي من خلال استبصاراته في مشكلات الحاضر.

لقد أردت فقط إلقاء الضوء على حقيقتين مهمتين: الأولى أنه لا يمكنك فهم أو تقدير عمل المؤرخ بشكل صحيح إلا إذا نظرت إلى التاريخ من الزاوية نفسها التي نظر عبرها المؤرخ واعتمد عليها في تناوله للموضوع. والحقيقة الثانية أن رؤية المؤرخ تتأثر بالمجتمع والزمان اللذين عاش فيهما. ولا تنسَ ما قاله ماركس عن أن المعلم ذاته ينبغي أن يتم تعليمه وبمصطلحات حديثة يجب على القائم بغسيل الدماغ أن يتم غسل دماغه فالمؤرخ قبل أن يبدأ كتابة التاريخ، هو أحد منتجات ذلك التاريخ.

 وعلى الحقيقة أنا أغبط أي مؤرخ شهد الخمسين عاما الماضية بما تحمله من أحداث هزت العالم ولم تتغير رؤاه تغيرات جذرية. إن غايتي هي تسليط الضوء على المدى الكبير الذي يعكس به المؤرخ المجتمع الذي يعمل فيه فليست الأحداث التاريخية وحدها هي التي تتغير بشكل مستمر، بل إن المؤرخ نفسه في حالة تغير دائم. فأنت عندما تمسك بأي عمل تاريخي، لا يكفي أن تعرف اسم المؤلف الموجود على صفحة الغلاف، وإنما عليك أيضًا التحري عن وقت نشره أو كتابته؛ إذ عادةً ما يكون أكثر دلالة.

المؤرخ الذي يمتلك إدراكًا كافيًا لواقعه يكون أكثر قدرة على تجاوزه، كما أنه قادر على تقدير الاختلافات الجوهرية بين مجتمعه ورؤيته وبين مجتمعات العصور والبلاد الأخرى أكثر من المؤرخ الذي يتشدق بأنه فرد وليس ظاهرةً اجتماعية.

لقد قلتُ في المحاضرة الأولى: قبل أن تدرس التاريخ، ادرس المؤرخ. وأود أن أضيف الآن قبل أن تدرس المؤرخ ادرس بيئته التاريخية والاجتماعية. فالمؤرخ مع كونه فردًا هو أيضًا نتاج التاريخ والمجتمع. ويجب أن يتعلم طالب التاريخ أن ينظر إلى المؤرخ في هدي هذا النور المزدوج.

فالرغبة في التسليم بأن العبقرية الفردية هي القوة الخلاقة في التاريخ كانت واحدة من سمات مراحل الوعي التاريخي البدائية.

ما نقش في الصغر يصعب محوه في الكبر؛

عالم النفس الذي يفشل في دراسة البيئة الاجتماعية للمريض لن يحرز أي تقدم في علاجه ومن المغري أن نضع حدا فاصلًا بین السير الذاتية التي تتعامل مع الإنسان باعتباره فردًا، وبين التاريخ الذي يتعامل معه باعتباره جزءًا من كل،

ومن الممكن أن تكون هناك كتب ممتازة عن الماضي دون أن تكون تاريخية. ولكن أظن أننا لنا الحق في حفظ كلمة التاريخ لأجل عملية البحث في ماضي الإنسان باعتباره جزءا من مجتمع؛

(هامّ جدًّا) فأنا لا أؤمن لا بالعناية الإلهية ولا روح العالم، ولا القدر ولا التاريخ باعتباره محركا، إلى آخر هذه القائمة من الأفكار المجردة التي تم اعتبارها أحيانًا موجهةً لمجرى الأحداث.

التاريخ إلى حد كبير هو مسالة أرقام.

كارليل … لنستمع إلى أكثر تصريحاته بلاغةً وتعبيرا في أعظم أعماله التاريخية:

«كما في كل الثورات المماثلة في جميع البلدان، كان الجوع والعري والقمع المرعب القابع على قلوب خمسة وعشرين مليونا هو المحرك الأساسي للثورة الفرنسية، وليس الكبرياء المجروح ولا فلسفات المحامين المتناقضة ولا أصحاب المحال الأغنياء ولا نبيلات الريف».([6])

أو كما قال لينين: «تبدأ السياسة حيث توجد الجماهير الغفيرة؛ تبدأ حيث الملايين لا الآلاف؛ ساعتها تبدأ السياسة الحقة».([7])

«القوى اللا شخصية الضخمة» التي أشار إليها إليوت أنفسهم من سماهم كلارندون المحافظ الصريح الجريء «الوضعاء ممن لا اسم لهم».([8])

لقد كان لكل الحركات المؤثرة قادةٌ قلائل وحشود من الأتباع، لكن لا يعني ذلك أن الحشود ليست ضرورية لنجاحها فالأعداد لها حساب في التاريخ.

أفعال الأفراد تؤدي في أحيان كثيرة إلى نتائج لم تكن مقصودة ولم يكن هناك نية مُبيَّتة لفعلها.

 وكتب ماركس في مقدمة كتابه «نقد الاقتصاد السياسي»: «عندما يشترك الناس في الإنتاج الاجتماعي لوسائل الإنتاج الخاصة بهم، فإنهم يدخلون معا في علاقات محددة وحتمية مستقلة عن إرادتهم».

البروفيسور بترفيلد يقول: «هناك شيء ما في طبيعة الأحداث التاريخية يؤدي إلى تغيير مسار التاريخ إلى منعطفات لم ينو أحد المرور بها».([9])

فما على المؤرخ دراسته هو ما يكمن وراء السلوك، وقد لا يكون بينه وبين الفكر الواعي للفرد أو دافعه أي ارتباط.

لا يوجد مجتمع متجانس بشكل كامل. فكل مجتمع يمثل ساحة للصراعات، وهؤلاء الأفراد ممن نظموا أنفسهم لمعارضة السلطة القائمة هم نفسهم منتجات وانعكاسات للمجتمع كمؤيدي السلطة.

نيتشه كان نتيجةً مباشرة للمجتمع الأوروبي، وبالأخص المجتمع الألماني، لقد كان ظاهرة اجتماعية فريدة لم يكن ممكنا مثلا أن تظهر في الصين أو بيرو.

(هامّ جدًّا) ما هو الدور الذي يلعبه الرجل العظيم في التاريخ ؟ إن الشخص العظيم فرد وبتحوله إلى فرد بارز يصبح ظاهرةً اجتماعية ذات أهمية بارزة.

 هيجل في وصفه الكلاسيكي القائل: «إنَّ الرجل العظيم هو الرجل الذي يستطيع أن يصوغ إرادة عصره في كلمات، ويخبر عصره بها، ويحققها. فإنَّ ما يفعله هو قلب عصره وماهيته. إنه يجسد عصره».([10])

يقترب هذا الرأي مع ما طرحه دكتور ليفيس عن أن الكتاب العظماء تكمن «أهميتهم في مدى ما ينشرونه من وعي إنساني».([11])

فالرجل العظيم إما أنه ممثل عن قوى موجودة وإما عن قوى يساعد هو في تأسيسها من خلال تحديه للسلطة القائمة.

ولا يجب أن تغفل أن هؤلاء العظماء ممن كانوا سابقين لعصرهم لم يتم الاعتراف بعظمتهم إلا من الأجيال اللاحقة. وفي رأيي، فإن ما يجب إدراكه في الرجل العظيم هو أنه فرد بارز وفي الوقت نفسه نتاج ووكيل عن السيرورة التاريخية وممثل ومنشئ لقوى اجتماعية تغيّر شكل العالم وأفكار الأفراد.

فالتاريخ -كما يقول بورکهارد- هو «سِجِلّ لِمَا يراه عصرٌ ما يستحق الذِّكر مِن عصرٍ آخر».([12])

والماضي لا يستبين لنا إلا في ضوء الحاضر، ولا يمكننا فهم الحاضر بشكل كامل إلا في ضوء الماضي. فوظيفة التاريخ المزدوجة تتمثل في تمكين الإنسان من فهم مجتمع الماضي، وزيادة تحكمه في مجتمع الحاضر.

التَّاريخ والعِلْم والأخلاق

سنجد بكل سهولة في كل اللغات الأوروبية الأخرى أن الكلمة المرادفة لكلمة «علم» تتضمن التاريخ بلا أي تردد. … مُشكلات المنهج في التاريخ.

استحضر برتراند راسل بعد ذلك هذه الفترة عندما تمنى أنه في وقت ما سيكون هناك «رياضيات للسلوك الإنساني في دقة رياضيات الماكينات».([13])

قام عالم الرياضيات الفرنسي المعروف هنري بوانكاریه بنشر مجلد صغير بعنوان: «العلم والفرض»، والذي دشن ثورة في التفكير العلمي.

فعلى الرغم من أنه ما زال بعض العلماء وحتى العلماء الاجتماعيين يتحدثون عن القوانين، فإنهم أصبحوا لا يؤمنون بوجودها بالمعنى الذي آمن به عالميًا علماء القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.

PAGE_SEPARATOR

يتطلب أي نوع من التفكير قبول مجموعة من الافتراضات القائمة على الملاحظة تجعل من التفكير العلمي أمرًا ممكنًا، وفي الوقت نفسه تخضع للمراجعة من قبله.

فتقسيم التاريخ إلى حقب ليس أمرًا واقعيًا، لكنه فرض ضروري أو أداة مهمة من أدوات التفكير؛ وهو صحيح ما دام يساعد على الإيضاح ويعتمد في صحته على التأويل. فالمؤرخون الذين يختلفون في تحديد نهاية القرون الوسطى يختلفون [بالأساس] في تأويل أحداث معينة.

فمعظم المؤرخين يفترضون أن روسيا جزء من أوروبا بينما ينكر البعض ذلك. ويمكننا الحكم على تحيز المؤرخ من خلال الفروض التي يتبناها.

أولا، من الادعاءات التي يتم طرحها أن التاريخ يهتم بالمفرد والمعين، بينما يهتم العلم بدراسة ما هو عام وكلي.

فالمؤرخ لا يهتم بالمفرد، بل بما هو عام في المفرد.

فعندما أقرأ كتاب الثورة الفرنسية لكاريل، أجد نفسي مرارا وتكرارًا أعمم ملاحظاته من خلال تطبيقها على مجال اهتمامي الخاص في الثورة الروسية.

غير المعقول القول بأن التعميم دخيل على التاريخ. فالتاريخ يعيش على التعميمات وهذا ما ذكره ببلاغة مستر إلتون في جزء من أجزاء الإصدار الجديد (Cambridge Modern History) في قوله: «ما يميز المؤرخ عن جامع الوقائع التاريخية هو التعميمات».([14])

يهتم التاريخ بالعلاقة بين المفرد والعام.

وعلم الاجتماع إذا أراد أن يصبح تخصصًا مهما ومثمرًا، عليه كالتاريخ أن يهتم بالصلة بين العام والمفرد، وأن يصبح ديناميكيا يهتم بدراسة التغير والتطور الاجتماعي، وليس المجتمع على حالته إذ لا يوجد مجتمع لا يتغير.

فالمقصد الأساسي من التعميم هو أننا نحاول من خلاله التعلم من التاريخ وتطبيق الدروس ونقلها من مجموعة معينة من الأحداث إلى مجموعة أخرى؛ بوعي أو بغير وعي.

لكن التشديد على أن الناس لا يتعلمون أي شيء من التاريخ يتناقض مع العديد من الحقائق المثبتة.

فالتعلم من التاريخ ليس إجراء في اتجاه واحد، فكي تدرك الحاضر في ضوء الماضي، يعني في الوقت نفسه أن تدرك الماضي في ضوء الحاضر. فوظيفة التاريخ هي تحقيق فهم أعمق لكل من الماضي والحاضر عبر الترابط فيما بينهما.

تتمثل نقطتي الثالثة في دور التنبؤ في التاريخ يُقال إنه لا توجد دروس يمكن تعلمها من التاريخ؛ لأنه لا يمكنه التنبؤ بالمستقبل كما العلم.

ولا يمكنهم ادعاء قدرتهم على التنبؤ بقضايا الحياة الواقعية فقانون الجاذبية لا يثبت أن تفاحة معينة ستسقط على الأرض، فربما يلتقطها أحدهم في سلة. وقانون البصريات الذي ينص على أن الضوء يتحرك في خط مستقيم لا يثبت أن شعاعا معينا لن ينعكس أو ينتشر بتأثير جسم يعترضه.

ويكمن مفتاح مسألة التنبؤ في التاريخ في التمييز بين العام والمعين؛ بين الكلي والمفرد. فكما رأينا فإنه لا مناص للمؤرخ من التعميم؛ وبذلك يقدم إرشادات عامة تصلح لعمل صحيح ومفيد في المستقبل، على الرغم من كونها تنبؤات غير معينة.

على أية حال هو أكثر الكائنات الحية تعقيدًا فيما نعلم، وتتضمن دراسة سلوكه الكثير من الصعوبات المختلفة عن تلك التي يواجهها عالم الفيزياء.

ولا يعد البشر أكثر الكائنات الحية تعقيدًا وتغيرًا فحسب، بل أيضًا لا تمكن دراستهم إلا من خلال بشرِ آخرين وليس مراقبين مستقلين من نوع آخر.

وأحد الأسباب التي تجعل من إعادة التاريخ لنفسه أمرًا نادرًا بين أناس ذوي وعي تاريخي هو أن الشخصيات الرئيسة dramatis personae) في المشهد التاريخي تعرف في المرة الثانية كيف سارت الأمور في المرة الأولى ويتأثر سلوكها جراء ذلك.

وسواء كان القول بأن لا حتمية الفيزياء الحديثة موجودة بالفعل في الكون أو كان ذلك مؤشرًا فقط على فهمنا الناقص له [أي الكون] حتى الآن (وهو أمر ما زال مختلفًا فيه حتى الآن)،

وأميل الآن إلى إثبات أن العلوم الاجتماعية بشكل كامل باعتبار أنها تتضمن الإنسان باعتباره ذاتًا وموضوعًا في الوقت نفسه باحثًا ومبحوثا ، لا تتوافق مع أي نظرية معرفة تنادي بطلاق بائن بين الذات والموضوع.

عليَّ أن أناقش الرأي الخاص بأن التاريخ نظرا لاعتنائه بأسئلة الدين والأخلاق يتميز عن العلم بشكل عام، وربما عن العلوم الاجتماعية الأخرى.

إن كونك عالم فلك جادًا يتوافق مع الاعتقاد في إلهِ خَلَق العالم ونظمه، لكنه لا يتوافق مع الإيمان بإله يتدخل لتغيير مجرى الكوكب أو تأجيل كسوف الشمس أو تغيير قوانين اللعبة الكونية. ووفقًا للمنطق نفسه، يمكن للمؤرخ الجاد الإيمان بإله ينظم مسار التاريخ ويضفي عليه المعنى جملةً، لكن لا يمكنه الإيمان بإله من نوع إله العهد القديم الذي يتدخل لذبح العماليق، أو يغش في التقويم ويطيل ساعات النهار لصالح جيش يوشع ولا يمكنه أيضًا اعتبار التدخل الإلهي تفسيرًا لحدث تاريخي معين.

وبشكل شخصي، يصعب علي التوفيق بين وحدة التاريخ وبين الاعتقاد في وجود قوةٍ فوق تاريخية يعتمد عليها التاريخ في اكتساب معناه ،وأهميته سواء كانت هذه القوةُ هي إله شعب مختار، أو إلها مسيحيًا، أو يد الرب الخفية، أو روح العالم الهيجلية

سأفترض أنه يجب على المؤرخ أن يحل مشاكله والمصاعب التي تواجهه دون اللجوء إلى قوى خارقة، وأن التاريخ لعبة ليس بين أوراقها جوكر، إن جاز التعبير.

وينطبق ذلك على الفضائل كما ينطبق على الرذائل. فيقال إن كلا من باستير وآينشتين كانا رجلين مثاليين لدرجة القداسة في حياتهما الخاصة، ولكن لنفترض الآن أنهما كانا زوجين سيئين وآباء قساة وزملاء عمل منعدمي الضمير هل سيتأثر وقتها الحكم التاريخي على إنجازاتهم بناء على ذلك؟ أو أن هذا ما يشغل المؤرخ في أثناء عمله؟

ليس من واجب المؤرخ إصدار الأحكام الأخلاقية على الحياة الشخصية لأفراد كتابه فإن لديه أمورًا أخرى يجب عليه فعلها.

(مقولة عجيبة!) اتهام موتلي للملك فيليب الثاني في قوله: «إذا كان هُناك بعض الخطايا التي لم يرتكبها؛ فلأنَّه غير مسموح للطَّبيعة الإنسانية بُلُوغ الكمال حتى في الشَّرّ»،

فنجد المؤرخ الفرنسي ليفبيفر (Lefebvre) يسعى جاهدًا لتبرئة ساحة الثورة الفرنسية وعدم تحميلها مسئولية الكوارث وسفك الدماء التي نتجت عن الحروب النابليونية، ونسبتها إلى ديكتاتورية الجنرال وطباعه التي لا تخضع للسلام والاعتدال.

فقد استخدم على الدوام الاعتراف بأن بعض ملاك العبيد كانوا يتسمون بالنبل ورجاحة العقل عذرًا لعدم استنكار الرق باعتباره غير أخلاقي.

فهو لن يصدر حكمًا على مالك العبيد الفرد، لكن لا يمنعه ذلك استنكار امتلاك مجتمع ما للعبيد فكما رأينا، فإن الوقائع التاريخية تستلزم قدرًا

من التأويل، ويتضمن التأويل التاريخي دومًا أحكامًا أخلاقية أو -إن شئت استخدام مصطلح أكثر حيادية في الظاهر – أحكامًا قيمية.

التاريخ ما هو إلا مسيرة مستمرة من الصراع الذي ينتهي على يد جماعات معينة بشكل مباشر في الغالب أو غير مباشر على حساب جماعات أخرى. فالخاسرون يدفعون والمعاناة جزء أصيل من التاريخ. وهذه المسألة معقدة للغاية؛ إذ إننا لا نملك معيارا يمكن أن نوازن به بين المصلحة العليا للبعض وبين تضحيات آخرين، إلا أن موازنة من هذا النوع يجب أن تتم.

وتناقش هذه المسألة عادةً في التاريخ تحت عنوان كُلفة التقدم، أو ثمن الثورة، وهو أمر مضلل.

واستشهد دكتور جونسون بأطروحة أهون الشرين لتبرير المحافظة على التفاوتات القائمة، فقال:

«من الأفضل أن يكون بعض الناس بائسين بدلًا من أن يكون الجميع بائسين، وهذا الحال الأخير هو الوضع في حالة المساواة العامة».([15])

سيتعامل المؤرخ غالبًا مع الثورة الصناعية في بريطانيا باعتبارها أحد الإنجازات الرائدة والعظيمة التي أدت إلى تقدم ويتغاضى عن كل الآثار التابعة لها باعتبارها أخطاء بسيطة غير جديرة بالذكر كعمالة الأطفال وهجر المزارعين لأراضيهم والظروف غير الآدمية التي سادت المساكن والمصانع وسيشير إلى أن هذه الانتهاكات قد حدثت في أثناء عمل النظام، وأن بعض أصحاب الأعمال أكثر قسوة من البعض الآخر، وأن كل هذه المساوئ ستختفي تدريجيًا بزيادة الوعي الإنساني مع استقرار النظام. لكنه يفترض دون ذكر ذلك أن الإكراه والاستغلال في المراحل الأولى هو جزء لا يمكن تجنبه من كُلفة التصنيع. ولم أسمع قط كذلك عن مؤرخ قال بأنه نظرا لفداحة الثمن، فمن الأفضل إيقاف التقدم وعدم إتمام التصنيع؛

وبالمثل، يتغاضى المؤرخون عن استعمار الدول الأوروبية لآسيا وأفريقيا في القرن التاسع عشر ليس فقط لتأثيرها المباشر في الاقتصاد العالمي، بل أيضًا نتيجة عواقبها بعيدة المدى على شعوب هذه القارات المتخلفة.

فمن يعاني الويلات نادرا ما يقطفون الثمار. وهذه الفقرة الشهيرة التي تقطر دمًا من كتابات إنجلز ملائمة تماما بصورة تبعث على الضيق:

«إن التاريخ لهو أكثر الآلهة قسوة يقود مركبته فوق الجماجم المحطمة والجثث الهامدة، ليس فقط في الحروب بل كذلك في أثناء التقدم الاقتصادي «السلمي». ونحن البشر تتجلى حماقتنا في عدم قدرتنا على استجماع الشجاعة الكافية للحصول على تقدم حقيقي إلا إذا ساقتنا إليه الآلام التي تبدو أكثر من اللازم».([16])

نحن نولد في مجتمع وفي تاريخ ولم تأتنا أبدًا ورقة اختيار بين القبول أو الرفض ولا يملك المؤرخ إجابة قاطعة عن مشكلة المعاناة أكثر مما يملك عالم اللاهوت، فهو كذلك يرتد إلى أفكار أهون الشرين والمصلحة العليا.

ما أحاول الوصول إليه الآن هو استحالة إقامة معيار مجرد فوق تاريخي يمكننا من خلاله الحكم على الأفعال التاريخية فكلا الجانبين سيقرأ هذا المعيار بمحتوى معين به يناسب ظروفه وتطلعاته التاريخية الخاصة.

هذا هو الاتهام الحقيقي الموجه لمن يسعى لإقامة مقياس أو معيار فوق تاريخي يصدرون في ضوئه الأحكام على الأحداث أو المواقف التاريخية، سواء كان هذا المقياس مرتكزا على سلطات إلهية يسلّم بها اللاهوتيون، أو على عقل أو طبيعة ثابتة سلّم بها فلاسفة التنوير.

إن محاولة إقامة معيار كهذا هي محاولة لا تاريخية وتعارض جوهر التاريخ ذاته فهي تقدم إجابات دوغمائية للأسئلة التي يجب على المؤرخ بموجب وظيفته إثارتها وطرحها للنقاش. فالمؤرخ الذي يقبل إجابات مقدمًا على هذه الأسئلة يذهب إلى عمله معصوب العينين ويتخلى عن مهنته. فالتاريخ حركة، والحركة تستتبع المقارنة؛

فانبعاث قيمة معينة أو مثال ما في زمن معين أو مكان ما إلى الظروف التاريخية الخاصة للزمان والمكان. فالمحتوى العملي للمطلقات الافتراضية كالمساواة أو الحرية أو العدالة أو القانون الطبيعي، يختلف من عصر إلى آخر ومن قارة إلى أخرى. فلكل جماعة قيمها الخاصة المتجذرة في التاريخ وتحمي كل جماعة نفسها من غزو القيم الغريبة عنها وغير الملائمة لها وتسميها بتسميات مستهجنة كالبرجوازية والرأسمالية أو غير الديمقراطية والشمولية، أو بشكل أكثر فجاجة فترفضها باعتبارها غير إنجليزية أو غير أمريكية. فالقيمة المجردة أو المعيار المجرد المنفصلان عن المجتمع والتاريخ وَهُمْ كَوَهُم الفرد المطلق. والمؤرخ الجاد هو من يدرك السمة التاريخية لكل القيم، وليس المؤرخ الذي يضفي على قيمه الخاصة موضوعية تتجاوز التاريخ.

يغطي مصطلح العلم بالفعل العديد من الفروع المعرفية التي تستخدم مناهج وتقنيات مختلفة،

ويعكس النزاع التحيز القديم لثنائية الإنسانيات والعلم؛ إذ كانت الإنسانيات تمثل الثقافة الواسعة للطبقة الحاكمة، ويمثل العلم مهارات الفنيين الذين يخدمونها.

فالمؤرخ كأي عالم آخر هو حيوان لا يتوقف عن السؤال بـ «لماذا؟». سأتناول في المحاضرة القادمة الوسائل التي يوجه بها هذا السؤال، والتي يجيب بها عليه.

السَّببِيَّة في التَّاريخ

يمكن لأي أحد أن يقرأ بل ويكتب عن وقائع الماضي دون أي رغبة في معرفة السبب الذي حدثت بسببه، … لكن لا يمكننا أن نطلق لقب مؤرخ على من يسلك هذا الاتجاه في تفسير الوقائع التاريخية أو أنه حتى أحد دارسي التاريخ. إن دراسة التاريخ هي دراسة للأسباب.

والمؤرخ العظيم، أو ربما ينبغي أن أقول بشكل أكثر وضوحًا، المفكر العظيم هو الرجل الذي يسأل سؤال لماذا؟» عن أشياء جديدة أو في سياقات جديدة.

لقد بين أبو التاريخ هيرودوت غايته في مستهل كتابه، وهي العمل على حفظ أعمال الإغريق والبرابرة «وبالأخص وقبل أي شيء آخر، الإخبار عن أسباب صراعاتهم مع بعضهم البعض».

مع بداية وضع حجر الأساس لعلم التاريخ الحديث في القرن الثامن عشر، استهل مونتيسكيو كتابه نظرات في أسباب عظمة الرومان وصعودهم وسقوطهم بمبدأ يقضي بأنَّ «هناك أسبابًا عامة أخلاقية أو مادية ذات تأثير في قيام الممالك وحفظها وسقوطها وأن كل ذلك يخضع لهذه الأسباب».

انشغل المؤرخون وفلاسفة التاريخ لمدة تقارب المائتي عام بعد ذلك بمحاولة تنظيم الخبرة الماضية وتنسيقها من خلال اكتشاف أسباب الأحداث التاريخية والقوانين التي تحكمها.

تمَّ الاتفاق على أن التاريخ يتكون من تتابع أحداث الماضي في تسلسل منظم للأسباب والنتائج.

لا يتحدث العديد من الناس عن السبب في التاريخ، بل عن «التفسير» أو «التأويل» أو «منطق الموقف»، أو «المنطق الداخلي للأحدث» -كما عند ديسي-، أو يرفضون المنهج السببي الذي يبحث في سبب ما حدث، في مقابل المنهج الوظيفي الذي يبحث في الكيفية التي وقع بها الحدث على الرغم من أن ذلك سيتضمن حتما السؤال عن كيف نشأ ، مما يردنا إلى سؤال «لماذا».

وبالنسبة إليّ، فإني أفضّل استخدام كلمة (سبب بمعناها الدارج وتجاهل هذه التدقيقات التخصيصية.

أول هذه الإجراءات التي يواجه بها المؤرخ مشكلة السبب هو افتراض العديد من الأسباب المناسبة للواقعة الواحدة.

فالمؤرخ يتعامل مع أسباب عدة، ولو طلب إليه النظر في أسباب الثورة البلشفية قد يجيب وقتها بذكر الهزائم المتعاقبة التي منيت بها روسيا، وانهيار الاقتصاد الروسي تحت ضغط الحرب، ودعاية البلاشفة الفعالة، وفشل حكومة القيصر في حل الأزمة الزراعية وتركز البروليتاريا المعدمة المستغلة في مصانع بتروجراد، وأن لينين كان يعلم بالضبط ما يريد على عكس الآخرين؛ باختصار، سيذكر خليطا عشوائيا من الأسباب الاقتصادية والسياسية والأيديولوجية والشخصية، ومن أسباب بعيدة المدى وأخرى قصيرة المدى.

تدور كل أطروحة تاريخية حول سؤال أولوية الأسباب.

المؤرخ يجب عليه أن يعمل على تبسيط الأسباب وزيادتها في الوقت نفسه.

دعوني أبدأ بالحتمية التي سأعرفها بلا إثارة للجدل كما أمل بأنها الاعتقاد بأن كل شيء حدث له سبب أو عدة أسباب، ولا يمكن أن يختلف حدوثه إلا إذا طرأ اختلاف على هذه الأسباب.

في الهامش: «تعني الحتمية أنه طالما البيانات كما هي، فإن ما سيحدث: سيحدث حتمًا، وإن لم يحدث فهذا يعني أن البيانات قد تغيرت».

س. و. ألكسندر (S. W. Alexander)، «في مقالات مهداة إلى إرنست كاسيرر» (Essays Presented to Ernst Cassirer)، 1936م، ص. 18.

فالمُسلَّمة التي تقضي بأن لكل شيء سببًا هي شرط لازم لفهم ما يجري حولنا.

في الهامش: «إن قانون السببية ليس مفروضًا علينا من العالم بل ربما يكون الوسيلة الأكثر ملاءمة لكي نكيف أنفسنا مع العالم».

جاك رويف (Jacques Rueff)، «من العلوم الفيزيائية إلى العلوم الاجتماعية» (From the Physical to the Social Sciences)، بالتيمور: مطبعة جامعة جونز هوبكنز (Johns Hopkins University Press)، 1929م، ص. 52.

فالحياة اليومية تستحيلُ لولا افتراضنا أن السلوك الإنساني له أسباب يمكننا مبدئيًا التحقق منها.

إنَّ السبب والمسئولية الأخلاقية شيئان مختلفان.

لا يدعي المؤرخون أن الأحداث حتمية قبل أن تقع؛ بل يطرحون دوما السبل الأخرى المتاحة للفاعلين بناءً على أن الاختيار ما زال ممكنًا، على الرغم من أنهم لا يخطئون في تحليلهم سبب اختيار سبيل بعينه في النهاية.

إن أزمة التاريخ المعاصر تتمثل في أن الشعوب تتذكر الأوقات التي كان الاختيار فيها ممكنًا، ويصعب عليهم تقبل توجه المؤرخ الذي أدرك أنه لم يعد الاختيار كذلك يراه من الأمر الواقع.

لغز أنف كليوباترا الشهير. تنظر هذه النظرية إلى التاريخ بصفة عامة باعتباره مجموعة من الحوادث؛ مجموعةً الأحداث تتحكم فيها المصادفات ويمكن إرجاعها إلى أسباب عرضية.

كيف يمكننا اكتشاف سلسلة سببية متماسكة في التاريخ وإيجاد معنى فيه، عندما تكون سلسلتنا معرضة دائمًا لأن يتم كسرها أو تغيير مسارها بسردية أخرى، وغير ذات صلة من وجهة نظرنا؟

ويرجع إصرار الكتاب البريطانيين المتجدد على أهمية المصادفة في التاريخ إلى تصاعد حالة الشك والتخوف التي بدأت مع القرن الحالي وأصبحت سائدة بعد عام (١٩١٤م).

 ويُلاحظ أن النظريات التي تؤكد دور المصادفة أو الحوادث في التاريخ تسود في البلدان التي تعيش في قعر التاريخ وليس على قمته.

فقد كتب ماركس عنها مرة واحدة في أحد خطاباته:

«كان التاريخ سيتسم بسمة باطنية جدًا إن لم يكن للصدفة فيه مكان، وهذه المصادفة نفسها تصبح جانبًا من اتجاه التطور العام وتصححها صور أخرى من المصادفة. لكن التسريع والتأخير يعتمدان على هذه الأمور العرضية» التي تضم طابع «المصادفة» للأفراد الذين هم على رأس حركة في البداية».([17])

وإنني أعترف أنني لا أرضى ولا أقتنع بهذه النظرية. فقد بالغ من يهتم بالتركيز على أهمية الصدفة في تقدير الدور الذي تلعبه في التاريخ.

ولا يعتبر كافيًا أيضًا الرأي القائل بأن الصدفة في التاريخ ما هي إلا مقياس لجهلنا فحسب، أي إنها مجرد اسم يطلق على شيء نعجز عن فهمه.

لقد رأينا في مرحلة سابقة أن التاريخ يبدأ من انتقاء الوقائع وترتيبها بواسطة المؤرخ ، كي تصبح وقائع تاريخية فليست الوقائع كلها وقائع تاريخية، إلا أن الحد الفاصل بين الوقائع التاريخية وغير التاريخية غير صلب ولا ثابت، ويمكن أن ترتفع واقعةً ما إلى مكانة الوقائع التاريخية بمجرد أن تعرف أهميتها.

فالتاريخ إذن هو عملية انتقاء وفقًا للأهمية التاريخية. وبعبارة تالكوت بارسونز، فإن التاريخ نسق انتقائي ليس فقط للتوجهات المعرفية نحو الواقع، بل التوجهات السببية أيضًا فكما ينتقي المؤرخ الوقائع المهمة لهدفه من محيط الوقائع اللانهائي، فإنه ينتزع كذلك المهم تاريخيًا من بين العدد الوفير من السلاسل السببية ومعيار الأهمية التاريخية يتمثل في قدرته على التناسب تفسيره وتأويله العقلاني.

نميز بين الأسباب العقلانية وتلك العَرَضية فالأولى، بما أنها يمكنها الانطباق على بلدان وفترات وشروط أخرى تقودنا إلى تعميمات مفيدة، ودروس وعبر يمكن استخلاصها منها، وتحقق غاية توسيع فهمنا وتعميقه؛ أما الأسباب العرضية فلا يمكن تعميمها؛ إذ إنها متفردة بكل ما تعنيه الكلمة، ولا تقدم أي عبر يمكن الاستفادة منها ولا تؤدي إلى أي استنتاجات.

وبتعبير ماينكه -ماينكه العشرينيات العظيم- «يستحيل البحث عن الأسباب في التاريخ دون الرجوع إلى القيم ويكمن البحث عن القيم بشكل مباشر أو غير مباشر وراء البحث عن الأسباب».([18])

وأظن أن المؤرخين الجيدين يجري المستقبل في عروقهم، أدركوا ذلك أو لا. فإلى جانب سؤال «لماذا؟»، يسأل المؤرخ سؤال «إلى أين؟».

التَّاريخ باعتباره تقدُّمًا

أظن أن «الباطنية» تشير إلى تلك الرؤية التي ترى أن معنى التاريخ يكمن خارجه في علوم اللاهوت أو الأخرويات (الإسكاتولوجي)، كرؤية بردييف أو نيبور أو توينبي وتشير «الكلبية» إلى تلك الرؤية التي تفترض أن التاريخ لا معنى محدد له، أو أن هناك العديد من المعاني متساوية الصحة، أو أن معناه تحكمي نفرضه بأنفسنا، … هاتان الرؤيتان هما تقريبًا الأكثر شيوعًا اليوم عن التاريخ، إلا أنني أرفضهما دون تردد.

لقد كان اليهود أول من وضع عنصرًا جديدًا تمامًا خلال يتحرك التاريخ تجاهه، أي النظرة الغائية للتاريخ، ثم جاء من بعدهم المسيحيون. وهكذا اكتسب التاريخ معنى وغاية على حساب التخلي عن طابعه العلماني. ويمثل تحقيق غاية التاريخ نهايته تلقائيا ويصبح التاريخ عبارة عن نظرية في العدالة الإلهية. لقد كانت هذه هي نظرة القرون الوسطى للتاريخ.

لقد أصبح التاريخ تقدمًا تجاه أكمل وضع للإنسان على الأرض.

الإيمان بالتقدم ما زال مسلمة تتحكم في تفكيرنا.

وبرزت الثورة الداروينية لتزيل كل مواطن الإحراج هذه بمساواتها بين التقدم والتطور؛ فقد اتضح الطبيعة -كالتاريخ- تتقدم.

ولا يقاس التطور من خلال التوريث إلا عبر الألفيات أو ملايين السنين؛ إذ إنه لم يحدث أي تغير بيولوجي مقيس للبشر منذ أول تدوين للتاريخ. لكن التقدم من خلال الاكتساب يمكن قياسه عبر أجيال.

فيقال إن الإنسان الحديث لا يمتلك مخًا أكبر ولا قدرات تفكير ذاتية أكثر مما كان لدى أسلافه منذ خمسة آلاف ،عام إلا أن فعالية تفكيره تضاعفت من خلال التعلم ودمج خبرات الأجيال المتداخلة في خبرته. فنقل الخصائص المكتسبة الذي يرفضه علماء الأحياء هو أساس التقدم الاجتماعي. فالتاريخ هو تقدم من خلال نقل المهارات المكتسبة من جيل إلى آخر.

افتراض وجود نهاية للتاريخ هو أمر له طابع إسكاتولوجي يلائم علماء اللاهوت أكثر مما يلائم المؤرخ ويعود بنا إلى أغلوطة وجود غاية خارجة عن التاريخ لا شك في أن فكرة نهاية التاريخ لها جاذبية لا يمكن للعقل البشري مقاومتها، وأن رؤية أكتون بأن التاريخ هو تقدم لا ينتهي نحو الحرية تبدو فاترةً وغامضة.

إنَّ التَّاريخ والتَّأريخ تقدُّميَّان.

لقد تصور أكتون التاريخ باعتباره تقدما نحو الحرية والتأريخ باعتباره تقدمًا نحو فهم الحرية؛ إذ تتقدم العمليتان جنبا إلى جنب.([19])

لا يوجد إنسان عاقل يؤمن بوجود تقدم يسير في خط مستقيم لا ينكسر أبدًا بلا انحراف أو انتكاس، بحيث إن أعنف الانتكاسات لا تعني بالضرورة بطلان الاعتقاد.

وإذا كنت ممن يحبون صياغة القوانين التاريخية، لكان أحد هذه القوانين هو أن الجماعة – سمها إن شئت طبقةً أو أمة أو قارة أو حضارة أو غير ذلك التي تلعب الدور الرئيس في تقدم حضارة ما في فترة من الفترات من غير المحتمل أن تلعب الدور نفسه في الفترة التالية؛ إذ إنها تكون مشعة. بعمق بتقاليد الفترة السابقة واهتماماتها وأفكارها، مما يجعلها غير قادرة على التكيف مع مطلب الفترة التالية واشتراطاتها. وبالتالي، من الممكن جدا أن يكون ما تبدو لجماعة ما باعتبارها فترة انحطاط ستبدو لأخرى مولد تقدم جديد.

 فمن الافتراضات السابقة للتاريخ أن الإنسان قادر على الانتفاع من تجارب أسلافه (لا ذلك أنه سينتفع بالضرورة، وأن التقدم في التاريخ على عكس التطور في الطبيعة – يعتمد على نقل الأصول المكتسبة.

بل إن تلك الفترة التي نعيشها وتسودها الصراعات والنزاعات نتيجة تغير توازن القوى بين القارات والأمم والطبقات زادت من الضغط على هذه القدرات والخصال بشكل ضخم، وحدت من فعاليتها في تحقيق أي إنجاز إيجابي.

إن تصور وجود غاية نهائية ومحددة بوضوح لتقدم التاريخ الذي افترضه مفكرو القرن التاسع عشر مرارًا أثبت أنه تصور عقيم وغير قابل للتطبيق.

وإنني أعترف بعدم إيماني بكمال الإنسان أو بإمكانية وجود جنة مستقبلية على الأرض. وإلى هذ الحد يمكنني الاتفاق مع علماء اللاهوت والباطنيين ممن يؤكدون أن الكمال لا يمكن إدراكه في التاريخ، وسأقنع بإمكانية التقدم غير المحدود أو غير الخاضع لأي حدود نعرفها أو يمكننا تصورها- نحو غايات لا يمكن تحديدها إلا في أثناء تقدمنا ،نحوها ولا يمكن إثبات صحتها إلا عند تحقيقها. ولا أدري أيضًا كيف يمكن لمجتمع أن يعيش بغير تصور مماثل عن التقدم. فكل مجتمع متحضر يفرض على الجيل الحالي تقديم بعض التضحيات لأجل الأجيال القادمة.

إن الوقائع التاريخية لا يمكنها أن تكون موضوعية خالصة؛ إذ إنها تصبح وقائع تاريخية فقط وفقا للأهمية التي يسبغها عليها المؤرخ.

إلا أن مفهوم الحقيقة المطلقة لا يناسب عالم التاريخ، أو كما أظن عالم العلوم. فالعبارات التاريخية الأشد بساطة هي فقط التي يمكن الحكم عليها بالصحة المطلقة أو البطلان المطلق، أما في المستويات الأكثر تعقدًا، فسيستنكر المؤرخ مثلا حكم أحد سابقيه باعتباره غير مناسب أو متحيزا أو مضللا أو قائما على وجهة نظر اتضح أنها بالية أو غير ذات صلة نتيجة أدلة جديدة، لكن لن يقول إنه باطل مطلقًا.

والافتراض التقليدي الذي يقضي بأن التغير يجب تفسيره دائما من خلال شيء ثابت وغير قابل للتغير هو أمرٌ مناقض لخبرة المؤرخ.

فالمطلق في التاريخ ليس شيئًا في الماضي ننطلق منه ولا شيئًا في الحاضر؛ إذ إن التفكير الحاضر نسبي بالضرورة إنه شيء غير مكتمل بعد وما زال في حالة صيرورة؛ هو شيء في المستقبل نسير نحوه ويتشكل فقط كلما خطونا تجاهه أكثر، ويتشكل في ضوئه تدريجيا تأويلنا للماضي كلما تقدمنا نحوه. هذه هي الحقيقة العلمانية الكامنة خلف الأسطورة الدينية التي تقضي بأن معنى التاريخ سينكشف يوم القيامة.

إن المستقبل وحده يمكن أن يمدنا بمفتاح تفسير الماضي، وبهذا المعنى فقط يمكننا الحديث عن موضوعية مطلقة في التاريخ. ومبرر التاريخ وتفسيره في وقت واحد هو أن الماضي يسلط الضوء على المستقبل، وفي الوقت نفسه يسلط المستقبل الضوء على الماضي.

ما الذي نعنيه إذن عندما نثني على مؤرخ لموضوعيته، أو نتحدث عن مؤرخ باعتباره أكثر موضوعية من غيره؟ من الواضح أن الأمر لا يتعلق بمجرد وقائعه بشكل صحيح، بل بأنه اختار الوقائع الصحيحة، أو بعبارة أخرى طبق المعيار الصحيح للأهمية. وعندما نصف مؤرحًا بأنه موضوعي، فإننا -فيما أرى- نعني شيئين:

أولا: أن لديه القدرة على التسامي فوق الرؤية المحدودة لموقفه في المجتمع والتاريخ؛ قدرة سبق وأن وضحتها في محاضرة سابقة تعتمد في جزء منها على قدرته على إدراك مدى انغماسه في هذا الموقف، أي أن يدرك -إن جاز التعبير – استحالة الموضوعية الكاملة.

ثانيا: أن لديه القدرة على عرض رؤيته في المستقبل بطريقة تعطيه بصيرة أكثر عمقا وبقاء في الماضي من أولئك المؤرخين الذين ترتبط نظرتهم بموقفهم المباشر.

وهؤلاء هم من يملكون ما يمكنني تسميته بالرؤية طويلة المدى للماضي والمستقبل. فمؤرخ الماضي يمكنه فقط الاقتراب من الموضوعية عندما يقترب من فهم المستقبل.

(هامّ جدًّا) ويتطور تفسير المؤرخ للماضي و انتقاؤه لما هو مهم ووثيق الصلة بموضوعه مع الظهور المستمر لغايات جديدة. لنوضح ذلك بشكل أبسط: لما كانت الغاية الرئيسة هي تنظيم الحريات الدستورية والحقوق السياسية، قام المؤرخون بتأويل الماضي تأويلات دستورية وسياسية.

 يمكننا القول إن التأويل الاقتصادي والاجتماعي يمثل مرحلة أكثر تقدما من التأريخ أكثر من التأويل المقتصر على السياسي. فالتأويل القديم لم يتم رفضه، لكنه اندمج في التأويل الجديد. إن التاريخ علم تقدمي من حيث إنه يسعى دومًا لتوسعة رؤيته وتعميقها في مسار الأحداث التقدمية في ذاتها. وهذا ما أعنيه عند الحديث عن حاجتنا إلى «نظرة بناءة للماضي».

وأن الجنس البشري يتحرك من الأسوأ إلى الأفضل، ومن الأدنى إلى الأعلى. لم يقر المؤرخ بهذا الاتجاه فحسب بل قام بتأييده.

لقد تيقنا من أن الانقسام بين «ما هو كائن» و «ما ينبغي أن يكون» هو انقسام مطلق لا يمكن حسمه، وأن القيم» لا يمكن أن تستمد «الوقائع»، وهذه المحاولة محاولة باطلة.

(هامّ جدًّا) لقد برر جيبون اتساع الحيز الذي خصصه في سرد انتصارات الإسلام على أساس «أن أتباع محمد ما زالوا يملكون السلطة الدينية والمدنية في العالم الشرقي»،

فالتاريخ هو على العموم سجل لما قام به البشر بالفعل وليس ما فشلوا في القيام به وإلى هذا الحد هو قصة نجاح بلا شك. وقد لاحظ البروفيسور تاوني أن المؤرخين يسبغون «مظهرا من الحتمية» على أي نظام موجود من خلال إبرازهم للقوى المنتصرة، وإغفال القوى المهزومة؛

لا ينبغي على المؤرخ التقليل من شأن المعارضة ولا ينبغي عليه أن يجسد الانتصار باعتباره انتصارًا سهلًا تم كانتقال سريع؛ إذ إن المنهزمين يساهمون أحيانًا مساهمة عظيمة كالمنتصرين تمامًا هذه القواعد مألوفة لكل مؤرخ. لكن بشكل عام، يهتم المؤرخ بمن حقق شيئًا جديرًا بالذكر سواء كان المنتصر أو الخاسر.

انتُقِدَ هيجل بشدة لقوله إن في التاريخ «يمكننا أن ننتبه فقط إلى الشعوب التي أسست دولا»، باعتبار أنه قام بحصر القيمة في شكل واحد من أشكال التنظيم الاجتماعي ومهد الطريق للتمجيد البغيض للدولة.

الشعوب التي استطاعت تنظيم مجتمعها إلى حد ما لم تعد بدائية همجية، ودخلت التاريخ.

لا يعتمد عمل السياسي على المرغوب أخلاقيًا ونظريًا فقط، بل أيضًا على القوى الموجودة في العالم وكيف يمكن توجيهها أو التحكم فيها من أجل تحقيق جزئي للغايات.

فلنحاول بكافة الوسائل استبدال كلمة نجاح التي أصبحت تحمل مضامين منفرة بالعبارة المعقولة «ما يعمل بشكل أفضل».

الإخفاقات الحافلة بإمكانيات النجاح معروفة في التاريخ.

(هامّ جدًّا) وما أود قوله في هذا الشأن هو أن مؤرخ عشرينيات القرن العشرين أقرب للحكم الموضوعي من مؤرخ ثمانينيات القرن التاسع عشر، وأن مؤرخ اليوم أقرب من مؤرخ العشرينيات، وقد يكون مؤرخ عام (۲۰۰۰م) أقرب جدا.

لنأخذ الكنيسة المسيحية باعتبارها مؤسسة اهتمت بشكل كبير بنشر القيم الأخلاقية؛ قارن بين القيم المسيحية في عهدها الأول مع القيم التي سادت في نظام البابوية القروسطي أو تلك القروسطية مع قيم الكنائس البروتستانتية في القرن التاسع عشر.

أو انظر في الوقائع التاريخية التي أدت منذ مائة وخمسين عاما إلى جعل العبودية أو التمييز العرقي أو استغلال عمالة الأطفال التي كانت أشياء إما محايدة أخلاقيًا وإما حسنة السمعة- تتحول إلى أشياء غير أخلاقية. إذن، فالقول بأن القيم لا يمكن أن تشتق من الوقائع هو على الأقل أمر متحيز ومضلل.

إن تصورنا لوقائع بيئتنا يتشكل من خلال قيمنا،

(هامّ جدًّا) عندما أشار الآباء المؤسسون للولايات المتحدة الأمريكية في إعلان الاستقلال إلى الحقيقة البديهية التي تقضي بأن كل البشر خلقوا متساوين، ستشعر أن المحتوى القيمي في العبارة أشد هيمنة من المحتوى الوقائعي فيرتفع احتمال اعتبارها حقيقة.

بناءً على ذلك، أعود في النهاية إلى وصف أكتون للتقدم بأنه «الفرض العلمي الذي يُكتب التاريخ وفقًا له». يمكنك إذا سمحت- تحويل التاريخ إلى علم لاهوت بجعل معنى الماضي يعتمد على قوى فوق تاريخية وفوق عقلية، أو إلى أدب ومجموعة من الحكايا والأساطير عن الماضي بلا معنى ولا أهمية. إن التاريخ لا يمكن كتابته بشكل صحيح إلا عن طريق من رأى معنى اتجاهيًا في التاريخ وقبل به فالاعتقاد بأننا أتينا من مكان ما متصل بشدة بالاعتقاد في أننا ذاهبون إلى مكانٍ ما.

الأفق المُتَّسِع

إننا نحيا في عصر تلوح في أفقه ليس لأول مرة في التاريخ تنبؤات بكارثة عالية تثقل كواهل الجميع، لا يمكن إثباتها ولا نفيها. لكنها على أية حال أقل يقينا من أننا جميعًا سنموت. وإذ إن هذه النبوءة لا تحول دون قيامنا بالتخطيط للمستقبل،

(هامّ جدًّا) يبدأ التاريخ عندما يبدأ الإنسان في التفكير في الوقت ليس في هيئة السيرورات الطبيعية كدورة فصول السنة أو العمر الإنساني- بل في صورة سلسلة الأحداث المعينة المندمجة فيها والقادرة على التأثير فيها بشكل واع.

كفاح الإنسان الطويل مستخدمًا عقله لفهم بيئته والتأثير فيها.

والإنسان الحديث لديه درجة غير مسبوقة من الوعي الذاتي ومن ثم من الوعي بالتاريخ.

ديكارت أول من دعم مكان الإنسان باعتباره كائنا ليس قادرًا على التفكير فحسب، بل أن يفكر في تفكيره، وأن يلاحظ نفسه في أثناء عملية الملاحظة، وبذا يكون الإنسان في وقت واحد ذاتا وموضوعًا للفكر والملاحظة.

(هامّ جدًّا) لم تعد القوانين قرارات غامضة يصدرها إله مبهم، بل قوانين يسهل على العقل فهمها إلا أنها كانت قوانين يخضع لها الإنسان وليست من صنعه وفي المرحلة التالية تيسر للإنسان يصبح على وعي تام بسيطرته على بيئته وعلى نفسه وبحقه في صنع القوانين التي سيحيا في ظلالها.

الفرويدية الجديدة السائدة هذه الأيام في الولايات المتحدة، التي تفترض أن التفاوتات شيء فطري كامن في الفرد، ولا صلة له ببنية المجتمع، وتعتبر أن تكيف الفرد مع المجتمع هو الوظيفة الأساسية لعلم النفس.

وسارت السياسة الاجتماعية جنبا إلى جنب مع السياسة الاقتصادية، أو بالأحرى اندمجت السياسة الاقتصادية في السياسة الاجتماعية.

لم تعد وظيفة العقل الأساسية كما يستخدمه الإنسان في المجتمع هي مجرد البحث، بل التغيير ويبدو لي أن هذا الوعي المتزايد بقدرة الإنسان على الارتقاء بتنظيم شؤونه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية من خلال تطبيق عمليات عقلانية، هو أحد الجوانب الرئيسة لثورة القرن العشرين.

وربما كان أبعد العواقب الاجتماعية أثرًا للثورة الصناعية هو الازدياد المستمر في أعداد من تعلموا التفكير واستخدام عقولهم.

فعقلنة الإنتاج تعني شيئًا أكثر أهمية؛ تعني عقلنة الإنسان. ففي جميع أنحاء العالم اليوم يتعلم البشر البدائيون استخدام الآلات المعقدة، وبفعلهم ذلك يتعلمون كيف يفكرون ويستخدمون عقولهم.

أظهرت لهم دراستهم لعلم نفس الجماهير أسرع الطرق لضمان قبول رؤيتهم من خلال مناشدة العنصر اللاعقلاني في المستهلك أو الناخب،

فقد اتسمت فترة القرنين الخامس عشر والسادس عشر العظيمة التي انهار فيها العالم القروسطي وتم وضع دعائم العالم الحديث باكتشاف قارات جديدة، وانتقال مركز ثقل العالم من شواطئ المتوسط إلى شواطئ الأطلسي.

فبعد ما يقرب من أربعمائة عام انتقل مركز ثقل العالم بصورة قاطعة من أوروبا الغربية. فقد أصبحت أوروبا الغربية وأجزاء العالم الناطق بالإنجليزية المتباعدة مجرد إقطاعات تابعة لقارة أمريكا الشمالية أو إن شئت أصبحت تكتلا تمثل فيه الولايات المتحدة في وقت واحد القوة المحركة ومركز المراقبة.

ولم تكن الحرب العالمية الأولى حربا عالمية بمعنى الكلمة، بل كانت حربًا أهلية أوروبية -مع افتراض أن هناك كيانًا ما يسمى أوروبا ذات آثار عالمية، من بينها بدء التصنيع في العديد من الدول الآسيوية والشعور المعادي للأجانب في الصين، والقومية الهندية، وميلاد القومية العربية.

انتشار التقنية الحديثة والعمليات الصناعية وبدايات التعليم والوعي السياسي لملايين من سكان آسيا وأفريقيا سيغير وجه هاتين القارتين.

إذ إن توسع العقل يعني في جوهره ظهور جماعات وطبقات وشعوب وقارات في التاريخ كانت خارجه حتى ذلك اليوم.

لقد قيل -بشكل صحيح في رأيي وإن كان هناك بعض مبالغة- إن الكنيسة المسيحية هي «المؤسسة العقلانية الوحيدة في العصور الوسطى». وباعتبارها كذلك، كانت هي النظام التاريخي الوحيد، فكانت وحدها خاضعة لمسار تطور عقلاني يمكن أن يفهمه المؤرخ. فقد كان المجتمع العلماني تشكله الكنيسة ،وتنظمه ولم يكن له حياة عقلانية خاصة به.

لقد كان تاريخ العالم الناطق بالإنجليزية في القرون الأربعة الأخيرة فترة تاريخية عظيمة بلا شك؛ لكن أن تجعله محور التاريخ العالمي وكل شيء آخر هامشي بالنسبة إليه، فذلك تشويه سيء للرؤية.

فمن الخطأ بالطبع السماح لأي ممتحن الحصول على مرتبة الشرف في جامعة كبرى دون وجود قدر كافٍ من المعرفة بلغة أخرى حديثة غير الإنجليزية.

فالتقدم في الشئون الإنسانية سواء كان في العلم الطبيعي أو التاريخ أو المجتمع، جاء بشكل رئيس من خلال استعداد الناس لا إلى الاقتصار على تحسينات ترقيعية لطريقة القيام بالأشياء، بل من خلال القيام بتحديات رئيسة باسم العقل للطريقة السائدة للقيام بالأشياء، وللافتراضات الظاهرة والكامنة التي تقوم عليها.

مُلاحظات لأجل إصدار جديد من «ما هو التَّاريخ؟»

كان كار يحضّر لإصدار جديد تمامًا من كتاب «ما هو التاريخ؟» في السنوات الأخيرة التي سبقت وفاته في نوفمبر (۱۹۸۲م).

فوضى التَّاريخ

وكانت رؤية العرب للتاريخ متأثرة بقوة بالتعاطف أسلوب الحياة البدوي؛ فقد رأوا في التاريخ عملية مستمرة أو دورية يغزو البدو ساكني المدن والواحات، ثم يستقرون فيها وتغزوهم موجات جديدة من البدو. فبالنسبة إلى مؤرخي العرب، تولّد الحياة المستقرة الرفاهية وتُضعف الشعوب المتحضرة أمام البرابرة.

اعترض العديد من نقاد ما هو التاريخ؟ على هذا التناول للموضوعية، ودافعوا عن الرؤية التقليدية التي تقضي بأن المؤرخ الموضوعي هو أحكامه بناء على الدليل رغمًا عن أفكاره المسبقة.

إن النظرية التي ترى أن نشأة الكون قد حدثت بطريقة عشوائية نتيجة انفجار عظيم، وأن مصيره هو الانحلال إلى ثقوب سوداء ما هي إلا انعكاس للتشاؤم الثقافي لهذا العصر. فالعشوائية هي تتويج للجهل.

لقد اعترف كار في هذا الكتاب بأن الصدفة يمكنها تغيير مسار التاريخ، إلا أنه أكد على أنه لا ينبغي أن تدخل في تسلسل المؤرخ للأسباب المهمة.

ادعى ألدوس هكسلي -أبرز مؤيدي هذه الرؤية من البريطانيين في العشرينيات والثلاثينيات- تحت عنوان ملائم افعل ما تشاء أن «الغاية من الحياة… هي الغاية التي نضفيها نحن عليها. والمعنى هو ما نختار أن معناها يصبح. لكل إنسان الحق في رسم فلسفته الخاصة للحياة».([20])

وعبر تولستوي تعبيرًا متطرفًا عن أن دور الأفراد غير مهم في التاريخ؛ ففي إحدى المسودات الختامية لرواية الحرب والسلام أعلن بعنف أن «الشخصيات التاريخية هم ثمرة عصرهم، وأنهم ينشئون عن العلاقة التي تربط بين أحداث عصرهم والعصور السابقة عليهم».([21])

ادعى كار أنه لا يهتم بتقييم السياسيين الأفراد، بل «بتحليل اهتمامات المجموعة واتجاهاتها التي تشكل أفكارهم».

قام كار بتقييم الوضع الراهن للدراسات التاريخية فى ملاحظات وخطابات متنوعة في ملفاته. فقد أشار إلى التأثيرات الماركسية باعتبارها توجها رئيسًا جديدًا في الستين عاما الماضية:

لقد أصبح تأثير المفهوم المادي للتاريخ طاغيًا على الكتابات التاريخية منذ الحرب العالمية الأولى؛ ويمكننا القول بالفعل إن كل عمل تاريخي جاد في هذه الفترة تم تشكيله نتيجة تأثيرها.

في هذا الكتاب، أشار كار بالفعل إلى الأثر الإيجابي لعلم الاجتماع على التاريخ معلقا أنه «كلما أصبح التاريخ اجتماعيًا أكثر، وأصبح علم الاجتماع تاريخيًا أكثر؛ كان هذا أفضل لكليهما».

قبل سنوات قليلة من وفاته علق قائلا: «يبدو أن العالم منقسم إلى فريقين: الأول هو فريق المتشائمين ممن لا يجدون أي معنى في أي شيء؛ والفريق الثاني هم المثاليون ممن يضفون المعنى على الأشياء بناءً على نظریات فخمة عن المستقبل لا يمكن التحقق منها وأنا أفضل الفريق الأخير».

«لا يمكنني في الحقيقة أن أتنبأ بما سيحدث في المستقبل للمجتمع الغربي إن استمر على حاله الحاضر إلا الانحدار والتدهور، لكنه ليس بالضرورة أن ينهار بشكل درامي. لكنني أعتقد أن هناك حركات وقوى جديدة تبزغ من تحت السطح هنا أو هناك، وإن لم نكن قادرين على تخمين شكلها بعد.»

الحمد لله رب العالمين

 


[1] «التاريخ الحديث الجديد لكامبردج» (The New Cambridge Modern History)، الجزء الأول: عصر النهضة 14931520 (Vol. I: The Renaissance, 1493–1520)، تحرير ج. ر. بوتر (G. R. Potter)، كامبريدج: مطبعة جامعة كامبريدج (Cambridge University Press)، 1957م، الصفحتان xxiv–xxv.

[2] ماركوس مانليوس (Marcus Manilius)، «الكتاب الأول من أسترونوميكا» (Astronomica: Liber Primus)، تحقيق آرثر إدوارد هاوسمان (A.E. Housman)، الطبعة الثانية، لندن: إدوارد آرنولد (Edward Arnold)، 1937م، المجلد الأول، ص. 87.

[3] تالْكُوت بارْسُنْز (Talcott Parsons) وإدوارد شيلز (Edward Shils)، «نحو نظرية عامة للفعل» (Toward a General Theory of Action)، طبعة جامعة هارفارد، كامبريدج، ماساتشوستس: Harvard University Press، 1951م، ص. 167.

[4] جيوفري باراكلو (Geoffrey Barraclough)، «التاريخ في عالم متغيّر» (History in a Changing World)، أكسفورد: بازل بلاكويل (Basil Blackwell)، 1955م، ص. 14.

[5] بينديتو كروتشه (Benedetto Croce)، «التاريخ بوصفه قصة الحرية» (History as the Story of Liberty)، ترجمة سيلفيا سبرِج (Sylvia Sprigge)، لندن: جورج ألن أند أونوين (George Allen & Unwin)، 1941م، ص. 19.

[6] توماس كارلايل (Thomas Carlyle)، «تاريخ الثورة الفرنسية» (The French Revolution: A History)، الجزء الثالث، الكتاب الثالث، الفصل الأول، لندن: تشابمان آند هول (Chapman & Hall)، 1837م.

[7] فلاديمير إيليتش لينين (Vladimir Ilyich Lenin)، «الأعمال المختارة» (Selected Works)، المجلد السابع (Vol. VII)، موسكو: دار التقدم (Progress Publishers)، [سنة النشر]، ص. 295.

[8] إدوارد هايد، إيرل كلارندون (Edward Hyde, Earl of Clarendon)، «عرض موجز ومسح للأخطاء الخطيرة والضارة بالكنيسة والدولة في كتاب السيد هوبز المعنون ليفياثان» (A Brief View and Survey of the Dangerous and Pernicious Errors to Church and State, in Mr. Hobbes’s Book, Entitled Leviathan)، لندن: أوينشام تشرشل (Awnsham Churchill)، 1676م، ص. 320.

[9] هيربرت باترفيلد (Herbert Butterfield)، «الإنجليزي وتاريخه» (The Englishman and His History)، كامبريدج: مطبعة جامعة كامبريدج (Cambridge University Press)، 1944م، ص. 103.

[10] جيورج فيلهلم فريدريش هيجل (Georg Wilhelm Friedrich Hegel)، «فلسفة الحق» (Philosophy of Right)، ترجمة تي. إم. نوكس (T. M. Knox)، أكسفورد: مطبعة جامعة أكسفورد (Oxford University Press)، 1942م، ص. 295.

[11] فرانك ريموند ليفيز (F. R. Leavis)، «التقليد العظيم» (The Great Tradition)، لندن: شاتو آند ويندوس (Chatto & Windus)، 1948م، ص. 2.

[12] جاكوب بوركهارت (Jacob Burckhardt)، «أحكام على التاريخ والمؤرخين» (Judgments on History and Historians)، جمع وتحقيق ياكوب أوري (Jakob Oeri)، ترجمة هاري زون (Harry Zohn)، نيويورك: هاربر آند براذرز (Harper & Brothers)، 1959م، ص. 158.

[13] برتراند راسل (Bertrand Russell)، «صور من الذاكرة» (Portraits from Memory)، لندن: جورج ألن أند أونوين (George Allen & Unwin)، 1958م، ص. 20.

[14] «التاريخ الحديث الجديد لكامبريدج» (The New Cambridge Modern History)، الجزء الثاني: عصر الإصلاح 15201559 (Vol. II: The Reformation, 1520–1559)، تحرير ج. ر. إلتون (G. R. Elton)، كامبريدج: مطبعة جامعة كامبريدج (Cambridge University Press)، 1958م، ص. 20.

[15] جيمس بوزويل (James Boswell)، «حياة صمويل جونسون» (The Life of Samuel Johnson, LL.D.)، طبعة إيفريمان، الجزء الثاني (Everyman’s Library Edition, Vol. II)، لندن: جي. إم. دينت أند سونز (J. M. Dent & Sons Ltd.)، [سنة النشر الفعلي للطبعة]، ص. 20.

[16] كارل ماركس (Karl Marx) وفريدريش إنجلز (Friedrich Engels)، «المراسلات 18461895» (Correspondence 1846–1895)، تحرير [اسم المحرر]، موسكو: دار التقدم (Progress Publishers)، 1934م، ص. 510.

[17] كارل ماركس (Karl Marx) وفريدريش إنجلز (Friedrich Engels)، «الأعمال» (Works)، الطبعة الروسية، المجلد السادس والعشرون (Vol. XXVI)، ص. 108.

[18] «السببية والقيم في التاريخ» (Kausalitäten und Werte in der Geschichte)، 1928م، مترجم في: فريتز شتيرن (Fritz Stern)، «أنواع التاريخ» (Varieties of History)، 1957م، ص. 268، 273.

[19] كارل مانهايم (Karl Mannheim)، «الأيديولوجيا واليوتوبيا» (Ideology and Utopia)، الترجمة الإنجليزية، 1936م، ص. 236.

[20] ألدوس هكسلي (Aldous Huxley)، «افعل كما تشاء» (Do as You Will)، 1929م، ص. 101.

[21] ليو تولستوي (Leo Tolstoi)، «المجموعة الكاملة للأعمال» (Polnoe sobranie sochinenii)، المجلد الخامس عشر (Vol. XV)، 1955م.

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

اكتشاف المزيد من مدونة التاعب

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading