القائمة إغلاق

خلاصة كتاب: استعمار مصر Colonising Egypt، تأليف: تيموثي ميتشل Timothy Mitchell

خُلاصة كتاب:

استعمار مصر Colonising Egypt

تأليف:

تيموثي ميتشل Timothy Mitchell

تحميل الخُلاصة: [DOC] [PDF]

فهرس الموضوعات

مُلخَّص فُصُول الكتاب.. 3

الفصل الأول: مصر في المعرض.. 3

الفصل الثاني: التأطير. 3

الفصل الثالث: مظهر النظام. 3

الفصل الرابع: بعد أن أسرنا أجسامهم. 4

الفصل الخامس: آلات الحقيقة. 4

الفصل السادس: فلسفة الشيء. 4

خُلاصة الكتاب.. 5

كلمة المركز. 5

مُقدِّمة الطَّبعة العربية. 12

ميشيل فوكو. 12

مبدأ للنِّظام. 13

سياسة الحقيقة. 14

جاك ديريدا 15

جعل العالم واضحاً 15

الفَصْل الأوَّل: مِصْر في المَعْرِض.. 16

الفَصْل الثَّاني: التَّأطير. 21

الفَصْل الثَّالِث: مَظْهَرُ النِّظام. 29

سُلطة بِلَا تجلِّيَّات خارجِيَّة. 32

انعدام النِّظام. 34

نظام النَّصّ35

التَّعلم القَرَوِيّ. 36

تعليمات للاستعمال. 37

الفَصْل الرَّابع: بعد أن أسرنا أجسامهم. 39

أسباب صِحِّيَّة وغيرها 41

الأثنوجرافيا والكَسَل. 42

جِيلٌ مِن الأُمَّهَات.. 44

مُشكلة المُجتمع. 45

العَقْل الجَمْعِيّ.. 48

الفَصْل الخامس: آلات الحقيقة. 49

الكَلِم الثَّمَان. 51

ابن خلدون. 53

هذا الوُجُود المعنوي. 54

إشارات التّلغراف.. 54

المؤلِّف والسُّلطة. 56

لا مرئي ورغم ذلك واقعي.. 57

الفَصْل السَّادِس: فلسفة الشيء. 58

مسرد المصطلحات الأساسية. 63

قائمة الشخصيات.. 65

مُلخَّص فُصُول الكتاب

الفصل الأول: مصر في المعرض

يستعرض هذا الفصل كيف رأى المسافرون المصريون والعرب أوروبا في القرن التاسع عشر، خاصة من خلال زياراتهم للمعارض العالمية. يلاحظ الكتاب كيف أن العالم الأوروبي كان منظمًا ومقدمًا كـ”معرض” دائم، حيث كل شيء يُمثل معنى أو واقعًا آخر. يناقش الفصل كذلك كيف أن الأوروبيين، عند زيارتهم للشرق الأوسط، حاولوا فهمه وتنظيمه بنفس منطق “المعرض”، مما جعله يبدو لهم “فوضوياً”. يسلط الضوء على الطبيعة “الاستعمارية” لهذا المنهج في رؤية العالم.

الفصل الثاني: التأطير

يتناول هذا الفصل إدخال آليات الانضباط الحديثة في مصر خلال القرن التاسع عشر. يبدأ بالجيش الجديد الذي أنشأه محمد علي، وكيف أن مناهج الانضباط العسكري امتدت لتشمل المجتمع بأكمله. يصف مفهوم “البانوبتيكون” (نموذج السجن ذي المراقبة المركزية) كنموذج للسلطة الجديدة التي تعمل على تنظيم المكان والتحكم في سكانه. يشرح كيف جرى “تأطير” القرى المصرية، أي تحديد مساحاتها ووظائفها بدقة للسيطرة على السكان وتحفيز الإنتاج الزراعي، خاصة القطن، من أجل السوق الأوروبية. كما يقارن هذا النظام بالترتيبات التقليدية التي لم تكن تعتمد على إطار ثابت أو فصل بين الداخل والخارج.

الفصل الثالث: مظهر النظام

يتابع هذا الفصل كيفية تطبيق مبادئ النظام والانضباط على نطاق المجتمع المدني الأوسع. يركز على إعادة بناء القاهرة وغيرها من المدن المصرية لإنشاء “نظام بصري” من الشوارع المنظمة، وكيف ارتبط ذلك بإدخال نظام تعليمي حديث انضباطي. يوضح أن التعليم المدرسي أصبح وسيلة أساسية لتشكيل “الرعية السياسية الطائعة والمنضبطة”. يقارن هذا النظام بالتعليم الأزهري التقليدي، الذي كان يُنظر إليه على أنه “فوضوي” لأنه يفتقر إلى الأطر الثابتة والتنظيم المكاني والزمني. يقترح الفصل أن مناهج التأطير هي التي أوجدت الحاجة للتعليم المدرسي الحديث.

الفصل الرابع: بعد أن أسرنا أجسامهم

يناقش هذا الفصل كيف أن السلطة الاستعمارية لم تهدف فقط إلى “أسر الأجسام” بل إلى “أسر العقول”. يتناول مفهوم “التفتيش الإنجليزي المنهجي” الذي شمل المراقبة المستمرة للسكان والتسجيل الإحصائي للمواليد والصحة. يوضح كيف أصبحت الأخلاق والعقلية المصرية موضوعًا للدراسة الاثنوجرافية، لتفسير “تخلف” البلاد، بينما كان الهدف السياسي هو “علاج” هذا التخلف عبر التعليم والانضباط. يربط الفصل صعود القومية بالحاجة إلى تنظيم “الجموع” غير المنضبطة وتحويلها إلى “أمة” أو “مجتمع” منظم. كما يشير إلى أعمال مفكرين مثل إميل دوركهايم وجوستاف لوبون التي أسست لمفهوم “المجتمع” ككيان موضوعي مستقل يتجلى في تمثيلات مادية.

الفصل الخامس: آلات الحقيقة

يعود هذا الفصل إلى قضية اليقين السياسي وعلاقته بتقدم تكنولوجيا الاتصالات والأسلحة (مثل التلغراف والمدافع الرشاشة) في القرن التاسع عشر. يجادل بأن طبيعة الكتابة والسلطة السياسية أصبحت تُفهم كميكانيكية في جوهرها، كـ”آلات اتصال”. يقارن هذا المفهوم بآليات السلطة والحقيقة التقليدية، مثل تلك التي وصفها ابن خلدون، حيث كانت سلطة النص والمؤلف غير ثابتة وتتطلب تفسيرًا مستمرًا. يوضح كيف أن إدخال الطباعة وانتشارها غيّر هذا المفهوم، فأصبحت الكلمات تُفهم كعلامات ذات معنى أحادي ومستقر، مما أنتج يقينًا سياسيًا قائمًا على “تمثيلات” الحقيقة بدلاً من تفسيرها.

الفصل السادس: فلسفة الشيء

الفصل الختامي يربط مفاهيم الفصول السابقة، مستخدمًا مثال العمارة الاستعمارية (مثل مدينة الرباط) كـ”معرض” لتوضيح كيف أن كل شيء فيها يُمثل معنى أو قيمة أبعد، ويُنشئ مجالاً منفصلاً من النظام والمؤسسات. يبرز الفصل أن هذا النظام الاستعماري يعتمد على تقسيم العالم إلى “غرب” و “لا غرب”، ويُبقي على “الشرق” كخارج مستبعد ولكنه في نفس الوقت جزء أساسي من هوية الغرب الحديث وسلطته. يؤكد الفصل أن الاستعمار تميز بسلطته “التمثيلية” وقدرته على إعادة إنتاج مسارح النظام والحقيقة على جميع المستويات، مما يخلق يقينًا سياسيًا قائمًا على فصل العالم إلى مجالين: مادي ومعنوي.

خُلاصة الكتاب

كلمة المركز

تصدر هذه الطبعة في ظرف تاريخي شديد الأهمية، إذ يأتي صدورها بعد عامين تقريبا من اشتعال ثورات الربيع العربي في تونس ومصر وليبيا واليمن، وسورية، وما صاحبها من حراك جماهيري في بلدان عربية أخرى كالبحرين.

يُعالج الكتاب قضية نشأة الدولة القومية الحديثة التي قامت على أساسها تلك الأنظمة السلطوية، في مصر وغيرها من بلدان الشرق العربي الإسلامي، مع تركيز خاص على تجربة مصر التاريخية خلال القرن التاسع عشر، ونشأة الدولة الحديثة فيها على يد محمد علي وخلفائه لا سيما حفيده الخديوي إسماعيل.

أما المؤلف فهو البروفيسور تيموثي ميتشل وهو عالم سياسي بريطاني، ودارس للعالم العربي. وهو – أيضا – أستاذ دراسات الشرق الأوسط في جامعة كولومبيا الأمريكية وأستاذ سابق للعلوم السياسية في جامعة كولومبيا نيويورك. وخبير في الاقتصاد المصري المعاصر، ن أهم باحثي دراسات ما بعد الكولونيالية ومدرسة التابع في العالم حاليا.. وقد قضى ثلاث في مصر (۱۹۷۹ – ۱۹۸۲م) يدرس العربية ويجري البحوث إعدادا لكتابه هذا.

كلمة في المنهج

يستخدم المؤلف في مقاربته للتاريخ المصري الحديث مناهج الفيلسوف والمؤرخ الفرنسي الشهير ميشيل فوكوه (١٩٢٦ – ۱۹۸٤م)، والتي تعتمد اعتماداً أساسيا على إعادة تعريف السلطة، ليس باعتبارها شيئًا يتقلده صاحب السلطة، بل باعتبارها مجموعة من الاستراتيجيات والتقنيات، وسلسلة من علاقات السلطة بين أفراد قاعدة الهرم المؤسسي الحديث وقمته، وهي – بالتالي – سلسلة من آليات محلية يومية للنظام، والانضباط والمراقبة، وهو ينظر تفصيلاً في أساليب عمل مؤسسات كالسجون، والمصانع، والمدارس ومصحات المجانين، والمستشفيات والثَّكنات ويبين كيف ظهرت في مثل هذه الأماكن على مدار القرنين الأخيرين مناهج جديدة تماماً للتنظيم وللاحتجاز، وللتفتيش وللضبط وللرقابة.

ومن خلال مناقشة نموذج «البانوبتيكون» وهو نوع من أبنية السجون ابتكره المفكر الإنجليزي المستنير جيرمي بنتام وهو عبارة عن : زنازين ذات شبابيك واسعة على شكل حلقة دائرية يتوسطها برج مراقبة تكون هذه الزنازين متاحة لمراقبة الحارس القابع في البرج ولكن لا يمكن للسجناء معرفة ما إذا كان الحارس يراقبهم في ذات اللحظة أم لا.

يقول فوكوه – وهو محق في ذلك تماما، إن الدولة الحديثة شكلت مجتمعها على هيئة بانوبتيكون ضخم.

أما المدخل المنهجي الثاني الذي يستخدمه المؤلّف فهو مناهج الفيلسوف الفرنسي أيضا والشهير كذلك جاك ديريدا (۱۹۳۰ – ۲۰۰٤م) في نظريته اللغوية عن «المعنى».

وجود دلالة ثابتة أو شبه ثابتة للكلمات بحيث تتاح فرصة للتواصل الإنساني الحقيقي أمر مستحيل.

وإثباتاً لهذه الفكرة يحاول في كتابه في علم الكتابة بالفرنسية: (De La Grammatologie) نفى العلاقة بين الدال والمدلول – الكلام ومعناه من خلال نسف ما يسميه الأساس الميتافيزيقي» لفكرة الدال، أي الحقيقة وهو – في تصوره – العقلانية.

ميشيل فوكوه: المراقبة والمعاقبة؛ ولادة السجن. ترجمة علي مقلد. مركز الإنماء القومي، بيروت ١٩٩٠.

جاك ديريدا، في علم الكتابة. ترجمة وتقديم: أنور مغيث ومني طلبة، المركز القومي للترجمة. القاهرة ٢٠٠٤.

وفي كل الأحوال فإن هدف ديريدا الوحيد كان فضح زيف تلك القيمة الميتافيزيقية التي من الممكن أن تستند إليها اللغة وتكتسب دلالتها منها… والدلالة ليست مرتبطة بمطلق ميتافيزيقي ما خارج اللغة بل هي شكل من الأشكال الصوتية التي يتم التعبير بها عن الكلام، بحيث يمكن إعطاء دلالة ما لأي كلمة بمجرد النطق الصوتي بها بشكل معين.

الحقيقة والمنهج

المنهج: لغة يعني الطريق الواضح وورد في القرآن الكريم في قوله تعالى ﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨].

ويمكن تعريف المنهج في العلوم الاجتماعية تعريفاً إجرائياً يقضي بأنه: «الطريقة التي يتبعها الباحث لفهم الواقع بشكل هو أقرب الحقيقة هذا الواقع».

التَّحيُّز يُصنِّفه عبد الوهاب المسيري (۱۹۳۸ – ۲۰۰۸م) بين صنفين لا ثالث لهما: إمَّا تحيُّز للإنسان، أو تحيُّز للطَّبيعة.

ويعني التحيز للإنسان – باختصار مخل حسب رأي المسيري- الإيمان بقدرة الإنسان على تجاوز واقعه المتعين، من خلال النفخة الإلهية فيه التي تمثل روحه وضميره، أما التحيز للطبيعة فيعني أسبقية الطبيعة على الإنسان وأنه جزء لا يتجزأ منها ولا يستطيع تجاوزها وتسري عليه كل قوانينها ونواميسها الطبيعية التي تسري على بقية الكائنات.

وبناءً على هذا التصنيف يمكن القول بأن هناك رؤيتين كونيتين يصدر عنهما أي منهج في الواقع الإنساني المتعين. إما الإيمان، أو الكفر.

وعلى أساس أي من هاتين الرؤيتين يتم تشكيل النموذج المعرفي الأساسي وهو حسب رأي المسيري – شكل العلاقة بين عناصر الكون الثلاثة (الإله) – الإنسان الطبيعة). فحسب الرؤية الإيمانية يكون الإله المتجاوز في المركز وتنبع منه كل المنظومات الأخلاقية والاجتماعية التي تحفظ للإنسان قدرته على التجاوز والارتفاع عن الطين الذي جبل منه.

ذلك أن التوحيد لا يُقر وجود طوبيا أرضية بل هو السعي والكبد، وحساب الناس يوم القيامة على الله، ليس حسابا على النتائج فهي مقررة ومعروفة سلفا في علم الله تعالى، بل الحساب على السعي والكَبَد.

ولأن فوكوه ومن معه يدورون داخل نفس النسق المادي الواحدي المغلق فإنهم يقدمون رؤيتهم على الجانب الأخر المتطرف ؛ لا توجد نظرية، لا يمكن اكتساب معرفة حقيقية» بالواقع، فعلاقات السلطة هي التي تنشئ معرفتنا بالواقع، إن الواقع هو ما نظن أنه الواقع وبالتالي لا يوجد واقع إلا من خلال ذواتنا المسيطر عليها عبر أنواع السلطات المختلفة.

كيف ينظر القرآن الى عملية صناعة المعرفة؟

يلاحظ أحمد خيري العمري – عن حق- في عمله الفذ «البوصلة القرآنية» أن مصطلح «عقل» لم يرد في القرآن مطلقاً كمصدر، بل هو دوماً «في حالة ديناميكية فعالة، بصفة مرتبطة بزمن مضارع دوماً أي مرتبط بالحاضر متجه نحو المستقبل في كل لحظة من اللحظات.

كما نلاحظ أنه لم يرد في فضل «العقل» حديث صحيح،

فمع «لا إله إلا الله» يتساوى جميع البشر في حق المعرفة، إنتاجاً واستهلاكاً، إن القدسية هنا للمنهج وليست للإكليروس، ولا يمكن القول بأنه لا توجد «معرفة حقيقية» عن العالم لأن هذه رؤية معادية للإنسان.

الواقع هنا ليس منفصلاً عن الذات وليس ذائباً فيها، وليست ذائبة فيه. إن العلاقة بينهما علاقة اتصال وانفصال في نفس الوقت. وحرية الإنسان وقدرته على تجاوز واقعه وإصلاحه هي ما يرفع من قدره حتى يجاوز الملائكة، وتخلّيه عنها قد يحط من قدره الى ما دون الحيوان.

يتحدد نموذج السُّلطة في الإسلام – إن جاز لنا تسميته هكذا باعتبار أن الوحي الإلهي هو المركز الذي تتفرع عنه كل المنظومة الاعتقادية والأخلاقية والاجتماعية الإسلامية، ويتم الحفاظ على هذا المركز بالحفاظ عليه كنص لغوي معجز متجاوز، بالحفاظ على العربية التي أنزل بها على النبي ﷺ، وشبكاتها الدلالية الغنية، وفهمه بها وفهمها به، وهذا ما يرفضه دريدا بشدة.

إن الوحي هنا يشبه بالشمس التي توزع ضوئها، بشكل ممنهج، على مجتمع إنساني يقيم علاقاته، بما فيها علاقته بالدولة، فالدولة ليست في حالة صراعية مع المجتمع بل هي مثله تحت شمس الوحي، محكومة بمدى الاقتراب أو الابتعاد عن ضوء الشمس،

يقول الإمام أبو حامد الغزالي (٤٥٠ – ٥٠٥ هـ / ١٠٥٨ – ١١١١م) في كتابه (المُنقذ من الضلال): «… وكما أن أدوية البدن تؤثر في كسب الصحة بخاصية فيها، لا يُدركها العقلاء ببضاعة العقل، بل يجب فيها تقليد الأطباء الذين أخذوها من الأنبياء، الذين اطلعوا بخاصية النبوة على خواص الأشياء، فكذلك بان لي، على الضرورة، بأن أدوية العبادات بحدودها ومقاديرها المحدودة المقدَّرة من جهة الأنبياء، لا يُدرك وجه تأثيرها ببضاعة عقل العقلاء، بل يجب فيها تقليد الأنبياء الذين أدركوا تلك الخواص بنور النبوة، لا ببضاعة العقل…. حتى أن السجود ضعف الركوع، وصلاة الصبح نصف صلاة العصر في المقدار؛ ولا يخلو عن سر من الأسرار، هو من قبيل الخواص التي لا يطلع عليها إلا بنور النبوة. ولقد تحامق وتجاهل جداً من أراد أن يستنبط، بطريق العقل، لها حكمة، أو ظن أنها ذكرت على الاتفاق، لا عن سر إلهي فيها، يقتضيها بطريق الخاصة…. وعلى الجملة: فالأنبياء عليهم السلام أطباء أمراض القلوب، وإنما فائدة العقل وتصرفه أن عرَّفنا ذلك، وشهد للنبوة بالتصديق ولنفسه بالعجز عن درك ما يُدرك بعين النبوة، وأخذ بأيدينا وسلمنا إليها تسليم العميان إلى القائدين، وتسليم المرضى المتحيرين إلى الأطباء المشفقين.»

ولكن التعامل مع القرآن على أنه كتاب تاريخ محض خطأ شنيع.

وفي مدينة نيسابور الإيرانية، كمثال على ذلك، فإن من يرغبون في دراسة وتدريس صحيح البخاري، الذي هو أحد أوثق كتب الحديث، «كانوا يسافرون نحو مائتي ميل إلى مدينة كشميهن بالقرب من مرو حيث كان هناك رجل يتلو النص من نسخة نُسخت من نسخة أملاها البخاري ذاته. ويحكي لنا في مثال آخر أن الدارس أبو سهل محمد الحفصي «درس صحيح البخاري على يد الكُشْمِيهَني الذي درسه على يد محمد بن يوسف الفربري الذي درسه على يد البخاري نفسه. وبعد خمسة وسبعين عاماً من وفاة أستاذه الكشميهني، وجد أبو سهل محمد الحفصي نفسه الرجل الوحيد على قيد الحياة الذي درس على يده عندها أحضر مسافة مائتي ميل إلى نيسابور، وكرمه حاكمها شخصيّاً. «ثم أعطى دروساً في المدرسة النظامية، أملى فيها الصحيح على جمع غفير».

حضارة الإسلام هي حضارة (النص) وثقافته ثقافة (النص)،

آمن بالنبي ﷺ من آمن وكفر به من كفر، وتشكّل الاجتماع الإسلامي الأول واستمد وجوده من هذا (النص)،

فكانت السنة قسيمة القرآن في الوحي والإلزام والتشريع، فقد قرن الله طاعة نبيه ﷺ بطاعته بل علق طاعته على طاعته.

ولما كانت السنة القولية أحد أقسام سنة النبي ﷺ، المنقسمة إلى القول والفعل والتقرير، فقد اتسع حيز (النص) الذي يقوم عليه الاجتماع الإسلامي،

كان بدهيًا بعد كل هذا، أن يكون الحفاظ على هذين الأصلين وصيانتهما من كل دخيل أهم الضرورات التي تتوجه إليها همة الأمة وقُتذاك،

ومن أجل الحفاظ على مصدر التشريع الإسلامي- القرآن والسنة- نشأت شبكة علمية شديدة التعقيد، ترتبط كلها بـ (النص) قربًا وبعدًا، فالنص يشمل أمرين بالقسمة المنطقية، ثبوته في نفسه، ثم دلالته على المطلوب (المدلول)، وعليهما دارت رحى العلوم الإسلامية من أقصاها إلى أقصاها.

أما ثبوت النص، فقد تكفّل به- من حيث الأصل- الاعتماد على الإسناد وتمحيص رواته والتحقق من شروط صحته إلى منتهاه، قال أبو عبد الله الحاكم (ت ٤٠٥ هـ / ١٠١٤م): «فلولا الإسناد وطلب هذه الطائفة له، وكثرة مواظبتهم على حفظه لدرس منار الإسلام، ولتمكن أهل الإلحاد والبدع فيه بوضع الأحاديث، وقلب الأسانيد، فإن الأخبار إذا تعرت عن وجود الأسانيد فيها كانت بترًا».

والإسناد أحد الخصائص التي تفردت بها الأمة الإسلامية بين الأمم السابقة، وفقهه وفهم فلسفته لا يكون إلا من داخل نفس المنظومة العلمية الإسلامية لا من خارجها.

وقد كان هذا المعنى واضحاً أشد الوضوح عند متقدمي أئمة المسلمين، فقال عبد الله بن المبارك (١٨١ – ١١٨): «الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء»، وقال سُفيان الثوري (١٦١ – ٩٧): «الإسناد سلاح المؤمن، إذا لم يكن معه سلاح فبأي شيء يقاتل؟»

فالعناية بالإسناد نبعت في الأصل من أجل الحفاظ على سنة النبي ﷺ ونخل ما قد يدخلها مما ليس منها بمنهجية دقيقة للتحقق من ذلك،

فقد نشأت علوم اللغة واللسان وضبط الألفاظ وقوانين النحو متداخلة مع نشأة علوم السنة،

كان كل ذلك من أجل الضبط، ضبط دلالات النصوص على مدلولاتها بحيث لا يخرج من دلالاتها ما هو منها ولا يدخل فيها ما ليس منها، فلا يُضَيّق بالنصوص عن معانيها، ولا يقع في أسر السيولة وعدم الضبط،

يمكننا بعد ذلك أن نصف الحركة العلمية في أول الإسلام أنها قامت أساساً من أجل الضبط، ضبط النقل وضبط الدلالة،

هذا هو التصور العام للعلوم الإسلامية، … وعقدة هذا التصور أن الباحث لن يستطيع أن يصل إلى تصور كامل لهذه المنظومة بحيث تتطابق صورتها في ذهنه مع صورتها التي كانت عليه في الماضي، إلا إذا أقام تصوره هذا على فقهها من داخلها، بمناهجها وأدواتها، وأصول النظر فيها، أما أن يهبط دارس عليها بنظريات وأدوات أجنبية عنها، فالخلل وسوء الفهم هو النتيجة البدهية.

يكون صنيع المسلمين بإبقاء سلسلة الإسناد والحرص عليها هو في نفس الأمر من الوجهة التفكيكية إبقاء على سلطة المؤلف الأول على النص الذي وضعه بسيطرتِهِ على ما قصدَهُ من نصِّه من المعاني، بحيث تنتقلُ هذه السلطة إلى عقل المتلقي فلا يحيدُ عنها ويبقى مُستبدّاً به من قبل المؤلف الأصلي، لا هَمَّ لَهُ إلا تكرار معاني المؤلف!

هكذا يضعُ تيموثي ميتشل القضية، … فقد فرضَ هو نموذجاً حمل عليه التقليدَ الإسلاميَّ حملاً، كما فرضت الدولُ الاستعماريةُ نظاماً معنوياً حملت عليه الدولُ حملاً لتحقيق الانضباط وإحكام السلطة، فكلاهما استعمار!

وقد رويَ أنَّ هارون الرَّشيد أخذَ زِنديقاً فأمر بضربِ عنقِهِ، فقالَ لَهُ الزِنديقُ: لِمَ تضرب عُنُقِي؟ قالَ: لأرِيح العبادِ مِنكَ، فقالَ: يا أمير المؤمنينَ، أينَ أنتَ من ألفِ حديثٍ – وفي رواية أربعة آلاف حديث – وضعَتُها فيكم، أُحرِّمُ فيها الحلالَ، وأُحلِّلُ فيها الحرامَ، ما قالَ النبي منها حرفاً؟ فقالَ لَهُ هارون الرشيدُ: أينَ أنتَ يا عدوَّ اللهِ من أبي إسحاقَ الفَزاريِّ وعبدِ اللهِ بنِ المباركِ؟ فإنهما ينخلانِها نَخلاً فَيُخرِجانِها حرفاً حرفاً. (تذكرة الحفاظ للذهبي 1/ ۲۷۳)

وقد كان الهدف الرئيس من سعينا الحثيث في «مركز مدارات للأبحاث والنشر» لنشر كتاب (استعمار مصر) هو تعميق وعي المصريين عموماً بتاريخ الدولة الحديثة في مصر، وكيف قامت على أساس من الهيمنة والقهر لسكانها، ولم تكفل لهم في المقابل أي شكل من أشكال الأمان الاجتماعي أو الاقتصادي. ولم تستقل أبداً عن الهيمنة الغربية المباشرة أو غير المباشرة، ولم تستطع في أحوال كثيرة حتى حماية الحدود الطبيعية لمصر عسكرياً.

مُقدِّمة الطَّبعة العربية

هذا الكتاب ليس تاريخًا للاحتلال البريطاني لمصر، بل دراسة لعملية الاستعمار. وهو إلى حد بعيد يتناول مصر في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، لكنه يناقش أيضاً أحداثاً من فترات أسبق في ذلك القرن، ومن أجزاء أخرى من العالم العربي. ولا يشير الاستعمار إلى مجرد واقع وجود استعماري أوروبي، بل إلى تطور مناهج جديدة للسلطة السياسية. ويبين الكتاب أن هذه المناهج الاستعمارية هي جوهر كل سلطة سياسية حديثة. والكتاب تحليل لطبيعة هذا النوع الجديد من السلطة.

ميشيل فوكو

يرى فوكو أن السلطة تدرس عادة كما لو كانت مجرد شيء يتقلده الناس. وما ندرسه هو سلوك المتقلد وقراراته، سواء كان حاكماً، أو طبقة حاكمة، أو ممثلين محليين لها. وخلافاً لذلك، يستكشف عمل فوكو السلطة بوصفها مجموعة من الاستراتيجيات والتقنيات.

يدرس فوكو السلطة السياسية الحديثة بوصفها شيئاً ظهر إلى الوجود ليس بوصفه مجرد حيازة مركزة يتمتع بها فرد حاكم خاص أو طبقة حاكمة خاصة، بل بوصفه سلسلة من آليات محلية، يومية للنظام، وللانضباط وللمراقبة، وهو ينظر تفصيلاً في أساليب عمل أشياء كالسجون، والمصانع، والمدارس، ومصحات المجانين، والمستشفيات والثكنات ويبين كيف ظهرت في مثل هذه الأماكن على مدار القرنين الأخيرين مناهج جديدة تماماً للتنظيم وللاحتجاز، وللتفتيش والضبط والرقابة.

ويتمثل نموذج خاص لمثل هذا التنظيم والرقابة يناقشه فوكو في البانوبتيكون، وهو ابتكار ابتدعه جيريمي بنتام، المصلح الإنجليزي في أوائل القرن التاسع عشر. والبانوبتيكون عبارة عن مبنى دائري يتألف من زنازين منفردة على طوابق عديدة يحيط به برج مراقبة مركزي، وبوسع مراقب واحد – غير مرئي من نزلاء الزنازين – أن يراقب من هذا البرج النزلاء وتحركاتهم مراقبة متواصلة.

 وهي سلطة لا تعمل بمجرد إصدار الأوامر المدعومة بالتهديد باستخدام القسر العنيف، بل بتنظيم المكان وتقسيمه، وعزل الأفراد وتوزيعهم، وتنسيق حركاتهم، والمراقبة المتصلة والصامتة والتفتيشات والتحريات الصارمة، والاحتفاظ بمذكرات وبسجلات دقيقة. والبانوبتيكون ليس مجرد نموذج لسجون، ومدارس ومستشفيات منفردة، بل هو نموذج لمجتمع منظم ومنضبط.

هذه الأنواع الجديدة للسلطة القائمة على إعادة تنظيم المكان، ومراقبة شاغليه وضبطهم، هي بحكم طبيعتها «استعمارية» من حيث المنهج.

مبدأ للنِّظام

إن كتاب استعمار مصر» هو بالدرجة الأولى دراسة لكيفية إدخال مثل هذه المناهج الانضباطية في مصر القرن التاسع عشر وتطويرها.

وأنا أبدأ بالنظام الجديد، بالجيش الجديد لعشرينيات القرن التاسع عشر والذي أدّت المناهج المبتكرة فيه للانضباط والتدريب العسكري والاحتجاز في الثكنات إلى خلق قوة عسكرية ذات حجم وجبروت غير مسبوقين.

وكما لاحظ جون بورنج، فإن خلق هذه القُوى «كان في حد ذاته إنشاء مبدأ للنظام امتدّ ليشمل كامل مسطح المجتمع».

فإنني أبين كيف بذلت المحاولة لمدّ نظام الاحتجاز والتفتيش والانضباط ليشمل كلّ سكان مصر الريفية. فهذه المناهج – عند تطبيقها على إيقاعات الحياة الزراعية – قد أتاحت نوعاً من السلطة السياسية يعمل ليس بمجرد جمع فائض زراعي معيّن، بل بالدخول في عمليات الإنتاج من أجل الإشراف عليها، وإعادة تنظيمها ومضاعفتها عند كلّ مرحلة، وعلى مدار القرن التاسع عشر، صار هذا النوع للإشراف المحلي المنهج الجوهري للملكية الخاصة للأرض والإنتاج واسع النطاق لأجل السوق الأوروبية.

أبين كيف جرى مدّ مبادئ النظام نفسها «لتشمل كامل مسطّح المجتمع» في إعادة بناء القاهرة والمدن المصرية الأخرى لخلق منظومة من الطرق المنظمة المفتوحة، والإشراف على الأحوال الصحية والصحة العامة، والتحكم في العمال ومراقبة المجرمين والفقراء، وبالدرجة الأولى في إدخال نظام حديث للتعليم المدرسي الانضباطي. والواقع أن التعليم المدرسي يبدو أنه قد أتاح وسيلة لاستخدام المناهج الجديدة للنظام والانضباط لصياغة كلّ مصري فرد بحيث يكون رعيةً سياسية طائعةً ومطيعة. ونتيجةً لذلك فإن التعليم المنظم صار يُنظر إليه بوصفه العنصر المحوري لسياسة الدولة الحديثة،

وأنا أرى أن السمة الخاصة للنظام الجديد تتمثل في أنه قد عمل في كلّ حالة عن طريق خلق «وقْعَ بِنْية»، وأبسط تصوير لذلك يتمثل في إعادة بناء القاهرة في القرن التاسع عشر، فقد قُصِد بتخطيط الشوارع الجديدة للمدينة إعطاء وقْعَ خطّة.

سياسة الحقيقة

يهتم عمل ميشيل فوكو أيضًا بالعلاقة بين السلطة السياسية وعوالم المعنى أو الحقيقة.

لقد جرت بالفعل مواصلة أفكار فوكوه عن العلاقة بين السلطة والمعرفة فيما يتعلق بسيطرة أوروبا على الشرق الأوسط، في عمل إدوارد سعيد. فكتاب «الاستشراق» لسعيد، وهو تحليل رائع للطريقة التي درس بها الغرب الحديث العالم العربي وصوره بها، يعتمد على ميشيل فوكوه في تبيان أن عملية وصف الشرق وتصنيفه نفسها من الناحية الأكاديمية، قد شكلت جزءًا من «الانضباط المنهجي» بصورة بالغة، والذي تمكنت به الثقافة الأوروبية من أن تتحكم في الشرق- بل ومن أن تنتجه – من الناحية السياسية (الاستشراق، ص ٣).

فقد بدا أن كل شيء معروض أمام الفرد المراقب كصورة أو معرض لشيء يمثل معنى أو واقعاً معيناً آخر. وأنا أرى أن الزوار لم يواجهوا في أوروبا مجرد معارض للعالم بل واجهوا العالم نفسه منظماً كما لو كان معرضاً لا نهاية له.

جاك ديريدا

جاك ديريدا، الأستاذ بمدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية في باريس والذي ربما كان الفيلسوف الأوروبي المعاصر الأهم والأكثر تجديداً. فمنذ الستينيات قدّمت كتابات ديريدا نقداً متواصلاً لفهمنا الدارج لـ «المعنى»، ولمجمل نسق الفكر الحديث المبني عليه.

يرى ديريدا أن فكرتنا عن المعنى تعتمد دائماً على التمايز الأساسي بين التمثيل والواقع.

والكلمات الماثلة مادياً على الصفحة أمام قارئ تُعدّ كل منها مجرد تمثيل لأصل غائب مادياً، سواء كان فكرة أصلية في ذهن الكاتب أو موضوعاً أصلياً في العالم الواقعي.

وأنا أواصل في استعمار مصر عمل دريدا، ليس كمسألة تأمل فلسفي بل من أجل النظر في الكيفية التي أصبحت بها هذه الافتراضات الخاصة عن المعنى والواقع مجسدة في العالم الحديث،

جعل العالم واضحاً

لقد كان غرضهم من السفر إلى الشرق هو معايشة «الواقع» الذي كانوا قد شاهدوه كثيراً معروضاً في الغرب، لكن ما وجدوه هناك قد أربكهم. فمن ناحية رغم أنهم قد تصوروا أنهم ينتقلون من مُعارِض الشرق إلى الشيء الواقعي، واصلوا محاولة استيعاب الشيء الواقعي بوصفه مُعرضاً،

وقد قُصد بالقرى النموذجية تنظيم حياة المصريين العاديين وتوضيحها، وإدخال عمارة من شأنها جعل النساء وعائلاتهن نفسها مرئية لـ «مراقبة الشرطة». وقد جسّدت الشوارع الجديدة، المفتوحة للقاهرة الحديثة وللمدن المصرية الأخرى مبادئ مماثلة خاصة بإمكانية الرؤية والتفتيش، وهي عين المبادئ التي تُعدّ جوهر المعارض العالمية.

فإن المدارس قد أتاحت مجموعة مبادئ عامة للتعليم وللإعلام، أصبحت حياة هذه الدولة «القومية» تعتبر مستحيلة دونها.

العلاقة بين الحقيقة والسلطة… عن طريق دراسة مسألة اللغة بالطريقة نفسها. فأنا أرى أنَّ اللُّغة تُقدِّم المثال الأبعد مَدَى للكيفية التي تُخلق بها تكنولوجيات العصر الحديث المُميَّزة – والتي تشمل في هذه الحالة المناهج الجديدة للاتِّصال، والطِّباعة، والتَّعليم المدرسي – وقع بنية مُنفصلة عن «الواقع»،

ويتضمن بها سلسلة من الافتراضات عن الطريقة التي يكون بها للكلمات معنى، والتي لا يتقاسمها الفقهاء العرب أيًا منها بالطريقة نفسها تمامًا.

وأنا أرى أن السلطة النصية كانت مماثلة من حيث طبيعتها ومنهجها للسلطة السياسية، بل إنها قد شكّلت جزءاً هامًا من مثل هذه السلطة.

إن التقنيات الجديدة للنظام وللحقيقة ترتبط بفهم جديد للشخص بوقع جديد للنفس وبوقع جديد للآخر، وبمناهج جديدة لخلق الهوية السياسية.

وهكذا فإن الكتاب لا يقدم تاريخًا لكيفية استعمار مصر، بل دراسة للسلطة المستعمرة.

الفَصْل الأوَّل: مِصْر في المَعْرِض

عندما سافر الوفد المصري إلى المؤتمر الدولي الثامن للمستشرقين، والذي عُقد في استوكهولم في صيف عام ١٨٨٩م -وهو في طريقه إلى السويد- بباريس وتوقف هناك لزيارة المعرض العالمي.

لقد شيد الفرنسيون الجناح المصري بحيث يمثل شارعاً متعرجاً من شوارع القاهرة، يتألف من بيوت ذات طوابق علوية آيلة للسقوط ومسجد كمسجد قايتباي.

«أما من جهة الجامع، فلأن هيئته جامع من الخارج ليس إلاّ. أما من الداخل فهو قهوة جُعلت لراقصات مصريات وعيد [وعقد] دراويش تدور».

«طرحت الفكرة المضحكة الخاصة بتقديم سكان أصليين من البلدان الشرقية كما لو كانوا صوراً توضيحية على الورق. وهكذا، فقد قدم أستاذ اللغة السنسكريتية بجامعة أكسفورد حكيماً هندياً حقيقياً، وجعله يؤدي طقوس الصلاة والعبادة البراهمانية أمام جميع استبد به الصخب.

فطوال القرن التاسع عشر وجد الزوار غير الأوروبيين أنفسهم معروضين أو موضوعين بشكل دقيق كموضوع للفضول الأوروبي.

وسوف أتناول مسألة العرض هذه، فاحصاً إياها من خلال عيون أوروبية، بوصفها ممارسة تقديم مثالاً لطبيعة الدولة الأوروبية الحديثة.

فهذه السخرية مفتاح لحل اللغز، لأنها تتخلل مجمل تجربة الشرق الأوسط مع أوروبا القرن التاسع عشر.

جاء كل من الرجال والنساء في عربات، وعلى ظهور الجياد، وسيراً على الأقدام، للتطلع إلينا وللفرجة علينا».

أوروبا كانت بالنسبة للزائر من الشرق الأوسط مكاناً يمكن أن يتعرض المرء فيه لأن يصبح شيئاً معروضاً، يتجمع الناس حوله ويتفرّجون عليه.

دليل على اختلاف تاريخي جوهري بين الأوروبيين والشعوب الأخرى، الاختلاف بين فضول الأوروبي تجاه الأماكن والشعوب الغربية، و«الافتقار العام إلى الفضول» من جانب الآخرين،

كان يتعين أن يكون «مستودعاً ضخماً لموضوعات من شتى الأنواع، وللرسوم، وللكتب الأصلية، وللخرائط، ولكتب الرحلات، تُقدم كلها لأولئك الذين يريدون تكريس أنفسهم لدراسة (الشرق)، وذلك بطريقة تساعد على أن يشعر كل طالب من هؤلاء الطلاب بأنه قد نُقل، كما لو كان عن طريق السحر، إلى وسط قبيلة منغولية مثلاً أو إلى وسط الجنس الصيني، تبعاً للموضوع الذي اختاره لدراسته».

لقد زاروا المتاحف ورأوا ثقافات العالم مصورة في موضوعات مرتبة خلف الزجاج، وفق ترتيب تطورها،

وقد أعلن رئيس مؤتمر المستشرقين الذي عُقد في عام ١٨٩٢ «أن إنجلترا تُعَدّ في الوقت الحاضر أعظم إمبراطورية شرقية عرفها التاريخ حتى الآن. وهي تعرف ليس فقط كيف تستولي، بل وكيف تحكم».

فأولاً، كان من الجدير بالملاحظة كيف أن المعارض بدت وكأنها تقدم نموذجًا مكتملًا لعالم خارجي.

ويشير المعرض العالمي هنا ليس إلى مُعرّض للعالم بل إلى العالم وقد جرى تصوره واستيعابه كما لو كان مُعرّضًا.

وهناك ثلاث سمات لهذا العالم،

أولاً: ادعاؤه الملحوظ بامتلاك اليقين أو الحقيقة

ثانيًا: الطبيعة المفارقة التي يتميز بها هذا الوضوح

ثالثًا: ما سوف أشير إليه بطبيعته الاستعمارية: فعصر المعرض هو بالضرورة العصر الاستعماري، عصر الاقتصاد العالمي والقوة العالمية الذي نحيا فيه، لأن ما كان يتعين جعله معروضًا كان هو الواقع، العالم نفسه.

لقد كانت المعارض العالمية والحياة التجارية الجديدة واسعة النطاق للمدن الأوروبية جوانب لتحول سياسي واقتصادي أثر بالمثل على مصر.

ومنذ الجزء الأخير من القرن التاسع عشر كان وادي النيل يمر هو الآخر بتحول، يرتبط أَسَاساً بصناعة النسيج الأوروبية. فمن بَلَد كان يُشَكِّلُ واحداً من المحاور في تجارة العالم العثماني وما وراءه، وكان ينتج ويصدر مواده الغذائية الخاصة ومنسوجاته الخاصة، كانت مصر تتحول إلى بلد يهيمن على اقتصاده إنتاج سلعة واحدة، القطن الخام، من أجل صناعة النسيج العالمية الأوروبية.

وقد شملت التغيرات المرتبطة بهذا النمو والتركيز في الصادرات نمواً هائلاً في الواردات، أساساً منتجات النسيج والمواد الغذائية، وامتداد شبكة من الطرق، ومكاتب البرق، وأقسام الشرطة، والسكك الحديدية، والموانئ، وقنوات الري الدائم في طول البلاد وعرضها، وعلاقة جديدة تجاه الأرض، التي أصبحت سلعة مملوكة ملكية خاصة مركزة في أيدي طبقة اجتماعية صغيرة، قوية وثرية بصورة متزايدة، وتدفق الأوروبيين، الساعين إلى تحقيق الثروات، أو إلى العثور على عمل، أو تحويل الإنتاج الزراعي، أو فرض السيطرة الاستعمارية، وبناء وإعادة بناء البنادر والمدن الكبرى كمراكز للحياة التجارية الجديدة التي تهيمن عليها أوروبا، وهجرة عشرات الآلاف من الفقراء الريفيين المُعدَمين بشكل متزايد إلى هذه المراكز الحضرية.

وكان الاسم الكامل لأول هذه المعارض، وهو معرض قصر كريستال لعام ١٨٥١ هو: «المعرض الكبير لأعمال صناعة جميع الأمم».

أما ما كان معروضاً فهو تحويل العالم إلى الإنتاج والتبادل الرأسماليين الحديثين، وإلى حركات المواصلات وعمليات التفتيش التي كان يُعتقد أن هذا الإنتاج وذلك التبادل يعتمدان عليها،

ورَدَّ الخديوي جميل قصر العصر الوسيط المشاكل الذي أنشئ لكي يستخدمه في معرض باريس قبل ذلك بسنتين، بإنشاء قصر على النيل خصيصاً للإمبراطورة يوجيني، كانت الغرف فيه صوراً طبق الأصل لغرفتها الخاصة في قصر التويلري.

التحول السياسي والاقتصادي الذي قُدرَتْ محاولته تحقيقه في أماكن كمصر كان يتطلب، ليس مفهومًا ماركسيًا عن الشخص الإنساني، بل مفهومًا يتقاسم مع ماركس افتراضات مشتركة معينة، … لقد أصبح يجري التفكير في الشخص باعتباره شيئًا منفصلاً عن عالم فيزيقي، كالزائر لمعرض أو العامل الذي يُعنى بآلة، بوصفه الشخص الذي يراقبها ويسيطر عليها.

وقد ذكر تقرير بعد معرض ١٨٥١: «إن تحركات شعبية كان يمكن النظر إليها قبل سنوات قليلة فقط على أنها خطرة على أمن الدولة.. قد حدث ليس دون فوضى فحسب، وإنما أيضا دون أن تقع جرائم تقريبا».

وقد كتب أحد المصريين أنه «ما من سنة تمر إلا وترى ألوفًا من أهل أوروبا تسيح في الأرض فلا يمرون بشيء إلا رسموه».

فموقع النظر لم يكن مجرد مكان منفصل، خارج العالم أو فوقه. لقد كان على المستوى المثالي موقعاً يمكن منه للمرء أن يرى دون أن يُرى، شأنه في ذلك شأن السلطات في «البانوبتيكون» (سجن بنتام النموذجي الشهير).

ولا غرابة في أن كاتباً مصرياً قد أوضح – كما ذكرت – أن بين عقائد الإفرنج عدم تأثير العين.

وقد أوضح أنه، لكي «يفلت من استثارة أية شبهة، لدى الأجانب… في أنه شخص لا يملك حقاً في التطفل عليهم»، ارتدى ملابس سكان القاهرة المسلمين المحليين وتظاهر بالإيمان بمعتقدهم الديني. وقد سمح له التستر وراء مظهر كاذب بكسب ثقة مخبريه المصريين، كما سمح له بمراقبتهم في حضورهم دون أن يكون هو نفسه عرضة للمراقبة.

فقد وصل الأوروبيون بوجه عام إلى الشرق بعد أن رأوا خططًا ونسخًا – في الصور والمعارض والكتب – كانوا يسعون إلى البحث عن أصلها؛

كما أن كلاً من روبرتس ولين قد ألهمهما زيارة مصر «وصف مصر» الشهير، العمل المؤلف من اثنين وعشرين مجلدًا والذي أعده الفنانون والعلماء الفرنسيون الذين كانوا قد رافقوا الجيش الفرنسي خلال احتلال نابليون لمصر،

المعرض يقنع الناس بأن العالم منقسم إلى عالمين أساسيين: التمثيل والأصل، المعروض والواقع الخارجي، النص والعالم.

وفي النهاية فإن الأوروبي قد حاول استيعاب الشرق كما لو كان معرضاً لنفسه.

وقد كتب نيرفال إلى ثيوفيل جوتييه، عن القاهرة التي كانا قد حلما بوصفها: «لا تفكرنَّ فيها مرة أخرى، فتلك القاهرة ترقد تحت الرماد والقذارة… محملة بالتراب وخرساء». والحال أنهما لم يلقيا في تلك الشوارع الشرقية شيئاً يرتقي تماماً إلى مستوى الواقع الذي كانا قد شاهداه ممثلاً في باريس. بل إن المقاهي نفسها لم تبد حقيقية. وقد أوضح نيرفال في محاولة لوصف شارع قاهري مميز: «لقد أردت في الواقع أن أصور لك المشهد هنا، إلا أنه… في باريس فقط يجد المرء المقاهي الشرقية الحقيقية».

الشرق قد أصبح باطراد مكاناً يكتشفه المرء لدى وصوله إليه أنه «كان يعرفه من قبل عن ظهر قلب».

لم يكن في مدن الشرق الأوسط شيء منفصل يعرض نفسه بهذه الطريقة على الغريب، على الذات المراقبة. لم تكن هناك أسماء للشوارع ولا علامات للشوارع، ولا مساحات مفتوحة ذات واجهات خارجية مهيبة، ولا خرائط (١). لقد رفضت المدينة أن تعرض نفسها بهذه الطريقة كتمثيل لشيء، لأنها لم تكن قد بنيت لكي تكون تمثيلاً لشيء. أي أنها لم تكن قد نظمت لإحداث حضور خطة منفصلة ما أو معنى منفصل ما.

أوضح شارل لامبيرت، وهو عالم اجتماع «سان سيموني» ومهندس أنشأ وأدار «مهندسخانة» في القاهرة على غرار المدرسة الكبرى في باريس؛ «إن ما لم تحزه مصرُ قط، شأنها في ذلك شأن بقية المشرق، هو النظام».

فلاستعمار مصر، لإنشاء نوع حديث من السلطة، سوف يكون من الضروري «تحديد الخطة».

العملية الاستعمارية سوف تحاول إعادة تنظيم مصر بحيث تظهر كعالم مُؤطَّر.

كان يتعين جعلها شبيهة بصورة مقروءة وفي متناول الحساب السياسي والاقتصادي، وكانت السلطة الاستعمارية تتطلب أن يصبح البلد مقروءاً، ككتاب، بالمعنى الخاص الذي تتصوره لمثل هذا المصطلح.

والحال أن الإطار يبدو أنه ينظم الأشياء، إلا أنه يبدو أيضًا أنه يعيّن الحدود ويستبعد،

الفَصْل الثَّاني: التَّأطير

خلال الربع الثاني للقرن التاسع عشر، جرى تحويل المصريين إلى سجناء رؤوسهم لقراهم، وذلك أن مرسوماً حكومياً صدر في يناير ۱۸٣٠ قد قصر تحركهم على مساقط رءوسهم، واشترط حصولهم على تصريح ووثائق تحديد للشخصية إذا كانوا يرغبون في السفر إلى خارجها. ويقال لنا إنه «كان من النادر أن يتمكن فلاح من الانتقال من قرية إلى أخرى دون جواز سفر مكتوب». وقد قدر للقرية أن تدار ككتلة، وأن يوضع سكانها تحت مراقبة الحراس ليلاً ونهاراً، وتحت مراقبة المفتشين وهم يفلحون الأرض ويسلمون نتاجها لمستودعات الحكومة.

لم يكن أحد قد فكر من قبل في تنظيم مصر بالطريقة التي يجري بها إسكان جيش في ثكنات وفرض الانضباط عليه، … وأينما ولى الناس أبصارهم، كان يتعين تفتيشهم أو مراقبتهم أو إصدار التعليمات إليهم.

وإذا كانوا حراساً بدلاً من أن يكونوا محروسين، فإنهم مع ذلك لم يفلتوا من المراقبة، فقد جرى زرع الجواسيس في كل موقع،

والحال أن محاولة السيطرة من القاهرة على الثروة الزراعية لوادي النيل لم تكن في حد ذاتها شيئاً جديداً.

ما كان جديداً في القرن التاسع عشر فهو طبيعة السيطرة.

واعتباراً من القرن التاسع عشر، حاولت السلطة السياسية لأول مرة، العمل بأسلوب متواصل وشديد التدقيق ومنتظم الأشكال، ولم يعد المنهج هو مجرد أخذ نصيب مما يجري إنتاجه وتبادله، بل الدخول في عملية الإنتاج. وعن طريق مراقبة كل جانب من جوانبها بصورة منفصلة ودون انقطاع، حاولت السلطة السياسية ضبط، وتنسيق وزيادة ما أصبح يجري النظر إليه بوصفه «القوى المنتجة» للبلد.

أما الاستراتيجيات الأصلية للسيطرة الانضباطية التي صارت مثل هذه السلطة تستند إليها فقد وُجِدَت في إنشاء جيش مصري جديد.

فاعتباراً من عام ۱۸۲۲، كان المصريون قد وجدوا أنفسهم يُؤخذون بعشرات الآلاف ويحوّلون، لأول مرة في التاريخ، إلى جنود.

صميم هذا الخطة: تدريب قوة مشاة جديدة وتنظيمها وفق التقنيات الجديدة التي استخدمها البروسيون والفرنسيون.

وكانت مصر أول ولاية من ولايات الإمبراطورية العثمانية يحالفها التوفيق في إدخال النوع الجديد من الجيش.

والحال أن الانضباط من هذا النوع كان بدعةً جديدةً، لم تُعتمد في معظم البلدان الأوروبية إلا قبل جيل أو نحو ذلك من إدخال النظام الجديد، وذلك إثْرَ الانتصارات البروسية المثيرة في حرب السنوات السبع (١٧٥٦ – ١٧٦٣).

أما جنود الانضباط الجديد فإنهم، خلافًا لذلك، «يظلون مصطفين في صف كما لو كانوا يؤدون الصلاة، حيث تكون صفوف المؤخرة موازية تماماً لصفوف المقدمة، وتتألف من عدد السرايا نفسه، بلا زيادة وبلا نقصان، بحيث تدور، عند الضرورة، بالدقة التي تدور بها الساعة».

ومع النظام الجديد، أخيراً، توافرت الوسيلة الفعالة للسيطرة على الفرار، وكسر العقبة التقنية الرئيسية أمام ترويض مجموعات بشرية ضخمة وإداراتها. فقد جرى احتجاز الجنود، حين لا يكونون في حرب، في المعسكرات أو الثكنات، حيث جرت حراستهم، وتدريبهم وإخضاعهم لأقصى درجات الانضباط. كما تعيَّن فصلهم عن الجماعة المدنية،

اشتمل النظام العسكري الجديد على أكثر من دزينة من المدارس لتدريب كوادر عسكرية متخصصة تشمل ضباط سلاح الفرسان وسلاح المدفعية وسلاح المشاة والسلاح البحري، ورجال سلاح الإشارة، والأطباء، والأطباء

البيطريين، والفرق الموسيقية العسكرية، والمهندسين.

وكان يتعين إخضاع الطلاب للرقابة المستمرة، ليس في الفصول فقط، وإنما أيضاً خلال مشيهم ابتغاء الترفه خارج المدرسة، وخلال الاستجمام، وفي عنابر النوم. «لقد كان الانضباط عسكرياً بصورة صارمة وكانت العقوبات درجات تبعاً للجرم وكان بالإمكان توبيخ طالب في حضور المدرسة كلها، أو احتجازه في المدرسة، أو حبسه وتزويده بالخبز والماء فقط، أو ضربه بالكرباج أو فصله من المدرسة».

وكان يتعين رصد سلوك الطلاب رصداً مستمراً وتنظيمه عن طريق هرمية دقيقة من الأحكام الانضباطية. «لقد كانت العقوبات من اثنتي عشرة درجة مختلفة، تتراوح بين التوبيخ العلني والفصل من المدرسة، وكان من الممكن أن يفقد أحد الطلاب رتبته إن كان ضابط صف أو عريفاً أو حجب الترقية عنه من باب العقاب».

لقد أدخل النظام الجديد أسلوباً جديداً للسلطة، التي أخذت تمارس عملها عن طريق الاحتجاز الجسماني للجماعات، والرصد المتواصل للسلوك، والسيطرة على الحركات والإيماءات، والإنشاء الدقيق للهرميات.

«إدخال التنظيم الغربي في جيوش المشرق قد جرّ إلى نتائج هامة أخرى، لأن تطبيقات الفن الميكانيكي، والتعليم، والمعرفة، والنسق العام للاتباع والخضوع، كانت الأمور الضرورية المرافقة للمجريات الجديدة. إذ إن تحويل السلطة العسكرية من حشود سائبة وغير منضبطة إلى جهاز من الجنود المدربين تدريباً منتظماً من خلال مختلف مراحل الطاعة والانضباط، كان في حد ذاته إنشاءً مبدأ للنظام شمل مجمل مسطح المجتمع».

من أجل تثبيت الريفيين في أماكنهم وحفزهم إلى البدء في إنتاج القطن وغيره من السلع للاستهلاك الأوروبي، كان من الضروري رسم حدود أماكنهم بدقة ووضوح وتحديد واجباتهم أو الحصص المطلوبة منهم تحديداً دقيقاً، ورصد أدائهم وتقديم التقارير عنه بصفة مستمرة.

وقد جرى تفصيل «النسق العام للاتباع والخضوع» تفصيلاً أتَمَّ في كُتيِّب من ستين صفحة صدر في ديسمبر ۱۸۲۹، تحت عنوان «لائحة زراعة الفلاح وتدبير أحكام السياسة بقصد النجاح»، والذي وصف بالتفصيل كيف يجب على الفلاحين العمل في الحقول، والمحاصيل التي يتعين عليهم زراعتها، واحتجازهم في القرية، وواجبات أولئك المكلفين بحراستهم ومراقبتهم.

وكما تقرر في اللائحة، فقد كان يتعين رصد الفلاحين في أداء مهامهم، بأن يعملوا في الحقول تحت مراقبة المشد والنفير، «وكان هؤلاء الموظفون يراجعون الفلاحين كل يوم، ويراقبونهم ليلاً ونهاراً لمنعهم من هجر القرية».

«وإذا اكتشف شيخ البلد أن فلاحاً قد تخلف عن زراعة حقوله كما هو مطلوب، فإنه كان يعاقبه بجلده خمساً وعشرين جلدة بالكرباج،

وكان رئيس القرية تحت إشراف مسئول عن الناحية، وهو حاكم الحظ، فإن كان مهملاً في مراقبة الفلاحين، تعرض للتوبيخ في المرة الأولى، وعوقب بمائتي جلدة في المرة الثانية، وبثلاثمائة جلدة في المرة الثالثة. أما الحاكم نفسه فكان تحت إشراف مسئول إقليمي هو المأمور، وكانت عقوبة إهماله هي لفت النظر في المرة الأولى ثم الضرب بالعصا خمسين مرة في المرة الثانية. وكان المأمور مسئولاً أمام مسئول المديرية، وهو المدير الذي كان يتعين عليه تقديم تقرير أسبوعي إلى مكتب التفتيش المركزي. وقد جرى إنشاء تدرج مماثل للواجبات والمراقبة والانضباط بالنسبة لتوزيع المحاصيل، وجباية الضرائب، وتقديم الرجال للخدمة العسكرية والسخرة، والإبلاغ عن أي شخص يوجد خارج زمام قريته دون إذن ودون وثائق تحديد للشخصية والتحقيق معه واعتقاله.

أما التغيير فهو يكمن في الصياغة الدقيقة للمهمة، وللمراقبة، وللعقوبة. فقد جرى النص على كل فعل منفصل ومراقبته، لتنسيق كل فرد في اقتصاد واحد للمحاصيل، والمال، والرجال. وكان ذلك محاولة لتحقيق نظام الثكنات وساحة القتال الجديد، بهرميته المؤلفة من الإشارة والحركة والمراقبة منقوشة ومفروضة في حياة القرية والفلاح.

وليست هناك حاجة إلى أن نروي بالتفصيل نواحي فشل هذه الممارسات أو الدمار الذي تسببت فيه. ولقد نَشَبَتْ طوال الفترة انتفاضات سياسية في الأقاليم، قَمَعَتْها قوات الحكومة الجديدة بصورة منهجية، وفرت أعداداً ضخمة من الفلاحين من قراهم ولاذوا بالهرب. ولم تكن مثل هذه الانتفاضات شيئاً جديداً، وما كان جديداً هو قدرة الجنود على قمعها،

وقد ذكر بورغ في تقريره إلى الحكومة البريطانية: «إن أحد أسباب تردي قوة جيش الباشا هو انتشار الشوق أو الحنين الخارف إلى البلد، وهو مرض غامض ولا علاج له على حد سواء. وقد ذكر لي طبيب في خدمة الباشا أن عدد الأشخاص الذين أصابهم الهزال حتى الموت، إذ غرقوا تحت تأثير هذا المرض الذي لا علاج له، كان كبيراً للغاية…

وفي أربعينيات القرن التاسع عشر، بعد أن أوقف التدخل البريطاني تحول مصر إلى قوة عسكرية إقليمية وأدى إلى اختزال جيشها إلى ۱٨٠٠٠ رجل،

وكتحدير للآخرين، وصف ما حدث لسليمان بدر الدين، من مِنية السيرج، الذي كان يؤوي الفارِّينَ والذي «شُنِقَ في سوق ذلك المكان».

ورغم مثل هذه الأمثلة، فقد واصل الفلاحون الهرب من أراضيهم،

وقد اشتكى والي مصر في تعميم إلى موظفي النواحي التابعين له صدر في مارس ۱۸۳۳: «إن بعضهم يخلعون أسنانهم، وبعضهم يعمّون أنفسهم، وبعضهم يبترون أطرافهم، وهم في الطريق إلينا، ولهذا السبب فإننا نعيد الجزء الأعظم منهم… وسوف آخذ من أسرة كل مذنب من أمثال هؤلاء المذنبين رجالاً بدلاً منه، أما من بتر أطرافه فسوف يجري إرساله إلى العمل على السفن الشراعية مدى الحياة، وقد أصدرتُ بالفعل أمراً كتابياً بهذا إلى شيوخ البلاد».

وكان التنظيم الصارم لـ «القوي المنتجة» للبلاد قد جعل الزراعة والعمل الإجباري واجباً يكاد يكون مماثلاً للتجنيد في الجيش من حيث ثقل وطأته.

أعيد بعد ذلك بناء القرية، تحت إشراف مهندسين فرنسيين مكلفين بما سمي بـ «إعادة بناء قرى مصر»، وقد جرى نقل السكان إلى بيوت جديدة،

والحال أن مشاريع التحسين من هذا النوع تتضمن قدرًا أقل من قسوة مناهج النظام العسكري الذي وصفه. لكن النظام الذي يسعى إلى تحقيقه نظام مماثل،

وفي مصر الحديثة، كما في أية دولة حديثة، كان على النظام من هذا النوع أن يزعم أنه النظام نفسه، النظام الواقعي الوحيد الموجود.

وجوهر هذا النوع من النظام هو إنتاج «وقع» سوف أسميه بالتأطير. فالتأطير منهج للتبويب والاحتواء، كما في بناء الثكنات وإعادة بناء القرى، يعمل عن طريق استحضار صورة ذهنية لمسطح أو كتلة محايدة اسمها «المساحة».

وضمن هذه الحاويات، يمكن عندئذ عزل المفردات، وعددها، وتسكينها:

وكان يتعين تحقيق نظام القرية التي أعيد بناؤها عن طريق اختزال حياتها إلى هذا النسق من الأمكنة والموضوعات والوظائف المُحتواة هناك،

كانت إعادة بناء القرى مرتبطة على نحو مباشر أكثر بتحقيق السيطرة العسكرية. وقد جرى تدمير قرى أعداد ضخمة من الجزائريين ونقلهم إلى مستوطنات جديدة، وذلك من أجل تفريغ مناطق من السكان كان من الصعب فرض السيطرة الاستعمارية عليها ولإخضاع السكان لمراقبة مباشرة أكثر.

بحيث يؤدي ذلك إلى ظهور ريف منظم مؤلف من حاويات ومحتويات.

إلا أنه كما هو الحال مع ابتداع نسق للرتب العسكرية، فإن المناهج الجديدة للنظام المكاني قد عملت أيضا عن طريق إنتاج هرمية مرتبة وتقنينها. فقد كان يتعين إيجاد تمايز، كما ذكرنا، بين أربع مراتب مختلفة من السكن. ففضلاً عن البيت النموذجي للفلاح العادي، كانت هناك مساكن للميسورين، وللأغنياء، وللأجانب. والحال أن توزيع الأسر وفقاً لهذه الفئات الأربع سوف يولد، أو سوف يثبت ويؤكد على الأقل، هذه التمايزات فيما بينها، بحيث يميل، في آن واحد، إلى تثبيت هرمية اجتماعية محددة وتوضيحها.

وهذا الوضوح، الذي هو علامة العالم بوصفه معرضا كانت له أهمية أعظم. فقد كان الخبراء الأوروبيون تواقين إلى تنظيم إنتاج معارف إحصائية من هذا النوع فيما يتعلق بمصر… وذلك عن طريق جمع معلومات عن «سكانها، ومنتجاتها، … وبوجه عام عن كل الأمور التي لها طابع إحصائي، ولها أثر، مباشر أو غير مباشر، على إنماء مواردها.

وقد اشتملت أجزاء الوصف التي تناولت الحالة الحديثة على حساب دقيق للمقادير، لأمور إحصائية كـ «متوسط قوة الرجال المصريين»؛ فمثل هذه القوى، على أية حال، هي ما كانت مناهج النظام الجديدة تسعى إلى التغلغل فيه واستعماره والمحافظة على نظامه وزيادته.

بل إن العمارة الخاصة للقرية المصرية وأسلوب حياتها قد جعلا مثل هذه «الحقائق» المتعلقة بالسكان وبقوتهم الإنتاجية عصية المنال بوجه خاص.

وكما أوضح بورنج للحكومة البريطانية، فإن صعوبات القيام بأي شيء كإعداد تقدير صحيح للسكان تزيد منها كثيراً حالة القوانين والأعراف المحمدية، التي تستبعد نصف المجتمع من مراقبة البوليس. فلكل بيت حرّيه، وكل حرم يستحيل الوصول إليه.

فإن عمارة التوزيع وفن الإخضاع للبوليس يمكنهما، بمثل هذه السبل، اكتساب سيطرة على الأفراد ليس عن طريق مجرد احتجازهم وإنما عن طريق كشف وإبراز ما هو محتجب، وغير معروف وصعب المنال.

والحال أن هذا الانسجام للأجزاء قد أتاح للقرية التي أعيد بناؤها أن توفر ليس مجرد معرفة أفضل بسكانها وسيطرة أفضل عليهم، بل إمكانية التنسيق فيما بينهم من أجل زيادة إنتاجيتهم كوحدة. وشأنها في ذلك شأن الجيش، يمكن تصور القرية الجديدة بوصفها آلة تولّد الجهد من تفاعل أجزائها الفردية.

وقد بدا أن مناهج إعادة البناء هذه تشير إلى أن الجهد والإنتاجية والتفاعل قوى فردية يمكن الآن، شأنها في ذلك شأن القرية نفسها، قياسها، وإعادة تجميعها، وزيادتها، والسيطرة عليها.

مصدر تاريخي شهير نسبياً، هو مؤلف ابن خلدون، الذي عاش في أفريقيا الشمالية في القرن الرابع عشر. فمؤلف ابن خلدون الرئيسي، «المقدمة»، هو دراسة مستفيضة للعمران، وهي كلمة عادة ما تترجم في هذا السياق بـ «الحضارة» أو «الثقافة». ويدرس الكتاب الأحوال السياسية والتاريخية التي يظهر في ظلها العمران، ويزدهر ويضمحل.

والواقع أنه قد جرى تبيان أنه، بالنسبة للقاهرة، فإن وجهة المبنى، ووجهة العبادة، ووجهة استقبال الضيوف، قبلة مكة، وطريق الشمس، وقوى دائرة البروج وخصائص الرياح السائدة كانت كلها متلازمةً بشكل محدد.

يتمثل أسلوب ثانٍ، متصل، لتشخيص النوع الحديث من النظام والذي أسميته بالتأطير في أنه يعمل عن طريق إقرار تمايز ثابت بين الخارج والداخل

إن الكُل بيّن بوضوح بالغ مظهر حياتهم الخاصة. وتُصوّر العمارة ضروراتهم وعاداتهم، والتي لا تنتج عن حرارة المناخ وحدها. فهي تصور بصورة جيدة إلى أبعد حدّ الحالة السياسية والاجتماعية للأُمم الإسلامية والشرقية: تعدد الزوجات، عزل المرأة، غياب كل حياة سياسية، وحكومة استبدادية ومرتابة تجبر الناس على أن يُحيوا حيوانات محتجبة وعلى أن يسعوا إلى كل إشباع روحي داخل الحياة الخاصة للأُسرة.

والواقع أنها كانت مرئية بدرجة كبيرة من الوضوح بحيث إن مستثمرين من مارسيليا قاموا في عام ١٨٣٠ بتحويل سفينة إلى فندق عائم وأخذوا السياح لمُشاهدة قصف المدينة واحتلالها من جانب الفرنسيين.

فالحال أن العمارة «تصور ضرورات وعادات» هذه الحياة الداخلية، بل وتصور الحياة الإسلامية والشرقية بوجه عام.

ومدن الشرق الأوسط، المفتقرة إلى «المؤسسات»، تفتقر بشكل أخص إلى المباني العامة المهيبة التي يمكن أن تحتوي مؤسسة، وتمثلها.

عواصم أوروبا الجديدة في القرن التاسع عشر، شأنها في ذلك شأن المعارض العالمية في قلبها، قد بنيت عمداً حول المراقب الفرد.

ويقول لنا فيبر «ليست هناك قوى غامضة عصيّة على الحساب… وبوسع المرء، من حيث المبدأ، أن يسيطر على جميع الأشياء عن طريق الحساب.

ومن هنا فإن الزوار الأوروبيين للشرق الأوسط، الذين لم يعودوا متوحشين بل مدجنين على هيئة علماء وجنود وسياح، طبعين وفضوليين شأنهم في ذلك شأن الملايين من زوار المعرض، يتخذون موقفهم القصدي إزاء مُدنه وحياته، ويتوسلون إلى أرواح المغزى أن تنطق.

الفَصْل الثَّالِث: مَظْهَرُ النِّظام

في شتاء (١٨٦٧ – ١٨٦٨م)، أتيحت لعلي مبارك وهو مدير، وأستاذ ومهندس مصري ضليع، فرصة السفر إلى باريس في مهمة مالية لحساب الحكومة المصرية، ولزيارة المعرض العالمي. وقد قضى عدة أسابيع – كما وصف في شيء من التفصيل فيما بعد – يدرس النظم الباريسية الجديدة في مجال التعليم والصرف الصحي…. وقد عُين لدى عودته إلى مصر ناظرًا للمعارف وناظرًا للأشغال العمومية، وعلى مدار العقد التالي، خُطط وبدأ بناء القاهرة الحديثة ونظام التعليم الحديث.

وقد تقرر مدّ النظام الجديد للجيش والقرية النموذجية ليشمل المدينة والمدني. وفي هذه العملية ظهرت إلى الوجود سياسة الدولة الحديثة.

ويكمن الطابع المميز للحياة في المدينة الفرنسية في نظام شوارعها وانضباط أولئك الذين يتحركون عبرها.

ومن الضوضاء والتشويش في شوارع القاهرة، اتجه بطل مبارك مباشرة إلى جذر المشكلة: الانضباط والتعليم.

عمل ما يجب الآن عمله

وديوان الأوقاف، وهو الديوان الذي كان يشرف على الكثير من الممتلكات ومصادر الدخل التي سوف تهدم لمد شوارع جديدة عبر المدينة أو سوف تُصادر لبناء المدارس في القرى والبنادر.

وقد تلت ذلك أعظم فترة للبناء والهدم في المدينة منذ نمو القاهرة المملوكية في العقد الأول من القرن الرابع عشر. وجرى مدُّ بنية جديدة بين الطرفين الشمالي والغربي للمدينة القائمة ومدخلها الجديد من الإسكندرية وأوروبا، محطة السكك الحديدية،

جرى شق شارع محمد علي على نحو مائل عبر المدينة العتيقة. وكان طوله كيلومترين، وكان يعترض طريقه نحو أربعمائة بيت كبير، وثلاثمائة بيت أصغر، وعدد كبير من المساجد، والمطاحن، والمخابز والحمامات. وقد هُدمت هذه كلها أو أُزيلت أنصافها وتُركت قائمةٌ كبيوت دُمى دون حائط خارجي،

فقد اعتبر اضطراب وضيق الشوارع التي أزالتها الشوارع الجديدة سببًا رئيسيًا للأمراض البدنية وللجريمة، مثلما كان عدم الانضباط وغياب التعليم المدرسي بين سكانها السبب الرئيسي لتخلّف البلاد.

فما كان لازمًا هو أن تُزال من المدينة المواقع التي تنبعث منها أبخرة المرض العفنة، مثل «الجبَّانات… والمجاري، والبالوعات وكل أماكن العفونة والتحلل»، وهدم البيوت للسماح بالمرور الطليق للهواء والضوء.

ومع مثل هذه الأسباب الطبية والسياسية الملحة المؤيدة لإنشاء مدن مفتوحة، تلازمت حجج اقتصادية ومالية. فالشوارع المفتوحة، جيدة الإضاءة مفيدة ليس فقط للصحة وإنما أيضاً للتجارة، لأنها تجسد مبدأ إمكانية الرؤية والتفتيش، والذي جرى توضيح فائدته التجارية في المعارض العالمية.

وهكذا فإن المكان، والعقول، والأجسام قد اكتسبت كلها طبيعة مادية في لحظة واحدة، في اقتصاد مشترك للنظام والانضباط.

ويمكن لوضع المدارس في مركز المدينة أن يرمز إلى اللحظة التي ظهرت فيها سياسة جديدة للدولة الحديثة.

إذ كان التعليم المدرسي الجديد الذي أدخل في أوائل القرن في ظل محمد علي يستهدف إنتاج جيش والفنيين المتميزين المرتبطين به؛ أما التعليم المدرسي الآن فقد كان عليه إنتاج المواطن الفرد.

الطَّاعة المُطلقة

كانت مدارس لانكستر أو مدارس «التحسين المتبادل» قد استحدثت لتعليم الطبقات الصناعية في إنجلترا.

وكانت كل منضدة تُشكّل «فصلاً» من ثمانية طلاب أو عشرة، وكانت تحت إشراف طالب عَريف كان يرصد سلوك الطلاب الآخرين وعملهم.

وكان يجري تعليم طلاب الفصول «أن يحسبوا خطواتهم صامتين، عند دورانهم داخل المدرسة في طابور متراص. وذلك لمنع ما يمكن أن يحدث في الغالب من المجموعات، التي تسير كل منها في أعقاب الأخرى، أو تتدافع. وفي هذه الحالة فإن حسابهم لخطواتهم يفرض الانتباه إلى موضوع واحد. ويُمنع السلوك غير المنظم.

وقد درّبت الإشارات التلغرافية الطالب على «الطاعة المطلقة»، مما خلق «نسق نظام». والحال أن الموقع البصري لهذا النظام، من موقع نظر الناظر الفرد على رأس المدرسة، كان ملحوظاً.

وكانت المدرسة النموذجية نموذجاً للمجتمع الأمثل.

وفي عام ١٨٤٧، بعد أربع سنوات، كانت المدرسة النموذجية في القاهرة تضم تسعة وخمسين طالباً، وليس معروفاً إلى أي مدى أخلصت في السير على نهج الأصل الإنجليزي.

ولم تكن هذه المدارس تخلق جنوداً، بل تخلق أعضاء مجتمع منضبطين.

مدرسة باريس

في الفترة نفسها، بين عامي ١٨٤٤ و ١٨٤٩، أنشأت الحكومة المصرية مدرسةً في باريس، ونظمتها وأدارتها وزارة الخارجية الفرنسية، أدخلت دستور نظام وطاعة مماثلاً. وكان من بين الطلاب المصريين الذين أُرسلوا للدراسة هناك إسماعيل باشا، الذي سوف يحكم البلاد فيما بعد، وعلي مبارك، الذي سوف يكون فيما بعد من نظاره، ونسبة هامة ممن صاروا فيما بعد رجال تعليم وإدارة.

وكما في مدرسة لانكستر النموذجية، كان التعليم عملية انضباط وتفتيش وطاعة متواصلة.

والحال أن بدعة الجدول الزمني تُوزّع بعد الوقت بحيث يشكّل إطارًا، يتعين فيه احتواء أنشطة المدرسة، والأكل، والتمرين.

وبالمثل، فإن لكل طالب رتبة عسكرية فهو إما أن يكون عريفًا، أو رقيبًا، أو رقيبًا أول.

طرح إبراهيم أدهم اقتراح إنشاء «مكاتب الملة» المنظمة على غرار مدرسة لانكستر مرة أخرى، وكان طرح الاقتراح هذه المرة بمشاركة رفاعة الطهطاوي، وهو مدير آخر من مديري المدارس الذين تلقوا تدريبا أوروبيا.

سُلطة بِلَا تجلِّيَّات خارجِيَّة

والحال أن نظام وانضباط التعليم المدرسي الحديث سوف يكونان ملمحًا رئيسيًا ومنهجًا للشكل الجديد للسلطة السياسية، وهي سلطة كان يحتاجها – كما أسلفت الإشارة – نظام الملكية الخاصة للأرض والإنتاج من أجل السوق الأوروبية والذي أخذ يتوطد في تلك الفترة.

فإن الذي كان هناك احتياج إليه هو المناهج الجديدة والعلاقات الاجتماعية لحياة زراعية منظمة للإنتاج من أجل السوق. وكانت هذه بدورها تتطلب تقنية جديدة للسلطة السياسية، منهجًا للتأثير في السكان بصورة فردية وبصورة متواصلة لتحويلهم إلى أجزاء فعالة في العملية الإنتاجية.

«فإنَّ الحُكم وحده لليست له سُلطة. فالسلطة تكمن في الإقناع، وليس بوسع المرء أخذ أربعة أو خمسة ملايين من الأفراد لإقناعهم واحدًا فواحدًا بأن أحد هذه الأشياء أفضل من سواه». ومن أجل صوغ منهج سلطة يؤثر على مجمل السكان «واحدًا فواحدًا» بدأ مُمثِّلو هذه الطبقة المالكة للأرض – والتي كان إسماعيل نفسه أقوى أفرادها – الدعوة إلى إنشاء نسق جديد للتعليم المدرسي وتمويله.

نحن السادة يجب أن نستولي على رعايانا في شبابهم المبكر، إننا سوف نبدل أذواق وعادات كل الشعب، وسوف نعاود البناء بدءاً بالأسس نفسها ونعلم الشعب أن يحيا حياة مقتصدة، بريئة عامرة بالنشاط وفق نمط قوانيننا.

وهذه الكلمات من «تليماك فينيلون»، التي ترجمها رفاعة الطهطاوي إلى العربية، ونشرت ترجمتها في عام ١٨٦٧. ولتبديل أذواق وعادات شعب بأكمله، كان على السياسة أن تستولي على الفرد وأن تحوّله عن طريق وسائل التعليم الجديدة، إلى ذات سياسة حديثة مقتصدة وبريئة، وبالأخص منكبة على العمل.

وقد تمثلت إحدى الخطوات الأولى في عقد مجلس شورى النواب في عام ١٨٦٦، والذي اختير أعضاؤه من بين كبار ملاك الأرض وموظفي المديريات في البلاد. وكان المراد من المجلس المساعدة على مدّ السلطة السياسية على السكان الريفيين، بالموافقة على فرض مستويات ضريبية باهظة بشكل متزايد على فلاحين مقتصدين» مثلاً، وزيادة فعالية جباية الضرائب والتجنيد العسكري، بالموافقة على إجراء تعداد سكاني يشمل كل كفر ونجع وقرية في مصر.

والحال أن القانون الأساسي، وهذا هو اسمه، قد حدد الموضوعات التي يجب تعليمها في كل مدرسة وأولئك الذين يجب أن يتولّوا التعليم فيها، وأولئك الذين يجب أن يتولّوا الإدارة، والكتب التي يجب استخدامها، والجدول الزمني للتعليم، والملابس التي يجب على الطلاب لبسها، وخطة المباني، وتصميم الفصل وأثاثه، وموقع كل مدرسة، ومصدر مواردها المالية، وجدول امتحاناتها، وتسجيل الطلاب، والمعوقات البدنية التي يجب استبعادهم بسببها.

وقد وُزِّعَت المدارس توزيعاً دقيقاً حسب الحجم والمرتبة كتعبيرات عن التنظيم الصحيح للعناصر المنفصلة: الأفراد، القرى، المدن، العواصم الإقليمية والعاصمة القومية، والتي يمكن من زاويتها تصور دولة قومية بوصفها كلية متكاملة ومعينة الحدود.

وكان على البرنامج الدراسي أن يشمل تعليم القراءة والكتابة من خلال دراسة القرآن، ومبادئ الحساب والنحو. كما كان عليه أن يشمل التدريب على السباحة والفروسية، ورمي واستعمال الرمح والسيف وغير ذلك من أدوات الحرب، وذلك لتدريب النشوء على مناهج الحماية والقتال في سبيل الأمة.

وكان لابد لأي شخص يسعى إلى الدارسة في المستوى الأعلى أن يكون ذا ثروة وجيهة، بحيث لا يؤدى تكريس وقته لدراساته إلى إيذاء البلد. فمن المؤذي أن يترك شخص حرفة يتكسب منها الرزق، ويستفيد الآخرون منها، ويدخل عالم التعلم الأعلى.

انعدام النِّظام

خاصة في أوصاف جامع الأزهر التعليمي الشهير. ويقول لنا المفتش العام «إن ما يثير العجب في الأزهر هو الحشد الذي يتزاحم في أروقته…. ويشكو أحد الكتاب من «الفوضى» ومن انعدام النظام، مشيراً إلى أن المدرسين لا يفعلون غير أن يستندوا جالسين إلى أعمدة الجامع لإلقاء الدروس، دون الاهتمام بتسجيل حضور أو غياب التلاميذ أو تقدّمهم عبر الدروس المختلفة.

والحال أن الحياة داخل جامع الأزهر التعليمي لم تكن تتطلب جدراناً لتقسيم الفصول، ولا مناضد، ولا مراتب منظمة، ولا زياً موحداً، ولا جدولاً زمنياً، ولا برنامجاً دراسياً محدداً.

نظام النَّصّ

لم تكن الجوامع التعليمية الكبرى في القاهرة والمدن الكبيرة الأخرى في مصر، … مراكز تعليم، أو حتى مراكز تعلم من حيث الجوهر، بل كانت مراكز لفن وسُلطة الكتابة. وكانت قد أنشئت في القرون الأولى من جانب أولئك الذين كانوا يمسكون بزمام السلطة السياسية، كمساغ استهدفوا من خلالها أن يُؤمِّنوا وأن يَمُدُّوا من خلال أولئك المتضلعين في الفقه واللغة والفلسفة، سند كلمتها ذات النفوذ.

وكانت هذه العملية تبدأ دائماً بدراسة القرآن، النص الأصلي للفقه (بل والنص الأصلي الوحيد، النص الوحيد الذي لا يمكن قراءته بمعنى من المعاني باعتباره تفسيراً أو تحويراً لكتابة أسبق). وكان التلميذ ينتقل بعد ذلك إلى الحديث، مجموعة الأقوال المنسوبة إلى النبي محمد. والتي تفسر وتوسع المذهب القرآني،

وكانت الدروس الأولى تُلقى بعد صلاة الفجر مباشرة، من جانب أولئك الذين يعلّمون القرآن.

ومن ناحية، كان أسلوب التعلم هذا مَرِنًا بدرجة ملحوظة ومتحررًا من القسر، إذا ما قُورن بالتعليم المدرسي الانضباطي الحديث الذي يمثل نسقًا لا يتكسر نموذجًا له.

وكان المنهج منهجَ حجاج ونقاش، لا منهجَ إلقاء محاضرات، وكان يتعيّن على الفرد أن يكون ملتزمًا متى كان ذلك مناسبًا. إلا أنه لم يكن يتعيّن عليه البتة أن يكون سلبيًا.

وأيًا كانت جوانب ضعف هذه المناهج، فإنها قد جعلت جامع الأزهر التعليمي مركز العلم والفقه المتواصل الأقدم في أي مكان من العالم.

إذ كان الفقه هو المهنة التي حصلت فيها العائلات المصرية الهامة، من كل منطقة في البلد، على مواقع السلطة الريفية والحضرية وحشمها. وبعد عدد من السنوات في الأزهر أو إحدى مؤسساته الشقيقة، كان بوسع أبناء العائلات البارزة العودة إلى مناطقهم وتولي مواقع السلطة المحلية، لاعبين دور قادة للجماعة، وأئمة، وشراح وقضاة.

فالمناصب الهامة في مصر الريفية كانت لا تزال مخصصة للنخبة الناطقة بالتركية والتي كانت تتزايد افتقاراً إلى الشعبية (وهي حالة كانت على وشك التغيير في الأقاليم، مثلما يرمز عمل علي مبارك إلى ظهور بيروقراطية مصرية صميمة، ناطقة بالعربية في القاهرة)، وكانت مستويات الضريبة الباهظة قد أرغمت رجالاً كوالد علي مبارك على الهرب من قراهم، وكانت دخول المساجد التعليمية قد انخفضت انخفاضاً حاداً من جراء استيلاء الحكومة على أوقافها، وكانت رحاب الأزهر قد أصبحت ملاذاً مزدحماً لأولئك الفارين من التجنيد العسكري.

التَّعلم القَرَوِيّ

كان التعلّم يتم ضمن ممارسة مهنة أو حرفة خاصة يجب تعلّمها، ولم يكن منفصلاً بوصفه تعليماً مدرسياً. وكان الفقه واحداً من مثل هذه المهن، مركزاً على المسجد، وكانت المهن والحرف الأخرى تُدرس في مواقعها الخاصة، بأشكال مماثلة.

والحال أن التعلّم، بوصفه عملية منفصلة يكتسب فيها التلاميذ مجموعة من التعليمات والانضباط، قد ولد في مصر في القرن التاسع عشر.

والحال أن النظرة التي قدمتها للنثر للتعلم التقليدي تتطلب إعادة فحص ليس فقط للمسجد التعليمي في المدينة وإنما أيضاً، وأخيراً، لما يسمى بالمدرسة القرآنية في القرية، الكُتَّاب.

والحال أن الكُتَّاب، شأنه في ذلك شأن المسجد التعليمي، كان منظمًا حول معنى الكلمات وسلطتها، في حاجتها إلى أن تُفسّر، وإلى أن تُعالج معالجةً مناسبةً. وليست المساجد والكتاتيب وحدها، في الواقع، بل جانباً كبيراً من الحياة الاجتماعية للمدينة الصغيرة، وللقرية، وللمدينة الكبيرة، وللسوق والغناء، وللأسرة وللعمل، كان معتمداً على ممارسات مختلفة فيما يتعلق بسلطة الكتابة.

وبالنسبة لحياة المصريين العاديين، فإن الكلمة المكتوبة أو المنطوقة بصورة صحيحة (كلمة القرآن، في معظم الحالات) كانت مورداً حاسماً.

وتصف دراسة مايكل جيلسنيان الأنثروبولوجية للدين في العالم العربي الحديث كيف أن «مفهوم الكلمة وتجربتها الجماعية في الصلاة»، وفي الدراسة، وفي التعويذات، وفي تلاوة الآيات المقدسة، وفي الذكر، وفي التسبيح، وفي العلاج، وفي الآداب الاجتماعية، وفي مائة من موضوعات أخرى يكمنان في أساس كون المرء مسلماً.

وكان أحد الأشياء التي يتولى الفقني القيام بها يتمثل في تعليم الأطفال في القرية الفن الذي كان مصدر حرفته، التلاوة الصحيحة والكتابة السليمة لكلمات القرآن. ولهذا السبب فإنه غالباً ما يوصف بمُدَرِّس القرية. على أن دوره في القرية لم يكن هو أن «يُعَلِّم»، بل أن يُقَدِّم في اللحظات المناسبة كلمة القرآن المكتوبة والمنطوقة.

ويمكن الإشارة إلى مكان كهذا بوصفه «الكتاب»، وإن كانت الكلمة لا تنقل معنى مكان فقط، بل ومعنى ممارسة، الممارسات المرتبطة بالكتابة وخصوصاً بالقرآن.

تعليمات للاستعمال

كان يجب للتعليم المدني الجديد أن يكون منفصلاً تماماً عن المشروع العسكري، مثلما كان يجب أن يكون منفصلاً عن حياة المسجد والتعلم فيه، وكان غرضه هو تحقيق انضباط كل فرد وتقدمه.

والحال أن فصل الكتاب الذي يناقش في باريس في شيء من التفصيل يبدأ بعنوان: «في ذكر تقدم أهل باريس في العلوم والفنون والصنائع وذكر ترتيبهم». إلا أن ناشر طبعة عام ١٩٧٣ من أعمال الطهطاوي قد جعل عنوان الفصل نفسه: «في العلوم والفنون والتربية عند الفرنسيين»، فأحلّ كلمة «التربية» محل كلمة «الترتيب» التي تكاد تشبهها من الناحية الصوتية، وحذف كلمة الصنائع التي لم تعد مناسبة.

ذلك أن كلمة «الترتيب»، «الحكم»، «الانتظام» (ومن ثم «الحكومة» نفسها) قد استعيض عنها في مجال التعلّم حيث كانت مستخدمة بشكل عام بكلمة «التربية» التي تكاد تشبهها من الناحية الصوتية.

ففي عام ۱٨٧٢، مثلاً، نشر الطهطاوي عمله الرئيسي بشأن التعليم، «المرشد الأمين للبنات والبنين»، وهو كتاب إرشادي للبنين والبنات، يبين فيه الحاجة إلى الممارسات التعليمية الجديدة من زاوية الطبيعة البشرية. فالإنسان قد «خرج من بطن أمِّه لا يعلم شيئاً ولا يقدر على شيء إلَّا بالتربية والتعليم». وتتوقف على عملية التعليم قدرته على تزويد نفسه بأسباب البقاء، وعلى استخدام اللغة، وعلى التفكير.

وقد بدأ المرجع الحكومي الرسمي حول التعليم والمنشور في عام ١٩٠٣ بالبيان الواضح الذي يقرر أنه: «ليس المراد من تربية الأشياء (وتقويتها) أن يُزاد في مقدار حجمها». فالتربية تشير، بدلاً من ذلك، إلى انضباط وتمرين الأفراد، الذي من شأنه التنسيق فيما بينهم لكي يتولوا أداء عملهم كوحدة.

وكان كاتب هذا المرجع هو عبد العزيز جاويش، الذي كان قد قضى ثلاثة أعوام من التدريب في مدرسة شارع «القصبة» في لندن، وهي المدرسة التي أنشأها جوزيف لانكستر لتدريب مُدرّسين لمدارسه الانضباطية. وقد أصبح مُفتِّشاً عاماً في نظارة المعارف، وكان فيما بعد واحداً من مؤسسي الحزب الوطني ورئيس تحرير صحيفته «اللواء».

فالتعليم المدرسي لم يكن غير جزء من عملية انضباط وتعليم سياسية أوسع.

 ثلاث مؤسسات سوف يجري فيها استحداث هذه السيطرة الجديدة على الفرد: المدرسة، والمجلس السياسي، والنشر.

في عام ١٨٦٨، تأسست في القاهرة هيئة اسمها «جمعية المعارف لنشر الكتب النافعة» على يد محمد عارف باشا، أحد خريجي المدرسة المصرية في باريس.

وكجزء من عملية «التربية» نفسها، بدأت الحكومة أيضاً في نشر المجلات، والصحف والكتب.

لاحظ هنري عيروط، وهو يسوعي، عمل في مصر الريفية، أن أولئك الذين أجبروا على العيش في هذه القرى المنظمة قد اعتبروها بوجه عام «سجنًا ذا شكل هندسي».

وقد أردف الأب عيروط: «لا يمكن بناء قرية نموذجية والحفاظ على جاذبيتها ما لم يجر ربط المشروع المعماري بالتدريس، والتربية والتعليم، وباختصار، يجب العمل مع الفلاحين. فإعادة بناء القرية المصرية تتطلب إعادة تربية سكانها، وخاصة المرأة. ويجب أن نعمل بدءاً من الداخل».

وكانت سبل التنسيق هذه شيئا خاصا وفيزيقيا، يتبع ما سماه ميشيل فوكو «بالسلطة الميكروفيزيقية، وهي سلطة تعمل عن طريق إعادة تنظيم المجال المادي في أبعاد دقيقة واكتساب سيطرة مادية متواصلة على رعاياها.

وقد أخذت السلطة تسعى إلى التأثير ليس فقط على خارج الجسم، وإنما أيضاً «بدءاً من الداخل» عن طريق تشكيل العقل الفردي.

الفَصْل الرَّابع: بعد أن أسرنا أجسامهم

كتب ضابط عسكري فرنسي في الجزائر في تقرير عن انتفاضة أحمدتها قوائمه عامي (١٨٤٥ – ١٨٤٦م) يقول: إن هناك طريقتين لتأسيس سلطة سياسية على سكان ما: طريقة القمع وطريقة التربية. والأخيرة بعيدة المدى وتعمل على العقل، أما الأولى فتعمل على الجسم ولابد أن تأتي أولاً.

«الشيء الجوهري هو أن نجعل منهم شيئًا يمكن أن تُحكم قبضتنا عليه. وحين نملكهم في أيدينا، سيكون باستطاعتنا عندئذ أن نصنع العديد من الأشياء المستحيلة تماماً بالنسبة لنا اليوم والتي ربما سمحت لنا بأن نأسر عقولهم بعد أن أسرنا أجسامهم».

سوف أبدأ، مثل الضابط الفرنسي، بالسيطرة على الجسم. كان على نظام المراقبة أن يبدأ ليس في المدرسة أو في الجيش، بل منذ الميلاد. ففي أعقاب الاحتلال البريطاني لمصر عام ۱۸۸۲، أنشيء مكتب مركزي لتنظيم التسجيل الرسمي للمواليد في كل قرية مصرية.

 كان لدى ضابط التفتيش الإنجليزي من الأسباب ما يدفعه للاعتقاد بأنه لابد أن هناك عدداً كبيراً من البالغين والأطفال الذين لم يُسجّلوا في عزبة تخص أحد الأثرياء المصريين. وقد أقرّ الشيخ المسئول بأنه ليس في القرية الواقعة في العزبة أحد صالح للتجنيد الإلزامي أو غير مسجل.. فقام ضابط التفتيش، بمعاونة قوة من البوليس والخفراء، بتطويق القرية ليلاً، وفي الصباح وجد ما يربو على ٤٠٠ غير مسجلين، وسوف يُحاكم الشيخ أمام محكمة عسكرية. وكان الهدف المباشر لتسجيل مواليد البلاد هو تنظيم التجنيد في الجيش،

وتطلّب الأمر مناهج مماثلة للإشراف والسيطرة على المستوى المحلي من أجل الأساليب الجديدة للإنتاج الرأسمالي، وبالأخص زراعة وتجهيز القطن. فقد كانت الملكية الخاصة للضياع الكبيرة واستثمار رأس المال الأوروبي يخلقان طبقة من العمال المدمنين، كانت أجسامهم بحاجة إلى تعليمها العادات الانضباطية للعمل المأجور.

ولما كان الحافز الأخلاقي ذا قيمة ضئيلة جداً، فقد كان يحمل معه كرباجاً، يشجع به الاجتهاد بين الرجال والصبية،

كذلك استلزم الإنتاج الرأسمالي خلق وإدارة كتل ضخمة من عمال التراحيل، لإقامة وصيانة الإنشاءات الجديدة التي تُقام على طول الريف المصري، مثل الطرق، والسكك الحديدية، والقنوات، والسدود، والقناطر، والتلغراف، والمواني. أما المشروعات الأضخم مثل حفر قناة السويس فقد اقتضت نقل والإشراف على عشرات الآلاف من الرجال. كما تم جلب مجموعات أصغر من العمال من صعيد مصر للعمل الموسمي في إنشاء وصيانة الشبكة الجديدة من قنوات الري الدائم في الشمال، والتي تعتمد عليها زراعة القطن. وقد وضع البريطانيون تلك المجموعات تحت السيطرة البوليسية المستمرة.

أما ما أطلق عليها اسم «لجان قطع الطريق» Brigandage Commissions والتي حاولت الحكومة أن تسحق بها الجماعات المسلحة المحلية في الريف فقد استخدمت كل التقنيات التي أصبحت مألوفة للتغلب على المقاومة الفلاحية للسلطة الجديدة لدولة حديثة: الغارات العسكرية، والبوليس السري، والمرشدين، والسجن الجماعي (وقد امتلأت سجون البلاد بأربعة أضعاف طاقتها)، والاستخدام المنهجي للتعذيب. وكانت الأمثلة على التعذيب المستخدم لانتزاع الاعترافات من المشتبه فيهم تتضمن تعليق الناس في أطواق حديدية، وحرق الجسم بمسامير حديدية محمّاة

وأخيراً تم إدخال سلسلة من اللوائح الحكومية بهدف قمع أي «اضطراب ريفي»، بما في ذلك منع حمل السلاح على الجميع باستثناء «المسئولين الحكوميين أو المحليين، أو مُلّاك الأراضي والتجار ذوي الحيثية».

أسباب صِحِّيَّة وغيرها

وقد أجري أول تعداد للسكان عام ۱۸۸۲، أما بالنسبة لتسجيل المواليد وإجراءات التفتيش الصحي، فقد كان الاهتمام بالجسم الفردي للرعية السياسية اهتماماً عسكرياً واقتصادياً معاً.

وبالفعل بدأ المولد خلال هذه الفترة يتعرض للانتقاد؛ انتقاد لأن الممارسات الدينية التي تجري فيه تتعارض مع القانون، ولأنه ضار بالبلاد حيث يمنع الناس من عملهم.

كان على الجسم أن يُعامل باعتباره آلة فيزيقية،

كان التعليم المدرسي عملية تناول الشخص بهذه الطريقة المزدوجة. وقد صُمِّمت سلطاتها في المراقبة وفي التعليم من أجل إبقاء ما هو عقلي وكذلك ما هو مادّي تحت الملاحظة.

وقد أصبحت الفقرة التي تناقش «طبيعة التفتيش» في تقرير حكومي عام ١٨٨٠، أوضحت أن مهمة مفتّشي المدارس، بوصفهم «أعين ناظر المعارف»، هي فحص حالة كل مدرسة «مادةً ومعنى». وبالتناظر، كان غرض التعليم المدرسي هو تشكيل كلٍّ من جسم وعقل الطفل.

كان لمفهوم السياسة الجديد أن يُعرَف بأخذ مصطلح عربي هو «سياسة»، والربط بينه وبين الكلمة الأوروبية “politics” كانت كلمة سياسية قبل ذلك تعني، بين أشياء أخرى، ممارسة السلطان أو السلطة، و«الحكم» بمعنى نشاط الحكم وليس الجهاز الذي يحكم.

رغم أن استخدام كلمة سياسة الراسخة من زمن، قد خلق استمرارية ظاهرية مع الماضي، بحيث إن المعرفة والممارسات التي تشير إليها لم تَبْدُ كإدخال لشيء لم يكن يجري التفكير فيه في السابق، بل مجرد إعادة إدخال شيء «مُهمل».

كان حكم البلاد، خلال الفترات الأسبق يُمارس باعتباره تجميعاً لمنافع معينة: أجسام، ومحاصيل، وأموال، تتطلبها الأسرة الحاكمة لخزائنها ولقواتها المسلحة.

وكما يجادل فوكوه، فإن السياسة الحديثة قد وُلِدتْ مع الاهتمام لا بالمجموعات بل بالأفراد، الأفراد الذين يمكن رعايتهم، وتعليمهم مدرسياً، وفَرْض انضباطهم، وإنقاذهم نظيفين، كُلٌّ على حِدة في إطار اقتصاد للنظام الفردي والرفاهية الفردية.

الأثنوجرافيا والكَسَل

فقد أوضح أن المشكلة أمام النظام البريطاني الاستعماري في مصر هي أن الروابط الاجتماعية التقليدية بين الحاكم والمحكومين أي «وحدة الجنس، والدين، واللغة وعادات التفكير» لم تكن موجودة. ومن ثم كان من الضروري للحكومة أن تصوغ ما أسماه «الروابط الاصطناعية» بدلاً منها. وكان على هذه الروابط الاصطناعية أن تتكون بالدرجة الأولى من معلومات الحكومة، وفهمهما لأولئك الذين تحكمهم، وهو نوع من الفهم أسماه كرومر «التعاطف العاقل والمنضبط».

وكيف كان يمكن صياغة هذه الرابطة الاصطناعية للفهم. بحيث تظل شيئاً «عاقلاً ومنضبطاً»؟ كان عليها أن «تقوم على أساس المعلومات الدقيقة وعلى أساس دراسة دقيقة للحقائق المصرية وللأخلاق المصرية».

ومن ثم، فقد وضع، عام ۱۸۷۲، كتاباً عن التعليم المدرسي في مصر كُرِّسَت صفحاته الخمسون الأولى لموضوع «الأخلاق المصرية». … فالمصري خجول لكنه متوحد، وهو قابل للحماس لكنه يفتقر إلى أي مبادرة، وأخلاقه أخلاق لا مبالاة وسكون، ولَّدها افتقادُ الأمان بالنسبة إلى المستقبل وعدم استقرار الملكية مما قتل روح الاجتهاد والحاجة إلى التملك.

وأول أثنوجرافيا جادة للشرق الأوسط، هي كتاب إدوارد لين Edward Lane، “Manners and Customs of the Modern Egyptians” سلوك وعادات المصريين المحدثين”،

وكيف أن المصريين بالغو العناد ويصعب حَكمُهم، و «اشتُهروا منذ العصور القديمة… برفض دفع ضرائبهم حتى ينالوا الضرب المُبرِّح»، وكيف أنه «يُندَر أن يكون بالإمكان حثُ عامل مصري على عمل شيء كما هو مطلوب تماماً، فسوف يتبع رأيه عموماً ويُفضِّله على رأي مستخدمه ويَندُر أن ينهي عمله في الوقت الذي وَعَدَ به»،

وربما كان أكثر هذه الترجمات أثراً تلك التي قام بها يعقوب صروف، محرر صحيفة المقتطف القاهرية، ففي عام ١٨٨٠، حين كان معلمًا في بيروت، ترجم صروفٌ إلى العربية كتاب صامويل سمايلز Samuel Smiles الشهير Self- help with illustrations of conduct & Perseverance المساعدة الذاتية، مع نماذج للسلوك والمثابر.

المُهِمَّة السياسية لمن يحكمون هي صياغة العادات والأخلاق الفردية،

وتؤكِّد عِدَّة أحداث تأثير كتاب سمايلز في مصر.

أمَّا راعي مصطفى كامل، وهو الخديوي، فيقال إنه ذهب إلى مدى أبعد فأمر بكتابة كلمات صمويل سمايلز على جدران قصره ذاته.

وكثيراً ما قارن الكتاب الوطنيون في السنوات الأولى للقرن العشرين الاحتلال الاستعماري لبلدهم بوضع اليابان، حيث هُزِمَ اليابانيون في الحرب الصينية أوّلًا ثم الروس. والاختلاف الرئيسي الذي يرجع إليه نجاح اليابانيين في هزيمة أكبر بلاد آسيا ثم أكبر بلاد أوروبا هو الاختلاف بين العقلية اليابانية والعقلية المصرية. فاليابانيون، كما جرى الشرح باستفاضة، كانوا قد نظموا التربية والتعليم، وركزوا على «تشكيل الأخلاق». بينما كان المصريون غير مبالين، وكسالى ومغرمين بإضاعة وقتهم، واليابانيون «جَادُّونَ ومُجْتَهِدُونَ».

ويعد ترجمة المساعدة الذاتية إلى العربية، ربما كان الكتاب التالي الذي أحدث أثرا مماثلاً في مصر والعالم العربي هو ترجمة لكتاب إدمون ديمولان Edimond Demolins الذي عنوانه A quoi tient a supe riorite des Anglo- Saxons وهو كتاب فهم العملية السياسية مرة أخرى على أنها مشكلة الأخلاق الفردية. وقد حاول الكتاب شرح كيف أصبحت بريطانيا أعظم وأنجح قوة استعمارية، حلّت محلَّ الفرنسيين في أمريكا الشمالية، والهند، ومصر وسيطرت على بقية العالم في التجارة، والصناعة، والسياسة.

كُتب الكتاب ليدافع ليس فقط عن المناهج الإنجليزية للتعليم المدرسي بل كذلك عن تدريس نوع جديد وخاص من المعرفة: العلم الاجتماعي.

وبقدر الاختلاف بين الهمج وبيننا كما كتب ديمولان، انفتحت هوة عقلية أو أخلاقية بين من تشكلت عقولهم بالعلوم الاجتماعية وبين من عداهم والوضع الناتج،

وكانت في المقام الأول عادة الاعتماد في كل شيء على الحكومة، التي وظيفتها الحقيقية هي مجرد توفير النظام والأمن، وتنفيذ العدالة. وأضيف الضعف إلى الضعف، كما قال، «والآن فإن ثروة البلاد وشئونها أصبحت في أيدي الأجانب، ولا يمكن لوم الأجانب على ذلك، لأنهم استفادوا من جهودهم الخاصة، ومدى معرفتهم العلمية الاجتماعية».

جِيلٌ مِن الأُمَّهَات

هناك موضوع هام يمكن استخلاصه من هذه المناقشات السياسية حول العقلية المصرية ألا وهو الارتباط بين «الدونية الأخلاقية» للبلاد وبين وضع نسائها.

ولهذا الغرض كان من الضروري كسر المنظومات القائمة للارتباط والفصل، والتي تم صبغها بالأسطورية والرومانسية تحت تصنيفات من قبيل «الحريم».

بمثل هذه الطرق، يمكن للسلطة السياسية أن تأمل في النفاذ إلى هذا المجال «الذي لا يمكن بلوغه» وغير المنظور «المراقبة البوليس» ومن ثم تبدأ -مُستعيدين عبارة من الفصل السابق- في «العمل من الداخل إلى الخارج».

كانت الحاجة إلى فتح عالم النساء الذي لا يمكن بلوغه ومن ثم إنتاج «جيل من الأمهات»؛ موضوعاً شائعاً بين الكتاب المصريين، وخصوصاً قاسم أمين، وهو عضو في عائلة ملاك أرض كبار وواحد من أكثر قضاة الحكومة احتراماً في النظام القضائي الجديد، ذي الطابع الأوروبي.

واختلف مع داركور بأن أرجع هذه الفوضى، كما يراها، والسمات العقلية التي سببتها، ليس إلى الإسلام بل إلى التخلي عن الإسلام. فالذين قد قدم أسس نظام ضاع الآن. ونتيجة لذلك تواجه مصر اختياراً، بين محاولة إعادة تأسيس النظام بالعودة إلى مبادئ الإسلام، وبين البحث عن أساس جديد تماماً لتنظيم المجتمع، وذلك في قوانين وأسس العلم الاجتماعي.

ورافضاً حكايات داركور “pour les femmes” الخيالية عن الحريم والخصيان، أوضح قاسم أمين أن من يملكون السلطة داخل البيت المصري هن النساء وليس الرجال. وهذه السلطة هي ما يجب تكريسه من أجل تأسيس العلم كمبدأ النظام في المجتمع.

وقال إن الفتيات يجب أن يتلقين التربية، لتمكينهن كأمهات من تقديم الإجابات العلمية على الأسئلة الأبدية لأطفالهن.

كان لابد من تنظيم الأسرة باعتبارها منزل الانضباط هذا، الذي سيستطيع عندئذ، مع المدارس، والجيش، والممارسات الأخرى التي ذكرتها، أن ينتج «العقلية المناسبة» للمصريين، التي كان من المفهوم أن نفس إمكانية قيام نظام اجتماعي تعتمد عليها.

مُشكلة المُجتمع

كان قد جرى ذكر مشكلة الزحام في التقارير المصرية عن الرحلات إلى أوروبا. فما كان لافتا للنظر في باريس أو مارسيليا لم يكن تخطيط المباني أو المحال فقط، بل السلوك المنضبط، والمجتهد للأفراد في الشوارع المزدحمة.

ولخَّص المؤلف الأمر بأن إدمان الكحول والمخدرات هو جزء من ضعف عام في الإرادة يُلحق الأذى بالحياة الاجتماعية بين الفقراء أكثر من الفقر نفسه.

قد يكون من المفيد أن نسترجع كتابات منظر اجتماعي أوروبي رئيسي من هذه الفترة. إنه عمل إميل دوركهايم Emile Durkheim الذي تلقى تدريبه كمعلم مدرسة في باريس في ثمانينيات القرن التاسع عشر وبعدها حاضر في التربية والنظرية الاجتماعية هناك، ووضع الأساس الذي بني عليه الكثير من الدراسة العلمية للقرن العشرين عن هذا الموضوع الجديد، المجتمع. وأهمية دوركهايم للعلم الاجتماعي هي أنه أسس المجتمع كشيء ذي وجود موضوعي» كنظام عقلي مستقل عن العقلية الفردية، وأوضح كيف يمكن دراسة هذا الشيء المتخيل.

وقد بين دوركهايم أن للمجال الاجتماعي وجوداً مستقلاً عن عقول الأفراد بالإشارة، في المقام الأول، إلى سلوك الفرد الذي ينضم إلى زحام. إذ إن «التحركات الضخمة للحماسة، والسخط، والشفقة في زحام ما، لا تنبع من أي وعي فردي خاص»، كما كتب في كتاب قواعد المنهج الاجتماعي، الذي نشر عام ۱۸۹٥ «فإنها تأتي لكل واحد منا من الخارج ويمكن أن تجرفنا رغماً عن أنفسنا … وهكذا، فإن مجموعة من الأفراد، أغلبهم غير عدوانيين على الإطلاق يمكن، إذا اجتمعوا في زحام، أن ينجرفوا إلى أعمال وحشية».

وهذه الأخلاق هي نسق من الانضباط، مؤسس على «الانتظام والسلطة»، وهذا الانضباط هو ما على التعليم المدرسي أن يطبعه في الأفراد في الدولة الحديثة. «على الطفل أن يتعلم أن ينسّق أفعاله وينظمها… ولابد أن يكتسب السيطرة على النفس، وضبط النفس والتحكم في النفس، والإرادة الذاتية، والإحساس بالانضباط والنظام في السلوك»، والتنسيق بين الأفراد ليشكلوا الدولة الأمة يعتمد على هذا الانضباط المشترك.

وقد حضر عدد من المصريين محاضرات دوركهايم في التربية والنظرية الاجتماعية في السوربون، بمن فيهم الكاتب ووزير التعليم في المستقبل طه حسين.

كان الكتاب هو روح الاجتماع، وهو ترجمة لدراسة جوستاف لوبون Gustave Le Ben العلمية للزحام، بعنوان Psychologie des foules.

وقد تُرجم الكتاب الذي يُرسى هذا القانون إلى العربية أحمد فتحي زغلول، الأخ النافر لزعيم المستقبل الوطني سعد زغلول، كان فتحي زغلول معروفاً بين المصريين العاديين بأنه أحد أعضاء المحكمة الحكومية التي أقيمت في قرية دنشواي بالدلتا، على أثر معركة هناك قُتل فيها ضابط بريطاني من جيش الاحتلال. وقد استجابت المحكمة لتهديد هذا العنف الشعبي ضد النظام الاستعماري بالحكم بشنق ستة فلاحين وكان زغلول الآن وكيل وزارة في العدل المصرية.

تُرجِمَت إلى العربية عدة أعمال أخرى كتبها جوستاف لوبون، فقد وضع أحمد فتحي زغلول نُسخة عربية لكتاب (de l’évolution des people السيكولوجية لتطور الشعوب)، بينما وضعت ترجمة لدراسة لوبون العلمية عن التعليم المدرسي بعنوان (Psychologie de l’e duction) قام بها رجل يرعاه رئيس المستقبل للجامعة، هو طه حسين – وهو الكاتب الذي سيصبح عميداً للجامعة ثم وزيراً للمعارف والثقافة. كذلك تمتع عمل لوبون الاستشراقي بأهمية مماثلة، كما سنرى، وتُرجِم كتابان منه إلى العربية هما: (La civilization des Arabes حضارة العرب) والجزء الثالث من كتاب (Les premie re civvilisations الحضارات الأولى). وقد أثرت هذه الأعمال تأثيراً عميقاً على التاريخ القومي الذي بدأ كتاب هذه الطبقة ينتجونه.

وتيودور روزفلت Theodore Roosevelt وحين زار الرئيس الأمريكي الأسبق القاهرة عام ١٩١٠ وأعلن بصورة خلافية في خطاب في الجامعة الأهلية أن المصريين ليسوا متطورين بما يكفي ليستحقوا حكم أنفسهم، كان يحمل معه، مع الإنجيل، نسخة من كتاب لوبون عن «القوانين السيكولوجية لتطور الشعوب».

وقد أضاف في أعماله الأولى إلى الأدبيات الجديدة عن الذكاء، باعتباره المتغير الأشد ارتباطاً بمستوى تقدم جنس ما. وكان الذكاء يقاس بحجم ونصف قطر الجمجمة، وهي أبعاد أوضح أنها تزيد كلما تطور المخ نفسه في الحجم وفي التعقيد.

وزعم لوبون أنه هو مخترع سيفالومتر الجيب، وهو أداة قياس يمكن بها لأي رحالة أن يسجل حجم رءوس شعب ما، ومن ثم يعاير درجة تقدمهم. وطبقاً لهذا المعيار، أصبحت الأجناس السوداء، والصفراء، والقوقازية متمايزة بوضوح باعتبارها ثلاث مراحل منفصلة في سُلّم التطور.

وعند كتابته حول العرب قدم بدلاً من ذلك فكرة نفس أو روح شعب ما، أي العقل الجمعي لمجموعة أو جنس. فلكل أمة «تكوّن عقلي» – يناظر بلا شك متغيرات تشريحية في المخ، لكنها متغيرات لم يصبح العلم بعد دقيقاً بما يكفي لالتقاطها-، يتكوّن من عواطفها، وأفكارها، ومعتقداتها، وتخَلَّفه عملية تراكم وراثي بطيئة. هذه الفكرة عن عقل جمعي أو تكوين عقلي هي التي طورها دور كهام المتأثر أصلاً بلوبون، إلى المفهوم الحديث للمجتمع.

أوضح لوبون أن العقل القومي هو «مركّب من كل ماضي شعب ما» واستغرق في تطوره أجيالاً عديدة.

وعلى أوروبا أن تغير ليس فقط مستوى ذكاء أمة تؤمل أن تحدّثها، كما كان المعتقد الشائع، بل كذلك روحها. و «لتمكينها من توريث حضارتها لشعب آخر، سيكون من الضروري أن تستطيع توريث روحها». كذلك طرح لوبون أن أفكار وثقافة أمة من الأمم لا تتطور بين جمهور الأمة بل تتطور بدرجة كبيرة بين نخبتها.

«وأكثر ما يفرق الأوربيين عن الشرقيين هو أن الأولين فقط هم من يملكون نخبة من الرجال المتفوقين»، هكذا أوضح.

كان التقدّم يتضمن النمو المتصل للنخبة وتحقيقها للحضارة عن طريق تراكم وراثي طويل.

العَقْل الجَمْعِيّ

طوّر لوبون هذه الأفكار في عمله عن تاريخ الحضارة الغربية، الذي تُرجم إلى العربية في بيروت وقرئ على نطاق واسع في مصر بين نخبة البلاد السياسية. وبين من أعجبوا بالكتاب محمد عبده، الباحث والتربوي المصري الذي قدَّر لإعادة تفسيره للتاريخ والمذهب الإسلاميين أن يكون لهما تأثير واسع.

وشرح لوبون، في العبارة التي اعتبر فرويد Freud أنها تُمثّل إضافته الرئيسية، إن «الإنسان، بمجرد واقع انضمامه إلى جماعة منظمة، يهبط عدة درجات في سُلّم الحضارة».

شرح دوركهايم أن سلوك الزحام هو دليل على أن المجتمع شيء، شيء له وجود «موضوعي». وهذا الموضوع يتكون من الأفكار أو المعتقدات المشتركة.

إن استعمار مصر، بالمعنى الأوسع لتغلغل مبدأ جديد للنظام وتكنيك جديد للسلطة، لم يكن أبداً مجرد مسألة إدخال انضباط مادي جديد أو نظام مادي جديد.

كان عليها أن تعمل بلغة التمييز بين الجسم المادي، الذي يمكن إحصاؤه، ومراقبته، والإشراف عليه، وجعله مجتهداً، وبين فضاء عقلي داخلي تُغرس فيه العادات المناظرة في الطاعة والاجتهاد.

الفَصْل الخامس: آلات الحقيقة

إن قصف الإسكندرية كما يحكي لنا إنجليزي شهد من على ظهر سفينة في البحر الحدث الذي كان بداية الاحتلال الاستعماري لمصر.

بدأ يوم الثلاثاء، الحادي عشر من يوليو، عام ١٨٨٢ في الساعة السابعة صباحًا. من حيث كانت السفينة تانجور Tanjore راسيةً، أمكننا رؤية المشهد كله بوضوح تامّ من خلال نظاراتنا. وبالنسبة للمدنيّ لم يرَ حربًا، كان المشهد رائعًا.

خلال يومين تحوّل القسم الأكبر من الإسكندرية إلى أنقاض ورماد. ولم يتحدّد أبدًا أي قدر من هذا الدمار كان راجعًا إلى القصف البريطاني، وأي قدر منه يرجع إلى السكان المحليين الذين ردّوا بإضرام النيران في ممتلكات الأوروبيين. بدا أمرًا لا أهمية له مطلقًا أن تُنسب بريطانيا تلك الخسارة للأوروبيين الذين زعمت أنها تتصرف دفاعًا عنهم.

وفي أعقاب القصف أرسل مشاة البحرية إلى الشاطئ، يصاحبهم نوع جديد من الأسلحة تمّ اختراعه في ستينيات القرن التاسع عشر، هو الرشاش من طراز جاتلينج Gatling وبمساعدة هذا السلاح السريع النيران، امتلكوا زمام المدينة بعد أسبوع من قتال الشوارع.

عندئذ صاحبت المدافع الرشاشة البريطانيين أثناء تقدمهم باتجاه هدفهم الأوسع، إسقاط الحكومة الوطنية الجديدة. قبل ذلك بعام، كان الضباط الصغار في الجيش المصري قد وصلوا إلى السلطة، متوعدين، إن لم يكن بثورة، فعلى الأقل بنهاية للسلطة المطلقة للنخبة التركية ومُقرِّضيها الأوروبيين، وبنهاية وطأة الديون التي تقعد الفلاحين. وقد هزمتهم القوات البريطانية خلال ثمانية أسابيع.

حيث تحولت الكفاءة الميكانيكية للغزو إلى استعراض لقوة بريطانيا العسكرية.

وأصبحت السرعة والكفاءة التي تلخصها المدافع الرشاشة الجديدة المعروضة هي علاقة السلطة الاستعمارية البريطانية.

وجُعل هذه الثقة بالنفس ممكنة، الموارد الهائلة للإمبراطورية البريطانية، بما في ذلك أسلحتها الجديدة. كانت ثقة تبدو ناشئة بوجه خاص- عن تنسيق هذه الموارد وعن الوسائل الحديثة للنقل والاتصالات.

أنشئت الخطوط الحديدية لتحمل القوات من اشتباك إلى الذي يليه. وتقدم سلك التلغراف وخدمة البريد بنفس المعدل، ليحملا التقارير اليومية لمراسلي الصحف وكذلك الخطابات الشخصية للجنود – إلى «الجمهور البريطاني».

إن الإنجازات المفاجئة في تطوير تكنولوجيا الاتصالات خلال الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، والتي بلغت ذروتها عام ١٨٩٥ في عرض ماركوني الناجح للتلغراف اللاسلكي، هذه الإنجازات أتاحت كلاً من التغلغل المتصل للنظام الاستعماري وكذلك ما يمكن تسميته بأنه حقيقته. ومُنحت السلطات السياسية العالمية ليس فقط تفاصيلها العملية بل حقيقتها الاصطناعية.

ظهرت الكولونيالية العالمية إلى الوجود ليس فقط بوصفها منهجًا محلِّيًا للنِّظام، يسعى إلى العمل على العقول والأجسام الفردية، بل بوصفها عملية تقوم بشكل متصل بالتقارير الإخبارية عن نفسها، وبتصوير نفسها، وبتمثيل نفسها (Representing itself) والمعارض الضخمة التي ناقشتها في الفصل الأول كانت مجرد نقاط ذات أهمية خاصة في عملية التمثيل المتصلة هذه. وفي إطار مثل هذا العالم من التمثيلات يمكن تشكيل وتسلية الجمهور العام -هذا الكائن الفضولي – وإنتاج يقين سياسي حديث.

يمكن المرء أن يدرس هذا اليقين العالمي باعتباره مجرد نتيجة نهائية لتطورات تاريخية طويلة متعددة. في هذه النظرة فإن المدى، والسرعة، واليقين المتزايدين باستمرار لوسائل الاتصال مقرونة بالمدى، والسرعة، واليقين المتزايدين لوسائل الدمار سوف تقابل، وتضيف إلى المدى، والسرعة، واليقين المتزايدين، كما يمكن القول، لحقيقة وسلطة القوة السياسية الحديثة.

عند النظر إلى مدرسة الجامع الأزهر، فإن التفسير المعتمد للنصوص القانونية والدراسية كان جانباً دالاً للطريقة التي اعتادت سلطة سياسية أقدم العمل بها.

والتحول الذي حدث في طبيعة الكتابة يناظر التحول الذي حدث في طبيعة السلطة السياسية.

الاتصال والآلات قد يبدوان مفهومين محايدين وواقعيين. لكن هذه العمليات البريئة ظاهرياً، آليات العالم بوصفه معرضاً، هي التي عملت على إدخال ميتافيزيقا سياسية غامضة وحديثة.

الكَلِم الثَّمَان

في أكتوبر عام ۱۸۸۱، وبعد شهر من قيام الزعيم الوطني أحمد عرابي بصف قواته أمام قصر الخديوي وإجباره للنظام على قبول مطالبه الشعبية، وبذلك عجل بالغزو البريطاني لاستعادة السلطة الخديوية، نُشر في القاهرة كتاب عنوانه «رسالة الكلم الثمان» ناقش الكتاب معنى ثماني كلمات «دائرة على ألسن شبان زماننا»، هي الأمة والوطن والحكومة والعدل والظلم والسياسة والحرية والتربية. وقد كتبه حسين المرصفي، الأستاذ الكبير بدار العلوم، وهي المدرسة التي أنشئت في القاهرة على غرار الـ(e’cole normale المدرسة القياسية) قبلها بعشر سنوات لتخريج المعلمين للمدارس الحكومية الجديدة،

ولأن الكتاب تناول الأزمة السياسية على أنها أزمة كامنة في سوء استخدام وسوء فهم الكلمات، كان موضوعه الرئيسي هو الحاجة إلى سلطة وانضباط نظام قومي للتربية.

وكانت الكلمات الثماني التي يناقشها هي القاموس الجديد للوطنية الحديثة، … وقد أيَّد المرصفي انتشار التعليم المدرسي، حتى يستطيع المدرِّسون استخدام كلمات مثل «الوطنية» مرارًا في الفصل ويشرحون معناها المناسب.

فعلى خلاف الزعامة الوطنية، كان المرصفي معارضاً لانتشار الطباعة بلا ضوابط في مصر. وجادل بالحاجة إلى هيئة من الدارسين المناسبي التربية تكون مسئولة عن الكتب والصحف التي تطبع، حتى تتحكم في إساءة استخدام الكتابة، وفي والحقيقة فإنه فهم الأزمة السياسية ككل في علاقتها بانهيار سلطة نصية كما يبدو واضحاً في انتشار الكلمات «على ألسن شبان زماننا».

ورغم أن المرصفي كدارس ذي نبوغ هائل، قد دخل حلبة السياسة التعليمية للدولة الجديدة، فإنه كان مازال ينتمي من نواح عديدة، إلى تقاليد مختلفة للدراسة والسلطة. كان رجلاً من قرية صغيرة في دلتا النيل تعلم في الأزهر، وضرراً منذ مولده. وقد كبر ضمن إطار تقاليد ثقافية وسياسية كانت المدينة فيها تعتمد على الريف ولا تسيطر عليه، مما أتاح لقرى معينة أن تقدم أجيالاً من دارسي القاهرة.

ويبدو غريباً في لحظة أزمة سياسية عميقة، أن ينشغل كما فعل بأمور الاستخدام النحوي الملائم وخطر انتشار الكلمات الجديدة دون ضوابط.

وممَّا له مغزى أكبر على الطبيعة غير العادية للسلطة الأوروبية أن الفرنسيين جاءوا لفتح مصر ومعهم مطبعة.

بعد الرسوّ في الإسكندرية والتقدم صوب القاهرة، كان أوّل عمل لنابليون هو إصدار بيان مطبوع للشعب المصري، أعدّه بالعربية المستشرقون الفرنسيون.

فقد تولّى الاحتلال النابليوني إدخال أول مطبعة عربية إلى الشرق الأوسط، وقد ذُكر غياب الطباعة طوال القرون السابقة تكرارًا على أنه دليل على تخلف وعزلة العالم العربي التي مزّقها الاحتلال الفرنسي.

بعد رحيل الجنود الفرنسيين استطاعت الحكومة المصرية إنشاء مطبعتها الخاصة، لكنها كانت أساسًا جزءًا من العتاد العسكري الجديد للبلاد؛ فكل ما طُبع خلال النصف الأول من القرن كان لأغراض التعليم العسكري.

وبحلول خمسينيات القرن التاسع عشر، حين أُجبرت مصر على التخلّي عن طموحاتها العسكرية، أُهملت المطبعة، وأُغلقت رسميًا عام 1861.

لكن الحكومة كانت تحاول قمع أي مطبوعة لا تسيطر عليها، وكان دارسو المؤسسة أمثال المرصفي يعارضون الصحافة، ويُعزون الأزمة السياسية جزئيًا إلى الانتشار المفرط للمطبوعات. وهكذا يبدو أن قصة الطباعة في مصر تؤكد تخلّف العالم العربي، ومقاومته المستمرة للتغيير، والعداء اللا عقلي للدارسين المسلمين تجاه العلوم الحديثة.

ابن خلدون

كتاب رفاعة الطهطاوي الأساسي «مناهج الألباب المصرية»، الذي ظهر قبل نص المرصفي بعقد من الزمن، بدأ تفسيره لمعنى السياسة بذكر حلقة الكلم الثمان.

«.. الملكُ نظامٌ يعضُدُه الجندُ، الجندُ أعوانٌ يكفلُهُمُ المالُ، المالُ رزقٌ يجمعُهُ الرعيّةُ» وهكذا دواليك، بحيث إن هذه الكلمات «فهذه ثمان كلمات حكمية سياسية» ارتبط بعضها ببعض وارتدت أعجازُها على صدورها واتصلت في دائرة لا يتعين طرفُها.

وتستمدُّ الدائرة أصولها من نفس أصول الثمن الذهبي عند أرسطوطاليس، لكن المصدر الذي أخذ عنه الدارسون العرب في القرن التاسع عشر كان عمل كاتب القرن الرابع عشر الشمال أفريقي العظيم، ابن خلدون.

والجزء الأول من عمل ابن خلدون المعروف باسم «المُقدّمة» يعرض نظريته عن المجتمع الإنساني، وهي نظرية تخاطب أزمة عصره السياسية. وقد كتب يقول إنَّ مجمل نظرية حكم المجتمعات الإنسانية، إذا دُرست بما تستحق من الاهتمام، يمكن فهمها باعتبارها تعليقاً على حلقة من ثماني كلمات.

وأزمة عصر المرصفي فريدة، بالطبع، من وجوه عديدة لأنَّ تغلغل رأس المال الأوروبي قد أحدث ضعفاً غير مسبوق في نوع السلطة المحلية التي أودُّ وصف طبيعتها.

وكان غرض هذا التعليم سياسياً بأكثر مما قد يوحي لفظ «الأدب» كان مجمل الآداب التي يجري تعليمها يعرف باسم «الأدب» وهي كلمة تعني حسن السلوك لنظام اجتماعي مهدد وقيم طبقة اجتماعية في خطر. كان هناك أدب يناسب كل وضع اجتماعي، يؤسس في الحياة منظومات السلوك الصحيح. ودراسة الآداب الرفيعة تؤسس بين الناس حدود ومنظومات الفعل الاجتماعي. وقد أوضح المرصفي أن «حقيقة الأدب أن يعرف كل حدود وظيفته، فلا يتخطاها».

فهم المرصفي الأزمة السياسية التي كان يكتب في ظلها على أنها محاولة للجماعات الخاصة إضفاء معنى معين على الكلمات، من قبيل الحرية والظلم. وهذه الكلمات عرضة لإساءة الاستخدام وإساءة التفسير.

فكل فعل سياسي هو تفسير لكلمات، وبالتالي فعل نصي، قراءة. وهدف المرصفي نفسه هو تفسير «حقيقة» كل كلمة يتناولها، ومن هناك يرى ذلك المعنى وقد «تحقق» في الحياة السياسية.

باستخدام وإعادة صياغة كتابات ابن خلدون، قال المرصفي إن هناك ـــ بالإضافة إلى المعرفة المتخصصة المطلوبة في كل مهنة ـــ كياناً عاماً من المفاهيم (عموم المعارف) يجب أن يكتسبها كل فرد وبقاء ورفاهية المجتمع يعتمدان على اكتساب تلك المفاهيم المشتركة.

والخطر الذي يتهدد مجتمعاً أخفق في تحقيق هذه المعاني المشتركة هو انقسام المجتمع إلى فصائل منفصلة وسقوطه في أيدي الأجانب.

وبالتالي فإن السلطة السياسية مرتبطة بسلطة الكتابة. وتوسيع مدى سلطة الكتابة، من خلال المدارس والتعليم المناسب، هو الوسيلة لاستعادة وتأمين السلطة السياسية.

هذا الوُجُود المعنوي

خلال أحداث ١٨٨٠ – ١٨٨٢، دعا أحمد عرابي وزملاؤه الزعماء السياسيون أنفسهم الحزب الوطني». وكلمة حزب تعني party أو فصيلاً Faction، وتعني العبارة الفصيل الوطني أو القومي أي أولئك الذين يعارضون سيطرة الأجانب على مصر، سواء أكانوا أتراكًا أم أوروبيين.

جادل المرصفي بأن كلمة حزب تتضمن المصلحة الذاتية والتحزب.

إشارات التّلغراف

فالدراسة الشرقية، كما أوضح إدوارد سعيد، ازدادت أهمية في القرن التاسع عشر مع نمو المصلحة الأوروبية التجارية والاستعمارية في الشرق.

فمنذ نهاية القرن السابق عليه، أصبحت معرفة شيء ما تتضمن معرفة مراحل تطوره الداخلي، أو «تاريخه» بالمعنى الجديد لهذه الكلمة.

كان يجب التفكير في اللغة على أنها كيان عضوي، يتطور وفقًا لقوانين طبيعية تاريخية، خلاياه تتكون من كلمات مفردة، كل واحدة منها كيان مكتمل المعنى يمكن الرجوع بتطوره إلى أصل اشتقاقي.

وهذا الإنجاز جاء مع مجيء الاتصال الحديث في ١٨٩٥، عرض ماركوني لأول مرة النظام الذي ابتكره للإرسال التلغرافي اللاسلكي. ومثل هذه الأحداث جعلت من الممكن شرح طبيعة اللغة بطريقة جديدة. أعلن الآن أن «الكلمات هي علامات وليس لها وجود آخر خلاف إشارات التلغراف اللاسلكي».

لأن هذه الموجودات المعنوية الأديان والقوانين والعادات – هي ما يضفي شكلاً على الحياة الإنسانية.

كان يجب اعتبار اللغة جزءًا من مجال معنوي، مثل القانون والعادة (وفيما بعد، الثقافة أو البنية الاجتماعية)، وهو المجال الذي يضفي «شكلاً» على حياة الناس العادية.

أول الكلمات الثماني التي يدرسها الكتاب هي كلمة أمة، وهو مصطلح يمكن ترجمته إلى الإنجليزية بكلمة Community أو Nation وتفسّر الكلمة أول ما تفسر على أنها جملة من الناس تجمعهم «جماعة» وهذه يمكن ترجمتها إلى الإنجليزية بعبارة:

a group of people united by some common factor

وهذه الجامعة، كما يُضيف، هي اللسان، أو المكان، أو الدين.

وكان خليفة بريال في اللغويات هو سوسير Saussure، الذي صاغ نظريتنا الحديثة عن اللغة، قائلاً إن جوهرها الاتصال ووفقاً لسوسير، فإن الكلمة أو العلاقة الحديثة عن اللغة هي كيان ذو وجهين يتكون من صورة صوتية “الدال” ومعنى “المدلول”.

وهكذا تتكون الكلمة من صورة “مادية” كما يقول سوسير وفكر لا مادي.

إذ يُقال إن الكلمة المكتوبة هي تمثيل للكلمة المنطوقة.

وكما أن العنصر المادي في اللغة المتكلمة ثانوي بالنسبة للعنصر المعنوي فإن الكتابة ثانوية بالنسبة للكلام. إنها أبعد انفصالاً عن عقل المؤلف عن القصد الأصلي الذي يجري توصيله. إنَّها أشد بعداً عن المعنى ذاته.

ودراستي لمصر القرن التاسع عشر يُقصد بها أن تكون دراسة كيف يصبح عالم ما منظما ومعيشًا وكأنه معرض، وينقسم على هذا النحو إلى مجالين، مجال الأشياء، والمجال المنفصل لمعناها أو حقيقتها.

المؤلِّف والسُّلطة

إننا نفهم الكتابة على أنها وسيلة اتصال، مركبة تحمل الكلمات، وداخل الكلمات المعاني الخاصة بمؤلف عبر مسافة الزمان والمكان. بفضل الكفاءة الميكانيكية لنظام الدلالات اللغوية، يمكن جعل قصد أو معنى مؤلف ما حاضراً أمام جمهور رغم غياب المؤلف الفيزيقي. في الكتابة، يتم التغلب على غياب المؤلف.

أن تكتب، وفقاً لابن خلدون، يعني أن تخاطر بأن تُساء قراءتك أو يُساء فهمك.

لكي يقرأ المرء نصّاً ــ إذن ــ فلا بدّ أن يتلوه لأنّ الحروف العارية على الصفحة ملتبسة. أما بالطريقة المناسبة، فيجب على المرء أن يقرأه بصوت عال ثلاث مرات، وراء معلم في القراءة الأولى، لا يعطي المعلم سوى تعليقات موجزة تحدّد الخطوط العامة للأصول، وفي القراءة الثانية يُقدّم تفسيراً كاملاً لكل جملة، بما في ذلك اختلافات التفسير بين المدارس المختلفة، وفي القراءة الثالثة يستكشف معه حتى أشدّ المصطلحات إبهاماً والتباساً. وبالإضافة إلى ذلك، يجب أن يكون المعلم هو من كتب النص، وإذا لم يتوفر ذلك، أن يكون واحد ممن قرأ لهم المؤلف النص، أو يكون قد قرأ النص على واحد منهم، وهكذا في سلسلة غير منقطعة من التلاوة تعود إلى المؤلف الأصلي.

وفي مدينة نيسابور الإيرانية، كمثال على ذلك، فإن من يرغبون في دراسة وتدريس صحيح البخاري، الذي هو أحد أوثق كتب الحديث، كانوا يسافرون نحو مائتي ميل إلى مدينة كُشْميهن، بالقرب من مرو حيث كان هناك رجل يتلو النص من نسخة نُسخَتْ من نسخة أملاها البخاري ذاته. ويُحكى لنا في مثال آخر أن الدارس أبو سهل محمد الحفصي درس صحيح البخاري على يد الكشميهني الذي درسه على يد محمد بن يوسف الفربري الذي درسه على يد البخاري نفسه. وبعد خمسة وسبعين عاماً من وفاة أستاذه الكشميهني، وجد أبو سهل محمد الحفصي نفسه، الرجل الوحيد على قيد الحياة الذي درس على يده عندها أحضر مسافة مائتي ميل إلى نيسابور، وكرمه حاكمها شخصياً. ثم أعطى دروساً في المدرسة النظامية، أملى فيها الصحيح على جمع غفير.

فسلاسل التلاوة هذه هي وحدها التي يمكن أن تتغلب على الغياب الحتمي في داخل النص. ومع الطبيعة الملتبسة للكتابة، التي لم تكن مجرد عيب في نصوص معينة بل شيئاً جوهرياً،

وكما رأينا تبنى الجيش المصري تقنيات الإشارة الجديدة، التي أتاحت تجميع السيطرة على الجيوش الحديثة الضخمة للقرن التاسع عشر. أما تشغيل السكك الحديدية المصرية الجديدة، التي كانت كما ذكرت، من أشد السكك الحديدية اتساعاً في العالم بالنسبة لحجم البلاد وعدد السكان، فكانت تعتمد على نظام معقد من الإشارات والشفرات. وكان أحد الأهداف العامة للبريطانيين هو «تحسين الاتصالات، والمرور والتجارة العامة». وتضمَّن الانتشار التدريجي للمدارس الحكومية تقنيات جديدة للتعليم ومناهج جديدة للطاعة في الفصل. كل هذه الأنواع من التطور كانت تتطلب، خلال العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، أن تُستخدم اللغة لا بالطريقة «الانتشارية» التي فحصتها أعلاه بل كنظام دقيق من الإشارات تُعامل فيه الكلمات وكأنها مُمَثّلات لا لبس فيها لمعان واحدة.

كان التحول اللغوي جزءاً من عملية التنظيم في الجيش والمدارس، وفي العمارة والسكك الحديدية، وفي مشروعات الري وإنتاج الإحصاءات،

كانت الممارسات السياسية الجديدة، تجعل هذه الصورة للجسم غير ملائمة. فتنظيم المدارس، ونشر النظام العسكري، وإعادة بناء عاصمة البلاد وغيرها من المدن والقرى، وكانت مناهج النظام الجديدة التي ناقشها في الفصول السابقة، كانت كلها عمليات تُدخِل صورة جديدة للجسم وفي نفس الوقت أثراً جديداً للسلطة السياسية.

لا مرئي ورغم ذلك واقعي

تظهر الصورة على سبيل المثال، في كتاب محمد مجدي: «ثمانية عشر يوماً بصعيد مصر»، وهو تقرير عن رحلته مصعداً في النيل عام ١٨٩٢ على إحدى بواخر توماس كوك. والسياق ذو دلالة على التغيرات الحادثة في مصر. كان مجدي موظفاً بمحكمة الاستئناف المصرية، وسافر كسائح على سفينة تحمل البريد، والموظفين الاستعماريين، وضباط جيش الاحتلال. وكانت سنة ١٨٩٢ هي أول فرصة لمجدي ليطوف بصعيد مصر منذ الانتفاضة الوطنية لأعوام (٨٠-١٨٨٢)، لأن الأمر، كما ذكرت في الفصل السابق، استغرق من البريطانيين عشر سنوات لقمع مقاومة الأقاليم للاحتلال.

هذه الأمثلة تبين كيف تغيرت الصورة السياسية للجسم، متمشية مع الممارسات السياسية الجديدة. فالجسم باعتباره تناغماً لأجزاء متفاعلة حل محله الجسم باعتباره جهازاً، يُعرف باسم السياسة، أو المدارس، أو الحكومة، أو الدولة. ويتم التفكير فيه على أنه بنية تتحرك الذرات داخلها، أو كآلية داخلية تعمل على شيء خارجي بالنسبة لها، هو الناس أو المجتمع المصري، أو العالم الخارجي.

مثلما كانت آلات الحرب والاتصال الجديدة جوهرية بالنسبة للاحتلال البريطاني الاستعماري لمصر، كما رأينا في مستهل هذا الفصل، كانت الآلة استعارة Metaphor مفضلة بين المديرين الاستعماريين البريطانيين.

الفَصْل السَّادِس: فلسفة الشيء

وكان على المدينة الاستعمارية أن تكون معبرة بصورة لا لبس فيها. وكان على تخطيطها ومبانيها أن تمثل، بعبارات المهندس المعماري الذي بناها «عبقرية النظام، والتناسب والتفكير الواضح للأمة الفرنسية».

ففي حالة إسطنبول، أولى مدن الشرق الأوسط في إقامة حي أوروبي الطراز كبير، كان يُقصد من المدينة الجديدة أن تكون صراحة «نموذجاً» لبقية العالم العثماني، وقد أشرف على إنشائها سعادتلو كامل بك، الذي اكتسب خبرته بالإشراف على إنشاء قسم العرض العثماني في معرض باريس العالمي.

«حدث لأحد الزعماء المتمرّدين في الجبهة الشمالية الذي كان يواصل مقاومة عنيدة للجنرال هنريز، أن سمع وصفاً للمعرض ووقع في أسر حب استطلاع لا يُقاوم. فطلب عقد هدنة، وترخيصاً للذهاب إلى هناك ثم مواصلة المقاومة ضدنا بعد ذلك. وتمّت الموافقة على هذا الطلب رغم أنه كان يبدو غريباً وغير مقبول واستقبل بترحيب حار، وبعد الزيارة استسلم هو وقبيلته».

أن يستسلم ويصبح مواطناً للعالم المعرضي ذاك يعني أن يصبح مستهلكاً للسلع والمعاني.

الحاجة إلى ما هو شرقي

كذلك كان هناك حركة للسكان داخل المدينة، حيث كان وصول المستوطنين الأوربيين، وأوربة الأحياء التي يشترون فيها ممتلكات، وارتفاع الإيجارات، يدفعون الفقراء أكثر فأكثر إلى الشوارع المزدحمة إلى ما يُسمى بـ «المدينة القديمة»، ومع ازدياد الفقر، وسوء التغذية والبطالة، سرعان ما أصبحت هذه الأحياء «الشرقية» وغيرها من الشوارع الخلفية حيث يجد الفقراء مكاناً للعيش، أصبحت أكثر ضيقاً وتهالكاً.

«بلدة المستوطن متينة البناء، مصنوعة كلها من الحجر والصلب. إنها بلدة زاهية الإضاءة؛ الشوارع مكسوة بالأسفلت، وصناديق القمامة تبتلع كل المخلفات، لا تُرى ولا تُعرف ولا يجري التفكير فيها. وأقدام المستوطن لا ترى أبداً اللهم إلا في البحر ؛ لكنك هناك لا تكون أبداً قريباً بما يكفي لتراها. وأقدامه تحميها أحذية قوية رغم أن شوارع بلدته نظيفة ومعبدة، بلا حُفر ولا أحجار. بلدة المستوطن بلدة جيدة التغذية، بلدة رائقة المزاج ؛ معدتها ممتلئة دوماً بالأشياء الطيبة. بلدة المستوطنين هي بلدة البيض، بلدة الأجانب.

أما بلدة المستعمرين أو على الأقل البلدة المحلية، قرية الزنوج، المدينة المنعزل، فهي مكان سيء الصيت، يسكنها رجال ذوو سمعة شريرة. يولدون هناك، ولا يهم كثيراً أين وكيف؛ ويموتون هناك، لا يهم أين ولا كيف. إنها عالم بلا اتساع؛ والناس هناك يعيشون فوق رؤوس بعضهم، وأكواخهم مبنية الواحد فوق الآخر. البلدة المحلية بلدة جائعة، تموت جوعاً للخبز، واللحم، والأحذية والفحم، والضوء. البلدة المحلية قرية زاحفة، بلدة راكعة، بلدة تلغ في الروث إنها بلدة الزنوج الأقذار والعرب الأقذار. والنظرة التي يلقيها الشخص المحلي على بلدة المستوطن هي نظرة شهوة، نظرة حسد، تعبّر عن أحلامه في الامتلاك، كل أشكال الامتلاك: أن يجلس على مائدة المستوطن، وأن ينام في سرير المستوطن، مع زوجته إن أمكن.»

فقال إن فتح الأمم الشرقية شيء، لكن «فهمها شيء مختلف تمامًا» واختتم قائلاً: إن المزيد من فهم الشرق سوف يؤمن «التفوق التجاري لإنجلترا» ويُمَكِّنُ «الحكام والمديرين الشباب الذي يرسلون إلى الشرق كل عام» من إقامة «علاقات حميمة مع الناس الذين يجب أن يحكموهم».

كان الشرق متخلفًا، لا عقليًا، وغير منظم، ومن ثم بحاجة إلى النظام والسلطة الأوروبيين؛ كانت سيطرة الغرب على العالم غير الغربي تعتمد على هذه الطريقة في خلق «غرب»، في خلق هوية ذاتية غريبة متفردة.

الإجابة الأولى يمكن أن تكون أنّ الاستعمار الحديث كان مؤسّساً على قوة تمثيل هائلة النمو، وهي قوة أتاحت تنبّتاً ومراقبةً غير مسبوقين للحدود، قوة غير مسبوقة لتصوير ما يقع «خارجاً»

وكان البريطانيون أنفسهم نشطاء في تشجيع وتمويل انتشار الأفكار الاستشراقية في مصر وقد عملوا خصوصًا مع كتاب من الطوائف المسيحية بلبنان، تعلموا على أيدي المبشرين الأمريكيين في بيروت، وكانوا يميلون إلى الاعتقاد بأن الطريقة الوحيدة لمنافسة الغرب هي التعلم منه، ولهذا السبب ولأسباب أخرى كانوا يفضلون الاستعمار الأوروبي على الحكم التركي المحلي. وقد دعم البريطانيون سراً صحافة يومية وشهرية في مصر، يحركها أولئك الكتاب، كما نظموا إنتاج الكتب المدرسية للمدارس الحكومية الجديدة والنتيجة، كما سأصف بإيجاز، هي التغلغل المتصل للموضوعات الاستشراقية في كتابات الشرق الأوسط.

الكاتب جورجي زيدان، وهو مسيحي لبناني عاش في مصر خلال فترة الاحتلال البريطاني. فقد كُلّف زيدان بوضع كتابين مدرسيّين للاستخدام في المدارس الثانوية الحكومية الجديدة هما «تاريخ مصر الحديث» (١٨٨٩)، و«التاريخ العام» (١٨٩٠). كذلك ألّف كتاباً من خمس مجلدات هو تاريخ التمدن الإسلامي، على أساس قراءات واسعة للمؤرخين العرب ـــــ قبل المحدثين ـــــ ولكن كذلك، وبجهده الخاص، على أساس نصف دستة من الدراسات الأوروبية عن الإسلام، كان أولها (La civilization desarabes) لجوستاف لوبون. ومستقياً من هذه المصادر، أوضح زيدان أن «تاريخ الإسلام…، يتضمن تاريخ العالم المتمدن في العصور الوسطى». وقد وصف زيدان فترة الخلفاء الراشدين بأنها أعلى أطوار الحضارة الإسلامية، ومثل كل فترة لاحقه، من الخلافَين الأموية والعباسية فصاعداً، باعتبارها مرحلة تالية للتدهور. وكان هدف الكتاب أن يوضح بالنسبة لكل مرحلة الأسباب «السياسية» للتدهور، ونتائجه الثقافية.

حذّر زيدان المصريين من التمزق الاجتماعي الذي يواجههم إذا لم يتبعوا مسار التطور المستمر الذي حدّده الغرب من مراحله. وقد فشلت التمردات الهندية ضد الاستعمار لأن الهند لم تبلغ بعد المرحلة التاريخية من تطورها التي تجعل الحياة السياسية المستقلة ممكنة. والشعب الهندي لم يكتسب معرفة بـ «العلم والإدارة»، أو فهماً بالتزاماته تجاه الدولة. وبصورة مماثلة، فإنه عند مناقشته للثورة القومية في مصر أعوام ۱۸۸۱-۱۸۸۲، وصف زيدان فوضى البلاد السياسية بأنها نتيجة لمطلب التغيير «السابق لأوانه» من قبل شعب لم يتبع بصورة ملائمة قوانين التطور الاجتماعي.

لقي تاريخ زيدان الاستشراقي نقداً قوياً من جانب مجموعات ثقافية معينة داخل مصر. إلا أنه دُعي بعدها، رغم كونه مسيحياً ليكون أول أستاذ مصري للتاريخ الإسلامي في الجامعة الأهلية الجديدة. وكان التأييد لزيدان أقوى ما يكون من جانب المستشرقين الأوربيين، الذي عُرف الكثيرين منهم كمعارف أو أصدقاء.

وفي تسعينيات القرن التاسع عشر، كان حسن توفيق أحد تلاميذ حسين المرصفي، قد عاد من الدراسة في ألمانيا ومن تأثير المستشرق بروكلمان ليؤلّف أول كتاب عن تاريخ أدب اللغة العربية.

فأنتج تاريخ أدب اللغة العربية في أربع مجلدات (۱۹۱۰-١٩١٤) الذي غطّى كل مجالات الحياة الثقافية شارحاً تاريخها مرة أخرى في علاقته بصعود الإسلام وتدهوره الطويل.

وقد كتب طه حسين أن هذه الكتب أَسَرَتْه، فكان يتغيب عن دروسه في الأزهر كلما قرأ واحداً منها، ونَسَب إليها تأثيراً كبيراً على الآداب العربية الحديثة.

لكن عملية الاستعمار هذه لم تنجح تماماً أبداً. فدائماً ما كانت تبقى مناطق مقاومة وأصوات رفض. وأكثر من ذلك فإن المدارس والجامعات، والصحافة، مثل الثكنات العسكرية، كانت عرضة دائماً لأن تصبح مراكز لنوع من أنواع التمرد، محولة مناهج المستعمرين في التدريب والانضباط إلى وسائل للمعارضة المنظمة. (ومن هنا ظهور حركات سياسية انضباطية معارضة للاحتلال الأوروبي بعد الحرب العالمية الأولى، مثل الإخوان المسلمين في مصر، التي كان زعماؤها كلهم تقريباً من معلمي المدارس).

والنظام، بهذا المعنى، لا يُقرأ في علاقة مع الموقع المثالي للمراقب (أو القارئ) الذي يكون خارجه بل إن النظام يقرأ داخل تفاعل لا حدود له للتناظرات بين الأشياء، أو بالأحرى، بين القوى؛ ويُقرأ دائماً كنظام خاص مشروط بنقطة أو بشخص يتشكل من هذا التفاعل.

 ثم أوضحت كيف أن نفس نوع النظام الانضباطي، أو النظام، تم تخيله بالنسبة للسكان المدنيين ككل، في شكل برنامج منظم قومياً للتعليم المدرسي. فالتربية، بسيطرتها بعناية على حركات وإيماءات وأصوات، وأوضاع ونظافة الجسم، كانت ستُوَلِّد سلطة لا تعود تتركز في الأمر الشخصي لمعلم، بل «تنتشر منهجياً عبر مجمل المدرسة… دون أن تتضاءل» وتُنتج في التلميذ عادة «الطاعة الضمنية».

وقد صيغت سياسة الدولة الحديثة على غرار هذا النموذج لاستبدال سلطات تعم منهجياً وبصورة منتظمة بسلطة متمركزة في أمر شخصي، وعرضه للتضاؤل دائماً.

وعلاوة على التعليم المدرسي والجيش اشتملت هذه الآليات على تجديدات تمدينية مثل الإشراف على الصحة والصحة العامة، ونسق عسكري الطابع لنظام البوليس الريفي الدائم وبناء قرى نموذجية على ضياع زراعية جديدة مملوكة فردياً، وإنشاء شبكات لتصريف والتحكم في حركة السلع، ومياه النيل، والسياحة، ومراقبة العمال في مشروعات الري، والسكك الحديدية والمصانع، وتنظيم البلدان والمدن للتفتيش الدائم بالطرق الواسعة، وإضاءة الشوارع وقوات البوليس، وتنظيم نسق من المحاكم الجنائية، والسجون، ومستشفيات المجانين.

وقد تخيل اللورد كرومر، الذي كان يجب أن يصف السيطرة الاستعمارية كعملية “إرشاد” متصلة، تخيل المسئول الاستعماري المثالي على شكل معلم مدرسة كلي القدر لكنه صامت «عليه أن يمارس سلطة مطلقة على تلميذه، وفي نفس الوقت.. على سلطته أن تكون غير محسوسة».

وكان ذلك لأن المناهج الجديدة لخلق أثر الأطر أو البنيات لم تكن تعامل فقط لكي تمسك وتنسّق الجسم المادي للرعية الفرد. فقد كان عليها كذلك أن تعمل على داخل لا مادي، هو العقل الفردي.

ومرة أخرى كان التعليم المدرسي هو الممارسة التي كان فيها العمل على العقل قد جرى تصوره ووضعه موضوع الممارسة بأسرع ما يمكن. كان على انضباط وتنسيق التعليم المدرسي أن ينتج لا الطاعة الضمنية للجسم وحدها، بل كذلك الأخلاق الجيدة التشكيل.

فتقسيم الرعية السياسية إلى جسم خارجي وعقل داخلي كان يناظر الانقسامات الأخرى التي كنت أفحصها،

تكتسب السلطات الانضباطية قبضتها غير المسبوقة على الجسم بمناهج التوزيع والتقسيم التي تخلق نظاماً أو بنية يكون فيها الأفراد محصورين، ومعزولين، ومجتمعين معاً وموضوعين تحت المراقبة.

وهذا «النظام» هو ما زعمت الدولة الحديثة والاستعمارية أنها أدخلته في مصر؛

كان يجب إنشاء المدينة الاستعمارية، مثل معرض عالمي، كتمثيل يقوم أمام عقل ذات تلاحظه،

كان العقل هو القدرة على التقاط الكليات من الجزئيات، إدراك الهوية غير المتغيرة من بين الاختلاف. وكان مَلَكة واحدة بين مَلَكات إنسانية عديدة، رغم أنه أهمها حيث إنه العلامة أو التشابه داخل الكائنات البشرية الذي يربطها بالكلي وغير المتغير، وكانت المعرفة بالنسبة للدارسين المسلمين، مسألة تنمية لهذه القدرة العقلية، تعميق لإدراك الكليات.

وسوف تسمى السياسة الاستعمارية أو الحديثة إلى أن تخلق لهذا الرعية مسرحاً مستمراً لليقين، لا تعرفه السياسة السابقة على الاستعمار.

مسرد المصطلحات الأساسية

السلطة والمعرفة (Power/Knowledge): مفهوم ميشيل فوكو الذي يرى أن المعرفة ليست محايدة بل تتشكل وتُمارس من خلال علاقات القوة، وأن القوة تخلق أشكالاً جديدة من المعرفة.

الدال والمدلول (Signifier and Signified): مصطلحان من اللغويات، حيث يشير الدال إلى الصورة الصوتية أو المكتوبة للكلمة، والمدلول إلى المفهوم أو المعنى الذي تدل عليه. جاك ديريدا يشكك في العلاقة الثابتة بينهما.

التفكيكية (Deconstruction): منهج نقدي وفلسفي طوره جاك ديريدا، يهدف إلى تحليل النصوص والأفكار للكشف عن الافتراضات الثنائية والمعارضة المتضمنة فيها، وتبيان كيف يتم بناء المعنى بشكل غير مستقر.

العالم كمعرض (The World as Exhibition): مفهوم محوري في الكتاب يصف كيفية تنظيم العالم في الحداثة ليعرض نفسه كصورة أو تمثيل، مما يخلق “وقع الواقع” ويسمح بالسيطرة والمراقبة.

التأطير (Framing): عملية تنظيم وتحديد الأشياء أو الفراغات ضمن حدود معينة، مما يسهل مراقبتها والتحكم فيها، وهو مبدأ أساسي في التنظيم العسكري، المعماري، والتعليمي الحديث.

النية والإرادة (Intention and Will): مصطلحان محوريان في فلسفة علي عزت بيجوفيتش، يعبران عن جوهر الحرية الإنسانية وكونهما المحرك الأساسي للأفعال، سواء كانت ظاهرة في العالم الخارجي أو جوانية.

الذات (The Subject): في سياق فوكو، تُعتبر “الذات” اختراعاً حديثاً وشكلاً من أشكال الميتافيزيقيا، يتم إنتاجها وتشكيلها من خلال ممارسات السلطة والمعرفة، خاصة في العصر الحديث.

الاستشراق (Orientalism): مصطلح يشير إلى دراسة الغرب للعالم الشرقي، وكيف أن هذه الدراسة لم تكن مجرد معرفة أكاديمية بل شكّلت جزءاً من آلية الهيمنة الاستعمارية، وقد تناولها إدوارد سعيد.

العقلانية (Rationality): مفهوم يُعتبر أساساً ميتافيزيقياً لفكرة الدال عند ديريدا، وهو ما يسعى إلى نسفه لإظهار عدم ثبات المعنى.

العمْرَان: مصطلح استخدمه ابن خلدون، يشير إلى الحضارة أو الثقافة، ويُفهم كعملية نشطة وغير مقررة من البناء والازدهار والاضمحلال، لا مجرد تحقيق مادي لخطة مسبقة.

الوقائع المصرية: جريدة رسمية للحكومة المصرية، يُناقش تحولها في القرن التاسع عشر من مجرد إعلان قرارات إلى أداة لـ”التربية” السياسية وتشكيل الرأي العام.

المنافع العمومية (Public Utility): مفهوم يصفه الطهطاوي ويشير إلى الثروة المشتركة الناتجة عن الإنتاج المادي (الزراعة، الصناعة، التجارة) ويربطها بعادة “الاجتهاد” كسمة للمجتمع المتمدن.

الإثنوجرافيا (Ethnography): فرع من الأنثروبولوجيا يهدف إلى الوصف المنهجي للثقافات والمجتمعات. في الكتاب، تُناقش كيف استخدمت لتصوير “كسل” الشعوب غير الأوروبية وتبرير التدخل الاستعماري.

اللانكسترية (Lancastrian System): نظام تعليمي انضباطي يعتمد على تدريب الطلاب الأكثر تقدماً لتعليم زملائهم، وقد استُخدم في مصر لفرض الانضباط والنظام.

فلسفة الشيء (Philosophy of the Thing): يشير إلى محاولة فصل “الشيء” المادي عن “فلسفته” أو معناه اللامادي، وهو انقسام أساسي في طريقة فهم العالم والذات في الحداثة.

قائمة الشخصيات

أبو حامد الغزالي (1058-1111م): فيلسوف وعالم لاهوت ومتصوف فارسي مسلم. يُشار إليه في المصادر بكتابه “المنقذ من الضلال” الذي يتناول فائدة العقل في إدراك النبوة وعجزه عن درك ما تدركه.

ابن خلدون (1332-1406م): عالم اجتماع ومؤرخ وفيلسوف عربي مسلم من شمال أفريقيا. يُعرف بعمله الرئيسي “المقدمة” الذي يدرس مفهوم العمران والحياة السياسية كبناء واضمحلال للمدن.

أبو عمرو بن العلاء (ت. 770م/154هـ): أحد القراء السبعة للقرآن، وفقيه ولغوي. يُذكر كأحد الأئمة والعلماء الأوائل في مجال النقد.

الخليل بن أحمد الفراهيدي (718-786م/100-173هـ): لغوي ومعجمي عربي، واضع علم العروض. يُذكر كأحد الأئمة والعلماء الأوائل في مجال النقد.

سيبويه (760-796م/140-180هـ): إمام النحو العربي. يُذكر كأحد الأئمة والعلماء الأوائل في مجال النقد.

يونس بن حبيب (713-798م/94-182هـ): لغوي ونحوي. يُذكر كأحد الأئمة والعلماء الأوائل في مجال النقد.

الإمام أحمد بن حنبل (780-855م): إمام أهل السنة والجماعة، وأحد الأئمة الأربعة. يُذكر كأحد الأفذاذ في عملية نقد الحديث.

الإمام البخاري (810-870م): جامع ومصنف لأصح كتب الحديث. يُذكر كأحد الأفذاذ في عملية نقد الحديث.

أبو زرعة الرازي (815-878م): عالم حديث وناقد. يُذكر كأحد الأفذاذ في عملية نقد الحديث.

أبو حاتم الرازي (811-890م): عالم حديث وناقد. يُذكر كأحد الأفذاذ في عملية نقد الحديث.

علي بن المديني (778-849م): عالم حديث. يُذكر كأحد الأفذاذ في عملية نقد الحديث.

شعبة بن الحجاج (702-777م): إمام في علم الحديث. يُذكر كأحد الأفذاذ في عملية نقد الحديث.

إسحاق بن راهويه (778-853م): إمام في علم الحديث. يُذكر كأحد الأفذاذ في عملية نقد الحديث.

يحيى بن سعيد القطان (746-813م): إمام في علم الحديث. يُذكر كأحد الأفذاذ في عملية نقد الحديث.

الدارقطني (918-995م): عالم حديث، مؤلف كتاب “العلل”. يُذكر كأحد الأفذاذ في عملية نقد الحديث.

أحمد خيري العمري: كاتب ومفكر معاصر. يُشار إليه في المصادر بعمله “البوصلة القرآنية” الذي يتناول مفهوم العقل في القرآن.

علي عزت بيجوفيتش (1925-2003م): أول رئيس لجمهورية البوسنة والهرسك، ومفكر إسلامي. يُذكر في المصادر بكتابه “الإسلام بين الشرق والغرب” الذي يتناول الحرية الإنسانية والنية والإرادة.

محمد علي باشا (1769-1849م): والي مصر ومؤسس الأسرة العلوية. يُذكر برسائله إلى السلطان العثماني محمود الثاني لمطالبته بحماية ديار الإسلام، وبإرسال بعثات إلى أوروبا لدراسة العلوم الطبيعية.

محمود الثاني (1785-1839م): سلطان عثماني. يُذكر بمراسلته مع محمد علي باشا.

ميليوت (مولر) ماكس (1823-1900): عالم لغوي ومستشرق ألماني، أستاذ اللغة السنسكريتية في جامعة أكسفورد. يُذكر بمشاركته في مؤتمرات المستشرقين وعرضه لكهنة يابانيين.

إبراهيم باشا (1789-1848م): قائد عسكري ووالي مصر، ابن محمد علي باشا. يُذكر بمواجهته مع “الحوت” (في إشارة مجازية لظاهرة “السبكتاكل” الباريسية).

محمد أمين فكري: مؤلف كتاب “إرشاد الألبا إلى محاسن أوروبا” (1892) و”جغرافية مصر” (1879).

سيلفيستر دو ساسي (1758-1838م): مستشرق فرنسي كبير. خطط لإنشاء متحف لتقديم الشرق للطلاب.

روفائيل الطهطاوي (1801-1873م): من رواد النهضة المصرية الحديثة، كاتب ومترجم. يُذكر بكتابه “المرشد الأمين للبنات والبنين” و”مناهج الألباب المصرية”، وبتعليقاته على حسن انتظام المتاجر الباريسية.

علي مبارك (1823-1893م): رائد التعليم والعمران في مصر الحديثة. يُذكر بكتابه “الخطط الجديدة لمصر القاهرة ومدنها وبلادها القديمة والشهيرة”، وعمله في تخطيط المدن.

إدوارد لين (1801-1876م): مستشرق ومؤلف إنجليزي. يُذكر بكتابه “إفادة عن أنماط سلوك المصريين المحدثين وعاداتهم” (1835)، وبمحاولته تصوير مصر بالكاميرا الاستجلائية.

ستانلي بول (1850-1931م): مستشرق إنجليزي، ابن أخت إدوارد لين. علق على دقة وصف لين لمصر.

نيرفال (جيرارد دي نيرفال) (1808-1855م): كاتب فرنسي. يُذكر برحلاته إلى الشرق وكيف أن كتاباته كانت إعادة صياغة لأوصاف سابقة.

فلوبير (جوستاف فلوبير) (1821-1880م): روائي فرنسي. يُذكر بسعيه لـ “استنساخ صورة للأشياء على نحو ما هي عليه بالضبط” في كتاباته عن الشرق.

روبرت جريفز (1895-1985م): كاتب وشاعر إنجليزي. يُذكر بتعليقه الساخر على مفهوم “الشرق” في كتابه “وداعًا لكل ذلك”.

أحمد عرابي (1841-1911م): ضابط وقائد ثوري مصري. يُذكر بمحاكمته ورفضه لمصطلح “حزب” بمعناه الجديد، وتمسكه بفكرة “الفلاحين” كـ “حزب” خاص بهم.

كرومر (لورد كرومر) (1841-1917م): وسيط الحكومة البريطانية في مصر. يُذكر بمفهومه لـ “التفتيش الإنجليزي المنهجي” وسعيه لفرض السيطرة على العقول والأجسام المصرية، وتصويره للكسل المصري.

منصور: مشرف مصري في معمل حلج القطن بمدينة الزقازيق. يُذكر كنموذج للمصري “ذو الطبع الكسول بصورة طبيعية” الذي يحتاج إلى “الكرباج” للتحفيز.

محمود علي السعيدي: فلاح مصري. يُذكر كضحية للتعذيب من قبل البوليس السري في عام 1887.

كتشنر (هربرت كتشنر) (1850-1916م): ضابط بريطاني رفيع المستوى. يُذكر بتعيينه لتنظيم نظام بوليس أكثر انضباطًا في مصر.

نوبار باشا (1825-1899م): سياسي مصري أرمني الأصل، شغل منصب رئيس وزراء مصر ثلاث مرات بعد الاحتلال البريطاني. يُذكر بمفهومه لـ “النظام المادي” و”النظام الأخلاقي” وسعيه لإدخال نسق قانوني أوروبي.

عبد العزيز جاويش (1872-1929م): كاتب ومفكر وصحفي مصري، من مؤسسي الحزب الوطني. يُذكر بتدريبه على “منهج لانكستر” وكتاباته عن التعليم، وباعتباره مفتشًا عامًا في نظارة المعارف.

المرصفي (حسين المرصفي) (1815-1890م): أديب ومفكر مصري، أستاذ في دار العلوم. يُذكر بعمله “الكلم الثَّمَان” الذي يناقش فيه مفهوم “الأمة”.

محمد عبده (1849-1905م): عالم أزهري ومفكر إسلامي مصري، من رواد الإصلاح الديني والاجتماعي. يُذكر بتطويره لوجهة نظر مماثلة للمرصفي في التربية ودور المثقف.

محمد عارف: موظف حكومي كبير، من مؤسسي جمعية نشر المعارف النافعة.

إميل دوركهايم (1858-1917م): عالم اجتماع فرنسي، مؤسس علم الاجتماع الحديث. يُذكر بنظرياته حول “المجتمع” ككيان موضوعي مستقل عن الفرد، ودور التربية في إعادة خلق “الأخلاق الجماعية”.

جوستاف لوبون (1841-1931م): عالم اجتماع وعالم نفس فرنسي. يُذكر بدراسته “سيكولوجية الجماهير” (ترجمت إلى العربية باسم “روح الاجتماع”) ونظرياته حول “العقل الجمعي” و”الكسل” لدى الشعوب غير الأوروبية.

أحمد فتحي زغلول (1863-1914م): قاضٍ وكاتب مصري، أخو سعد زغلول. يُعرف بترجمته لكتاب جوستاف لوبون “روح الاجتماع” ومشاركته في محكمة دنشواي.

سعد زغلول (1859-1927م): زعيم الحركة الوطنية المصرية. (يُذكر فقط كأخ لأحمد فتحي زغلول).

اللورد بروغام (1778-1868م): سياسي بريطاني، من مؤسسي جمعية نشر المعرفة النافعة.

هاري بويل: السكرتير الشرقي لكرومر. يُذكر بمطالبته بتحول حياة الحريم.

قاسم أمين (1863-1908م): كاتب ومصلح مصري، من رواد حركة تحرير المرأة. يُذكر بكتبه التي تناولت وضع النساء في مصر وانحطاطهن.

دوك داركور: مؤلف كتاب “المصريون” (Les Égyptiens) الذي هاجم فيه زعم بريطانيا أنها تمدن المصريين.

محمد المويلحي (1868-1930م): كاتب وصحفي مصري، مؤلف رواية “حديث عيسى بن هشام”. يُذكر بتاريخ عائلته التجارية وتأثره بالسيطرة الأوروبية.

جرجي زيدان (1861-1914م): روائي ومؤرخ وصحفي لبناني مصري. يُذكر بتحذيره للمصريين من التمزق الاجتماعي وبتحليله الاستشراقي لتاريخ مصر.

د. س. مرجوليوث (1858-1940م): أستاذ فخري للعربية بأكسفورد. يُذكر بترجمته جزءًا من تاريخ جرجي زيدان.

ليوتي (لويس هوبرت ليوتي) (1854-1934م): ضابط وجنرال فرنسي، مقيم عام لفرنسا في المغرب. يُذكر بتطويره لمدينة الرباط كنموذج للعالم “المعرضي” وسعيه لفرض النظام الاستعماري.

رينيه ديكارت (1596-1650م): فيلسوف وعالم رياضيات فرنسي، أبو الفلسفة الحديثة. يُذكر بمفهومه للعقل كفضاء داخلي والمعرفة كبحث عن اليقين.

الحمد لله رب العالمين

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

اكتشاف المزيد من مدونة التاعب

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading