القائمة إغلاق

خلاصة كتاب: الخلاصة في تدبر القرآن الكريم، تأليف: الشيخ خالد عثمان السبت

خُلاصة كتاب:

الخُلاصة في تدبُّر القُرآن الكريم

تأليف: الشيخ خالد عثمان السَّبت

تحميل الخُلاصة: [DOC] [PDF]

تحميل الكتاب كاملاً: [PDF]

«ومَن أصغى إلى كلامِ اللهِ وكلام رسوله ﷺ بعقله، وتدبَّره بقلبه؛ وَجَدَ فيه مِن الفَهْم والحَلَاوة والبركة والمنفعة، ما لا يجده في شيءٍ مِن الكلام، لا منظومه ولا منثوره» ابن تيمية.

فهرس الموضوعات:

مُلخَّص الكتاب.. 3

المُقدِّمة. 5

بيان معنى التَّدبُّر. 6

١- التَّدبُّر في اللُّغة. 6

٢- التَّدبُّر بمعناه العامّ. 6

٣- معنى تَدَبُّر القُرآن خاصَّة (المعنى الشَّرعي) 7

٤- ذكر بعض عبارات المُفسِّرين في معنى التَّدبُّر. 7

العلاقة بين التَّدبُّر وما يُقاربه من الألفاظ.. 8

أولاً: علاقته بالتَّفسير. 8

ثانياً: علاقته بالتَّأويل. 8

ثالثاً: علاقته بالبيان. 9

رابعًا: علاقته بالاستنباط.. 9

خامسًا: علاقته بالفَهْم. 10

سادساً: علاقته بالتَّفَكُّر. 10

فضله وشرفه. 10

أهمِّيَّة التَّدَبُّر. 10

ثمراته ونتائجه. 11

مظاهره وعلاماته. 12

أنواع تدبُّر القُرآن (مطالب المُتدبِّرين ومقاصدهم) 12

النَّوع الأوَّل: تدبّره لمعرفة صِدْق مَن جاء به، وأنَّه حقٌّ مِن عند الله تعالى. 12

النَّوع الثَّاني: تدبُّره للوُقُوف على عظاته، والاعتبار بما فيه. 14

النَّوع الثَّالِث: تدبُّره لاستخراج الأحكام منه. 14

النَّوع الخامِس: تدبُّره للوُقُوف على وُجُوه فصاحته وبلاغته وإعجازه 14

النَّوع السَّادِس: تدبُّره لتعَرُّف ضُرُوب المُحاجَّة والجِدَال للمُخالفين.. 14

النَّوع السَّابع: تدبُّره مِن أجل الاستغناء به عن غيره؛ سِوَى السُّنَّة فإنَّها شارحةٌ له. 14

النَّوع الثَّامِن: تدبُّره مِن أجل تليين القَلْب به وترقيقه، وتحصيل الخُشُوع. 15

النَّوع التَّاسِع: تدبُّره من أجل الامتثال له. 16

أركان التَّدبُّر. 16

شُرُوط التَّدبُّر. 17

الشَّرط الأوَّل: وُجُود المَحَلّ القَابِل. 17

الشَّرط الثَّاني: العَمَل الذي يَصْدُر من المُكلَّف (الاستماع، أو القراءة، مع حُضُور القَلْب) 18

ذكر جُملة مِن الأُمُور المُعِينة على التَّدبُّر، ممَّا يكون مُشتركًا بين الاستماع والتِّلاوة 25

الشرط الثالث: وجود قدر من الفهم للكلام المقروء أو المسموع: 28

وأمَّا ما يُضَعّفُ التَّدبُّر؛ فأُمُور عِدَّة؛ منها: 30


 

مُلخَّص الكتاب

الخُلاصة في تدبُّر القُرآن الكريم للدكتور خالد بن عثمان السَّبت هي دراسة حول مفهوم التَّدبُّر وأهمِّيَّته وشُرُوطه وموانعه وأنواعه.

تعريف التَّدبُّر لُغةً هو النَّظر في دُبُر الأمر وعاقبته. وفي الاصطلاح، هو تأمُّل معاني القُرآن والتَّفكُّر في دلالاته وحُججه وآياته للوُصُول إلى المعاني المكنونة والعبر والمقاصد، ممَّا يُثمر العُلُوم النَّافعة والأعمال الصَّالحة. يرتبط التَّدبُّر بمفاهيم مُقاربة كالتَّفسير والتَّأويل والبيان والاستنباط والفَهْم والتَّفكر، بينها تلازم أو عُمُوم وخُصُوص.

للتَّدبُّر فضل عظيم وشرف كبير لتعلُّقه بكلام الله، وهو طريق للعِلْم والعَمَل ومعرفة الله والامتثال لأوامره، ومن أعظم العبادات. ومن أبرز ثماره: اليقين وزيادة الإيمان، والعمل بالقُرآن، والاعتبار بقصصه وأمثاله، ومُحاسبة النَّفس، ومعرفة مَحَابّ الله ومساخطه، وتليين القلب وخُشُوعه، واستخلاص العُلُوم والمعارف، والاهتداء إلى الطَّريق المُستقيم.

يقوم التَّدبُّر على ثلاثة أركان:

1.  المُتدبِّر: يلزم أن يكون القلب حيًّا قابلاً للتَّأثُّر، مُستحضراً عظمة المُتكلِّم (الله) وأنَّه المُخاطَب بالقُرآن، مع صِدْق الطَّلب ورغبة قوِيَّة في الفَهْم والامتثال.

2.  الكلام المُتدبَّر: وهو القرآن الكريم، المؤثر بطبعه، الميسر للفهم.

3.  عَمَلِيَّة التَّدبُّر: تتطلَّب الاستماع أو القراءة بتركيز وحُضُور قلب، مع مُراعاة آداب التِّلاوة كاختيار الوقت المُناسب (اللَّيل أفضل)، والحال المُناسبة (الصَّلاة أفضل)، وتفريغ النَّفس من الشَّواغل، والاستعاذة من الشَّيطان، والتَّرتيل في القراءة، وتكرار الآيات للتَّفهُّم، وتنزيل القُرآن على الواقع المُعاصر.

شُرُوط التَّدبُّر الأساسية تتلخَّص في وُجُود المَحَلّ القَابِل (القَلْب الحَيّ)، والعَمَل المُصاحِب لحُضُور القَلْب (القِراءة أو الاستماع)، ووُجُود قدر كافٍ مِن فَهْم الكلام المقروء أو المسموع.

موانع التَّدبُّر تنبع من تخلّف هذه الشُّرُوط؛ كَعَدَم حياة القَلْب أو ضعفه بسبب الكُفر أو النِّفاق أو الأدواء الأخرى كالذُّنُوب والمعاصي والإصرار عليها والكِبْر واتِّباع الهَوَى. مِن الموانع أيضاً: الفُضُول في المُباحَات (نظر، كلام، خلطة، نوم، أكل)، وعَدَم حُضُور القَلْب بسبب الانشغال بغيره كالتَّركيز المُبالغ فيه على مخارج الحُرُوف دون المعنى، وقِلَّة الرَّغبة في فَهْمِهِ وتوفُّر الهِمَّة للاشتغال بغيره. وقد يكون المانع ورعاً بارداً يمنع صاحبه من مُحاولة الفَهْم والتَّدبُّر خوفاً من القول على الله بلا علم، بينما التَّدبُّر مطلوب مِن كلّ مَن له قُدرة على الفَهْم والتَّعلُّم.

لا يختص التَّدبُّر بالعُلماء، وإنَّ تفاوت النَّاس فيه بحسب درجات فهمهم، فالأمر بتدبُّر القُرآن عامّ للجميع ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾.

للتَّدبُّر أنواعٌ ومقاصدٌ يسعى إليها المُتدبِّرون؛ منها: معرفة صِدْق القُرآن وأنَّه مِن عند الله، الوُقُوف على عِظاته وقصصه وأمثاله للاعتبار والاتِّعاظ، استخراج الأحكام والعقائد والسُّلُوك، الوُقُوف على ما حواه من العُلُوم والأخبار، تبيُّن وُجُوه فصاحته وإعجازه، تعلُّم أساليب الدَّعوة والمُحاججة، الاستغناء به عن غيره، تليين القَلْب وتحصيل الخُشُوع، والأهمّ: الامتثال لأوامره واجتناب نواهيه والعَمَل بما فيه.

 

 

المُقدِّمة

إنَّ الله تعالى حمد نفسه على إنزال هذا القرآن العظيم فقال:

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا ۜ قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾ (الكَهف: ١، ٢)

وجعله مُيسَّراً للأفهام؛

﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ (القَمَر: ١٧، ٢٢، ٣٢، ٤٠)،

وضمَّنه ألوان الهدايات؛

﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (الإسراء: ٩)

﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النَّحل: ٨٩)

وجعله في غاية التَّأثير؛

﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ (الحَشر: ٢١)

﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ﴾ (الرَّعد: ٣١)

﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (الزُّمَر: ٢٣)

ودعا عباده إلى تدبُّره؛

﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (ص: ٢٩)

وأنكر على مَن لَم يرفع بذلك رأساً؛

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ (النِّساء: ٨٢)، (مُحَمَّد: ٢٤)

﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ (المُؤمِنون: ٦٨)؛

وذلك دليل على عظيم شأن التدبر، وجلالة قدره؛ إذ إنه الطريق لتعقل معاني القرآن، والاعتبار بأمثاله وزواجره، والتأدب بآدابه، والامتثال لأوامره، والتعاط بِمواعظه.

بيان معنى التَّدبُّر

١- التَّدبُّر في اللُّغة

التَّدبُّرُ: مصدر (تَدبَّر)، وأصل هذه المادة: (د ب ر) يدلّ على آخر الشيء وخَلْفِه؛

وقد اشتقُّوا من (الدُّبُر) فعلًا، فقالوا: تَدَبَّرَ: إذا نظر في دُبْر الأمرِ؛ أي: في غائِبِه أو عاقِبَتِه.

ويُقال: دَبَّرَ الأمْرَ وتدَبَّرَهُ؛ أي: نظر وتفكر في عاقبته.

والتَّدبير في الأمر: أن تنظر إلى ما تؤول إليه عاقبته، فهو بمعنى التَّفكير في دُبُر الأُمُور، وذلك بأنَّ يُدَبِّرَ الإنسان أمره كأنَّه ينظر إلى ما تصير إليه عاقبته.

وممَّا تقدَّم يُعْلَم أنَّ أصل التَّدَبُّر: التَّأَمُّل والتَّفكير في أدبار الأُمُور وعواقبها؛ أي: فيما لا يظهر منها للمُتأمِّل بادئ ذي بدء.

ثُمَّ استُعمل في كل تأَمُّلٍ، سواء كان نظراً في حقيقة الشَّيء وأجزائه، أو سوابقه وأسبابه، أو لواحقه وأعقابه.

٢- التَّدبُّر بمعناه العامّ

التَّدبُّر في الأمر: التَّفكُّر فيه؛

وبعضهم يُفرِّق بينهما؛ باعتبار أنَّ التَّدبُّر: تَصَرُّفُ القلب بالنَّظر في العواقب، وأمَّا التَّفكُّر: فَتَصَرُّفُه بالنَّظر في الدَّليل.

٣- معنى تَدَبُّر القُرآن خاصَّة (المعنى الشَّرعي)

– قال في الكشَّاف: «معنى تدبُّر القُرآن: تأمُّل معانيه وتَبَصُّر ما فيه».

– وقال القرطبي: «هو التَّفكُّر فيه وفي معانيه».

– وقال الخازن: «ومعنى تدبُّر القُرآن: تأمُّل معانيه، وتفكُّر في حُججه، وتبصُّر ما فيه من الآيات».

– وقال أبو حيَّان: «هو التَّفكُّر في الآيات، والتَّأمُّل الذي يُفضِي بصاحبه إلى النَّظر في عواقب الأشياء».

– وقال ابن القيِّم: «هو تحديقُ ناظر القَلْب إلى معانيه، وجمع الفكر على تَدَبُّرِهِ وتَعَقُّلِهِ».

– وقال السَّعدي: «هو التَّأمُّل في معانيه، وتحديق الفِكْر فيه، وفي مبادئه وعواقبه، ولوازم ذلك».

– وقال ابن عاشور: «هو تَعَقُّبُ ظواهرِ الألفاظِ؛ لِيُعْلَمَ ما يَدْبُر ظواهرَها من المعاني المكنونة والتَّأويلات اللَّائقة».

– وقال عبد الرحمن حَبَنَّكة: «هو التَّفكُّر الشَّامِل الواصِل إلى أواخر دلالات الكَلِم ومراميه البعيدة».

– وقيل: هو التَّفكُّر والتَّأمُّل لآيات القُرآن من أجل فهمه، وإدراك معانيه، وحكمه، والمُراد منه.

– وقيل: هو تفهم معاني ألفاظه، والتفكر فيما تدل عليه آياته مطابقة، وما

ويجمع ذلك: النَّظر إلى ما وراء الألفاظ مِن المعاني والعِبَر والمقاصد، الذي يُثمِر العُلُوم النَّافعة والأعمال الزَّاكية.

قد ورد عن جماعة مِن السَّلف تفسير التَّدبُّر بالعَمَل والامتثال وما إلى ذلك ممَّا يقع في القلب، ويظهر على الجوارح، ولا ريب أنَّ هذا يكون أعلى مراتب التَّدبُّر، وإلَّا فقد يحصل ببعض ذلك كما لا يخفى.

٤- ذكر بعض عبارات المُفسِّرين في معنى التَّدبُّر

من عبارات المُفسِّرين في قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ (النساء: ٨٢، محمد: ٢٤)، وقوله تعالى: ﴿لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ (ص: ٢٩):

– ابن جرير: «أفلا يتدبُّر هؤلاء المُنافقون مواعظ الله التي يعظهم بها في آي القُرآن الذي أنزله على نبيه عليه الصَّلاة والسَّلام، ويتفكَّرون في حُجَجه التي بيَّنها لهم في تنزيله؟!».

– أبو حيان: «أي: فلا يتأمَّلون ما نزل عليك من الوحي ولا يعرضون عنه؛ فإنَّه في تدبُّره يظهر بُرهانه ويسطع نوره، ولا يظهر ذلك لمن أعرض عنه ولم يتأمّله».

وبهذا نعلم أنَّ كلامهم يدور على إعمال الفِكْر والنَّظر بالتَّأمُّل والتَّفهُّم في آي القُرآن الكريم للتَّوصُّل إلى معانيه ومقاصده. والله أعلم.

العلاقة بين التَّدبُّر وما يُقاربه من الألفاظ

أولاً: علاقته بالتَّفسير

إنَّ أصل مادَّة (التَّفسير) تدور على الكشف والبيان؛ يُقال: فَسَّرَ الكلام؛ أي: أبان معناه وأظهره، فهو إخراج الشيء مِن مقام الخفاء إلى مقام التَجَلِّي.

وأمَّا في الاصطلاح: فهو علمٌ يُبْحَث فيه عن أحوال القُرآن الكريم من حيث دلالته على مُراد الله تعالى بقدر الطَّاقة البشرية.

وبناء على ذلك، يُقال في العلاقة بين التَّفسير والتَّدبُّر: بأنَّ بينهما مُلازمة؛ وذلك أنَّ التَّوصُّل إلى مُراد الله تعالى من كلامه يحتاج إلى تدبُّر ونظر وتأمُّل، كما أنَّ التَّدبُّر يتوقَّف على معرفة المعنى. والله أعلم.

ثانياً: علاقته بالتَّأويل

التَّأويل يأتي لمعنيين:

الأول: بمعنى التَّفسير؛

فتأويل القُرآن بمعنى تفسيره، وهو المُراد بقوله ﷺ في دعائه لابن عباس «وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ».

وهكذا تأويل الرُّؤيا يأتي بمعنى تفسيرها؛

الثَّاني: بمعنى ما يصير إليه الشَّيء في ثاني حال؛

وهكذا يُعبَّر بـ(التَّأويل) في الرُّؤيا بمعنى تحقُّق الوُقُوع،

كما ورد بمعنى العاقبة؛

وهكذا يُعبَّر بـ(التَّأويل) عن امتثال المأمور، ومِن ذلك حديث عائشة رضي الله عنها: كان النَّبي ﷺ يُكثِر أن يقول في رُكُوعه وسُجُوده: «سُبحانك اللّهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي»، يتأوَّل القُرآن.

وأمَّا وجه تعلّقه (التَّدبُّر) بالتَّأويل إذا أُريد به المعنى الآخر: فإنَّ ذلك يكون بالامتثال والعَمَل والتَّطبيق، وذلك مِن المعاني الدَّاخلة تحت التَّدبُّر، إضافةً إلى التَّفكُّر فيما يؤول إليه الإنسان، وما يقع في الدُّنيا والآخرة ممَّا وعد اللهُ به أهل طاعته وأهل معصيته، والله أعلم.

ثالثاً: علاقته بالبيان

البيان: مِن بان الشيء؛ إذا اتَّضح وانكشف.

ما يتعلَّق بالتَّدبُّر؛ وذلك بإطلاق البيان على ما يُشرَح به المُجمَل والمُبهَم ويُكشَف به عن المعنى، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (القيامة: ١٩)، وقوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (النحل: ٤٤).

رابعًا: علاقته بالاستنباط

ترجع مادة (الاستنباط) إلى الاستخراج؛ قال ابن جرير رحمه الله: «وكُلُّ مُستَخرِج شيئًا كان مُستترًا عن أبصار العُيُون أو عن معارف القُلُوب، فهو له مُستنبِط».

وبناءً على ذلك، فإنَّ الاستنباط مِن القُرآن يكون بمعنى استخراج المعاني والأحكام وألوان الهدايات في العقائد والسُّلُوك وغير ذلك، وهذا يكون نتيجةً للتَّدبُّر كما لا يخفى، وهو قدرٌ زائدٌ على مُجرَّد فَهْم اللَّفظ والكَشْف عن معناه، والله أعلم.

قال ابن القيم رحمه الله: «وقد مَدَح اللهُ تعالى أهل الاستنباط في كتابه، وأخبر أنَّهم أهلُ العِلْم».

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82) وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: 82-83]

خامسًا: علاقته بالفَهْم

الفَهْم: قيل: هو تصوُّر المعنى مِن اللَّفظ،

وبناءً على ذلك، فإنَّ الفَهْم يكون نتيجةً للتَّدبُّر، كما أنَّه يكون وسيلةً لما وراء ذلك مِن المعاني الدَّاخلة تحت التَّدبُّر، فإنَّ مِن التَّدبُّر ما لا يكون إلَّا بعد الفَهْم، والله أعلم.

سادساً: علاقته بالتَّفَكُّر

الكثيرين يُفَسِّرُونَ التَّدَبُّرَ بِالتَّفَكُّرِ؛ وذلك لما بينهما مِنَ المُقارَبَةِ الشَّديدَةِ، وقد فَرَّقَ بعضُهم -كَمَا سَبَقَ- بأنَّ التَّدَبُّرَ: تَصَرُّفُ القَلْبِ بِالنَّظَرِ فِي العَواقِبِ، وأمَّا التَّفَكُّرُ: فَتَصَرُّفُهُ بِالنَّظَرِ فِي الدَّلائِلِ.

فضله وشرفه

قال الآجُرِّيّ رحمه الله: «والقليل من الدَّرس للقُرآن مع الفِكْر فيه وتدبُّره، أحبُّ إليَّ مِن قراءة الكثير مِن القُرآن بغير تدبُّر ولا تفكُّر فيه، وظاهر القُرآن يدُلُّ على ذلك، والسُّنَّة، وأقوال أئمَّة المُسلمين».

أهمِّيَّة التَّدَبُّر

لله تعالى جعل ذلك مقصودًا من إنزاله؛ كما في قوله: ﴿كِتَٰبٌ أَنزَلْنَٰهُ إِلَيْكَ مُبَٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا ءَايَٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا ٱلْأَلْبَٰبِ﴾ (ص: ٢٩).

قال الآجُرِّيّ رحمه الله: «ومَن تدبَّر كلامه، عرف الرَّبّ ، وعرف عظيم سُلطانه وقدرته، وعرف عظيم تفضّله على المؤمنين، وعرف ما عليه من فرض عبادته، فألزم نفسه الواجب، فحذر مما حذَّره مولاه الكريم، ورغب فيما رغّبه فيه، ومن كانت هذه صفته عند تلاوته للقُرآن وعند استماعه من غيره، كان القُرآن له شفاء، فاستغنى بلا مال، وعَزَّ بلا عشيرة، وأنس بما يستوحش منه غيره، وكان همّه عند التِّلاوة للسُّورة إذا افتتحها: متى أتَّعظ بما أتلو؟! ولم يكن مُراده: متى أختم السُّورة؟! وإنَّما مراده: متى أعقل عن الله الخطاب؟! متى أزدجر؟! متى أعتبر؟! لأنَّ تلاوته للقُرآن عبادة، والعبادة لا تكون بغفلة».

قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: «وأمَّا النَّصيحة لكتاب الله، فَشِدّةُ حُبّه وتعظيم قَدْرِهِ؛ إذ هو كلامُ الخالق، وشِدّةُ الرَّغبة في فَهْمه، وشِدّةُ العِناية لتدبُّره والوُقُوف عند تلاوته لطلب معاني ما أحبّ مولاه أن يفهمه عنه، أو يقوم به له بعد ما يفهمه، وكذلك النَّاصِح من العباد يفهم وصيَّة مَن ينصحه، وإن ورد عليه كتابٌ منه، عُني بفهمه؛ ليقوم عليه بما كتب به إليه، فكذلك النَّاصِح لكتاب ربِّه؛ يُعْنَى بفهمه ليقوم لله بما أمره به كما يُحِبّ ويرضى، ثُمَّ ينشر ما فهم في العباد ويُدِيم دراسته بالمحبَّة له، والتَّخلُّق بأخلاقه، والتَّأدُّب بآدابه».

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «فإنَّه قد عُلِم أنَّه مَن قرأ كتابًا في الطِّبّ أو الحِساب أو النَّحو أو الفِقْه أو غير ذلك، فإنَّه لا بُدَّ أن يكون راغبًا في فَهْمه وتَصَوُّرِ معانيه، فكيف بِمَن قَرؤوا كتاب الله تعالى المُنزل إليهم الذي به هداهم الله، وبه عَرَّفهم الحقّ والباطل، والخير والشَّرّ، والهُدَى والضَّلال، والرَّشاد والغَيّ؟! فمِن المعلوم أنَّ رغبتهم في فَهْمه وتَصَوُّر معانيه أعظم الرَّغبات، بل إذا سمع المُتعلِّم مِن العالم حديثًا، فإنَّه يرغب في فهمه؛ فكيف بمن يسمعون كلام الله مِن المُبلِّغ عنه؟! بل مِن المعلوم أنَّ رغبة الرَّسول ﷺ في تعريفهم معاني القُرآن أعظم من رغبته في تعريفهم حُرُوفه؛ فإنَّ معرفة الحُرُوف بدون المعاني لا تُحَصِّل المقصود؛ إذ اللَّفظ إنَّما يُراد للمعنى».

قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: «ومِن أعظم ما يُتَقَرَّب به إلى اللهِ تعالى مِن النَّوافِل كثرة تلاوة القُرآن، وسماعه بتفكُّر وتدبُّر وتفهُّم؛ قال خبَّاب بن الأرَتّ لرجلٍ: تقرَّب إلى اللهِ ما استطعتَ، واعلم أنَّك لن تتقرَّب إليه بشيءٍ هو أحبُّ إليه مِن كلامه».

ثمراته ونتائجه

١- التَّدبُّر يُورِث اليقين، ويُزِيد الإيمان.

٧- وهو أقوى الأسباب لترقيق القَلْب وتليينه.

قال ابن القَيِّم رحمه الله: «وبالجُملة فلا شيء أنفع للقَلْب مِن قراءة القُرآن بالتَّدبُّر والتَّفكُّر؛ فإنَّه جامعٌ لجميع منازل السَّائرين، وأحوال العاملين، ومقامات العارفين، وهو الذي يُورِث المحبَّة والشَّوق، والخوف والرَّجاء، والإنابة والتَّوكُّل، والرِّضا والتَّفويض، والشُّكر والصَّبر، وسائر الأحوال التي بها حياة القَلْب وكماله، وكذلك يزْجُر عن جميع الصِّفات والأفعال المذمومة، والتي بها فساد القَلْب وهلاكه فَلَوْ عَلِمَ النَّاسُ مَا فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ بِالتَّدَبُّرِ، لَاشْتَغَلُوا بِهَا عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهَا، فَإِذَا قَرَأَهُ بِتَفَكُّرٍ حَتَّى مَرَّ بِآيَةٍ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَيْهَا فِي شِفَاءِ قَلْبِهِ، كَرَّرَهَا وَلَوْ مِئَةَ مَرَّةٍ وَلَوْ لَيْلَةً، فَقِرَاءَةُ آيَةٍ بِتَفَكُّرٍ وَتَفَهُّمٍ خَيْرٌ مِنْ قِرَاءَةِ خَتْمَةٍ بِغَيْرِ تَدَبُّرٍ وَتَفَهُّمٍ، وَأَنْفَعُ لِلْقَلْبِ، وَأَدْعَى إِلَى حُصُولِ الْإِيمَانِ وَذَوْقِ حَلَاوَةِ الْقُرْآنِ… فَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ بِالتَّفَكُّرِ هِيَ أَصْلُ صَلَاحِ الْقَلْبِ… وَلِهَذَا أُنْزِلَ اللَّهُ الْقُرْآنَ لِيُتَدَبَّرَ وَيُتَفَكَّرَ فِيهِ، وَيُعْمَلَ بِهِ، لَا لِمُجَرَّدِ الْإِعْرَاضِ عَنْهُ».

مظاهره وعلاماته

١- التَّأثُّر بما يقرأ، والخُشُوع عند قراءته أو سماعه.

٢- الإقبال عليه إقبالًا تامًا دون الاشتغال بما يصرف عن تدبُّره، والإنصات عند سماعه.

٣- العَمَل بما يدعو إليه، والكَفّ عمَّا يزجر عنه.

أنواع تدبُّر القُرآن (مطالب المُتدبِّرين ومقاصدهم)

النَّوع الأوَّل: تدبّره لمعرفة صِدْق مَن جاء به، وأنَّه حقٌّ مِن عند الله تعالى

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (النساء: ٨٢).

قال ابن جرير رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ القُرْآنِ وِكَتِابٍ مُبِينٍ﴾ (النَّمل: ١): «يُبَيِّنُ لِمَنْ تَدَبَّرَهُ وَفَكَّرَ فِيهِ بِفَهْمٍ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، أَنْزَلَهُ إِلَيْكَ، لَمْ تَتَخَرَّصْهُ أَنْتَ، وَلَمْ تَتَقَوَّلْهُ، وَلَا أَحَدٌ سِوَاكَ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ مِنَ الْخَلْقِ أَنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ تَظَاهَرَ عَلَيْهِ الْجِنُّ وَالْإِنْسُ».

[هامٌّ جِدًّا] قال ابن القَيِّم رحمه الله: «ومِن شهادته أيضاً ما أودعه في قُلُوب عباده مِن التَّصديق الجازم، واليقين الثَّابت، والطَّمأنينة بكلامه ووحيه، فإنَّ العادة تُحِيل حُصُول ذلك بما هو من أعظم الكَذِب والافتراء على ربّ العالمين، والإخبار عنه بخلاف ما هو عليه من أسمائه وصفاته، بل ذلك يُوقِع أعظم الرَّيب والشَّكّ، وتدفعه الفِطَر والعُقُول السَّليمة، كما تَدْفَع الفِطَر التي فُطِرَ عليها الحيوان الأغذية الخبيثة الضَّارَّة التي لا تُغذِّي؛ كالْأَبْوَالِ والأَنْتَانِ؛ فإنَّ الله ﷺ فَطَرَ القُلُوب على قَبُول الحقّ، والانقياد له، والطَّمأنينة به، والسُّكُون إليه، ومحبّته، وفَطَرَهَا على بُغْض الكَذِب والباطل، والنُّفُور عنه، والرِّيبة به، وعَدَم السُّكُون إليه، ولو بقيت الفِطَر على حالها لما آثرت على الحقِّ سواه، ولما اطمأنَّت إلَّا إليه، ولا أحبَّت غيره؛ ولهذا ندب اللهُ سُبحانه وتعالى عباده إلى تدبُّر القُرآن؛ فإنَّ كلَّ مَن تدبَّره أوجب له تدبُّرُه عِلْمًا ضروريًا ويقينًا جازمًا أنَّه حَقٌّ وصِدْقٌ، بل أحقُّ كُلِّ حَقّ، وأصدقُ كُلِّ صِدْق، وأنَّ الذي جاء به أصدقُ خَلْق الله وأبرُّهُم وأكملهم عِلْمًا وعَمَلاً ومَعْرِفَة؛ كما قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (النساء: ٨٢)، وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (محمد: ٢٤)؛ فلو رُفِعَت الأقفالُ عن القُلُوب لَبَاشرتها حقائق القُرآن، واستنارت فيها مصابيح الإيمان، وعلمت علمًا ضروريًا- يكون عندها كسائر الأُمُور الوجدانية مِن الفَرَح والألم والحُبّ والخَوْف- أنَّه مِن عند الله، تكلَّم به حقًّا، وبلّغه رسوله جبريل عنه إلى رسوله محمد، فهذا الشَّاهد في القَلْب مِن أعظم الشَّواهد، وبه احتجَّ هرقل على أبي سُفيان، حيث قال له: فهل يرتدّ أحدٌ منهم سُخطةً لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فقال: لا! فقال له: وكذلك الإيمان إذا خالطت حلاوته بشاشة القُلُوب لا يَسْخَطه أحدٌ.

وقد أشار تعالى إلى هذا المعنى في قوله: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ۚ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ (العنكبوت: ٤٩)، وقوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ﴾ (الحج: ٥٤)، وقوله: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقُّ وَيَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (سبأ: ٦)، وقوله: ﴿أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (الرعد: ١٩)، وقوله: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ ۗ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ (الرعد: ٢٧)؛ يعني: أنَّ الآية التي يقترحونها لا تُوجِبُ هداية، بل اللهُ هو الذي يهدي ويُضِلُّ، ثُمَّ نَبَّهَهُم على أعظم آية وأجلّها وهي طمأنينة في قُلُوب المؤمنين بذكره الذي أنزله، فقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: ٢٨)؛ أي: بكتابه وكلامه؛ فطمأنينة القُلُوب الصَّحيحة والفِطَر السَّليمة به وسُكُونها إليه مِن أعظمِ الآيات؛ إذ يستحيل في العادة أن تطمئن القُلُوب وتَسْكُنُ إلى الكذب والافتراء والباطل».

وذلك يحصل لهم بتدبُّره مِن وُجُوهٍ مُتعدِّدة؛ منها:

۱. اتِّساق معانيه.

۲. ائتلاف أحكامه.

٣. تأييد بعضه بعضًا بالتَّصديق، وشهادة بعضه لبعض بالتَّحقيق؛ فإنَّ ذلك لو كان من عند غير الله لاختلفت أحكامه، وتناقضت معانيه، وأبان بعضه عن فساد بعض.

٤. صدق ما تضمَّنه من الإخبار عن الغُيُوب الماضية والمُستقبلة.

ومِن ذلك: كشف خبايا المُنافقين وإظهار ذلك، وهُم يعلمون صِدْق ما أخبر به عنهم.

النَّوع الثَّاني: تدبُّره للوُقُوف على عظاته، والاعتبار بما فيه

النَّوع الثَّالِث: تدبُّره لاستخراج الأحكام منه

قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: «فمن تدبَّر القُرآن، وتدبَّر ما قبل الآية وما بعدها، وعرف مقصود القُرآن، تبيَّن له المُراد، وعرف الهدى والرِّسالة، وعرف السَّداد من الانحراف والاعوجاج».

النَّوع الخامِس: تدبُّره للوُقُوف على وُجُوه فصاحته وبلاغته وإعجازه

النَّوع السَّادِس: تدبُّره لتعَرُّف ضُرُوب المُحاجَّة والجِدَال للمُخالفين

النَّوع السَّابع: تدبُّره مِن أجل الاستغناء به عن غيره؛ سِوَى السُّنَّة فإنَّها شارحةٌ له

نقل ابن القَيِّم عن الإمام البخاري قوله: «كان الصَّحابة إذا جلسوا، يتذاكرون كتاب ربّهم وسُنَّة نبيِّهم، ولَم يكُن بينهم رأي ولا قِيَاس، ولم يكن الأمر بينهم كما هو في المُتأخِّرين: قومٌ يقرؤون القُرآن ولا يفهمونه، وآخرون يشتغلون في عُلُوم أُخَر، وصَنْعَة اصطلاحية، بل كان القُرآن عندهم هو العِلْم الذي يعتنون به حفظًا وفهمًا وتفقُّهًا».

وقال ابن تيمية: «وأمَّا في باب فَهْم القُرآن فهو -أي: قارئ القُرآن- دائمُ التَّفكُّر في معانيه والتَّدبُّر لألفاظه، واستغنائه بمعاني القُرآن وحِكَمِه عن غيره مِن كلامِ النَّاس، وإذا سمع شيئًا مِن كلامِ النَّاس وعُلُومهم عرضه على القُرآن؛ فإن شهد له بالتَّزكية قبله، وإلَّا ردَّه».

النَّوع الثَّامِن: تدبُّره مِن أجل تليين القَلْب به وترقيقه، وتحصيل الخُشُوع

قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن هَادٍ﴾ (الزمر: ۲۳).

وقال تعالى: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۚ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الحشر: ۲۱).

وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (الحديد: ۱٦).

وقال تعالى: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا ۚ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ (الإسراء: ۱۰۷ – ۱۰۹).

قال النووي رحمة الله: «ينبغي للقارئ أن يكون شأنه الخُشُوع، والتَّدبُّر، والخُضُوع؛ فهذا هو المقصود المطلوب، وبه تنشرح الصُدُور، وتستنير القُلُوب، ودلائله أكثر مِن أن تُحصَر، وأشهر مِن أن تُذكَر. وقد بات جماعة من السَّلف يتلو الواحد منهم آية واحدة ليلة كاملة، أو مُعظم ليلة يتدبّرها عند القراءة».

وقال ابن باديس رحمه الله: «فوالله الذي لا إله إلَّا هو، ما رأيتُ – وأنا ذو النَّفْس الملأى بالذُّنُوب والعُيُوب – أعظم إلانة للقَلْب، واستدرارًا للدَّمع، وإحضارًا للخشية، وأبعث على التَّوبة؛ من تلاوة القُرآن وسماع القُرآن».

النَّوع التَّاسِع: تدبُّره من أجل الامتثال له

عن ابن مسعود في بيان المُراد بقوله تعالى: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ (البقرة: ١٢١)؛ قال: «والذي نفسي بيده، إنَّ حقَّ تلاوته أن يُحِلَّ حلاله، ويُحرِّمَ حرامه، ويقرأه كما أنزله الله».

وعن عكرمة: «يَتَّبِعُونَهُ حَقَّ اتِّبَاعِ الْأَمْرِ وَالنَّهْي؛ فَيُحِلُّونَ حَلَالَهُ، ويُحَرِّمُونَ حَرَامَهُ، ويعملون بما تضمَّنه».

وإذا عرفت ما سبق، فإنَّ مِن هذه الأنواع ما يصلح لعُمُوم النَّاس، ومنها ما لا يُحسنه إلَّا العُلماء، وبناءً على ذلك فإنَّ مِن الشَّطَطِ أن تتوجَّهَ الأذهانُ عند الحديث عن التَّدبُّر إلى استخراج المعاني واللَّطائف والنُّكات الدَّقيقة التي لم تُسبَق إليها! فإنَّ ذلك لا يصلح إلَّا للعُلماء، لكنَّ المؤمن يتدبَّر ليَرِقَّ قلبه، ويتعرَّف مواطنَ العِبَرِ، ويَعْرِضَ نفسه على ما ذكره الله تعالى في القُرآن الكريم من أوصاف المؤمنين، ويَحْذَرَ مِن الاتِّصاف بصفات غيرهم، إلى غير ذلك ممَّا ينتفع به، ويُمكن حُصُوله لكلِّ مَن تدبَّر كتاب الله عزَّ وجلَّ.

 أركان التَّدبُّر

يقوم التَّدبُّر على أركانٍ ثلاثةٍ:

الأوَّل: المُتَدبِّرُ:

الثَّاني: الكلام المُتَدبَّرُ:

الثَّالِث: عمليَّةُ التَّدبُّرِ:

قال النبي ﷺ: «لَمْ يَفْقَهْ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ».

شُرُوط التَّدبُّر

الأوَّل: وُجُود المَحَلّ القَابِل (القَلْب الحَيّ)

الثَّاني: العَمَل الذي يَصْدُر مِن المُكلَّف (القراءة أو الاستماع، مع حُضُور القَلْب).

الثَّالِث: قَدْر مِن الفَهْم للكلام المقروء أو المسموع.

وقد جَمَعَتْ هذه الشروط آية في كتاب الله تعالى، وهي قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (ق: ٣٧)، حيث صَرَّحَتْ بالشَّرطين الأوَّلين، وأمَّا الثَّالِث فهي دالَّة عليه لُزُومًا؛ وذلك أنَّ إلقاء السَّمع لا بُدَّ أن يكون معه الكلام مفهومًا لدى السَّامِع، وإلَّا فإنَّ الإصغاء للكلام الذي لا يفهمه أصلاً، كالأعجمي، لا يحصل به المقصود.

الشَّرط الأوَّل: وُجُود المَحَلّ القَابِل

«القلب إذا كان رقيقًا لينًا كان قبوله للعلم سهلاً يسيرًا، ورسخ العلم فيه وثبت وأثر، وإن كان قاسيًا غليظًا كان قبوله للعلم صعبًا عسيرًا.»

ومن هُنا كان الصَّحابة يتعلّمون الإيمان قبل القرآن.

فعن جندب بن عبد الله قال: «كنا مع النبي ﷺ ونحن فتيان حَزَاوِرَةُ [الذي قارب البُلُوغ]، فتعلّمنا الإيمان قبل أن نتعلّم القرآن، ثم تعلّمنا القرآن فازددنا به إيمانًا».

وعن عبد الله بن عمر قال: «لقد عشنا بُرْهَة مِن دهرنا، وإن أحدنا يُؤتَى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السُّورة على محمد ﷺ، فنتعلّم حلالها وحرامها، وأمرها وزاجرها، وما ينبغي أن يقف عنده منها، كما تَعَلَّمُون أنتم اليوم القرآن، ثُمَّ لقد رأيتُ اليوم رجالاً يُؤتَى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يدري ما أمره ولا زاجره، ولا ما ينبغي أن يقف عنده منه».

وعن حذيفة : «إنَّا قومٌ أوتينا الإيمان قبل أن نُؤتَى القرآن، وإنَّكم قومٌ أوتيتم القرآن قبل أن تؤتوا الإيمان».

والله يقول مُخاطباً أهل الإيمان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (الأنفال: ٢٤).

القلب قد يكون مريضًا أو ضعيفًا، فإذا أصغى صاحبه بسمعه مع حُضُور القَلْب حال الاستماع أو القراءة، فإنَّه ينتفع ويعتبر، ما لم يصل إلى حال الطَّمس والختم على القَلْب؛ ولهذا فإنَّ من الكُفَّار مَن يتأثَّر بسماع القُرآن، وقد يكون ذلك سبب دُخُوله في الإسلام، كما وقع ويقع في القديم والحديث؛ وقد سمع جُبَيْر بن مُطْعِم قبل إسلامه النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ قوله: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ * أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ (الطور: ٣٥-٣٧)، قال: «كاد قلبي أن يطير».

الشَّرط الثَّاني: العَمَل الذي يَصْدُر من المُكلَّف (الاستماع، أو القراءة، مع حُضُور القَلْب)

أمَّا الاستماع: فيكفي في ذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الأعراف: ٢٠٤).

يقول ابن سعدي رحمه الله: «هذا الأمرُ عامٌّ في كُلِّ مَن سمع كتاب الله يُتلَى، فإنَّه مأمورٌ بالاستماع له والإنصات، والفرق بين الاستماع والإنصات أنَّ الإنصات في الظَّاهر بترك التَّحدُّث، أو الاشتغال بما يشغل عن استماعه، وأمَّا الاستماع له فهو أن يُلقِي سمعه ويُحضِر قلبه، ويتدبَّر ما يستمع، فإنَّ مَن لَازَم هذين الأمرين حين يُتلَى كتاب الله، فإنَّه ينال خيراً كثيراً، وعلماً غزيراً، وإيماناً مُستمِرًّا مُتجدِّداً، وهُدى مُتزايداً، وبصيرة في دينه؛ ولهذا رتَّب اللهُ حُصُول الرَّحمة عليه، فدلَّ ذلك على أنَّ مَن تُلِي عليه الكتاب فلم يستمع له وينصت، أنَّه محروم الحظّ مِن الرَّحمة، قد فاته خيرٌ كثيرٌ».

وعن وهب بن مُنَبِّه رحمه الله أنَّه قال: «من أدب الاستماع سُكُون الجوارح، وغَضّ البَصَر، والإصغاء بالسَّمع، وحُضُور العقل، والعَزْم على العَمَل؛ وذلك هو الاستماع كما يُحبُّ اللهُ تعالى، وهو أن يكُفّ العبد جوارحَه، ولا يشغلها فيشتغل قلبه عمَّا يسمع، ويغُضّ طرفه فلا يلهو قلبه بما يرى، ويُحضِر عقله فلا يُحدّث نفسه بشيء سوى ما يستمع إليه، ويعزم على أن يفهم فيعمل بما يفهم».

قال سفيان بن عيينة: «أوَّلُ العِلْمِ الاستماع، ثُمَّ الفَهْم، ثُمَّ الحِفْظ، ثُمَّ العَمَل، ثُمَّ النَّشر، فإذا استمع العبدُ إلى كتاب الله تعالى وسُنَّة نبيه، عليه الصَّلاة والسَّلام، بِنِيَّةٍ صادقةٍ على ما يُحبّ الله، أفهمه كما يُحِبّ، وجعل له في قلبه نوراً».

وقال ابن عاشور : «فالاستماع والإنصات المأمور بهما المُؤَدِّيان بالسَّامِع إلى النَّظر والاستدلال، والاهتداء بما يحتوى عليه القرآن من الأدِلَّة على صدق رسول اللهالمُفضي إلى الإيمان به، ولِمَا جاء به من إصلاح النُّفُوس، فالأمر بالاستماع مقصود به التَّبليغ، واستدعاء النَّظر، والعمل بما فيه».

عن عبد الله بن مسعود قال: «قال لي النبي ﷺ: «اقرأ عَلَيَّ القرآن»، قلتُ: أأقرأ عليك وعليك أُنْزِل؟!، قال: «إنِّي أحِبُّ أن أسمعه من غيري»، قال: فافتتحت سورة النِّساء، فلمَّا بلغتُ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ (النِّساء: ٤١)، قال: «حَسْبُكَ»، فالتَفَتُّ فإذا عيناه تذرِفان».

قال ابن بطَّال رحمه الله: «يُحتَمَل أن يكون الرسول ﷺ أحَبَّ أن يسمعه من غيره؛ ليكون عَرْضُ القرآن سُنَّةً يُحتَذَى بها، كما يُحتَمَل أن يكون لكي يتدبَّرَه ويتفهَّمه؛ وذلك لأنَّ المُستمع أقوى على التدبُّر، ونفسه أخلى وأنشط من نفس القارئ؛ لاشتغاله بالقراءة وأحكامها».

قال ابن تيمية رحمه الله: «هذا سماع سلف الأُمَّة، وأكابر مشايخها وأئمّتها كالصَّحابة والتَّابعين، ومَن بعدهم مِن المشايخ؛ كإبراهيم بن أدهم، والفُضَيْل بن عِيَاض، وأبي سُليمان الدَّارَانِيّ، ومعروف الكَرْخِيّ، ويوسف بن أسباط، وحذيفة المَرْعَشي، وأمثال هؤلاء، وكان عمر بن الخطَّاب يقول لأبي موسى : ذَكِّرنا ربَّنا، فيقرأ وهُم يسمعون ويبكون، وكان أصحاب محمد ﷺ إذا اجتمعوا أمروا واحداً منهم أن يقرأ القُرآن، والباقي يستمعون».

وقد قصَّ اللهُ تعالى علينا خبر الجِنّ وما جرى لهم من ذلك، فقال: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ﴾ (الأحقاف: ٢٩)، وذمَّ الكافرين فقال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (فصلت: ٢٦)؛ لأنَّهم يعلمون أنَّ ذلك الصَّنيع يحول بينهم وبين القرآن فلا يتأثَّرون به.

ويُحسن التَّنبيه هُنا لأمرين:

الأوَّل: أن ينظر المرءُ فيما يكون أَدْعَى للتَّدبُّر بالنِّسبة إليه: القراءة أو الاستماع؛ فإذا كان الاستماع، فليجعل لنفسه منه حظًّا صالحًا.

الثَّاني: من المعلوم أنَّ الإنسان قد يتأثَّر ببعض التِّلاوات المسموعة أكثر مِن غيرها، وينجذب قلبه إليها، فيحسن أن يكون سماعه لمن يكون بهذه المثابة، لاسيَّما إذا كانت القراءة مُسَجَّلة في صلاة؛ فإنَّ ذلك مَظِنَّة التَّأثُّر والخُشُوع، وهو أمرٌ مُشَاهَد.

وأمَّا القراءة: فإنَّها الطَّريق إلى التَّدبُّر كالاستماع، فإذا راعى القارئ ما ينبغي له عندها، فإنَّ ذلك يكون أَدْعَى للتَّدبُّر والانتفاع بها؛ فمن تلك الأُمُور:

١- التَّهَيُّؤ لَهَا: وذلك من وُجُوه عِدَّة؛ منها:

أ. اختيار الوقت المناسب، ولا شَكَّ أنَّ أفضله ما كان ليلًا، وأفضل ذلك ما كان بعد نومٍ لمن وُفِّق له، حيث قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ (المزمل: ٦)، قال ابن عباس في قوله: ﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾: «هو أجدر أن يفقه القرآن».

ويقول الحافظ ابن حجر رحمه الله عن مُدارسة جبريل لرسول الله ﷺ في كلِّ ليلةٍ من رمضان: «المقصود من التِّلاوة الحُضُور والفَهْم؛ لأنَّ الليل مَظِنَّة ذلك؛ لما في النَّهار من الشَّواغل والعوارض الدُّنيوية والدِّينية».

وقال النووي رحمه الله: «ينبغي للمرء أن يكون اعتناؤه بقراءة القرآن في اللَّيل أكثر، وفي صلاة اللَّيل أكثر؛ والأحاديث والآثار في هذا كثيرة، وإنَّما رجحت صلاة الليل وقراءته؛ لكونها أجمع للقلب، وأبعد عن الشَّاغلات والمُلهيات والتَّصرُّف في الحاجات، وأصون عن الرِّياء وغيره من المُحْبِطَات، مع ما جاء به الشَّرع من إيجاد الخيرات في اللَّيل، فإنَّ الإسراء بالرسول ﷺ كان ليلًا».

وقال السَّرِيُّ السَّقَطِيُّ: «رأيتُ الفوائدَ تَرِدُ في ظلامِ الليل».

ب. اختيار الحال الأصلح له:

وهكذا القراءة إذا كانت في صلاةٍ فهي أفضل، وفي ذلك يقول شيخ الإسلام رحمه الله: «الصَّلاةُ أفضل من القراءة في غير الصَّلاة… ولكن من حصل له نشاط وفهم للقراءة دون الصَّلاة؛ فالأفضل في حقِّه ما كان أنفع له».

وقال أيضاً: «كما أنَّ مِن النَّاس مَن يجتمع قلبه في قراءة القرآن وفهمه وتدبُّره ما لا يجتمع في الصَّلاة، بل يكون في الصَّلاة بخلاف ذلك، وليس كلّ ما كان أفضل يُشرع لكلّ أحد، بل كل واحد يُشرع له أن يفعل ما هو أفضل له».

كما أنَّ القراءة في حال الطَّهارة أفضل كما لا يخفى.

ج. تفريغ النَّفْس من الشَّواغل المُشَوِّشَة للفِكْر والقَلْب.

د. الاستعاذة قبلها:

الاستعاذة لأجل حُصُول فائدة القرآن، ولأجل بقائها وحفظها وثباتها…

ومنها: أنَّ الشَّيطان يُجْلِبُ على القارئ بخَيْلِه ورَجِلِه؛ حتى يَشْغَلَه عن المقصود بالقرآن، وهو تدبُّره وتفهُّمه، ومعرفة ما أراد به المُتكلِّم به سُبحانه، فيحرص بجهده على أن يَحُولَ بين قلبه وبين مقصود القرآن، فلا يكمل انتفاع القارئ به، فأُمر عند الشُّرُوع أن يستعيذ بالله منه …

ومنها: أنَّ الله سُبحانه وتعالى أخبر أنَّه ما أُرسل مِن رسولٍ ولا نبيٍّ إلَّا إذا تَمَنَّى ألْقَى الشَّيطان في أُمْنِيَّتِه، والسَّلف كلُّهم على أنَّ المعنى: إذا تلا ألقى الشَّيطان في تلاوته… فإذا كان هذا فعله مع الرُّسُل عليهم السَّلام فكيف بغيرهم؛ ولهذا يُغلِّط القارئ تارةً، ويُخْلِطُ عليه القراءة، ويُشَوِّشُها عليه، فيُخْبِطُ عليه لسانه، أو يُشَوِّشُ عليه فهمه وقلبه، فإذا حضر عند القراءة لم يعدم منه القارئ هذا، أو هذا، ورُبَّما جمعهما له، فكان مِن أهمّ الأُمُور الاستعاذة بالله تعالى منه.

2- مَا يُطْلَبُ مُرَاعَاتُهُ أَثْنَاءَ الْقِرَاءَةِ:

أ. أَنْ يَنْظُرَ فِيمَا هُوَ أَدْعَى إِلَى تَدَبُّرِهِ: مِنَ الْقِرَاءَةِ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ، أَوْ مِنَ الْمُصْحَفِ؛ إِذْ إِنَّ النَّاسَ فِي ذَلِكَ يَتَفَاوَتُونَ، فَيَخْتَارُ كُلُّ وَاحِدٍ مَا هُوَ أَقْرَبُ لِتَدَبُّرِهِ وَحُضُورِ قَلْبِهِ، فَإِنِ اسْتَوَيَا فَالْقِرَاءَةُ فِي الْمُصْحَفِ تُفَضَّلُ عَلَى الْقِرَاءَةِ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ.

ب. أَنْ يَخْتَارَ الْأَصْلَحَ لِقَلْبِهِ مِنَ الْجَهْرِ وَالْإِسْرَارِ:

وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَا يَدُلُّ عَلَى فَضْلِ الْجَهْرِ بِالتِّلَاوَةِ؛ كَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ».

وَعَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ أَنْ يَجْهَرَ بِالْقُرْآنِ»، كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ ﷺ وَفِعْلِ أَصْحَابِهِ فِي عَدَدٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ الصَّحِيحَةِ.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِرَجُلٍ ذَكَرَ لَهُ أَنَّهُ سَرِيعُ الْقِرَاءَةِ: «إِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلًا، فَاقْرَأْ قِرَاءَةً تُسْمِعُ أُذُنَيْكَ، وَتُوعِي قَلْبَكَ».

وعن ابن أبي ليلى رحمه الله قال: «إذا قرأتَ فافتح أذنيك، فإنَّ القَلْب عَدْلٌ بين اللِّسان والأذن».

يقول النووي : «جاءت آثار بفضيلة رفع الصَّوت بالقراءة، وآثار بفضيلة الإسرار؛ قال العُلماء: والجمع بينهما أنَّ الإسرار أبعد من الرِّياء، فهو أفضل في حقِّ من يخاف ذلك، فإن لم يخف الرِّياء فالجهر أفضل؛ بشرط ألَّا يؤذي غيره من مُصَلٍّ أو نائم أو غيرهما. ودليل فضيلة الجهر أنَّ العمل فيه أكثر؛ ولأنَّه يتعدَّى نفعه إلى غيره؛ ولأنَّه يُوقِظ القلب ويجمع همّه إلى الفِكْر، ويصرف سمعه إليه…» إلى أن قال: «فمتى حضره شيء من هذه النِّيَّات، فالجهر أفضل».

ج. التَّرتيل والتَّرسُّل في القراءة:

قال تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ (المزمل: ٤)

قال في الكشاف: «ترتيل القراءة: التأني والتمهل، وتبيين الحروف والحركات».

وقال القرطبي: «أي: لا تَعْجَلْ بقراءة القرآن، بل اقرأه في مَهَلٍ وبيان مع تدبُّر المعاني».

وسمع علقمة رجلًا يقرأ قراءة حسنة فقال: «لقد رَتَّلَ القرآن فداه أبي وأمي».

وقال ابن كثير: «أي: اقرأه على تمَهُّل؛ فإنَّه يكون عونًا على فَهْم القُرآن وتدبُّره».

وقال ابن الجوزي رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا﴾ (الإسراء: ١٠٦): «على تُؤدة وتَرَسُّل ليتدبَّروا معناه».

وقد حدَّث أبو جمرة قال: قلت لابن عباس : «إنِّي رجلٌ سريع القراءة، ورُبَّما قرأتُ القُرآن في ليلةٍ مرَّة أو مرَّتين»، فقال ابن عباس : «لأن أقرأ سورة واحدة أعجب إليَّ مِن أن أفعل ذلك الذي تفعل، فإن كنتَ فاعلاً ولا بُدَّ، فاقرأ قراءة تُسمعها أذنيك ويعيها قلبك».

وقال ابن مسعود : «لا تَهُذُّوا القرآن هَذَّ الشِّعْر، ولا تَنْثُرُوه نَثْر الدَّقل، وقِفُوا عند عجائبه، وحَرِّكُوا به القُلُوب، ولا يكن هَمُّ أحدِكم آخر السُّورة».

وقال الحسن البصري رحمه الله: «يا ابن آدم! كيف يَرِقّ قلبك، وإنَّما هِمَّتُك في آخر السُّورة؟!».

يقول النووي رحمه الله: «قال العُلماء: والتَّرتيل مُستحَبّ للتَّدبُّر وغيره… لأنَّ ذلك أقرب إلى التَّوقير والاحترام، وأشدّ تأثيرًا في القَلْب».

وقال ابن كثير رحمه الله: «المطلوب شرعًا إنَّما هو التَّحسين بالصَّوت الباعث على تدبُّر القرآن وتفهُّمه، والخُشُوع والخُضُوع والانقياد والطَّاعة».

وبناء على ذلك يَحْسُنُ أن تكون للمُسلم قراءة يتدبَّر فيها ولو قلَّت، إن لم يجعل قراءته كلها كذلك.

فيكون له ورد للمراجعة أو الحفظ، وآخر للتَّدبُّر، فإن أبَى فَوِرْدٌ للحفظ أو المُراجعة، وآخر للتِّلاوة والختم، وثالث للتَّدبُّر.

د. تكرار الآية أو الآيات أو السُّورة القصيرة:

قال ابن القيم -رحمه الله-: «فإذا قرأ بتفكُّر حتى إذا مرَّ بآية وهو محتاج إليها في شفاء قلبه، كرَّرها ولو مئة مرَّة، ولو لليلة، فقراءة آية بتفكُّر وتفهُّم خيرٌ من قراءة ختمة بغير تدبُّر وتفهُّم، وأنفع للقَلْب، وأدعى إلى حُصُول الإيمان، وذوق حلاوة القرآن».

وقد قال أبو ذر –-: «قام النبي ﷺ بآيةٍ حتى أصبح، يُردِّدُها»، والآية: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (المائدة: ١١٨).

عن عَبّاد بن حمزة رحمه الله قال: «دخلتُ على أسماء وهي تقرأ: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ (الطور: ٢٧)، قال: فوقفتُ عليها، فجعلتُ تستعيذ وتدعو. قال عباد: فذهبتُ إلى السوق، فقضيتُ حاجتي، ثم رَجعتُ، وهي فيها بعد تستعيذ وتدعو!».

وقام تميم الدَّارِيّ بآية حتى أصبح؛ وهي قوله: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (الجاثية: ٢١)، فلم يزل يُكرِّرها ويبكي حتى أصبح وهو عند المقام. وكذلك قام بها الرَّبيع بن خُثيم.

وردَّد الحسن البصري رحمه الله ليلة: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ (النحل: ١٨)، حتى أصبح، فقيل له في ذلك، فقال: إنَّ فيها مُعتبراً، ما نرفع طرفاً ولا نردّه إلَّا وقع على نعمة، وما لا نعلمه من نعم الله أكثر.

وعن سعيد بن جبير رحمه الله أنَّه ردَّد قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (البقرة: ٢٨١)، بضعاً وعشرين مرَّة. وردَّد قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ (غافر: ٧٠، ٧١).

وعن عامر بن عبد القيس رحمه الله أنَّه قرأ في ليلةٍ سورة غافر، فلمَّا انتهى إلى قوله: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ (غافر: ١٨)، فلم يزل يُردِّدها حتى أصبح.

وقال محمد بن كعب رحمه الله: «لأن أقرأ: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ و ﴿الْقَارِعَةُ﴾؛ أردِّدهما وأتفكَّر فيهما، أحبُّ مِن أن أبيت أَهُذّ القرآن».

وقال زائدة رحمه الله: «صلَّيتُ مع أبي حنيفة في مسجده عشاء الآخرة، وخرج النَّاسُ، ولم يعلم أنِّي في المسجد، وأردتُ أن أسأله مسألة من حيث لا يراني أحد، قال: فقام فقرأ، وقد افتتح الصَّلاة، حتى بلغ إلى هذه الآية ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ (الطور: ٢٧)، فأقمتُ في المسجد أنتظر فراغه، فلم يزل يُردِّدها حتى أذَّن المؤذِّن لصلاة الفجر».

وقال رجل لابن المبارك رحمه الله: «قرأتُ البارحةَ القُرآنَ في ركعةٍ»، فقال: «لكنِّي أعرفُ رجلاً لم يَزَل البارحة يقرأ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ إلى الصُّبح، ما قدر أن يجاوزها!» يعني: نفسه.

بل جاء عن بعض السَّلف أنَّه بقي في سورة هود سِتَّة أشهر يُكرِّرها ولا يفرغ من التَّدبُّر فيها.

وقال بعضهم: لي في كُلِّ جمعةٍ ختمة، وفي كُلِّ شهرٍ ختمة، وفي كُلِّ سنةٍ ختمة، ولي ختمة مُنذ ثلاثين سنة ما فرغتُ منها بعد.

ذكر جُملة مِن الأُمُور المُعِينة على التَّدبُّر، ممَّا يكون مُشتركًا بين الاستماع والتِّلاوة

قال ابن قدامة رحمه الله: «وليعلم أنَّ ما يقرؤه ليس كلام بشر، وأن يستحضر عظمة المُتكلِّم سُبحانه، ويتدبَّر كلامه؛ فإنَّ التَّدبُّر هو المقصود مِن القراءة».

ما ينبغي أن تكون عليه تصوراتنا ونظرتنا للقرآن:

إن النظرة القاصرة، وفساد التصور تجاه القرآن الكريم، يُقعِدانِ صاحبهما عن تدبر كتاب الله تعالى، وطلب الهدى منه، وذلك حينما ينظر بعضهم إلى القرآن باعتباره مجرد كتاب مُقدّس يُتلى لتحصيل الأجور، … أو أنه نزل ليعالج بيئة مُتخلِّفة يعبد أهلها الأصنام، فدعاهم إلى تركها وعبادة الله وحده دون ما سواه، فهو يعالج تلك الحقبة الغابرة، ولا تَعَلُّقَ له بالواقع المعاصر وتعقيداته!! إلى غير ذلك من التَّصوُّرات الضَّيِّقة.

واللهُ تعالى قد وصف هذا الكتاب بقوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل: ٨٩).

وإذا أردت أن تعرف عظمة هذا القرآن، وتأثيره في النفوس والمجتمعات، فتأمل ما وصفه الله تعالى به في مواضع كثيرة، حيث وصفه بأنه كريم، وحكيم، وعظيم، ومجيد، ومبارك، وعزيز، ومهيمن، وعلي، وهدى، ورحمة، وشفاء، ونور، وذكر، وموعظة، وروح، وتفصيل كل شيء، وبصائر، وأنه حق، وبرهان، إلى غير ذلك من الأوصاف.

كما سمَّاه بالفرقان؛ لأنه يفرق بين الهدى والضلال، والحق والباطل، وبالقرآن؛ لأنه جمع ثمرة الكتب قبله.

فَتَدَبَّرِ القُرْآنَ إِنْ رُمْتَ الْهُدَى … فَالْعِلْمُ تَحْتَ تَدَبُّرِ الْقُرْآنِ [النُّونِيَّة]

٤- استحضار أنَّك المُخاطَب بهذا القرآن:

وقال الحسن: «إنَّ مَن كان قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربِّهم، فكانوا يتدبَّرونها باللَّيل، ويتفقَّدونها في النَّهار».

وقال محمد بن كعب القُرظي رحمه الله: «من بلغه القرآن، فكأنَّما كلَّمه اللهُ».

وهذا يتطلَّب قدرًا من الصَّبر والإصرار؛ قال ثابت البُنَانِيّ رحمه الله: «كابدتُ القرآن عشرين سنة، ثم تنعَّمتُ به عشرين سنة».

٦- أن يقرأ لِيَمْتَثِل:

قال الفُضَيْل رحمه الله: «إنَّما نزل القرآن ليُعْمَلَ به، فاتَّخذ النَّاسُ قراءته عملاً، قيل: كيف العمل به؟ قال: لِيُحلُّوا حلاله، ويُحرِّموا حرامه، ويأتمروا بأوامره، وينتهوا عن نواهيه، ويقفوا عند عجائبه».

وقيل ليوسف بن أسباط: «بأيِّ شيءٍ تدعو إذا ختمت القرآن؟»، قال: «أستغفر الله مِن تلاوتي؛ لأنِّي إذا ختمته وتذكَّرت ما فيه من الأعمال خشيت المَقْت، فأعْدِلُ إلى الاستغفار والتَّسبيح».

قال ابن عطية رحمه الله: «قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (القمر: ١٧). وقال تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ (المزمل: ٥). أي: عِلْم مَعَانِيه والعَمَل به والقِيَام بحُقُوقه، ثقيلٌ، فمال النَّاسُ إلى المُيسَّر، وتركوا الثَّقيل، وهو المطلوب منهم!».

وقد كان السَّلف لا يتجاوزون الآيات حتى يتعلَّموا ما فيها مِن العِلْم والعَمَل؛ كما قال ابن مسعود : «كان الرَّجلُ مِنَّا إذا تَعَلَّمَ عشر آيات لم يُجاوزهُنَّ حتى يعرف معانيهِنَّ والعَمَل بهِنَّ». وجاء نحوه عن أبي عبد الرحمن السُّلَمِيّ.

قال يزيد بن الكُميت رحمه الله: «قرأ بنا علي بن الحسين المؤذِّن في عشاء الآخرة: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾، فلمَّا قضى الصَّلاة وخرج النَّاسُ، نظرت إلى أبي حنيفة وهو جالسٌ يُفكِّر ويتنفَّس، فقلتُ: أقوم لا يشتغل قلبه بي، وقد طلع الفجرُ وهو قائمٌ قد أخذ بلحية نفسه وهو يقول: يا مَن يجزي بمثقال ذرَّةٍ خيراً، ويا مَن يجزي بمثقال ذرَّةٍ شراً، أجِر النُّعمان عَبْدَكَ مِن النَّار، وما يُقرِّب منها من السُّوء، وأدخله في سِعَة رحمتك.

قال: فَأَذَّنْتُ، فإذا القنديل يَزْهَر وهو قائمٌ، فلمَّا دخلتُ، قال: تريد أن تأخذ القنديل؟ قلت: قد أَذَّنْتُ لصلاة الغداة، قال: اكتم عليَّ ما رأيت».

قال في الإحياء: «وتلاوة القُرآن حقّ تلاوته هو أن يشترك اللِّسان والعقل والقلب؛ فحَظُّ اللِّسان: تصحيح الحُرُوف بالتَّرتيل، وحظُّ العقل: تفسير المعاني، وحظُّ القلب: الاتِّعاظ والتَّأثُّر بالانزجار والائتمار؛ فاللِّسان يُرتِّل، والعقل يُترجِم، والقلب يتَّعِظ».

٧- تنزيل القرآن على الواقع:

واليوم القرآن هو القرآن، والناس هم الناس، والصراع بين الحق والباطل قائم، والمواقف متكرّرة وإن تغيَّرت الأسماء، فما علينا إلّا أن نَعِيَ كتاب الله تعالى ونتدبّره، وعندئذٍ سنجد فيه ما يعيد الحق إلى نصابه، والعالَمَ إلى صوابه، فتتحرّك عَجَلة التغيير من جديد كما كانت في عهد الصحابة ، وذلك حينما نُحَرِّرُ نصوص القرآن من قيد الزمان والمكان، والله المستعان.

قال الخازن رحمه الله: «وتدبُّر القُرآن لا يكون إلَّا مع حُضُور القلب، وجمع الهَمّ وقتُ تلاوته، ويشترط فيه تقليل الغذاء من الحلال الصِّرف، وخُلُوص النِّيَّة».

الشرط الثالث: وجود قدر من الفهم للكلام المقروء أو المسموع:

ونحن لا نطالب العالي أن يفهم منه ما يفهم ابن عباس رضى الله عنه، وإنما المقصود هنا حصول حدٍّ أدنى من الفهم لما يُقرأ أو يسمع؛ بحيث لا يكون بمنزلة مَن خُوطِب بلُغةٍ غير لغته لا يعرفها،

قال ابن جرير : «وفي حَثِّ الله جلَّ جلاله عبادَه على الاعتبار بما في آيّ القُرآن من المواعظ والبيِّنات بقوله جل ذكره لنبيه ﷺ﷿: ﴿كِتَٰبٌ أَنزَلْنَٰهُ إِلَيْكَ مُبَٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا ٱلْأَلْبَٰبِ﴾ (ص: ٢٩).»

وقال القرطبي: «وينبغي له أن يتعلَّم أحكام القرآن، فيفهم عن الله مُراده، وما فرض عليه، فينتفع بما يقرأ، ويعمل بما يتلو، فكيف يعمل بما لا يفهم معناه؟ وما أقبح أن يُسأل عن فِقْه ما يتلوه ولا يدريه، فما مثل مَن هذا حاله إلَّا كمثل الحمار يحمل أسفارًا».

أمَّا من أراد الغوص في المعاني، واستخراج نفائس الجواهر واللآلئ، فإنه بحاجة إلى معرفة بعلوم العربية بأنواعها، إلى غير ذلك من العلوم المساعدة في التفسير، مع طول النظر في كلام السلف في التفسير، وكثرة القراءة في كتب التفسير التي تتميّز مؤلفوها بالتحقيق والتأصيل، والقدرة البارعة على الجمع بين الأقوال أو الترجيح، أو التوجيه كأبي جعفر بن جرير، والحافظ ابن كثير، والشنقيطي، مع ما جمع من كلام الإمامين ابن تيمية، وابن القيم في التفسير، فإن ساعد مع ذلك وجود الملَكَة، وتوقّد القريحة، فذاك كنور العين مع ضوء الشمس، وذلك فضل الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ، وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «لا بد في تفسير القرآن والحديث من أن يعرف ما يدل على مراد الله ورسوله ﷺ من الألفاظ، وكيف يفهم كلامه؛ فمعرفة العربية التي خوطبنا بها مما يعين على أن نفقه مراد الله ورسوله بكلامه، وكذلك معرفة دلالة الألفاظ على المعاني؛ فإن عامة ضلال أهل البدع كان بهذا السبب؛ فإنهم صاروا يحملون كلام الله ورسوله ﷺ على ما يدّعون أنه دال عليه، ولا يكون الأمر كذلك».

يقول الصنعاني رحمه الله: «إنَّ الله جلَّ جلاله كمَّل عُقُول العباد، ورزقهم فَهْم كلامه، ثُمَّ إنَّ فَهْم كثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية عند قرعها الأسماع لا يحتاج في معناها إلى علم النَّحو، ولا إلى علم الأُصُول، بل في الأفهام والطِّباع والعُقُول ما يجعلها تُسارع إلى معرفة المراد؛ فإنَّ مَن قرع سمعه قوله تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (البقرة: ١١٠)، يفهمُون معناه دون أن يعرف أنَّ «ما» كلمة شرط، و «تُقَدِّمُوا» مجزومٌ بها لأنَّه شرطها، و «تَجِدُوه» مجزومٌ بها لأنَّه جزاؤها، ومثلها كثير.

ثُمَّ إنَّك ترى العامَّة يستفتون العالِم ويفهمون كلامه وجوابه، وهو كلامٌ غير مُعْرَبٍ في الأغلب، بل تراهم يسمعون القرآن، فيفهمون معناه، ويبكون لقوارعه وما حواه، ولا يعرفون إعرابًا، ولا غيره، بل رُبَّما كان موقعه في قُلُوبهم أعظم من موقعه في قُلُوب مَن حقَّق قواعد الاجتهاد، وبلغ الذَّكاء والانتقاد، ثُمَّ إنَّ هؤلاء العامَّة يحضرون الخُطَب في الجُمَع والأعياد، ويذوقون الوعظ ويفهمونه، ويُفَتِّت منهم الأكباد، وتدمع منهم العُيُون، فيكثر منهم البكاء والنَّحيب، ثُمَّ إنَّك تراهم يقرؤون كُتُبًا مؤلَّفة من الفُرُوع الفقهية ويفهمون ما فيها، ويعرفون معناها، ويعتمدون عليها، ويرجعون في الفتوى والخُصُومات إليها.

فيا ليت شعري! ما الذي خصَّ الكتاب والسُّنَّة بالمنع من معرفة معانيها، وفهم تراكيبها ومبانيها، والإعراض عن استخراج ما فيها، حتى جُعِلَت معانيها كالمقصورات في الخيام، قد ضُرِبت دونها السُّجُوف [السُّتُور]، ولم يبق لنا إليها إلَّا ترديد ألفاظها والحُرُوف، وأن استنباط معانيها قد صار حِجْرًا محجورًا، وحَرَمًا مُحَرَّمًا محصورًا؟!».

قال الشنقيطي رحمه الله: «اعلم أنَّ قول بعض مُتأخِّري الأُصُوليين: إنَّ تدبُّر هذا القرآن العظيم، وتفهُّمه والعمل به لا يجوز إلَّا للمُجتهدين خاصَّةً… قولٌ لا مُستنَد له من دليلٍ شرعي أصلاً.

بل الحقُّ الذي لا شَكَّ فيه أنَّ كُلَّ مَن له قدرةٌ من المُسلمين، على التَّعلُّم والتَّفهُّم، وإدراك معاني الكتاب والسُّنَّة، يجب عليه تَعَلُّمُهُمَا، والعَمَل بما عَلِم منهما…

ومعلومٌ أنَّ هذا الذَّمَّ والإنكارَ على مَن لم يتدبَّر كتابَ اللَّهِ عامٌّ لجميع النَّاس، وممَّا يُوضِّحُ ذلكَ أنَّ المُخاطبينَ الأوَّلينَ بهِ الذين نزل فيهم هُم المنافقونَ والكُفَّار، ليسَ أحدٌ منهم مُسْتَكْمِلاً لشُرُوطِ الاجتهادِ المُقرَّرةِ عندَ أهل الأُصُول، بل ليسَ عندَهُم شيءٌ منها أصلاً، فلو كانَ القرآنُ لا يجوزُ أنْ ينتفعَ بالعملِ بهِ والاهتداءِ بهديهِ إلَّا المُجتهدونَ بالاصطلاحِ الأصوليِّ، لَمَا وبَّخَ اللَّهُ الكفّار، وأنكرَ عليهم عدمَ الاهتداءِ بهداهُ، ولَمَا أقامَ عليهم الحُجَّةَ بهِ حتى يُحَصِّلُوا شُرُوطَ الاجتهادِ المُقرَّرةِ عندَ متأخِّري الأصوليينَ، كما ترى».

وأمَّا ما يُضَعّفُ التَّدبُّر؛ فأُمُور عِدَّة؛ منها:

١) الذُّنُوب والمعاصي:

ينبغي على المُسلم أن يتخلَّى «عن موانع الفَهْم؛ ومن ذلك أن يكون مُصِرًّا على ذنب، أو مُتَّصِفاً بكِبْر، أو مُبتلى بهوى مُطاع، فإنَّ ذلك سبب ظُلْمَة القلب وصَدئِه؛ فالقلبُ مثلُ المرآةِ، والشهواتُ مثل الصَّدأ، ومعاني القرآن مثل الصور التي تتراءى في المرآة، والرياضةُ للقلب بإماطة الشهوات مثل جلاء المرآة».

قال الزركشي رحمه الله: «اعلم أنَّه لا يحصل للنَّاظِر فهم معاني الوحي، ولا يظهر له أسراره، وفي قلبه بدعة أو كِبْر أو هوى أو حُبّ دنيا، أو هو مُصرّ على ذنب، أو غير متحقق بالإيمان، أو ضعيف التحقيق، أو يعتمد على مُفسّر ليس عنده علم، أو راجع إلى معقوله؛ وهذه كلها حُجُب وموانع بعضها آكدُ من بعض».

قال بعض السَّلف: «أذنبتُ ذنباً؛ فَحُرِمْت فَهْم القرآن».

وقد تكون بعض الذُّنُوب أبلغ تأثيراً في القلب من بعض؛ كالغناء؛ فإنَّه سَمَاع أهل الشَّهوات المُحرَّمة، وكثيرٌ منهم يستعيض به عن سماع القرآن، والواقع «أنَّه يُلهِي القلب، ويصُدّه عن فَهْم القُرآن وتدبُّره والعَمَل بما فيه؛ فإنَّ القرآن والغناء لا يجتمعان في القَلْب أبداً؛ لِمَا بينهما من التَّضادّ؛ فإنَّ القرآن ينهى عن اتِّباع الهوى، ويأمر بالعِفّة ومُجَانَبة شهوات النُّفُوس وأسباب الغَيّ…»!

قال ابن القيم في القصيدة النونية:

فَالْقَلْبُ بَيْتُ الرّبِّ جَلَّ جَلالُهُ … حُبّاً وإخْلَاصاً مَع الإحْسَـانِ

فَإذَا تَعَلَّقَ بالسَّمَاعِ أحَالَهُ … عَبْداً لِكُلِّ فُلانةٍ وفُـلَانِ

حُبُّ الكِتَابِ وحُبُّ أَلْحَانِ الغِنَا … فِي قَلْبِ عَبْدٍ ليسَ يَجْتَمِعانِ

٢) الفضول من النظر والكلام والخُلْطة والنوم والأكل والشرب:

قال المروزي رحمه الله: «قلت لأبي عبد الله- يعني: الإمام أحمد رحمه الله-: يجد الرَّجلُ مِن قلبه رِقَّة وهو يَشْبع؟ قال: ما أَرى!».

وعن أبي عمران الجَوْني رحمه الله قال: «كان يُقال: مَن أحبَّ أن يُنَوَّرَ قَلْبُهُ، فَلْيُقَلِّلْ طُعْمَه».

وعن الشافعي رحمه الله قال: «ما شبعتُ مُنذ سِتَّ عشرةَ سنةً إلَّا شبعةً أطرحها؛ لأنَّ الشِّبعَ يُثقِلُ البَدَنَ، ويُزِيلُ الفِطنَةَ، ويَجْلِبُ النَّومَ، ويُضْعفُ صاحبَه عن العبادة».

وقالت عائشة : «أوَّل بدعة حدثت بعد رسول الله ﷺ: الشِّبَع؛ إنَّ القوم لمَّا شبعت بطُوُنهم، جمحت نُفُوسهم إلى الدُّنيا».

ب- اشتغال القلب بمخارج الحروف، والمبالغة في ذلك،

وقال شيخ الإسلام رَحِمَهُ اللَّهُ: «ولا يجعل هِمَّتَهُ فيما حُجِبَ به أكثر الناس من العلوم عن حقائق القرآن، إما بالوسوسة في خروج حروفه وترقيقها وتفخيمها وإمالتها والنطق بالمد الطويل والقصير والمتوسط وغير ذلك؛ فإن هذا حائل للقلوب، قاطع لها عن فهم مراد الرب من كلامه».

جـ- قِلَّةُ الرَّغبة في تَفَهُّمِهِ، وتَوَفُّرُ الهِمَّةِ في الاشتغال بغيره مِن العُلُوم

وهذا حال كثير من طُلَّاب العِلْم وغيرهم، وكان شُعبة بن الحجَّاج رَحِمَهُ اللَّهُ يقول لأصحاب الحديث: «يا قوم، إنَّكم كُلَّما تقدَّمتم في الحديث، تأخَّرتم في القرآن».

وقال شيخ الإسلام تقي الدِّين ابن تيمية رحمه الله: «وأمَّا طلب حفظ القرآن، فهو مُقدَّم على كثيرٍ ممَّا تُسمِّيه النَّاس عِلْمًا: وهو إمَّا باطل أو قليل النَّفع، وهو أيضًا مُقَدَّمٌ في التَّعلُّم في حقِّ مَن يُريد أن يَتَعَلَّمَ عِلْم الدِّين مِن الأُصُول والفُرُوع، فإنَّ المشروع في حقِّ مثل هذا في هذه الأوقات أن يبدأ بحفظ القُرآن؛ فإنَّه أصلُ عُلُوم الدِّين… والمطلوب من القُرآن هو فهم معانيه والعَمَل به، فإن لم تكن هذه هِمَّة حافِظِه لم يكن مِن أهل العِلْم والدِّين».

وقال الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ رحمه الله: «ورُبَّما سمع بعضهم قول من يقول من المُفسِّرين: هذه نزلت في عُبّاد الأصنام، هذه نزلت في النَّصارى، هذه في الصَّابئة، فيظُنُّ الغُمر أنَّ ذلك مُختَصٌّ بهم، وأنَّ الحُكْم لا يتعدَّاهم، وهذا من أكبر الأسباب التي تَحُولُ بين العبد وبين فهم القُرآن والسُّنَّة».

٢- الورع البارد:

وذلك أنَّ بعضهم رُبَّما ترك التَّدبُّر تورُّعًا من القول على الله بلا علم.

قال الشنقيطي رحمه الله « …ولِتَعْلَم أنَّ كتاب الله وسُنَّة رسوله في هذا الزَّمان أيسر منه بكثير في القُرُون الأولى؛ لسُهُولة معرفة جميع ما يتعلَّق بذلك… فكلّ آية من كتاب الله قد علم ما جاء فيها من النبي ﷺ، ثُمَّ من الصَّحابة والتَّابعين وكبار المُفسِّرين».

الحمد لله رب العالمين

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

اكتشاف المزيد من مدونة التاعب

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading