القائمة إغلاق

خُلاصة كتاب: شمس الله تشرق على الغرب، فضل العرب على أوروبا، تأليف الدكتورة / سيجريد هونكه

خُلاصة كتاب:

شَمْسُ اللهِ تُشرِق عَلَى الغَرْب

فَضْلُ العَرَبِ عَلَى أوروبا

إسهامات الحضارة الإسلامية في نهضة الغرب

تأليف الدكتورة / سيجريد هونكه

تحميل الخُلاصة: [DOC] [PDF]

فهرس الموضوعات

نبذة عن المؤلِّفة. 4

مُلخَّص الكتاب.. 4

خُلاصة الكتاب.. 8

مقدمة الطَّبعة الثانية. 8

مُقدِّمة المُؤلِّفة. 9

مُقدِّمة المُترجِم. 10

الكتاب الأول: البهار اليومي.. 14

أسماء عربية لمنح عربية. 14

أوروبا تقاسي الحرمان لموقعها السلبي من التجارة العالمية. 14

لبندقية تُحطِّم الحصار. 16

في مدرسة العرب.. 20

الكتاب الثاني: الكتابة العالمية للأعداد. 25

ميراث هندي.. 25

البابا يُمارس الحساب العربي. 28

تاجر يُعلِّم أوروبا 29

حرب الأعداد. 31

الكتاب الثالث: الأبناء الثلاثة لموسى الفلكي.. 31

الابن الأول صانع الآلات.. 33

الابن الثاني لموسى «الفلكي» 39

الابن الثالث الرياضي44

الكتاب الرابع: الأيادي الشافية. 49

الشفاء العجيب عند الإفرنج. 49

مُستشفيات وأطبَّاء لم يرَ العالَم نظيرهم. 52

أحد نوابغ الطِّبّ العالميين في مُختلف العُصُور. 57

قُيُود الماضي63

يشقون طريقهم. 66

يقظة أوروبا 75

قال ابن سينا 78

أنصاب العبقرية العربية. 82

الكتاب الخامس: سُيُوف العَقْل. 86

المُعجزة العربية. 86

أوروبا تائهة في دياجير الظلام. 90

شعار المُنتصر92

عملية إنقاذات قيمة تاريخية. 97

الترجمة مجهود ثقافي. 98

وَلَع بالكُتُب.. 100

شعب يدرس.. 101

الكتاب السادس: مُوحِّد الشَّرق والغَرْب.. 104

دولة النورمان.. دولة بين عالمين.. 104

كانوا أعداءً فألَّف بينهم. 108

سُلطان لوكيرا 108

على الأُسُس العربية. 109

مُحادثات على الحُدُود 110

ميلاد نظرة جديدة للعالم. 111

الكتاب السابع: الفُنُون العربية الأندلسية. 112

الصور الأولى للعبارة الألمانية «السيدة المُحترمة» 112

إنَّ العالَم شُيِّد لي مسجداً 113

الموسيقى تُساير الحياة 116

زخرف العالم الوضاء. 116

شَعْبٌ مِن الشُّعراء. 119

المسالك في أوروبا 120

الخاتمة. 123

 

 

 

نبذة عن المؤلِّفة

سيجريد هونكه (Sigrid Hunke) هي عالِمَة ومُستشرقة ألمانية، وُلِدت في 26 أبريل 1913 وتوفيت في 15 يونيو 1999. اشتهرت بكتابها الشهير «شمس الله تشرق على الغرب» (بالألمانية: Allahs Sonne über dem Abendland).

درست سيجريد هونكه اللُّغات السَّامية والفلسفة وعِلْم النَّفس في جامعة برلين. وتركَّزت أبحاثها على دراسة الحضارة العربية والإسلامية وتأثيرها الكبير على الحضارة الأوروبية، خاصَّة في العُصُور الوسطى.

كتابها الأشهر «شمس الله تسطع على الغرب» الذي أبرزت فيه دور العرب والمُسلمين في النَّهضة الأوروبية، وأوضحت كيف أثَّرت العُلُوم والفنون العربية في تشكُّل الحضارة الغربية.

يعد كتابها أحد المراجع المُهِمَّة التي تناولت التَّأثير الحضاري العربي على أوروبا من منظور غربي أكاديمي. دافعت عن ضرورة الاعتراف بفضل الحضارة الإسلامية على أوروبا، وانتقدت النَّظرة الأوروبية التَّقليدية التي تجاهلت أو قلَّلت من هذا التَّأثير.

مُلخَّص الكتاب

كتاب: «شمس الله تشرق على الغرب، فضل العرب على أوروبا»، للدكتورة سيجريد هونكه، والذي ترجمه د. فؤاد حسنين علي، يؤكِّد على أنَّ الحضارة الأوروبية مَدِينَة بشكلٍ كبيرٍ للحضارة العربية الإسلامية، وأنَّ هذا الفضل تمَّ تجاهله أو التَّقليل مِن شأنه تاريخياً بسبب التَّعصُّب الدَّيني والتَّحيُّز.

يستعرض الكتاب التَّأثير العربي الإسلامي في مجالاتٍ مُتنوِّعةٍ:

1. الحياة اليومية والتجارة: تسرَّب العديد مِن الكلمات والمُفردات العربية إلى اللُّغات الأوروبية، وتأثَّرت أوروبا بالأزياء والأطعمة والأدوية العربية. كما كانت التِّجارة العربية المُزدهرة هي الشُّريان الذي زوَّد أوروبا بالبضائع الفاخرة والتَّوابل التي كانت تفتقر إليها، وساعدت المُدُن الإيطالية (مثل البندقية) في كسر عُزلة أوروبا الاقتصادية عبر التِّجارة مع العالم العربي.

2. العُلُوم والمعرفة: لَعِبَ العربُ دوراً حاسماً في حِفْظ ونقل عُلُوم الحضارات القديمة (اليونانية، الهندية، الفارسية) إلى أوروبا عبر التَّرجمة والتَّطوير. قدَّم العربُ للعالم نظام الأعداد الهندية-العربية شاملاً الصِّفر، والذي ثوَّر عِلْم الرِّياضيات والحِساب (إنجاز الخوارزمي وليوناردو فيبوناتشي). طوَّروا عِلْم الجَبْر وحساب المُثلَّثات. برعوا في الفَلَك، وأنشأوا المراصد، وقاموا بأرصاد دقيقة، كما أسَّسوا عِلْم البصريَّات الحديث المُعتمِد على التَّجربة (إنجاز ابن الهيثم).

3. الطِّبّ والصَّيدَلَة: وصل الطِّبّ العربي إلى مُستوى عالٍ جِدًّا مُقارنةً بأوروبا في العُصُور الوسطى. أقام العَرَب مُستشفيات مُتقدِّمة (البيمارستانات) ذات تخصُّصات مُتنوِّعة وأنظمة صِحِّيَّة صارمة. طوَّروا التَّشريح والجراحة (مثل الزهراوي)، اكتشفوا أمراضاً ووصفوا علاجها (مثل الرَّازي الذي فرَّق بين الجدري والحصبة، وابن سينا، وابن زهر)، وسبقوا في فَهْم العدوى والحَجْر الصِّحِّيّ والتَّطعيم (الوقاية من الجدري). كان العرب رُوَّاداً في الصَّيدَلَة كمهنة مُستقِلَّة وفي الكيمياء الطِّبِّيَّة، وقدَّموا العديد من الأدوية والعقاقير الجديدة. كان للكُتُب الطِّبِّيَّة العربية تأثيرٌ كبيرٌ في الجامعات الأوروبية لقُرُون.

4. الثَّقافة والفُنُون: تأثَّرت أوروبا بالفُنُون والآداب العربية، خاصَّةً عبر الأندلس وصِقِلِّيَّة. ظهر تأثير العِمارة العربية (العُقُود المُدبَّبة، الزَّخارف الهندسية، القيشاني). انتقلت المفاهيم الموسيقية والأدبية (مثل نظام القافية والسَّجع في الشِّعر، وفكرة الحُبّ العذري والفروسية) إلى الشِّعر الأوروبي (شُعراء التروبادور). تميَّزت الأندلس بحضارة زاهرة ومُدُن مُتقدِّمة (مثل قرطبة) تفوَّقت على مثيلاتها في أوروبا في النَّظافة والخدمات العامَّة والتَّعليم.

5. التَّسامُح ونَشْر العِلْم: تميَّز الحُكم الإسلامي بالتَّسامح الدِّيني مع أصحاب الدِّيانات الأخرى في الأراضي المفتوحة (المسيحيين، اليهود، الزرادشتيين)، ممَّا سمح بازدهار ثقافي مُتنوِّع. شجَّع الإسلام على طَلَب العِلْم وجعله فريضة، ممَّا أدَّى إلى انتشار التَّعليم ومحو الأمية على نِطاقٍ واسعٍ، وظُهُور المكتبات الكبرى والجامعات المُتقدِّمة التي اجتذبت طُلَّاباً مِن أوروبا.

تؤكِّد المؤلِّفة أنَّ العرب لم يكونوا مُجرَّد وسطاء، بل كانوا مُبتكرين ومُطوِّرين، وأنَّ حضارتهم كانت قُوَّة دافعة أخرجت أوروبا من عُصُور الظَّلام ومهَّدَت لنهضتها العلمية والفكرية.

يتناول الكتاب فكرة محورية وهي التَّأثير العميق للحضارة الإسلامية على نهضة وتطوُّر الحضارة الغربية، خاصَّة في فترة العُصُور الوسطى الأوروبية المُظلِمَة. يُقدِّم الكتاب رؤية تصحيحية للتَّاريخ، مؤكِّداً أنَّ التَّقدُّم العلمي والثَّقافي الذي شهده الغرب لم يكن نتيجة تطوُّر داخلي بحت، بل كان مدينًا بشكلٍ كبيرٍ للأُسُس والمعارف التي ورثها من العالم الإسلامي.

المحاور الرَّئيسية:

1. الظَّلام الأوروبي مُقابل الإشراق الإسلامي: يُبرز الكتاب التَّباين الشَّديد بين حالة أوروبا في العُصُور المظلمة، حيث كانت تعيش في «ظلامٍ عميقٍ» و «جهل»، وبين الازدهار العلمي والثَّقافي الذي كان يسود العالم الإسلامي في ذات الفترة. يُشير إلى أنَّ «أوروبا المسيحية كانت تعيش أظلم وأحلك فترة في تاريخها»، بينما كانت المُدُن الإسلامية مراكز للحضارة والمعرفة.

2. العالم الإسلامي كـ وارث ومُطوّر للمعرفة: يُوضِّح الكتاب أنَّ الحضارة الإسلامية لم تكن مُجرَّد حافظة لتُراث الحضارات السَّابقة (اليونانية والرومانية والفارسية والهندية)، بل كانت مُطوِّرة ومُضِيفة لهذه المعارف. فقد «احتضنوا الثَّقافات القديمة ومزجوها بتفكيرهم الخاصّ، ثُمَّ نقلوها إلى الغرب». هذه النُّقطة أساسية، فالمُسلمون لم يكتفوا بالتَّرجمة، بل أضافوا إلى العُلُوم والفلسفة والطِبّ والفَلَك والرِّياضِيَّات، ممَّا أدَّى إلى تقدُّمٍ هائلٍ.

3. القنوات المُتعدِّدة للانتقال المعرفي: يُسلِّط الكتاب الضَّوء على الطُّرُق المُختلفة التي انتقلت بها المعارف من العالم الإسلامي إلى أوروبا. لم يقتصر الأمر على الحُرُوب الصَّليبية كما قد يتصوَّر البعض، بل شملت:

الأندلس وصقلّية: كانت هاتان المنطقتان «جسورًا حيوية للتَّبادل الثَّقافي والعِلْمي بين الشَّرق والغرب». حيث تدفَّقت المعرفة عبر العُلماء والتُّجَّار والطُّلَّاب.

الترجمة: يُعَدُّ هذا الجانب حَجَر الزَّاوية، فقد قام الأوروبيون بترجمة آلاف الكُتُب العربية إلى اللَّاتينية، ممَّا فتح آفاقًا جديدة للمعرفة في أوروبا.

التِّجارة والتَّبادُل الثَّقافي: لم يقتصر التَّأثير على الجانب الأكاديمي، بل شمل أيضاً جوانب الحياة اليومية والمُمارسات العَمَلِيَّة.

4. إسهامات الحضارة الإسلامية في مجالات مُحدَّدة: إسهامات المُسلمين في:

الطِّبّ: تطوُّر الجراحة، الصَّيدلة، المُستشفيات، والأمراض المُعدِيَة.

الفَلَك: الأرصاد الفَلَكِيَّة، تطوير الأدوات الفلكية، والفَهْم الدَّقيق لحركة الأجرام السَّماوية.

الرِّياضِيَّات: الأرقام الهندية (العربية)، الجبر، الخوارزميات.

الكيمياء: التَّجريب العلمي، وابتكار العديد من المواد الكيميائية.

الفلسفة والمنطق: تأثير فلاسفة مثل ابن رشد وابن سينا على الفكر الأوروبي.

الزِّراعة والهندسة المعمارية: نقل التّقنيات الزِّراعية، وبناء القنوات والحدائق.

5. أهمية الاعتراف بالفضل: يُحاول الكتاب تصحيح النَّظرة التاريخية التي غالبًا ما تُهمل دور الحضارة الإسلامية. يُشير إلى أنَّ «الغرب مَدِينٌ للشَّرق بالكثير»، ويدعو إلى فَهْمٍ شاملٍ وموضوعيٍّ للتَّاريخ الذي يعترف بتبادل الحضارات وتأثير كلٌّ منها على الأخرى. هذا الاعتراف ضروري لتكوين صورة دقيقة للتَّقدُّم البشري.

6. المنهجية العِلْمِيَّة والرُّوح التَّجريبية: أحد أهم الجوانب التي ورثها الغرب من الحضارة الإسلامية هو المنهجية العلمية القائمة على المُلاحظة والتَّجريب. ففي حين كانت أوروبا تعتمد على الفلسفة اليونانية بشكل كبير دون تحقُّق عملي، أدخل المُسلمون مفهوم «الشك المنهجي والتجربة العملية» كأدوات أساسية للوُصُول إلى المعرفة، وهو ما شكَّل الأساس للثَّورة العلمية في أوروبا.

7. «شمس الله تشرق على الغرب» كاستعارة: العنوان نفسه هو استعارة قوية تُشير إلى أنَّ الحضارة الإسلامية كانت بمثابة «شمس المعرفة» التي أضاءت «ظلام» أوروبا، وأنَّ هذه المعرفة جاءت من «الله» (إشارة إلى الإسلام كدين يدعو إلى العلم والتفكر). هذه الاستعارة تُلخِّص الرِّسالة الأساسية للكتاب بأنَّ نهضة الغرب كانت مُرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالإرث العلمي الإسلامي.

باختصار، يُقدِّم الكتاب حُجَّة مُقنعة بأنَّ الحضارة الإسلامية كانت المُحرِّك الرَّئيسي للتَّقدُّم العلمي والثَّقافي في العُصُور الوسطى، وأنَّها لبَّت احتياجات أوروبا للمعرفة خلال فترة رُكُودها، ومهَّدت الطَّريق لنهضتها اللَّاحقة.

خُلاصة الكتاب

مقدمة الطَّبعة الثانية للأستاذ الدكتور فؤاد حسنين على

كما تقول في صراحة ألمانية: «إن موقف أوربا من العرب منذ نزول الوحي المحمدي موقف عدائي بعيد البعد كله عن الإنصاف والعدالة، والتاريخ وقِذَّاك كان يملى ويصنع ولم يكن الملل هو الضمير بل التعصب الأعمى.»

وإذا ذكرنا «شمس الله» يجب ألا تفوتنا الإشارة إلى زوجها الفاضل الكريم «بيتر شولنتزا Peter Schulze» أو كما يطلق عليه سكان شمال إفريقيا «الشيخ محمد الطويل» فقد عشق العروبة والعربية في مختلف لهجاتها، وتطوع مشكوراً لِتَلْقِينَ بَعْضَ أَبْنَاءِ المسلمين القرآن الكريم في بلاد المغرب، وقد كان وقِذَّاك من كبار موظفي القنصلية الألمانية العامة في الرباط، حيث تعرف إلى شريكَة حياته فالتقى

وألقت «سيجريد هونكه» خطاباً جامعاً استعرضت فيه بطولات العرب وحسن سجاياهم إذ ضربوا المثل الأعلى في المروءة والتسامح، وساقَت لذلك مثلا موقف العرب عند فتح مصر والاستيلاء على الإسكندرية عام ٦٤٢م فقد منعوا التخريب أو التدمير وقدموا لرعاياهم الضمان الأكيد لحرية العقيدة وعهدوا نصه:

«هذا عهد أمان يشمل جميع المسيحيين والقسيسين والرهبان والراهبات جميعاً، وهو يضمن لهم شرفهم ويضمن لهم حمايتهم أينما كانوا ويضمن حماية كنائسهم ومزاراتهم، وكذلك زوار هذه المناطق من الجيورجيين والأحباش واليعقوبيين والنساطرة وجميع الطوائف التي تؤمن بالنبي عيسى وجميع هؤلاء يستحقون الرعاية، ذلك لأنه سبق للنبي محمد أن آمنهم بعهد عليه خاتمه وأوصانا فيه بأن نكون رحماء بهم وأن نكفل لهم الأمان».

وأشارت الخطيبة أيضاً إلى الاضطهاد الذي تعرض له اليهود في أسبانيا على يد المسيحيين قبل مجيء العرب الذين حرروهم ومكنوهم من الحياة الإنسانية الكريمة، وبعد ضياع الأندلس.

مُقدِّمة المُؤلِّفة

من خطأ الرأي أن ننظر إلى أوربا على أنها هي وهي فقط العالم الحديث، ومن الحماقة أن نقول إن تاريخ أوربا هو تاريخ هذا العالم،

وشاء الله أن يظهر من الأوربيين من يجرؤ وينادى بهذه الحقيقة فلا نغمط العرب حقهم في أنهم حملوا رسالة عالمية، وأدوا خدمة إنسانية للثقافة البشرية قديماً وحديثاً. إن هذا النفر من الأوربيين المنصفين لا يأبه لتحدى أولئك المتعصبين الذين أعماهم تعصبهم الديني فحاولوا جهد طاقتهم طمس معالم هذه الحضارة العربية أو التقليل من شأنها.

إن أوربا تدين للعرب وللحضارة العربية، وإن الدين الذي في عنق أوربا وسائر القارات الأخرى للعرب كبير جداً، وكان يجب على أوربا أن تعترف بهذا الصنيع منذ زمن بعيد، لكن التعصب الديني واختلاف العقائد أعمى عيوننا وترك عليها غشاوة… اللهم إلا هذه الإشارة العابرة إلى أن دور العرب لا يتعدى دور ساعي البريد الذي نقل إليهم التراث اليوناني.

إنها سبة أن يعلم أهل العلم من الأوربيين أن العرب أصحاب نهضة علمية لم تعرفها الإنسانية من قبل، وأن هذه النهضة فاقت كثيراً ما تركه اليونان أو الرومان ولا يقررون هذا. إن العرب ظلوا ثمانية قرون طوالاً يشعون على العالم علماً وفناً وأدباً وحضارة، كما أخذوا بيد أوربا وأخرجوها من الظلمات إلى النور، ونشروا اللواء المدنية أنى ذهبوا في أقاصي البلاد ودانِيها سواء في آسيا وإفريقيا أو أوربا، ثم تنكر أوربا على العرب الاعتراف بهذا الفضل.

إن المذاهب الإنسانية الحديثة أصبحت غير مذاهب العصور الوسطى، وشعار الأوربي اليوم محاولة فهم عدو الأمس وتحويله إلى صديق، وذلك بالاعتراف له بمكانته العالمية وما أسداه للأوربيين وغيرهم من معرفة وألا يسعى الأوربي جاهداً إلى طمس هذه المكانة وإخفاء معالمها.

إن موقف أوربا من العرب منذ نزول الوحي المحمدي موقف عدائي بعيد كل البعد عن الإنصاف والعدالة، والتاريخ وقتذاك كان يملى ويصنع، والمُملي لم يكن الضمير بل التعصب الأعمى.

إن هذه النظرة الأوربية دليل على ضيق أفق الغربيين وخشيتهم قول الحق والاعتراف للعرب بفضلهم، وبخاصة أنهم غيروا وجه العالم الذي نعيش فيه.

إن هذا الكتاب يتحدث عن «العرب» و«الثقافة العربية» لا عن الإسلام. وذلك لأن تقرأ من غير المسلمين قد ساهموا في هذه الثقافة إلا أن هؤلاء كانوا عرباً، وقد وضعوا كتباً عارضوا فيها المتزمتين من المسلمين، كما أن كثيراً من صفات الحياة العقلية العربية يحمل طابع العصر الجاهلي.

إن هذا الكتاب يهدف أيضاً إلى تقديم شكر كان يجب أن يقدم إلى العرب منذ عصور قديمة، فالألمان يدينون للعرب بالشيء الكثير، وليست اللغة الألمانية بمستثناة. هذا، مع الإشارة إلى أننا لا ننكر آثار الشعوب الأخرى كاليونان والرومان والصينيين والهنود.

إن الأيدي التي نسجت هذا النسيج كثيرة تستحق الشكر.

مُقدِّمة المُترجِم

فمثلاً يحلو للدكتور طه حسين أن يتحدث عن اليهود واليهودية إذا ما عرض للغة العربية وأدبها. ويحلو له الحديث عن اليونان إذا ما تعرض للحضارة العربية الإسلامية، وقد تكررت منه هذه النغمة وذكرها أكثر من مرة ولم يسكت إلا بعد أن تغيرت الأوضاع في العالم العربي.

وقد سجلت له صحيفة الجامعة المصرية في عددها الأول من سنتها الثالثة عام ١٩٢٥ محاضرة هي حلقة من سلسلة محاضراته تحدث فيها عن اليهود وما لهم من أثر فعال لا في الحياة العربية فقط بل في الحياة الأدبية أيضاً، ويستطرد فيقول: «وبعد ذلك كله يمكننا أن نخلص إلى ثلاث نتائج خطيرة من أثر اليهود:

 ثم أي شيء من اللذة ومن الدقة في البحث ما يذكره الباحث، ويقره المشرف، وفي رسالته ص ١٢:

«لم يظهر شيء من النبوغ والعبقرية في يهود بلاد العرب مطلقاً ولم تشتهر من بينهم شخصية واحدة في كل عصورها بالرقى الفكري، وإن كان اليهود بوجه عام أرقى وأقرب إلى المدنية من بقية العرب، هذا ما لا يشك فيه أحد من مؤرخي العرب وعلماء الإفرنج».

والسيد المشرف لا يعرف العبرية وأخذ بالنتائج التي ينسبها الباحث إلى هذه المراجع العبرية دون التحقق منها ودون الاستنارة ببعض الذين يجيدون هذا النوع من الدراسات، والأمانة العلمية كانت تقتضى غير هذا.

ففي مصر بزغ فجر

الضمير ومنها أخذ اليهود ما أخذوا، وفي بابل وآشور شريعة حمورابي وفيها الشيء الكثير من هذا التراث الذي نقله واضعو سفر التثنية، ولما عاد اليهود من السبي نقلوا معهم عن العرب البابليين الشيء الكثير مما نجده في كتابهم المقدس، وعند المعينيين والسبئيين العمارة وهندسة الري والتجارة، وقصة ملكة سبأ والدور الذي تلعبه في تاريخ الإسرائيليين وحياتهم الاقتصادية لا يخفي على أحد.

فالعرب لا اليونان ولا اليهود هم الذين بعثوا العالم من حالة الجمود إلى حياة أفضل مكنته من التحكم في مصائر الكون فأطلق العربي الأفكار من عقالها وحررها من جمود رجال المعبد اليهودي والكنيسة المسيحية فظهرت طائفة القرائين حيث أنكر أولئك التلمود وتعاليمه، كما انكمش سلطان الكنيسة وتوارث وراء البخور. وقد مهد هذا التطور بدوره إلى ظهور حركة الإصلاح الديني وبعث النهضة العلمية.

وما عاون العرب على الاضطلاع بهذه الرسالة تسامحهم ومبادئهم الإنسانية التي أزالت الفوارق بين الشرق والغرب كما أنهم لم يكونوا اللون من أن يكون عاملاً من عوامل التفرقة والتمييز العنصري والحط من القيم الإنسانية.

فالدين الإسلامي الذي ثبت أسس هذه المبادئ يقرر في صراحة ووضوح: «ليس لعربي على أعجمي فضل إلا بالتقوى»، و «إن الله لا ينظر إلى وجوهكم بل إلى أعمالكم». لذلك نجح العربي في تحقيق ما عجز عنه اليوناني والفلسفة اليونانية أعنى مذهب «الإنسانية» Humanism.

إن هذا المذهب لم يقو ولم ينتصر إلا بفضل العرب، ولم تعرفه أوروبا إلا في العصور الوسطى وعلى يد العرب، وبعد أن تتلمذت أوروبا على العرب في العصر الإسلامي حيث بلغ العرب مكانة اجتماعية لم تدانهم فيها الشعوب الأخرى، كما شرع الإسلام لمعتنقيه وغيرهم تشريعات أخرجتهم من الظلمات إلى النور.

فالتاريخ اليهودي يحدثنا أن العرب أحسنوا معاملة اليهود عندما كانوا يهربون من وجه الطغاة من حكامهم في فلسطين أو فزعاً من اضطهاد اليونان والرومان، فقد نزل أولئك اليهود الجزيرة العربية فوجدوا أهلاً وسهلاً،

أخذ اليهود عن جيرانهم العرب فن الكلام والنطق الصحيح وفصاحة التعبير، فلما رحل بنو قينقاع والنضير وقريظة ويهود خيبر ووادي القرى وغيرهم إلى العراق والشام وفلسطين كانوا يتكلمون لغة عربية ويتأدبون بآداب عربي ويتطبعون بطباع عربية كلها شجاعة ووفاء وكرم وإباء،

وتأثر اليهود بالعرب أيضاً فأوجدوا ما يعرف في الأدب العبري بالشعر العبري الحديث أو (البيوتيم) فهذا الفن صورة من الشعر العربي وزنًا وقافية.

كما ترجم العالم اليهودي الحريزي مقامات الحريري إلى العبرية وقلدها فأدخل فنًا جديدًا في الأدب العبري لم يكن معروفا من قبل.

ويحدثنا التاريخ اليهودي إن الإسلام أحسن معاملة اليهود حتى أولئك الذين اضطر النبي والخلفاء الراشدون إلى إجلائهم عن قلب الجزيرة العربية تأميناً لرسالة الإسلام وأتباعه، أقطعهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب والإمام على كرم الله وجهه الأراضي الواسعة بالقرب من الكوفة وعلى ضفاف الفرات مما دفع المؤرخ اليهودي الشهير «جريتز» إلى الإشادة بعدالة العرب وإنسانيتهم في كتابه «تاريخ اليهود» فقال:

«إن تاريخ اليهود في بلاد العرب في القرن السابق للنبوة المحمدية وإبان حياة الرسول صفحة ناصعة في التاريخ اليهودي».

وذكر في موضع آخر:

«لقد وزع عمر أراضي اليهود على المسلمين المحاربين، وعوض اليهود المطرودين – وهذه هي العدالة – أخرى بالقرب من الكوفة على الفرات حوالى ٦٤٠ م. حقاً رب ضارة نافعة. إن سيادة الإسلام نهضت باليهودية من كبوتها».

لذلك سرعان ما وجدنا المرأة اليهودية مثلاً تفضل الالتجاء إلى المحاكم الشرعية الإسلامية للفصل في قضايا الأحوال الشخصية. وقد هدد هذا الوضع الجديد المجتمع اليهودي بالزوال فقرر علماء التلمود تغيير بعض أحكامه مجاراة للشريعة الإسلامية، لكن تغيير بعض الأحكام التلمودية لم يقف عند هذا بل زعزع العقيدة في قديسته وصحة ما جاء فيه، وبخاصة تلك الأحكام التي لا تستند على نص قوى في الكتاب المقدس.

السيدة المؤرخة الدكتورة سجيريد هونكه كريمة تاجر كتب مشهور، وقد ولدت في ‹كيل›، ودرست في جامعات ‹كيل› و ‹فريبورج› و ‹برلين› الفلسفة ونفسية الشعوب والتاريخ، وبعد دراسة دامت ست سنوات حصلت على إجازة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة برلين، وقد عالجت في رسالتها الأثر العربي في الشعر الغنائي الأوربي،

الكتاب الأول: البهار اليومي

أسماء عربية لمنح عربية

إنك تشعر الآن أنك في المنزل فكل ما يحيط بك وكل الذي أقدمه لك أصبح منذ زمن بعيد من مقومات حياتنا ولو أننا استعرناه من عالم أجنبي، من العرب.

أو لا تعلم أنك مضطر إلى استخدام تعبير عربي إذا ما رغبت في لعبة الشاه (الشطرنج)! لقد أهدى العرب هذه اللعبة إلى أوروبا أيام شارلمان الأكبر وعلى يد رسل هارون الرشيد، وكلمة. شاه. أي (ملك) ولفظ. مات. في التعبير المستخدم في هذه اللعبة (شاه مات) تعبير عربي.

وهل تعلم أنك إذا قصدت هناك صيدلية وهنا حانوت ترياق إنما تطلب اختراعات عربية؟

مفردات عربية منتشرة في كل ناحية من نواحي اللغات الأوربية فهي أسماء كثير من عناصر الحضارة والمدنية التي يستعملها الأوربيون في حياتهم اليومية، وقد جاءتهم عن العرب، وقد جملت هذه الأشياء الدخيلة، الحياة الأوربية اليومية، كما أضفت عليها جميع مظاهر البهجة والأبهة والحياة الرفيعة الراقية التي يحياها العالم المتمدين اليوم. وإذا كان العالم الحديث يتمتع بقسط وافر من النظافة والقواعد الصحية فالفضل في ذلك يرجع إلى العرب وما أعاروه لأوروبا.

أوروبا تقاسي الحرمان لموقعها السلبي من التجارة العالمية

ومما أدهشه أيضاً أنه عثر هناك على توابل لا توجد إلا في الشرق الأقصى بينما تقع «ميتز» في أقصى الغرب، ومن هذه التوابل الفلفل والجنزبيل والقرنفل والنردين والبلسم والخلنجان.

هذا قليل من كثير من التوابل الشرقية التي فرضت نفسها على أوربا فرضاً،

وحتى المراهم والكثرة الملطفة من التوابل والعقاقير والنباتات الطبية والبخور التي كانت تملأ مخزن الدير حملها التجار من الشرق الأقصى وقطعوا آلاف الأميال حتى جاءوا بها إلى أقصى الغرب، إن هذه البضائع كانت ضرورية للاستعمال اليومي فهي ضرورية للطعام ضرورية للشراب ضرورية للعلاج، وللكنائس أيضاً وحتى رهبان الأديرة، فقد رق ذوقهم وطاب مذاقهم وصفت نفوسهم حتى أصبح من العسير عليهم الحياة بدونها.

ولعل أهم عامل من عوامل تقويض أوربا ظهور النبي العربي، والروح الجديدة التي بعثها الإسلام في العرب، فلم تمض أعوام قلائل إلا وكانت القبائل العربية تتدافع في موجات متلاحقة غامرة شواطئ البحر الأبيض المتوسط، ولا تقف عندها بل تواصل زحفها حتى تبلغ شواطئ المحيط الأطلسي. وهكذا نجد العرب ينتزعون شرق وجنوب وغرب العالم القديم من هذه الحالة الجامدة الراكدة ويهيئون السكان لحياة أفضل بعد أن ظلوا قرابة ألف عام يتيهون في بوادي الجهالة والجمود. فانتصار الإسلام قسم العالم إلى شرق وغرب. شرق وثاب وغرب قابع، شرق حر طليق وغرب مكبل بالأغلال، أسدل على نفسه ستارا كثيفاً واكتفي بحياة النسك والزهد والعزلة. أما الدولة العربية الجديدة فقد ثبتت أقدامها في الأقاليم المفتوحة. وللمرة الأولى في تاريخ العرب يظهرون على مسرح التاريخ كشرق يغلب الغرب على أمره فيخفي ويتوارى منطوياً على نفسه.

ومما زاد الطين بلة على أوربا وأسدل عليها الحجب الكثيفة التي حالت دونها ودون رؤية النور المنبثق من الشرق هذه الأوامر التي كانت تصدرها روما والقسطنطينية محذرة المسيحيين الأوربيين من زيارة مصر وسوريا. ولكن من حسن اللحظ أن نقرأ أن الحجاج الأوربيين لم تنهم هذه التحذيرات وقصدوا الشرق العربي المسلم وحجوا إلى الأماكن المسيحية المقدسة فلم يتعرضوا لخطر ما، فقد حدث في ذلك العصر أن الخليفة هارون الرشيد الذي كان يقدر شارلمان ويجله أرسل إليه عن طريق بطريرك القدس الذي كان يباشر وظيفته ويقوم بطقوسه الدينية دون تدخل من الحاكم وفي حرية كاملة مفتاح المدينة المقدسة ومنحه حق السيادة عليها، وقد وقع هذا في الوقت الذي كان فيه غير المؤمنين يواصلون تخريب وتدنيس المدينة المقدسة إثارة للخوف وإدخالا للفزع في نفوس أبناء ملتهم من الحجاج والسياح. وبينما نجد هذه القيود تفرض على المسيحيين الأوربيين إذ بنا في الشرق العربي نجد سياسة أخرى حكيمة رشيدة، فلا تحديد إقامة ولا عقبات وحواجز تحول دون السعي في مناكب الأرض وتبادل المنافع. فالتاجر العربي كان ينتقل حراً طليقاً في أرجاء الشرق قاصيها ودانيها فهو يتاجر مع الهند والصين وسائر الأقاليم وليس في حاجة لأن يصدر إلى أوربا التي ضربت على أهلها الذلة والتقشف، فسادت الفرقة بين الغرب الأوربي والشرق العربي بخيراته وأضوائه وأصبحت شواطئ البحر الأبيض المتوسط المسيحية مزاراً لا للتجارة بل للقراصنة ومهربي البضائع.

وذلك لأن اليهودي فقط هو الذي كان همزة الوصل بين الشرق المسلم والغرب المسيحي،

لذلك لا عجب إذا رأينا أنوار الحضارة الشرقية تضيء البلاد الشمالية وسائر الجزر المنتشرة في البحر الشرقي كما تتبين هذا من آلاف آلاف القطع من النقود العربية التي ترجع إلى الفترة الممتدة من القرن التاسع إلى الحادي عشر الميلاديين، وإن دلت هذه النقود على شيء آخر عدا نقل الثقافة العربية إلى تلك الأصقاع النائية فهذا الشيء هو تحرر التجارة العربية من التعصب الديني،

وقد نجحت هذه الشعوب الشمالية في إقامة دول على طول الطريق التجاري الذي كانوا يقطعونه ذهاباً وجيئة ومن بين هذه الدول التي أسسوها تلك التي أقاموها في البلاد المعروفة باسم روسيا فهذه الدولة ما زالت محتفظة حتى الأيام الأخيرة باسم مؤسسيها وهم «هروس» أو «روس» وهو اسم الوطن الأصلي في بلاد السويد.

لبندقية تُحطِّم الحصار

هذه المدينة القابعة على جزر ريالتو والتي نعرفها تحت اسم البندقية، كانت تعيش في حماية قديس سرقته من مصر وهو القديس مرقس الذي أعيد جثمانه أخيراً إلى القاهرة. وقد فرضت عليها جغرافيتها أن تعيش على التجارة، والتجارة البحرية بصفة خاصة، فبدأت بالملح والسمك، ومن ثم أخذت تتطور حتى علا شأنها واتسع أفقها وخرجت من محيطها الضيق واتصلت بالشرق العربي وشعوبه فلم يمض زمن طويل حتى أثرت من وراء صلاتها التجارية مع العرب ثراء عظيماً حسدها عليه الغرب شعوباً وحكومات.

فالبندقية كانت القنطرة بين الشرق والغرب وكانت تنعم بخيرات الشرق وكنوزه وحاصلاته التي حرمت منها أوربا زمناً طويلاً بسبب تعصبها الديني وأوامر الكنيسة التي تحذر من الاتجار مع المسلمين.

وبعد أن تحققت للبندقية أمنيتها ونجت من مخالب أعدائها وتحررت من بيزنطة أخذت تفكر جادة في الاستعمار تأميناً لأسطولها التجاري وأسواقها الخارجية وتحدت الكنيسة وتاجرت مع المسلمين ووثقت علاقاتها التجارية مع العرب. ولم تكن البندقية هي الوحيدة في إيطاليا التي وقفت من العرب هذا الموقف الودى، ولم تتردد في مساعدة العرب عند غزوهم صقلية، ألم تعقد «بيزا» مع المسلمين معاهدات واتفاقيات ضد جنوه؟ كما وقفت نابولي إلى جانب المسلمين ضد منافستها «أمالفي» وانضمت سفن «أمالفي» إلى الأسطول العربي عند مهاجمته الشواطئ الرومانية بالرغم من تهديد الكنيسة لسكان «أمالفي» بالحرمان وإعلان البابا هذا التهديد. ولعل السر الذي دفع هذه المدن الإيطالية إلى محالفة المسلمين ومعاونتهم متحدين موقفهم هذا البابا وكنيسته، الرغبة الصادقة في المحافظة على حرية التجارة وسلامتها ولا صلة في الواقع بين التجارة والعقيدة ثم ما شأن البندقية هذه الدولة البحرية الناشئة وذلك الكهل القابع على ضفاف البوسفور؟!

ثم هل كان من السهل على أهالي البندقية الرضوخ لقرار القيصر «يوحنا تزيميسكيس» القاضي بتشكيل لجنة تتخذ من جزيرة «ريالتو» مقراً لها لتفتيش سائر السفن باحثة عن الأسلحة والخشب؟ لا شك في أن القيصر كان في حالة يرثى لها عندما قرر الانتقام من أهالى البندقية وذلك لكثرة الهجمات العنيفة التي شنها عليها الخلفاء الفاطميون، وعاونهم سكان البندقية بالأسلحة والخشب اللازم لبناء السفن الحربية، وغالى القيصر في تهديداته فقرر حرق جميع السفن التي تضبط عليها مواد محرمة بمن فيها فغضب أهالي البندقية لمثل هذا القرار ورغبوا عنه وعن تنفيذ رغبات القيصر؛ لأن الرضوخ لمثل هذا القرار معناه الرجوع بالحياة الرغدة السعيدة إلى الوراء؛

والشيء الجدير بالذكر أن هذه التجارة العربية ظلت زمنًا طويلًا محصورة في البلاد الواقعة جنوب جبال الألب ولم تستطع عبورها إلا بعد أن وقعت أحداث تاريخية هامة كانت بعيدة الأثر في الحياة الاقتصادية الشرقية الغربية، ومن هذه الأحداث أن بيزنطة استطاعت عام ٩٦١م الاستيلاء على جزيرة كريت من العرب فأصبح الطريق إلى الشرق العربي مفتوحًا وعجزت القوة القيصرية أو البابوية عن الحيلولة دون قيام علاقات تجارية مع العرب في الشرق والاستفادة من تجارة العرب العالمية وثرائهم المتدفق.

أما الشتاء فكان التجار يقضونه في الشرق متنقلين بين فلسطين وسوريا وبغداد والخليج الفارسي أو يذهبون مباشرة إلى القاهرة والإسكندرية حيث توجد التوابل الجيدة التي ترد عن طريق البحر من الهند ومدغشقر وتدر على التجار الأرباح الطائلة لرخص النقل وقلة التكلفة، وهذا ما دفع الصليبيين فيما بعد إلى غزو فلسطين في مصر.

أما التجار الذين كانوا غير مقيدين بالعودة على ظهر السفينة التي أقلتهم إلى الشرق فكانوا ينتهزون فرصة وجودهم في البلاد العربية ذات الحضارة العالية والثقافة الرفيعة،

فالتجارة بين الشرق والغرب أعادت الصلات بين العالمين سيرتها الأولى،

كما أخذ اليهود في الاختفاء تدريجيًّا كتجار جملة واكتفوا بتجارة التجزئة مهتمين بالتوزيع والصيرفة والربا والخيول والمواشي والبضائع والملابس المستهلكة أو المستعملة،

وقد بلغ عدد التجار الألمان من الكثرة بحيث إن حكومة البندقية أعدت لأولئك التجار القادمين عبر جبال الألب مكاناً خاصّاً للتجار والإقامة أسوة بما فعله من قبل السلطان المصري للتجار المسيحيين في الإسكندرية حيث أوجد لهم الفنادق الخاصة. وقد أخذت البندقية عن العرب والعربية هذا اللفظ وأطلقته على الأبنية المشابهة

واستطاعت البندقية عن طريق جزرها الكثيرة المنتشرة في البحر الأدرياتيكي احتكار التبادل التجاري بين الشرق والغرب وكان الأجانب مطالبين باحترام هذه القوانين وتنفيذها، وهذا سر قوة البندقية.

والآن يبدو لنا أن خيرات العرب كانت أساس الإثراء والرخاء لا في الشرق فقط بل في الغرب أيضاً، كما أن هذه التجارة العربية هي القوة الاقتصادية ذات الأثر الفعال في أوربا وأن رفع المستوى الاجتماعي في الغرب إنما مرجعه القفف العربية الملأى بالفلفل، لذلك كان حرمان الأسواق الأوربية من هذه القفف سبباً رئيسياً في القضاء على التجارة الداخلية أولاً، وإفلاس التجار ثانياً، وصهر الذهب المتداول ثالثاً. ففي اللحظة التي قطعت فيها الصلات بين الشرق والغرب تحولت أوربا إلى بلاد زراعية فرجعت القهقري وانحط مستواها الاجتماعي، وحرم الأوربيون من فلفل الشرق وجوز طيبه وسكره، واضطروا إلى أكل الكرنب دون بهار

أما وقد عادت المياه إلى مجاريها وأخذت تجارة الشرق تتدفق على أوربا فإن صورة الحياة التجارية سرعان ما تغيرت وفتحت الحوانيت أبوابها وامتلأت بأقمشة الشرق وبهاراته وسائر خيراته وحاصلاته، كما حرص التجار على إجابة مطالب الطبقة الراقية فأحضروا كثيراً من كماليات الشرق ومقومات الأناقة والذوق الرفيع، وترتب على هذا التطور أن خطت المدن الأوربية بخطوات واسعة نحو حياة أفضل، وظهرت في أوربا ثورة اجتماعية بيضاء.

وتدين البندقية في تطورها ورقيها وثرائها إلى الاتجار مع العرب، فلولا القرفة والكمون ومختلف أنواع الصباغات بما فيها النيلة، وكذلك التوابل والبهارات، ما استطاعت البندقية أن تترعم النهضة الاقتصادية الأوربية التي ساعدت على ازدهار الغرب وتقدمه. ولم يكن مجهود البندقية مقصوراً على الاتجار فقط بل ساهمت حتى في نقل القوات الصليبية إلى الشرق فبدت في رأى الغرب وكأنها تساهم في تحرير الأراضي المقدسة.

ثم ولت أيام المستنصر وعهده الذي اتصف بالتسامح وكرم الأخلاق وحسن معاملة المسيحيين، وابتلى الله الشرق العربي بقبيلة تركية اتصفت بالقسوة والجفوة والتعصب الشعوبي، وهذه القبيلة هي التي تعرف في تاريخنا الإسلامي باسم الأتراك السلاجقة، ونجحوا في الاستيلاء على القدس وهددوا بيزنطة بالغزو فكانت هذه الأحداث إنذاراً بهجوم أوربا المسيحية على الشرق الإسلامي وسرعان ما ساءت العلاقات بين المسلمين والمسيحيين بعد أن عاش المسلمون والمسيحيون متآخين متحا بين في فلسطين حتى أيام المجنون الحاكم بأمر الله.

وانتصرت البندقية عام ١٢٠٣ على بيزنطة انتصارًا فاصلاً، إذ توجهت حملة صليبية تحت قيادة البندقية فنكلت ببيزنطة تنكيلاً لم يصبها على يد المسلمين من قبل، فقد وصف كاتب مسيحي هذه الحملة الصليبية والجرائم التي اقترفتها في بيزنطة المسيحية وصفًا لا عهد للإنسانية به من قبل، فقد سلب أفرادها ونهبوا كل ما وصلت إليه أيديهم، فقد سرقوا الكنوز القديمة ودنسوا المقدسات فحطموها وخربوها وأحرقوا الكتب ومزقوها فكان انتصار هذه الحملة على بيزنطة انتصارًا للبندقية وغيرها من الجمهوريات الإيطالية لتهديدات بيزنطة المتواصلة لها،

فقد استفدت الدول المسيحية كل قواها دون تحقيق أهدافها: فالصليبيون كما يذكر الفرنسيسكاني الأسباني «رامون ليل» لم يحققوا طيلة القرون التي قضوها في الحروب شيئًا، فلم يصلوا إلى قبر المسيح، ولم يقضوا على الوثنية (الإسلام)!! أو يُحَوِّلُوا الوَثَنِيِّينَ (المُسلِمِينَ) إلى مَسيحِيِّينَ ولَم يُفلِحُوا في الاستيلاءِ على الأَراضِي المُقَدَّسَةِ.

أَمَّا البندقيةُ الحكيمةُ فَقَد خَرَجَتْ مِن جَمِيعِ هَذِهِ المَشَاكِلِ سَلِيمَةً قَوِيَّةً، وبِفَضلِ اتِّجَارِهَا مَعَ العَرَبِ ازْدَادَتْ ثَراءً وقُوَّةً حَتَّى إِنَّ خَبَراً رَاجَ فِي أُورُبَا فَحوَاهُ أَنَّ أَهلَ البُندُقِيَةِ لَم يُحزَنُوا لِهَذِهِ النِّهَايَةِ السَّيِّئَةِ للصَّلِيبِيِّينَ فَقَد كانَ الأهَالِي عَلَى استِعدَادٍ لِاعتِنَاقِ الإِسلامِ لَو اقتَضَى الأَمرُ هَذَا، فَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن هَزِيمَةِ المَلِكِ القِدِّيسِ لويس ملكِ فَرَنَسَا عِيداً للمَسخَرَةِ.

في مدرسة العرب

وكان الشرق يدخر بالآيات الباهرة ثقافياً وصناعياً وكان كل ما فيه يوحى لدعاة الإصلاح بإدخال الشيء الكثير إلى أوروبا رغبة في الأخذ بيدها وتقدمها. ففي القرن الثاني عشر مثلاً عاد نفر من الحجاج المسيحيين من زيارة قاموا بها لقبر الرسول «يعقوب» في «سنتياجو ده كومبستيلا» في أقصى شمال غربي أسبانيا. عاد هؤلاء الحجاج ومعهم أول ورقة إلى أوروبا جاءوا بها من الأندلس العربية،

وحدث في ذلك الوقت أن غزت أوروبا توابل ممتازة وروائح عطرية قوية وثياب أنيقة من القطيفة والحرير، وسرعان ما غمرت هذه البضائع أسواق الغرب وقلوب الغربيين؛ لأن مثلها قوى الرغبة في حياة الأبهة والترف ودفعها إلى الأمام بخطوات واسعة سبقت الإقبال على العلم والحرص على تحصيله. ولعل السر في هذا الانصراف عن الاهتمام بالعلم ندرة وسائل الكتابة منذ وقف الاتجار من قبل مع العرب. ففي عصر الماروفيجين كان الكتبة في المحال التجارية والخبراء والأديرة يستخدمون ورق البردى. ففي مرسيليا كانت تفرغ السفن بدون انقطاع شحناتها من ورق البردى المصري، إلا أن تحريم الاتجار مع الشرق استنفد جميع هذه الكميات فاضطر الناس إلى الاقتصاد في استخدام ما تحت أيديهم، وكثيراً ما كانوا يمحون ما على الورق القديم لإعادة استخدامه ثانية. واستتبع اختفاء الورق ندرة الكتاب الذين يجيدون الخط وظل الحال كذلك عدة قرون حتى أحضر بعض الحجاج من أسبانيا هذا النوع الجديد من ورق الكتابة والذي كان يستخدمه العرب في جميع مراسلاتهم التجارية وغيرها. وما كاد القوم في أوروبا يرون هذا الورق حتى تهافتوا على استيراده فسافرت وفود تجارية من «نورنبرج» و «رافينزبرج» و«بازل» و «كونستنس» إلى برشلونة ومنها إلى بلنسية حيث تقوم في ضواحيها أكبر وأحسن مصانع للورق، وقد قال فيه الرحالة العربي الجغرافي الشهير بالإدريسي: إنه لا يوجد في العالم ورق يضارعه جودة.

وحدث أن أنزل العرب عام ٧٥١م عدداً كبيراً من أسرى الحرب الصينيين في مدينة سمرقند وخيروا الأسير بين العتق والرق وجعلوا ثمن العتق مباشرة حرفة من الحرف فاتضح أن عدداً كبيراً من أولئك الأسرى الصينيين يجيد صناعة الورق فأعتقهم المسلمون وشيدوا لهم المصانع الضرورية فنشروا صناعة الورق في العالم الإسلامي، ومع مضي الزمن تقدمت هذه الصناعة باستخدام الكتان والقطن في صناعة الورق الأبيض الناعم الجميل الذي وجد أسواقاً رائجة في مختلف أنحاء العالم الإسلامي وبخاصة في عاصمة الدولة العباسية بغداد، ومن ثم اقتبست أوربا هذه الصناعة، كما اقتبست غيرها من العرب. فالورق صفحة من صفحات الفخار للعروبة والعربية.

وأدرك الخليفة المنصور (٧٥٤ـ ٧٧٥م) أهمية هذه الورق وكثرة الحاجة إليه في مختلف الدواوين والمعاهد العلمية، وتهافت عليه العلماء والنساخ والتجار وغيرهم ما اضطر الخليفة إلى التوسع في صناعته خدمة للاقتصاد واستغناء عن البردى المصري،

وهكذا نجد المصانع في دمشق وطرابلس الشام وفلسطين ومصر وتونس ومراكش وإسبانيا. وعن صقلية وإسبانيا أخذت أوربا صناعة الورق الذي هو أهم ركن من أركان الثقافة الإنسانية. فالورق يختم عصراً من عصور تاريخ الحضارة كما أن انتشاره قضى على عصر احتكار العلم والمعرفة وبعد أن كانت الحكمة ملكاً لطائفة بعينها أصبحت اليوم للجميع وهي ترحب بكل من يخطبها. الورق هو العمود الفقري للمعرفة الإنسانية وهو من أهم الوسائل لنشرها في مختلف الطبقات والأصقاع بالرغم من أننا نعيش في عصر الراديو والكهرباء. واستتبع ظهور الورق اختراع الطباعة لا في أوربا فقط بل حتى عند الصينيين والعرب.

وفي أوربا فكرة سائدة تقول: إن مخترع البوصلة هو «فلافيو جيويا» وهو أحد أبناء «أمالفي». والواقع أن فلافيو هذا ليس هو مخترعها وليس هو أول من جاء أوربا بها فأصحاب الفضل في إيجادها هم العرب. وحقيقة اتجاه إبرة البوصلة المغنطيسية إلى الشمال قد عرفها الصينيون في أواخر القرن الأول قبل الميلاد، ويقرر الصينيون فيما جاءنا من وثائق أن استخدامهم للبوصلة في الملاحة أخذوه عن أجانب، وكان ذلك في القرن الحادي عشر الميلادي وهو العصر الذهبي للأسطول العربي التجاري وأسفاره، وبخاصة في المحيط الهندي ودولة الصين فيتبادر إلى أذهاننا أن هؤلاء الأجانب الذين أخذ الصينيون عنهم استخدام البوصلة في الملاحة كانوا العرب ولا سيما أن بعض المصادر العربية التي ترجع إلى تلك العصور تؤكد استخدام العرب للبوصلة في هذا الغرض.

لكن الأوربيين يحرصون على نسبة اختراع البوصلة إلى هذا الإيطالي، ولما أعجزهم الدليل وثبت للعيان أنه جاء بالبوصلة من العرب قال ذلك النفر المتعصب من الأوربيين إن «فلافيو» هذا أدخل على هذه البوصلة بعض التعديلات، وبعد ذلك قدمها لأوروبا لاستخدامها في الملاحة ولا يستغنى عنها في البحار العالية والشواطئ الجديدة.

واليوم نقف حيارى لا نحير جواباً أمام هذه الصواريخ التي تنطلق في الفضاء وتجوب أرجاء الكون وتعود من حيث بدأت، فهل فكر أحد وقد أخذنا بهول وعظمة ما نشاهد فيمن يجب أن نقدم له الشكر لهذا الاختراع؟

وهل هذا السلاح العجيب الذي استُخدم هو بعينه الذي استخدمه القائد المصري فخر الدين، صديق فريدريش الثاني، عند ضرب جيش الإفرنج ومُلكهم لويس المقدس عام ١٢٤٩ حيث دارت رحى المعركة الصليبية للحملة الخامسة، واستخدم فيها القائد المصري فخر الدين نيراناً عربية جديدة؟ وقد آثار هذا السلاح الجديد الخوف والفزع في صفوف الصليبيين حتى إن المؤرخين الأوربيين يذكرون أن كل مرة كان يُطلق فيها الصاروخ المصري يشعر ملك فرنسا بخيبة عظيمة ويصرخ يا حبيبي يا سيد يا يسوع المسيح نجني واحمني ورجالي! ورب ضارة نافعة فقد تكتلت أوربا ضد العرب المسلمين وشن المسيحيون حرباً لا هوادة فيها؛ مما اضطر سلاطين الإسلام إلى تجنيد العلماء العرب في القرن الثاني عشر الميلادي وبخاصة أولئك الذين يهتمون بالدراسات الكيماوية وأرسلوهم إلى مصانع المفرقعات حيث نجحوا في إيجاد مادة مفرقعة كاوية حارقة. وفي النصف الثاني من القرن الثالث عشر استكملوا خلق مادة مفرقعة دافعة للصواريخ واستخدموها في حروب المسلمين ضد الصليبيين. ففي كتاب الحرب لحسن الرماح وبعض المؤلفات الأخرى الخاصة بالحروب في ذلك العصر نجد ذكر كثير من المواد المفرقعة والأسلحة النارية وهي: بيض يندفع تلقائيًا ويحرق، وهي تطير نافثة اللهب، وهي تُحدث صوتًا مثل الرعد… وهكذا، فالعرب هم أول من صنع لغمًا تقذفه الصواريخ.

ثم حدث أن انتقلت النظرية إلى التجارب العملية التي هزت كيان العالم؛ فالعرب في الأندلس هم أول من استخدمه في أوربا. فالعرب الأندلسيون هم صانعو القنابل من البارود في أوربا وقد استخدموها فعلاً في كثير من حروبهم. فالتاريخ يحدثنا أن المدفعية العربية قذفت بقنابلها في الأعوام ١٣٢٥ و ١٣٣١ و ١٣٤٢م مدنًا مثل: «بازا» و«أليكتنا» و «الجيكيراس» فأحدثت هذه القنابل ذعرًا شديدًا في صفوف الأعداء حتى إنهم اعتقدوا أن الساعة قد اقتربت وأذنت الدنيا بزوال. وفي عام ١٣٤٦ دارت معركة طاحنة هي المعروفة باسم «كريسي» فأصلت فوهة المدفعية العربية، التي أطلق عليها الأوربيون وقتذاك فوهة الشيطان، العدو نيرانًا حامية واستولى الرعب على الإنجليز الذين كانوا في «الجزيرة» كما نكل العرب بالفرسان الفرنسيين تنكيلاً عظيمًا وأحرزوا عليهم نصرًا مبينًا. والنتيجة المحتومة لهذا السلاح الجديد أنه نقل فنون الحرب من مرحلة إلى أخرى إذ كان هو نقطة التحول في الذخيرة والعتاد، وما زال منذ الحرب العالمية الثانية يطلع علينا بالعجائب.

ومن مخلفات العرب أيضاً الحمام الزاجل فهو: أسرع من البرق وأنجز من سحابة؛ فقد كان يستخدمه العرب في خدمة البريد ونقله وبخاصة الأخبار السرية، ومن ثم اقتبس الصليبيون هذا النظام وأدخلوه أوربا، وما زال الخطاب في منقار الحمامة إلى يومنا هذا رمزاً للحب. … ومن آثار الشرق على الغرب أيضاً الحدائق والعناية بها فالحدائق الأوربية تدين لا للعرب فقط بل للشرق قاصيه ودانيه أيضاً، وذلك منذ عدة قرون فقد أخذ الأوربيون النباتات المفيدة للطعام … وأخذت أوربا أيضاً نباتات الزينة وأزهارها … وعلاوة على هذه النباتات وتلك الزهور أخذت أوربا عن العرب طرق الري حيث كان العرب ماهرين في هذا الفن منذ أقدم العصور. وخلف العرب وراءهم أيضاً أثراً حتى في الكنائس مثل استخدام السبح في الصلوات، فقد جاءت السبحة من الهند واقتبستها الإسلام، ومن ثم أهداها إلى الكنيسة الرومانية

ولا أدل على تغلغل الأثر العربي في أوربا من النظر إلى الملابس التي يرتديها الأوربيون حتى يومنا هذا سواء كانت هذه الملابس شعبية قديمة متوارثة عن العصور الوسطى أو حديثة تشكلها الحضارة وتوحى بها الأذواق.

وفضل العرب على المرأة وزينتها وأناقتها يتجلى لنا أيضاً في غير ملابسها، يتجلى في المساحيق والعطور، فشهره الشرق في البخور والعطور وإعدادها قديمة جداً. ولم تقف وسائل الزينة والتبرج على النساء بل تعدتها إلى الرجال، فالرجل المسلم قد اقتدى برسول الله ﷺ ويتزين بإطلاق اللحية، ثم اتصلت أوربا بالمسلمين في الحروب الصليبية فاقتبسها الرجال وأصبحت حتى اليوم من العادات المستحبة عند الغربيين.

وهناك عادة هامة بالنسبة للعربي احتفظ بها الأوربي ألا وهي عادة الاستحمام وخلع الملابس.

ولما زار الطرطوشي بلاد الفرنج لاحظ شيئاً آخر، فكان وهو المسلم الذي يتوضأ قبل كل فرض من فروض الصلاة الخمسة يستنكر حال القذارة التي يحياها الشعب؛ لذلك صور هذه الحالة التي شاهدها بقوله إنه لم يشاهد في حياته أقذر منهم لا يغتسلون إلا مرة أو مرتين كل عام وبالمـاء البارد. أما ملابسهم فلا يغسلونها بعد أن لبسوها لكيلا تتمزق.

ثم اندلعت نيران الحروب الصليبية وأقبل الصليبيون على الشرق فشاهدوا الحمامات في كل مكان، فنحن نعلم مثلا أن بغداد وحدها كان فيها في القرن العاشر الميلادي آلاف الحمامات الساخنة والحمامون والمدلكون والحلاقون للرجال والنساء للعناية بالجسد لا أسبوعياً فقط بل يومياً أيضاً، وقد لمس الصليبيون هذه الحياة العربية وأدركوا أثر الحمامات بما فيها من وسائل الراحة والنظافة والزينة فهاموا بها كما هام أولئك الغربيون الذين شاهدوها في إسبانيا وصقلية فألحوا جميعهم في إدخالها إلى أوربا بالرغم من المعارضات الشديدة وصرخات الاستنكار التي دوت في كل مكان.

وهكذا أخذت قلاع الدفاع التي شيدتها أوربا المسيحية في وجه العرب والإسلام والحضارة العربية تستسلم الواحدة بعد الأخرى، وذلك بفضل القنطرة التجارية التي أقامتـها الجمهوريات الإيطالية مع العرب وبفضل التجار والمسافرين والصليبيين، واندفع تيار الحضارة العربية يكتسح ما أمامه من عوائق فأفاقت أوربا من نعاسها وأدركت أثر الجهالة التي تغط فيها ونهضت بفضل العرب والعروبة والحضارة العربية.

الكتاب الثاني: الكتابة العالمية للأعداد

ميراث هندي

وهنا يتفق الألماني مع العربي الذي يكتب من اليمين إلى اليسار ويلتزم اليمينية مع الأعداد من (۱ – ۹۹) وعن العرب أخذت سائر الشعوب المثقفة لا الألمان فقط هذه الأعداد

واستخدام الأعداد العربية ليس مقصوراً على الألمان فقط بل نجدها عند جميع الشعوب المثقفة ولولاها ما استطاع العالم إصدار التذاكر أو تدوين أثمان الأشياء ولا طبع دليل تليفون أو تقرير سوق الأوراق المالية، ولولا هذه الأعداد العربية ما قام هذا البناء الشامخ الخاص بالرياضيات والطبيعيات والفلك أو الطائرات أو السفن عابرات المحيطات كذلك الطبيعة النووية وغيرها. وتقديراً لفضل العرب على الإنسانية خلد العالم اسمهم بتسمية هذه الأعداد: الأعداد العربية.

إلا أن العرب ما زالوا يعترفون إلى اليوم بأن هذه الأعداد هندية الأصل، فهي تعرف عندهم باسم الأعداد الهندية.

والواقع أن اليونان قد أخذوا الأبجدية وترتيبها واستخدام حروفها للدلالة على الأعداد عن الساميين.

وفي نصف الكرة الغربي كان الهنود هم الشعب الوحيد الذي ارتقى عن مستوى استخدام الطرق البدائية الحسابية العددية فلا تصنيف ولا ربط بين أجزاء متفرقة فقد قسموا كل وحدة من وحدات الآحاد التسع كما تفعل ذلك اللغة أيضاً، وأوجدوا لكل جزء من العدد الإشارة الخاصة الدالة عليه، وبذلك يكون الهنود قد توصلوا إلى اختراع من أهم الاختراعات التي توصلت إليها الإنسانية. فهذه الآحاد الثابتة غير المتغيرة اكتسبت داخل حدود العدد قيمتها كآحاد وعشرات ومئات وآلاف وهلمَّ جراً؛ لذلك أصبح ميسراً للهنود كتابة أي عدد مهما عظمت قيمته.

وتحدثنا المصادر التي بأيدينا أن هذه الأعداد الهندية قد شقت طريقها خارج حدود وطنها، ففي عام ٦٦٢م نجد الراهب السرياني «سيفيروس سيفوخت» الذي كان رئيساً لأحد الأديرة وناظراً على مدرسة عالية على الفرات يذكر في صدد الحديث عن الأعداد الهندية: أن أهم شيء في الحساب الهندي والذي يميزه على ما عداه في العالم الإشارات التسع: وهذا هو أول مدح قيل في الهند؛

ولكن عند كتابة العدد (أربعمائة وثمانية) يجب أن توجد إشارة تبين خانة العشرات حتى لا يختلط العدد بالعدد (٤٨). وهنا أظهر الهنود، لسد هذه الخانة أو الإشارة إليها، عبقرية جبّارة أثبتت كمال الأعداد الهندية. لقد أوجد الهندي ما يسمى بالدارة أو النقطة والتي تعرف في الهندية باسم «سونيا» أو «سونيا بندا»، أي الفراغ، كما عبروا عن هذه الإشارة في الهندية أيضاً بكلمة «كها» ومعناها الثقب.

وأول مرة شوهدت هذه الدارة في الكتابات الهندية كان عام ٤٠٠م، وقد ذكر الفلكي الهندي الشهير «براهما جوبتا» والذي ولد عام ٥٩٨م في رسالته المشهورة «سدهنتا» والتي وضعها وهو ابن ثلاثين عاماً، وقد عالج فيها النظام الفلكي فتحدث فيما تحدث عنه عن بعض قواعد الحساب والإشارات الخاصة بالأعداد التسعة، ثم ذكر الصفر كعدد خاص.

ثم نجد الفلكي العربي المشهور بابن الأدمي يضع جدولا يعرف باسم «عقد اللآلئ»، وقد خدم شعبه خدمة جليلة. وقد ذكر أنه في عام ١٥٦هـ حضر إلى المنصور رجل من الهند متضلع في نوع الحساب الذي كان سائداً في الهند وقتذاك ويعرف باسم «سند هند»، وهو يتصل بحركات النجوم ومأخوذ عن كتاب «كارداجاز» والذي يحمل اسم الملك فيجار»، فأمر الخليفة المنصور بترجمة هذا الكتاب إلى العربية، واعتماداً عليه يجب أن يؤلف آخر يعرف العرب حركات الكواكب، وأسند هذه المهمة إلى العالم محمد بن إبراهيم الفزاري الذي اعتمد على الكتاب الهندي اعتماداً كبيراً.

وقد أعيد تأليف هذا الكتاب من جديد على يد محمد بن موسى الخوارزمي وقد استعان عند وضعه بالجداول المختلفة التي كانت متداولة في العالم الإسلامي، وقد قدر الفلكيون الذين استخدموا طريقة كتاب «سند هند» هذا الكتاب حق قدره ونشروه في أوسع الآفاق.

في الشرق العربي نجد عالماً من خيرة العلماء يتولى تبسيط هذا الحساب الجديد إلى قراء العربية وبخاصة موظفي المصارف والتجار والمساحين، وهذا العالم هو الخوارزمي الذي تناول كتاب «سند هند» وصاغه صياغة جديدة مبسطة جعلته في متناول القارئ، كما اهتم بمسألة الميراث في القرآن الكريم وعالجها علاجاً سهلاً مفهوماً، كما ضرب كثيراً من الأمثلة والقواعد شارحاً المواريث وعتق الرقيق.

ولا شك في أن الخوارزمي من أشهر العلماء الذين عرفهم العالم الإسلامي في تلك الفترة من الزمن وقد وقع عليه اختيار نصير العلم والعلماء الخليفة المأمون فقربه إليه وحنا عليه فوضع له كتباً كثيرة في الجغرافيا والفلك،

لكن المؤلفات التي خلدت ذكرى الخوارزمي كتابه في الرياضيات أحدهما وهو «الجبر والمقابلة» ويعالج المسائل المتصلة بحياتنا اليومية. وقد ترجم في العصور الوسطى إلى اللاتينية إلا أن المترجم اختصر اسمه العربي واكتفي بلفظ «الجبر»، وما زالت هذه الترجمة معروفة حتى اليوم باسم «الجبر».

أما الكتاب الثاني الذي يخلد ذكرى الخوارزمي فهو كتاب صغير في الحساب الهندي وهو يشرح فيه الأعداد والحساب من جمع وطرح وضرب وقسمة، وكذلك الكسور والتنصيف والتضعيف.

إن الخوارزمي لم يتكلم فقط، فاسم هذا العالم العربي الذي علم أوربا الأعداد الجديدة وطريقة الحساب أصبح علماً على الطريقة الحسابية الجديدة تكرار الخمسة الأعداد»، وعلى العلم المعروف اليوم باسم «اللوغريتمات». وقد وجد لهذا العلم الأنصار الذين كافحوا من أجل استخدام طريقته في الحساب في أسبانيا وألمانيا وإنجلترا وفرنسا وتغلبوا على خصومهم الذين كانوا يناصرون الطريقة القديمة حتى اشتهروا باسم «الأبجديين» (الباسيتين)، كما عرف أنصار الخوارزمي الذين بشروا بطريقته الحسابية واستخدام نظام الخانات والصفر باسم «اللوجريتميين».

البابا يُمارس الحساب العربي

والجدير بالذكر أن هذا المارك جراف الأسباني كان كغيره من أمراء الأسبان قد غامر أكثر من مرة في حرب ضد أمراء العرب وخرج منها جميعها مهزوماً ومدحوراً، وانتهى أمره كما انتهى أمر سائر الأمراء المسيحيين الذين سلكوا مسلكه أمْثَالُ أمراء: «كستيلييا» و «ليونز» و «نافاراس»، واضطر الجراف كما اضطر أولئك إلى إرسال رسل إلى أمراء المسلمين في قرطبة طالباً الصلح.

كما حدثه أيضاً عن أعيان المسيحيين الذين كانوا يقطنون قرطبة، هذه المدينة العظيمة وكيف أن المسيحيين هناك كانوا يتمتعون بكيانهم الشرعي، فلهم رئيسهم الديني وقاضي القضاة، وكانوا جميعهم يتزيُّون ويتكلمون مثل العرب ويتمتعون بكل الحقوق التي يمارسها العربي كما فتحت أمامهم دور العلم فاغترفوا منها ما شاءوا من رياضيات وطبيعيات، وكان حظهم من هذه الثقافة لا يقل عن حظ أساتذة الجامعات الإسلامية.

فقد كان «جربرت» يسترق الزمن ليهرب من الدير خفية إلى أسبانيا. هكذا تحدثنا القصة ـ راغباً في دراسة الفلك وغيره من العلوم على يد العلماء المسلمين. فهناك تعلم السحر وإحضار الجان الأسود من جهنم وغيرها وكذلك سائر الكائنات الضارة والنافعة،

وبمجرد النظر إلى هذه الألفاظ العجيبة فعلا يطلعنا على مدى التحريف الذي طرأ على أسمائها العربية، فقد شوهت حذفاً وتغييراً حتى أصبح الاهتداء إلى أصولها من الأمور العسيرة،

وهذه الحقيقة نعرفها عن الرياضي العربي البيروني (٩٧٣-١٠٤٨م) وقد كان معاصراً لـ «جربـرت». والبيروني كما نعلم من تاريخ حياته كان هاوياً للأسفار وخاصة إلى الهند؛ لذلك ألمّ بلغاتها وعلومها، وهو يذكر أن العرب أخذوا عن الهند الأعداد التي توافقهم فقط غير مكترثين بأشكالها طالما يدرك الإنسان القيمة الذاتية للإشارة العددية.

ثم ظهر الرجل العظيم الذي دعا لاستخدام الأعداد العربية ووفق في دعوته حتى إنها سادت العالم، وهذا الرجل هو «ليوناردو فون بيزا» الذي لم يتلق علمه في الأديرة، كما أنه لم يؤلف ما ألفه للرهبان، وهو يعتبر بحق أول رياضي مفكر في أوربا ومن أشهر رياضييها حتى القرن الثامن عشر فقد كان عالماً مجتهداً دعـويّاً، وقد اكتسب أصول معرفته عن طريق أسفاره ورحلاته ومن مصادرها الأصلية، ومن ثم أخذ ينشرها ويعلمها لمختلف الطبقات لاستخدامها في حياتهم اليومية.

تاجر يُعلِّم أوروبا

كما أننا نجد راهباً من رهبان القرن الثاني عشر يرتعد خوفًا من الوثنيين وحوش البحر وهم الأتراك والليبيون والبارثيون والكلدانيون الأقذار، هكذا كان يطيب له تسمية العرب ونعتهم أولئك العرب الذين كانوا يسيرون في شوارع «بيزا» بوجوههم البغيضة القاسية!!

والذي حدث أن استدعى الوالد ابنه من بيزا إلى باجه وكان الوالد بحكم عمله ككاتب بيزي في الجمرك على اتصال كبير بتجار الجلود والفراء في الصحراء وبلاد المغرب، مما اضطره إلى تعلم اللغة العربية والحساب العربي مثله في ذلك مثل زملائه العرب الذين يعملون في الجمارك البحرية. فانتهز فرصة حضور ابنه الذي يمارس هذه التجارة ونجح فيها وسلمه إلى يد معلم عربي لتثقيفه وتعليمه الحساب، وأعجب الشاب «ليوناردو» بعلم الحساب هذا الذي يستخدم الأعداد الهندية التي يسرت السبيل أمام المحاسبين في حل كثير من المشكلات الحسابية.

فاستخدام الحساب العربي ييسر القيام بعمليات الضرب وليس فقط عن طريق الأعداد الصحيحة، بل الكسور أيضاً … وقد تعلم «ليوناردو» كذلك حساب الأس (٢٢ = ٢ في ٢ = ٤ فالاثنان أس اثنين) وحساب الجذور مثل ٨ أو ٤، وتعلم أيضاً المعادلات والتربيع والتكعيب كما وضعها أبو كامل وعمر الخيام وابن سينا والبيروني وغيرهم.

وانتهز «ليوناردو» فرصة وجوده في الشرق العربي وزار دور الكتب في دمشق والإسكندرية كما تناقش مع علماء القصر في القاهرة.

وإذا تركنا الشرق إلى الغرب، والعرب إلى اللاتين وجدنا جهلا تاما بالأعداد الهندية وطرق الحساب العربية حتى أتاح الله لأوروبا «ليوناردو» فوضع وهو لم يتجاوز الثالثة والعشرين من عمره كتابا باللغة اللاتينية حول الطريقة الحسابية التي تعرف باسم «أباكي»،

وكان حضور «ليوناردو» هذا الاجتماع نصراً عظيماً له ولنبوغه، إذ أدرك الحاضرون عبقرية ابن تاجر بيزا، وكيف أجاب على المسائل الرياضية التي عرضت ولم يدركها إلا القيصر وتيودور تلميذ ابن يونس، والذي درس كتب الفارابي وابن سينا وإيكليد وكتاب الماجست لبطليموس. وقد أدرك الحضور عبقرية ليوناردو وإحاطته بعلوم اليونان والعرب.

وقد أفرد ليوناردو الفصل الأول من كتابه «الباقي» للحديث عن الأعداد التي تعلمها على يد الأستاذ العربي الذي أخذ عنه علم الحساب العربي وطرق استخدامه في أسفاره التجارية الطويلة والإشارات التسع الدالة على الأعداد عند الهنود وهى: 9 8 7 6 5 4 3 2 1، فهذه الإشارات التسع مضافًا إليها الإشارة (0)، أي «صفرًا» في العربية تعبر عن أي عدد من الأعداد.

ثم جاء ليوناردو وتتلمذ على العرب في الحساب فأخذ اللفظ العربي كما هو واستخدمه كما استخدمه العرب وإن كان قد صاغ لفظ «صفر» صياغة لاتينية فأصبح «صفيرم Zephirum»، وعرفه بقوله: Cum hoc Signo O quod arabice ccphirum appellatur، ومعناها بالعربي: هذه الدارة (0) تعرف في العربية بلفظ «صفر».

وإذا انتقلنا إلى إيطاليا وجدنا في آخر كتاب ليوناردو لفظ «صفيرم» يكتب «زفرو zefefo» ثم «زيرو zero»، فقد تعرضت هذه الكلمة لشيء من التغييرات الصوتية التي تعرضت لها كلمات أخرى.

أما في فرنسا فقد تحولت كلمة «صفر» العربية إلى لفظ «شفر chiffire» الذي استخدم أيضًا إلى جانب دلالته العربية للتعبير عن «إشارة سرية»،

حرب الأعداد

من إيطاليا شقت هذه الأعداد طريقها إلى أوروبا ورافقتها في هذه الرحلة مسك الدفاتر الإيطالي الذي كان في ذلك الوقت المثل الأعلى للتجار فعبّرت الأعداد وهذا الفن جبال الألب حيث حملها التجار والمسافرون إلى مختلف البيوتات التجارية، لكن التجار والعملاء لم يقبلوا على الأعداد في شيء من الرضا واليقين، وذلك لأن الإنسان لا يأمن الغش مع هذه الأعداد فمن السهل مثلا أن يحور الإنسان الدارة الدالة على صفر إلى العدد الدال على (6) أي ستة، كما أنه من السهل إضافة العدد إلى آخر، ومن العسير على الإنسان أن يميز بين الصحيح والمزور ولا سيما أن وسائل الغش متوافرة والطريق إليه سهل معبد. نعم، إن هذه الأعداد مفيدة جدا للتجار، وقد أبيح لهم استخدامها إلا أن احتمال الغش حرم استخدامها في العقود.

لقد غزت الأعداد العربية أوروبا، وأحدثت تؤدى دورها الهام في العلوم الطبيعية والصناعات والاقتصاد وسائر وسائل الاتصال بين الشعوب الراقية في العالم، وفي مختلف العصور.

الكتاب الثالث: الأبناء الثلاثة لموسى الفلكي

والآن قد يسهل علينا إدراك الاعتقاد العربي في الكواكب وسائر الأجرام السماوية وكيف أنها مظهر من مظاهر القوى الإلهية فقبيلة نسأ قدست «الدبران» بنوره المائل إلى الحمرة، وطلوعه كان مصحوباً دائماً بالغيث والخير العميم من طعام وشراب. أما قيس فقدست الشعرى أكثر النجوم ضوءاً، وهو الذي يتخلل طريق التبان، وقد استولى الشعرى على أفئدة العرب بجماله الممتاز. وقد ظل تقديس الكواكب حتى صدر الإسلام وبخاصة بين القبائل الوثنية كالصابئة، وقد تخرج من بينهم نفر من خيرة العلماء العرب وبخاصة في الفلك أمثال: ثابت بن قرة والبتاني الذي عرفته العصور الوسطى تحت اسم «الباتيجنيوس Alpategnius»، وقد اعترفت له أوربا كأستاذ من أكبر الأساتذة العرب الذين أخذت عنهم أوربا الشيء الكثير.

أما خيال اليونان الشاعري فقد صور لهم السماء وكأنها بكواكبها ونجومها وسائر أجرامها هي مصدر الأبطال ووحي الأساطير،

أما العرب فلم يتصوروا النجوم في هيئة صور بل سموا بعض النجوم أسماء هامة؛ لذلك أصبح عدد أسماء النجوم عند العرب يفوق بكثير الأسماء اليونانية.

وعندما ترجم العرب أيام الخليفة هارون الرشيد وابنه المأمون كتاب الفلك للمؤلف «هيبارش» الأكبر، وكذلك فهرس النجوم الذي وضعه نفس المؤلف ونقحه بطليموس وقدمه لنا في الماجست، اختلطت الأسماء العربية القديمة للنجوم والكواكب مع الألفاظ اليونانية، وبخاصة أن الأسماء العربية كانت لا تزال حية مستخدمة متواترة في أشعارهم وأغانيهم وقصصهم. لذلك لا عجب إذا رأينا أن معظم أسماء النجوم والكواكب المستعملة حتى يومنا هذا عربية أو ترجع إلى أصل عربي، وأوروبا التي درست الفلك على أساتذة مسلمين تستخدم حتى اليوم الأسماء العربية.

ثم نجد العرب وقد تأثروا بالعلوم الهندية واليونانية مثل دراستهم لكتاب «سيدهنتا» للمؤلف الهندي «براهما جوبتا»، والماجست لبطليموس. ينشطون في قصور الخلفاء المنصور وهارون الرشيد والمأمون ويهتمون اهتماماً خاصاً بالدراسات الفلكية مستعينين بخبرتهم القديمة التي توارثوها منذ زمن بعيد، فأخذوا بيد هذا العلم حتى جعلوا من الفلك علماً عالمياً، وأصبح العرب بفضل نشاطهم واجتهادهم أساتذة العالم وقادته.

وأكرم المأمون علماء الفلك فشيد لهم مرصداً عظيماً فوق أعلى مكان في بغداد عند شماسية حيث كانت ترصد الكواكب وتراقب حركاتها مراقبة علمية دقيقة،

وإمعانًا في الدقة كانت تراجع العمليات الحسابية كل ثلاثة أعوام في مرصد جبل قسيوم بالقرب من دمشق حيث كان يعمل فلكيوه معًا في وضع الجداول المسماة جداول المراجعة أو الجداول الميمونة، وهذه في الواقع عبارة عن مراجعة جديدة دقيقة لجداول بطليموس الفلكية.

أما فلكيو المأمون فقد حاولوا قياس الأرض بوسيلة أخرى فمن نقطة خاصة انتقل جماعة من الفلكيين نحو الشمال وانتقلت جماعة أخرى نحو الجنوب وظلت متجهة حتى بلغت مكان الجدي الصغير، النجم القطبي، فالجماعة التي اتجهت شمالا تشاهد الصعود بينما الجماعة الأخرى التي اتجهت جنوباً تشاهد الهبوط. فالمسافة بين الجماعتين عبارة عن درجة من دائرة نصف النهار، وقد تمت هذه العملية بدقة تستدعى الإعجاب حقاً.

فمرتب المترجم أعنى مبلغ الخمسمائة دينار كان يساوى بعملتنا الحالية حوالى ثمانمائة جنيه ذهبي، ولا شك في أنها مرتبات عالية كانت تكفل لأصحابها سعة في الرزق وسعة في الوقت وتفانياً في خدمة رسالتهم العلمية الرفيعة.

إن نشاط بني موسى في جمع المخطوطات وترجمتها أحيا من الموت تراث العالم القديم الذي طمره النسيان، والعرب هم الذين بعثوه فعادت إليه الحياة ثانية والعرب هم الذين عرفوا أوروبا به.

اشتهر العرب بعبقريتهم الفنية في صناعة الآلات واختراعها، فقد أدركوا معنى ووظيفة الآلات التي جاءهم وصفها وطوروها وزادوا عليها فاخترعوا الجديد منها، وبذلك وضع العرب الأسس لقيام هذه النهضة العلمية الصناعية.

إن نظرتهم الفنية الدقيقة للظواهر الطبيعية التي تجلت في مراصدهم تفوقت بكثير على تلك النتائج التي توصل إليها العالم القديم وسبق العرب غيرهم فنجحوا في القيام بالبحوث العلمية الدقيقة وتجلت عبقريتهم التي لا تحد في الرياضيات والعلوم الأخرى، وكان يستولى على العربي الفرح والسرور عند توفيقه في حل مسألة رياضية أو حسابية، وهذا الاستعداد مكن العرب من خلق فروع جديدة في الرياضيات، كما سبقوا أوروبا وأوجدوا الوسائل المختلفة للدراسات الفلكية.

الابن الأول صانع الآلات

فالعقل اليوناني يهتم بالشكل والنظام والقانون؛ لذلك أسس مع مرور الزمن وتعاقب الأجيال مسرحاً عالمياً من الكمال، فأوجد لكل العصور فكرة النظام القانوني العظيم للوجود،

والرجل الذي فتح هذا الفتح الجديد في دراسة النجوم ووضع أسس الدراسة العلمية الفلكية هو «هيبارش Hipparch» فكان يقرأ صفحة السماء بعينين نافذتين ويعد ويقيس بآلات هو واضع معظمها، وقد أهدى هذا العالم ما توصل إليه من معرفة وتواريخ وفهارس للنجوم لجميع الذين يعنون بالدراسات الفلكية، وقد وصفه بطليموس المصري الذي جاء بعده بنحو مائتين وخمسين سنة بأنه أدق العلماء وأعلمهم.

والشيء الجدير بالملاحظة أن بطليموس المصري هذا اعتمد في كتابه الماجست على ما انتهى إليه «هيبارش»،

وظل الحال كذلك حتى جاء العرب فخلقوا الفلك خلقاً جديداً، لقد ظهر بين العرب فلكيان عظيمان يسمى كل منهما «عمر» وقد جلسا يوماً من الأيام عند عمود مسجد من المساجد وأمامهما كتاب الماجست فعبر عليهما جماعة من العلماء فوقفوا وسألوهما: ماذا تدرسان؟ أجاب أحد العمرين «نحن نقرأ تفسير قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ (الْغَاشِيَةِ: ١٧، ١٨).

إن لعلم الفلك أثراً بعيداً ومكانة ممتازة عند كل مسلم فطلوع النجوم وشروق الشمس وظهور القمر آيات بينات ناطقة بعظمة الله وعلمه. هذا الله الذي ينطق القرآن الكريم بمجده وقوته هو خالق السماء والأرض والظلام والنور ويحيط بكل شيء علمًا؛ لذلك قال أحد كبار فلكي العرب ألا وهو البتاني: إن معرفة النجوم تشبه معرفة الأشياء التي يجب على الإنسان أن يعرفها ويدركها كقوانين الدين وأوامره، فعن طريقها يهتدى الإنسان إلى معرفة الأدلة التي تثبت وحدانية الله وعظمته وحكمته وقوته وكمال عمله، فلعلوم الفلك عند المسلم قيمة عملية عظيمة.

ولما جاء الإسلام وجدت صلة قوية بين عقائده وفرائضه وبين النجوم وسائر الأجرام السماوية وبخاصة عند قيام المسلم بفروضه اليومية، وقد نادى القرآن الكريم بوجوب النظر إلى السماء شعائر الإسلام الدينية والمحافظة عليها وعلى مواقيتها تحتم على المسلم العناية بمراقبة الشروق والغروب وما بينهما.

فالمؤذن في المسجد يجب أن يكون ملمًا بشيء من علم الفلك ليستطيع توقيت مواعيد الصلاة، ويجب أن يعرف استخدام آلة تحديد شروق الشمس وجريانها في كبد السماء ليحدد مواعيد تأدية فرائض الصلاة، كذلك يجب عليه أن يعرف طلوع الهلال وغيابه في شهر رمضان شهر الصوم، كما هو مطالب بمعرفة غياب الشمس وشروقها ليحدد المغرب والعشاء والسحور والإمساك والفجر والظهر والعصر. والمسلم مطالب أيضًا بمعرفة مواعيد الكسوف والخسوف فكل منهما يتطلب الفرائض الخاصة. والاتجاه إلى مكة عند الصلاة شرط لا بد منه لإقامة الصلاة فالاهتمام بالسماء وما يجرى فيها أهم للمسلم من الطعام.

فلا عجب إذا رأينا المسلمين يقبلون على كل ما يتصل بالنجوم والأفلاك لذلك شجع الخلفاء هذا الاتجاه ودفعوا الشعب إليه حتى لم يمض زمن طويل إلا وأصبح الفلك علمًا تأتى دراسته والعناية به في مقدمة العلوم الأخرى؛ … واستتبعت دراسة الفلك إقامة المراصد، ولعل أشهرها هو ذلك الذي شيده المأمون في بغداد أو دمشق، ولا ننسى تلك التي شيدها الخلفاء الفاطميون أمثال العزيز والحاكم في القاهرة وعضد الدولة فيما بعد في بغداد في حديقة قصره. والمرصد الذي شيده السلجوقي ملك شاه في نيسابور في شرق فارس، وكذلك هولاكو المغولي في “مراغة” غرب فارس، وأولوغ بك الأمير التتري في سمرقند.

ولعل هولاكو كان هو الوحيد من بين جميع هؤلاء الذي لم يكن مقتنعاً تماماً بأهمية هذا العلم وفائدته، ففي هجومه على قلب الدولة العربية استطاع حفيد جنكيز خان القضاء على صغار أمراء فارس كما قتل بحد السيف الأمراء الإسماعيليين وزعماء الحشاشين، ولم يكتف بذلك بل خرب بغداد وأشعل فيها النيران وأزال من الوجود العباسيين، إلا أن الحضارة العباسية الإسلامية أبهرت أنظار هذا البدائي حتى إنه قرر العمل على الأخذ بيد القائمين عليها، فاتخذ من الرياضي العبقري والفلكي الذائع الصيت ناصر الدين الطوسي (١٢٠١-١٢٧٤) والذي كان في خدمة الأمير الإسماعيلي الذي قتله هولاكو – وزيراً لماليته.

إلى جانب المطالبة باعتماد المبلغ اللازم لإقامته مدعاة لإثارة الشك والريب في قلب هذا البدائي المتوحش، لأنه ما كان يجول بخاطره أن علم الفلك هذا يتطلب إقامة مرصد، وأن المرصد يكلفه هذا المبلغ من المال.

فقال ناصر الدين لهولاكو تأمل أن الذي يعلم الأشياء لا يخشى وقوعها وهذا من فوائد علم الفلك، فالذي يفهم هذا العلم لا يخشى ما قد يقع لأنه يعرف الأسباب؛ فإذا وقعت واقعة تقبلها العالم هادئ النفس لأنه عالم بها ولا يجهلها؛

أخذ ناصر الدين يوجه اهتمامه إلى السماء ومتابعة سير النجوم والأفلاك ومختلف الكوكبات واستفدت هذه المراقبة من عمره زهاء الثلاثين عاماً، وذلك لأن زحل يحتاج إلى زمن يقرب من هذا لإتمام دورته، لكن هذا الخان البدوي غير المستقر اعتبر هذا الزمن طويلاً جداً فأصدر أمراً يقول فيه إن هذه التأملات وتلك الدراسات يجب أن تتم في زمن لا يتجاوز اثنى عشر عاماً، وفعلاً تم وضع جداول الخان في الزمن الذي حدده.

وبذل العرب جهداً مشكوراً في سبيل استخدام الماء والاستفادة منه، والماء كما نعلم هو سر الحياة وعليه تتوقف، ففيما يتصل برى الأراضي صنعوا أنواعاً مختلفة من الوسائل مثل: السواقي والطلمبات والروافع، كما نجحوا في تركيب مضخات تعمل بالنار.

والواقع أننا نجد في حوالى عام ٨٨٠م في أسبانيا الطبيب بن فرناس يبنى أول طائرة من قماش ورياش، وقد نجح فعلاً في التحليق بها مدة طويلة كما حاول القيام بعمليات انسيابية فقط ولم يتحقق حلم «إيكاروس».

لكن هواية صناعة الآلات عند العرب ظلت محصورة تقريباً في عمل آلات الرصد ومختلف الآلات الفلكية وما جاءهم عن اليونان لم يغنهم شيئاً لتحقيق أهدافهم التي كانوا يرومون تحقيقها، فقد أدخلوا على هذه الآلات الكثير من الإصلاحات، كما اخترعوا جديداً للرصد والقياس، وقد بلغوا بها حد الكمال وأخذتها عنهم أوربا وظلت تستخدمها حتى اخترع المنظار البعيد.

وللإنسان أن يتساءل الآن: كيف استطاع العرب صناعة مثل هذه الحلقات العظيمة وهي تحتاج ولا شك إلى شيء كثير من الدقة والإتقان، فهل كان لدى العرب أجهزة تحول الدوائر إلى كرات، أعني آلات خراطة وصناعة مثل هذه الحلقات النحاسية الثقيلة والتي كان يبلغ قطر الواحدة منها نحو خمسة أمتار،

كان يعيش ملك مسيحي في مدينة «بورجوس» في شمال إسبانيا، وكان هذا الملك قد اقتنع تماماً بمقدرة المسلمين العلمية وتفوقهم، ولم يتردد في الاستفادة من هذه العبقرية الإسلامية. فهذا الملك المسيحي الذي كان يقدر المسلمين وعبقريتهم العلمية، المسلمين الذين كانوا أعداءه، هو الملك ألفونس العاشر ملك قسـطيلـيا وقـد عرفه التاريخ تحت اسم الحكيم ولو أنه لم يشتهر بكياسة سياسته أو إلمامه بأطراف المعرفة أو الثقافة.

ولعل الناحية العلمية الإسلامية التي استولت على لبه بصفة خاصة هي نبوغ المسلمين في علم الفلك، هذا العلم الذي يكشف عن مقدرات البشر، والذي ينتقل بالإنسان من الأرض إلى السماء وفي الوقت الذي يكسب فيه الإنسان السماء يخسر الأرض، لذلك شغف هذا الملك جداً بعلم الفلك الذي أتقنه العرب ونبغوا فيه بينما كانت أوروبا حتى ذلك الوقت تجهل هذا العلم جهلاً تاماً،

يجب أن يكون مرصده أكبر وأن يزوده بآلات وأجهزة أحسن وأكمل لكى يصير أكمل وأحسن مرصد في العالم. لكن لتحقيق هذه الغاية يجب عليه أن يستعين بالعلماء العرب أو اليهود الذين تخرجوا على الأساتذة العرب وأخذوا عنهم الكثير، لذلك أمر هذا الملك المسيحي بترجمة سائر الكتب العربية إلى اللغة القسطنطينية الدارجة وأسوة بما فعل العرب يجب أن تركب وتقام أكمل وأدق حلقات في العالم.

ولما شيد «رجيو مونتانوس» في منتصف القرن الخامس عشر في مدينة «نورنبرج» جهاز الحلقات مستأنساً بمواصفات بطليموس اتضح له أن هذا الجهاز لا يداني الجهاز العربي دقة وإتقاناً.

أما جداول ألفونس فقد كان حظها أحسن فهي في الواقع من وضع الفلكي العربي «الزركلي» الذي عاش قبل ذلك بنحو مائتي عام في طليطلة، وقد ترجم الطبيب الملكي «دون أبراهام» كتابه إلى اللغة القسطنطينية فاعترف منه جميع فليكي أوروبا في دراساتهم

كما عثر في هذا المرصد على آلة صغيرة في متناول اليد وسهلة الاستعمال، وهي عبارة عن أسطرلاب، وكانت أكثر تداولا بين العرب من القطوع المخروطية. أما ذات الحلقات فكانت تستخدم في المرصد فقط بينما نجد هذه الآلة الصغيرة، بمساعدة كبسولة معدنية، تؤدي أجل الخدمات التي تؤديها اليوم لنا ساعة الجيب فبواسطتها يستطيع المسلم تحديد أوقات النهار، فالصلاة والقبلة. كذلك كان من المستطاع بواسطة هذا الجهاز إجراء الحسابات الفلكية فكانت هذه الآلة التي أطلق عليها اليونان اسم ماسك النجوم أحب آلة توقيت عند العرب وأكثرها تنوعا.

وبينما لم يستخدم اليونان الإسطرلاب إلا في استعمالين أو أكثر قليلاً إذا بنا نجد في كتاب الخوارزمي حول الأسطرلابات ذكر ثلاثة وأربعين نوعا، وبعد ذلك بزمن قصير نجد مؤلفا آخر يذكر ما يقرب من ألف ويصفها وصفا دقيقاً. وقد طور العرب الإسطرلاب وهذبوه كما استعملوه في مختلف الأغراض. وهناك نوع كروى من الأسطرلابات وآخر على شكل العدسة وثالث بيضاوي ورابع على هيئة بطيخية وخامس وكأنه عصا. والشيء الجدير بالذكر أنه يندر أن نجد فلكيا مسلماً لم يعن بنبأ الإسطرلاب واستخدامها، وأقبلت أوروبا على هذا الإسطرلاب وأخذته، ففي القرن العاشر الميلادي أحضر بعض طلاب العلم المتجولين أولى هذه الآلات الدقيقة ذكرى لدراساتهم الطويلة في الجامعات العربية، وفي النصف الأول من القرن الحادي عشر كتب ألماني كتابين حول فوائد الإسطرلاب، والكتابان يفيضان بالاصطلاحات والآراء العربية.

وفي القرن الرابع عشر فقط استطاع الغرب تركيب هذا الجهاز العجيب، فالإسطرلاب لا يمتاز بتحديد الزمان والمكان فقط بل يؤدى خدمات جليلة جداً للبحارة في عرض البحار والمحيطات. وفي القرن السادس عشر ازدهرت الآداب والكتب التي اهتمت بالإسطرلاب وصناعته، ولم يأت القرن الثامن عشر إلا وكان البحارة المسيحيون يعتمدون عليه اعتماداً كلياً في هداية السفن وتوجيهها، وظل الحال كذلك حتى حلت محله أجهزة أخرى.

وللعرب أيضاً يرجع الفضل في اختراع الساعات الشمسية التي استطاعوا بواسطتها تحديد وتعيين أوقات النهار بمساعدة النظرية الكروية للمثلث والجدول الذي كان يبين موقع الشمس.

وعند تركيب الساعات الشمسية لعب الخيال العربي كثيراً، وبخاصة في الساعات التي تتحرك بواسطة الماء أو الزئبق أو الشموع المتقدة أو الأثقال. فقد اخترع الساعاتيّة العرب ساعات شمسية بالطبل فهي تحدث قرعاً في حوض عندما تبلغ الساعة الثانية عشرة ظهراً. والساعات المائيّة التي تلقى عند كل ساعة كرة في حوض معدني.

واليوم يستولى علينا العجب عندما نقف أمام دار بلدية ونسمع دقات الساعة ونرى قرصاً يتحرك وشخوصاً لا تستقر في مكان، كما فكر العرب من قبل ووجدوا لذة في مثل هذه الصناعة.

الابن الثاني لموسى «الفلكي»

لم يتسلم العرب التراث اليوناني دون تفكير بل أخذوه وخلقوا خلقا جديداً وهذا حقيقي أيضاً فيما يتصل بالآلات العلمية وكذلك مختلف العلوم الأجنبية، إذ لم يكد العرب يتسلمون هذا التراث العلمي حتى أقبلوا عليه ناقدين فاحصين لا مؤمنين مستسلمين لما وصل إليه غيرهم من نتائج ليبنوا بعد ذلك على أساس سليم.

ويمتاز التفكير العربي بأنه لا يتقبل المسائل العلمية كحقائق مسلم بها ما لم يفحصها ويطبقها حتى مؤلفات أرسطو أو بطليموس، فقد عرضوا لها ناقدين فاحصين فأصبحنا نجد مؤلفات تحمل ما معناه: حول الخطأ الذي وقع فيه «ثيون» عند حسابه الكسوف والخسوف؛ أو: حول اختلاف جداول بطليموس من التجارب التي قام بها ثابت بن قرة.

ولما كان الشيء الذي يهم العربي هو الناحية العملية والمواظبة على تأدية الصلاة في ميعادها أو اللحظة التي يظهر فيها الهلال، أعنى هلال رمضان والاتجاه في الصحراء والحياة والموت حرص العربي على الحصول على النتيجة الحقيقية الصحيحة، وليس الأمر كذلك بالنسبة لليونان الذين لا يهتمون بالدقة المطلقة، كما قد يهربون من مراعاة الحساب الدقيق.

ثم إن مشاهدة السماء ودراستها ضرورة لا بد منها للمسلم لتأدية التزاماته اليومية، لذلك اهتم المسلمون بعلم الفلك ومن ثم تقدموا في صناعة الآلات والأجهزة، وكانت النتيجة المحتومة لكل ذلك بلوغ نتائج علمية عظيمة في إدراك كنه الشمس والقمر وسائر الأفلاك،

وساهم الخلفاء والحكام والأمراء في تقدم علم الفلك فأجزلوا العطاء للفلكيين وأوقفوا الأموال الطائلة بل كفلوا حياة العالم وأسرته لا إبان حياته فحسب بل بعد وفاته أيضاً؛ لأن مثل هذه البحوث الفلكية كانت تتطلب سعة في الرزق وسعة في الزمن.

أما الأهمية والنتائج التي بلغها وتوصل إليها العلماء العرب في الطبيعة والفلك فكانت مضرب الأمثال، فعلماء الفلك في بغداد كما يقول الفرنسي «سديلوت» بلغوا في أواخر القرن العاشر مرتبة من العلم ليس بعدها من مزيد، لقد أدركوا ما كان يجب على العالم إدراكه قبل العدسات والمنظار، ولعل السر في عدم وصول مؤلفات كثيرة من وضع علماء العرب إلى أوربا هو عدم ترجمة جميع مجلدات المكتبة العربية إلى اللاتينية. ومن أشهر علماء العرب الذين دفعوا الحركة العلمية في أوربا إلى الأمام وطوروها هو العالم العربي الفرغاني، وكان معاصراً لبنى موسى الذين كانوا يعملون في بغداد. لقد قاس الفرغاني خطوط طول الأرض وأدرك، وكان أول من أدرك، أن فلك الشمس كسائر أفلاك الكواكب يتحرك مع مرور الزمن إلى الوراء،

أما المقدمة الفلكية لزيجه المشهورة فقد ترجمها «رجيو مونتانوس» إلى اللاتينية وزودها بشرح. وفي عام ١٥٣٧ نشرها في «نورنبرج» مع كتاب الفرغاني فعرفتها أوربا. وفي عام ١٦٤٥م ظهرت طبعة جديدة في «بولونيا» مستقلة وعنوانها اللاتيني «كتاب محمد البتاني في الفلك مع تعليقات يوحنا رجيو مونتانوس».

وقد اهتم «كوبرنيكوس» بالعلماء العرب وحتى حوالى عام ١٨٠٠م نجد الفرنسي «لابلاس» يستفيد من كتب ابن يونس القاهري في دراساته وأبحاثه.

والحسن بن الهيثم (٩٦٥-١٠٣٩م) هو الذي أثر في أوربا تأثيراً بعيداً وعرفته تحت اسم «الحسن» وكان أشهر الأساتذة العرب الذين أخذوا بيدها في هذا المضمار من البحوث،

لكن شهرة هذا العالم العربي لم تقم على هذه النظرية فقط، ففضله على الفلك يتجلى في اكتشافه أن جميع الأجرام السماوية ومن بينها النجوم الثابتة ترسل نورها، عدا القمر الذي يستمد نوره من الشمس. وهذه النتيجة التي انتهى إليها ابن الهيثم نقلته إلى فكرة أخرى جديدة أدت إلى ثورة عارمة في علم الفلك فقد عارض ابن الهيثم العالمين الإسكندريين «أوقليد» و«بطليموس» فأثبت خطأ نظرياتهما، وبذلك نجح في فرض آرائه الجديدة.

وقد كلفه بعضهم مرة أن ينسخ له مبادئ أوقلیـد والماجست لبطليموس فنسخهما بدون خطأ وفي غاية الدقة ليستطيع أن يتغلـب على متاعب الحياة ويحصل على قوته اليومي. ومن الجدير بالملاحظة أن ابن الهيثم أدرك الأخطاء التي تردى فيها هذان العالمان فعارضهما وانتقدهما وبين أخطاء هما فقد قال كل من أوقليد وبطليموس أن العين ترسل «أشعة بشرية» على الأشياء المراد رؤيتها، فأعلن ابن الهيثم خطأ هذا الرأي وقال إن العين لا ترسل شعاعا، وإن هذا الشعاع ليس هو الذي يسبب الرؤية والعكس هو الصحيح فإن الجسم المرئي هو الذي يرسل أشعة إلى العين وإن عدسة العين هي التي تحوله.

وكان هذا الرأي لابن الهيثم كشفا جديدا قفز بالعالم العربي بخواص الخواص قفزة بعيدة جدًا وصحح الخطأ الذي وقع فيه العالم القديم، وفسر لنا ابن الهيثم الضوء ومظاهره، كما أوجد بذلك قانونا جديدا أثبت صحته وأيده بتجارب كثيرة مختلفة فكان ابن الهيثم هو صاحب النظريات العلمية المعتمدة على التجارب، وابن الهيثم هو وأمثاله من العلماء العرب هم مؤسسو الأبحاث التجريبية وليس «روجر بيكون Roger Bacon» أو «باكون فون فرولام Baco von Verulam» أو «ليوناردو ده فينشي Leonardo de Vinci» أو «جليلي Galilei»، فالعرب سبقوهم وبلغوا بأبحاثهم التجريبية المستوى الرفيع وأصبح اسم الحسن بن الهيثم هو همزة الوصل وهو النجم الذي أضاء الطريق ومهد لقيام الأبحاث الحديثة بعد أن سبق أوروبا إليها.

وكيف يقع خسوف القمر إذا كان القمر جسماً غير مضيء؟ وأنه يستقبل ضوءه من الشمس؟ فمثل هذا السؤال الفلكي دفع ابن الهيثم إلى خلق نظرية خاصة بتكوين الظل عن طريق أجسام نورانية. ومن هنا أوجد رأيه الخاص بمصادر الضوء، وأخذ يقوم بمختلف التجارب وأوجد دراسة خاصة بطبيعة إلقاء الظل كما أطلق هو نفسه هذه التسمية على بحثه هذا. وأول تجربة قام بها هي الخاصة بجهاز يشبه تقريباً آلة التصوير وبها ثقب، وكانت هذه الآلة هي الأنموذج الأول لآلة التصوير، وقد أثبت ابن الهيثم عن طريق هذا الجهاز استقامة خطوط الضوء، ولم يكد يصدق عينيه عندما شاهد العالم وقد أصبح أسفله أعلاه بمجرد وضع الصورة وضعاً عكسياً.

واعتماداً على هذه الظواهر وتلك الحقائق استطاع ابن الهيثم معرفة ارتفاع الطبقة الهوائية المحيطة بالكرة الأرضية، والشيء الجدير بالذكر حقاً أن ابن الهيثم توصل إلى معرفة ارتفاع هذه الطبقة تماماً وأنها خمسة عشر كيلو متراً. ولم تقف أبحاث ابن الهيثم عند هذا، بل امتدت إلى هالة القمر والغسق وقوس قزح، ونحن نعلم أن أرسطو قد فشل عندما حاول في شرحه تعليلها التعليل العلمي. وذهب ابن الهيثم بعيداً فطبق معلوماته على أجهزة البصريات فدرس وحسب الانعكاس في قطاع المرآة الكروية أو المخروطية أعنى الإشعاعات المتوازية التي توجد في نقطة الاحتراق، كما اهتدى أيضاً إلى قوانين تتلمذت عليه أوربا وعرفته تحت اسم «أرزاكيل Arzachel»، (الزركلي) فهو من بين الأساتذة العرب الذين أخذت عنهم أوربا الشيء الكثير. ولم يشتهر الزركلي بالفلك فقط بل بتركيب الآلات أيضاً فهو الذي صنع الجهاز الذي مدحه «رجيو مونتانوس» وقال عنه ما معناه إنه أحسن جهاز وهو عبارة عن أسطرلاب الزركلي،

وقد اهتم بالمسائل الطبيعية والنجوم والفلك أيضاً مواطن من مواطني ابن الهيثم وهو لا يقل عنه شهرة وأعنى بذلك المواطن «الكندي»، وقد توفي عام ٨٧٣م واشتهر في أوربا شهرة عظيمة وقد سمى فيما بعد باسم فيلسوف العرب ووضع نحواً من مائتين وخمسة وستين كتاباً في مختلف أنواع العلوم،

وقد حاول اليونانيون معالجة هذا الموضوع فلم يهتدوا إلى نتيجة حتى جاء العالم العربي البطروغي الأندلسي وتوصل إلى الحل، كما أنه نقض نظرية بطليموس الخاصة بانحراف الأفلاك والدوائر التي ليس لها مركز مشترك، وبذلك مهد الطريق للعالم «كوبرنيكوس». أما كتاب البطروغي في الهيئة فقد ترجمه «ميخائيل سكوتوس» عام ١٢١٧ وهو فلكي القيصر فريدريش الثاني إلى اللاتينية.

والكندي هو أول من استخدم الفرجار لقياس الزوايا في الهندسة كما حسب أثقال بعض السوائل الخاصة وأجرى عدة تجارب على الجاذبية وسقوط الأثقال. أما كتابه حول سقوط الأجسام من أعلى فلم يحظ بمن يترجمه إلى اللاتينية، كذلك الحال مع نظرية الذرة التي وضعها عام ١٠٠٠م الطبيب القاهري على بن سليمان، وقد عالج في رسالته الذرية هذه مسألة إمكانية تقسيم الجسم إلى جزيئات، وهذا التقسيم لا ينتهى، وأن الإنسان لا يصل إلى نتيجة من جسم غير قابل للتجزئة.

ومن الجدير بالذكر أيضاً أن أوربا لم تلتفت إلى رأى البيروني الذي نادى به حوالى عام (١٠٠٠م – ٩٧٣ـ١٠٤٨م) وهو الخاص باعتبار الشمس مركز الكون من وجهة النظر الفلكية، وقد توصل إلى هذا الرأي من قبل «أريستارخ» أحد أبناء مدينة ساموس، وتوصل إليه بعد ذلك بقرن «سليكوس» الكلداني البابلي.

وإبان عصر إحياء العلوم ظهر العبقري الألماني (كوبرنيكس) وقبله بنحو خمسة قرون عرفه العالم العربي البيروني. فليست الشمس هي سبب الليل والنهار بل الأرض نفسها هي التي تدور حول محورها والشمس تجري مع الأفلاك،

لذلك ما أعجب التناقض الذي نادى به «كوبرنيكس» حتى اضطهدته أوروبا المسيحية ونكلت به أشد التنكيل لأنه خالف تعاليم الكنيسة ورفض كلمة الكتاب المقدس.

وما حدث لهؤلاء حدث من قبل للبيرونى عندما جاء برأيه وذلك لعدم وجود الأجهزة التي تمكنه من إثبات صحة رأيه. وهكذا ظلت الأرض ثابتة في المكان الذي خصصه لها «هيبارش» في قلب الوجود، وحتى العرب الذين جاءوا بعده والذين اشتهروا بدقتهم الفلكية في مشاهدة الأفلاك ورصدها وخطوا بالعلم خطوات أبعد من تلك التي قام بها «هيبارش» عجزوا عن زعزعة الآراء الخاصة بالعالم.

واستمر هذا النزاع بين أنصار أرسطو وأتباع بطليموس مستعراً بين أفراد مدرسة ابن باجه طيلة ثلاثة أجيال وبخاصة بزعامة أمثال: ابن طفيل وابن رشد والبطروغي، واستمرت الخصومة مستعرة في القرنين الثالث عشر والرابع عشر في فرنسا وألمانيا وإنجلترا، وخلقت مناضلين أمثال: «ألبرت الأكبر» و «توماس فون إكوين» و «روجر بيكون» و «جان بوريدان» و «ديتريش فون فريبورج». وكان من نتائج المعركة العلمية بعث الوعي التفكيري في أوروبا.

الابن الثالث الرياضي

أهم من خطوات التقدم التي خطاها علماء العرب بالعلوم، وأهم من الاختراعات التي توصلوا إليها اعتماداً على رصدهم للكواكب، خلقهم هذا الجيل العلمي الذي قدموه لأوروبا.

أما العرب فقد امتازوا بالجمع بين عظم العدد وعظم المساحة، وهذه هبة امتاز بها أصغر أبناء موسى ألا وهو «حسن». وبفضل هذا الاستعداد خلق العرب فروعًا جديدة من العلوم، كما طوروا غيرها تطويرًا تقديميًا عظيمًا ففاقوا بذلك اليونان والهنود، لذلك فالعرب وليس اليونان هم أساتذة أوربا في النهضة العلمية الرياضية، وساعدتهم على النهوض بهذه الرسالة الأعداد الهندية،

والعقلية الإسلامية الدقيقة الفاحصة جعلت من الحلية القيمة بلوراً صافياً، فالخوارزمي هو أول من جعل الحساب علماً صالحاً للحياة اليومية العملية وحذا حذوه فيما بعد العلماء والفرس، فعنوا بالحساب وأضافوا إليه حتى جعلوا منه الأساس الذي شيدت أوربا عليه فيما بعد علم الحساب الحالي. والفضل في كل هذا يرجع إلى أستاذ الجميع الخوارزمي.

وإذا ذكر الخوارزمي ذكر فضله على علم الجبر، فهو أول من نظمه وخلق العرب منه علماً مستقلاً، ومن علم الجبر الذي كان يعني به في مصر أبو كامل واختصه البيروني ببعض مؤلفاته، وكذلك ابن سينا والكرا ديسي اعترف «ليوناردو فون بيزا» بمعلوماته الخاصة بالمعادلات التربيعية والتكعيبية التي كان يعلمها ويدرسها من كتابه الأولى. وقد بلغ علم الجبر القمة على يد رجل نعرفه على أنه شاعر صوفي أو المفكر الحر وهو الفارسي عمر الخيام، فقد خطا بهذا العلم خطوات واسعة حتى جاء ديكارت وسار به بعيداً.

فتحويل العرب الرياضة إلى جبر وحساب اقتبسته أوربا واستعملته وما زالت تستعمله حتى يومنا هذا.

والعرب أيضاً هم الذين أوجدوا الحساب بالكسور العشرية بعد الشولة، فالفلكي الكاشي استكمل حساب الخانات، وذلك بتحويل الكسر الأول إلى خانات.

وحتى اليوم ما زال الجبر في أوروبا مطبوعا بالطابع العربي فهناك الحرف (X) للإشارة إلى المجهول، وهذه الإشارة اتباعا للترتيب الأبجدي استتبعت استخدام الإشارة (Y) للمجهول الثاني و (Z) للمجهول الثالث فكل هذه الإشارات تحسست طريقها إلى أوروبا عن طريق العربية، وقد يبدو هذا القول عجيبا؛ لأن العربية لا تعرف الإشارة (X). لكن المتأمل إلى العربية يجدها تعبر عن المجهول بلفظ «شيء»، ومن ثم اختصرت هذه الكلمة إلى الحرف (ش) ويقابل هذا الصوت في الإسبانية القديمة الصوت (X)، وقد وجدت هذه الإشارة طريقها إلى المدارس الأوروبية في الفرقة السابعة، إذ تستخدم للتعبير عن المجهول الإشارة الإسبانية (X) والتي هي العربية (ش) في ثوبها الجديد الأسباني.

والعرب أيضاً هم الذين اخترعوا حساب المثلثات المسطح والكروي وهو علم لم يعرفه اليونان

وبذلك وفق العرب في خلق علم جديد مفيد في الفلك والملاحة والمساحة.

وعن طريق ترجمة الكتاب الشهير للعالم العربي أبي عبد الله محمد بن سنان ابن جابر الحراني المعروف بالبتاني وهو كتاب الزيج الصابي،

وقد بلغ هذا الكشف أوجه على يد فارسي آخر وهو ناصر الدين الطوسي وزير مالية هولاكو. ولم تدرك أوروبا هذا التطور أو تخطو به خطوة إلى الأمام إلا بعد قرون. وكذلك نجد التاريخ يعيد نفسه كما رأينا في تاريخ الجبر فمجهودات الفرس التي ختمت اختراعات العرب لم تجد طريقها إلى أوروبا ولم تخرج من خارج العالم العربي.

والعرب أيضاً هم الذين سبقوا أوروبا بنحو سبعمائة عام قبل إنجلترا وألمانيا إلى إيجاد الحساب الخلافي، وصاحبا الفضل في إيجاده الطبيب الفيلسوف ابن سينا (٩٨٠ – ١٠٣٨) واللاهوتي الغزالي (1053 – 1111) وهما من أبناء فارس.

كذلك عالج اللانهائي الصغير في الطبيعة والرياضة، ولا شك أن أوربا لم تتنبه إلى «مثل» هذه النظريات الخاصة باللانهائي الصغير، أعني الجسم الصغير صغراً لا نهائياً إلا في القرن السابع عشر الميلادي بفضل أمثال: «نيوتن» و «ليبنتز».

أما الفارابي (٨٧٠ – ٩٥٠م) فقد كان ثاني اثنين أولهما أرسطو عرفتهما الإنسانية، لقد كان الفارابي فيلسوفاً حكيماً ورياضياً عبقرياً وموسيقياً بارعاً، وقد اشتهر بمجادلاته العلمية مع علماء قصر الخليفة في دمشق، وكان الخليفة يشاركهم الأحاديث ويحضر المجادلات.

فأوروبا عرفت تراث العالم القديم عن طريق العرب فقط بترجمة العرب للمخطوطات اليونانية والشروح التي وضعها العرب عليها والكتب التي ألفها العرب كل هذه كانت العامل القوي في النهضة العقلية الجرمانية وفي تغذيتها، فالعرب بأعدادهم وآلاتهم وحسابهم وجبرهم ونظرياتهم حول المثلثات الكروية وعلوم البصريات وغيرها وغيرها نهضوا بأوروبا ودفعوها إلى الحركة العلمية دفعاً، ومن ثم استقلت واكتشفت واخترعت وتسلمت زعامة العلوم الطبيعية.

هدفت العصور الوسطى إلى توجيه الأوربيين وجهة خاصة بعيدة عن الاهتمام بالمظاهر الطبيعية والظواهر الفلكية، فقد حولت أنظارهم إلى الله والإيمان به، والاعتقاد في هذا المعبود كان لا يتطلب منهم إلا تحديد مواعيد أعياد الكنيسة، هذه المواعيد التي كانت تتغير من عام إلى آخر. أما الاهتمام بالشمس والقمر والزهرة والمشتري وبعض الكواكب الأخرى وبخاصة المقدسة منها، فقد حرمته الكنيسة على أتباعها اعتقاداً منها أن هذا الاهتمام قد يؤدى بالمسيحيين إلى الانزلاق إلى الوثنيين.

وإن شخصاً مثل «يوردانوس نيموراريوس» أزعج زملاءه الدومينيكانيين لما اعتمد على العلوم العربية التي أخذها عن بني موسى وغيرهم من علماء العرب. وقد اضطرته هذه الحالة إلى الحصول على إذن خاص، وقد منح هذا الإذن له لأنه كان في الواقع رئيس الطائفة وقد منح هذا الإذن له وصدر قرار باستثنائه في الدستور الذي وضع عام ١٢٢٨، والذي حرم الاتصال بالوثنيين بالرغم من رقيمهم وازدهار حضارتهم. وحرم الدستور كذلك على أعضاء الطائفة دراسة فلسفة الوثنيين والفنون الحرة، وذهب الدستور بعيداً في التحريم فمنع الأعضاء حتى دراسة قواعد الحساب الأولية والتقويم الخاص بتحديد أعياد الكنيسة واستثنى بعض الحالات الفردية.

لكن بالرغم من امتهان الكنيسة للمسلمين الوثنيين في نظرها!! إلا أن حاجة الكنيسة وأتباعها إلى العلوم والفنون الوثنية اضطرت أولئك المسيحيين إلى الاتصال بالمسلمين، وذلك في حالة ما إذا فات المسئولين المسيحيين رؤية البدر في فصل الربيع. فإذا وقع هذا حار القديس المكلف واضطرب ولا ينقذه من مأزقه هذا إلا إرسال بعثة إلى مسلمي أسبانيا ـ عبدة الشيطان ـ حيث يسألهم أعضاء البعثة عن تاريخ أسبوع الآلام وعن ميعاد عيد الفصح أو القيامة.

لكن هذا الموقف العدائي لم يمنع أمثال «جربرت فون أوريلاك» من تحدى أولئك الذين أعماهم التعصب، وأقبل على علم الفلك دارساً وباحثاً مع احتفاظه بولائه للقيصر والدولة حتى أصبح «بابا». والشيء الجدير بالملاحظة والإعجاب والتقدير هو ذلك الإسطرلاب المحفوظ إلى اليوم في فلورنسا والذي كان يستخدمه «جوبرت» عندما أصبح بابا وتسمى باسم «سلفسـتر الثاني» في روما، وذلك لتعيين ارتفاع الشمس وقوس الليل والنهار، لذلك أشيع عنه أنه تلقى هذا العلم على شيطان في قرطبة، ومعنى هذه التهمة اللعنة الأبدية للبابا ولعلم الفلك.

وللكنيسة الحق في موقف الحذر الذي تقفه، ففي الكتاب المقدس بعض الآيات التي تشير إلى أثر الأفلاك والكواكب في الكائنات الأرضية وقد حاول رجال الدين قصر هذا الأثر على الحيوانات والنباتات إلا أنه توجد بين الأجرام السماوية أخرى أشمل وأعم مثل: المذنبات والظلام، وظواهر سماوية أخرى للأمراض والحروب والمصائب، ويجب على الكنيسة أن ترفض رسمياً الاعتقاد في أي أثر للكواكب على الإنسان وإرجاع جميع هذه الآثار إلى الله. لكن الكنيسة لم تنجح في هذا، إذ إن تردد أنصار الكنيسة في موقفهم من أثر السماء في الإنسان أفسح المجال للنجوم والأفلاك وتغلغل أثرها بين القوم.

أما الإسلام فلم يهتم كثيراً بتأويلات النجوم والكواكب، ولا سيما أنه يرفض تقديس النجوم والأفلاك، ويدعو إلى عبادة الواحد الأحد رب العالمين فاطر السموات والأرض، لذلك حرم الإسلام الاعتقاد في أثر النجوم بالنسبة لطبيعتها، كما حرم الاعتقاد في الأثر المباشر للنجوم أو الصلاة لها.

لكن دراسة الفلك ضرورية فالله جل جلاله حض الإنسان على التأمل في السماء والنظر إليها، فباسم الله درست حركات النجوم وباسمه تعالى يبدأ كل بحث علمي، وهذه هي الميزة التي تحلى بها العرب وامتازوا بها على أوربا المسيحية، وهذا هو المستوى العلمي الرفيع الذي حفظهم من التدهور والسقوط في الصوفية؛ لذلك كان علم الفلك أو الاعتقاد في القدر بعيداً البعد كله عن السحر والشعوذة وما إليهما من الخرافات التي تهدد حياة المسلم العربي، كما تبين ذلك من مؤلفات العرب الفلكية التي وصلت إلى أوربا.

واليهودي الفارسي المشهور «أبو معشر» المتوفي عام ٨٨٦م واشتهر في أوروبا باسم «البومسر Albumasser» وكان يعد من بين أعظم منجمي العرب. ويمتاز بأن أحداً لم يسبقه واهتم بمصدر ووسيلة تدريس هذه المادة اهتماماً ملفتا، فقد جمع أبو معشر جميع ما في متناوله وجعل منه خليطاً عجيباً، كما امتدت يده دون خجل إلى مؤلفات وأعمال الآخرين مثل «سند بن على ونسبه إلى نفسه، وبذلك (فقط) استطاع أن يضع كتاباً عظيماً يتفق وعمره المديد الذي بلغ مائة عام. وكتابه هذا لا تكاد تخلو منه مكتبة أوربية فقد بلغ شهرة لم يبلغها كتاب آخر غيره في أوربا المسيحية، وإن اشتهر بالغموض. وفي حلبة السباق على علم التنجيم نجد عربياً ممتازاً ألا وهو الفيلسوف الكندي الذي وضع كتاباً حول التنبؤ بالطقس،

وقد سبب سوء استعمال الجهلاء للعلوم كثيراً من الأذى والامتهان والحط من قدرهم وقدر العلم، لذلك هاجم أمثال البيروني أولئك الأفاكين بالألفاظ قاسية واتهمهم بأنهم الدخلاء على علوم الفلك والتنجيم،

وهاجم الزركلي المنجمين بحرارة وشاركه في ذلك الشاعر «السيمري»، فقد وضع كتاباً في نقض أقوال المنجمين، وكتب يوسف الهروي في «خدع التنجيم»، وابن سينا الذي هو صديق حميم للبيروني والفارسي الأصل والعالم الفيلسوف طالب بإلغاء ومنع تفسير سير النجوم. وكان من نتيجة هذا الهجوم أن اختفي عدد كبير من زعماء المنجمين المشعوذين الأدعياء، وبخاصة عندما تشعبت علوم الفلك والتنجيم فذهب الزبد وبقى ما ينفع الناس،

وقد أثر العرب عن طريق الفلك والتنجيم في أوربا أثرًا بعيدًا وساعدهم على هذا جهل رجال الكنيسة ورهبان المسيحية الذين كانوا يحتكرون التنجيم، بالرغم من تفاهة معلوماتهم فيه وعوضًا عن مناقشتهم هذه التعاليم وتلك النظريات أخذوا ينظرون وكأنها تأويل للنجوم وطوالعها،

وكما هاجم البيروني وابن سينا شعوذة المنجمين، كذلك فعل مارتن لوثر إذ صب جام غضبه على هؤلاء الأفاكين، وقال إن التنجيم ليس علما ولا يمكن للإنسان أن يعتمد عليه.

الكتاب الرابع: الأيادي الشافية

الشفاء العجيب عند الإفرنج

«أحضروا عندي فارساً قد طلعت في رجله دملة، وامرأة قد لحقها نشاف (بله) فعملت للفارس لبيخة، ففتحت الدملة وصلحت، وحميت المرأة ورطبت مزاجها، فجاءهم طبيب إفرنجي فقال لهم: هذا ما لا يعرف شيئاً يداويهم. وقال للفارس: أيما أحب إليك أن تعيش برجل واحدة أو أن تموت برجلين؟ قال: أعيش برجل واحدة. قال: «أحضروا لي فارساً قوياً وفأساً قاطعة»، فحضر الفارس والفأس وأنا حاضر، فغط ساقه على قرمة خشب، وقال للفارس: اضرب رجله بالفأس ضربة واحدة اقطعها. فضربه وأنا أراه ضربة واحدة فما انقطعت فضربه ضربة ثانية فسال مخ الساق ومات من ساعته، وأبصر المرأة فقال: هذه امرأة في رأسها شيطان قد عشقها. احلقوا شعرها فحلقوه، وعادت تأكل من مأكلهم الثوم والخردل، فزاد بها النشاف. فقال: الشيطان قد دخل في رأسها، فأخذ الموسى وشق رأسها صليباً وسلخ وسطه حتى ظهر عظم الرأس وحكه بالملح فماتت في وقتها، فقلت لهم: ما بقى لكم إلى حاجة؟ فقالوا: لا؛ فجئت وقد تعلمت من طبهم ما لم أكن أعرفه».

إن الأمير أسامة بن منقذ، ابن أخي حاكم شيزر، (١٠٩٥ – ١١٨٨م)، هو الذي سخر من هذه الحادثة التي شاهدها أيام شبابه وعبر عنها في كتابه الاعتبار في فصل عقده لها عنوانه: طبائع الإفرنج وأخلاقهم.

إن رواية أسامة بن منقذ ليست دعاية أعداء، كما قد يتبادر إلى الأذهان، وليست محاولة مقصودة للنيل من عدو محترم هو في نفس الوقت عدو للعرب،

فمن التجارب التي تجمعت لدى الأمير أسامة بن منقذ والمعاملة القاسية التي تعرض لها الفرسان المسيحيون وذهب عدد كبير منهم ضحيتها، أصبح لا يحمل أي احترام أو تقدير للطب الإفرنجي، وهو على حق إذا ما اعتقد أنه لا طبيب إلا الطبيب العربي ولا دراسة طبية ناضجة تقوم على أسس علمية إلا في البلاد العربية ولا صيدلة إلا في البلاد العربية، كما لا توجد مستشفيات تضارع تلك القائمة في مختلف البلاد العربية، فهذه مستشفيات ممتازة بمعاملها وكفاية أطبائها ونظافتها ومستواها وتوفر وسائل العلاج والراحة والنقاهة لنزلائها حتى كانت مضرب الأمثال، فهل يستغرب أن يستعين الإفرنج بالأطباء العرب؟

«كان عندنا في بلادنا فارس كبير القدر فمرض وأشرف على الموت فجئنا إلى قس كبير من قسوسنا وقلنا: تجيء معنا حتى تبصر الفارس فلاناً؟ قال: نعم. ومشى معنا ونحن نتحقق أنه إذا حط يده عليه عوفي. فلما رآه قال: أعطوني شمعاً. فأحضرنا له قليل شمع فليته وعمله مثل عقد الأصبع، وعمل كل واحدة في جانب أنفه، فمات الفارس، فقلنا له: قد مات. قال: نعم، كان يتعذب فسددت أنفه حتى يموت ويستريح.

وضع اليد، طرد الشيطان، صلاة. هذه كانت أحسن أدوية للشفاء كان يستخدمها الأطباء الأوربيون وهم في أزياء القسيسين والرهبان لشفاء المرضى من أمراضهم الجسدية.

«فهل أحد بينكم مريض، فإن كان الأمر كذلك فليستدع الإنسان عجائز الحي» ليصلوا من أجله بعد أن يدهنوه باسم المسيح بالزيت، وصلاة الإيمان لا تكفي لشفاء المريض»، هكذا علم يعقوب الرسول،

أليس الاعتماد على العقاقير الدنيوية كالأعشاب والجذور يضعف الاعتماد على الله وقوته؟ إن الشياطين والأرواح الشريرة هي التي تحاول إبعاد الإنسان عن الله والاعتماد عليه، تحاول إبعاد الإنسان عن خالقه، وقد نجحت الشياطين حقاً في إضلال الأغنياء وضعاف الإيمان فلجأوا إلى مثل هذه الأدوية وتلك العقاقير.

«إن جميع الأدوية ومختلف أنواع العلاج نشأت أصلاً من وسائل الشعوذة والضلال» هكذا قال أحد آباء الكنيسة ألا وهو «تتيان» وقال أيضاً: «إن جميع هذه العقاقير الطبية بأنواعها المختلفة من صنع الوثنية وحضرتها في صيدلية الطبيعة»، وذلك لأنه عندما يشفي مريض بعقاقير مادية ويثق الإنسان في مثل هذه العقاقير ومفعولها وقدرتها على الشفاء فإن ثقة مثل هذا الإنسان في الله وقوته يجب أن تكون أعظم، فلماذا لا يعتمد على الله فقط؟ ولماذا لا يتجه إلى الله القوي العظيم؟ أو يفضل المريض أن يشفي كما يشفي الكلب عن طريق العشب، والوعل بواسطة الأفاعي، والخنزير بسرطان البحر، والأسد بالقردة؟ لماذا تقدس الأشياء الأرضية؟».

والكنيسة ترى أن استخدام أدوية أخرى غير تلك التي تصفها هي ـ أعني أدوية الروح، كذلك ترى أن احتراف مهنة الطب وإجراء عمليات جراحية، عمل مشين يتنافي ومكانة رجال الدين وكرامتهم

وهكذا نجد مادة الطب في وضع أسوأ من أوضاع المواد الأخرى، فالطب كغيره لم يطلب في الأديرة لذاته بل لخدمة العقيدة؛ لذلك لم تتقدم دراسته أو تثمر الثمار المرجوة، وكان يكتفي علمياً بالنسخ والجمع.

لذلك لا يجوز للمريض الذي يتلوى من الحمى أن يستعين بطبيب قبل إعلان التوبة إلى ربه، فقد تقرر عام ٨٩٥م في المجمع الديني الذي عقد في «نانتيس»: «على القسيس عندما يبلغه أن أحد مسيحيي طائفته قد مرض أن يتوجه إلى المريض ويرشه بماء مقدس، ويصلي معه ثم يعد سائر أعضاء الأسرة ويعترف المريض له ويرجوه أن يطهره دينياً وأرضياً من الخطايا، فبدون اعتراف لا علاج»،

كما يقرر منع معالجة الشخص الذي يطرد من الكنيسة لأن مثل هذا المريض المطرود لم يعترف بعد، وسبب المرض خطيئة الروح، كما قال بذلك يسوع المسيح إذ ذكر مرة لمريض شفاه من المرض: انظر لقد شفيت فلا ترتكب خطيئة مرة أخرى حتى لا تصيبك مصيبة أخرى (إنجيل يوحنا الإصحاح ٥ آية ١٤).

وإذا رفض المريض الاعتراف، ورفض الطبيب المسيحي علاجه واضطر المريض إلى الالتجاء إلى طبيب آخر يهودي أو مسلم ليعالجه طرد المريض المسيحي من الكنيسة، وذلك لأنه بمسلكه هذا يهدد سلام روحه تهديداً مباشراً.

نعم. هكذا كان الإفرنج، والمسلم يعجز عن إدراكه، فها هو ذا ابن رضوان الذي كان نقيب أطباء القاهرة في منتصف القرن الحادي عشر، والذي كانوا يلقبونه بلقب «تمساح الشيطان» ذكر مرة في صدى الحديث عن واجبات الطبيب «أن يكون مأمونا ثقة على الأرواح والأموال لا يصف دواء قتالا ولا يعلمه، ولا دواء يسقط الأجنة. يعالج عدوه بنية صادقة كما يعالج حبيبه».

أما البيوت المخصصة بالمرضى فلم تعرفها أوروبا قبل نهاية القرن الثاني عشر الميلادي، وفقط بعد اتصال أوروبا الصليبية بالشرق العربي حيث اقتبس المسيحيون نظم المستشفيات والملاجئ، ولو أن أوروبا ظلت زمنا طويلا تحارب الأطباء ولا تعينهم في المستشفيات اعتقاداً من المسيحيين بأن رسالة الكنيسة فيما يتعلق بالمرضى هي تخفيف الآلام لا الشفاء.

أما تهوية المستشفي فقد كانت من الرداءة بحيث اضطرت الممرضين وغيرهم إلى وضع إسفنجة مبللة بالخل على أفواههم، وخاصة أن جثث الموتى كانت تظل في أماكنها أياماً طويلة حتى تنقل. وكان المرضى هم الذين يقاسون من هذه الحالات أشد الأهوال وأنكرها، من رائحتها الكريهة التي تبعثها، وتجمع الذباب حولها.

مُستشفيات وأطبَّاء لم يرَ العالَم نظيرهم

والدى العزيز: إنك تسأل عما إذا كنت تحضر لي نقودا عند زيارتك، والواقع أنني عندما أغادر المستشفي تصرف لي إدارته كسوة جديدة وتسلمني خمس قطع نقود ذهبية أنفق منها عقب خروجي من المستشفي مباشرة حتى لا أضطر إلى العمل وأنا في حاجة إلى الراحة للنقاهة. فأنت يا والدى لست في حاجة إلى بيع ماشية من مواشيك،

أما المريض الذي لا يحتاج إلى علاج داخلي في المستشفي فيحصل على كشف بالدواء الذي يحتاج إليه، ويتناوله من صيدلية المستشفى. وبعد الكشف على كتب اسم في سجل المستشفي وعرضت على كبير الأطباء، وقد حملني مرضى إلى قسم الرجال بعد أن أدخلني الحمام وألبسني ملابس نظيفة للمرضى.

وعندما تسمع موسيقى أو غناء في قاعة من القاعات فانظر إلى داخلها إذ قد أكون في القاعة النهارية للاستجمام والترويح عن النفس حيث تجد كتباً وموسيقى للتسلية.

ولما زارني صباح اليوم كبير الأطباء ومعه مساعدوه والممرضون وكشف، أملى على طبيب القسم شيئاً لم أفهمه، وقد شرح لي بعد ذلك أنني قد أغادر السرير غداً وأترك المستشفي قريباً. والواقع أنني لا أريد مغادرة المستشفي فكل شيء هنا في غاية النظافة والجمال، فالأسرة وثيرة وأغطيتها من القماش الدمشقي الأبيض وعليها أخرى هشة ناعمة كالقطيفة. وفي كل غرفة ماء جار وبها تدفئة تستخدم شتاء. أما وجبة الطعام فغالباً ما تتكون من الطيور أو شواء الضأن لأولئك الذين تحتمل صحتهم مثل هذا.

إن جارى قد تمارض نحو أسبوع طلباً في إطالة البقاء بالمستشفي ليتمتع بلحم صدر الفراخ، إلا أن كبير الأطباء تبينه وأخرجه من المستشفي البارحة بعد أن تبين جودة صحته من أنه أكل رغيفاً وفرحة كاملة. إذن احضر يا والدى قبل أن تعد لي آخر دجاجة!

والواقع أن هذه الرسالة تصور مستشفى من المستشفيات الكثيرة التي كانت منتشرة في مختلف أنحاء العالم الإسلامي قبل ألف عام من الهيمالايا إلى البرنات؛ ففي قرطبة نجد في منتصف القرن العاشر خمسين مستشفى. أما بغداد، وقد فاقت غيرها واشتهرت بمستشفياتها منذ عهد هارون الرشيد، فمواقع المستشفيات قد أحسن اختيارها صحياً، كما زودت جميع غرفها ومحال الغسل بها بالمياه الجارية المأخوذة من نهر دجلة، وكان هذا شيئاً بدهياً. فعندما شرع السلطان عضد الدولة في بناء مستشفى جديد كلف الطبيب المشهور الرازي اختيار أنسب مكان وأصحه، وأن عضد الدولة استشاره في الموضع الذي يجب أن يبنى فيه البيمارستان، وأن الرازي أمر بعض غلمانه أن تعلق في كل ناحية من جوانب بغداد شقة لحم؛ ثم اعتبر التي لم يتغير ولم يسهك فيها اللحم بسرعة فأشار بأن يبنى في تلك الناحية، وهو الموضع الذي بنى فيه البيمارستان.

وفي القاهرة لما أراد صلاح الدين تحويل قصر من قصوره إلى المستشفي الناصري اختار من بينها القصر الذي لا تكثر في قاعاته جموع النمل.

وقد شيد أولئك الملوك الأخيار إلى جانب القصور التي زودوها بمختلف وسائل الأبهة والراحة كثيراً من دور الخير والبر حيث توفرت فيها وسائل النوم والراحة أو الإقامة حتى لكبار رجال الدولة، كما أن المستشفيات كانت مزودة ببعض قاعات النوم والحمامات المفتوحة للجميع.

ومن أشهر المستشفيات الإسلامية المستشفي الكبير المعروف باسم المنصوري أو دار الشفاء أو مارستان قلاوون، ولما تم بناؤه توجه السلطان في ركب عظيم، ولما بلغ البيمارستان استدعى قدحاً من الشراب فشربه وقال: «قد وقفت هذا على مثلي فمن دوني»، وأوقفه السلطان على الملك والمملوك، والكبير والصغير، والحر والعبد، والذكر والأنثى، وجعل لمن يخرج منه من المرضى عند برئه كسوة، ومن مات جهزه وكفن ودفن.

ولم يحصر السلطان أثابه الله هذا المكان المبارك بعده في المرضى، بل جعله سبيلا لكل من يصل إليه في سائر الأوقات من غنى وفقير. ولم يقتصر أيضاً على من يقيم به من المرضى بل رتب لمن يطلب وهو في منزله ما يحتاج إليه من الأشربة والأغذية والأدوية.

أما مستشفى نوري هذا فقد أسسه الرجل الإنساني الذي كان يعني بشئون رعيته ألا وهو السلطان نور الدين زنكي (١١٤٦-١١٧٤)، وقد شيده من فدية حصل عليها لإفراجه عن ملك من ملوك الإفرنج كان قد أسره وسجنه. ومن هنا كانت ترسل الأدوية إلى المنصور قلاوون القائد المصري الشاب عندما أصيب بالبرص بدمشق في مرارته. وبعد شفائه امتطى المنصور صهوة جواده وتوجه إلى المستشفى؛ ومنذ ذلك الوقت طاردته فكرة «واحة السلام» بينما كان يخوض غمار المعارك؛ إنه يذكر القاعة ذات الهواء العليل في المستشفى، ويذكر الأسرة البيضاء ذات الفراش الوثِير. فَنَذر الله أنه -متى اعتلى عرش الحكم- سَيَشِيد للمرضى مستشفى كهذا. فلما جاءته السلطنة ووفي بوعده ونذره، وأنفق على بناء المستشفي مالاً كثيراً وشيده في الشارع الممتد بين برجي القاهرة. هذا هو المستشفي المنصوري، وإنه حقاً قصر عظيم مؤثث أحسن تأثيث، وكان أحدث وأكمل مستشفى على سطح الكرة الأرضية.

وفي ميافارقين صارع الموت ابنة الحاكم فوعد والدها الطبيب المعالج أنه إذا شفاها قدم له وزنها ذهباً. والطبيب هو زاهد العلماء، وقد استطاع شفاء الفتاة إلا أنه اعتذر عن قبول الذهب ورجا الحاكم أن يشيد بالمال مستشفى، فاستجاب والد الفتاة وهو ناصر الدين وشيد المستشفي وأوقف عليه المال الكثير والأراضي الواسعة للإنفاق عليه.

وكان المرضى يعالجون فيه مجاناً سواء كانوا أغنياء أم فقراء، كما كانوا لا يدفعون شيئاً نظير إقامتهم في المستشفى، وحتى العلاج كان يصرف لهم مجاناً، وعلاوة على ذلك يتناول المرضى الملابس والنقود للإنفاق على الخصوصيات لمدة شهر بعد ترك المستشفى.

فمن أين كان يدفع جميع هذا؟

الواقع أن الإنفاق على مثل هذه المؤسسات العظيمة كان يتطلب إيراداً منتظماً ثابتاً ودقيقاً، فالمستشفي المنصوري مثلاً كان يحتاج سنوياً إلى مليون درهم، وكان هذا المبلغ يؤخذ من إيرادات أملاك الدولة التي يرصد دخلها للمستشفي عند الشروع في بنائه.

أما إدارة الأملاك فكانت في يد أناس مشهود لهم بالأمانة والكفاية تستطيع الدولة أن تعتمد عليهم وتراقبهم، كما أن إدارة المستشفي كانت غالباً في يد أمير. أما السلطان فكان حريصاً على الإلمام بكل ما يجرى في المستشفي عن طريق التفتيش أو الاستجواب.

ومن إيراد هذه الأراضي كانت تدفع كذلك مرتبات الموظفين كما أن مدير المستشفي كان مكلفا بإعداد سجل لجميع المصاريف اليومية ومنه تتبين ميزانية المستشفي ومرتبات الأطباء وغيرهم وأثمان الأدوية والأجهزة الطبية.

أما المستشفيات الكبرى فقد كانت في نفس الوقت هي المدارس العليا للطب فالمواد التي علمها أبقراط وجالينوس وكبار العلماء العرب كان يتلقنها الأطباء الناشئون في المحاضرات العامة تحت عقود المساجد وفي المدارس الطبية الخاصة التي كان يديرها الأطباء، وكذلك في المستشفيات والعيادات، وبينما كان يكتفي في الأديرة الأوربية ومدارسها بتحصيل العلوم في الكتب إذ بنا هنا في العالم العربي نجد العلوم يقوم بتدريسها علماء عمليون يمارسون الطب. بخلاف الحال عند المسيحيين الذين كانوا يلونون ألسنتهم بنظريات جامدة جافة ويتجنبون بطريقة صوفية لمس الكائن الحي.

ففي المستشفيات العربية وحول الأسرة البيضاء كان الطبيب يطبق النظري على العملي، كما كان يستطيع فحص الجسد وتشريحه وفهمه وتقريبه إلى الأذهان.

وابن أبي أصيبعة يحدثنا في طبقاته عن عهد دراساته في دمشق، وكيف كان الطلبة يرافقون الأستاذ عند زيارته للمرضى، وكيف كانوا يدرسون عملياً مختلف الحالات عندما يفحصها الأستاذ ويشخص المرض ويصف العلاج، بل كثيراً ما كانوا يسمعون المناقشة التي تدور بين رئيس الأطباء وزميل له مشهور، فكانت زيارة للطلاب للمستشفي ذات فائدة مزدوجة: الدرس أولاً ونظام المستشفي ثانياً. هكذا كان يتكون الأطباء العرب، ومثل هذا النظام لم يعرفه العالم من قبل اللهم إلا في العصر الحديث فقط. وقد بلغ من حرص الدولة الإسلامية على المصلحة العامة أنها لم تكن تسمح لطبيب بمزاولة ما تخصص فيه من طب إلا بعد أن يؤدى امتحاناً نظرياً وعملياً وتمنحه الدولة إجازة ينص فيها على مادة تخصصه. ولم يكن هذا التشريع مقصوراً على شرق العالم الإسلامي بل كان له نظيره في الأندلس.

ويذكر المؤرخون أن تاريخ تشريع الحصول على مثل هذه الشهادة يرجع إلى عام ٩٣١ م عندما علم الخليفة المقتدر أن طبيباً بغدادياً ارتكب خطأً تسبب عنه موت المريض، لذلك أصدر الخليفة أمراً بإجراء امتحان لسائر الأطباء الذين يزاولون هذه المهنة، ولم يستثن من هذا الامتحان إلا الأطباء الذين يعملون في مستشفيات الدولة، لذلك أمر بتكوين مجلس للأطباء وعين سنان بن ثابت رئيساً له. ولمعرفة مدى انتشار مهنة الطب وقتذاك يكفي أن نذكر أن عدد أطباء بغداد الذين كانوا يعملون خارج الحكومة بلغ نحو تسعمائة طبيب… في الوقت الذي لم يكن فيه في كل حوض نهر الرين طبيب واحد.

أما مجالس الأطباء التي كانت تعقد لمدارسة الحالات الصعبة المعقدة فقد كانت ضماناً آخر لتجنب الوقوع في الأخطاء الفنية وضماناً لدقة وصحة تشخيص المرض والعلاج. وأكبر المستشارين من بين الأطباء سناً هو الذي يرأس المجلس ويتولى أصغرهم سناً تسجيل المحضر.

ومما يثير الإعجاب حقاً ما توصل إليه العرب عن طريق النبض وتحليل البول، فقد كانوا يعتمدون على هذا التحليل متى توافرت له شروط خاصة. وقد توصلوا عن طريقه إلى أشياء خافية كثيرة.

فمن هذه التسجيلات التي تؤرخ المريض والمرض في المستشفيات الكبرى ببغداد ومدينة الري الواقعة في قلل الجبال في الربع الأول من القرن العاشر، تم وضع مؤلف قيم في الطب، وقد ظل مئات السنين مستخدما كمرجع طبي دراسي لأطباء أوربا، فهو سجل للتجارب العملية، والتي يجب على الأطباء مراعاتها وعلى الطلبة دراستها، وقد وضع هذه المجموعة أكبر طبيب في العصور الوسطى وأحد عظماء أطباء العالم والإنسانية في مختلف العصور.

أحد نوابغ الطِّبّ العالميين في مُختلف العُصُور

قبل ستة قرون امتلكت كلية الطب بباريس أصغر مكتبة في العالم. وكانت محتوياتها كتابًا واحدًا، وهذا الكتاب لمؤلف عربي.

لقد كان مؤلفًا قيمًا جدًا حتى إن صاحب الجلالة ملك جميع المسيحيين لويس الحادي عشر أراد مرة استعارته فدفع تأمينًا اثني عشر ماركًا فضة ومائة ريال ذهبًا، وكان غرضه من استعارته تمكين أطبائه الخصوصيين من الحصول على نسخة منه للرجوع إليها إذا ما طرأ على صحة صاحب الجلالة طارئ ما.

وقد أطلقت أوربا على مؤلفنا العربي الرازي – واسمه الكامل أبو بكر محمد بن زكريا – لفظ «رازيس Rhasis».

وقد ولد الرازي في مدينة الري بخراسان الواقعة شرقا قليلا من طهران الحالية، وكان ذلك في منتصف القرن التاسع الميلادي عندما استطاع حفيد شارلمان تقسيم دولة الكارولينجيين.

وما كاد يصل إلى عاصمة العباسيين حتى أقبل بحماس على دراسة الطب فبدأ أولا بأخذ اللغات اليونانية والفارسية والهندية ومبادئ الطب على حنين بن إسحق الذي كان رئيس مترجمي أبناء موسى وكثيرين من الخلفاء.

وولد الفكر للرازي أن عاد إليه فسأله عن المياه التي شربها في طريقه فأخبره أنه قد شرب من مستنقعات وصهاريج، فقام في نفس أبي بكر محمد بن زكريا الرازي المتطبب الرأي بحدة الخاطر وجودة الذكاء أن علقة كانت في الماء فحصلت في معدته، وأن ذلك النفث للدم من فعلها. فقال له: إذا كان في غد جئتك فعالجتك ولم أنصرف أو تبرأ ولكن بشرط أن تأمر غلمانك أن يطيعوني فيك بما أمرهم به فقال: نعم، وانصرف الرازي فجمع له ملء مركنين كبيرين من طحلب أخضر فأحضرهما من غد معه وأراه إياهما وقال له ابلع جميع ما في هذين المركنين، فبلع الرجل شيئًا يسيرًا ثم وقف فقال: ابلع. فقال: لا أستطيع، فقال للغلمان: خذوه فأنيموه على قفاه ففعلوا به ذلك وطرحوه على قفاه وفتحوا فاه وأقبل الرازي يدس الطحلب في حلقه ويكبسه كبسًا شديدًا ويطالبه ببلعه شاء أم أبى ويتهدده بالضرب إلى أن بلعه كارهاً أحد المركبين بأسره والرجل يستغيث فلا ينفعه مع الرازي شيء؛ إلى أن قال: الساعة أقذف، فزاد الرازي فيما يكسبه في حلقه فذرعه القيء فقذف، وتأمل الرازي قذفه فإذا فيه علقة، وإذا هي لما وصل إليها الحلبة فرمت إليه بالطبع وتركت موضعها والتفت على الطحلب. فلما قذف الرجل خرجت مع الطحلب ونهض الرجل معافى.

لقد توفي عام ٩٢٥م فقيراً معدوماً فكرمه الحاتمي أوصله إلى ما يقرب من التسول، وحسد زملائه وحقدهم عليه ودسهم له دينياً وسياسياً أقصاه من مختلف الأعمال والوظائف التي كان يعيش منها سواء في بغداد أو الري.

الرازي الذي ساعد الآلاف فقد بصره وأصبح ضريراً بسبب السياط التي ألهب بها ظهره حاكم خراسان المستبد المنصور بن إسحق، لأنه قام ببعض التجارب الكيماوية ولم ينته فيها إلى نتيجة. ولا شك في أن هذا السياط هي التي أدت إلى فقدانه بصره.

وبالرغم من كل المحاولات التي بذلت لإقناعه بإجراء العملية لصالح بصره رفض الرازي وقال: «لقد رأيت كثيراً من العالم حتى سئمت».

إن الحصاد الذي جنته الإنسانية من حياة الرازي الغنية بالكفاح والجهاد في سبيل الطب وتقدمه عظيم جداً، فأخته خديجة تذكر أنه ترك أكثر من مائتين وثلاثين مؤلفاً ورسالة، وهذه المؤلفات لا تعالج الطب أو الكيمياء فقط بل تناولت كذلك الدين والفلسفة والفلك والطبيعة والرياضيات، فهناك رسالة عنوانها: بسبب أن المغنطيس يجذب الحديد؛ وأخرى عن الفراغ، وكتاب هيئة العالم غرضه أن يبين أن الأرض كروية وأنها في وسط الفلك وهو ذو قطبين يدور عليها، وأن الشمس أعظم من الأرض والقمر أصغر منهما، وما يتبع ذلك من هذا المعنى. ومن مؤلفاته كتاب في العلم الإلهي على رأى أفلاطون وقصيدة في العلم الإلهي. وكتاب الخمسين في أصول الدين.

ويؤثر عن الرازي أنه كان يعتقد أن مجلساً من خمسة عناصر إلهية يدبر العالم، وهذا يعارض تعاليم الإسلام، كما وضع كتاباً يدعو إلى شيء من الحرية الدينية ويفصل بين الأخلاق والدين ويدعو إلى حياة جريئة لا يهددها الوعد أو الوعيد في العالم الآخر، وذلك لأن العقل والمعرفة يثبتان عدم وجود الحياة الأخرى بعد الموت.

وظل الصندوق مقفلاً زمناً طويلاً ثم حضر ابن العميد وزير السلطان إلى الري، ومن ثم توجه إلى المنزل الذي توفي فيه هذا الطبيب الشهير، فسلم خديجة مبلغاً كبيراً من المال وأخذ الصندوق بما فيه وجمع أطباء المدينة وتلاميذ الرازي وكلفهم بالاطلاع على هذه الأوراق ومراجعتها وتنظيمها بحيث يتكون منها كتاب يصلح للنشر.

وقد تحققت هذه الرغبة، وكان هذا السفر هو الموسوعة التي عرفت فيما بعد باسم كتاب الحاوي أو الجامع الكبير أو الجامع الخاص بصناعة الطب، وهو يعرف في أوربا باسم «كونتينتس Continens» وهو موسوعة تقع في نحو ثلاثين مجلداً تعالج الموضوعات الطبية المختلفة من عهد أبقراط حتى عصر جمعه، فما أعظم هذه المعلومات وأقيمها التي كان يعرفها الرازي! لقد اطلع على جميع ما وقع في يده من كتب الطب واستشهد في الحاوي بمختارات من المراجع اليونانية والهندية والفارسية والسريانية والعربية، مع الدقة في ذكر المراجع عند الحديث عن كل مرض من الأمراض التي عالجها أو اهتم بها، وإلى جانب ذلك كان يذكر رأيه الخاص وتجاربه ليجعل من موسوعته كتاباً أقرب إلى الكمال ليتوج به حياته، إلا أن العمى الذي أصابه والموت الذي اختطفه حالاً دون تحقيق هذه الأمنية.

وقد أهدى المؤلف الكتاب الذي عرف باسم المنصوري إلى حاكم خراسان وهـو يعرف في اللاتينية باسم Liber medicinalis ad Almansorem أي «كتاب الطب المنصوري» أو «الكتاب المنصوري Liber Almansoris»، وللرازي أيضاً كتاب الأقطاب وكتاب الشفاء في ساعة، وقد وضع الأخير استجابة لرغبة الوزير ابن القاسم بن عبد الله، وذلك عقب مناقشة دارت حول المدة التي يجب أن يعالج فيها المرض فقال بعض الأطباء الحاضرين: إن علاج المرض يحتاج إلى الزمن الذي احتاجه للظهور. فقال الرازي عن هذا الاجتماع: لقد قالوا هذا حتى يسمحوا لأنفسهم بزيارة المريض مرات عديدة ليحصلوا على أكبر مبلغ ممكن، فاند الوزير عندما سمع منى أن بعض الأمراض قد يشفي في ساعة، ورجاني أن أكتب في هذا كتاباً، وها هو الكتاب.

ومن كتب الرازي الكثيرة الانتشار كتابه الخاص بأولئك الذين لا يتيسر استدعاء الطبيب، وهو أول معجم طبى للاستعمال في البيت، وهو يصف الأمراض المختلفة بدقة فائقة كما يصف علاجها بواسطة مواد متوفرة في كل مكان وبأدوية موجودة في كل مطبخ وكل بيت.

أما مؤلفه الخاص بعلاج مرض بعينه فله شهرة عظيمة، وهذا هو الكتاب المعروف باسم «كتاب الجدري والحصبة»، فقد فتح الرازي بهذا الكتاب حقلا جديدًا لم يطرقه أحد من قبل،

إن مثل هذا المنهج في البحث وهو الاعتماد على تشخيص المرض كما هو حسب وضعه وأثره في المريض مستخدمًا وسائله الطبية الخاصة جديد في عالم الطب.

إن جميع الأشياء التي كان يعنى بها هذا الطبيب العربي والتي تبين مدى المستوى الذي بلغته العناية الصحية في العالم الإسلامي – كانت جميع هذه الوسائل وتلك الاتجاهات تُقْدَى في عيون رجال الكنيسة وخطيئة كبرى،

ويذكر عن الرازي أنه كثيراً ما استخدم الممرضين وغيرهم لنقل المرضى إلى أصح الأماكن؛ لأنه يعتبر الهواء العليل من أحسن الأدوية وهو لديه لا يقل أهمية عن العقاقير النباتية التي كان يفضلها الرازي على سواها، وكان المريض يتناولها كما هي في حالتها الطبيعية. وإن لم تفد هذه العقاقير المريض استعانة عنها بالكيماويات، لذلك وضع كتاباً وأكثر في إعداد الطعام والأغذية الحمية.

أما إذا كان الدواء المطلوب جديداً فتجب تجربته في الحيوانات قبل استعماله لمعرفة أثره ومفعوله الكيماوي في أعضاء جسم الإنسان.

إن الرازي لم يكن في طليعة الأطباء فقط بل كان من أوائل الكيميائيين أيضاً، لقد كان العالم المتواضع الذي عالج الكيمياء علاجًا علميًا حقيقيًا، وقضى على هذه الخرافات التي كان يتصور الأقدمون أنها جوهر الكيمياء السحري، أعنى أن وظيفة الكيمياء هي استخراج الذهب لا أكثر ولا أقل، ومن ثم أخذ الرازي ينظر إليها على أنها علم يعنى قبل كل شيء بالتجارب والتحاليل لا الشعوذة، وكان الرازي أول كيميائي استخدم هذا العلم في خدمة الطب.

وقد شاع بين الشعب أن هذا العالم الفاضل توصل إلى حجر الحكماء، وذلك لأن الرازي قد غمر شعبه بهباته وعطاياه وكرمه الحاتمي، واعتقد القوم أن هذا الثراء لا بد أن يكون مصدره حجر الحكماء الذي اهتدى إليه الرازي والذي بواسطته يستطيع أن يحول سائر المعادن إلى ذهب.

فالطب كما جاء في رسالة أبقراط هو الفن الذي يشفي المريض تماماً من مرضه وتخفيف وطأة آلام الأوجاع القاسية والابتعاد عن أولئك الذين لا يرجى شفاؤهم، وذلك بسبب استفحال المرض فيهم وإزمانه. ففن الطب لا يجدى معهم.

ثم جاء الإسلام بتعاليمه الإنسانية الرفيعة فاستنكر المسلمون هذا النوع من المعاملة الذي ظل قروناً طويلة دستوراً للطب والأطباء في كثير من بلاد أوربا والشرق الأدنى، ونادى مسلم بوجوب تغيير تلك الأوضاع وبأن أول واجب على الطبيب هو العناية بالمريض حتى الذي لا يرجى شفاؤه، وهذا المسلم هو الرازي، فقد تبين أن رسالة الطبيب الحقيقية تكمن في أن على الطبيب أن يقنع مرضاه بأن حالتهم في تحسن، وأن يمنحهم الأمل في الشفاء، ولو كان غير واثق من نتيجة علاجه، فكما أن الجسد يخضع لتأثير الروح كذلك الطبيب يجب عليه أن يدخل أمل الشفاء إلى ذلك الجسد المريض مطارداً الموت وباعثاً الحياة.

وإن ظلت أوربا قروناً طويلة غير مدركة لقيمة المبادئ الإسلامية السامية. ففي أوربا نجد الشعب يجنى ثمار البذور التي غرسها اليونان وغذتها المسيحية ولا شك في أنها كانت من أبشع الغلات. فالمريض المصاب بمرض مزمن غير قابل للشفاء وبخاصة المريض بعقله كان المجتمع الأوربي المسيحي ينظر إليه طيلة العصور الوسطى وحتى أواخر القرن الثامن عشر على أن هذه المصيبة إما هي عقوبة إلهيه ابتلاه الله بها تكفيراً عن خطيئة ارتكبها المريض قبل أن يمرض، أو أن هذا المريض أصبح جسداً للشيطان.

لكن إذا انتقلنا إلى البلاد العربية وجدنا الحال غير الحال فاللمريض يوضع في مستشفى خاص بالأمراض العصبية وتحت إشراف السلطان، الذي كان يزورهم أسبوعياً ويتولى الأطباء العناية بهم ورعايتهم بخلاف الحال في أوروبا فقد ظلت حتى القرن التاسع عشر تعاملهم معاملة المجرمين، وإسبانيا فقط هي التي احتفظت بالتراث العربي فكانت تضع مثل هؤلاء المرضى في مستشفيات تعرف باسم «الأبرياء Innocentes». أما إنجلترا فلم تقبل على الأخذ بمذهب العرب في معاملة هؤلاء المرضى إلا عام ١٧٥١. وفي أواخر القرن الثامن عشر نجح الطبيب الفرنسي «بينل Pinel» في فرنسا في إخراج هؤلاء المرضى المكبلين في الأغلال من الدير ووضعهم تحت الرعاية الطبية. وليس فقط مرضى الأمراض العصبية هم الذين ابتلوا بهذه المعاملة الوحشية القاسية بل شاركهم فيها مرضى آخرون وهم أولئك الذين لا يستطيع الإنسان معرفة أسباب أمراضهم، حيث نسبت جميعها إلى الشياطين، لذلك كانت وسائل التخلص من هذه الأرواح النجسة الضرب والتعذيب؛ وظل الحال كذلك حتى القرن التاسع عشر

يجددون الكتابة في موضوع حلول الأرواح الشريرة في الناس، ويعتقدون كذلك أن الإصابة بها تأتى بسبب الخطايا التي يرتكبها بعض الناس. أما الشفاء منها فلا يتم إلا بطرد الشياطين؛ وذلك عن طريق الصلاة والابتهال والتوجه إلى القديسين. فهذا التزاوج الجديد بين الطب والديانة المسيحية نادى به عام ١٨٢٤م أستاذ جامعة «لييزج» المسمى «فيندشمان» فقد قال كلماته المشهورة: «إن المرض يحل بالنفس التي ينصرف صاحبها إلى الملذات والشهوات فتهييج الروح وتثور. أما الطبيب الذي يجهل طرد الأرواح الشريرة فهو لا يدرك العلاج الصحيح لمثل هذه الحالات، لذلك فالقوم في حاجة إلى علاج مسيحي».

قُيُود الماضي

وبعد قرن من الزمن نجد العرب يلمون بسائر أنواع المعارف من يونانية وهندية وسريانية وفارسية، ولما نزح الرازي لأول مرة عام ٨٨٠م إلى بغداد وجد الطريق سهلاً معبداً أمامه، فمختلف المراجع الطبية القديمة قد نقلت إلى العربية ونقحت واستكملت، هذا مع الإشارة إلى المجهودات العظيمة التي بذلها العلماء العرب في الطب وقذالك وبخاصة أمثال: الكندي والكناني ويحيى بن ماسويه وأفراد أسرتي ثابت بن قرة وحنين بن إسحق. وهكذا نجد الطب العربي يخطو خطوات هامة بعد أن اجتاز مرحلة البدء، فقد ظهر الرازي وجعل الطب علماً عربياً مستقلاً قائماً بنفسه، فكما أن أبقراط هو العالم الذي نهض بالطب اليوناني وجعله علماً قائماً بذاته، كذلك الحال مع الرازي والطب العربي، فكلاهما نهضا بالطب نهضة أبعد وأعمق مما كان عليه من قبل،

وهكذا نجد أبقراط ينساق وراء شيطانه ويؤمن بنظرية «أمبيدوكليس» الخاصة بالعناصر الأربعة الأولية، ففي كل إنسان معافي سليم أربعة أنواع من العصير الرئيسي: الدم والمخاط والمرارة الصفراء والمرارة السوداء وخواصها المختلفة بالرغم من امتزاجها مع عناصر أخرى.

ولما جاء جالينوس (۱۳۰-۲۰۱م) حقق الهدف السامي للطب عن طريق علمي صحيح ومنطق رياضي سليم، وأقام حول علم الطب سياجاً متيناً، واستخدم جميع الطرق الهندسية بحيث استطاع الاستفادة من كل مجهودات الماضي، فحظا بالطب خطوات علمية موفقة وخرج به من حيزه اليوناني الضيق إلى المحيط العالمي الواسع.

أما «هارفي» فقد ظهر ونادى بآرائه الجديدة هذه بعد أن مضى نحو ثلاثة وستين عاماً على مجيء الإسباني «ميخائيل ثروت» عام ١٥٥٣م، وتحدث للمرة الأولى عن دورة دموية وهي المعروفة باسم الدورة الصغرى أو دورة الرئة.

وقد ثبت أن طبيباً عربياً عاش في القرن الثالث عشر الميلادي، وأن هذا الطبيب العربي أدرك مدى الخطأ الذي تردى فيه جالينوس. فالطبيب ابن النفيس هو أول من فكر في موضوع الدورة الدموية، وكان ذلك قبل «هارفي» بنحو أربعة قرون أو ثلاثة قرون قبل «ثروت».

ابن أبي أصيبعة (١٢٠٢ – ١٢٧٠م) الطبيب ومؤرخ الطب العربي، هو ابن طبيب عيون وحفيد مدير مستشفى العيون في دمشق. وقد ذكر لنا سير نحو ثمانمائة وتسعين طبيباً من أشهر أطباء العرب، لكن ما هو السبب الذي دفعه إلى تجاهل هذا الطبيب الشهير جداً والذي بلغ في عالم الطب منزلة قد لا يدانيه فيها أحد؟! إن هذا سر غامض حقاً، فابن النفيس كان معاصراً لابن أبي أصيبعة ومواطناً له، بل كان زميلا له في مدرسة الطب وفي نفس المستشفي الذي عمل فيه الاثنان.

وقد كان مديراً لمستشفي نوري، وقد اشتهر بمحاضراته العلمية التي كان يرتادها الكثيرون فضلا عن تدريسه العلمي في المستشفي وثروته الخيالية، ولما لم يترك ذرية تبرع بقصره الكبير ليكون مدرسة للطب، وألحق بها عيادة خاصة، كما أوقف عليها إيراد أملاكه للإنفاق عليها. وقد درس على هذا العالم الفاضل ابن أبي أصيبعة وابن النفيس كتب الرازي وابن سينا ورسائل جالينوس الذي كان يحترمه كثيرا؛

أما ابن النفيس فقد كان أحسن حظاً إذ أصبح رئيساً للمستشفي الناصري،

ويحكى أنه كان مرة في حمام من حمامات القاهرة يغتسل بصابون مصنوع من زيت الزيتون فخرج من الحوض ودخل غرفة بالحمام وهناك أمر بإحضار ورق وقلم ومداد وأخذ يكتب رسالة حول “النبض”، وعندما فرغ منها عاد إلى الاستحمام ثانية.

وكان ابن النفيس طويل القامة نحيل القوام ورأسه رأس علماء. وإلى جانب مهنته كطبيب وعالم شغف كذلك بعلوم الشريعة والنحو المنطق والفلسفة، وكان يقرأ على الطلاب في مدرسة الشريعة المعروفة باسم المسرورية علوم الشريعة والحديث.

فهذا العالم الشاب الذي نقف شباب المصرين في مؤلفات كبار علماء الطب أمثال: جالينوس وابن سينا، هذه المؤلفات التي كان يجيدها ويلم بها، اشتهر باستقلاله في تفكيره حتى إنه لم يتردد في نقدها ونقد غيرها من مؤلفات الآخرين.

أما الآراء المتداولة والنظريات التعليمية، فلم يعرضها على طلابه إلا بعد الدرس والتمحيص مهما كانت مصادرها وتفاوتت مقادير أصحابها وتباعدت العصور التي عاشوا فيها.

وقد أثبت التشريح للعالم الباحث الأمين ما يأتي:

1 – أن القلب يتلقى غذاءه من الدم الذي يجرى في الأوعية (وليس كما كان يعتقد قديمًا عن طريق الحوض اليمنى للقلب) التي تتخلل القلب؛ وبذلك يكون ابن النفيس أول من تنبه إلى وجود الدورة التاجية.

 لكن الشيء الجدير بالذكر أن الشبان المسيحيين في ذلك الوقت كانوا قد أقبلوا على الثقافة العربية والآداب العربية إقبالاً عظيمًا وذهبوا بعيدًا، فكانوا يفاخرون بإلمامهم باللغة العربية أدبًا وثقافة؛ مما اضطر أسقف قرطبة إلى إبداء أعمق الحزن وأشد الأسف على إقبال المسيحيين على لغة العدو وأدبه. وهو يذكر أيضًا أن جميع الشبان المسيحيين كانوا لا يعنون إلا بالعربية وآداب العرب حتى إن «ميجويل»، مواطن الطبيب «أرنلد»، من «فيلا نوفيا» كان يجيد اللغة العربية نطقًا وكتابة، وقد استطاع أن يترجم في سهولة كثيرًا من الكتب الطبية العربية دون مساعدة عربي أو يهودي.

أما المذهب المسيحي القائل بالتثليث مثلاً، فقد كان له وضع خاص مختلف، فنحن نجد «ميجويل» ولم يتجاوز الخامسة والعشرين ينتقد التثليث انتقادًا مرًا ويهاجمه ويسفه المؤمنين به علمًا بأن معارضي أصول الإيمان المسيحي كانوا عرضة لأشد أنواع التعذيب من الكنيسة وبخاصة أن هذه الأصول الدينية كانت من وضع الكنيسة، لذلك كان المفكرون الأحرار يؤثرون الهرب على الوقوع في قبضة رجال الكنيسة،

ففي عام ١٥٥٣ م أحرق «ثروت» حياً في جنيف ومعه كتابه الذي كان قد ظهر في ذلك الوقت حول «إحياء المسيحية وهو الكتاب الذي يتحدث فيه أيضاً عن هذه المسألة الهامة الخاصة بالدورة الدموية الصغرى.

والشيء العجيب حقاً أن شرح ابن النفيس على قانون ابن سينا، هذا الشرح الذي يعتبره العرب من أحسن ما كتب عن القانون، لم يترجم إلا في الهند. أما المخطوطات العربية لهذا الشرح فما زالت مكدسة مع مئات غيرها في دور الكتب الغربية والشرقية لا يهتم بها عالم أوروبي أو آخر عربي حتى ظهر بغتة الشخص الذي يجمع بين إجادة اللغة العربية والمعلومات الطبية الفنية وحقق أمنية ابن النفيس التي ذكرها حيث قال: «لو لم أعلم أن مؤلفاتي ستعيش بعدى حوالي ألف عام ما ألفتها»،

المجهودات العربية العلمية وبخاصة في الطب عظيمة جداً، وأن الأحكام الارتجالية القائلة إن العرب كانوا عالة على اليونان هراء في هراء، وأن الذين يرددون مثل هذا الادعاء مثلهم مثل الببغاء، … العلماء العرب أطول باعاً وأعمق بحثاً وأدق نقداً من زملائهم المسيحيين وبخاصة في العصور الوسطى،

يشقون طريقهم

ولو اعتقد أبقراط ومن جاءوا بعده أن الطفل يتحرك تلقائياً ويخرج من الرحم فإن على بن العباس هو أول من تنبه إلى هذه الظاهرة، وهو مكتشف وظيفة الرحم وأنه بانقباضه يطرد الجنين؛ كما كتب على بن عباس عن أورام الرحم وعنق الرحم وسرطان البطن. وابن العباس هو الذي سبق «داروين» بنحو ألف عام ونادى بالرأي القائل بنشأة الأجناس وتأقلمها ببيئتها المحيطة بها.

أما الطبيب الرازي فقد نهج منهج ابن سينا في العناية بالطب العملي فاكتشف حشرة الجرب، وكيف أنها هي السبب في ظهور هذا المرض الذي اكتشف علاجه ابن زهر في إسبانيا.

فهذا الطبيب والفيلسوف الأندلسي، والذي يداني الرازي علما ومكانة، يدين له الطب كثيراً، إذ كان هو أول من شخص أمراض الالتهابات الجلدية فوصفها وصفاً دقيقاً

والقول بأن بعض الأمراض المعدية مثل الجدري الأسود قد يمنح الجسم حصانة مدى الحياة قد نادى به الطبيب والفيلسوف العربي ابن رشد أحد أبناء قرطبة والذي اشتهر في العصور الوسطى في أوروبا باسم «أبي روز».

وفي أواخر القرن الثامن عشر نجد أوروبا تستخدم التطعيم ضد الجدري كوسيلة لتحصين الجسم ضده، وهذا التطعيم بعينه قد سبق فيه العرب الأوربيين واستخدموه في العصر الجاهلي، وبدافع وقاية الجسم من هذا المرض أيضاً كما هو الحال في عصرنا هذا.

وإذا ذكرنا أطباءنا العرب يجب ألا ننسى ابن ماسويه مشخص مرض البرص في القرن التاسع الميلادي، ولم يكن هذا المرض كما اعتقدت أوربا المسيحية لعنة من الله، وقد اهتم به كثيرون من الأطباء العرب ومن بينهم أحد أبناء القيروان ألا وهو ابن الجزار فقد أجاد تشخيصه وعلاجه، وكان العرب يعزلون صرعى هذا الداء الوبيل في مستشفيات خاصة وتحت رعاية أطباء مختصين بخلاف الحال في أوروبا التي جردتهم من حقوقهم الإنسانية فنبذهم المجتمع وصلت عليهم الكنيسة صلاة الميت،

ففي فرنسا كانت الكنيسة تعتبر هذا المريض، الحى الميت، فتحرمه هي أيضاً من حقوقه الكنسية فينقل المريض إلى قبر مفتوح حيث يصلى عليه قسيس ويهيل عليه التراب ثلاث مرات كما يفعل مع الموتى الحقيقيين، ومن ثم ترسله الكنيسة إلى دار خاصة أعدت لهؤلاء المعذبين الذين يضنون بها البقية من حياتهم. وقد ظلت هذه الحالة سائدة في أوربا حتى القرن السادس عشر الميلادي

كذلك الوباء القاتل المميت الذي كثيراً ما كان يقضى على الأخضر واليابس كما حدث في القرن الرابع عشر حيث أهلك الكثيرين من سكان القارة، فمثل هذا الوباء لم يفهمه العرب على أنه وقع بسبب قوى ما وراء الطبيعة أو قوى سحرية، فالحدود بين الذين يصدرون الأحكام معتمدين على المنطق والعقل وأولئك الذين يؤمنون بالخرافات ومن الأسف أن نقرر هذه الحقيقة – كانت تماماً كالفروق القائمة بين العرب العلماء النبهاء والمسيحيين الذين كانوا دون المسلمين كثيراً. وإن الرأي الذي أعلنه أستاذ جامعة مونبيلييه عام ١٣٤٨ م، ذلك العام الذي تفشى فيه الوباء وانتشر، قد قال فيه إن مصدر تكاثر هذا المرض هو نظرة المرضى؛ لذلك نصح الطبيب أو القسيس أن يطالب المريض بإغماض عينيه أو تغطية وجهه بملاءة من الكتان، وبذلك يستطيع المعالج لمس المريض وفحصه دون خوف أو وجل.

وفي سويسرا وجنوب فرنسا نجد الشعب يتهم اليهود بأنهم سبب انتشار الوباء واستشرائه، لذلك هاجم القوم اليهود وأحرقوهم. ولا شك في أن مثل هذا الحادث أشنع وأفظع من الوباء وآثاره.

واعتقد آخرون في الوباء وظهوره بأنه أقبل دخانًا خانقًا من السماء، واعتقد «كونرات فون ميجينبرج» أن الزلازل الأرضية التي تفجر الشرايين الأرضية هي التي تسبب الأوبئة التي تصيب الإنسانية. وقال آخرون إن سببه التقاء المشترى بزحل والمريخ في ٢٠ مارس ١٣٤٥م ظهرًا وفي تمام الساعة الواحدة مساء وتحت درجة ١٤ من الدلو. وفي مقدمة الذين نادوا بهذا الرأي الطبيب البلجيكى «سيمون ده كوفينو». أما الذين يقعون تحت الأفلاك ذات الأثر البعيد التي اشتهرت ببغضها للإنسان مثل زحل فهم الذين يأتيهم الموت. أما الرأي العام فقد عبر عنه «بوكاشيو» في تقريره عن وباء الطاعون الذي حل بالقوم ذلك العام، وقد ذكر «بوكاشيو» في تعليله: «بسبب أثر الأجرام السماوية أو ظلم الإنسان لأخيه الإنسان مما أغضب الله فقرر إخافة الإنسان الذي مصيره إلى فناء»، وهو يقول أيضًا: «ومما زاد الطين بلة جهل الناس وعدم رغبتهم في الرجوع عن غيهم…»؛ لذلك يدعو إلى إقامة صلوات التوبة مرات لا مرة واحدة، وفي شكل جماعات كثيرة.

ففي عام ١٣٤٨م وهو عام الطاعون نجد السياسي والمؤرخ والطبيب الأندلسي الخالد الذكر ذا الرئاستين الفقيه الكاتب أبا عبد الله محمد المعروف بابن الخطيب (١٣١٣ – ١٣٧٤م) يطلع على العالم المعذب برسالته في الطاعون وأسبابه وعلاجه والوقاية منه ووجوب الاحتياط من العدوى الناتجة عن لمس المريض أو الاختلاط به أو القرب من برازه.

ولا شك في أن إدراك الأخطار التي قد تنجم عن العدوى المنتقلة يعتبر من أهم الخطوات الهامة في تقدم علم الطب، والفضل في بلوغها يرجع ولا شك إلى العرب الذين توصلوا إليها بينما ظل العالم القديم قروناً عديدة يتخبط في ويلات الأمراض وأخطارها، وهكذا أدى الطب العربي أجلّ الخدمات للإنسانية.

ويشارك ابن الخطيب الوزير الغرناطي هذا الرأي طبيب عربي آخر، وهذا الطبيب الأندلسي هو ابن خاتمة، أحد أبناء مدينة «الماريا» الإسبانية، فهو يقرر: إذا اتصل إنسان بمريض انتقل إليه نفس المرض بعوارضه،

وبغتة أدركت أوروبا بعد ثمانين عاماً من هذا الكشف العربي أن المرض – إذا ما ظهر – هو الوباء، ويجرى الإنسان بعيداً عن المريض خوف العدوى. لكن هذا الفرار لا ينقذه من حالة الذعر التي تحل به وتستولى عليه، لذلك يلجأ إلى الطلاسم عليها تقيه شر الوباء وأخطاره، كما استعان أيضاً بالبخور اعتقاداً منه أنه يطارد الهواء السام المتصاعد من باطن الأرض والمعروف باسم عفونة اليونانيين.

ومن أولى البلاد التي سلكت هذا المسلك إيطاليا وبخاصة البندقية؛ لأنها عن طريق اتصالاتها بالشرق اكتسبت خبرة عظيمة وعينت عددًا من الأطباء العرب في مستشفياتها ومصحاتها لإدخال الطب العربي واستخدام القواعد العربية الصحية في جميع دور العلاج.

ثم نجد الوزير الأندلسي الذي ألف كتابًا حول نشأة الجراثيم يحل اللغز المشكل حول العدوى وانتقالها، … لقد أثبت هذا الطبيب العربي أن انتشار المرض يتوقف على درجة استعداد جسم الإنسان الملازم للمريض،

قد نستفيد من المسلمين الكلاب (!!) ما ينفعنا.

وقد كان، فقد أغنى الجراح العربي الأندلسي أبو القاسم المتوفي عام ١٠١٣م العلم بأبحاثه التي أفادت الطب كثيراً وبخاصة فيما يتصل بالأمراض التي تصيب الدم،

لقد أدخل هذا الطبيب العربي كثيراً من التجديدات لا في الجراحة فحسب بل في كى الجراح وتفتيت الحصوة الموجودة في المثانة، وكذلك في التشريح الجسماني وتشريح الحيوانات لإجراء التجارب والبحوث أيضًا،

أما الطريقة المعروفة اليوم باسم طريقة «فلخر» الطبيب المولد (1856ـ1935م) وهو أحد أبناء مدينة «شتوتغارت» فمن اختراع الطبيب العربي كذلك، وهو أول من نادى باستخدام طريقة رفع الوالدة عند الوضع تسهيلا للولادة.

ولولا أبو القاسم وتفوقه ونجاحه في القيام بعمليات البتر ما استطاع الطب أن يخطو هذه الخطوات العظيمة.

ولأبي القاسم يرجع الفضل الأكبر في تقدم الجراحة، وإليه يدين الجراحون بالكثير مما توصلوا إليه في عصرنا الحاضر، فهو السباق إلى مختلف أنواع الخياطات الجراحية

وهو ينصح عند خياطة الجراح وإجراء العمليات الجراحية أسفل السرة برفع الحوض والساقين. وهذا الوضع هو الذي أخذته أوربا فيما بعد عرف باسم وضع «ترندلنبرج Terndelenburg».

ومما يؤسف له حقاً ندرة ذكر اسم مخترعها الطبيب والجراح العربي أبي القاسم.

وقد استكمل الطب العربي جميع هذه الإمكانيات في الوقت الذي كان فيه أطباء أوربا لا يعرفون شيئاً عنها بالرغم من الحاجة الماسة إليها لإجراء العمليات الجراحية.

أما أهم ميزة يتميز بها العرب على اليونان من الناحية الطبية فهي طب العيون، فقد اهتم الأطباء العرب بالعيون وأمراضها وطرق علاجها اهتماماً عظيماً حتى إن هذا الفن من الطب لقى تشجيعاً عظيماً وبخاصة بفضل المجهودات الجبارة التي بذلها علماء الطبيعة العرب والعبقرية التي أبدوها في البصريات، وهذا علم يعتبر ويحق علماً عربياً. وأول كتاب جاءنا في طب العيون عامة هو ذلك الذي وضعه حنين بن إسحق، وبفضل حنين والمؤلفات الرفيعة جداً التي ألفها على بن عيسى وعمار الموصلي أصبحت لدينا الأسس التي شيدت عليها أوربا علم طب العيون في مدارسها، وظل الحال كذلك حتى أواخر القرن الثامن عشر.

والعرب هم الذين أظهروا نبوغاً عظيماً في تعرف نشأة العاهات الجسمانية التي تعرف الآن باسم «أورثو بيدي Orthopaedie وعلاجها والوقاية منها، فالطريقة المتبعة حتى يومنا هذا في أوربا عند إرجاع عظم الكتف إلى وضعه الطبيعي تعرف باسم الطريقة العربية.

كذلك من الأشياء الأصيلة وذات الفضل العظيم على الإنسانية: طريقة العرب في التخدير، وهم يختلفون فيها عن الهنود واليونان والرومان الذين كانوا يسكرون المريض. أما الطريقة العربية في تخدير المريض فهي العمل على تخديره لا لتخفيف الآلام فقط بل تسهيلا للجراح للقيام بعمليته الجراحية دون أن يشعر المريض بألم، أعنى استخدام طريقة التخدير الشامل لكل الجسم. ومن العجيب أن هذا التخدير قد نسبه الأوربيون أيضاً إلى طبيب إيطالي، ومن ثم إلى أهالي الإسكندرية الذين تعلموه عن العرب.

ومن سوء الحظ أن الفكرة اليونانية القائلة بمبدأ تكوين الكون من أربعة أنواع من العناصر ظلت تعمل عملها حتى اعتقد الأطباء اعتقاداً عجيباً يقول إن تقيح الجرح هو الوسيلة الطبيعية لتطهيره؛ لذلك كان الطبيب يستعين بإحداث تقيح صناعي وتنشيطه. وقد ظلت فكرة أبقراط هذه حية يعمل بها الأطباء زهاء ألف عام، حتى جاء ابن سينا فكان أول من عارضها وحاربها ونادى بالعكس.

وكانت نتائج آراء ابن سينا قيمة جداً وجاءت بالعجب العجاب، فقديماً كان الجرح لا يشفي إلا بعد أن يمضى عليه زمن طويل قد يتجاوز الأسابيع المليئة بالآلام والأوجاع، بل قد تمضى الشهور قبل أن يلتئم الجرح. أما الآن فالجرح يشفي في يومه، فقد تجنبت نظرية ابن سينا لا إحداث التقيح فقط بل نادت بوجوب عدم إثارة الجرح سواء كانت هذه الإثارة آلية أو كيماوية، واكتفي الطبيب باستخدام كمادات ساخنة بالنبيذ الأحمر المعتق لتجنب إحداث قيء، وهذه وسيلة جبارة تقضى على الجرثومة في مهدها. وقد تنبه عام ١٩٥٩م الأستاذ الفرنسي «مسكير Maseeque lier» من مدينة «بوردو» إلى مفعوله كمضاد حيوي تماماً وهو لا يقل مفعولاً وأهمية عن البنسلين.

ولا يستطيع أحد أن ينكر على العرب قوة الاختراع والأصالة في التفكير، فللعلاج الجروح المنتنة اخترع العرب الجاهليون وسيلة فعالة، وهذه الوسيلة لم تعرفها أوربا إلا في القرن العشرين، وهى المعروفة اليوم باسم المضاد الحيوي، فمن سروج الحمير والجواميس استخرج العرب مادة متعفنة وهى التي يصنع منها البنسلين والإسبرجيلوس، ومن هذه المادة كونوا مرهماً وعالجوا به الجراح الملتهبة فنجحوا نجاحاً باهراً. أما إذا كانت الالتهابات في الحلق فقد استخلصوا المضادات الحيوية من العفن الذي يتكون في الخبز وألقموه للمريض كما هي العادة حتى اليوم عند البدو، فإن مثل هذه الوصفات كنا ننظر إليها لو وقعت قبل خمسين سنة على أنها عمل همجي مزعج أما اليوم فإعجابنا لا ينقطع من مثل هذه الوصفات القديمة التي هي عبارة عن مضادات حيوية تلطف الالتهابات وتقاومها بل تقضى عليها.

والعلاج النفسي يلعب عند العرب دوراً هاماً لا في الأمراض العصبية فقط بل حتى في حالة الأمراض الجسدية. وقد وضعوا كتباً كثيرة تهتم باستخدام الوسائل النفسية للعلاج، فهناك كتاب أثر الموسيقى في الإنسان والحيوان لابن الهيثم العالم الشهير في الطبيعيات، وقد بدأ حياته العملية كطبيب، وكان ينادى بوجوب الاستعانة بالوسائل النفسية إلى جانب العقاقير الأخرى؛ فالعلاج النفساني متمم ولا شك للأدوية الأخرى، وذلك لأن العلاج النفساني يرفع القوى المضادة للمرض ويناصرها للتغلب عليه،

ومن النادر أن نجد أوربا تعرف ما تعرف من أعمال العرب الإنشائية الخالقة وتعترف بأصالتها العربية، وأنها قد أخذتها عن العرب اعترافاً بالأعداد العربية والجبر العربي والإسطرلاب العربي. إننا نقرأ مثل هذه الاعترافات في الوقت الذي ينسب فيه كثير من الاختراعات العربية ظلماً وخطأ إلى الإنجليز والفرنسيين.

لكن التاريخ يثبت ويؤكد أن العرب بمؤلفاتهم العظيمة هم أساتذة أوربا، وهذه الكتب قد استخدمت قديماً لتخريج أطباء بغداد وقرطبة، وهذه الكتب أيضاً هي التي تخرج عليها عدد كبير من الأجيال سواء في العالم الإسلامي أو المسيحي الأوربي وبخاصة في الطب، فمؤلفو هذه الكتب العربية لم يكن يخطر ببالهم أن كتبهم ستجد هذا الإقبال وذلك الرواج.

فالعلاج كان عند العرب عنصراً اجتماعياً اشتراكياً، والمستشفيات بلغت أوج عظمتها وكانت أحسن ما عرفته الإنسانية في تاريخها الطويل. كان العرب يتطلبون كفاية ممتازة لا في الطب فقط بل في سائر العلوم المتصلة به، فهناك العناية بالدرس والدقة في الامتحانات والاستعداد لمزاولة المهنة في المستشفيات وتدريس الطلاب حيث توجد مواد الدراسة والتدريس متوافرة لأولئك الطلاب.

يذكر على بن العباس الطبيب الخاص للسلطان عضد الدولة والذي كان معاصراً للأوروبي «جربرت فون أوريلاك» أنه لم يجد في كتب المتقدمين والمحدثين من الأطباء كتاباً شاملاً يعالج جميع فروع الطب ومعرفتها معرفة لا يستغنى عنها من يريد الإلمام بالطب، فعلى بن العباس ينتقد سائر المراجع الطبية التي كانت موجودة وقتذاك.

ومن حسن الحظ أن جميع الأفكار والأماني التي قصد إليها الرازي وحالت منيته دون تحقيقها قد أنجزها علي بن العباس إنجازاً كاملا، فقد وضع كتاباً يعتبر خير الكتب التي ألفت لتدريس الطب، فهو وسط بين تفصيل الحاوي وإيجاز المنصوري، وقد أهداه إلى السلطان عضد الدولة مؤسس المستشفي الكبير في بغداد، وهو الملك الذي ناصر العلوم وأخذ بيد العلماء،

وإننا نلمس في هذا الكتاب الروح العلمية والعبقرية الجبارة والنهج العلمي القديم، فقد رتب كتابه أحسن ترتيب كما بوبه أحسن تبويب، وهو من هذه الناحية أيضا يعتبر من أحسن المخطوطات التي وصلتنا، كما سلك في تأليفه مسلكا فذا، فأكثر من الجداول التي تسهل وتبسط المادة على القارئ وصاغ كتابه على هيئة أسئلة وأجوبة عرض فيها للمادة عرضا حديثا ينم عن فهم المؤلف وحسن إدراكه لمادته وعمق تخصصه حتى جعل مادة الطب وللمرة الأولى واضحة جلية ومثالية للطلاب فالعرب هم الذين أدخلوا النور والنظام على المؤلفات الغامضة، والتي جاءتنا مهلهلة مضطربة عن العالم القديم». هكذا يذكر مؤرخ طب ويعترف بذلك (نويبورجر Neuberger).

لذلك لا عجب إذا اعترفت أوربا بالعرب أساتذة لها ومعلمين، وأخذت عنهم علومها الطبية وكتبهم التي امتازت على ذلك الخليط المشوش الذي تركه اليونان. فأيها أحسن للحفظ والتعليم؟! أليست هي هذه الكتب العربية التي وضعت في صيغة سؤال وجواب كتلك التي ألفها حنين بن إسحق وثابت بن قرة ومئات آخرون؟!

لقد كان ابن بطلان يزاول مهنته في بغداد في الوقت الذي كان يباشرها ابن رضوان في القاهرة، فقد كان ابن رضوان أستاذًا ممتازًا ونقيب أطباء مصر، وقد قامت بين الطبيبين خصومة حادة تبادلا فيها الرسائل العنيفة، فكانت الخصومة عبارة عن حرب رسائل بين الطبيبين، ويرجع سببها إلى ادعاء ابن رضوان أن معظم العلوم تعود أصولها إلى اليونان، فهذه الدعوى من ابن رضوان وقوله إن دراسة الطب يجب أن تعتمد أصلاً على الكتب اليونانية آلمت العلماء العرب؛

ومما يذكر أن ابن رضوان وضع رسالة عنوانها: إن جهل ابن رضوان حكمة بالنسبة لابن بطلان! فقد سخر فيها من ابن بطلان، وقال إن ابن بطلان لا يستطيع قراءة رسائله؛

ومع مضي الزمن نجد التجارب العملية للحياة الطبية تستدعى وضع كتاب قيم وجد إقبالاً عظيماً من القراء ألا وهو كتاب الرحلة المعروف باسم زاد المسافر للفقراء، وهو كتاب يتحدث في شيء من الدقة والإيجاز وفي أسلوب سهل مفهوم عن أسباب الأمراض وتشخيصها وعلاجها وبخاصة هذه الأمراض التي قد تنزل بالإنسان إبان أسفاره، ومؤلف هذا الكتاب طبيب واسع الخبرة فيما تعرض له، فهو طبيب أسفار ورحلات،

وهذا الطبيب هو ابن الجزّار فقد كان يغلق عيادته الخاصة في القيروان إبان شهور القيظ ويبحر كطبيب للسفن في أسطول المسلمين إلى شواطئ وسط إيطاليا وشمالها وجنوب فرنسا أو شمال إسبانيا وربما مرة إلى نهر التيبر شمالاً حتى روما والقديس بطرس.

والواقع أن هذا الكتاب المهم جدًا كان هدف المؤلف وغايته فهو شامل لجميع أمراض الشعوب فشخصها ووصف لها الدواء، وهو كتاب لا يستغنى عنه إنسان.

كذلك ظهر في الأندلس ابن زهر (١٠٩١-١٠٦٢م) وهو من أسرة أشبيلية، وقد اشتهرت هذه الأسرة بالطب وهى ترجع أصلاً إلى الوطن العربي أعنى إلى الجزيرة العربية، وأشهر كتبه: التيسير؛ وهو كتاب لا يستغنى عنه الطب، فهو كتاب جيب الطبيب، كما أنه يشير إلى أن مؤلفه من أحسن علماء التشريح ومن أكثرهم خبرة بتاريخ الأمراض ومن أبرع الأطباء الذين خدموا المستشفيات. فباسمه لا يقل لمعانًا في تاريخ الطب العربي عن الرازي، كما أنه لا يقل شهرة عن أبقراط حيث يتفق معه في السمو بالطب وتخليصه من الفلسفة والدين مع التواضع والاستقلال في المشاهدات والتفكير.

لكن جميع وأجود كتب الطب التي وضعها الأطباء العرب بما فيها الكتاب الملكي وسائر مؤلفات اليونان وعلماء الإسكندرية تتضاءل أمام: قانون ابن سينا، فقد ترك هذا الكتاب الذي وضعه أمير الأطباء أثراً بعيداً ظل قوياً فعالاً عدة قرون لا في الشرق فقط بل في الغرب أيضاً، وهو في تاريخ الطب لا يعدله كتاب آخر.

فقد ضم هذا الكتاب بين دفتيه سائر فروع الطب نظرياً وعملياً مع تنوع مواضيعها، وتمكن المؤلف منها فأجاد عرضها وأحسن تأليفها وأبدع تنظيمها وتبويبها، وخرج الكتاب في صورة قلما نجد كتاباً آخر يدانيه فيها.

إن ابن سينا هو العالم الذي استطاع -وبحق- القضاء على شهرة جالينوس وسائر اليونانيين، وابن سينا هو الذي حطم هذا التمجيد وذلك التقديس لعلماء اليونان قروناً عديدة. وابن سينا هو العربي الثاني الذي يطل إلى جانب الرازي من قاعة محاضرات كلية طب باريس، وابن سينا هو أكبر أساتذة الطب ومعلم أوروبا فترة لا تقل عن سبعة قرون.

يقظة أوروبا

إن المرضى من مسيحيي أوروبا لم يكن أمامهم للاستشفاء إلا سالرنو، فهي الواحة المنيعة الوحيدة وسط ذلك العالم القحل، كما أن جامعة سالرنو كانت هي الجامعة الوحيدة في العالم، عدا الدولة الإسلامية، التي يدرس فيها الطب دراسة عملية وكان أساتذتها يتمتعون بثقافة طبية عليا ولو أنها لا تقارن بتلك التي نعرفها في العالم الإسلامي وبخاصة في دمشق أو قرطبة.

فهناك خبر يذكر أن الذين أسسوها أربعة: يوناني ولاتيني ويهودي والعربي «أدلا»، وهو ولا شك العربي «عبدالله»؛ إلا أن هذه التسمية العربية قد أسيء فهمها، ففهمت على أنها «أدلاء» واشتراك عربي في تأسيس مدرسة سالرنو الشهيرة شيء بدهي وبخاصة أن سالرنو تقع في جنوب إيطاليا والجنوب كما يحدثنا التاريخ كان طيلة القرن التاسع الميلادي منطقة احتلال عربية، وهذا ليس بعجيب وبخاصة إذا أدركنا موقع صقلية العربية وتقارب الأوضاع بين صقلية وجنوب إيطاليا.

ففي صقلية اهتدى المترجم «ديمتريوس» إلى أن كتاب قنسطنطين الموسوم باسم «ده أوكوليس De oculis» ما هو إلا كتاب حنين في شفاء العيون، والكتاب المعروف باسم «فيتياكم Viticum» ما هو إلا كتاب ابن الجزار المعروف باسم زاد المسافر. أما كتاب الغذاء والحمى والبول والحمى فما هي إلا ترجمة من كتب «إسحق يوداكوس». وكذلك كتاب قنسطنطين في التشريح فهو من تأليف علي ابن عباس، وتبين العالم اليوم أن كتابه في الكيمياء مأخوذ عن الرازي.

رجلان ساعدا قنسطنطين في ترجمته من العربية إلى اللاتينية تلميذه المحبوب الشاب العربي يحيى بن أفلح الذي انتشله قنسطنطين من الفقر والفاقة واعتنى به وأدخله في الديانة المسيحية وأسماه «يوحنا أفلاتيوس» أو أيضاً «يوحنا سراكينوس الشرقي». وقد عظم شأنه بعد وفاة معلمه وأصبح طبيبا مشهورا في سالرنو كما أشرف على مؤلفات قنسطنطين.

أما أثر هذا القطر في إخصاب الأرض وإيناعها فقد كان عظيماً جداً، فلا طيب في سالرنو إلا استفاد من المراجع العربية استفادة عظمى، كما لا يوجد كتاب خاص بالطب إلا اعتمد على المراجع العربية اعتماداً قوياً،

وغالى رجال الكنيسة في تنفير القوم من الاستعانة بالأطباء والتشهير بهم فاتهموهم بأنهم تحت ستار طبهم ومعالجة المرضى، كانوا يتربصون بالمسيحيين الذين يقصدونهم ويوقعون بهم أشد الأضرار، كما قد يقتلونهم خنقاً بالحبال.

وقد شاهد «هوجو» هنا، في المستشفيات الإسلامية علاج الجروح فأدرك أن ما تعلمه هو كان خطأ شنيعاً. لقد تبين (هوجو) أن المهنة التي كان يمارسها زهاء خمسين عاماً والتي أخذها عن كتب الطب منذ عهد أبقراط حتى عالم سالرنو المسمى «روجر» والتي كان يعتقد فيها من قبل إنها الحكمة كل الحكمة – باطلة وما حصلّه كان لغواً وقبض ريح. لقد علمت تلك المراجع أن الصديد هو البلسم الشافي، وظهوره ضرورة لا بد منها لشفاء الجرح، ولتكوين هذا الصديد كان لا بد من دهن الجرح ببياض البيض وزيت الورد، وكثيراً ما أدت هذه الطريقة إلى أوخم العواقب.

وشاهد «هوجو» كذلك الأطباء

المصريين وكيف كانوا يعالجون مشوهي الأجسام، فإذا أصيب شخص بجرح بليغ يستدعى بتر ذراعه أناموه أولاً، ومن ثم خدر وه عن طريق الحشيش والسكران ونبات اللفاح، وذلك بغمس قطعة من الإسفنج في خليط من سائل هذه المواد وبذلك لا يشعر المريض البتة بهذه الآلام المبرحة.

ولما عاد «هوجو» إلى وطنه عام ۱۲۲۱ استغل تجاربه ومعلوماته التي حصلها إبان حياته في غمار الحروب الصليبية معالجاً المرضى البولونيين مدة ثلاثين عاماً قضاها في وظيفته. وكان توفيقه في عمله عظيماً جداً، وما تعلمه عن العرب أخذ يلقنه لأبنائه وأحفاده … ولما توفي وقد بلغ مائة عام ترك في بولونيا مدرسة للجراحة ظلت تعمل بتعاليمه زمناً طويلاً، … ولما كان ابنه هذا من رجال الدين كان لا بد له من الحصول على إذن خاص لممارسة مهنة الطب والجراحة، وذلك لأن الطب كان في ذلك العصر مهنة مشينة في نظر الكنيسة،

كما أن الكنيسة حاربت التخدير اعتقاداً منها أن المادة المستخدمة في إعداده هي مادة شيطانية،

وقد كلف القيصر رسوله «جريرد فون كريمونا» بالتوجه إلى طليطلة لإحضار الماجست لبطليموس، فحدث أن استولت عليه الدهشة من عظمة العلوم العقلية العربية والثقافة الإسلامية فأثر البقاء هناك عشرين عاماً، ولم يقتصر على ترجمة الماجست من العربية إلى لغة علماء أوروبا بل ترجم أكثر من ثمانين كتاباً أحضرها معه إلى بلده،

أما كتب الطب العربي التي ترجمها «جريرد» وجاء بها إلى بلده فكانت خليطاً من شتى الكتب ولكثيرين من المؤلفين أمثال: أبقراط وجالينوس والتي نقلها حنين بن إسحق إلى العربية، إلى جانب الشروح العربية التي كتبت عليها كذلك التي وضعها ابن رضوان. أما المؤلفات الأخرى فكانت أمهات الكتب العربية في شتى العلوم والآداب العربية، ومن بينها كتاب المنصوري للرازي، وكتاب الجراحة لأبى القاسم والقانون لابن سينا.

قال ابن سينا

كما يتشبع الإسفنج الظمآن بالماء والأرض الجافة الخالية بالغيـث، كذلك كانت ظروف العالم عندما جاءت سحب العلوم والمعرفة والثقافة العربية الإسلامية، فقد هطلت عليه كتبًا امتازت بحسن التأليف ودقة التبويب وبراعة العرض وأخرى مترجمة قد اتسمت بركاكة الأسلوب وضعف العبارة. وما كاد المجتمع الإسلامي وغيره من المجتمعات التي اتصلت بالمسلمين ثقافيا أو حربيًا أو تجاريًا يتسلم هذه الهبة العقلية حتى تفتحت العقول فأزهرت وأينعت وجاءت إلى الإنسانية بالخير العميم. وإذا تركنا الشرق إلى الغرب واتجهنا إلى سالرنو وجدناها. وقد استقبلت الموجة الثقافية الإسلامية الأولى تنهض وتتطور وتتبوأ مكانا ساميًا جعلها ذات شهرة عالمية، ثم لم تكد تهضم ما تناولته حتى جاءتها موجة ثانية لكن هذه المرة من خلف الحصون الإسبانية حيث تدفقت ينابيع الحضارة العربية على مونبيليه فبعثت فيها وفي سائر الأنحاء الأوربية حياة جديدة فتية نلمس آثارها العلمية الطبية لا في مونبيليه فقط بل في بولونيا وبادوا وباريس وأكسفورد أيضا.

فنحن نجد الكنيسة تتطلب من المسيحيين الاستسلام بدون قيد أو شرط لها وتعاليمها والخضوع لسلطانها، بينما أولئك الذين يدرسون وينمون في الواقع إلى الطائفة المستقلة التي تفكر كيفما طاب لها التفكير، ونجد الأطباء العرب يحيون في معترك الحياة في الوقت الذي نجد فيه جميع معاهد الدروس -إذا ما استثنينا سالرنو والجامعة الحكومية في صقلية وفي نابولي – تخضع خضوعاً تاماً للكنيسة وتعاليمها.

فالفرد المسيحي يجب عليه أن يأقر بأوامر الكنيسة ويؤمن بها إيماناً أعمى ولا يجوز له مناقشة ما تفرضه عليه، فالمسيحيون هم خدم الكنيسة، وهذه العادات وتلك الصفات أصبحت طبيعة ثانية للمسيحيين. فإذا حاد المسيحي عن هذا الطريق وأخذ يهتم بما يجده أو يراه حتى يجسده أو بالمرضى سعياً وراء جمع المعلومات والتجارب، ضل الطريق القويم فطريق العقل يؤدى إلى الغرض والهدف.

لقد قدس أولئك الرسل العلماء العرب والعلم العربي وبخاصة ابن سينا والرازي، وظل هذا التقدير قائماً حتى القرن السابع عشر، وأصبحت عبارة «روح ابن سينا Anima Avicenna» من أكبر الألقاب التي يتشرف بحملها الطبيب الأوربي أو الطب عامة.

وعن طريق الفلسفة توصل إلى نتائج لا تقبل الشك خاصة بشراب الشعير الذي لا يسبب حمى؛

ثم إن الكتب التي التزمت المنطق وبراعة الأسلوب مثل كتاب القانون نالت إعجاب أولئك الذين يقدرون فصاحة اللغة وبلاغتها. لكن علماء الطب من الأوربيين فهموا هذه الكتب فهما خاطئاً فخرجوا منها بنتائج لا تتصل والعلوم العربية بصلة ما وهي منها بريئة.

ولا أدل على أهمية العرب والعربية والدور الهام الذي قام به العرب في ميادين الثقافة والحضارة، من أن الباحث كان مضطرًا إذا ما أقبل على عمل بحث من البحوث إلى دراسة اللغة العربية دراسة دقيقة،

فالجراحة تدين للعروبة في تطورها وتقدمها السريع بعد أن كانت مهنة من المهن الحقيرة، وسرعان ما بلغ الجراح منزلة قاضي الجنايات.

ففي عام ١١٦٣م صدر قرار من المجلس الأعلى يمنع تدريس الجراحة في مدارس الطب، كما أن الجراحة اعتبرت مهنة مشينة تدنس شرف وكرامة الطبيب الذي يمارسها، بخلاف العرب الذين أقبلوا عليها وأولوها عنايتهم فأصبحت علماً من أجل العلوم وأشرفها

وحدث أيضاً أن انتشر الوباء مرة أخرى وكانت أوربا مستعدة لمكافحته وتجنب وبلاته فمنعت السفن التي يشتبه في وجود المرض بها من الاقتراب من الموانئ الإيطالية، ثم تقرر التبليغ عن جميع حالات المرض. وقام أول بناء للعزل ومنعت الاجتماعات وأحرقت جميع الأشياء الملوثة بجراثيم المرض، فكل هذه الاحتياطات تقوم دليلا على أن أوربا أخذت بالرأي العربي الخاص بطرق مقاومة المرض والحد من انتشار العدوى، وقد ظلت هذه الوسائل متبعة حتى يومنا هذا.

إن الإيمان بالآيات الواردة في الكتاب المقدس حالت لمدة عدة قرون دون تقدم البحوث الخاصة بالعدوى، … أما الدراسة العملية في المستشفيات كما هو الحال عند العرب فلم تكن مستعملة في أوربا، فمدرسة الطب كانت مقطوعة الصلة بالمستشفى، فلما عاد الصليبيون وشاهدوا ما شاهدوا عند العرب، وفي مدارس الطب العربية طالبوا بإدخال هذه النظم في أوروبا،

وفي القرن الثامن عشر فقط نجد الطبيب الشهير الذي كان يعمل في مستشفى «هرمان بيرهافا» ولو أنه من مدينة ليدن يطبق العلم على العمل في المستشفي بالرغم من الحالة البدائية التي كانت عليها المستشفيات الأوربية عامة في ذلك الوقت، فقد كانت تستحق السخرية حقاً فضلاً عن عدم ملاءمتها للقواعد الصحية.

ولما انبثقت حركة إحياء العلوم والاهتمام بالعلوم اليونانية كان من المتوقع أن تؤثر في مكانة الطب العربي، لكن شيئاً من هذا لم يحدث، وعلى العكس، بخلاف ما وقع مع الفنون وسائر العلوم العقلية وبخاصة الفلسفة. أما العلوم القائمة على التجارب والخبرة فلم تستفد شيئاً من العلوم اليونانية.

لكن حتى هذا لم يصرف الأوربيين عن الاهتمام بأساتذتهم العرب وذلك لأنهم قد تبينوا مدى تفوق العرب على اليونان، فمن بين الأطباء المشهورين الذين زينوا جبين القرن الخامس عشر والذين طارت شهرتهم إلى كل مكان ابن سينا والرازي وابن زهر وعلى بن عباس وأبى القاسم، وقد كانوا المثل الأعلى في الطب، كما أنهم هم أساتذة الذين خلقوهم وبخاصة في الطب العملي.

وقد انصرف نفر من العلماء إلى دراسة التراثين العربي واليوناني والمقابلة بينهما وبخاصة فيما يتصل بالطب ومعرفة مدى أثر اليونانيين على الأطباء العرب الذين خلقوا الطب العملي التجريبي، وقد قدم أولئك العلماء إحصائية عن هذا الأثر.

ففي مؤلفات «فراري» جاءت إحصائية تبين أن ابن سينا ذكر أكثر من ثلاثة آلاف مرة والرازي وجالينوس ألف مرة وأبقراط مائة وأربعين مرة.

ظهر كتاب قانون ابن سينا في فبراير ١٤٧٣ في ميلانو، وبعد عامين ظهرت الطبعة الثانية، بينما ظهر في نفس الوقت شرح ابن سينا، … وظهرت طبعة ثالثة للقانون قبل طبع أول رسالة لجالينوس؛ ومن ثم أخذت تتوالى الطبعات، فظهرت الطبعات الأولى لكتاب المنصور والحاوي للرازي، ثم الكليات لابن رشد وإيساغوجي حنين بن إسحق والذي يعرف الآن برسم يوحنتيوس».

ثم كتاب الأطعمة لإسحق يهوذا والكتاب الملكي لعلي بن عباس، وهكذا حتى عام ١٥٠٠ ظهرت الطبعة السادسة عشرة لكتاب القانون بينما لم تظهر لجالينوس إلا طبعة أولى في مجلدين. وفي القرن السادس عشر بلغت الطبعات للقانون العشرين، ومن ثم أخذت تتوالى حتى منتصف القرن السادس عشر، وهكذا نجد قانون ابن سينا هو أكثر الكتب الطبية دراسة وانتشاراً في عالم الطب. أما طبعات شرحه فلا تحصى.

وفي القرن السادس عشر فقط، أخذ الطب الأوربي يشعر بالخجل من الطب العربي، وذلك لأنه ظل زمناً طويلاً ينقل ويقتبس ويأخذ عن العربي حتى إنه كان صورة مشوهة منه،

أما أستاذه في التشريح «سيلفيوس» فقد كتب عام ١٥٤٥ شرحاً على الرازي هو نفسه أبو التشريح وأبو الطب الأوربي عامة؛ كذلك نعلم أن الألماني «أندرياس فيزاليوس» قد تعلم اللغة العربية أيضاً وأجهد نفسه في سبيل إعادة نشر الكتاب التاسع من الكتاب المنصوري لمؤلفه الرازي وفي لاتينية أسلم وأقوم.

ومن المؤلفات القيمة التي لها مكانة لا تقل عن معاجم الجيب، تلك الجداول التي وضعها ابن جزلة وابن بطلان، فقد ترجمت هذه الجداول أكثر من مرة إلى اللاتينية وعليها اسم المؤلف في صيغة لاتينية غامضة جداً،

كذلك من الكتب التي لقيت رواجًا عظيمًا وأقبل عليها المترجمون كتاب «دليل المسافرين» أو «الرحلة»، وقد نبه إلى عظيم فائدته قسطنطين الإفريقي. ففي باريس وكولونيا وجامعات أخرى كان يدرس هذا الكتاب كمادة إجبارية على الطلاب، وظل الحال كذلك مئات السنين. وهو يعتبر إلى جانب إيساغوجي لحنين بن إسحق والمنصوري للرازي والتيسير لابن زهـر والكليات لابن رشد والقانون لابن سينا من أهم الكتب الرئيسية في برامج الدراسة الطبية في مختلف الجامعات حتى القرن السادس عشر في أوروبا.

وبالرغم من أن الغرب تنكر للعرب إلا أن المؤلفات العربية وبخاصة ما يختص منها بأمراض العيون ظلت متداولة حتى القرن الثامن عشر، وقد دخل كثير من اختراعات العرب وتجاربهم القيمة الطب الدولي بالرغم من إخفاء الأسماء العربية والتغاضي عن ذكر فضل العرب.

فكتب ابن سينا والرازي وابن رشد لا تقل أهمية عن كتب أبقراط وجالينوس، وقد بلغت الكتب العربية مكانة هامة في العلوم حتى إن استخدامها كان ضرورة لا بد منها للوصول إلى الشفاء. أما الطبيب الذي لا يستخدمها في العلاج فقد يتسبب في موت المريض الذي يعالجه.

أنصاب العبقرية العربية

إن الدولة العربية لم تكن دولة ثقافة وعلوم فقط بل كانت أيضاً مركزاً للتجارة العالمية. ففي البلاد العربية كانت تلتقي الطرق التجارية العالمية التي كانت تجتاز البحار والقارات القريب منها والبعيد… إنها كانت الشرايين التي تغذى الشرق والغرب والشمال والجنوب بمختلف أنواع السلع

وامتازت المستشفيات العربية الإسلامية بأن كل طبيب فيها كان يستطيع الحصول على أدوية جديدة ويجرى تجاربه عليها وأن يسجل هذه النتائج في سجلات خاصة أعدت لهذا الغرض، ولم يكتف بالتسجيل فقط بل كانت هذه النتائج تنشر بين مختلف الأطباء والمستشفيات على أنها أدوية مجربة، وبذلك تقدم كهداية للطب للاستفادة منها.

وهكذا نجد الأطباء العرب يصفون القهوة لعلاج القلب كما يستخدمونها مسحوقة لعلاج التهاب اللوز والإسهال والجروح العسيرة الشفاء،

كما نجد «محمداً التميمي» وهو أحد أبناء القدس يخترع مادة عالية ضد التسمم، وقد خلدت هذه المادة اسمه ويحق إذ أطلق على المادة المسهلة التي اخترعها والتي تساعد على الهضم اسم مفتاح الفرح ومنعش الروح،

إن العثور على حجر الحكمة الذي بواسطته يمكن تحويل المعادن غير الثمينة إلى ذهب، أعنى المادة المؤثرة أو «الإكسير» الذي يمنح الإنسان صحة جيدة وعمراً طويلا. فبلوغ هذه الغاية كان أمل الإنسانية وحلمها منذ عصور طويلة، وكانت تسعى جاهدة في سبيل تحقيقه.

لكن هذه الآمال التي اختلطت بعناصر روحية غير مرئية تناولها العرب وعالجوهـا بوسائلهم العلمية المنتظمة. وذلك لأن العقيدة الإسلامية والإيمان بالله الواحد الأحد، الملك القوي، عدو لهذه الخرافات وتلك الخزعبلات التي تتعارض والإيمان بالله العلي العظيم.

أما العرب فهم أول من ابتدع طريقة الملاحظة والملاحظة الدقيقة المنتظمة وتحت شروط صناعية تتكرر في كل وقت وتغير وتراقب، وكان العرب هم سادة هذا الموقف. لقد خلق العرب الكيمياء التطبيقية التجريبية بمعناها العلمي المعروف لنا ومن ثم طوروها، كما يعترف بذلك المؤرخ الإنجليزي «كستوم Custom»، حتى بلغت مكانة عالية رفيعة دفعت إلى اكتشاف الكيمياء العضوية وغير العضوية العصرية، وذلك بغية الوصول بها إلى المكانة التي بلغتها على يد العرب.

وهكذا استطاع «جابر» ومن جاءوا بعده الحصول على مركبات عديدة من بينها أوكسيد الزئبق والزنجفر، والزرنيخ، والنشادر، ونترات الفضة، والشب، وأملاح النحاس، والقلى الكاوي، ماء القلى، وأخرى كثيرة. ويفرق العلماء بين الحامض والقلي كما لاحظوا زيادة وزن المعادن عند الأكسدة والكبرتة وأدركوا أولاً أن النار تخمد عند انعدام الهواء. وإلى العرب يرجع الفضل في خلق العمليات الكيماوية الأساسية مثل: التبخير والتبلور والكلسنة والترشيح والتقطير، حيث فرقوا بين التقطير المباشر، وذلك الذي ينتج عن طريق الرمل أو الماء.

وفي المدن السورية نجد الجهاز الذي اخترعه العرب للتقطير ألا وهو «الإنبيق» وكذلك «الأثال». وهذان اللفظان يطلقان حتى اليوم على جزأى جهاز التقطير أعنى العلوى والسفلى.

ومن أكبر الأدلة التي تؤيد مدى نشاط العرب في الحقل الكيماوي هذه الاصطلاحات الفنية التي لا تحصى والتي ما زالت إلى اليوم مستخدمة بالرغم من عروبتها، وقد وجدت طريقها إلى مختلف اللغات العالمية، ولا يقتصر استخدامها على الكيماوي فقط بل حتى ربات البيوت أيضاً.

ومن المواد العلاجية والأدوية التي أوجدها الرازي هذا الصنف الذي ما زال يحمل اسمه في فرنسا ويعرف باسم «بلانك رازي Blanc Rhasis»، وقد تطورت هذه التسمية في فم الشعب وأصبحت «بلانك ريزين blanc Raisin» أي العنب الأبيض.

وأدرك الرازي بعض المتاعب التي يقاسيها المرضى من جراء تجرع الدواء المعروف باسم «رب» فقد كان رديء الطعم، لذلك لما حوله إلى حبوب كساه بطبقة حلوة من السكر أي جعله ملبساً كما هو الحال اليوم. من هذا النوع المعروف في أوربا باسم «دراجا Dragées» وإلى الرازي يرجع الفضل في استخدام عصير الفواكه وطبخه وإضافة العسل أو السكر إليه ومواد أخرى، وصنع منه ملبساً، وذلك بصب هذا الخليط بعد طبخه على رخام وتشكيله حسب المطلوب.

وفرق العرب كذلك بين الذين يعدون الدواء وأولئك الذين يأمرون بإعداده، وبتعبير أدق لقد أوجد العرب الصيدلي ومهنة الصيدلة. فالصيدلي بدراسته والمسؤولية التي يتحملها يمتاز على تاجر الأدوية العادي في العصور الأولى، لذلك كانت منزلة الصيدلي منزلة عالية رفيعة.

وقد أسس العرب أول صيدلية عامة في القرن الثامن الميلادي، وكان ذلك أيام حكم الخليفة المنصور، فكان كل مستشفى يحتوى على صيدلية كاملة شاملة،

وكانت الصيدليات خاضعة لتفتيش حكومي دقيق، فقد كان يراقبها موظفون من مصلحة الصحة، كما كانت تخضع في نفس الوقت لرقابة التموين وهي الرقابة التي كانت تشرف أيضاً على الطحانين والخبازين وتجار البن ومحلات المواد الغذائية مطالبة بمراعاة النظافة: نظافة المحال والأواني، وجودة البضاعة ودقة الموازين والمكاييل واللحوم في المذابح الواقعة خارج المدن والجزارة تجنباً لوقوع تسمم في الأغذية أو انتشار وباء.

إن مراعاة القواعد الصحية والصحة العامة صورة مثالية احتذتها أوربا ففي الشرق نجد التعليمات الخاصة بتأسيس المستشفيات وتنظيمها والعناية بها خيراً ألف مرة من مثيلاتها في أوربا، والتي أمر البابا جماعة روح القدس بتشييدها.

وحصل اللقاء في صقلية التي خضعت لحكم العرب مدة لا تقل عن ٢٥٠ سنة، لذلك أدخل العرب إلى البلاد الأنظمة والقوانين واستقرت في البلاد،

وفي الجهات الأوربية الأخرى كانت مثل هذه التعليمات موضع الاستنكار والعجب، إذ إن الدولة وليست الكنيسة هي التي تولت الإشراف على الحالة الصحية العامة، كما أننا نجد القيصر هنا سلك مسلك الخليفة والسلطان في الشرق وهو الذي يشعر كذلك بالمسؤولية ووجوب النهوض بها للفائدة العامة من الناحية الصحية للرعية، وكان يدقق في وجوب مراقبة السماح للأطباء بمزاولة المهنة ويشترط في الطبيب الشرف والضمير والمهارة الكافية. ويجب أن يقسم الطبيب والصيدلي قسما أمامه، كما راقبت الحكومة الصيدليات، وفقدت الطائفة الدينية كل سلطان خاص، وكان هذا تحدياً صريحاً للكنيسة، كما أدرك هذا البابا جريجور التاسع ولم يسعه إلا أن يلتزم الصمت أمام القيصر وتحديه وبعض المساوئ التي يقترفها.

وبفضل هذه القوانين وتلك الخطوات فقط نستطيع أن نقول إننا الآن حديثون متقدمون، كما أن الواقع أن القنطرة التي عبرتها أوربا لبلوغ هذه المرحلة شيدها العرب في القرنين الثامن والتاسع الميلاديين.

ومن الجدير بالذكر أن الثقافة العربية في ذلك العصر كانت قد بلغت شهرة عظيمة جداً في أوربا حتى إن الأطباء في شمال إيطاليا إذا ما أرادوا رفع قيمة مؤلفاتهم نسبوها إلى العربي ماسويه الصغير من بغداد وأنه هو مؤلفها وهو فيما يقال تلميذ ابن سينا الشهير العظيم

ولعل أول كتاب في الصيدلة بالمعنى الحديث هو ذلك الذي صدر لمؤلف تسمى باسم عربي، وهو طبيب إيطالي كان يدرس الصيدلة في القرن الخامس عشر في مدرسة سالرنو، فقد تسمى هذا الإيطالي باسم «صلاح الدين»

ولا عجب في هذا فالخمسة المشهورون في العلوم الطبيعية في أوربا في العصور الوسطى كانوا يقومون على أكتاف العرب. وهؤلاء الخمسة هم الفرنسي «فنسنت ده بوفيه» Vincent de Beauvais، وقد توفي عام ١٢٦٤، والأسباني «رِيموندوس لوس Raimundus Lulls (١٢٣٢ – ١٣١٦)، و«أرنلد» أحد أبناء «فيلا نوفا» (١٢٣٥ – ١٣١٢)، ثم الجراف الألماني «ألبرت فون بولشتيدت Albert von Bollstddt» (١١٩٣-١٢٨٠)، وهو يسمى «ألبرتوس مجنس Albertus Magnus»، والإنجليزي «روجير بيكون» Roger Bacon، (١٢١٤-١٢٩٢) وكانوا جميعهم يدرسون في باريس مؤلفات كبار العلماء العرب.

لكن من الناحية العلمية لم يتفوق «بيكون» على زملائه المعاصرين ففكرة التجربة أخذها عن العرب لكن أخذها نظرياً أكثر منها عملياً، وهذا هو المرشد الذي هدى اللاحقين من العلماء إلى الاتجاه إلى الكيمياء التجريبية.

إن الأثر المباشر للعرب على أوربا في الصيدلة ظل طيلة عصري الإنسانية والنهضة، بل ظل تأثيره قائماً حتى القرن التاسع عشر.

لكن حتى اليوم فكل مستشفى بنظامه وكل معمل كيميائي وكل صيدلية وكل مخزن أدوية إنما هو نصب تذكاري للعبقرية العربية. وكل حبة مسكرة أو مفضضة إنما هي تذكار صغير مرئي من الطبيبين العربيين العظيمين وأستاذي أوروبا ألا وهما الرازي وابن سينا.

الكتاب الخامس: سُيُوف العَقْل

المُعجزة العربية

العام ألف …

والآن ينشر تاجر الكتب البغدادي ابن النديم فهرسه الذي يقع في عشرة مجلدات تشتمل على أسماء جميع الكتب التي ظهرت حتى ذلك الحين في اللغة العربية، سواء في الفلسفة أو الفلك أو الرياضيات أو الطبيعة أو الكيمياء والطب.

وكذلك نجد طلاب العلم من الشرق والغرب بل من أوربا يقصدون المدارس العليا بقرطبة التي ذاع صيتها في العالم قاطبة وفيها المكتبة التي تضم نحو خمسمائة ألف كتاب لأحسن علماء العصر، وقد جمعها الخليفة الحكم الثاني قبل وفاته بنحو أربع وعشرين سنة، وذلك عن طريق التجار والرسل الذين أوفدهم إلى مختلف الحواضر العربية لاقتنائها، ومما هو جدير بالذكر أن الخليفة قد علق على هوامش الكثير من هذه الكتب.

وفي القاهرة نجد مئات من أمناء داري الكتب التابعين للخليفة، وبهما نحو ألف ألف ومئتا مجلد، أعني بهما عشرون مثلا مما كان في مكتبة الإسكندرية.

في ذلك العام ألف أبو القاسم كتابه الخالد في الجراحة، هذا الكتاب الذي ظل قروناً عديدة أهم مرجع بل المرجع الوحيد في هذا الفن، كما عالج البيروني -أرسطو العرب- دوران الأرض حول الشمس، واكتشف ابن الهيثم قوانين الإبصار كما أجرى تجاربه على آلة تصوير مظلمة مستخدماً مرايا وعدسات مخروطية وأسطوانية وكروية.

إن هذه الطفرة العلمية الجبارة التي نهض بها أبناء الصحراء ومن العدم من أعجب النهضات العلمية الحقيقية في تاريخ العقل البشرى. فسيادة أبناء الصحراء التي فرضوها على الشعوب ذات الثقافات القديمة وحيدة في نوعها، وإن الإنسان ليقف حائراً أمام هذه المعجزة العقلية الجبارة، هذه المعجزة العربية التي لا نظير لها والتي يحار الإنسان في تحليلها وتكييفها.

إذ كيف كان من المستطاع أن شعباً لم يسبق له أن يلعب دوراً سياسياً أو ثقافياً من قبل يظهر بغتة إلى الوجود ويسمع العالم صوته ويملى عليه إرادته ويفرض عليه تعاليمه، وفي زمن قصير أصبح نداً لليونان. إن هذه المنزلة التي بلغها العرب أبناء الصحراء لم تبلغها شعوب أخرى كانت أحسن حالاً وأرفع مكانة.

والسريان وهم تلاميذ اليونان الحقيقيون وصلتتهم الثقافة اليونانية كما وصلت العرب، فترجم السريان كثيراً من المؤلفات اليونانية إلى لغتهم السريانية إلا أن السريان لم ينهضوا بها ترجموا، ولم تتفق هذه الترجمات وتلك العلوم عندهم عن حركة علمية أو نهضة ثقافية عالية.

كما أن هذه النهضة العلمية لم تنبعث أيضاً في إيران التي كانت ملتقى الثقافات الصينية والهندية واليونانية، فقد استقبلت إيران كل هذه الثقافات ولم تطورها بالرغم من أن بيئتها الطبيعية وحالتها الاقتصادية ومستواها الثقافي تساعد على هذا التطور.

ليست بيزنطة وليست بلاد السريان وليست إيران التي كانت القنطرة التي تصل بين الثقافتين الشرقية والغربية. ليست جميع هذه البلاد هي التي ظهرت على المسرح الثقافي العالمي كحاملة لمشعل الثقافة القديمة ومكملة لها. أما الشعب الذي خلف الثقافة القديمة وحمل لواء النهضة العلمية الفكرية في العالم فهو شعب صحراوي خرج من الصحراء وبسرعة البرق قبض على صولجان السيادة الثقافية في العالم، وظل أبناء الصحراء حاملين لهذا الصولجان دون منازع مدة لا تقل عن ثمانية قرون، كما أن هذه الثقافة العربية قد تفتقت وازدهرت وأينعت أكثر من الثقافة اليونانية، كما كان العرب أخصب وأقوى من اليونانيين.

فما هي خصائص العرب التي أهلتهم إلى هذا؟ ما هي صفاتهم وما هي مميزاتهم التاريخية والاجتماعية والعقلية والنفسية التي تجمعت معاً فجاءت العالم بالمعجزة العربية؟

وقد صور بعض المؤرخين هذه القبائل على أنها عصابات من اللصوص وقطاع الطرق، لكن الحقيقة غير هذا وما دفع هؤلاء المؤرخين إلى هذا الافتراء إلا الاختلاف العقائدي.

ولم يمض على هذه القبائل المتخاصمة المتحاربة زمن طويل حتى أصبحت وحدة قوية نجحت في تكوين أمة يخشى بأسها، وذلك بفضل الدين الإسلامي الحنيف الذي أشعل في نفوسهم الحماس والشعور بالأخوة بعد أن سادت بينهم الفرقة والحزازات القبلية زمنًا طويلًا؛ أما الإسلام فقد آخى بين معتنقيه وخلق منهم الأخوة الإسلامية الخلقية والفرائض الدينية القوية التي آخت بين المسلمين وجمعت شملهم ووحدت صفوفهم؛ مما دفع المسلمين إلى التفاني والاستشهاد في سبيل نصرة هذه العقيدة والذود عنها، فقد وعدت هذه العقيدة الجديدة المتقين بالجنة؛ فهذه القوة الخلقية الفتية إلى جانب القيادة الحكيمة القوية وهؤلاء الصحابة الذين اصطفاهم الرسول ﷺ كونوا النواة الصالحة لحكومة مركزية حكيمة رشيدة مسئولة عن الكيان الجديد للأمة العربية الإسلامية، وكان الجيش الإسلامي بالرغم من نقص عتاده مظفرًا في حروبه وفتوحاته فأحرز النصر تلو النصر.

ولما انتقل رسول الله ﷺ عام ٦٣٢ م إلى الرفيق الأعلى كانت بلاد العرب وحدة سياسية. ففي عام ٦٣٥ م تشتت شمل جيش بيزنطة، وبعد ذلك بعامين أعنى سنة ٦٣٧ سقطت مصر. ولما اختار الله عمر بن الخطاب إلى جواره حلت فترة ركود، لكن في أواخر القرن السابع الميلادي كانت السيادة العربية قد بلغت شمال إفريقيا وامتدت حتى المحيط الأطلسي، وفي عام ۷۱۱ م بينما كان العلم الإسلامي ينتشر شرقًا مرفرفًا حتى الهند، انقض المحاربون المسلمون على دولة الفوط الغربية في إسبانيا واستولوا عليها بالرغم من قلة عدد المسلمين وعددهم بالنسبة لأعدائهم.

لكن هذه الفتوحات العربية كانت غريبة في نوعها حقاً، وإذا ما استثنينا الملك الفارسي «كيروش»، فالفتوحات الإسلامية كانت فتوحات لم يقصد المنتصرون من ورائها القيام بأعمال النهب والسلب أو العنف والتخريب وكل ما يذكر عن تعصبهم الأعمى أو قسوة قلوبهم وخشونة طباعهم وبربرية أعمالهم كذب وافتراء وهو يدخل في باب الأساطير التي تؤلف لإلقاء الرعب في نفوس الناس، وأنها دعاية من صنع أعداء العرب وخصومهم. ولا أدل على بطلان هذه الشائعات وتلك الأضاليل من هذه الصفات التي اتصف بها العرب الفاتحون من إنسانية رفيعة وتسامح تضرب به الأمثال، فهذه الإنسانية وذلك التسامح أتيا للمهزومين كذب هذه الدعاية المغرضة وسوء نوايا مروجيها ضد العرب.

وإذا أضفنا إلى هذا الموقف الكريم الذي وقفه العرب والإسلام من الشعوب التي انضوت تحت رايتهم هذه المثابرة على نشر الثقافة العربية الإسلامية وهي ثقافة تختلف في جوهرها عن هذا الطلاء الهليني أو القشور الرومانية ازددنا تقديراً وإعجاباً بالعرب.

وإذا أضفنا إلى جميع هذه العوامل موقف الكهنوت المسيحي من الحكمة اليونانية وإصرار هذه المسيحية على القضاء عليها وإعدامها، أدركنا الوضع الذي كانت عليه تلك البلاد أولاً ومدى الخطر المحدق بالتراث اليوناني القديم ثانياً والموت المحقق لهذه العلوم ثالثاً، ولكني كأنى بالعناية الإلهية قد أرادت لهذا التراث الإنساني الحياة فبعثت أبناء الصحراء وقد عمرت قلوبهم بإيمان الإسلام ودعوته الجديدة فسارعوا إلى تلك الحضارات العقلية فأنقذوها مما يتهددها وبعثوها بعثاً جديداً فتيا، ولولا هذا الفتح الجديد لظلت الثقافة القديمة دفينة ميتة يخيم عليها سكون القبر ووحشته إلى حين.

أوروبا تائهة في دياجير الظلام

«إن إنفاق المال على العلماء أجدى من إنفاقه على الممثلين» ـ هذه هي العبارة التي قررها حفيد الملك المسمى «أنا لاريش Athalarich» عندما أظهر استعداده لتشجيع العلم والعلماء،

لكن الإمبراطورية الرومانية تحولت إلى إمبراطورية مسيحية، فقد أعلن أوغسطين تعيين الرئيس المطلق للقوة الروحية، كما أرسلت روما الكهنوتية توجيهات إلى مختلف الجهات التي سبق لها أن أوفدت مبشريها. ففي بلاد الغال وبريطانيا أخذت الثقافة الهيلينية تختفي بمجرد وصول رسل روما، وتوارت مع الثقافة الهيلينية اللغة اليونانية، وذهبت روما الكهنوتية بعيداً فعملت جاهدة على القضاء على العناصر الثقافية الهيلينية القديمة وحتى تلك التي تأصلت فيها من قبل. فالقديس «إيرونيموس» اعتبر مجرد التفكير اليوناني لعنة حلت بالإنسانية، كما ترجم الكتاب المقدس إلى اللاتينية ليقضى على الفولجاتا وأمثال هوميروس وفيرجيل ويطهر العقول من آثارهما، وهكذا نجد الثقافة المسيحية تتجه اتجاهاً خطيراً معادياً للثقافة الهيلينية ومقوضاً لها.

فالعقل البشرى ليس هو الذي يضيء السبيل أمام النفس البشرية بل الوحى الإلهي. وكانت العقيدة السائدة في العالم المسيحي أن استخدام القوى العقلية ودراسة الظواهر الطبيعية ومعجزاتها عوضاً عن الانصراف إلى دراسة تعاليم الديانات السماوية مفسدة لهذه القوى العقلية،

ولن نجد هذه الظاهرة أكثر وضوحًا وجلاء من أعمدة الدخان ولهب النيران التي غطت الإسكندرية، هذه المدينة التي ظلت قرونًا عديدة ملجأ الثقافة اليونانية وقلعتها الحصينة فقد تحولت الآن إلى روما، المركز الرئيسي للكنيسة المسيحية. إن سماء الإسكندرية لم تعد هذه السماء الزرقاء الصافية بل عكست عليها لهب النيران المندلعة في مراكزها العلمية الرئيسية التي كانت مركز الإشعاع في دلتا النيل لونًا أحمر قانيًا، وذلك لأن دواوين الشعر اليوناني التي لا تعوض والتراث الأدبي والفلسفي وتاريخ العلوم الهيلينية تحولت بين عشية وضحاها إلى أكوام من الرماد بفعل المسيحيين المتعصبين الذين شفوا غليلهم وأرضوا شهواتهم فحرقوا وأبادوا ودمروا كل ما وصل إليه أيديهم من تراث علمي يوناني اعتقادًا منهم أنه قد يتعارض والتعاليم المسيحية.

ففي عام ٤٨ ق. م. عندما حاصر يوليوس قيصر الإسكندرية التهمت ألسنة النيران جزءًا كبيرًا من المكتبة الشهيرة الكائنة في «موسيون Museioon»، فما كان من كليوباترا إلا أنها عوضت هذه الخسارة ببعض الكتب التي كانت موجودة في «برجامون Pergamon».

وفي عام ٣٩١ م حصل البطريرك «ثيوفيلوس»

من القيصر «ثيودوسيوس» على إذن بتخريب أكبر مزار في العالم القديم وهو آخر وأكبر أكاديمية علمية، أعنى «سرابيون» Serapion، كما حرق مكتبته القديمة، ولعمري إنها أكبر كارثة أصابت الإنسانية إذ كانت أكبر ضربة وجهت إلى العلوم العقلية الإنسانية، وإن مصيبة العالم فيها لا تعوض فهي ولا شك مأساة المآسي.

صديق البطريق الأنطاكي وهو «سيفيروس Severus» يعترف دون خجل كيف أنه وصديقه كثيراً ما اقترفا، أيام شبابهما في القرن الخامس الميلادي وفي الإسكندرية حيث كانا منضمين إلى هيئة مسيحية، كثيراً من الآثام والجرائم الخلفية ضد العلماء الوثنيين وضد دور عبادتهم، فقد كسرًا أنصاب آلهتهم وخربا معابدهم، وهكذا نجد مراكز الثقافة الهيلينية يختفي الواحد بعد الآخر. ففي عام ٥٢٩ م أقفلِت آخر مدرسة للفلسفة في أثينا، وفي عام ٦٠٠ م احترقت في روما المكتبة التي أسسها «أغسطس»، كما حرم تدريس أدبيات الأقدمين وعلومهم وبخاصة الرياضيات وهدمت حتى بقايا المباني القديمة. ولما تقدم العرب نحو الإسكندرية ودخلوها عام ٦٤٢ لم تكن بها منذ زمن بعيد دور للكتب سواء كانت هذه الدور كبيرة أو صغيرة. والتهمة التي ألحقت بعد خمسة قرون بالقائد العربي عمرو بن العاص بأنه هو الذي أحرق مكتبة الإسكندرية الكبرى محض كذب وافتراء، وقد اخترعت هذه الفرية لتساق كمثل من أمثلة الأعمال البربرية والوحشية العربية، وقد ثبت اليوم بالأدلة التي لا تقبل شكاً أنها أكذوبة الأكاذيب.

فهذا الفاتح العربي، الذي فتحت له الإسكندرية أبوابها، قد جاء في طريقه بكثير من الأعمال التي تدل على التسامح العربي الأصيل، فقد منع تخريب البلاد وتدميرها، كما سلك مسلكاً غريباً حقاً على الشرقيين الأقدمين والمسيحيين. «لقد منح سكان البلاد الحرية الدينية في هذا العهد الذي هو مثال عربي حي للعهود والمواثيق العربية التي تعنى بالسلام، فقد شملت تلك العهود جميع الرعايا المسيحيين والقسيسين والرهبان والراهبات. لقد منح الإسلام الشعوب المغلوبة الأمان والحماية حيثما دعت الحالة إلى ذلك، كما انصرف عهد الأمان هذا إلى كنائسهم ومساكنهم ومزاراتهم والذين يقصدونها مثل: الجيورجيين والأحباش واليعقوبيين والنساطرة وجميع الذين يؤمنون بالنبي عيسى فجميع هؤلاء يستحقون العناية، وذلك لأنه سبق للنبي محمد أن آمنهم بعهد عليه خاتمه، كما حذرنا من ألا نكون رحماء معهم ونؤمنهم على حياتهم وممتلكاتهم. إن هذه ليست وعوداً جوفاء».

شعار المُنتصر

﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (البقرة: ٢٥٦) هكذا يقول القرآن الكريم. فلن يجول في خاطر العرب أن يكرهوا الشعوب الخاضعة لهم على اعتناق الإسلام،

إن المسلمين السادة الجدد حماة البلاد وحكامها لم يتدخلوا في مسائل رعاياهم الداخلية؛ إنهم عادلون. هكذا كتب بطريرك القدس في القرن التاسع إلى بطريرك إستنبول: والمسلمون لا يظلموننا أو يضطهدوننا. إنهم يمنحون مختلف أفراد رعاياهم من أصحاب العقائد الأخرى كل حرية في تأدية فرائضهم الدينية أو حقوقهم المدنية متى دفعوا الجزية وأطاعوا أولى الأمر. فالمسلمون جاءوا ليحكموا لا ليبشروا لكي يخرجوهم من عقائدهم الأصيلة. إن المنتصرين قد شكوا من كثرة دخول غير المسلمين في الإسلام وذلك بسبب الجزية ونقصانها، هذه الجزية التي كان يدفعها غير المسلمين فقط.

لكن هؤلاء أرادوا أن يتساووا بالمسلمين اقتصاديًا واجتماعيًا، لذلك سارعوا إلى الدخول في دين الله أفواجا. وهكذا بدون استخدام قوة أو ضغط أخذ يختفي المسيحيون اختفاء الجليد في الشمس،

وهنا نجد التسامح الإسلامي العربي الذي هو مضرب الأمثال يتجلى لنا في صورة تخالف كل المخالفة هذه الصورة التي يتجلى لنا فيها تعدد الآلهة عند الرومان المتأخرين الذين وجدوا مكانًا في مجمع آلهتهم لكل إله مهما كان أصله ونوعه. إن صبر العربي واحتماله وموقفه النبيل من خصومه دينًا وعقيدة له أصوله وجذوره البعيدة التي تتجلى لنا في الفتى العربي القديم. الفتى العربي الجاهلي. تضحية حتى الموت، تضحية لا تعرف حدًّا أو ترددًا، وكانت هذه المعاملة الكريمة يتمتع بها الضيف كما يتمتع بها أقرب المقربين إليهم.

ولما جاء الإسلام أعفي القبيلة من التزاماتها لأفرادها وحل هو محلها، أعنى محل القبيلة، كذلك هذه المعاملة التي كان يلقاها الضيف من أفراد القبيلة لأسباب بدهية تولاها الآن الإسلام والجماعة الإسلامية، ومن ثم نجد الإسلام ينتهى إلى إنسانية لا حدود لها.

فالفرق المسيحية النسطورية والمونوفيزيتية مثلاً والتي كانت الكنيسة الرسمية، أعنى كنيسة الدولة، تحرص على أخذ أفرادها بالصرامة. أخذ أولئك الأفراد يتحررون تدريجياً من استعبادين: استعباد الدولة واستعباد الكنيسة، كما بدأوا يتطورون ويتصرفون أحراراً غير مقيدين، … كذلك أصبح المغلوبون على أمرهم يعملون للانسجام مع حكام البلاد الجدد محتفظين مخلصين لعاداتهم وعقائدهم.

فقد أخذوا اللغة وسموا أبناءهم أسماء عربية، ومع مرور الزمن أخذوا يقتبسون مسلك وملابس وعادات العرب وطباعهم،

ولم يحدث ما حدث نتيجة لضغط أو تنفيذاً لأوامر بل هي الرغبة الملحة في الاندماج في عالم المنتصرين. إن حمل الاسم العربي إلى جانب الاسم الأول المتصل بالعقيدة كان فخر المسيحي أو اليهودي أو المجوسي، وليكن الاسم عبد الله أو محمداً.

وقد كانت هذه العادة متبعة منذ القرن العاشر، ولو أن المسلم لم يفرح في الواقع لاستخدام غير المسلمين لهذه الأسماء العربية الإسلامية المقدسة، ففي استخدامهم لها تجريد لها من قدسيتها.

ثم إن شعوره بكرامته هذه الكرامة التي ارتبطت بسيادته التي ولد بها كانت كافية لأن تخبر هذه الشعوب على اتخاذه مثالاً يحتذى حتى إن كل فرد كان يبذل قصارى جهده للتشبه به أو اللحاق به وبلوغ مكانته الاجتماعية لكى يقال عن هذا الشخص إنه عربي أو مسلم. وهذا الطموح كان دعاية كبرى للعقيدة الإسلامية وهى دعاية لم تقم بها أو تدعو إليها حركة تبشيرية، فأقبل على الإسلام خلق كثير.

والذي يؤمن بالإسلام يجب أن يقرأ كلام الله ويرتله في اللغة التي نزل بها الوحى، يجب أن يكتب ويتكلم ويقرأ لغة القرآن الكريم، لغة الشعراء الأقدمين، لغة المنتصر.

وهنا نجد العرب يستخدمون سكان تلك البلاد الأصليين في مختلف الحرف والمهن، فعملوا كفلاحين وصناع وتجار وموظفين ومعلمين وعلماء بعد أن تعربوا وتطبعوا بالطابع العربي.

ثم ظاهرة أخرى ألا وهى أن لغة الدواوين أصبحت عربية، وكذلك لغة التقاضي والسياسة والتخاطب والتجارة والمواصلات والمجتمعات.

وماتت اللغة القبطية، والآرامية لغة يسوع المسيح أخذت تفسح الطريق أمام لغة محمد، كما اضطر الباباوات والمراسيم الدينية إلى الأقليات المسيحية في الأندلس في القرن التاسع مترجمة إلى اللغة العربية؛ وذلك لجهلهم اللاتينية. وحتى بعد استرداد إسبانيا وجدت الكنيسة نفسها مضطرة إلى ترجمة العهد الجديد إلى اللغة العربية التي يفهمها المسيحيون بعد تحررهم.

فلغة القبيلة أصبحت في غضون قرن من الزمان لغة عالمية.

إن اللغة العربية تعبر عن الحياتين المادية والروحية وتطبع كلا منهما بطابعها الخاص كما أنها جانست بين سكان القارات الثلاث وخلقت منهم خلقا متجانسًا ذا طابع واحد خاص، وحتى الأجانب مثل الترك والسلاجقة والمماليك والتتار عندما آل إليهم السلطان خضعوا جميعهم لحمًا ودمًا للثقافة الإسلامية واللغة العربية وللحياة الإسلامية جسديا وروحيا.

وإبان الدولة الإسلامية لم تكن الثقافة الفارسية هي التي جاءت إلى العالم بأمثال الرازي وابن سينا، لكنها الثقافة العربية هي التي أرضعت هؤلاء من لبانها وهي التي نشأتهم النشأة العلمية بالرغم من أنهم انحدروا من أصل فارسي.

والآن نجد العلماء من مختلف العقائد يعملون معًا وبينون متساندين متعاونين الحضارة العربية والثقافة العربية والعلوم العربية. فكما نجد كتبًا وضعها مسلمون ومسيحيون ويهود وصابئون معًا وعُزوا بها دور الكتب العربية، نجد تسامحًا عربيًا. كذلك لم يحقر من شأن المسيحيين كمعلمين ودخل هذا التسامح إلى مدارس الوثنيين للاغتراف من ينابيع المعرفتين اليونانية والهندية.

وهذا يتفق تمامًا والحديث النبوي الشريف: «طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة» هكذا جعل النبي ﷺ طلب العلم فريضة دينية «اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد». هكذا نجد النبي ﷺ يحرص دائمًا على توجيه المسلمين إلى العلم فطلب العلم أجره أجر الصوم وتعليم العلم يقابل الصلاة، والنظر إلى الوجود وعظمته يقوى إيمان العربي وخشوعه فالعلم يهدى إلى الإيمان «ولو في الصين»، وقد حرص النبي ﷺ على إخراج المسلمين والإسلام من الحدود الجغرافية الشعبية الضيقة إلى الكون: فالعلم وطلبه عبادة فجميع المعارف مصدرها الله وإليه تعود لذلك قيل: «اطلبوا العلم من أي نبع». في سبيل الله اطلب العلم ولو من شفاه غير المؤمنين. ألم يقل الله إن علم الدنيا غباء؟ ويتساءل بولس الرسول على النقيض قائلاً: يوجد مكتوب أريد أن أهدم حكمة الحكماء وأحطم عقل العقلاء: «إن البغاء الموجود في الوجود اختاره الله وهذا يسيء إلى الحكماء».

لذلك يجب أن تحل اللعنة على الفكرة القائلة بكروية الأرض: “هل هذا ممكن؟ هكذا سأل معلم الكنيسة «لاكتنتيوس Lactantius» وقال: «كيف تبلغ البلاعة بالناس حدًا كهذا ويعتقدون في مثل هذه الخرافة؟ كيف يعتقدون أن دولا وأشجارًا تتدلى من الجانب الآخر للأرض»،

وهكذا نجد التقدم الذي بلغته الإنسانية منذ قرون عديدة يختفي ويتلاشى وتعود عصور السذاجة إلى الظهور من حيث النظر إلى الوجود نظرة تحيطها الخرافات وعوامل السحر والشعوذة.

كذلك حلت اللعنة أيضاً واللعنة القوية على كل من يفكر في قانون السببية لتعليل الظواهر الطبيعية، وليست اللعنة فقط بل الكفر بالله،

فبعد أن كان العقل البشري يعيش في الكلمة «اللوجوس Logos» اليونانية الواضحة الوضاءة انحط العقل إلى جو ملبد بالغيوم والضباب وعدد لا يحصى من الخرافات والشعوذة وقد أعمت هذه الخرافات أبصارنا فغطت عيوننا غشاوة حجبت عنا إدراك كنه الوجود.

إن الكنيسة والرهبنة تؤثران في المجال الروحي، لكن فيما يتصل بالمجال الدنيوي لم تنقذا الثقافة بل غالبا ما عطلتاها وعوقتاها. لقد كانت لدى الكنيسة والرهبنة نفس الوسائل، بل أفضل من تلك التي كانت لدى العرب فقد كان تحت تصرفهما هذا التراث العظيم فلو استغلتاه وطورتاه لعاد عليهما وعلى الإنسانية بالنفع العظيم. فالنصوص والكتب القديمة متوفرة بكثرة هائلة بخلاف الحال عند العرب، فحتى القرن السادس الميلادي كان في أوربا عدد كاف من الرجال الذين كانوا يجيدون اليونانية، فالعلوم العقلية التي وجدت طريقها إلى أوربا في القرون الأولى عن المثقفين الرومانيين كانت جديرة بالترجمة والتحقيق، وكان في أوربا من يقدر على النهوض بهذه الرسالة، ولم يكن هؤلاء المترجمون أقل من أولئك الذين نهضوا بهذا العبء إبان خلافة بغداد أو دونهم.

فالتفكير اليوناني قد بدأ لدى المسيحيين وكأنه جدير بكل لعنة لذلك لم يكتف المسيحيون بالابتعاد عنه بل أخذوا على عاتقهم تخليص الإنسانية منه بالقضاء عليه وإبادته.

وفي عام ۱۲۰۹ ذكر المجمع المقدس في باريس أن الرهبان يرتكبون أمهات الخطايا إذا ما قرأوا كتباً تتصل بالعلوم الطبيعية.

والآن نستطيع أن نفهم وندرك كيف غطت أوربا قرابة ألف عام في نوم عميق، ثم مضت فترة أخرى حتى أفاقت من غفلتها وبدأت تنفض غبار النوم عنها، هذا مع ملاحظة أن العرب المسلمين سبقوا أوربا إلى هذه النهضة بنحو قرنين أو ثلاثة فنموها وهدبوهـا وطوروها،

لقد ظهرت هذه النهضة العلمية بغتة. وذلك بمجرد انقضاء القرن الأول الإسلامي، قرن الفتوحات وانتشار الدين الإسلامي وكتاب الله، القرآن الكريم، ففي تلك اللحظة انشقت العلوم والمعارف وتفتحت البراعم بعد جفاف فصل الشتاء وظهرت العلوم العربية. وبعد فترة وجيزة من الزمن عمت العالم وأصبحت ثقافة عالمية.

ونجد الإسلام الفتى لا يقف من هذه الخصومات وتلك الخلافات الدينية مكتوف اليدين بل يقتحم المعركة وينازعها فلسفتها وعقائدها الدينية ويخوض هذه المعارك الكلامية والعقائدية والفلسفية.

فالإسلام لا يعرف لدى الله وسيطاً؛ ولذلك لا كهنوت أو كهنوتية منظمة قائمة ثابتة لها سلطانها القوى، وبخاصة في الظروف الحرجة،

عملية إنقاذات قيمة تاريخية

الكتاب وسيلة لخدمة السياسة.

وكم كان شغف العرب بالكتب عظيماً، وبخاصة هذه الكتب المتصلة ببعض المواضيع الجامدة الجافة مثل: الهندسة أو علم القوى المحركة والطب والفلك والفلسفة.

وبينما نجد الدولة المنتصرة تطلب من الدولة المهزومة تسليمها الأسلحة والذخيرة والسفن الحربية كشرط أساسي لعقد معاهدة الصلح، إذ بنا نجد هارون الرشيد بعد انتصاراته في عمورية وأنقرة يطالب بتسليمه المخطوطات اليونانية.

وبينما نجد اليوم الدولة المنتصرة تطالب المهزومة بالمناجم والصناعات الحربية الهامة وكل ما يتصل بوسائل الهدم والتدمير والإبادة ووضع اليد على مختلف المخترعات، إذ بنا نجد المأمون يطالب عقب انتصاره على البيزنطي ميخائيل الثالث بتسليمه جميع المخطوطات اليونانية الخاصة بالفلسفة ولم تترجم إلى العربية بعد كتعويض لخسارة الحرب لأنها كما يقول الأسلحة العقلية التي يتسلح بها في سبيل السلام وتدعيمه.

والواقع أن الأمراء العرب كانوا كأنهم مجانين في سبيل الحصول على بردية أو مخطوطة مكتوبة على الرق. فما من شيء يكسب صداقتهم مثل الحصول على بعض المخطوطات القديمة،

كذلك كان الأمراء مشغوفين بالحصول على المترجمين الذين يترجمون لهم هذه المخطوطات، كما سار في ركب الأمراء كذلك الوزراء والأثرياء.

أما البقية الباقية التي وصلتنا من هذه الثقافة فالفضل في هذا يرجع ولا شك إلى العرب وجريتهم وراء المعرفة. ولم يصلنا من هذه الثقافة عن غير طريق العرب إلا النادر القليل الحديث ومن بيزنطة.

الترجمة مجهود ثقافي

إن المخطوطات وغيرها التي أنقذها العرب لم تخزن في المتاحف والخزانات وحيل بينها وبين الهواء، بل بعثت بعثا جديدًا، وانتقلت من حال النسيان والإهمال إلى الحياة ثانيًا فتية قوية، لقد عادت إلى الحياة لتكون في متناول يد كل فرد، وبالاختصار ترجمت.

لم تترجم هذه الكتب في لغة بعيدة عن تلك المألوفة عند الشعب، لم تترجم إلى لغة لا يعرفها إلا الكتاب والشعراء وغيرهم من اللغويين والفقهاء، أو بتعبير آخر إلى لغة قريبة من اللاتينية في القرن الثامن في أوروبا، بل نقلت إلى لغة حية مستعملة ألا وهي لغة القرآن الكريم، وهذه هي الجذور الثابتة للثقافة العربية وهي التي عاونت على نموها وازدهارها.

فقد أمر المنصور كما جاء في كتاب عقد الألى فيما يتعلق بالكتاب الهندي «سيدهنتا» أن يترجم إلى العربية ويؤلف كتاب على نمطه في العربية ليتعلم العرب منه حركات النجوم، والواقع أن ما طلب حكام العرب تنفيذه اقتناعاً منهم بفائدته قد نفذ كاملاً غير منقوص.

فعملية الترجمة كانت تؤدى بعناية ودقة وحماس لا يقل عن هذا الاهتمام الذي وجه إلى جميع الكتب التي جمعت من مختلف مصادرها، فقد استدعى هارون الرشيد مختلف العلماء الذين يجيدون مختلف اللغات وكون منهم هيئة علمية تحت إشراف يحيى بن ماسويه مهمتها تقدير التعويضات التي يجب أن تدفعها الشعوب المهزومة، وهذه التعويضات يجب أن تكون كتباً. ثم جاء المأمون وكون مجمعاً علمياً حقيقياً للقيام بأعمال الترجمة.

وهنا نجد مدى الفضل الذي قد يتفضل به المترجم على المؤلف، وهذا الفضل يتوقف على ميل المترجم وشغفه بالكتاب وفهمه وإدراكه كنصه وحسن اختياره. فترجمته هي التي تفرض الكتاب على المجتمع وتمهد له الطريق إلى الأوساط العلمية والثقافية. فحين حنين لجالينوس هو الذي جعله يتوجه ملكاً على عرش الطب العربي، وبذلك أصبح فيما بعد زعيم الطب الأوروبي.

وحنين بن إسحق على نقيض المترجمين اللاتين المتأخرين، فعالمنا العربي كان ملماً بمختلف أنواع العلوم بقدر. فقد كان يجيد المادة التي يترجم منها حتى إنه كان يسمح لنفسه أن يشرح ويبسط العبارات العويصة التي يذكرها المؤلف، كما كان يقدم لكل كتاب يترجمه بمقدمة العالم الخبير ويعلق عليه ببعض الشروح والتفسيرات. وقد اشتهر حنين بدقته حتى إنه كان كما يذكر هو نفسه، لا يقدم على الترجمة إلا بعد الحصول على ثلاث مخطوطات على الأقل من الكتاب المراد ترجمته، فيقابل بينها ويقوم نصها ويصححه إذا ما دعت الحاجة إلى هذا.

فأين هذه الدقة العلمية في العالمين القديم والوسيط عدا عند العرب حيث نجد الناشر يشعر بمسئوليته تجاه المؤلف ومدى احترامه وتقديره لثروة المؤلف العقلية؟

وهكذا نجد العلماء العرب يحفظون للعالم عن طريق ترجماتهم الكثير من الكتب من الضياع والضياع النهائي، وهي مؤلفات كان العالم يجهلها جهلاً تاماً لولا أن جاءته عن طريق الترجمة العربية مثل كتب: التشريح لجالينوس وكتب القوى المحركة والرياضيات للمؤلفين «هيرون» و «فيلون» و «مينيلاوس»، ثم بصريات بطليموس، والموازنة للمؤلف أوقليد، وأخرى حول الساعة المائية، والأجسام الطافية لأرشميدس. ثم هناك ثلاثة كتب حول قطاع الجلة للمؤلف «أبولونيوس» والذي أنقذها هو ثابت بن قرة الرياضي البارع والخطاط العظيم الذي كان يزاول ابن إسحق بن حنين وحفيده

وَلَع بالكُتُب

وكما أن المستوى الاقتصادي والعقلي والاجتماعي للإنسان في عصرنا الحالي يتطلب امتلاك السيارة والتليفزيون، فإن المستوى العربي فيما بين القرنين التاسع والثالث عشر كان يقاس بالمكتبة الخاصة.

فقد حدثنا رحالة عام ٨٩١م أن ببغداد المطلة على دجلة مائة مكتبة عامة يستعين بها كل طالب علم سواء أكان مستعيراً أم مطلعاً بداخلها، وبكل مكتبة المترجمون والنساخ في قاعاتهم الخاصة، كما توجد بكل مكتبة قاعة كبرى عامة للندوات والمناقشات وهي شبيهة بالأندية الإنجليزية اليوم.

أما مكتبة مدينة الري فقد سجلت أسماء كتبها في فهرس يقع في عشرة مجلدات كبيرة وكان في كل مسجد مكتبة، وكل مستشفى يستقبل زواره في قاعته الكبرى الغنية بالكتب، ويحرص على شراء جميع ما يظهر من الكتب الطيبة إشباعاً لحاجة الطلاب والباحثين. وفي مرصد «مراغة» بدون ناصر الدين الطوسي أربعمائة ألف مخطوطة، وما ينهض به خليفة بغداد يجوز أيضاً لأصغر الأمراء وفي أقصى أطراف الدولة، فنجد في جنوب بلاد العرب أميراً عالماً يملك مكتبة بها مائة ألف مجلد؛ ثم نجد ابن سينا ولما يبلغ الثامنة عشرة يزور سلطان بخارى المريض واسمه محمد المنصور استجابة لرغبة طبيبه الخاص لمساعدته طبياً، فتقديراً لمجهوده أذن له السلطان في أن يختار من مكتبة القصر ما يحتاج إليه من كتب للدراسة، وهذه المكتبة منظمة تنظيماً موضوعياً، كما تشغل غرفاً كثيرة من غرف القصر؛ وقد شاهد ابن سينا فيها كتباً لا يعرف الكثيرون أسماءها، كتباً لم يرها ابن سينا من قبل ولا من بعد.

لكن أحداً – حتى خليفة قرطبة الذي كان يوفد المبعوثين والعملاء لاقتناء أهم الكتب وأشهرها لمكتبته الخاصة استكمالاً لها وتيسيراً للعلم لطلابه – لا يقارن بالخليفة العزيز في القاهرة. فمكتبة الفاطميين كان بها زهاء مليون وستمائة ألف مجلد وفي حالة جيدة كاملة، ومن بينها ستة آلاف وخمسمائة كتاب في الرياضيات وثمانية عشر ألفاً في الفلسفة. وهذه المكتبة لم تشن ابنه عندما تولى الحكم عن تأسيس مكتبة أخرى إلى جوار الأولى وكانت تشغل ثماني عشرة قاعة.

ولا يفوتنا أن نذكر أن الكتب لم تكن تطبع في ذلك الحين بل كانت تنسخ والنسخ قد يستغرق الأشهر أو السنوات، فهي لم تكن رخيصة بل غالية،

لكن الأمر عند العرب كان على عكس ذلك، فهواة الكتب كانوا كثرة وكانوا يوجدون بين سائر الطبقات وليس فقط بين العلماء. فكل متعلم من السياسي إلى تاجر الفحم، ومن قاضى المدينة إلى المؤذن خبير بالكتب وتجارتها. فالمكتبة المتوسطة الخاصة في القرن العاشر كانت تحتوى على كتب تفوق بكثير محتويات جميع مكتبات أوربا وقتذاك.

كانت تجارة الكتب تكلف المجتمع العربي ملايين الملايين سنوياً، فالمكتبة النظامية لجامعة بغداد مثلاً كانت ميزانيتها السنوية مليونين ونصف مليون فرنك ذهبي لشراء الكتب والمخطوطات، لذلك كانت الكتب مصدراً من أهم مصادر الرزق لمئات الآلاف من البشر.

فتجارة الكتب والصيدلة مهنتان من اختراع العرب.

شعب يدرس

ولا يفوتنا أن نذكر أن وسط أوروبا كان فيما بين القرنين التاسع والثاني عشر الميلاديين مسرحًا للأمية التي بلغت نسبتها خمسة وتسعين بالمائة.

وبينما حاول كارل الأكبر (شارلمان) وهو في سن متقدمة تعلم الهجاء، وحتى هذه التوطئة قد أعيته. وبعده بعدة قرون نجد الأشراف الأوربيين يتحايلون على التهرب من تعلم القراءة والكتابة هذا الفن العسير، وفي الأديرة كان قليلا جداً عدد الرهبان الذين يستطيعون القراءة والكتابة، بل في دير القديس جالين لم يوجد في عصر من العصور راهب واحد يقرأ ويكتب، وقد كان ذلك عام ١٢٩١ م. إذ بنا في نفس العصر نجد في قرى ومدن البلاد العربية آلاف الآلاف من المدارس التي تضيق بالصبية من الجنسين وهم في سن السادسة والحادية عشرة وكانوا يتعلمون القراءة والكتابة، قراءة القرآن الكريم وكتابته، … وكان السر في تأسيس هذه المدارس الرغبة الصادقة في إبداء حسن إسلام أولئك الذين يعتنقونه. فقد نشأت هذه المدارس حرة وهبة وليست قسوة وجبراً، وإن إتقان القرآن قراءة وكتابة كان من مقومات الثقة في الدين وفهم كتاب الله عز وجل. وهنا نجد البون شاسعاً بين الشرق والغرب وموقف الشرقيين والغربيين من الكتب المقدسة. فكتاب المسيحيين المقدس كان حكراً على رجال الدين فقط. أما المسيحي العادي فكان يجهله جهلا تاماً، فرجل الدين فقط هو الذي يقرأ ويفهم لغة الوحى.

أما في العالم الإسلامي فقد كان الحال غير الحال فكان من مصلحة الدولة العربية نشر الثقافة والمعرفة بين رعاياها، فالأطفال من جميع الطبقات كانوا يقصدون المدارس الأولية نظير نفقات ضئيلة جداً، وعندما شرعت الدولة في تعيين المدرسين منحت المجانية الكاملة لغير القادرين، هذا وفي جهات أخرى كان التعليم مجاناً لسائر الطبقات حتى في إسبانيا.

وهكذا انتشرت المدارس العالية في مختلف المدن الإسلامية وكان الطلاب يقطنون في المدارس ويتناولون شهرياً مرتبات لسد حاجاتهم ونفقاتهم الخاصة. وكانت الطوابق الأرضية في المدارس معدة للمطابخ وإعداد الطعام وتناوله، كما أنشئت بهذه الطوابق أيضاً الحمامات. أما حجر الدرس فكانت في الطابق الأول، وكانت تحيط بالغرف الدهاليز والمكتبة وكلها تقع حول النافورة الموجودة في الردهة الداخلية. وهنا كان يتعلم الشبان العرب الطموحون: القرآن الكريم، والحديث الشريف والنحو والصرف، وفقه اللغة والفصاحة والبلاغة والآداب، والتاريخ، وعلم الشعوب، والجغرافية والمنطق، والرياضيات، وعلم الفلك. فكان المنهج الدراسي منهجاً غنياً، كما كانت طريقة التدريس تعتمد على المناقشات التي كانت تثار بين الطلاب وأساتذتهم.

ومن هؤلاء الطلاب كانت تتكون طبقة القادة سواء في الدين أو السياسة.

ولا تقتصر مهمة المدرس الخاص على تلقين الطالب العلوم نظرياً، بل كان يتولى أيضاً تدريبه عملياً كأن يرافقه في الأسواق ويشاركه في شراء الأشياء أو زيارة الحمامات أو دخول المسجد.

أما الطريق العادي لكل طالب فهو التوجه إلى المسجد، إذ إن المساجد ليست دور عبادة فقط بل دور علم وتعليم أيضاً،

ففي المساجد يجلس إلى جوار الأعمدة الدقيقة الجميلة الأساتذة وحلقة الدرس من الطلاب. وهم يلقون محاضراتهم والأبواب مفتوحة والحضور مباح للجميع. لكل رجل وكل امرأة، ولكل فرد الحق في توجيه الأسئلة إلى الأستاذ   ولكل فرد الحق في أن يحاضر إذا ما شعر بأنه متمكن في مادته لكن أسئلة الطلاب تحول دون وصول الأدعياء إلى مكان الأستاذية.

فكان هؤلاء العلماء يقصدون أساتذة دمشق أو بغداد وقد يكونون هم أيضاً من أساتذة الأزهر في القاهرة أو القيروان أو فاس أو الزيتونة في تونس،

إن العربي لن يلوك لسانه أفكار الآخرين، فكل من يريد استخدام كتاب لمؤلف آخر في الدرس، عليه أن يحصل قبل كل شيء على موافقة كتابية من المؤلف، فليس من المسموح به أن أحداً يستشهد في محاضراته ولو شفوياً بأقوال أستاذه دون أن يكون قد حصل على تصريح مكتوب،

وهكذا نجد حق التأليف أو الاختراع العربي الذي كان يلازم إنشاء المدارس العليا العربية ينتقل إلى الجامعات الأوربية، وهذا هو أصل الدرجة العلمية الجامعية المعروفة باسم «ليستياتين Lizentiaten» والتي ما زلنا نجدها حتى اليوم في الدرجة اللاهوتية ليسانس اللاهوت (lic.theol)، وربما أيضاً «البكالوريا Baccalaureat»، وهى تقابل في العربية «الحق في تفويض آخر بالتدريس»، أعنى «بحق الرواية».

فلا غرابة إذا رأينا الأوربيين يقلدونها فيقتبسون عن الجامعة العربية الإجازات العلمية ونظام الكليات وطرق التدريس. جميع هذه الهبات وهبها العرب للأوربيين.

لم يقدم العرب لأوروبا البناء فقط بل محتوياته أيضاً أعنى العلوم والمعارف. فقد أهدوا لأوروبا مواد هذه الدراسة اليونانية، فالعرب قد اعترفوا بأهميتها وضرورة تدريسها لذلك أعطى العرب أوروبا العلوم اليونانية والفلسفة اليونانية.

هذا الإنتاج العربي هو الدعامة التي تقوم عليها المعرفة الأوربية، والذي يتفوه به الأوربيون جريمة وإثم لا تجاه العرب فقط بل تجاه الحقيقة ذاتها.

 فاليونان ورثة، فقد ورثوا الشرق القديم، واليونان هم الوسطاء الذين نقلوا عن الشرق القديم علومه، ومن ثم قدموها إلى الشعوب الأخرى، كما هو الحال مع العرب فهم وسطاء اليونان والشرق القديم ومن شعوبه انحدروا، وأوروبا هي وريثة العرب والعالم القديم.

من الخطأ أيضًا، كما حدث حتى اليوم، أن نقابل بين العرب واليونان، وأن نتهم العرب بنقص في فهم العالم وتفسيره تفسيرًا فلسفيًا، كذلك ليس من العدل أن نصف العلوم العربية بأنها تقليد أعمى للعلوم الهيلينية، وأن العربية عبارة عن أخذ ورد للعلوم اليونانية أو الهندية، كما أن إنتاج أمثال «تاليس» و«فيثاغورس» هو نقل عن المصريين والبابليين. إن العرب عندما أخذوا ما أخذوا عن اليونانيين أخضعوه لأبحاثهم التجريبية وتوسعوا فيما أخذوا عن اليونانيين، نعم إن العرب هم مخترعوا العلوم التطبيقية والوسائل التجريبية بكل ما تدل عليه هذه العبارة.

والعرب هم المخترعون الحقيقيون للأبحاث التجريبية.

واعتمادًا على هذا الرأي ظهر العلماء الطبائعيون العرب، وكانوا أول من فتح الطريق في العالم فسار في طريقهم الأوربيون وظهر أمثال: «روجر بيكون» و «ألبرتوس مجنوس» و «فيتيليو» و «ليوناردو دا فتشى» و «جليلي».

وهناك حقيقة يجب أن نقررها مرة ومرات، وهى أن العرب لم ينقذوا الثروة العقلية اليونانية فقط، ولولا هم لضاعت وقبرت، بل العرب هم الذين نظموهما فبوبوها ورتبوها، ومن ثم قدموها لأوروبا في ثوب علمي قشيب. العرب هم مؤسسو الكيمياء التجريبية وكذلك الطبيعة العملية والجبر والحساب بمعناه الحديث، وحساب المثلثات الكروي، وعلم طبقات الأرض، والاجتماع وغير ذلك من الاختراعات الكثيرة الأخرى في مختلف العلوم والمعرفة، وغالباً ما سطا عليهم الصوص ونسبوها إلى أنفسهم.

الكتاب السادس: مُوحِّد الشَّرق والغَرْب

دولة النورمان.. دولة بين عالمين

إن العام الهجري ٥٢٨ يقابل الميلادي ١١٣٣، في عاصمة صقلية: بالرمو، هذه المدينة العظيمة التي أصبحت وكأنها مدينة القصص والخيال، عاصمة لملك اشتهر بإعجابه بعظمة الشرق وأبهته، وهذا هو «روجير» الثاني، وهو ابن فاتح الجزيرة وقاهرها الأمير النورماني «روجير» الأول الذي انتزع هذه الجزيرة من العرب بعد أن حكموها زهاء ثلاثة قرون،

لقد أغنى العرب تلك الأراضي الفقيرة بحقول القطن وقصب السكر كما توجوا البلاد بتاج من القلاع الحصينة والقصور الشامخة والمساجد التي تعتبر آية في الفن والجمال. فابن حوقل الجغرافي يحصى بها حوالى عام ٩٧٠ م نحو ثلاثمائة مسجد في بالرمو فقط، هذا إلى جانب القصور التي كانت موضوع شعر الشعراء والمغنين. كما كان بها الفلاسفة والأطباء والطبائعيون والرياضيون يتعاونون جميعهم في نشر العلم والثقافة ورفع مستوى الشعب.

إن جروح ودموع أولئك بقوا في الجزيرة قد نضبت وبخاصة بعد أن أصبح المنتصرون عبيداً للمغلوبين، وتتلمذوا عليهم، وأقبلوا على تحصيل الثقافة والعلوم على أيديهم.

حقاً إن النورمانيين قد وجدوا أنفسهم في بيئة دينية جديدة ما كانت تحول بخاطرهم فكانوا أنى أداروا وجوههم لا يشاهدون إلا الجمال والأبهة وحياة أخرى أرفع وأرقى من تلك التي كانوا يحيونها،

ألم يحدث أن الفرسان المسيحيين، لما كانوا في البلاد المقدسة وبخاصة ملكهم «بلدوين» الأول، رفضوا الانصياع للعقلية الصليبية ولم تحل إنذارات البابا دون اقتباس عادات وتقاليد المسلمين أعدائهم في العقيدة، وبلغت درجة تأثر أولئك الفرسان المسيحيين وعلى رأسهم بلدوين بالمسلمين والإسلام أنهم حرموا على أنفسهم أكل لحم الخنزير كما التزموا أكل الطعام العربي ومراعاة كل ما هو عربي حتى العملة العربية والمحلاة بالآيات القرآنية الكريمة. لقد جاء الصليبيون «لمقاتلة أعداء الله» فحدث أنهم قلدوا المسلمين في كل شيء، حتى إن المراسلين الذين كانوا في القدس والذين كان يسرهم أن ينشروا عنهم أنهم يحاربون في سبيل الله، قال أولئك المراسلون: «نحن الذين كنا أوربيين أصبحنا الآن شرقيين».

ولو أن فارقاً وقع بين العصرين، أعنى عصر انتصارات العرب وعصر انتصارات النورمان، وهذا الفارق هو أن المهزومين الآن لا يحاولون تقليد المنتصرين في حياتهم وعاداتهم وتقاليدهم، بل العكس هو الصحيح، فالآن نجد المنتصرين المسيحيين الذين يقلدون المسلمين ويحاولون الاندماج فيهم وائتلافهم، إن المسيحيين هنا يقلدون المسلمين فالمسلمون انتصروا أو انهزموا هم المثل الأعلى الذي يحتذى.

لذلك نجد الأسقف الإنجليزي «أنسلم» يذكر أنه لما دخل الخيام العربية المقامة أمام أسوار «كبو» غضب الأمير النورماني غضباً شديداً، لما شعر أن هذا الأسقف الإنجليزي أخذ يبشر بالمسيحية بين جنوده المسلمين. وقد كتب مؤرخ الأسقف الإنجليزي يقول: «لماذا لم يرغب ورفض الجراف روجير أمير صقلية أن مسلماً واحداً من مسلمي صقلية يعتنق المسيحية، هذا ما لا أريد الاهتمام به وسيعاقبه الله».

وأصبح أمير بالرمو هو أمير الأسطول «أمير الرحل»، أعنى أمير البحر (أدميرال).

وأول من تقلد وظيفة الأميرالية، هذه الوظيفة التي هي أصلا وظيفة عربية، لم يكن أحد رجال البحر الأقدمين الذين خدموا في الأسطول النورماني بل إن أول أمير بحر للأسطول المسيحي كان عربياً، وهو عبد الرحمن النصراني، واسمه اليوناني «الكاثوليكي» هو «كريسودولوس». وكان حتى أيام روجير قائد القوات البحرية والبرية.

ولذلك نجد الملك يتصل بالعرب ويتبادل معهم الرأي ويشاورهم في مختلف أموره وأمور دولته، ويذهب الملك بعيداً فيرجو العرب أن يعلموه ما يجهل، فاحتفظ بعدد كبير من شعرائهم وعلمائهم في قصره وكلف عدداً منهم بترجمة المراجع العربية واليونانية إلى لغته،

لقد درس الإدريسي في قرطبة وقام برحلات طويلة بين آسيا والشواطئ الغربية لإنجلترا ثم تحول جنوبًا حتى بلغ جنوب إفريقيا

وفي أوائل عام ١١٤٥م كمل هذا المؤلف العلمي العظيم، وقد خلف لنا بطليموس العرب سبعين خريطة، وقد سلمها قبيل وفاته إلى الذي كلفه بوضعها وإنجازها.

لكن أحسن وأشهر خريطة وصلتنا هي تلك التي تركها لنا الإدريسي، أعنى الخريطة الكبرى للعالم وهي محفورة على كرة من الفضة قطرها متران وتزن ثقل رجلين مكتملين،

كذلك قد ترك لنا الرحالة العرب وصفًا دقيقًا لمختلف أنحاء وأطراف العالم الإسلامي، وشاركهم هذا الفضل الحجاج التجار سواء وفدوا عن طريق البر أو البحر.

أما الجغرافية التي كانت تدرس بين جدران الأديرة في أوروبا والتي كانت تعتمد على المراجع القديمة، وعلى الأحكام النظرية فلا تستحق الوقوف عندها والأخذ منها. أما عند العرب، وفي العالم الإسلامي، فإننا نجد بحاثة مثل المقدسي

ومن مشاهير الرحالة العرب الذين اكتسبوا شهرة عالمية ابن بطوطة الذي ترك بلده طنجة وأخذ يتجول في العالم مدة لا تقل عن أربعة وعشرين عاماً قام فيها بمختلف المغامرات، كذلك العالم البحاثة المسعودي أحد أبناء بغداد،

وإلى جانب الجغرافية الوصفية نجد الأخرى الفلكية حيث ظهر الفلكي الشهير البناني وكذلك ابن يونس والبيروني وابن سعيد والإدريسي وياقوت، وقد خطوا جميعهم بنا خطوات واسعة جداً في علم الجغرافية تفوق تلك التي عرفها العالم القديم، كما نجحوا في قياس أطوال وأعراض كثير من المدن قياساً غاية في الدقة،

وهناك نوع آخر من الجغرافية أعنى الجغرافية الطبيعية أو جغرافية علم طبقات الأرض، وقد نبغ في هذا النوع ابن سينا والبيروني وتوصلا إلى نتائج علمية هامة، وخاصة ما يتصل بنشأة الجبال وطبقات الصخور.

وخرائط الإدريسي التي رسم عليها الأرض على هيئة كرة بالرغم من أنه لم يكن من المستطاع حسب التجارب الشخصية أو غير الشخصية أو الحسابات الرياضية تدعيم هذا الرأي القائل بكروية الأرض، فالذي كان معروفاً في كثير من الأديرة حسب رواية الكتاب المقدس أن خريطة العالم عبارة عن قطعة من الأرض تحيط بها المياه وفي وسطها تقع الجنة.

كما أن كتاب ابن سينا عن المعادن هو المرجع الأول لأوروبا ودراستها لعلم طبقات الأرض، وقد ظلت معتمدة على ابن سينا حتى القرن الثامن عشر.

كانوا أعداءً فألَّف بينهم

أما القدس التي تضم أيضًا كثيرًا من الأماكن الإسلامية المقدسة، فقد أعلنت مدينة مقدسة للطرفين فهي مقدسة للمسلمين أيضًا. وهكذا شرح صلاح الدين لقلب الأسد ريتشارد: أن القدس أكثر قداسة بالنسبة لنا منكم، فمن هناك بدأت قصة الإسراء وتجمعت الملائكة، لذلك نجد مسجد قبة الصخرة والمسجد الأقصى في الحرم الشريف والمعبد الذي يحتفظ به المسلمون، كما أبيع للمسيحيين إقامة صلواتهم به، كما هو الحال مع المسلمين في بيت لحم.

فالسلام الذي حل بين أصحاب الديانات المختلفة ونشر السعادة في حياة المسلمين والمسيحيين جعلهم يسخرون من الحروب الصليبية وعقلية الصليبيين، هذه العقلية البغيضة التي فرضتها الكنيسة على أتباعها.

أما السلطان الكامل فلم يلق من مختلف أنحاء العالم الإسلامي إلا قذفه بتهمة الخيانة الكبرى فالعالم الإسلامي ما زال يذكر حمامات الدماء التي أراقها الصليبيون في القدس والعالم الإسلامي لذلك يأبى أن يصافي الأيدي المسيحية الملطخة بالدماء.

سُلطان لوكيرا

بل كان بالرغم من كل ذلك مسيحياً مؤمناً بالمسيحية، وكان في مسيحيته أفضل من أولئك الذين يجلسون على كرسي بطرس أعنى الباباوات: هؤلاء الذئاب في ثياب الحملان، أولئك الذين يخلقون الفرقة بين الناس ويحرصون على ألا يسود السلام العالم، أولئك الذين يطردون المؤمنين من الكنيسة إشباعاً لميولهم كما يصبون جام غضبهم على خصومهم دون وازع من ضميرهم ويذهبون بعيداً فيستبيحون لأنفسهم تجريد المؤمنين من أموالهم ظلماً وعدواناً. أما هم فيتمرغون في الثراء حتى تقضى ثروتُهم عليهم.

كان كثير المعرفة والاطلاع وذا عقل يضعه فوق سنه لذلك لا يحكم على فريدريش حسب سنه،

إن فريدريش الثاني يعرف العرب جيدًا، وقد أدرك أيضاً أن إصدار حكم الموت على أميرهم إبان المعركة كان تصرفًا غير حكيم وأيقن أنه عند إحراز أي نصر فالشخص المتعطش إلى الانتقام لن يستطيع الاستفادة من هذا النصر، لأن الانتقام يزيد من اضطهاد المهزوم وإيلامه ودفعه إلى الرغبة في الثأر والانتقام متى سنحت له الفرصة.

وكان هذا الطفل يسمى «جيوفيني Giovanni» ويلقب «آل مورو» أي المسلم. وورد في المذكرات تحت اسم «يوحنيس موروس Yohannes Morus» وهو الذي اشتهر بإتقانه عدة لغات

على الأُسُس العربية

وكان من عادات العرب التي امتازوا بها الحمامات، لذلك كانوا يقدمون للمسافرين في فنادقهم الحمامات، وقد استفادت البندقية والمدن التجارية الإيطالية الأخرى من هذه التجارب العربية الشرقية، فأدخل الأوربيون نظام الحمامات التي أثارت دهشة وإعجاب سكان الجانب الآخر من جبال الألب.

وكما كان الحال إبان حكم العرب وسيطرتهم، وكما عرف فريدريش من الشرق أدخل هو أيضاً نظام الحسبة العربي لمراقبة سائر المهن والتجارة والاقتصاد والصحة كما حرص على وجوب السهر على مراقبة هذا النظام واحترامه،

كذلك رفع من المستوى الصحي العام وشعر بضرورة وجود الحمامات، فأهميتها لا تقل عن أهمية المدارس والمكاتب، لذلك أكثر منها وجعلها عامة فأصبحت مدينة «لوكيرا» أنظف وأصح مدينة في القارة الأوربية.

ولا أدل على اهتمام القيصر باقتباس كل ما هو عربي صالح وإدخاله إلى بلاده من أنه عمم الحمامات في كل إقليم من أقاليم بلاده، وكذلك المياه الجارية التي هاجمتها الكنيسة لأنها اعتبرتها تبذيراً، فكيف يستحم الفرد يومياً، إنها جريمة، وبخاصة الاستحمام أيام الأعياد الكنسية، إذ كيف يتجرد الإنسان من ملابسه، إنها جريمة كبرى!

مُحادثات على الحُدُود

من بين المؤثرات العلمية التي أثرت في تكوين عقلية القيصر وشخصيته طيلة حياته البالغة ستة وخمسين عاماً: اللغة العربية. فهذه اللغة كانت أقوى العوامل أثراً في حياته وتوجيهه

فمن أسبانيا الواقعة في غرب القارة الأوربية زحفت العروبة والعربية على كل أوربا، ومن أجزاء القارة البيضاء من استنكر هذا الزحف ومنها من أعجب به، لكن على كل حال وقفت أوربا من زحف الثقافة العربية موقفاً سلبياً.

كل هذا لا يمنع ابن رشد الذي يقدس أرسطو من أن يهتم بشرح فلسفة أرسطو والدفاع عنها، وكأنه أرسطو نفسه. … فابن رشد يقول ما مضمونه إن الخلق من العدم عبارة عن أسطورة فالعالم في الواقع هو خلق مستمر يخلقه الله، والله هو المدبر للكون ومنظمه وهو روح الوجود، فهذه الروح الإلهية تلهم الروح الإنسانية العلم والمعرفة.

وأما ابن أخيه الأكبر والمسمى أيضاً توماس فهو ابن المستشار القضائي «لندولف» فون «أكوين»، وأخوه «رينالد» الذي أصبح مثل ابن عمه شاعراً ينظم الشعر على منوال الشعراء العرب فقد تربى تربية تؤهله أن يكون نبيلاً. غير أن ميوله كانت دينية فأثر أن يكون رجل دين إلا أن أسرته كانت تعارض فيه هذا الاتجاه؛ … فقد التحق توماس بجامعة نابولي وأصبح من أكبر رجال الكنيسة الرومانية إذ حصل على لقب «دكتور أنجيليكوس».

هذا الشخص أعلنته الكنيسة قديساً، وهو أحد الآباء البررة للكنيسة وللمسيحية وعن طريقه رضيت الكنيسة عن أرسطو بل عن العربي المسلم ابن رشد مفسر أرسطو وأكبر مناصريه والداعين له.

وفي قصر فريدريش قام ميخائيل سكوتوس بأعمال الترجمة التي تولى القيصر نشرها بين الجامعات الأوربية المختلفة، فأصبحت هي التوطئة إلى الفلسفة العربية ومن هنا أيضاً فتح الطريق إلى الرياضيات العربية والأعداد العربية حيث نجدها مذكورة في مؤلفات أمثال ليوناردو فون بيزا الذي كثيراً ما حل ضيقاً على القيصر وعلى صديقه ميخائيل، وقد أضاءت هذه الكتب الطريق لأوروبا كما سبقت الإشارة إلى ذلك.

لقد أمطر هذا الرجل العجيب الذي كان يتربع على عرش أوربا أمراء العرب بكثير من الأسئلة وبعضها قد حفظه لنا الإمام العلامة شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي، وقد كان نابغة عصره في الفقه والعلوم الطبيعية والبصريات وغيرها، وقد اهتم بكثير من المسائل التي كانت تشغل أهل عصره كهذه المسائل الوقحة التي اهتم بها المسيحيون واليهود، تلك الخاصة بالتماثيل المقدسة التي تبكى دموعًا ويسيل اللبن من أثدائها.

ميلاد نظرة جديدة للعالم

والدليل على صحة ذلك ما ورد في الكتاب المقدس حيث ذكر: أن الأسد النملة يموت جوعًا؛ وذلك لأنه من طبيعتين فإذا دفعته طبيعة من الطبيعتين إلى أكل اللحم رفضت الطبيعة الأخرى أي طبيعة النمل التي تشتهي أكل الحبوب، ولكن النمل يريد أن يعيش على الحبوب وهذا يتعارض وطبيعة الأسد؛ لذلك فهو محروم من اللحم والحبوب ومن أجل ذلك يموت.

إن جميع هذه المعلومات وتلك التجارب قد حصلَّها في أحسن مدرسة عربية حيث لا غموض ولا إبهام، … هنا كل شيء منظم ويتبع طريقة واحدة ويبحث في شيء من الدقة والعناية ولا يصدر الحكم ارتجالاً ودون ترو.

فقد حلَّق فريدريش فوق أولئك وطار إلى أمثال «ألبرتوس مجنوس» و «روجير بيكون» و«ليوناردو ده فينشي» و«فرانسيس بيكون» و «جاليلي»، ومن ثم إلى العصر الحديث. فهل القيصر هو البادئ؟ أو أنه حلقة في السلسلة التي تمتد من الحركة العربية العقلية، وذلك لأن «ألبرت الأكبر» و «روجير بيكون» و «ليوناردو» هم أيضًا من أولئك الذين يقومون في الواقع على أكتاف العرب.

الفرنسي المسمى «بطرس فون ماريكورت» الصليبي الذي أحضر معه من العرب البوصلة والمغناطيس،

في بالرمو يضطجع فريدريش الثاني ليس في جبة رهبان القديس برنارد بل في معطفه الذي يزينه النسر، هذا المعطف الأحمر لسيد العالم وإلى جواره سيفه في غمده العربي. وأما كفنه فمطرز تطريزاً جميلاً وعلى أطرافه كتابة على الشريط مذهبة طرزتها له أياد عربية، طرزتها لصديق الإسلام والمسلمين وتلميذ المسلمين الوفي الأمين، وعلى كمه كتب إهداء إلى السلطان.

الكتاب السابع: الفُنُون العربية الأندلسية

الصور الأولى للعبارة الألمانية «السيدة المُحترمة»

قول الكتاب المقدس «ليكن سيدك»، وهكذا نجد الكنيسة تمزق الصلات بين الرجل والمرأة، الكنيسة هي التي تقضي على صلات المساواة كما جعلت من المرأة كائناً خاضعاً لقوة الرجل،

وهذا الموقف هو الذي كسر أغلال الكنيسة كما قاوم موقف الكنيسة العدائي من النساء والعودة بالمرأة إلى ثقافتنا، وهذه العودة طبيعية وضرورية. وجميع أحداث ذلك العصر من مسائل عقلية وجمال ونبل وشرف وثراء وغيرها من آيات المثل العليا التي غمرت الحياة الأوربية أصبحت جزءاً مكملا للحياة الأوربية لا يمكنها أن تعيش بدونه. وإن شعراء أوربا وأدباءها وأجمل وأحسن تراث أوربي ظهر في ذلك العصر وكل ما يميز ذلك العصر الأدبي، يدين في نشأته وحيويته إلى العروبة، ولولاها لانزوى واندثر. فالعروبة هي مصدر الوحي للفنانين والشعراء والمغنين. لكن كيف؟ ألا تحيا مكبلة بأغلال الرق والاستعباد محرومة من الحرية مجردة من مباشرة حقوقها الإنسانية مضطهدة؟ ألا يعرف الإنسان كيف يتحدث عن الحريم وحياتهن خلف القضبان وحيث يستطيع الزوج أن يقترن بأربع زوجات ويراقبهن بغيرة؟ نساء لا يرين أزواجهن قبل الزواج ولا يؤخذ رأيهن في الأزواج، وللرجل الحق، حسب مزاجه، أن يطلق ويردها إلى أسرتها ثانية، ويتمتع علاوة على ذلك برضاء الدين وآله؟

أليست هذه الحالة تتعارض والفكرة السائدة عن تكريم المرأة وعن الفروسية العربية؟ أولم تبدأ العربية الآن فقط في التحرر من الحريم وتركه؟ أو لم تبدأ الآن فقط بترك الحجاب والتخلص من هذا الاستعباد الذي خيم عليها قروناً وأصبحت الآن فقط تتمتع بحقوقها الإنسانية؟ أكاذيب وحقائق. كيف كانت الحقيقة؟

ما زال الإنسان في دمشق الفيحاء يتذاكر أخبار الجاهلية العربية في قصر الأمويين حيث كانت العربية الأصيلة النبيلة تستولى على قلوب الرجال، وحيث كانت المرأة العربية الأصيلة العظيمة تدفع الرجل إلى الحرب والكفاح والبطولة، وكان منحها البطولة لشخص ما مفخرة الأجيال.

ها هي ذي امرأة مستقلة تاجرة تقف في الحياة العامة ومعتركها، وهي الأرملة الغنية «خديجة» أولى زوجات رسول الله ﷺ، عاش معها أربعة وعشرين عاماً وولدت له ستة أطفال، وهي مع ذلك تمثل السيدة النبيلة الواعية الحاضرة البديهة الذكية، إنها المثل الأعلى للأرستقراطية العربية،

ففي بغداد في قصر العباسيين هبت ريح أخرى جاءت من الشمال إذ وفدت جماعات من الجواري الفارسيّات والروميات ومن بينهن من أصبحن أمهات خلفاء فأدخلن بدورهن عادات وتقاليد غريبة على المجتمع العربي والأسرة العربية، لقد أدخلن الحجاب ونظام الحرم، وهذه تقاليد إيرانية قديمة ترجع إلى العهد الذي كان يسود فيه إيران والعقائد الإيرانية المذهب الثنائي أو الإثنينية:

وهذه الحالات لم تعرفها العروبة ولم تقل بها الشريعة الإسلامية. فالحجاب والبعد عن الحياة الاجتماعية لم يقل بهما الإسلام.

لذلك كانت البدوية في صدر الإسلام أكثر تمتعاً بالحرية وأكثر استقلالا وأكثر أثراً في المجتمع العربي من تلك السيدة النبيلة العظيمة المقيمة في دمشق،

إنَّ العالَم شُيِّد لي مسجداً

إسبانيا هي الحلم، هي الأمنية، إنها تاج العروبة. والتقدم الذي عرفته العروبة تم في إسبانيا، كما يقول العربي الأندلسي.

فهذه الثقافة الرفيعة العالية التي بلغها العرب في إسبانيا هي خير ما يدحض هذه الادعاءات القائلة بأن العرب قد أخذوا الحضارات البائدة وأعادوها ثانية، وأنهم مقلدون فقط ولم يأتوا بجديد. ففي إسبانيا لم توجد حضارات يقال إن العرب قد اقتبسوها وتعلموها وقلدوها، والحقيقة التي يجب الاعتراف بها أن جمال الثقافة الأندلسية لم يكن فارسياً أو يونانياً بل كان عربياً وعربياً فقط، وعندما اختفي العرب من إسبانيا انحطت البلاد وتدهورت حضارتها وخيم عليها الموت ولم تنتج شيئاً.

ففي إسبانيا ظل حكم العرب ثمانية قرون كانت أزهى وأغنى العصور، ومن خير ما عرف على يد البيوت الحاكمة وهي عربية قديمة، وهي بيوت أموية حكمت في قرطبة كما حكم العباديون في أشبيلية والناصريون في غرناطة بينما لم يقم البربر والمسيحيون إلا بأعمال التخريب والتدمير، وبخاصة إذا كانوا لم يتأثروا بالثقافة العربية والعقلية العربية.

فهذه الفترة بالضبط عبارة عن ۷۸١ عاماً ازدهرت وأينعت فيها الحضارة العربية في شبه الجزيرة الأوربية.

وقد صور هذا الجار الغاضب تلك الجنة بأنها وطن السحرة وعبدة الشياطين وأنها وطن تقديم البشر قرباناً لمحمد، ولماذا؟ خوفاً من هذا السحر الذي قد يأتي بالحقيقة.

وهكذا صنع جد عبد الرحمن ألا وهو الخليفة عبد الملك عندما حوّل كنيسة العذراء مريم، التي تنسب إلى «يوستنيان» والواقعة أمام المعبد في القدس، إلى المسجد الأقصى، كما حول ابنه الوليد كنيسة القديس يوحنا في دمشق إلى المسجد الكبير مع الإشارة إلى أن الكنيسة أصلا قد شيدت من أحجار وأعمدة معبد «جوبيتر» القديم.

لذلك نجد المسلم مثل أسلافه يصلي في كل بقعة من الأرض ففيها يواجه الله. فلا توجد قواعد خاصة تقيد المسلم كما لم يفرض عليه الإسلام مكاناً خاصاً بالذات لتأدية فرائضه الدينية لا معبد ولا كنيسة كما أن تعبده لا يرتبط كما هو الحال في المسيحية بقسيس أو وسيلة تجمع بينه وبين الله. فلدى المسلم كل شخص يمثل الله وكل مسلم له الحق في أن يصلى بالمصلين ويكون إماماً في المسجد.

وغير الصلاة الخاصة الفردية التي يؤديها المسلم، على المسلمين أن يجتمعوا معاً ليصلوا جماعة، والبيت الذي يؤذن فيه لصلاة الجماعة هو «الجامع» الذي لا تقتصر مهمته على إقامة الصلاة به فقط بل هو مدرسة لتعليم التلاميذ والتفقه في المسائل الشرعية؛

فالمحراب في المسجد غير المذبح، فالمحراب يبين فقط اتجاه المصلين حيث نجد العالم يقف إلى جوار السقاء والقائد إلى جوار الجندي، كما نجد الإمام في ملابسه العادية يؤم المصلين مثله مثل ماسح الأحذية وسائر الأفراد، يركع ويسجد ويقوم بسائر الفروض الدينية.

بينما نجد الكاتدرائية الغوطية تحول الشيء غير المحسوس محسوساً وتتفنن في هذا بخلاف الإسلام الذي يحول الماديات إلى روحانيات.

لقد تعمق «جوته» في الحياة العقلية الشرقية وعاش فيها، لذلك ندرك تماما عباراته الشعرية التي صاغها في الشعر العربي ووصفه بها، وما يقال عن الشعر يقال أيضا عن الفن العربي.

ومع مرور الزمن أخذ فن المعمار العربي يتغلغل في داخل القارة الأوربية، وأصبحت هذه البلاد وطناً للفن العربي قروناً طويلة، فنجد الغزاة المسيحيين للأندلس يشيدون قصورهم وكنائسهم حسب الفن المعماري العربي الذي استولى على قلوبهم واضطرهم إلى الاستعانة بالفنيين العرب.

ففي عام ١٠٦٣م أخذت بيزا تشيد كاتدرائيتها الشهيرة وذلك من الغنائم العربية التي غنمتها عند الاستيلاء على بالرمو كما استخدم المسيحيون بقايا مخلفات المساجد التي هدموها في بناء كنيسة «بابتيستيريوم Baptisterium» و «كامبانيلا Campanila»؛

أما الخوارج الدافقة والتي يسميها الأوربيون «ماخيكوليس Machiculis»، فقد أقبل عليها الأوربيون إقبالًا عظيمًا، فهذا النوع من الخوارج عربي أصلى جاهلى، وهو عبارة عن حوامل تبرز من الحائط وفوقها مبنى يشبه الشرفة وفي أرضه فتحة يتدفق منها على العدو الزيت الحار الساخن أو القار.

أما في إسبانيا ذاتها فقد اختفت آثار العصور العربية الذهبية ولم يبق بها إلا القليل جداً، وآخر آثار الماضي الذهبي التي تحمل بعض الآثار الفنية لمشيديها السالفين: «الحمراء» وقصر السلطان العظيم في غرناطة وبقايا القلعة الصيفية وقصر طليطلة وغير ذلك وبخاصة برج أشبيلية الذي كان يستخدم قديماً مرصداً للفلكيين،

الموسيقى تُساير الحياة

وذلك لأن العرب كانوا منذ أقدم العصور شعباً محباً للغناء، يعشق الغناء عشقاً لا يدانيه فيه شعب آخر، فالموسيقى كانت تلازم العرب من المهد إلى اللحد، فكل عواطفهم كانوا يحولونها إلى غناء

زخرف العالم الوضاء

إذا فكر العربي في الأندلس، وإذا حلم بـجنة الأرض، فإنما يقصد الأندلس إبان حكم عبد الرحمن الثالث، فإن هذا الأمير الذي أهداه الله إلى الأندلس، كان المثل الأعلى للحاكم فنجح وخلق من أمة متفككة الأوصال – عن طريق الدين والجنس – شعبًا قويًا، أصبح في خمسين عامًا شعبًا نابغًا متسامحًا سياسيًا وفي طليعة شعوب العالم المتمدين.

وبدهي أن الحياة السياسية حتى ذلك العصر كانت متقلبة، وكذلك كان الخلاف قائما في الداخل بين المفكرين الأحرار وبين المحافظين المتزمتين، لكن كل هذا لم يحل دون ازدهار الحضارة وتطورها.

فالعين العربية المجرية تبينت الكنوز المطمورة في الأرض التي يجب استخراجها والاستفادة منها لرفع مستوى البلاد والنهوض بها. فقد حفر العرب الآبار وزودوها بروافع المياه والسواقي التي يبلغ اتساعها نحو عشرين أو ثلاثين مترًا وكانوا يحصلون على الماء من الجبال ويجمعونه في أحواض كبيرة يمتد الحوض منها نحو خمسة كيلو مترات، ومن ثم كانوا يجرون المياه في قنوات كبيرة إلى الأراضي، حيث تخزن في أحواض ثم تصرف منها في الحقول، وهكذا نجح العرب في إرواء الأراضي الجافة الجرداء حتى التلال وأعالي الجبال وجوانبها فسطحوها ورووها وزرعوها،

وحتى اليوم ما زلنا نجد في اللغة الإسبانية الخاصة بالزراعة والري كثيراً من الألفاظ والاصطلاحات العربية. ففي ذلك العصر استغل العرب كل بقعة من الأرض فكان الحقل إلى جوار الحقل كما يصف ذلك المسعودي في كتابه مروج الذهب.

ويكفي العرب فخراً أنهم أصحاب فكرة التلقيح الصناعي وهم أول من استخدمها، وقد أخذ بها العالم الحديث في القرن العشرين فقط.

كما أدى انخفاض أسعار الخضر والفاكهة وسائر المواد التموينية وارتفاع أجور العمل إلى نزوح كثيرين من الفلاحين العرب والعمال العرب إلى الأندلس فبلغ عدد السكان حوالى عام ٩٥٠ م في إسبانيا العربية نحو ثلاثين مليوناً، فقامت آلاف القرى حول قرطبة فازدهرت الحياة وأينعت.

لكن أعظم مدينة كانت لدى الأندلسي هي قرطبة وعلى جوانبها ذوات المروج الخضراء، كان ثمان وعشرون ضاحية، وكانت قرطبة إبان حكم عبد الرحمن الأكبر في منتصف القرن العاشر، من حيث اتساع رقعتها، أكبر مدينة في الغرب بما في ذلك أوربا. فعدا مساكن الوزراء والموظفين كانت تحتوى قرطبة على نحو ١١٣٠٠٠ مسكن وستمائة مسجد وثلاثمائة حمام وخمسين مستشفى وثمانين مدرسة عامة وسبعة عشر معهداً تربوياً (وكانت في القرن التاسع تضم أربعة آلاف طالب شريعة) وعشرين مكتبة عامة، تحتوى على مئات الآلاف من الكتب، في عصر لم يكن في أوربا مدينة عدا القسطنطينية، كانت تتسع لأكثر من ثلاثين ألف سكن. ولم تمتلك هيئة، من الهيئات مستشفى واحداً أو مدرسة عليا. ولم توجد بها مكتبة تستحق الذكر أو حمام عمومي. هذا مع الإشارة إلى أن ذلك العصر قد عرف بقذارة الشوارع وعدم رصفها مما ساعد على انتشار الأوبئة والأمراض. والعجيب أن صحيفة كولونيا تكتب في ٢٨ مارس عام ۱۸۱۹ منددة بإضاءة الشوارع بمصابيح الغاز واصفة هذا الحدث بأنه مرفوض وأنه بدعة تتعارض والتعاليم الدينية، وذلك لأن الله خلق الليل ظلاماً ويجب على البشر ألا يعارضوا ويخالفوا إرادة الله. في ذلك العصر كانت جميع شوارع قرطبة وحوانيتها البالغ عددها ثمانين ألفاً حوالي عام ٩٥٠ م ليست فقط مرصوفة رصفاً عظيماً وتنظف بواسطة عربات تجرها الثيران، بل كانت تضاء ليلاً بمصابيح مثبتة في جدران المنازل. وبعد ذلك بقرنين أعنى عام ۱۱۸۵ قررت باريس كأول مدينة في أوربا احتذاء حذو المدن العربية فرصفت الشوارع، وجارتها المدن الأوربية الأخرى في منتصف القرن الثالث عشر.

وليست الأوهام هي التي سيطرت على الراهبة العالمة الشاعرة المسماة «روزفيتا Hros witha» والتي كانت مقيمة في صومعة دير «جندر زهم Gandersheim» السكسوني عندما علمت بقمة قرطبة ووضعت فيها قصيدة تمدحها: فقالت عنها: «إنها زينة الدنيا وبهجتها، إنها المدينة الحديثة الجميلة الشامخة بأبنيتها، الشهيرة بأفراحها وهي تحوى جميع الأشياء».

وليس اليهود فقط هم الذين قاموا بدور الوسيط ونقلوا الثقافة العربية إلى أوربا بل نجد كثيرين من المسيحيين قد سمعوا بهذه البلاد المباركة، حيث قرطبة وطليطلة ومعالمها الشهيرة الجديرة بالرؤية والزيارة. ففي أثناء قيام حكومة الأمويين بين القرنين الثامن والحادي عشر أقبل عدد كبير من الطلبة من مختلف أنحاء العالم على إسبانيا طلبا للعلم وتحصيلا للمعرفة حيث كانت قرطبة النبع الذي لا ينضب.

وإذا ما أدرك مبعوث الخليفة القرطبي أن عالماً في صدد وضع كتاب بادره وقدم إليه المكافأة السخية مقابل حصوله على هذا الكتاب بمجرد الفراغ منه، فقد حدث فعلا أن كثيراً من المؤلفات التي وضعت في البصرة أو الموصل قد عرفت وانتشرت في الأندلس قبل أن تراها بغداد!

وبلغ غرام الحكم بالكتب أن حرص حرصاً شديداً على شراء الكتب الجديدة وجمعها وقراءتها قبل أن تصل إلى يد غيره لأن حبه لها لم يكن أفلاطونياً بل واقعياً، فيقال إن مكتبة قصره كانت تضم ( ٤٠٠٠٠٠) أربعمائة ألف مجلد قد قرأ جميع ما بها وعلق على بعضها وعلى مؤلفيها، وحقا كان هذا الخليفة مضرب الأمثال في العلوم والآداب وسعة الاطلاع،

وكانت شخصية هذا الأمير جذابة حتى أقبلت عليه فئات عديدة من كبار العلماء، في العالم الإسلامي بل حتى رجال اللاهوت المسيحي قد تهافتوا عليه، فاكتسب بذلك هذا الخليفة الواسع الاطلاع والأفق، الحليم والواسع الصدر، العالم الأديب، إعجاب كبار رجال الكنيسة الذين توافدوا عليه وانكبوا على دراسة اللغة العربية وآدابها.

شَعْبٌ مِن الشُّعراء

والقصيدة العصماء تحتل مكانة رفيعة في شعب يجد في الشعر ضرورة من ضرورات الحياة اليومية، وأن الحاجة إليه لا تقل عن الحاجة إلى اللغة. والشعر لدى العرب أسلوب من أساليب اللغة التي تهيمن على كل عربي حتى الفلاح في حقله والعالم في مدرسته والأميرة في خدرها. والقصيدة تتدفق من بين الشفاه في سهولة ودون تكلف ويستخدمها صياد السمك في الوادي الكبير والصانع في مصنعه.

والخاصية المميزة التي تميز العربية وسائر أخواتها السامية عن الأسرة الهندسية الأوربية مثلاً هو مبدأ التثليث فأصول الكلمة ثلاثة صامتة تعبر عن المعنى المشترك، والحروف الصامتة هي التي تتغير فقط، وهى التي تميز بين المعاني المتكافئة والصيغ الصرفية المتنوعة.

لكن استخدام الحركات يخضع لقواعد خاصة، وهذه الحركات واستخدامها سبب من أسباب خلق ألفاظ عديدة جدًّا تتفق جرسًا وتختلف معنى، كما نجد الألفاظ تختلف في حروفها المتحركة أغنى نشأة السجع.

فهذه الصفة التي تمتاز بها العربية والتي تختصها بنغم واضح جلي تتطلب ولا شك قيام شعر مقفي أو نثر مسجوع، فهذه الصفة خاصة بالعربية، والعروض العربي لا اليوناني ولا اللاتيني هو الذي أثر في الآداب الأوربية والعالمية.

وحيث يقال الشعر في مختلف أجزاء الدولة العربية نجد اللغة العربية والأسلوب العربي كما هما عند البدو، لذلك كان العرب يرسلون أولادهم إلى البادية ليتلقنوا عليهم اللغة العربية الخالصة لغة الشعر الفصيح ولو أن أولئك العرب البدو قد خرجوا من بلادهم وانسابوا في العالم واختلطوا مع شعوب وأجناس أخرى، فإن الشعر العربي ظل محتفظاً بخصائصه ولغته في مختلف تلك الأقطار التي انتشر فيها العرب.

ثم جاء المسيحيون طامعين في الاستيلاء على الأندلس، لذلك سارع الأمراء الأندلسيون واستدعوا يوسف الحاكم البربري لمراكش ليساهم تحت إمرة المعتمد في رد المسيحيين فنشبت معركة بين المسلمين والمسيحيين أبلى فيها المعتمد بلاء حسناً، كما حارب حرب الأبطال المغاويير وهزم المسيحيين شر هزيمة.

ومن مشهور أخبارها مع المعتمد القصة المعروفة في قولها: «ولا يوم الطين»، وذلك أنها رأت الناس يمشون في الطين فاشتهت المشي فيه فأمر المعتمد فسحقت أشياء من الطيب وذرت في ساحة القصر حتى عمته ثم نصبت الغرابيل وصب فيها ماء الورد على أخلاط الطبيب وعجنت بالأيدي حتى عادت كالطين وخاضعتها مع جواريها، وغاضبها في بعض الأيام فأقسمت أنها لم تر منه خيرا قط فقال لها: «ولا يوم الطين» فاستحيت واعتذرت.

إن العربي في صحرائه التي لا تعرف إلا اللانهائية كان يدرك تفاهته بالنسبة للبيئة التي يعيش فيها وضعف قواه وإرادته، كما يؤمن بأن وجوده يتوقف على إرادة القوى العظيم، لذلك وصف الله بأنه الرحمن الرحيم، وهاتان هما أهم صفاته، ولن يستطيع إنسان بلوغ رحمة الله إلا عن طريق التواضع والاستسلام له، لذلك كان المسلمون الحقيقيون هم «المسلمين» وعن طريق التواضع يفرق بين المؤمن وغير المؤمن. الإسلام هو الاستسلام لله وإرادته وأن يصير الإنسان عبداً لله.

ولعل من أقدم وأنبل أنواع الحب والغزل ذلك النوع المعروف باسم الحب العذري نسبة إلى قبيلة بني عذرة الذين يموتون عندما يحبون.

فالنساء الأندلسيات كن يتمتعن بقسط وافر من المساواة وكن يساوين الرجال كما كان لهن حظ وافر من الحرية والعمل في المجتمعات سواء كن من السيدات أو فتيات عاديات بل حتى الجواري كن بفضل هذه الحرية التي يتمتعن بها يتساوين مع الرجال في الحياة العامة.

المسالك في أوروبا

وحدث أن عبيد الله بن قاسم كبير أساقفة طليطلة والوليد بن خيسران قاضى المسيحيين في قرطبة قد التقيا من قبل بالملك المخلوع «أوردوجنو» في دار الضيافة الملكية وعلماء التقاليد العربية الملكية وكلاهما كانا يلبسان لباساً عربياً من غطاء الرأس حتى القدمين، وكذلك كان يتسميان بأسماء عربية وكانا يعظان من الإنجيل وفي لغة عربية، إذ إن الإنجيل كان عبارة عن ترجمة عربية قام بها رئيس الأساقفة «يوحنا الأشبيلي»، كما كان أولئك يجيدون الغناء العربي، ولم يجد أحد من المسيحيين في هذا عيباً، وبعد مائة عام من ذلك التاريخ نجد أسقف قرطبة المسمى «ألفارو» يشكو من أن كثيرين من أبناء عقيدته يقرأون أشعار وقصص العرب، كما يدرسون كتب رجال الدين المسلمين وكذلك كتب فلاسفتهم ليس لنقدها والرد عليها بل لدراستها وحفظها ولكى يتمكنوا من الحديث في عربية فصحى. وأين يوجد الآن الشخص الذي يستطيع فهم وقراءة التفاسير اللاتينية للكتاب المقدس من غير رجال الكنيسة؟ من منهم يدرس الأناجيل والأنبياء والرسل؟ آه إن جميع شباب المسيحيين وبخاصة الأذكياء لا يعرفونها بعكس اللغة العربية التي يجيدونها. كما يلتهمن العلوم العربية وينفقون الأموال الطائلة في سبيل اقتناء هذه الكتب وتكوين المكتبات ويعلنون صراحة عظمة هذه الآداب العربية. لكن إذا ما حدثهم متحدث عن الكتب المسيحية أجابوه في سخرية واحتقار أن هذه الكتب لا تستحق الالتفات إليها. وآه أسفاه لقد نسي المسيحيون كل شيء مسيحي حتى لغتهم، ولا يوجد إنسان واحد بين الآلاف منهم من يستطيع كتابة خطاب لاتيني بينما نجد العدد العديد منهم يجيد العربية شعراً ونثراً بل أحياناً يزورن العرب.

يذكر رحالة من «بويمن» ما ملخصه أن سيدات جميلات كن يتحلين كما تتحلى المسلمات وكن في الطعام والشراب يتبعن عادات وتقاليد إسلامية وهن يرقصن رقصاً جميلاً حسب الطريقة الإسلامية.

وهكذا حدث أيضاً عام ١٠٦٤، فقد ظهر في جنوب جبال البرنات رسول البابا الإسكندر الثاني والقائد الأعلى للجيش الروماني، وهو يتكون من جنود نورمانيين وفرنسيين وبورجنديين. لقد ظهروا مباشرة أمام «بارباسترو» المدينة العربية الحصينة وبعد مقاومة فاشلة استسلم المدافعون بعد تأمينهم على ترك الحصن لكن لم يكد الجنود العرب يتركون أبواب الحصن حتى قتلهم الأعداء جندياً جندياً، ولما حاول المدنيون العرب حسب الوعد الذي وعده العدو للجنود ترك المدينة، انقض عليهم العدو ذبحاً وقتلاً حتى أفناهم جميعهم، وكان عددهم يتجاوز ستة آلاف شخص صعدت دماؤهم إلى خَالقهم تشكو غدر العدو. أما النساء فقد سبين واقتسمهن العدو المسيحي وكان عددهن كبيراً جداً. أما مندوب البابا فقد أخذ معه إلى إيطاليا وروما أكثر من ألف سبية عربية.

وهكذا نجد فجر عهد جديد يبزغ ويدعو إلى المثالية الخلقية واستتبع هذا ظهور شعر جديد عظيم موضوعه الحب النبيل حب الفروسية. إن هذه الفكرة فكرة ثورية، ويكاد الإنسان لا يصدقها في هذا الزمن إذ إن المرأة بالنسبة لأنوثتها مصدر خطيئة وتغرى بارتكابها وعصيان الله.

والآن نجد المرأة المضطهدة عقليًا وجسمانيًا تخرج من هذا الوضع الدنيء التعس حيث كان ينظر إليها على أنها وسيلة الشيطان للتنكيل بالرجل وإبعاده عن السير في الطريق المستقيم، فالمرأة أصبحت الآن ينظر إليها على أنها سيدة رفيعة يركع أمامها الرجال راجين رضاءها.

وهكذا أصبحنا نجد بين عصر وآخر عصوراً مظلمة يقوى فيها خصوم المرأة أولئك الرجال المغرورون الذين يعتقدون أن حواء هي مصدر سقوط الرجل في الخطيئة، كما نجد عصراً تقدس فيه المرأة، وهذا العصر متأثر ولا شك بالعرب ونظرتهم إلى المرأة، وقد تأثر بهذا الشعور الجرمان.

وفي ٢ يناير ١٤٩٢ رفع الكاردينال «د. بيدرو جوانزاليس ده مندوزا» الصليب على الحمراء، وهي القلعة الملكية للأسرة النصرية، وكان ذلك إعلاناً بانتهاء حكم العرب على أسبانيا.

وبضياع سيادة العرب وحكمهم انتهت هذه الحضارة العظيمة التي بسطت سلطانها على القارة الأوروبية طيلة العصور الوسطى، كما انتهت كذلك المدنية والحضارة التي ظهرت عظمتها ومكانتها في الإدارة والتنظيم ورفع مستوى حياة الشعب، إلى جانب الشراء الذي بلغته المدن ووفرة إنتاجها وتنوع صناعاتها وإصلاح أراضيها وإعدادها للزراعة، فازدادت المحاصيل وعم الرخاء وتنوعت الفنون وازدهرت الآداب وكثر قادة الفكر.

ففي عهد خلفه كبير الأساقفة «يوان كيمينيس» وقعت أحداث قضت على المسلمين وبقايا ثقافتهم وحضارتهم، وتعرضوا لاضطهادات شنيعة، فقد حرم عليهم الإسلام وتعاليمه وأوامره كما حرم عليهم استخدام لغتهم العربية، وحتى نطق كلمة عربية أو أغنية عربية أو شعر عربي. كما حرموا عليهم أيضاً حتى العزف على الآلات الموسيقية العربية واستخدام الأسماء العربية وارتداء لباسهم القومي وزيارة الحمامات، وفرضت المسيحية على من يخالف هذا من المسلمين أشد العقوبات من سجن وطرد وحرق، والمسلم على قيد الحياة.

أما الذي تبقى من كنوز العرب وآثارهم بعد أعمال السلب والنهب والتخريب التي قام بها المسيحيون أو البربر. أما ما تبقى من كتب أدبية وعلمية فقد جمعه رجال الكنيسة من دور الكتب وقدموه طعاماً للنيران، اللهم إلا بعض المؤلفات الطبية فقد استثنيت من الحرق، وهكذا انتصر كبير الأساقفة وأنصاره وأنقذوا هذه الكتب، بينما أحرقت كتب يتجاوز عددها المليون والخمسة آلاف كتاب، وهي ثمار حضارة وثقافة عاشت ثمانية قرون.

هذه هي آخر قصيدة قيلت وأنشدها شعب يحب الشعر، هذه آخر قصيدة قيلت على أرض إسبانيا وهذه القصيدة أرفقت بالخطاب الذي أرسل إلى الإخوة في شمال إفريقيا طلبا للعون والمساعدة، وهي للعلامة خاتمة أدباء الأندلس أبي صالح بن شريف الرندي ومطلعها:

لِكُلِّ شَيْءٍ إِذَا مَا تَمَّ نُقْصَانُ … فَلَا يُغَرَّ بِطِيبِ الْعَيْشِ إِنْسَانُ

وهكذا نجد إسبانيا التي كانت أينع وأرقى بلاد العالم تخلو من سكانها العرب وتصبح صحراء جرداء، وبذلك تم النصر على العروبة، وذلك عن طريق مختلف أنواع العذاب والاضطهاد من حرق وقتل وتعذيب.

الخاتمة

لا يوجد كتاب تاريخ لا يحاول مؤلفه إلا أن يذكر أن انتصار كارل مارتل أنقذ المسيحية أو بتعبير آخر أنقذ أوربا أو المدنية الأوربية، وحافظ عليها من الضياع.

وقد ظلت هذه العقائد المسيحية قائمة طيلة أيام الحكم العربي، أعنى ثمانية قرون، وأن أحداً من المسلمين الحاكمين لم يفكر في القضاء على المسيحية أو محاربتها. كما أن مثل أسبانيا يدلنا أيضاً أن بلداً فقيراً معدماً مستعبداً أصبح في غضون مائتي عام تحت حكم العرب بلداً غنياً ارتفع فيه مستوى مختلف طبقاته، كما انتشر التعليم وازدهرت الثقافة بين سائر طبقات شعبه، وبفضل هذه الثقافة الرفيعة وتلك الحضارة المزدهرة أصبحت إسبانيا علمياً وفنياً أرقى من سائر الدول الأوربية. فقد أصبحت مثلاً يحتذى ونبعاً يقصده طلاب العلم من كل فج، وظلت إسبانيا حاملة لواء العلم والمعرفة زهاء خمسمائة عام حتى قضى عليها بسبب الضربات التي وجهت إليها من الخارج.

نعم إن التاريخ لا يعرف «لو» أو «إذا» إنما يعرف الحقيقة والواقع. وفي أوروبا أو على أطرافها حيث عاش الإسلام، ترك هذا الإسلام أحسن الآثار وأجلها.

لكن انتصار الإسلام وزحفه المقدس ومكانته الرفيعة التي تمتع بها، هدد الكنيسة وهدد رغبتها في سيادة العالم. والإسلام هو الذي أنقذ الكنيسة من الضياع. لقد اضطر الإسلام الكنيسة المسيحية إلى العناية بالعلوم الدينية والأخلاقية وكل ما من شأنه تقويتها وشد أزرها ضد خصومها.

وفي اللحظة التي قامت فيها العلاقات واستؤنفت بين الشرق والغرب أخذت تنتعش أوروبا التي لم تكد تنهل من ينابيع العلوم العربية ومن فنون العرب وعلومهم ووسائل العناية الصحية والإدارية حتى استيقظ الوعى الأوربي بعد أن ظل جامدًا قرونًا عديدة، وأخذت أوروبا تنهض وترتقى نهضة غير منتظرة سواء في دروب الحياة أو الفنون وغيرها وانتعشت انتعاشًا جميلا.

الحمد لله رب العالمين

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

اكتشاف المزيد من مدونة التاعب

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading