بسم الله الرحمن الرحيم
خُلاصَة كتاب
تُجَّار القاهرة في العصر العثماني
Making Big Money in 1600
سيرة أبو طاقية شاهبندر التُّجَّار
تأليف: نللي حنا Nelly Hanna
ترجمة: رءوف عبَّاس
فهرس الموضوعات
مُقدِّمة الطَّبعة الإلكترونية (حاتم رءوف عباس)
(٣) سِجِلَّات المحكمة الشَّرعية مصدر للتَّاريخ الاقتصادي الاجتماعي والتَّراجم
الفَصْل الأوَّل: رؤية عامَّة للحقبة التَّاريخية
(٢) اتِّجاهات جديدة في التِّجارة المصرية
الفَصْل الثَّاني: عائلات التُّجَّار والبُيُوت التُّجارية العائلية
(۲) الهجرة مِن الشَّام إلى مصر
الفَصْل الثَّالِث: هياكل التِّجارة
(3) تنظيم الشَّبكة التُّجارِيَّة
(٤) التَّبادُل التُّجاريّ وتصريف السِّلَع
الفَصْل الرَّابع: التَّحوُّل في أنماط التِّجارة
(١) اتِّجاهات تُجارِيَّة جديدة
الفَصْل الخامس: التَّركيب الاجتماعي
(۱) التَّغيُّرات الأساسِيَّة والهامشِيَّة
الفَصْل السَّادِس: تشكيل المَعَالِم الحَضَرِيَّة للقاهرة
(۲) دور التُّجَّار في التَّنمية الحَضَرِيَّة
الفَصْل السَّابع: الحياة العائلية في بيت أبو طاقية
(3) التَّراتُب الاجتماعي في بيت العائلة
(3-2) الأتباع والخَدَم والعبيد
(3-3) تجاوز نِطاق الهياكل التَّقليدية للعائلة
الفَصْل الثَّامِن: حَصَاد الدِّرَاسَة
مُقدِّمة الطَّبعة الإلكترونية (حاتم رءوف عباس)
وأثناء إقامته [رءوف عبَّاس] هناك بدأ اهتمامه بتاريخ اليابان، فكان من ثمرة هذا الاهتمام تأليفه عدة أعمال تتناول التاريخ الحديث لهذا البلد.
فضلاً عن ملاحظته افتقار المكتبة العربية إلى كتابات تُلقي الضوء على هذه الجريمة؛ كانت سببًا رئيسًا في ترجمته مذكرات الطبيب الياباني متشهيكو هاتشيا ، التي وثق فيها شهادته بصفته طبيبًا عمل على علاج المصابين في حادث القصف النووي لمدينة هيروشيما.
(وكان من عاداته المنهجية في الترجمة ألا يُترجم سوى الأعمال التي يراها مهمة للقارئ وتفتقدها المكتبة العربية، مستهلاً الترجمة بمقدمة تُوضح السياق التاريخي للعمل المترجم أو تنقده).
لكنه صُدم بتعليمات شفهية من المباحث العامة للناشرين بعدم طرح الكتاب للبيع في مصر،
والسبب غير المعلن هو رغبة مصر وهذه الدول الشقيقة عدم إزعاج الولايات المتحدة! والطريف في الأمر أن الكتاب كان مترجما إلى الإنجليزية ومنشورًا في الولايات المتحدة قبل هذا التاريخ.
فقد كان يقضي كل أيام العمل في دار الوثائق البريطانية (Public Record Office)، يطلع على الوثائق التي أتاحتها الحكومة البريطانية للباحثين طبقًا لقانونها بعد عقود من اعتبارها سرية، ويلتقط منها نسخًا مصورة لما يراه مفيدًا لأبحاثه. لم تكن تلك الزيارة هي الوحيدة لأبي؛ فقد ظل يتردد لاحقًا على دور الوثائق في بريطانيا وأمريكا، وكان أغلبها على نفقته الخاصة، ينهل منها ما يُلقي الضوء على تاريخ منطقتنا العربية، ويستعين بها في كتاباته، وقد دفعه ذلك إلى التنويه في أحيان كثيرة إلى التقصير الشديد الذي يلمسه في طريقة التعامل مع الوثائق في مصر والتفريط فيها، إلى الدرجة التي تجعل بعض كبار المسئولين يأخذون حمولة شاحنات من الوثائق إلى منازلهم عند ترك مناصبهم باعتبارها أوراقًا شخصية ، فنفرط بذلك في أحد أهم مصادر دراسة تاريخنا، ولا يكون أمام الباحثين سوى وثائق الدول الأخرى التي شاركت في صنع الأحداث (بانحيازاتها المتوقعة)، وشهادات متفرقة لمن شارك في الأحداث أو شهدها من المصريين.
فبالرغم من ميله إلى الفكر اليساري فإنه ظل حريصًا على عدم الانضواء تحت أي من الأحزاب أو التنظيمات اليسارية، بل كثيرًا ما كُتِب عنها موجهًا النقد لها ولرموزها، كما كان ناشطًا في جماعة ٩ مارس التي أسسها مجموعة من الأكاديميين المصريين للدفاع عن استقلال الجامعات؛
لقد كان الدكتور رءوف عباس يكتب كل أعماله ويراجعها ويعدّلها بخط اليد، وبعد استكماله العمل يبدأ في كتابته على الآلة الكاتبة الميكانيكية بمساعدة والدتي قبل إرساله إلى الناشر،
وما زالت صورة مكتبته الضخمة التي ضاقت بها غرفة كاملة فامتدت خارجها،
وعندما حل الكمبيوتر محل الآلة الكاتبة استمر يخط أعماله كاملة على الورق قبل كتابتها عليه، ولم يقم قطّ بالتأليف مباشرة على الكمبيوتر.
منذ اختمرت في ذهني فكرة كتابة دراسة عن أبو طاقية شاهبندر التجار حتى رأى العمل النور في طبعته الإنجليزية. وكانت الصديقة د. أميرة سنبل أول من اقترح عليَّ الشكل الذي يتم به إخراج العمل كدراسة للتجار، من خلال سيرة شاهبندر التجار أبو طاقية، ولم تبخل عليَّ بالعون عندما كنتُ في حاجة إليه. وقام د. رءوف عباس بقراءة أصول الدراسة في مراحل مختلفة، وتحاور معي كثيرًا حول بعض جوانب النص والقضايا الأساسية التي تناولتها الدراسة، وسمح لي بمشاركته خبرته بالمعرفة التاريخية.
كما أتوجه بالشكر إلى وزارة العدل التي أتاحت في الاطلاع على سجلات المحاكم الشرعية التي كانت مُودَعة عندئذٍ بمصلحة الشهر العقاري بالقاهرة.
لعلَّ العصرَ العثمانيَّ في مصرَ من أقلِّ عصورِ التاريخِ حظًّا من اهتمامِ المؤرِّخينَ العربِ عامةً والمصريِّينَ خاصةً، ولا يعودُ ذلكَ إلى ندرةِ مصادرِهِ الأصليةِ، فما هو موجودٌ منها يفوقُ الحصرَ، وإنما يرجعُ إلى ظروفٍ سياسيةٍ بالدرجةِ الأولى أحاطتْ بهذا العصرِ الذي يقعُ بينَ عام ١٥١٧م الذي شهدَ الفتحَ العثمانيَّ، وعام ١٧٩٨م الذي شهدَ دخولَ الحملةِ الفرنسيةِ مصرَ.
ومنْ تلكَ الظروفِ أيضًا، انبهارُ فريقٍ منَ المؤرِّخينَ بالتغييراتِ الهامةِ التي شهدتْها مصرُ في عصرِ محمدٍ علي، والميلِ إلى تفسيرها في سياقِ المؤثراتِ الحضاريةِ الغربيةِ التي جلبتْها الحملةُ الفرنسيةُ إلى مصرَ، والتي حملتْ بذورَ الحداثةِ؛
وهوَ اتجاهٌ رَوَّجَ لهُ المستشرقونَ وتأثَّرَ بهمْ فريقُ المؤرِّخينَ الروادِ الذينَ صاحبوا نشأةَ الجامعةِ المصريةِ، وشجَّعَ على ذيوعهِ الاهتمامُ الرسميُّ للدولةِ على عهدِ الملكِ فؤادٍ بإلقاءِ الأضواءِ الباهرةِ على تاريخِ الأسرةِ العلويةِ، وإبرازِ مُنجزاتِ محمدٍ علي باشا والخديوي إسماعيلَ على وجهِ الخصوصِ، فركزَ المؤرخونَ دراساتِهمْ على القرنِ التاسعِ عشرَ، باعتبارهِ عصرَ الحداثةِ، ولمْ يُلقوا بالًا إلى العصر العثماني،
وكأن مصر كانت عاجزة تماما عن الحركة، قعيدة لمدة ثلاثة قرون، فلم تنهض إلا بعدما مد الغرب إليها يده.
كما أن النظرة إلى العصر العثماني تأثرت بما حدث في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين من مظالم مارستها الإدارة العثمانية في الهلال الخصيب على وجه الخصوص، وأعمال القمع … وما أعقب ذلك من قيام الثورة العربية ضد الحكم التركي بقيادة الشريف حسين ودعم الإنجليز عام ١٩١٦م.
وقع العصر العثماني في منطقة حدودية بين ميدان بحث مؤرخي العصور الوسطى، ومجال بحث مؤرخي العصر الحديث. فاعتبر الأولون أن سقوط دولة المماليك الشراكسة على يد العثمانيين عام ١٥١٧م خط الحدود الأكاديمية بين حقلي العصور الوسطى والعصور الحديثة، وجاء مؤرخو العصر الحديث الذين تأثروا بمفهوم الحداثة ليروا في مجيء الحملة الفرنسية ١٧٩٨م بداية للتاريخ الحديث، بينما رأى فريق آخر منهم أن الفتح العثماني قد يكون بداية للتاريخ الحديث، لتزامنه مع بدايات نفس العصر في أوروبا (على أرجح الأقوال)،
وبذلك وقع العصر العثماني من الناحية الفعلية في منطقة (منزوعة الاهتمام) على الحدود بين مجالي تاريخ العصور الوسطى وتاريخ العصر الحديث.
كما أن تلك الدراسات استقت معلوماتها من مصادر ثانوية مخطوطة وتقارير الرحالة والقناصل الأجانب، وكلها مصادر تهتم بالسطح ولا تغوص إلى اللباب، وأغفلوا المصادر الأولية الوثائقية إغفالاً يكاد يكون تاماً.
ولكن تلميذه أحمد عزت عبد الكريم كان أكثر اهتماماً بضرورة إعادة النظر في العصر العثماني، من خلال دراسات تاريخية جادَّة تعتمد على المصادر الوثائقية؛ سجلات المحاكم الشرعية، وحجج الأوقاف، وسجلات الروزنامة، وغيرها.
وقد ألقت دراساتهم التي لم يُنْشَر معظمها حتى الآن أضواء جديدة على العصر العثماني، جعلتنا نشعر بالحاجة إلى إعادة اكتشافه، بل وإعادة النظر في فكرة الحداثة،
وتُعَدّ الزميلة د. نللي حنا من أقطاب المتخصصين في تاريخ مصر في العصر العثماني، وتحظى بشهرة بين الأوساط الأكاديمية الدولية؛ لأن معظم بحوثها نُشرت بالإنجليزية والفرنسية. وجاءت الطبعة العربية من كتابها بيوت القاهرة في القرنين السابع عشر والثامن عشر، دراسة اجتماعية معمارية (العربي للنشر والتوزيع، ١٩٩٣م) إضافة هامة لدراسة تاريخ مصر في العصر العثماني. احتفت بها الأوساط الثقافية، وحظيت بتقدير المتخصصين. ورغم ثقافتها الغربية، تتمتع نللي حنا برؤية نافذة ثاقبة للمفاهيم التي تروّج في كتابات المدرسة الاستشراقية حول الثقافة الإسلامية، والمجتمعات العربية عامة، فتحرض على دحض تلك المفاهيم استنادًا إلى ما تتوصل إليه من نتائج من خلال دراسة المصادر الوثائقية التي خبرت العمل عليها سنين طوال.
ومن هنا جاء اهتمامي بكتابها إسماعيل أبو طاقية شاهبندر التجار الذي يسعدني تقديمه إلى جمهور المثقفين والمهتمين بدراسة تاريخ مصر الحديث. وقد كتبته نللي حنا بالإنجليزية ليُنشر من خلال قسم النشر بجامعة سيراكيوز بالولايات المتحدة الأمريكية. وأطلعتني المؤلفة على أصول الكتاب عام ١٩٩٥م، وكانت النتائج التي استخلصتها من دراستها موضع نقاش طويل بيننا، وظلت تُعدّل في نص الكتاب على ضوء ما تلقت من ملاحظات من استشارتهم من الزملاء حتى استقر على هذا النحو. فقرأت أصول الكتاب مرة أخرى في مطلع ١٩٩٦، ورأيت أن عملًا على هذا المستوى العلمي الرصين، أنفقت المؤلفة في دراسته عشر سنوات كاملة، قامت خلالها بتمشيط الوثائق التاريخية لتعيد تكوين صورة المجتمع المصري عند أواخر القرن السادس عشر وأوائل القرن السابع عشر، من خلال سيرة إسماعيل أبو طاقية شاهبندر التجار. لا يجب أن يظل بعيدًا عن متناول قراء العربية، رغم ما للنشر بالإنجليزية من أهمية تعود إلى الرسالة التي أرادت المؤلفة أن تُوَجّهها إلى باحثي الغرب ومؤرخي المدرسة الاستشراقية على وجه الخصوص، مؤكدة أن المجتمعات يمكن أن تتطور وفق سياق تاريخي مختلف عن النهج الغربي، كاشفة عن فساد الاستنتاجات التي توصل إليها المستشرقون في دراساتهم حول العصر العثماني عامة، وتطور مصر في ذلك العصر خاصة، مؤكدة أن الثقافة الوطنية العربية الإسلامية توفرت لديها في هذا العصر مقومات التطور، وأن قدوم الغرب لم يكن بعثًا للحياة في مجتمعاتها، وإنما كان من معوقات تطورها.
ويدحض الكتاب الآراء التي ذهبت إلى أن مصر وبلاد الدولة العثمانية عانت من الركود الاقتصادي والجمود الحضاري والاضمحلال الثقافي من خلال تقديم صورة حية للواقع الاقتصادي في أواخر القرن السادس عشر وأوائل القرن السابع عشر، أعادت المؤلفة تكوينها من شتات المعلومات التي جمعتها من سجلات المحكمة الشرعية، بينت فيها عدم صحة المقولات التي أشاعها المستشرقون حول أثر تحول التجارة إلى طريق رأس الرجاء الصالح على الركود الاقتصادي وكساد أسواق الشرق الأوسط،
ولا شك أن التحولات التي تمت على يد محمد علي باشا لم تنشأ من فراغ، وخاصة أنه لم يعتمد على رأس المال الأجنبي في إقامة البنية الأساسية لاقتصاد السوق الخاضع لإدارة الدولة، وإنما اعتمد على موارد مصر وحدها طوال حكمه،
فما فعله محمد علي كان بمثابة إعادة ترتيب ما توفر لديه من أوراق؛ أي إعادة تنظيم البنية الأساسية في مصر بالاستفادة من مكوناتها الأصلية. حقًا، لجأ محمد علي إلى الخبرة الأجنبية، فاستعان بالفرنسيين وغيرهم في شتى المجالات، ولكن ذلك كان على نطاق محدود، وظلت اليد العليا في حركة الإصلاح التي أدخلها محمد علي لعناصر عثمانية (تركية) أو مصرية،
وما تحقق على يد محمد علي لم ينشأ من فراغ، وإنما اعتمد على الأساس الراسخ للتجربة التاريخية المصرية. ويعني ذلك أن واقع مصر في العصر العثماني كان له شأن آخر غير ذلك الذي شاع في كتابات مدرسة الحداثة،
يُعالج هذا الكتاب ترجمة حياة تاجر كبير، هو إسماعيل أبو طاقية، زاول نشاطه بالقاهرة فيما بين نحو بداية الثمانينيات من القرن السادس عشر حتى وفاته عام ١٦٢٤م، كما يتناول ـــ في نفس الوقت ـــ فئة التجار الكبار، ومظاهر سلوكهم، ونشاطهم التجاري، ودورهم في الاقتصاد الحضري بتلك الحقبة.
ومن ثم جاءت الترجمة مناسبة لأنها تقدم نظرة متعددة الزوايا للشخصية التي تتناولها، تتضمن المظاهر المختلفة لعلاقاتها بالمجتمع. ويُساعدنا ذلك على أن نضع التغيرات الاقتصادية والتجارية في سياق اجتماعي وقانوني وثقافي بدلًا من دراستها كظاهرة مجرّدة منعزلة عن أي سياق محدد.
فقد كان نجاح المشروعات التجارية لأبو طاقية يُرجع إلى مهارته التجارية والاجتماعية، وقدرته على إقامة العلاقات المتينة والمحافظة عليها.
وبذلك نستطيع من دراستنا لشخصية معيّنة أن نضع أيدينا على سلوكيات نخبة التجار خلال حقبة الازدهار. وقد عاصر أبو طاقية ثورات الجند التي شهدتها مصر وغيرها من ولايات الدولة العثمانية عند نهاية القرن السادس عشر. كما عاصر التغيّر في علاقات السلطة نتيجة عملية اللامركزية التي أثرت على مركز السلطة في إستانبول لصالح الولايات.
وتُحدد أيضاً دور التجار في حدوث تلك التحوّلات؛ إذ استطاعوا بأموالهم أن يلعبوا دورًا له مغزاه في تغيير توازن القوى بين المركز والأطراف. ولم يكونوا مجرّد مُتفرّجين على ما كان يدور من حولهم، بل كان دورهم فعالاً في الترتيبات التي تمت في تلك الحقبة.
ويرجع اختيار أبو طاقية دون معاصريه من زملائه التجار موضوعًا للدراسة، إلى أسباب عملية بالدرجة الأولى؛ فقد تردّد على المحكمة أكثر من غيره من زملائه، ولما كانت سجلات المحكمة الشرعية هي المصدر الرئيسي لهذه الدراسة، فإن المادة الخاصة بأبو طاقية – في تلك السجلات – تتسم بالوفرة،
وهناك سبب آخر لاختيار أبو طاقية بالذات يرجع إلى أن الحجج التي سجلها بالمحكمة الشرعية تغطي الكثير من الموضوعات وتوضح مظاهر معاملاته وشركاته ودعواه القضائية، كما نتعرف من خلالها على زوجاته وعائلته؛ ومن ثم يمكن اعتبار حياة أبو طاقية نموذجًا نمطيًا لحياة التاجر في عصره، التاجر المشتغل بالتجارة الدولية وتجارة البحر الأحمر التي غلبت على نشاطه.
فتسمح لنا الترجمة بقراءة تاريخ الحقبة من خلال الناس، لا الدولة، وممارسات الحياة اليومية، وليس من خلال قرارات الدولة وسياساتها.
ومن ثَم تُساعدنا على قراءة التاريخ من القاعدة وليس من القمة.
وبذلك نستخدم ترجمة حياة التاجر لنكتب في واقع الأمر تاريخ الحقبة الزمنية التي عاشها.
أتاحت لنا سجلات المحكمة الشرعية فرصة تتبع إسماعيل أبو طاقية خلالها، منذ أن كان شابًا غض الإهاب، حتى صعد نجمه فأصبح شاهبندر التجار، إلى أن مات محبطًا إلى حد ما.
(٣) سِجِلَّات المحكمة الشَّرعية مصدر للتَّاريخ الاقتصادي الاجتماعي والتَّراجم
تُعَدّ الحقبة التي تغطيها هذه الدراسة من أكثر فترات تاريخ مصر في العصر العثماني غموضًا، ويُرجع أحد أسباب ذلك إلى المصادر؛
ولا تتوفر غالباً المادة التاريخية لكتابة تراجم لفترة ما قبل الحداثة.
وليس لدينا بالنسبة لبعض الحقب الزمنية إلا الحوليات التي تعدُّ حوليات الجبرتي من أهمها؛
وتتجه تلك الحوليات إلى التركيز على الأحداث السياسية وأعمال الحكام، والصراع على السلطة المتسم بالعنف، الذي دار داخل المدينة. وعندما يرد ذكر الأحداث السياسية الرئيسية، من النادر أن تذكر الأحداث الأقل أهمية المتصلة بالعائلة.
أما الناس العاديون فلا ذكر لهم على الإطلاق.
ولا تكاد الحوليات تهتم بالحياة اليومية، أو المعاملات العادية للتجار أو مظاهر الحياة التي لا تلفت الأنظار لأنها تخص عامة الناس.
وتقودنا كتابة التاريخ استناداً إلى الحوليات إلى الخروج بافتراضات تختلف تماماً عن النتائج التي نتوصل إليها من خلال استخدام المادة الوثائقية.
غير أن تراجم الجبرتي مع ما شابها من قصور لا غنى عنها كمصدر للمعلومات عن التاريخ الاجتماعي للقرن الثامن عشر، وليس لدينا نظير لها عن الفترات السابقة على ذلك التاريخ، فيما عدا تراجم الأولياء التي كتبها بعض المتصوفة كالشعراني.
ولا يظهر اسم إسماعيل أبو طاقية الحمصي في أي من التواريخ أو الحوليات المعاصرة. رغم كونه من أساطين التجار، ومن ذوي الشهرة في زمانه.
وتعد سجلات المحكمة الشرعية ـ بلا منازع ـ مصدراً ثميناً لدراسة التاريخ الاجتماعي والاقتصادي، لاحتوائها على مادة تتصل بالحياة في المدينة، بمختلف مظاهرها الاجتماعية والاقتصادية والعمرانية والتجارية.
ومن الموضوعات التي عالجها بعض المؤرخين من خلال دراستهم لسجلات المحاكم الشرعية: الحياة الاجتماعية، والعلاقات بين التجار والنخبة العسكرية في القاهرة بالقرن الثامن عشر، والعلاقات بين الطوائف الدينية في القدس في القرن السادس عشر،
وسجلات المحاكم الشرعية بالقاهرة التي استندت إليها هذه الدراسة تقدم صورة حية للحياة اليومية، والمشاكل التي كان يواجهها الناس يومياً مع شركائهم وعائلاتهم وجيرانهم، والبدائل التي طرحت لحل تلك المشاكل.
وهناك عدة عوامل شجعت الناس على استخدام المحاكم استخداماً كثيفاً: فقد كانت العدالة بسيطة وسريعة، وكانت متاحة لعامة الناس بصورة مباشرة. ولم يكن المدعي بحاجة إلى محام يتوسط بينه وبين القاضي، ولم يحتج الناس أن ينتظروا شهوراً حتى يتم الفصل في دعاواهم، إذ كان التقاضي عملياً جداً. فأقيمت عدة قاعات للمحاكم في مختلف أحياء المدينة، وزعت جغرافيًا بشكل جعلها في متناول الناس من سكان المدينة، وكان بكل محكمة قضاة يمثلون المذاهب الأربعة (الحنفي، والشافعي، والمالكي، والحنبلي)، وكان من حق المدعي أن يختار القاضي الذي ينظر دعواه. وقد يتجه الشخص الواحد إلى القاضي الحنبلي عندما يشتري أو يستأجر بيتًا، وللقاضي الحنفي عندما يعقد زواجًا. فلم يكن هناك إلزام على الناس بالتعامل مع مذهب معين.
وكانت الإدارة العثمانية مسئولة جزئيا عن توفير المحاكم وضمان حسن أدائها. وبمجرد وقوع بلد من البلاد في يد العثمانيين، كانت إدارتها تترك للمؤسسات الإدارية لا العسكرية. وكان من مهام المحاكم أن تعلن المراسيم والأوامر السلطانية للناس، وأن تراقب تطبيقها، إضافة إلى اضطلاعها بمهمة تطبيق الشريعة؛
وجعل هذا الاحترام لوظيفة المحكمة منها ركنًا هامًا من أركان النظام الإداري. محكمة الباب العالي، وسكن قاضي القضاة.
وتعتمد ترجمة حياة (إسماعيل أبو طاقية) اعتمادًا تامًّا على سجلات المحاكم الشرعية، وعلى المئات من الدعاوى التي وقف فيها أمام المحكمة مدّعيًا أو شريكًا أو شاهدًا، وفضّل أبو طاقية واحدة من المحاكم الخمسة عشر التي أُقيمت بمختلف أنحاء القاهرة، هي محكمة الباب العالي، التي كانت المحكمة الكبرى للعاصمة،
ولكن المحكمة الكبرى كانت أرفع المحاكم قَدرًا؛ لأن رئاستها كانت لقاضي القضاة الذي تُعيّنه إستانبول.
ويُمكن تجميع تفاصيل حياة أبو طاقية من بين مئات الدعاوى التي كان طرَفًا فيها، وخاصة ما جاء منها بسجلات محكمة الباب العالي على مدى نحو الأربعة عقود من الزمان.
ونستطيع من خلال تلك الوثائق أن نجمع الأنساق التجارية وأساليب التجارة في تلك الحقبة، وعملية تطويع تلك الأدوات للأوضاع المتغيرة، وهو أمر له أهمية في تلك الحقبة الحافلة بالتحولات الحاسمة. وبذلك تُقدّم سجلات المحاكم للمؤرخ مادة ثمينة عن الطريقة التي مورست بها التجارة تتناقض مع دراسات كتلك التي كتبها يودوفيتش Udovitch الذي ركّز على ما جاء بكتب الفقه حول الأشكال المختلفة للمعاملات التجارية.
A. Udovitch, Partnership and Profit in Medieval Islam, Princeton, 1970; Gerber, The Muslim Law of Partnership in Ottoman Court Records , Studia Islamica, vol. 53, 1981.
إذ تبدو المحاكم كمؤسسة تمارس علاقة حركية مع الناس الذين تعاملوا معها أو اتصلوا بها، وليست مجرد إطار للمبادئ والأيديولوجيات، أو نظامًا مثاليًّا لا علاقة له بواقع الحياة في المجتمع. فنرى من خلالها كيف كانت العدالة تمارس يوميًّا.
وتُعنينا سجلات المحاكم – أيضًا – على فهم أحد مظاهر مجتمع ما قبل الحداثة، ونعني بذلك الحياة الخاصة، والشخصية، والعائلية.
تُعد سجلات المحاكم مصدرًا لا غنى عنه لدراسة التاريخ العائلي، من خلال متابعة المنازعات التي ينظرها القاضي، والحلول التي قدمت لحل المنازعات العائلية.
والعلاقة بين أبو طاقية والدميري ذات أهمية خاصة؛ لأنها تبيّن لنا أن الخط الفاصل بين الصداقة والقرابة العائلية لم يكن واضحاً على نحو ما يظن، وأن هذا النوع من العلاقة كان يدخل في مجال الحياة الخاصة التي تتصل بالعائلة وحدها.
ونرى موقع أبو طاقية بين تلك الجالية، إذا كان هناك ما يُمكن أن يُطلق عليه هذا المصطلح. فقد كان من السهل على عائلة تجارية من إحدى المدن الشامية أن تنتقل إلى القاهرة، دون أن يترتب على ذلك تهميش اجتماعي عند وصولها إلى القاهرة، وبذلك اندمج آل أبو طاقية في جماعة التجار بسهولة دون أن تشوب أوضاعهم الاجتماعية أي شائبة، ويُصدّق ذلك على العديد من عائلات التجار الشوام التي نزحت إلى القاهرة في غضون تلك الحقبة ذاتها.
كذلك تُتيح لنا سجلات المحاكم أن نُلقي نظرة ثاقبة على تاريخ العمران الحضري، فنتعرف على التطور العمراني للقاهرة، والعوامل الكامنة وراءه؛ إذ تكشف لنا المادة المتعلقة بأبو طاقية والتجار من أبناء جيله عن الشكل والاتجاه الذي اتخذه التطور العمراني للمدينة والدور الذي لعبه التجار في تحقيق هذا التطور. وبذلك كان التجار يلعبون في تلك الحقبة الدور الذي كان قاصراً على الحكام من قبل،
بفضل المباني العامة التي شيدوها والأحياء الجديدة التي تمت تنميتها على أيديهم.
ونتج عن ذلك أن أصبحت السجلات مرايا تعكس الحياة اليومية للناس،
لأن تلك السجلات لا تكشف لنا عن رؤية المجتمع لأبو طاقية أو عن صورته عند معاصريه.
وإلى جانب ذلك، يظل أحد مظاهر الحياة غامضًا بالنسبة لنا عند تعاملنا مع سجلات المحاكم، ونعني به الحياة الروحية والدينية.
ففيما عدا بعض الإشارات التي وردت بالسجلات عن إعادة بنائه لمسجد بالأزبكية، وإلى المسجد الذي بناه بالوكالة التي شيدها، ليس لدينا معلومات عن حياته الدينية.
يُعالج كل فصل من فصول الدراسة ظاهرة معيّنة من حياة إسماعيل أبو طاقية: كنشاطه التجاري، وعلاقته بالحكام، وصعود نجم عائلته في مجتمع القاهرة.
الفَصْل الأوَّل: رؤية عامَّة للحقبة التَّاريخية
فمن خلال الترجمة لحياة تاجر، تقدم هذه الدراسة نهجًا لمعرفة الحقبة التي تقع بين أواخر القرن السادس عشر وأوائل القرن السابع عشر، وتضعها في سياق تاريخي أرحب.
فحتى عهد قريب كانت الفترة التي تلت وفاة السلطان سليمان تعدّ بداية اضمحلال الدولة العثمانية، وتمّت دراسة تاريخ الدولة فيما بين وفاة السلطان سليمان وتفكك الدولة بعد عام ١٩١٤م في إطار فكرة الاضمحلال.
الدراسات الخاصة بالعالم العثماني. ويذهب المؤرخون الذين يستخدمون هذا الإطار إلى أن الاضمحلال والركود قد توقفا في الدولة العثمانية في القرن الثامن عشر والتاسع عشر، عندما تحقق العثمانيون من أهمية استيراد النماذج الأوروبية لتجديد الإدارة والهيئة العسكرية والمؤسسات التعليمية والثقافية، حتى يواكبوا الدول الأوروبية في تقدمها.
فدراستنا هذه تعدُّ التطورات المحلية والإقليمية والدولية التي وقعت على مدى نصف القرن فيما بين القرنين السادس عشر والسابع عشر تطورات حيوية من حيث التيارات التجارية، وطرق التجارة، والسلع، والعرض والطلب.
ولعل هذا التراجع في الطلب على المنتجات المصنعة، كان وراء تحول مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية إلى إنتاج محاصيل نقدية بغرض تصديرها إلى الخارج كمواد أولية. وتصور الزيادة في حجم صادرات الغلال إلى فرنسا أواخر القرن الثامن عشر هذا الاتجاه. الذي تمّ توسيعه بإنتاج القطن على نطاق واسع في القرن التاسع عشر لتلبية الطلب المتزايد لمصانع النسيج الأوروبية.
فأشارا إلى وجود ضوابط قوية حكمت نشاط الفرد، تمثلت في التقاليد التي أملت عليه سلوكه، وفي العائلة، والطائفة التي انتمى إليها، إلى الحد الذي لم يكن فيه للمبادرة الفردية وجود؛ فالقواعد الصارمة حكمت السلوك سواء تلك التي وضعتها العائلة، أو الطوائف، أو الدولة، أو العقيدة الدينية.
وهذه المعالجة تؤكد أن التغير يحدث من أعلى، ولا تولي أهمية لإمكانية حدوث التغيير من القاعدة أو أن يكون التغيير عضويًا.
وهذه الدراسة تركز بصفة خاصة على هذه المسائل، فتبين كيف قام التجار بجهد ملحوظ لتطويع الهياكل التجارية للأنماط الخاصة بنشاطهم التجاري، ومبادرتهم إلى التوافق مع الأوضاع المتغيرة، وكيف تم ذلك بمعزل عن التوسع الاقتصادي الرأسمالي الأوروبي،
(٢) اتِّجاهات جديدة في التِّجارة المصرية
والإطار الزمني لتلك التغيرات يتناسب مع الحقبة التي كانت فيها مصر تعد جزءًا من السوق العثمانية، ولكن قبل اندماج تلك السوق في السوق الرأسمالي الأوروبي. وقبل تهميش الاقتصاد العثماني، الذي أدى إلى تحول الإقليم إلى منطقة إنتاج مواد أولية لتلبية الطلب عليها بدول المركز الأوروبي، وسوق لاستهلاك المصنوعات الأوروبية.
وتتميز تلك الحقبة بعودة التجار لاحتلال موقع الصدارة من حيث الثروة والنفوذ الاجتماعي، والتأثير على الأوضاع السياسية بطريقة مباشرة أو غير مباشرة،
حيث صنع الطلب المتزايد على البضائع العالمية ثروات طائلة للتجار.
والأمر الآخر، يرجع إلى أن التجار كانوا أقل خضوعاً للسيطرة السياسية، أو أكثر استقلالاً عن الدولة، أكثر مما كانت عليه حالهم قبل ذلك بنصف القرن أو القرن من الزمان.
فلم يقم أولئك التجار ببناء الوكالات فحسب، بل شيّدوا عمائر دينية وخيرية، في أهم مناطق القاهرة، وقام بعضهم بإقامة أحياء حملت أسماءهم.
لم يكن النظام القضائي الذي عرفته مصر في العصر العثماني مُستحدَثًا، فقد كانت إقامة العدل من المهام الأساسية في الدولة الإسلامية، ونستطيع ملاحظة ذلك بسهولة في دولة سلاطين المماليك مثلا. غير أن طريقة عمل النظام القضائي وتغلغله في النظام الاجتماعي اختلفت باختلاف الزمان والمكان.
ومن حيث الجوهر، كان النظام القضائي في القرن السابع عشر كشأنه في الحقب التاريخية السابقة يهدف إلى تطبيق الشريعة في المقام الأول.
فقيام التجار المشتغلين بالتجارة الدولية مثل أبو طاقية أو الرويعي بتمويل الإنتاج الزراعي، يشير إلى الرابطة بين الزراعة والتجارة الخارجية.
وهناك جدل حول اعتبار التصنيع الذي تمَّ في عهد محمد علي باشا كان بمثابة تصعيد لعملية بدأت في وقت سابق على نطاق أضيق، بوسائل فنية محدودة،
ومن الملامح الحيوية للحقبة موضع الدراسة التي تميزها تمامًا عن فترة الاندماج في السوق الرأسمالي الأوروبي في القرن التاسع عشر، أن الزراعة التجارية وارتباط الزراعة بالإنتاج الصناعي وبالتجارة لم يتم لصالح مصانع النسيج بمانشستر، ولكنه تم لصالح التجار الوطنيين المحليين، الذين موّلوا تلك العملية جزئيًّا، وكانوا المنتفعين الرئيسيين بها.
ويُمكن استنتاج أن الحقبة موضوع الدراسة، كانت فترة ازدهار تجاري، شهدت إدخال تغييرات هامة على عكس ما يتردَّد كثيرًا،
وتذهب هذه الدراسة إلى أننا لا نستطيع إدراك التغيرات التي حدثت بالمنطقة دون فهم تلك الحقبة من التاريخ العثماني؛
الفَصْل الثَّاني: عائلات التُّجَّار والبُيُوت التُّجارية العائلية
فقد كان الحراك الاجتماعي محدودًا، سواء أكان رأسيًّا نحو قمة السلم الاجتماعي، أم أفقيًّا من شريحة اجتماعية إلى أخرى.
فقد استطاع إسماعيل أبو طاقية أن يرتقي أعلى مراتب طائفة التجار استنادًا إلى عائلته والجالية الشامية التي انتمى إليها. والحق أن عائلة أبو طاقية لم تمرّ بتجربة الانتقال الجغرافي من حمص إلى القاهرة فحسب، بل ما لبثت ذريتها أن انتقلت من شريحة اجتماعية إلى أخرى، من التجار إلى النخبة الحاكمة.
وبذلك كانت عائلة أبو طاقية تحترف مهنة واحدة شأنها شأن غيرها من العائلات؛ حيث كان الأب يُلقِّن ولده أسرار مهنته، لينقلها بدوره إلى ابنه الذي ينقلها بدوره إلى ذريته.
ولا بد أن تقوم العائلة بتقديم الدعم اللازم لأفرادها وقت الحاجة.
ونحن نعلم أن الكثير من الشوام كانوا يعيشون بالقاهرة كما يتضح من أسمائهم التي تدل على موطنهم الأصلي؛ كالشامي والحلبي والصفدي والحموي والحمصي والبعلبكي والنابلسي والقدسي وغيرهم.
كما جاء الكثير من الشوام إلى مصر للدراسة في الأزهر، وكان بالأزهر رواق للشوام منذ عهد السلطان المملوكي قايتباي (المتوفى عام ١٤٩٦م). ويبدو أن مجتمع الشوام بالقاهرة كان كبيراً، غير أنه ليس لدينا دليل على وجود طائفة للشوام تُمثِّل إطاراً تنظيمياً للجالية الشامية تحظى باعتراف الدولة،
وقد ساعدت تلك السياسة الرعية على الاحتفاظ بتقاليدهم وأنماط حياتهم، طالما كان ذلك لا يمس المصالح العثمانية.
وكان من سكان المدن كالقاهرة وحلب والقدس جماعات من الأتراك والأرمن والمغاربة واليهود واليونانيين، حافظت كل منها على خصوصيتها الثقافية أو الدينية أو اللغوية.
وكان لقب الشاهبندر الذي حمله شيخ طائفة التجار أرفع تلك الألقاب، ويمثل ذروة المكانة التي يصل إليها التاجر. وقد استخدم هذا اللقب (الفارسي الأصل) من حين لآخر في القرن الخامس عشر، ولكنه لم يصبح شائعاً إلا في العصر العثماني. وكان الشاهبندر شيخ طائفة تجار القاهرة وهو المنصب الذي كان يشغله إسماعيل أبو طاقية منذ ١٠٢٢هـ / ١٦١٣م حتى وفاته (فيما عدا بضعة شهور من عام ١٠٣١هـ / ١٦٢١م بسبب مرضه). وكان الوصول إلى درجة الشاهبندر يعني اتساع الثروة والنفوذ الاجتماعي بين جماعة التجار، كما كان من أرفع الألقاب في البنية الاجتماعية للمدينة، ولعله كان أرقى المناصب غير السياسية التي قد يصل إليها بعض أفراد الرعية وينال صاحبه الحظوة عند السلطات الحاكمة.
وكان شيخ طائفة تجار البحر الأحمر هو الذي يحمل لقب الشاهبندر ، وكان من الجليّ أن تلك الطائفة شملت أبرز تجار القاهرة. وكان الشاهبندر يمثل طائفته أمام السلطات شأنه في ذلك شأن شيوخ الطوائف الأخرى، وكان عليه أن يفعل الكثير لخدمة مصالح زملائه التجار.
وفي الحقيقة، لم تذكر الطائفة في السجلات إلا عندما أصبح إسماعيل أبو طاقية شيخًا لها.
(۲) الهجرة مِن الشَّام إلى مصر
وتأخذنا المرحلة الأولى من أحمد أبو طاقية إلى مطلع حياة ولده إسماعيل ؛ حيث لعبت ظروف تلك المرحلة دورًا في الصلات الحمصية التي احتفظ بها إسماعيل في تجارته وعلاقاته الاجتماعية والعائلية.
ولنا أن نتساءل عن السبب الذي دعا أحمد أبو طاقية إلى الانتقال من حمص، المدينة ذات الحجم المتواضع، إلى القاهرة ثانية أكبر المدن في الدولة العثمانية بعد إستانبول،
وأدّى النمو السكاني بالمراكز الحضرية بالدولة العثمانية وأوروبا إلى خلق مستويات جديدة للطلب. ولا بد أن يكون ذلك قد جعل من القاهرة مكاناً جذاباً للتجار القادمين من المراكز التجارية الأخرى خلال تلك السنوات؛
هذا فضلاً عن أن القاهرة كانت مدينة تجارية كبرى، تتوسّط عدداً من الطرق التجارية الدولية الرئيسية، وخاصة طريق البحر الأحمر، الذي مرّت عبره البضائع الهندية والآسيوية الأخرى حتى السويس لتصل إلى القاهرة، ومنها تتجه إلى مختلف الأسواق والبلاد.
وكان الأمن على تلك الطرق يعتمد إلى حد بعيد على مدى قوة الدولة وقدرتها على إثبات وجودها،
فقد كانت الدولة العثمانية وقتئذ لا تزال في ذروة المركزية؛ حيث كان السلاطين بإستانبول يمدون سلطتهم إلى الولايات، ولا ريب أنهم كانوا يعتبرون إقرار الأمن على طرق التجارة من بين مسئولياتهم الأساسية؛ ومن ثم بذل العثمانيون جهدًا كبيرًا لتأمين تلك الطرق.
يروي كريستوفر هارانت أن الرحلة من غزة إلى دمياط استغرقت بالبحر أسبوعاً كاملاً (٢٢-٢٩ سبتمبر ١٥٩٨م).
ولا بد أن يكون أحمد أبو طاقية قد واجه صعوبات من نوع آخر عند وصوله إلى القاهرة، فقد كانت هناك بعض الاختلافات الثقافية بين المصريين والشوام، كما أن حمص مدينة صغيرة ذات أهمية ثانوية قياساً بالقاهرة المدينة الكبيرة المزدحمة بالسكان ذات الطبيعة العالمية،
وثمة عامل آخر، سهل انتقال أبو طاقية من حمص إلى القاهرة؛ لأن المسافر من ولاية عثمانية إلى أخرى يتوقع أن يجد بعض أوجه التشابه بين الولايات الخاضعة للدولة العثمانية.
كان من اليسير عليه أن يندمج اجتماعياً في القاهرة عند مستوى مماثل لمستواه في حمص.
ويلاحظ أن العلماء مثلاً كانوا كثيري الانتقال من مركز علمي إلى آخر.
وعلى سبيل المثال، تحفل تراجم الغزي في القرن السادس عشر بنماذج للعلماء الذين كانوا يتنقلون بين عدة مدن، ويستقرّون بصورة مؤقتة أو دائمة في إحداها للعمل بالتدريس أو القضاء.
ويُشير ذلك إشارة واضحة إلى أن الأحداث السياسية لم تؤثر بالضرورة على ظاهرة الهجرة، أو التجارة. وتُوضّح هجرة عائلات مثل أبو طاقية وابن عريقات من حمص ويغمور من حلب وغيرهم، استمرار التجارة والروابط الاقتصادية بين مصر والشام، رغم أن الفتح العثماني للبلدين فرق بينهما، بعد أن كانتا تمثلان دولة واحدة تحت حكم سلاطين المماليك.
والمرحلة الثانية من تاريخ عائلة أبو طاقية تغطي السنوات الأولى من عمر إسماعيل وأخيه ياسين أبو طاقية وتعليمهما ودخولهما عالم التجارة؛ ففي تلك المرحلة عمل الأب وولداه معًا، حيث اكتسب الولدان الخبرة من أبيهما، حتى إذا شبا عن الطوق، كون الولدان مع أبيهما شركة واحدة.
وكان تعليم الصبية من أبناء التجار يبدأ بالقراءة والكتابة، … وكان مستوى معرفة القراءة والكتابة عندئذ عاليًا نسبيًّا؛ إذ يُقدِّر شابرول نسبة مَن كانوا يقرءون ويكتبون عام ١٧٩٨م بما يتراوح بين ثلث وربع الذكور من السكان.
ولم يكن الفقراء على كثرتهم من بين المستفيدين بالتعليم الأولي، مما يعني أن تقديرات شابرول تتعلق بالشرائح الوسطى من السكان. وكان الأطفال يُحصِّلون تعليمهم الأولي بأحد طريقين؛ إما من خلال الالتحاق بالمكاتب الخاصة بهذا اللون من التعليم، أو التعليم على يد معلِّمين خصوصيِّين، وهي الطريقة التي فضَّلتها العائلات الميسورة الحال لتعليم أبنائها. وكان انتشار المكاتب (أو الكتاتيب) بالقاهرة يجعلها متاحة لعدد كبير من الأولاد الصغار؛ حيث كانوا يقصدونها لتعلم القراءة والكتابة والحساب (قدَّر عدد الكتاتيب بما يزيد على ثلاثمائة كُتَّاب زمن الحملة الفرنسية عام ١٧٩٨م). وكانت تلك الكتاتيب تغطي نفقاتها من الأوقاف الخاصة بها في أغلب الأحوال، وكان التعليم بها مجانيًّا. ولعلَّ إسماعيل كان من بين أولئك التلاميذ، أو لعله تعلم في منزله على يد فقيه شأنه في ذلك شأن أترابه من أبناء العائلات الثرية.
وكان ياسين أبو طاقية شقيق إسماعيل ـــــ مثلاً ـــــ يتاجر في مبلغ كبير من المال، ويُقترض أموالاً، ويبيع صفقة من البُنِّ بمبلغ ١٢٠٠ دينار ذهبي، وهو ما يزال شابًّا بالغًا.١٢ ولعلَّ ذلك النشاط كان يتم تحت إشراف أبيه، غير أن الصفقات تمَّت باسمه وبماله، وبذلك اكتسب خبرة بالسوق عندما كان لا يزال في الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة من عمره.
وفي مطلع الثمانينيات من القرن السادس عشر، كان إسماعيل أبو طاقية قد أكمل التدريب على التجارة ووقف على أسرارها.
وكان الاشتغال بتجارة البحر الأحمر يعني السفر إلى مكة وجدة؛ حيث تتجمع البضائع القادمة من الهند،
ومن الواضح أن المشتركين في التجارة من أفراد العائلة لم يحصلوا على حصص متساوية من الأرباح؛ إذ كان البعض شركاء في رأس المال والمخاطر والأرباح، بينما كان البعض الآخر يتقاضون رواتب ثابتة.
وكان الحج يُوفّر للتجار فرصة عقد صفقات هامة، إضافة إلى أداء الفريضة الدينية، كما كان السفر ضمن قافلة الحج أكثر أمنًا؛ لأن الدولة كانت توفّر الحماية للقافلة، وتصحبها دائمًا فرقة عسكرية. وكانت مكة مُلْتَقَى التجار من مختلف بلاد الإسلام خلال موسم الحج،
وكانت رحلة أحمد أبو طاقية إلى الحجاز خاتمة أسفاره، فلم يُقَدَّرْ له أن يعود منها؛ إذ مات بعد قليل في مكة. وكان ذلك آخر عهد آل أبو طاقية بالعمل معًا كبيت تجارة عائلي؛
ونستطيع أن نُحَدِّدَ بداية المرحلة الثالثة من تاريخ العائلة بوفاة أحمد أبو طاقية، فقد كانت وفاته نقطة تحول في الأنماط التجارية التي اتبعها إسماعيل؛ إذ تخلّى عن البيت التجاري العائلي وتولى إدارة مشروعاته التجارية خارج إطار التجارة العائلية.
وخلال تلك المرحلة بلغ إسماعيل ذروة حياته العملية في مجال الحرفة، فقام بتوسيع شبكة أعماله التجارية على نطاق كبير، وارتقى إلى مرتبة شاهبندر التجار.
كما أن ثلاثًا من شقيقات إسماعيل، هنَّ: ليلى، وبدور، وسيدة الكل؛ اعتقدن أنه قد خدعهنّ فيما يتعلق بتركة والدهن؛ إذ زعم أن البضائع التي كانت بمخازن القاهرة خاصة به، واستطاع أن يُقدّم الوثائق الدالة على ملكيته الخالصة لتلك البضائع.
ورغم إثباته لسلامة موقفه، لم تقتنع بذلك شقيقاته على ما يبدو بدليل لجوئهنّ إلى المحكمة،
ولا شك أن علاقته بعبد القادر الدميري شجعته على أن يخطو تلك الخطوة.
حيث كان الخواجة عبد القادر الدميري التاجر المصري يمارس تجارة الحرير في محلّ بتلك السوق.
والحق أن صداقة الرجلين دامت طوال حياتهما منذ بداية تعازفهما في الثمانينيات من القرن السادس عشر، وتجاوزت العواصف والخصومات القضائية التي قد تسببهما المشاركة في التجارة. وكانت علاقة الرجلين قريبة الشبه بصلة القربى، رغم أنهما لم يرتبطا ببعضهما البعض برباط المصاهرة. فكانت صلتهما تقوم على الاختيار الحر لا على الالتزام العائلي التقليدي. ولم يشتركا معاً في التجارة فحسب، بل امتلكا العقارات معاً، وأقاما وقفاً مشتركاً، وتشاركا في امتلاك المحلات بسوق الوراقين.
وقرب نهاية حياة إسماعيل أبو طاقية اشترك الرجلان في بناء وكالتين كبيرتين، ما لبثا أن قاما بتحويلهما إلى وقف، ولا زالت آثارهما باقية بالشارع الذي يحمل اسم شارع خان أبو طاقية.
وثمة مظهر آخر من مظاهر الارتباط بين الرجلين نجده في نمط بيوتهما؛ فقد سكنا بجوار بعضهما بنفس الحي سنين طويلة؛ … ومن ثم قامت صلة جوار وتزاور عائلي مُستقر بين البيتين،
غير أن أولئك الذين استطاعوا الوصول إلى أسواق الهند مباشرة كأبو طاقية والقلة النادرة من التجار تمتعوا بمزايا لم تتوفر لزملائهم الذين كانوا يشترون السلع الهندية من أسواق مخا أو جدة، حصلوا على تلك البضائع بسعر أقل، ووفروا العمولات التي تقاضاها الوسطاء.
وعند نهاية القرن السادس عشر كانت التوابل على ما يبدو وبصفة خاصة الفلفل تُمثِّل السلعة الغالبة في التجارة وليس الأحجار الكريمة، واحتل البن منزلة تقع بين النوعين. ويُنسَب نفس الشيء على السكر الذي كان إسماعيل أبو طاقية يُصدِّره بكميات متزايدة في مطلع القرن السابع عشر.
وتُوِّجَت حياة إسماعيل أبو طاقية العملية عندما أصبح شاهبندر التجار عام ١٠٢٢هـ/ ١٦١٣م، فخلف في المنصب صديقه وزميله القديم الخواجة علي الرويعي في رئاسة طائفة التجار. وكانت تلك الطائفة تضم التجار المشتغلين بالتجارة الدولية الشرقية، وهم أوسع تجار القاهرة ثروة.
ولا نعلم إلا القليل عن الطريقة التي كان يُنتخب أو يُعيَّن بها شاهبندر تجار القاهرة.
وكل ما نعرفه أنه لم يكن وراثيًا عند مطلع القرن السابع عشر، كما لم يكن حكرًا لعائلة بعينها، ولم يُشترط في الشاهبندر الانتماء إلى أصل معيَّن؛
كذلك لم يكن الشاهبندر يتولى منصبه بالضرورة لمدى الحياة؛ فرغم استمرار أبو طاقية شاغلًا له حتى موته، تولى من سبقوه الشاهبندرية لسنوات قليلة ثم انتقلت إلى غيرهم، وعبارة أخرى، كان المنصب متداولاً، متاحًا لأكثر التجار نجاحًا واستحقاقًا. وكانت تلك سمة المنصب في أوائل القرن السابع عشر، غير أنها تغيرت – على ما يبدو – في القرن الثامن عشر حيث يشير أندريه ريمون إلى أن المنصب كان في الغالب محصورًا في بعض العائلات مثل الشبراوي ثم المحروقي فيما بعد.
حيث كان الشخص يُختار بإجماع أعضاء الطائفة، وتُصدّق المحكمة الشرعية على ذلك الاختيار. ونظرًا لأهمية الشاهبندرية لا بد أن يكون للسلطات دور في إقرار الاختيار. وكانت تقع على عاتق الشاهبندر مسؤوليات كثيرة، شأنه في ذلك شأن شيوخ الطوائف الأخرى، فكان يقوم بالتوسط في المنازعات التي تنشب بين التجار وبعضهم البعض، أو بينهم وبين السلطات. ورغم أن المنصب كان يتطلب اتصالًا وثيقًا بالسلطات فإن درجة ذلك الاتصال تفاوتت من حين لآخر؛
وقد مارس إسماعيل أبو طاقية مهام الشاهبندر باهتمام كبير، فكان يتدخل في المسائل التي تهم التجار، ويتوسط في المنازعات التي تنشب بينهم، ويشهد على معاملاتهم، فكان حاضرًا دائمًا عند الحاجة إليه. وكانوا يتوقعون مساعدته دائمًا وقت الأزمات،
وكان الشوام المقيمون بالقاهرة، وخاصة الحمصيين منهم، يدركون أهمية المكانة التي بلغها أبو طاقية بتوليه الشاهبندرية بالنسبة لهم. ولم يُخَيِّب إسماعيل أبو طاقية ظنهم، … ولعل عدم وجود تنظيم للجالية الشامية بالقاهرة جعل الشوام يعتبرون من يصل منهم إلى الشاهبندرية كبيرهم.
وعلى كُلِّ، امتدّت مكانة الشاهبندرية إلى ما وراء تلك الدوائر المحدودة؛ ففي المجتمعات الحضرية الكبيرة كان الشاهبندر يتمتع بمكانة اجتماعية تردّدت أصداؤها في ألف ليلة وليلة؛
ومن الطريف أن نرى كيف كان الشاهبندر يُستقبل عند قدومه إلى السوق كل صباح لممارسة عمله؛ فقد جرت العادة على أن يطلب نقيب السوق من التجار قراءة الفاتحة عند وصول الشاهبندر من بيته، فيصحبه التجار إلى مقر الشاهبندر ويقرئون الفاتحة أمامه، ويتمنون عليه يوما طيبا، ثم ينصرف كل منهم إلى متجره.
ولكن الإبقاء على حرفة التجارة في العائلة التي مارست الحرفة لعدة أجيال متعاقبة، تطلب وجود أبناء وأحفاد يبدؤون من حيث ينتهي دوره. ولكن إسماعيل لم ينجح في تحقيق ذلك، رغم محاولاته المستميتة، فلم يعمر مشروعه التجاري الذي كونه على مر السنين طويلا بعد وفاته؛
وكان من بين الأسباب الشخصية التي أدت إلى انهيار تجارة أبو طاقية عدم وجود ورثة من الذكور البالغين؛ فقد أنجب أبو طاقية الكثير من الأطفال، ولكن من بقي منهم على قيد الحياة كانوا إناثًا فيما عدا ولدًا واحدًا هو زكريا.
وكان قاصراً عند وفاة والده إسماعيل،
مما يدل على أن قدرة إسماعيل على النجاح في أعماله التجارية لم تكن تعود إلى مهارته في التجارة وحدها، وإنما كانت ترتكز على مواهب أخرى لم يرثها عنه زكريا.
الفَصْل الثَّالِث: هياكل التِّجارة
عندما دخل إسماعيل أبو طاقية إلى عالم التجارة في مُستهلّ حياته العملية، لم يكن بحاجة إلى التمرّس بأدوات وفنون المهنة التي يتزوّد التجار بها فحسب، بل كان يحتاج أيضًا إلى معرفة بالهياكل والمؤسسات المرتبطة بالتجارة.
وإن كانت تلك الهياكل والمؤسسات التجارية تعود إلى تاريخ أقدم بكثير من تلك الحقبة.
لقد كانت الهياكل التنظيمية التجارية متاحة لجميع المشتغلين بالتجارة، ولكن النخبة التي احتلت قمة الهرم التجاري كانت تستخدمها على نطاق أوسع؛
وكانت دمياط الميناء الرئيسي للسفن المتجهة إلى شرقي البحر المتوسط، لموقعها بالقرب من مناطق زراعة الأرز بالدلتا؛ حيث احتَلَّ الأرز مكانة هامة بين الصادرات المصرية عندئذ.
وقد أقام أبو طاقية في تلك الموانئ هياكل تنظيمية قامت بتعبئة السلع وتسليمها، وعقد الصفقات، وسداد الرسوم الجمركية، وشحن البضائع المتجهة إلى القاهرة، وغير ذلك مما يتطلبه العمل التجاري.
وقد أدار أبو طاقية تلك الشبكة التجارية من مقره بالقاهرة دون أن يُضْطَرَّ إلى مغادرتها، سواء للسفر خارج البلاد أم إلى الأقاليم الداخلية التي تعامل معها،
فهو يدلُّ على وجود تنظيم تجاري على درجة من التعقيد تفوق النظم البسيطة التي اتبعها التجار الآخرون.
وهكذا كان أبو طاقية في الواقع يدير شبكة تجارية امتدت عبر ثلاث قارات من تلك المؤسسات التجارية والمحاكم الشرعية.
ولا شك أن الحجج العديدة التي أبرمها أبو طاقية وسجلها بالمحكمة، على مدى حياته العملية كتاجر، تقدم للباحثين في التاريخ التجاري مصدراً غنيّاً حافلاً بالتفاصيل، وخاصة أنه شاع بين الباحثين حتى عهد قريب، عدم وجود أوراق تتعلق بالتجارة في الشرق الأوسط قبل العصر الحديث.
وتُبين لنا عملية التوثيق هذه على مستوى أوسع الأحكام الفقهية الإسلامية المتعلقة بالأعمال التجارية، والطريقة التي طُبقت بها في القاهرة في القرن السابع عشر. ولا يزال الجدل قائماً حول العلاقة بين الشريعة أو الفتاوى الشرعية، والتطبيق الفعلي، ويقوم معظم الباحثين اليوم بمراجعة آراء المستشرقين الأوائل الذين زعموا أن قانون المشاركة في الأعمال التجارية ليس له انعكاس على الطريقة التي مُورست بها تلك الأعمال. وتتضح تماماً من قراءة عمل المؤرخين رونالد ينجز Ronald Jennings وجاييم جربر Haim Gerber عن قيصرية وبورصة أن فقه الشريعة الإسلامية في باب المعاملات كان لا يزال مُطبقًا في الأناضول في القرن السابع عشر.
لقد أصبح الدور الذي لعبته المحاكم الشرعية في الحياة اليومية لسكان المدن، في مختلف أنحاء الدولة العثمانية، معروفاً اليوم تمام المعرفة، ولكن الدور الذي لعبته المحاكم في معاونة التجار على مزاولة نشاطهم لا يزال أقل وضوحًا. فقد كان الذهاب إلى المحكمة عملاً روتينيًا عند إسماعيل أبو طاقية، وكانت أقرب المحاكم إلى بيته، محكمة الباب العالي التي كانت أرفع المحاكم منزلة؛ لأن قاضي القضاة تولى رئاستها.
وتقدم لنا الوثائق المسجلة بسجلات المحكمة مادة غنية عن الطريقة التي أدار بها أعماله، ونرى من خلالها التطبيق العملي للإجراءات التي نص عليها فقه المعاملات وأحكامه الشرعية.
وكان باستطاعة التاجر أن يُبرم عقداً مع شريك أو عميل وفقاً لأحد المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفي، أو المالكي، أو الشافعي، أو الحنبلي، وقدمت جميع محاكم القاهرة هذه الخدمة. وكان باستطاعة التاجر أيضاً أن يلجأ إلى قاضٍ مذهب بعينه لأمر يتعلّق بحجة معيّنة، وإلى قاضٍ يتبع مذهباً آخر بحجة من نوع آخر، عندما يكون ذلك أفضل بالنسبة له، أو أكثر نفعاً لمصالحه.
كذلك هناك سبب آخر لاعتماد أبو طاقية، وزملائه من التجار الذين امتدت تجارتهم إلى مسافات وأقاليم بعيدة، على المحاكم في توثيق أعمالهم التجارية، هو صلاحية الوثائق التي تُصدّق عليها المحاكم في القاهرة للعمل بها في المدن الأخرى.
ومن بين ما يُقال عن التجارة في الشرق الأوسط – في ذلك العصر – أنه لم يكن هناك نظام لتمويل نشاط التجار؛ أي إنه لم يكن هناك ما يُقابل نظام البنوك في أوروبا الذي اعتمد عليها التجار الأوروبيون اعتمادًا كبيرًا، وهي ظاهرة قد تكون وراء العجز الذي أصاب تجارة الشرق الأوسط.
وكان ذلك يتخذ عدة أشكال نتبينها من متابعة نشاط أبو طاقية؛ كتجميع الأموال، والاقتراض، والبيع بالأجل، والمضاربة، وهي أشكال للتمويل تعدَّدت استخداماتها.
فقد كانت المضاربة تعني في المقام الأول أن يقدم أحد الأطراف ماله، بينما يقدم الطرف الآخر خبرته، ويقتسم الطرفان ما يتم تحقيقه من أرباح. وبذلك يقوم أحدهما بالتمويل، ويتولى الآخر إدارة الأعمال والسفر وراء التجارة. ولم يكن أبو طاقية مجرد ممول للنشاط التجاري؛ لأنه تولى إدارة أعماله بنفسه. وكان ذلك أحد أسباب تفضيله لصيغة عقد الشركة ،
وكان على أبو طاقية أن يوازن بين اعتبارين عند الإقدام على مشروع تجاري، شأنه في ذلك شأن غيره من كبار التجار. فكان يحرص على الإقلال من احتمالات الخسارة، واغتنام الفرصة لتحقيق أكبر قدر من الأرباح. وقد تنوّعت المخاطر التي واجهها التجار، بعضها جاء نتيجة كوارث طبيعية مثل غرق السفن المحمّلة بالتجارة أو الأموال في مياه البحر الأحمر، التي اتَّسمت الملاحة فيها بالخطورة بسبب وجود الشُّعاب المرجانية. وكان بعض تلك الصعاب يتمثل في التَّعرُّض للسلب والنهب على يد عصابات البدو على الطريق البري التي قد تتسبَّب في فقدان التجار لمعظم أو بعض بضائعهم. وهناك مخاطر الخسارة في حالة تأخُّر وصول البضائع في الوقت المناسب، أو نتيجة تعرُّضها للرطوبة بسبب التخزين.
ولم يكن من قبيل المصادفة أن يبرم أبو طاقية معظم عقود شركاته بما حملته من شروط، وفق المذهب الحنبلي، وأمام القاضي الحنبلي. فقد كان لهذا المذهب موقف خاص من الشركات؛ لأنه كان يعتبر أي بند في العقد ملزماً للطرفين ما داما قد اتفقا عليه.
والأغراض المتنوعة التي خدمتها عقود الشركات جديرة بأن نُوليها اهتمامًا خاصًّا، في ضوء حقيقة وجود كتابات كثيرة تتحدّث عن صرامة الشريعة الإسلامية، وعدم قابليتها للتوافق مع الأوضاع المختلفة. فتجربة تجار القرن السابع عشر، الذين أداروا قسطًا كبيرًا من تجارتهم داخل إطار النظام القضائي، تجعلنا نخرج باستنتاجات مختلفة تمامًا عما جاء بتلك الكتابات عن تلك المسائل؛ إذ تبين لنا الوثائق التجارية الخاصة بأبو طاقية أن النظام الشرعي القائم كان يتواءم مع مختلف الأوضاع التجارية، ولم يكن مجرد مجموعة من القوانين الصارمة المفروضة التي كانت تستهدف خنق التجارة.
غير أن النظام الشرعي لم يكن عقبة تقف في طريق العمل التجاري، بل كان على نقيض ذلك إطارًا لجأ إليه أبو طاقية وغيره من التجار، تحوّل على أيديهم إلى ركيزة للعمل التجاري.
(3) تنظيم الشَّبكة التُّجارِيَّة
لقد سعى الباحثون سعيًا حثيثًا دون جدوى بحثًا عن المنظمة أو المؤسسة التي كانت تتخصص في تنظيم التجارة تخصصًا تامًا. وليس لدينا دليل على وجود مثل تلك المؤسسات،
ولا نجد تفسيرًا للأسباب التي دعت إلى ذلك، وعدم اللجوء إلى استخدام السفتجة وهي كلمة فارسية (الكمبيالة) كأداة للتعامل بدلًا من حمل الأموال، وخاصةً أن المجتمع عندئذ كان معنيًا بتسجيل كل المعاملات كتابةً حتى إنَّ الدين كان يُنقل على الورق إلى طرف ثالث. وقد أقرّت الشريعة الإسلامية تلك التصرفات،
ولكن نظرًا لامتداد تجارة أبو طاقية إلى خارج حدود الدولة العثمانية، بل وخارج حدود دار الإسلام، فإن تلك الوثائق القانونية كانت أقل حجية هناك، ولعل التجار وجدوا أنفسهم في حاجة إلى البحث عن وسائل وأدوات أخرى لممارسة نشاطهم في تلك البلاد.
ويُعد تعامل أبو طاقية مع البندقية بالغ الأهمية؛ لأننا لا نعرف إلا القليل عن الشبكات التجارية التي أقامها التجار المسلمون في أوروبا. فمن المُسلَّم به عامة أن البنادقة تولوا نقل التجارة بين الشرق والغرب، وتبعهم في ذلك التجار الهولنديون والفرنسيون؛ ولا نعرف إلا القليل عن دور التجار المسلمين في تلك التجارة. كما أن برودل Braudel يذكر أن التجار الشرقيين بدءوا يكونون مستوطنات تجارية خاصة بهم في الموانئ الإيطالية الواقعة على البحر الأدرياتيك في القرن السادس عشر، وأنه كان هناك فندق في أنكونا للتجار الأتراك وغيرهم من المسلمين. وعند نهاية القرن السادس عشر، كانت للتجار الشرقيين جاليات بالبندقية، وفيراره، وأنكونا، وبيزا، ونابلي. ويعني ذلك أن المجال الجغرافي لعمل تجار الشرق الأوسط امتد ليشمل المراكز التجارية الساحلية في إيطاليا خلال تلك الحقبة، وهي ظاهرة بالغة الأهمية، ليس لدينا دليل على وجودها قبل العصر العثماني،
(٤) التَّبادُل التُّجاريّ وتصريف السِّلَع
وكانت الوكالات ذات المباني الضخمة والتي ما زالت تزين الشارع التجاري الرئيسي بالمدينة القديمة ذائعة الصيت لما لعبته من دور هام كمركز لتصريف السلع. وقد كان يتوسط الوكالة فناء، تحيط به الحواصل التي تُخْزَن بها البضائع، وكانت تلك الحواصل تُؤجَّر للتجار ليُودِعوا بضائعهم بها وأحيانًا كانوا يبيعونها من هناك، وفوق تلك الحواصل كانت تقع وحدات السكن، وغرفة أو غرفتان للسُّلع، أُجِرَت جميعها للراغبين في ذلك. كانت تُخصَّص لإقامة التجار الذين يأتون من بلاد بعيدة لعقد الصفقات التجارية (تجار الترانزيت).
وكثيرًا ما كان إسماعيل أبو طاقية يبيع بضاعته لأجل، وعندئذ كان يصحب عميله إلى محكمة الباب العالي لتسجيل الصفقة وشروطها في سجلات المحكمة كوسيلة لضمان حقه إذا تقاعس المشتري عن السداد،
ويبدو أن الأدوات والآليات التي وفّرتها سجلات المحاكم (الشركة التوكيل البيع بالآجل) كانت مماثلة لتلك التي وجدها جويتين في وثائق الجنيزة التي ترجع إلى القرنين الحادي عشر والثاني عشر. ويدل ذلك دلالة واضحة على الاستمرارية، رغم وجود فاصل زمني يمتد إلى ستة قرون.
ومن ناحية أخرى نستطيع تفسير طول عمر النظام التجاري الذي عمل أبو طاقية والتجار من أبناء جيله في ظله، بالمرونة التي اتّسم بها ذلك النظام، وقابليته للتوافق مع الحاجات والأوضاع المختلفة. فقد زوّدهم ذلك النظام بالأدوات الرسمية وغير الرسمية التي أعانتهم على ممارسة نشاطهم، كما كان يتلاءم مع حاجات صغار التجار والتجار المسافرين الذين مثلوا الشرائح الدنيا للمشتغلين بتلك المهنة.
الفَصْل الرَّابع: التَّحوُّل في أنماط التِّجارة
لا تتوازى الاتجاهات الاقتصادية مع الاتجاهات السياسية بصورة دائمة؛ فقد اتسم نصف القرن، الذي يربط العقود الأخيرة من القرن السادس عشر، بالعقود الأولى من القرن السابع عشر، بوقوع عدد من الأزمات السياسية التي استحوذت على اهتمام المؤرخين، مثل تمرد الجند على الباشا العثماني، وظهور قوة المماليك وتحديهم للسلطة العثمانية، وافترض المؤرخون أن التجارة قد اضمحلت خلال تلك الفترة، دون أن يبذلوا الجهد في دراستها.
فلا يعني بزوغ نجم أوروبا أن منطقة البحر المتوسط قد غطت في سبات عميق على نحو ما يزعم بعض المؤرخين ذلك لأن التجارة ظلت تحتل مرتبة الأهمية داخل العالم العثماني، ولأن العلاقات التجارية مع أوروبا كانت ذات طابع خاص.
وعلى نقيض ما يُقال عن اضمحلال التجارة والزراعة، نستطيع القول إن تلك الحقبة اتسمت بالحيوية الاقتصادية التي أصابت الكثير من القطاعات، بما في ذلك التجارة والزراعة وبعض مظاهر الإنتاج.
ويمكننا أن نقسم تلك الفترة إلى مرحلتين رئيسيتين: إحداهما مبكرة، تعود إلى أواخر الحكم المملوكي والعقود الأولى من الحكم العثماني، والأخرى وقعت في النصف الثاني من القرن السادس عشر، وحتى زمن أبو طاقية.
وارتبطت المرحلة الأولى بوقوع حدثين: أولهما ضم مصر إلى الدولة العثمانية. ذلك الحدث الهام الذي أدخل تغيراً على أوضاع التجار بالقاهرة؛ فقد تخلصوا من قبضة السلطة التي فرضت عليهم منذ القرن الخامس عشر: إذ فرض السلطان برسباي الاحتكار على التجارة في عام ١٤٣٢م، وأصبحت الدولة تتفرد ببيع وشراء بعض السلع الرئيسية من تجارة البحر الأحمر، كالفلفل وغيره من التوابل.
أما المرحلة الثانية، فاتسمت بعودة التجارة على طريق البحر الأحمر لأسباب عدة، بعد استيعاب صدمة تغلغل البرتغاليين في أسواق التوابل الآسيوية،
فقد كان قيام شركة الهند الشرقية الهولندية عام ١٦٠٠م، واندماجها مع شركات أخرى عام ١٦٠٢م، علامة على بداية مرحلة جديدة من تاريخ التغلغل الأوروبي في الأسواق الآسيوية، وبناء إمبراطورية تجارية هولندية في آسيا.
وكانت أبعد نقطة وصل إليها نشاط أبو طاقية أو الرويعي عند نهاية القرن السادس عشر، الديبل وجوا على الشاطئ الغربي للهند. وبعد ذلك بقليل، أصبح بلوغ تلك المنطقة عسيراً، حتى إذا جاء القرن الثامن عشر، أصبح التجار القاهريون لا يتعاملون مع أي بلاد تقع إلى الشرق فيما وراء جدة ومكة.
(١) اتِّجاهات تُجارِيَّة جديدة
واتخذ التغير في اتجاهات التجارة عند هؤلاء طابعين: أولهما التجارة في البن اليمني الذي أصبح الإقبال عليه كبيرًا في مصر وولايات الدولة العثمانية بعد شيوع شرب القهوة، وثانيهما تجارة السكر، وهما سلعتان زاد الطلب عليهما باطراد.
لقد أصبح تاريخ البن معروفاً بعدما كتب فيه الكثير من الباحثين.١٠ فأشاروا إلى أصوله الحبشية الأولى، وزراعته باليمن، وانتشار استخدامه في القرن السادس عشر بالحجاز ومصر، خلال المتصوفة الذين شربوا القهوة عند قيامهم بالذكر.
وقد لاحظ أحد الرحالة الأوروبيين ـــ ويُدعى هنري كاستيلا Henry Castela زار القاهرة عام ١٦٠٠-١٦٠١م وجود العديد من الحانات التي يشرب فيها الناس طوال النهار ماءً ساخناً أسود اللون ، مما يدل على أنه لم يرَ القهوة من قبل. ولاحظ يوهان فيلد Johann Wild الذي زار مصر في ١٦٠٦-١٦١٠م، أثناء وجوده في دمياط وجود ما أسماه قهوة خانات ، أي مقاه؛ حيث كان الناس يتردّدون عليها ـــ على حدّ قوله ـــ ليشربوا ماءً مغليّاً أسود اللون.
وقد أُدخلت القهوة إلى أوروبا في وقت متأخر، وكانت تُعد غريبة بالنسبة للناس. وافتتح أول مقهى في لندن عام ١٦٥٢م، وفي مرسيليا عام ١٦٧١م، وفي باريس ١٦٧٢م،
إلا أن عادة شرب القهوة لم تنتشر في أوروبا إلا في أواخر القرن السابع عشر. وقام التجار من أبناء جيل أبو طاقية بتشجيع الاستهلاك المحلي للبن عن طريق بناء المقاهي،
وقد أقام أبو طاقية مقهى في وسط المدينة عندما قام بالاشتراك مع الدميري ببناء الوكالتين الخاصتين بهما. كما أنشأ أحمد الرويعي مقهى بالأزبكية،
تقودنا الدراسة الدقيقة للمعلومات الخاصة بهذا النشاط إلى إلقاء الضوء على المظاهر الخاصة بعلاقة الدولة والطوائف بالإنتاج.
لقد كان السكر من أهم الأنشطة الاقتصادية في الفترات السابقة على الحقبة موضوع الدراسة؛ أي قبل الفتح العثماني لمصر؛ إذ كان القصب يُزرع في الصعيد والدلتا، وقام عديد من معامل تكرير السكر بالفسطاط ثم بالقاهرة (فيما بعد)، وببولاق. وكان السكر الذي ينتج في مصر بمختلف أنواعه يحظى بشهرة كبيرة في الأسواق العالمية، ويزيد الطلب عليه في أوروبا.
وكان أبو طاقية على يقين أنه كلما امتدت شبكته التجارية تكاثرت أرباحه،
كما شغلته مشاكل النقل والتخزين التي احتاجها ذلك المشروع الاستثماري، الذي جره إلى الزراعة والإنتاج الصناعي، مما يعد تحولاً كبيرًا في مجرى نشاطه؛ لأن تجارة السكر جعلته يهتم بزراعة القصب، وصناعة السكر، وأسواق التصدير، اهتمامًا تداخلت فيه تلك المراحل مع بعضها البعض، مما يعني تدفق رأسماله على تلك المجالات الثلاثة، وارتباطه بالاقتصاد المصري بشتى قطاعاته، ومختلف مظاهره.
كما أن السكر ظل يعد من السلع الكمالية في أوروبا حتى مطلع القرن السادس عشر، على نحو ما يذهب إليه برودل، واقتصر بيعه على الصيدليات لمداواة المرضى، وعُدَّ من الهدايا القيمة التي تقدم للأمراء وعلية القوم. ثم أخذ استهلاك السكر في الانتشار حتى أصبح متوفرًا على جميع الموائد في بلاد أوروبا.
وكان اهتمام التجار بالاستثمار في الزراعة يعني أن تجارتهم تداخلت مع الإنتاج، وأنهم كانوا يستثمرون أموالهم في إنتاج محصول يعلمون أن الطلب عليه يتزايد في الأسواق العالمية، وهي ظاهرة يزعم بعض المؤرخين أنها لم تحدث في مصر إلا على يد محمد علي باشا نتيجة الاتصال بالغرب، وجاءت المبادرة في هذا الاتجاه من جانب الدولة.
وكان ما ينتج بالريف يُعرف بالسكر الخام، وهو نوع يستهلك محلياً ويُصدر بعضه للخارج. ولكن السكر المكرر كان أجود نوعاً وأغلى ثمناً، ولا ينتج إلا بالقاهرة، ولعله كان النوع المُستخدم بالقصور السلطانية في إسطنبول.
ورغم أنه لا تتوافر لدينا معلومات كافية عن مدى اتساع حجم هذا النشاط في مصر، يدعونا وجود هذا النمط الإنتاجي، وما له من مغزى، إلى أن نعيد النظر في قضية التصنيع في عصر محمد علي باشا، لنرى ما إذا كانت انقلاباً أو تطوراً؛
كما أن التغيرات التي أدخلها محمد علي على الاقتصاد بربط عرض المحاصيل الزراعية بالطلب في السوق الأوروبية، أدت إلى إيجاد رابطة أوثق مع اقتصاد أوروبا على حساب العلاقات التجارية مع اقتصاد العالم العثماني، وقد أدت هذه العملية إلى خلق اقتصاد هامشي في مصر بعد منتصف القرن التاسع عشر سيطرت عليه المصالح الرأسمالية الأوروبية المتنامية.
ورغم أن تجارة مصر خلال تلك الفترة كانت تصبّ في إطار اقتصاد العالم العثماني، لا زال باستطاعتنا أن نجد الدليل على وجود تطور ملحوظ في التجارة مع أوروبا، التي نلمح بعض مظاهرها في العلاقات التجارية مع البندقية؛
وشاع امتلاك السلاطين لمعامل تكرير السكر وتجارته. فكانوا يستثمرون في مجال أرباحه مضمونة وكبيرة. وعندما اختفى أولئك الحكام من المسرح السياسي، وحل محلهم العثمانيون، لم يهتموا بالاستثمار في ذلك المجال.
فقد قام ذلك النشاط الهام على أكتاف جماعة من التجار المحليين، ولم يقم به الحكام.
وكان شيخ الطائفة يتولى تدبير الكميات التي تطلب الدولة شراءها، ويتابع التزام أعضاء الطائفة بالتوريد، الذي كان يتم بنفس أسعار السوق، على نحو ما تبينه معاملات أبو طاقية مع الموظفين العثمانيين الذين كلفوا بالشراء.
وكما حدث بالنسبة لتجارة التوابل التي احتكرها سلاطين المماليك، أدى سقوط الدولة المملوكية إلى بروز دور التجار وممارستهم للنشاط بحرية أكبر من ذي قبل.
فتوضّح الدور الذي لعبه التجار في تغيير الأنشطة الاقتصادية من ناحية، وأن منطقة البحر المتوسط قد ظلت مركزًا نشطًا للتجارة الدولية من ناحية أخرى.
وكانت التغيرات التي أدخلها إسماعيل أبو طاقية وغيره من أساطين التجار، تغيرات جاءت من داخل النظام وليس من خارجه، فلم تأت نتيجة لتأثير أوروبي أو تنفيذًا لأوامر الدولة العثمانية.
وقد ساهمت جهود نخبة تجار القاهرة في جعل إنتاج السكر المصري يُغطي حاجة الأسواق العالمية طوال القرن التالي تقريبًا.
فنلاحظ امتداد تلك الظاهرة إلى القطن والكتان، اللذين كانا يُزرعان بكميات كبيرة لسد حاجة صناعة المنسوجات، التي بلغت درجة كبيرة من التطور. وكما رأينا كانت المنسوجات المصرية تُصدر بكميات كبيرة إلى الأناضول وأوروبا. وحتى منتصف القرن الثامن عشر، كانت مصر تُصدر كميات كبيرة من التيل إلى فرنسا؛ حيث كانت تُوزّع من هناك في البلاد الأوروبية الأخرى.
كذلك استمرّ إنتاج المنسوجات لفترة طويلة من القرن الثامن عشر – من الصناعات التي اشتغل بها العديد من الحرفيين، وكان النساجون من أغنى الحرفيين بالقاهرة. وظلّ السكر والمنسوجات يُمَثّلان معظم الصادرات إلى الولايات العثمانية وغيرها من البلاد.
الفَصْل الخامس: التَّركيب الاجتماعي
(۱) التَّغيُّرات الأساسِيَّة والهامشِيَّة
كان للمركز المالي الذي بلغه أبو طاقية نتيجة ارتباطه بتجارة البحر الأحمر، وما اتصل به من الاشتغال بصناعة السكر، انعكاساته على الصعيد الاجتماعي؛ إذ أخذ وضعه الاجتماعي يَتَدَعَّم تدريجياً حوالي العقد الثاني من القرن السابع عشر، متخذاً شكل روابط أقامها مع أناس كانوا يُشكلون جانباً من بنية السلطة. ونتيجة لتلك الروابط وجد أبو طاقية نفسه طرفاً في التغيرات التي لحقت بالتوازن السياسي، شأنه في ذلك شأن غيره من أساطين التجار، وهو تغيّر لم يَدُرْ يوماً بخلدهم.
فعاصر والده حكم السلطان سليمان القانوني (المتوفى عام ١٥٦٦م)، الذي ربما كان أكثر السلاطين سيطرةً على هيكل السلطة بالدولة، والذي ساعدت انتصاراته العسكرية على مد رقعة الدولة.
نتيجة الصراع بين السلطات العثمانية والجماعات العسكرية العثمانية، لا في مصر وحدها، ولكن في سائر ولايات الدولة العثمانية. فكانت تلك الحقبة حافلة بالاضطرابات الاجتماعية والسياسية في مصر وغيرها من بلاد الدولة العثمانية.
ويُشير الكتاب القديم الذي ألفه ستانفورد شو Shaw عن الإدارة العثمانية في مصر، إلى أن الجماعات العسكرية المختلفة قامت بتقوية سلطتها عن طريق السيطرة على المصادر الرئيسية للثروة بالحصول على الالتزامات الحضرية والريفية، وهي عملية تدرجية كانت بدايتها حول تلك الفترة، وبلغت ذروتها في القرن الثامن عشر.
غير أن تقديم تقييم واقعي لدور التجار في الحياة العامة وصراع السلطة أصبح ممكنًا على ضوء المادة التي توصلنا إليها من سجلات المحكمة الشرعية، وهو في واقع الأمر دور على درجة عالية من الحيوية؛
فلا تُقدم لنا الأدلة الوثائقية المتعلقة بأبو طاقية ومعاصريه من أساطين التجار صورة التجار الذين يَستبّد بهم الخوف مما قد يلحق بثرواتهم، بل يبدون ـ على نقيض ذلك ـ في غاية الراحة، يعرضون على الملأ نتائج نجاحهم في أعمالهم، ويجهرون بما يُنفقون من أموال، ويستثمرون أموالهم في مختلف مجالات العمل؛
ورغم أنَّ التجار لم يلعبوا دورًا نشطًا في الصراع على السلطة الذي دارت رحاه بين السلطات العثمانية والجماعات العسكرية المحلية،
إلا أنهم لم يكونوا مجرّد مراقبين سلبيين للأحداث التي تبلورت صورتها في تلك الأيام. وعلى النقيض تمامًا، يمكن القول إنَّ تأييد التجار لطرف أو آخر كان يقلب توازن القوى لصالحه، مما جعل الأطراف المتصارعة تأخذ في اعتبارها الوزن السياسي والاجتماعي للتجار.
وفي المقابل، كان السلاطين يلجئون إلى التجار لتمويل حملاتهم العسكرية.
فقد استطاعت عائلات النخبة التجارية من أمثال أبو طاقية، والرويعي، والدميري، ويغمور، والشجاعي، والعاصي أن تُكوّن ثروات طائلة من نشاطها التجاري، جعلت منها قوة اقتصادية.
وبعبارة أخرى … لم يقتصر دور التجار على تلبية حاجات الحكام، بل تعاملوا معهم كجماعة لها شخصيتها المستقلة.
كان وضع التجار بالنسبة للسلطة زمن أبو طاقية يمتاز بوجود تبادل للمصالح لم يُحطَّ به التجار قبل ذلك بقرن من الزمان، وحتى لو كانت العلاقة غير ندية، فقد تمتع التجار بقدرة على المساومة وفرَّتها لهم ثرواتهم المادية التي استخدموها كسلاح للمساومة حول التوصل لاتفاقات مع الحكام، فيوفّقون أحياناً إلى ما فيه مصلحتهم، ويُخفقون أحياناً أخرى، ولكنهم في كلا الحالين لم يلعبوا دور التابع للسلطة السياسية.
ويذهب بعض المؤرخين إلى أن التجار الأثرياء كانوا يتجهون إلى إخفاء مظاهر الثراء، حتى لا يلفتوا أنظار الحكام إليهم ويتعرضوا للمصادرة، ولكن لا يبدو ذلك صحيحًا بالنسبة لنخبة التجار في تلك الحقبة؛ … وبذلك كانوا أندادًا للحكام من الناحية الاجتماعية، مما مكنهم من إقامة علاقات ندية مع أفراد الطبقة العسكرية الحاكمة.
ولا عجب أن نجد إسماعيل أبو طاقية ـ في العقدين الأخيرين من حياته ـ وقد أحاط نفسه بمظاهر الحياة الأرستقراطية القاهرية، وكان قد أصبح شاهبندر التجار، مما ارتقى بمكانته الاجتماعية. فأقام في بيت كبير مليء بالأتباع والعبيد والخدم والحشم، واستخدم مباشرًا لتولي مهمة ضبط حساباته. وكانت عائلته الكبيرة: بزوجاته وجواريه وأبنائه، تكمل مظاهر الأبهة الاجتماعية، وبيته الكبير كانت تتوفر فيه وسائل الراحة والخدمة، ويؤمّه الزوار من علية القوم، الذين يستقبلون في بهو كبير تزينه أعمدة من الرخام الملون، يُضاء مساءً بشمعدان فضي، ويقدم لهم الطعام في أطباق من خزف أزنيك (ورد ذكرها في وثيقة التركة عند وفاته)، ويقف على خدمتهم عدد كبير من الخدم والعبيد. وبذلك بدا التجار أندادًا للحكام، وإن لم تتوفر لهم السلطة السياسية أو القوة العسكرية؛ إذ كانت العلاقات الاجتماعية سبيلًا للاتصال بذوي السلطة، يعود نفعها على التجار أحيانًا.
فالثقافة التي انتسب إليها أبو طاقية تسمح بالتباهي بالثروة لمن كانوا في مثل وضعه الاجتماعي (من باب التَّحدُّث بنعمة الله)، ويوضح ذلك العلاقة الوثيقة بين الثقافة والطبيعة الاقتصادية؛ فالعوامل الثقافية قد تلعب دورًا حيويًا حتى في المواقف المتصلة بالمصالح المادية. وبنفس القدر لعبت المثل البروتستانتية كعامل ثقافي، دورًا في تطور الرأسمالية في أوروبا، مما يجعلنا نرى بُعدًا ثقافيًا يُضفَى على التوجه الاقتصادي للتجار.
وكانت جماعات السلطة الرئيسية التي ارتبط بها أبو طاقية، ورفاقه التجار هي كبار رجال الإدارة العثمانية: كالباشا وقاضي القضاة. ولعل الباشاوات العثمانيين في النصف الثاني من القرن السادس عشر كانوا ينافسون أبو طاقية في تجارته؛
وإلى جانب منافسة الباشاوات للتجار، كانوا يقومون أحيانًا باستخدام صلاحياتهم لدعم المشروعات التجارية الناجحة الخاصة بهم. ونظرًا لصعوبة الاختصام معهم أيام المحكمة، فإن مركز التجار كان أضعف منهم، في حالة وقوع نزاع يتطلب اللجوء إلى القضاء.
وكان الباشاوات يمارسون التجارة أحيانًا من خلال الوكلاء، ولجئوا أحيانًا أخرى إلى التجار ذوي الخبرة والشبكات التجارية الممتدة إلى المراكز التجارية الرئيسية، لتصريف أمورهم التجارية.
ولكن هذه العلاقة لم تتسم بالندية، كما كانت الحال في صيغة عقد الشركة. ويبدو أن التاجر كان عرضة لتحقيق أرباح أقل عند مشاركته لأحد كبار رجال السلطة في التجارة.
ومن الصعوبة بمكان معرفة ما إذا كان للتاجر حرية الاختيار للدخول في علاقة تجارية مع الباشا إذا ما طلب منه ذلك. وربما كان التاجر لا يعدم مخرجًا إذا لم يكن يرغب في التعاون مع الباشا. كما أنَّ التاجر الذي يدخل في علاقة عمل مع الباشا يسعى لتجنب الوقوع تحت سيطرته، ويُحاول أن يُحقق لنفسه قدرًا من الفائدة؛ فالعلاقة الوثيقة بالسلطة قد ترقى بمكانته وتدعم مركزه، باعتباره شريكًا تجاريًّا للباشا، كذلك توفر مثل هذه العلاقة الحماية للتاجر من المصادرة إذا أحسن تدبير أمره مع الباشا.
وعندما دخل أبو طاقية دائرة الاتصال بالحكام العثمانيين، أصبح مُنغمسًا في سلسلة من المجاملات والخدمات المشتركة، كانت في الأغلب لا صلة لها بالتجارة، أو بأي فائدة مادية مُباشرة؛ فقد طلب منه قاضي القضاة ذات مرة أن يُحوّل له مبلغًا من المال إلى أحد أقاربه بإستانبول من خلال وكيل أبو طاقية هناك.
ولا شك أن الخدمات التي كان باستطاعة قاضي القضاة أن يقدمها لأبو طاقية تفوق الحصر، إذا وضعنا في اعتبارنا اتصاله المباشر بالمحكمة وخاصة محكمة الباب العالي.
وعلى حدّ تعبير أولئك التجار في تقرير رفعوه إلى شركة الهند الشرقية الهولندية جاء الباشا إلى اليمن فقيراً، وغادرها ثرياً. وعند وفاة أبو طاقية، كان فضلي باشا من بين المدينين له بالمال.
ربما كان أبو طاقية يمد الباشا بالبضائع المصرية التي يزيد الطلب عليها في الأسواق الشرقية،
وكان ابتزاز ملتزمي الجمارك للتجار أمراً تؤكده المصادر،
فيذكر أن ملتزم الجمرك سأل التاجر الفارسي (الذي كان فيلد بصحبته) عن محتويات شحنته، ولم يقتنع برد التاجر الذي أقر أن بضاعته من الفلفل. واتهمه بأنه يخفي في الزكائب الأحجار الكريمة واللؤلؤ. وقام بفتح الزكائب، رغم اعتراض التاجر، وسكب محتوياتها من الفلفل لكنه لم يعثر داخلها على أحجار كريمة أو لؤلؤ. غير أن هذه المضايقات لم تذهب سدى، فقد لجأ التاجر إلى المحكمة مدعياً أن بضاعته قد أصابها التلف نتيجة تصرف ملتزم الجمرك، فتم إلزام الملتزم بتعبئة الفلفل ودفع غرامة جزاء ما فعل. والحادثة التي رواها فيلد بالغة الأهمية؛ لأنها تشير إلى حدود سلطات ملتزم الجمرك، كما تبين مرة أخرى دور المحاكم في مثل تلك القضايا.
غير أن التجار الذين كان لهم وزن اجتماعي واقتصادي كبير دخلوا في علاقات حيوية مع ملتزمي الجمارك لمصلحة هذا الطرف أو ذاك. ومقابل عدم التعرُّض للمضايقات والابتزاز، شارك أبو طاقية بعض ملتزمي الجمارك في تجارته؛
وتشير سجلات المحكمة الشرعية إلى أن إسماعيل أبو طاقية أقرض ملتزمي الجمارك مبالغ كبيرة من المال.
وقد جاء تسجيل تلك المعاملات بالمحكمة ليُعطيها بعدًا قانونيًّا يوفر الضمان للتاجر. ولكن مُلْتَزِمِي الجمارك لم يُعْدِموا السبيل للضغط على التجار من أجل الحصول على مكاسب أكثر خارج الإطار القانوني؛
ومن بين الأبعاد الحيوية لعلاقة التجار بمُلتزمي الجمارك، توسيع الشبكات التجارية، وهو من الأبعاد التي خَدَمت مصالح الطرفين في مختلف الاتجاهات.
فاستطاع أبو طاقية أن يصل بتجارته إلى البندقية من خلال الوكلاء اليهود لملتزمي الجمارك فتعامل من خلالهم مع الأسواق الأوروبية؛ إذ لعب اليهود دورًا بارزًا في التجارة بين الدولة العثمانية والموانئ الإيطالية عامة، والبندقية خاصة خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر.
وهناك مجال آخر لانتفاع التجار من علاقتهم بملتزمي الجمارك تمثل في الامتيازات الأجنبية التي منحتها الدولة العثمانية للدول الأوروبية، وتمتع بمقتضاها التجار من رعايا تلك الدول بتسهيلات جمركية في الموانئ العثمانية. وكانت الامتيازات التي حصلت عليها الدول الأوروبية في القرن السادس عشر والعقود الأولى من القرن السابع عشر، تعطي تجار تلك الدول كالفرنسيين والإنجليز مثلا حق سداد عوائد جمركية أقل قيمة من تلك التي كان يدفعها التجار الوطنيون.
وساعدت ظروف عدة على قيام صلات مباشرة بين أبو طاقية والمماليك والعسكر من رجال الأوجاقات ممن كانوا من ملتزمي الأراضي الزراعية، الذين كان باستطاعتهم أن يمدوا التاجر بما يحتاجونه من المحاصيل الزراعية كالأرز وقصب السكر.
كان للعسكر دور في الإشراف على الجمارك،
وكان من بين مظاهر الصراع الذي دار بين العسكر والوالي العثماني، الصراع على التحكم في الموارد المالية للولاية، وخاصة الالتزام. وكان على الملتزم أن يدفع سنويًا مبلغًا من المال لبيت المال حتى يحصل على التزام مقاطعة بعينها.
وتميّزت تلك الأوضاع بالاستقلال هيكليًا عن السلطة الحاكمة كقوة اقتصادية واجتماعية معًا، فلم يكونوا أدوات في يد السلطة تُحرّكهم وفق هواها. وكونوا فئة أصبحت قوة اجتماعية اقتصادية يُعتدُّ بها وبحسب حسابها، فلعبوا دورهم على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي.
وكانت مكانتهم الاجتماعية والاقتصادية ركيزة المساومات التي دارت بينهم وبين مختلف قوى السلطة لتحقيق أهدافهم.
وكل ما نستطيع الخروج من القرائن التاريخية المتاحة لنا؛ أن قوة التجار كانت ترتكز على أساس فردي إلى حد كبير، وأنهم حققوا الكثير من أهدافهم بجهد فردي وليس من خلال الطوائف،
ولعلّ المكانة المرموقة التي احتلها الشاهبندر تعود إلى تلك الحقبة؛ فقد كان هناك دائمًا تنظيم هرمي يجمع التجار ويترأسه عضو بارز من أعضائه، نعلم بوجوده منذ عصر سلاطين المماليك.
تدفعنا هذه الاستنتاجات إلى ضرورة إعادة النظر في بعض الآراء التي أثيرت حول مجتمع تلك الحقبة باعتباره مجتمعًا ينقسم إلى مجموعتين: الحكام، والرعية، ويعني ذلك أن العلاقة بينهما كانت تسير في اتجاه واحد،
الفَصْل السَّادِس: تشكيل المَعَالِم الحَضَرِيَّة للقاهرة
كانت القاهرة زمن أبو طاقية مدينة متعددة المستويات؛ فهي أكبر مدن الدولة العثمانية بعد إسطنبول، يعيش فيها مجموعة متنوعة من الناس بمختلف شرائحهم الاجتماعية، جاءوا من الولايات العثمانية المجاورة كالشام، أو من بلاد أفريقية بعيدة، عاشوا فيها أو مرّوا بها.
كذلك كان أبو طاقية باعتباره تاجراً، يعيش في أحد المراكز التجارية الكبرى في زمانه؛ حيث كانت القاهرة مركز نشاطه التجاري لأنها تقع عند نقطة التقاء عدد من الطرق التجارية الرئيسية، وكانت مركزاً هاماً للتبادل التجاري،
وعلى طول ذلك الطريق، والشوارع المجاورة له، وقعت أكبر الوكالات التجارية والحانات التي مارس فيها كبار التجار نشاطهم. وكان الكثير منها يعود إلى أيام سلاطين المماليك؛ قايتباي، والغوري، وبرسباي،
وكانت القاهرة أيضاً مركزاً دينياً كبيراً، رغم تأثُّر وضعها كمركز هام للدراسات الإسلامية بعد ضم مصر إلى الدولة العثمانية؛ فقد حلَّت إستانبول محلها في هذا المجال بمعاهدها العلمية التي اجتذبت أفضل العلماء والطلاب، ولا نعرف إلا القليل عن صلات التجار عامة وأبو طاقية خاصة بالحياة الدينية في القاهرة. وإن كانت معظم المنشآت المعمارية الدينية الكبرى تقع في المنطقة التي زاولوا فيها نشاطهم بما في ذلك الأزهر، الجامع والمركز العلمي الكبير الذي ارتبط به الكثير من علماء ذلك الزمان، وكذلك بعض الزوايا الصوفية.
ولكن المنشآت الدينية التي أقامها أبو طاقية تُشير إلى انتمائه إلى طريقة صوفية أخرى هي السادات الوفائية التي كانت إلى جانب البكرية من أرفع الطرق الصوفية.
لذلك كله، كان أبو طاقية قاهري الانتماء؛ لأن القاهرة ظلت مركز نشاطه وموطن مصالحه طوال سنوات عمره. … فساهم في تشكيل معالمها الحضرية، وترك بها أثرًا معماريًا حمل اسمه على مر الأجيال.
(۲) دور التُّجَّار في التَّنمية الحَضَرِيَّة
ونستطيع أن نضع تلك المساهمة في سياق أوسع مدى؛ فتحليل العلاقة بين التجار من جيل أبو طاقية والتطور العمراني للمدينة، يقودنا من ناحية أخرى إلى التغير في العلاقة بين الدولة والمجتمع. عندما نرى التجار يقومون ببعض الأعمال التي كانت وقفًا على الحكام.
وكان أبو طاقية ممثلاً لتيار سَريّ بين التجار من أبناء جيله، رمى إلى ترك أثر بارز على التطور الحضري للقاهرة. كما وقع على عاتق التجار من ناحية أخرى تطوير البنية الأساسية اللازمة لاستيعاب التجارة المتزايدة في الحجم، مما يعني تحملهم نفقات مالية كبيرة. ويُمكننا أن نتصوّر الطريقة التي لجأ إليها التاجر لموازنة الاعتبارات المتناقضة أحيانًا عند اتخاذ قرار من هذا النوع، للاستثمار في بناء خان أو وكالة، بدلاً من استخدام المال في توسيع تجارته.
كذلك خلد التجار أسماءهم من خلال الشوارع التي لا تزال تحمل تلك الأسماء، مثل شارع أبو طاقية، أو الأحياء مثل حي الرويعي الذي يعد اليوم من المناطق التجارية الكثيفة النشاط التي تُباع فيها الأدوات والمنتجات المصنوعة من الألومنيوم.
وثمة تفسير آخر يتمثل في أن مدن الشرق الأوسط كانت مقصد النازحين من سكان الريف عندما تضيق بهم سبل العيش. كما أن الحصول على الغذاء عند وقوع المجاعات كان أيسر بالمدن؛
وكانت المجاعات كثيرة الحدوث لاعتماد البلاد على فيضان النيل، فإذا ضنّ النيل بمائه وقعت المجاعة.
لقد حدثت تطورات عمرانية ملحوظة زمن أبو طاقية، ونظراً لأن معظم تلك التطورات حدثت على يد التجار، وكان الكثير من المنشآت المعمارية الهامة يقع في المنطقة التجارية بالمدينة، نستطيع أن نربط بين النمو العمراني للقاهرة وتوسع تجارتها، على نحو ما حدث من ربط بين التوسع العمراني والتجارة في المدن التجارية الأوروبية …
ويُدحض النمو العمراني للقاهرة في تلك الحقبة الفكرة القائلة بأن المنطقة شهدت اضمحلالاً بعد وفاة السلطان سليمان عام ١٥٦٦م. ويعني ذلك أن تاريخ الاستغلال العسكري لا يُواكب بالضرورة التاريخ الاقتصادي أو التجاري.
ومن بين العوامل المباشرة لبروز دور التجار في مجال العمران الحضري في تلك الحقبة بالذات، وجود فراغ نشأ عن غياب دور سلاطين المماليك والباشوات العثمانيين الذين كانوا يساهمون في هذا المجال من قبل.
وبعد اختفاء دولة المماليك، أخذ ولاة مصر من الباشاوات العثمانيين على عاتقهم مهمة إقامة العمائر، ولكن جهودهم انصرفت إلى الموانئ
وثمةَ عاملٌ آخرَ، سمحَ للتجارِ من جيلِ أبو طاقيةَ أنْ يستثمروا بعضَ أموالِهم في العمرانِ الحضريِّ، هوَ أنَّهم لم يتورطوا تورطًا مباشرًا في صراعِ السلطةِ بينَ الفئاتِ العسكريَّةِ وعناصرِ الإدارةِ العثمانيةِ، ولم يؤيِّدوا علنًا طرفًا من أطرافِ الصراعِ ضدَّ غيرِهِ.
كما كانت لديهم أسبابٌ أخرى للاستثمارِ في العمرانِ، فامتلاكُ وكالةٍ أو مصنعٍ أو ربعٍ يُدِرُّ على التاجرِ دخلًا منتظمًا مما يقومُ بتحصيلِهِ من إيجارِ تلكَ المنشآتِ، وكان ذلكَ النوعُ من الاستثمارِ مطلوبًا بصفةٍ خاصةٍ في الأوقاتِ التي تتذبذبُ فيها قيمةُ العملةِ. والواقعُ أنَّ زمنَ أبو طاقيةَ شهدَ تحولاتٍ نقديةً هامةً، ففي بدايةِ حياتِهِ العمليةِ كانتِ العملةُ الشائعةُ الاستخدامِ هي الدينارُ الذهبيُّ المعروفُ بالشريفيِّ (يُساوي ٤٠ نصفًا) وإلى جانبِهِ عملةٌ فضيةٌ محليةٌ هي النصفُ. وعندَ وفاةِ أبو طاقيةَ، أصبحَ الدينارُ الشريفيُّ عملةً نادرةَ الاستخدامِ، وحلَّ محلَّهُ القرشُ الفضيُّ (يُساوي ٣٠ نصفًا)، ولعلَّ التحولَ من الذهبِ إلى الفضةِ وما صاحبَهُ من أزمةٍ نقديةٍ، أدَّى إلى حالةِ عدمِ استقرارٍ نسبيٍّ في أسعارِ العملةِ، ولم يكنْ من الحكمةِ الاحتفاظُ بمبالغَ نقديةٍ كبيرةٍ لفترةٍ زمنيةٍ طويلةٍ حتى لا تتناقصَ قيمتُها؛ ومِن ثَمَّ كانَ الاستثمارُ في العمائرِ الحضريَّةِ يميلُ إلى الزيادةِ في مثلِ تلكَ الأزماتِ.
وإلى جانبِ ذلكَ، كانتْ ملكيةُ العقاراتِ الحضريَّةِ وسيلةً لتنويعِ الأصولِ والحمايةِ من المصادرةِ؛ إذْ كانتِ الحكومةُ تميلُ إلى مصادرةِ الأموالِ عندما تتَعَثَّرُ أحوالُها الماليةُ،
كانَ أبو طاقيةَ قد فرغَ لتوهِ من بناءِ وكالتهِ الثانيةِ التي كلَّفتهُ الكثيرَ من المالِ، … أوقفَ أبو طاقيةَ وكالتيْهِ ليقيَ نفسَهُ خطرَ المصادرةِ.
وكان وقف الأملاك يحميها من المصادرة؛ لأن الشريعة كانت تحرم ذلك.
ويجب أن نفهم هذه الظاهرة في سياق المجتمع الحضري الذي يلعب فيه الأفراد ـــــ وليس الدولة أو الحكومة ـــــ دورًا هامًا في إقامة المنشآت العامة بدافع إحساس الأثرياء بالمسؤولية تجاه تنمية البنية الأساسية للمجتمع الحضري. ولكن الأمر لم يخلُ من المنافع التي عادت عليهم من جراء ذلك.
فبناء مسجد أو كُتَّاب أو مدرسة أو سبيل يقوم دليلاً على النجاح ويُعبّر عن الثراء، مما يؤدّي إلى تدعيم وجاهته وتألّقه الاجتماعي، ويُساعد ـــــ بطريق غير مباشر ـــــ على توسيع مجال نشاطه.
فبعد وفاته بسنوات طويلة، ظلت الأجيال المتعاقبة من القاهريين تذكره من خلال ما أقامه من آثار معمارية،
ولعل عدم كفاية الوكالات التجارية القائمة عندئذٍ لتلبية حاجات التجار، كان في طليعة تلك الأسباب، مثل عجز الوكالات القائمة عن توفير المساحات اللازمة لتخزين البضائع في المواسم التي تبلغ التجارة فيها ذروة النشاط،
وتشير المصادر الوثائقية إلى أن سبع وكالات على الأقل قد تمّ بناؤها في العقود الزمنية الواقعة بين نهاية القرن السادس عشر وبداية القرن السابع عشر،
ولا ريب أن إقامة الوكالات بما لها من وظائف تجارية متعددة، وما تتسم به من اتساع وضخامة في الحجم، دليل هام على ما بلغته أحوال التجارة من ازدهار في نصف القرن الذي يقع بين نهاية القرن السادس عشر وبدايات القرن السابع عشر، ذلك الازدهار الذي جعل إقامة الوكالات الجديدة أمرًا مطلوبًا.
كذلك درّت الوكالات دخلاً على أصحابها من تأجير الحوانيت المحيطة بها وأماكن السكنى بطوابقها العليا؛
وحتى يحصل الشريكان على الأرض اللازمة لبناء الوكالتين كان عليهما إقناع عدد كبير من سكان الشارع بترك منازلهم، والانتقال إلى مكان آخر بالمدينة، حتى يتم هدم تلك المنازل وإعداد الأرض للبناء.
وحصل أبو طاقية وشريكه على إحدى عشرة قطعة من الأرض شَكَّلت المساحة التي قامت عليها الوكالة الكبرى التي تم بناؤها عام ١٦١٩م. وبذلك استغرق الأمر زمنًا طويلاً للتفاوض على شراء الأراضي وإقناع أصحابها بالبيع أو التنازل عن المساحات المستأجرة الواحد تلو الآخر،
وسارع التجار مثل الرويعي باستئجار ما يلزمهم من الحواصل على الفور؛ حيث توفرت بالوكالتين مرافق لخدمتهم وخدمة زبائنهم: كالمسجد، والمقهى، والسبيل الذي كان يقع على ناصية الوكالة الكبرى.
والواقع أنَّ الشارع أصبح يُعرف بشارع وكالة أبو طاقية.
وبعبارة أخرى، أصبح اسم أبو طاقية مرتبطا لأمر ما بهذه المنطقة، وطوي اسم الدميري في عالم النسيان. ولا نستطيع إزاء ذلك إلا تقديم بعض الافتراضات، فلعل ذلك يرجع إلى أن أبو طاقية كان الشاهبندر،
ورغم وجود حمام خاص في بيت أبو طاقية، إلا أن ذلك لم يمنع أفراد الأسرة، رجالًا ونساءً، من ارتياد حَمّام السلطان إينال، وهو حَمّام عام يقع بالقرب من البيت.
وبعبارة أخرى، كانت الإقامة بوسط المدينة، أفضل من السكن بالحارات السكنية المُغلقة؛ حيث توفرت المرافق العامة الكثيرة لخدمة سكان القاهرة على مقربة من المنطقة.
وكان السبب المباشر لذلك وقوع سلسلة من الأحداث دفعته للبحث عن بيت آخر يقيم فيه خارج منطقة وسط المدينة، تجنباً للاضطرابات التي كانت تقع من وقت لآخر، وتعكر صفو المنطقة. ففي عام ١٥٨٦م حدثت فتنة عسكرية أثارتها قرارات عويس باشا بإنقاص رواتب العسكر لمواجهة العجز في الموارد المالية. وترتب على ذلك وقوع أعمال عنف بالطرق أصابت الناس بالذعر والقلق، دارت بعض جوانبها ذات مرة بالقرب من بيت أبو طاقية؛ إذ قصف الجند بيت القاضي الذي كان مقراً لمحكمة الباب العالي التي كان إسماعيل يكثر من التردد عليها.
ولعل تلك الحوادث دفعت التجار من أمثال أبو طاقية إلى إقامة بيوت أخرى لهم على مساحة معينة من وسط المدينة، ينتقلون إليها بعائلاتهم عند وقوع الاضطرابات.
واختار إسماعيل موقعاً لبيته على ضفة بركة الأزبكية في الجانب الشمالي الغربي من القاهرة، … فكانت تلك البرك تمتلئ بالماء وقت الفيضان، وتتحول إلى منطقة يتنزه فيها سكان القاهرة للاستمتاع بالحدائق والحقول المحيطة بها، والتنزه بالقوارب على صفحة الماء حاملين معهم طعامهم وآلات الطرب.
وكان أكثرها ما أقامه أحمد الرويعي الذي بنى مسجدًا وكُتّابًا وسبيلًا، وحمّامًا، بالإضافة إلى عدد من الورش الحرفية في الحي الذي لا يزال يحمل اسمه حتى اليوم، وتعد منشآته ذات أهمية كبيرة كنواة لذلك الحي الذي تقع شمال غربي المدينة.
فقد أعقب اختفاء سلاطين المماليك فترة من التنمية العمرانية قام بها بعض الباشاوات العثمانيين، ونجم عن ذلك اتجاه سكان القاهرة إلى المساهمة الفعالة في تطوير البنية الأساسية للمدينة.
ولكن المغزى الاجتماعي لتلك المنشآت المعمارية كمساهمة من الفئات الاجتماعية الصاعدة من التجار الأثرياء في عمران المدينة، وما تمثله تلك المساهمة من دليل مادي على هذه الظاهرة الاجتماعية الهامة، أمر لا يمكن تجاهله. وكان التغير في العلاقات بين الدولة والمجتمع يعني بالنسبة لأبو طاقية وغيره من أساطين التجار تحمل أعباء مالية لتطوير البنية الأساسية للتجارة.
الفَصْل السَّابع: الحياة العائلية في بيت أبو طاقية
في إطار النظام الأبوي الذي ساد المجتمع … فرغم صرامة ذلك النظام، واحترام الأفراد له، لم يؤد بالضرورة إلى سحق الروح الفردية أو محو المبادرة الفردية؛ إذ نرى ـ على وجه التحديد ـ بعض نساء الأسرة من زوجات أبو طاقية وبناته، يلعبن أدوارًا متعددة ـ من منطلق القوة ـ في علاقتهن مع غيرهن من أفراد العائلة، لما تميزن به من قوة الشخصية.
ورغم تعدد الزوجات، كان وضع النساء ـ بصورة عامة ـ بفضل وضع الفرنسيات والإنجليزيات في القرن السابع عشر من عدة وجوه، وحتى لو كان عدد اللاتي أتيحت لهن فرص التعليم من الأوروبيات آخذًا في التزايد، فلم تُتح لهن حقوق الملكية أو التصرف في ممتلكاتهن؛ فقد كان للزوج ـ في الكثير من البلاد ـ حق التصرف في ممتلكات وثروة زوجته بمجرد زواجه منها.
فقد كان الأب في النسق الأبوي للعائلة – الذي ساد الشرق الأوسط وبعض الثقافات الأخرى – يُحظى بمكانة أرفع من مكانة الزوجة (أو الزوجات) وبسلطة واسعة على الأبناء.
تأرجحت علاقة إسماعيل بأخيه وأخواته صعودًا وهبوطًا، حتى تجمعت العائلة حوله مع مرور الزمن؛
وكان هناك مظهر آخر للعلاقات المتغيرة بين الأخوين … فإسماعيل ـ الأكبر والأغنى ـ جعل ياسين وأولاده من مُنتفعي الوقف الذي أقامه.
فقد بدأ باختيار زوجاته من دائرة محدودة النطاق هي دائرة العائلة وجماعة الشوام، وخاصة الحمصيين. ولكن علاقات المصاهرة اتسع نطاقها فيما بعد، واتخذت طابعًا أكثر انفتاحًا على المجتمع القاهري.
كانت العائلات الشامية والحمصية تمثل دائرة الأصدقاء والأقارب التي تحرّك داخلها إسماعيل أبو طاقية.
وعندما قرّر إسماعيل الزواج من عطية الرحمن بنت الخواجة أبو بكر الأحيمر وتَنتمي إلى عائلة من التجار المصريين كان يقف عندئذٍ على أرض صلبة مالياً واجتماعياً، كتاجر كبير ناجح ذائع الصيت في القاهرة، ولم يكن مدفوعاً لتلك الزيجة بأي واجب اجتماعي،
وكانت عطية الرحمن التي عَمّرت طويلاً بعد وفاة إسماعيل الوحيدة بين زوجاته التي رزق منها بابن قدر له أن يعيش، ومن ثم احتلت مكانة خاصة في العائلة.
وكان زواجه الرابع مختلفاً عن الزيجات الثلاث الأخرى؛ إذ اتبع النسق المرتبط بالنخبة العسكرية، وهو الزواج من الجواري المعتقات اللاتي جئْن من أصول شرق أوروبية. فبعد عام ١٧٠٨هـ/١٦٥٨م تزوّج إسماعيل من زوجته الأخيرة هناء عندما تجاوز الأربعين من عمره. وكانت هناء جورجية الأصل،
ولكن لماذا رغب في الزواج في تلك المرحلة من عمره، رغم وجود أزواجه الثلاث وعدد من الجواري، ورغم أنه كان عندئذٍ أبًا لعدد من الأبناء؟ لعل السبب الذي دفع إسماعيل لذلك هو جمال هناء وافتتانه بها.
وإلى جانب ما كان لهناء من مزايا، لا بد أن تكون هناك دوافع اجتماعية وراء زواج إسماعيل من رابعة. فرغم شيوع تعدُّد الزوجات، كانت معظم حالات التعدُّد تقتصر على زوجتين أو ثلاث زوجات.
وكان من النادر الجمع بين أربع زوجات عند سكان القاهرة فيما عدا كبار الأثرياء. وإضافة إلى ذلك، تشير الوثائق إلى قيام أبو طاقية بتسجيل شراء عدد من الجواري كُنَّ يُقَمْنَ ببيته،
(3) التَّراتُب الاجتماعي في بيت العائلة
وكان التنظيم المساحي للقسم الخاص من البيت، يسمح لإسماعيل أن يقرر عند عودته للبيت المكان الذي يتجه إليه حسب الأحوال، فإذا كان بصحبته ضيوف اتجه إلى الجزء المخصص للضيوف من البيت، وإذا عاد وحيدًا اتجه إلى الأماكن المخصصة لأهل البيت. فكانت هناك قاعات صغيرة حول فناء البيت لاستقبال الضيوف. ومع زيادة مشروعاته التجارية، وارتفاع قدره بين التجار، كثر زواره من علية القوم بما في ذلك الأمراء والمماليك،
ولعل الشوام عامة والحمصيين خاصة كانوا أكثر الزوار تردُّدًا على بيت أبو طاقية، ربما لصلة القرابة أو لوجود علاقات تضرب بجذورها إلى موطنهم الأصلي: حمص، أو لأنهم يعتبرون إسماعيل كبيرهم أو عميدهم، لما كان له من مكانة في المجتمع.
والواقع أن بيت العائلة الذي ضم الزوجات الأربع، وعددًا من الجواري والأتباع والخدم والعبيد، كان يخضع لتقسيم مساحي يتفق مع الأوضاع الاجتماعية المختلفة للمقيمين فيه، ولا يخضع للتقسيم على أساس النوع، إلى جناح للذكور وآخر للإناث.
وكان التمييز بين الجواري يقوم على قاعدة الإنجاب، فمن أنجبت من سيدها سميت مستولدة، وكانت تتمتع بعدة مزايا، فوفرت لها الشريعة الإسلامية قدرًا من الحماية؛ إذ كان لا يجوز بيعها. كما أن أطفالها كانوا أحرارًا، ولهم حق الإرث في تركة الأب عند وفاته كغيرهم من ذريته. وعند وفاة السيد تصبح الجارية المستولدة حرة، ولا تُعدّ جزءًا من التركة (كغيرها من الجواري والعبيد). وكثيرًا ما كان يُخصص للمستولدات نصيب في ريع الوقف يحصلن عليه بعد وفاة السيد، ويُنصّ في الحجج على استمرارهن في الإقامة ببيت العائلة، وبذلك يتوفر لهن الحد الأدنى من الضمانات،
وإضافةً إلى ما وفَّرتْهُ الشريعةُ للمُستولَدةِ من الحماية، كان وضعها الاجتماعي في العائلة يرقى على وضع غيرها من الجواري.
أما المعيارُ الآخرُ للتمييزِ بين الجواري فيقومُ على الأصلِ العِرقيِّ، فهناك تمييزٌ بين البيضاواتِ (ذواتِ الأصولِ الأوروبيةِ كالبوسنياتِ والروسياتِ والجورجياتِ)، والحبشياتِ، والسودِ (ذواتِ الأصلِ الزنجيِّ)، وكانت هناك فُروقٌ في أسعارِ الجواري بسوقِ العبيدِ تَبَعًا للونِ البشرةِ والأصلِ العِرقيِّ، مما كان له انعكاسُه على المكانةِ الاجتماعيةِ داخلَ العائلةِ.
وتحليلنا لعائلة أبو طاقية يدحض هذه الآراء فيما يتصل بالفصل بين النساء والرجال، وما يتصل بالفصل بين المجالين: الخاص والعام في الحياة العائلية.
ولا يعني قضاء الزوجات معظم الوقت في مساكنهن بالضرورة أنَّهنَّ عِشْنَ منعزلاتٍ؛ لأنهن كن يتحكمن تماماً في الأماكن الخاصة بهن.
وكان لمثل تلك الزوجات أتباعهن الخصوصيون الذين يعملون في خدمتِهن. وبذلك كان للزوجات من ذوات المكانة الاجتماعية، من يعملون لحسابهن بمعزل عن أولئك الذين يخدمون الزوج.
واستقبلت هاتان السيدتان زوارهن من العائلة والأصدقاء في مسكنيهما.
وبذلك كان بكل مسكن من مساكن الزوجات مساحة مخصّصة لاستقبال ضيوف الزوجة من الأقارب الذين يتردّدون عليها للزيارة. وأدارت الزوجات اللاتي كن من ذوات الأملاك، شئون أعمالهن من مساكنهن، فكن يستقبلن الأشخاص الذين كانوا يتولّون أمور أملاكهن. فكانت كل من بدرة وعطية الرحمن تتولّى نظارة أوقاف لعائلتيهما، واستخدمت كل واحدة منهما وكلاء لإدارة العمل، فيقومون بضبط حسابات الأوقاف، وتسجيل الموارد والمصروفات.
ولما كانت مساكن الزوجات غير مستقلة تماماً عن بعضها البعض، قامت الصلات بينها. فقد اشترك الجميع في الاستفادة من المنافع العامة للبيت؛ كالفناء حيث يلعب الأولاد، والبئر الذي يزودهم بالماء، والإسطبل حيث الدواب التي تُستخدم في الانتقال. وكان للبيت حمام خاص، وهو من سمات الترف؛ لأن معظم البيوت كانت تستخدم الحمامات العامة، ويتكون الحمام من حجرتين أو ثلاث حجرات، تزداد درجة حرارته باطراد عند دخوله حتى تبلغ أقصاها عند المغطس الذي يستخدمه أكثر من شخص في وقت واحد. وتوقف الأمر على الزوجات وعلاقتهن ببعضهن البعض، فإما يُخصص يوم لكل واحدة منهن لاستخدام الحمام، أو يجتمعن معًا للاستمتاع بالحمام والثرثرة في مختلف الموضوعات، وهو مثال جيد للمرونة التي اتسم بها المجال الخاص داخل بيت العائلة.
وكن يخرجن من حين لآخر لزيارة الأقارب أو المعارف، أو إنجاز بعض الأعمال في المحكمة. … وهكذا نجد أن كلمة الاحتجاز التي يستخدمها الباحثون كثيرا عندما يتحدثون عن الزوجات في مجتمعات الشرق الأوسط، التي تحمل مضمونًا يشبه الاعتقال، كلمة مضللة، عندما ننظر إلى الوضع عن قرب. فرغم تمحور الحياة العائلية حول البيت، ارتبطت النساء بالمجتمع الخارجي بروابط عدة. والواقع أن وضع نساء القاهرة كان أفضل، مقارنة بوضع النساء الفرنسيات أو الإنجليزيات المعاصرات لهن، وذلك رغم انتشار تعدُّد الزوجات، والتَّسرِّي بالجواري. وعلى سبيل المثال، كانت المرأة الإنجليزية ــــ في عصر ستيورات ــــ تفقد حقها في الملكية بمجرد زواجها، ويقوم زوجها بكل ما يتعلق بها من أعمال، فتصبح عائلة عليه تمامًا؛ لأن الزواج يحولها ــــ من الوجهة القانونية ــــ إلى قاصر.١٢ ولم يكن وضع المرأة في فرنسا ــــ قبل الثورة ــــ أحسن حالاً؛ حيث كان الزواج يُعطي الزوج حق الولاية التامة على أملاك زوجته.
ولا ريب أن ارتفاع نسبة وفاة الأطفال ــــ عندئذ ــــ دفعه إلى إنجاب أكبر عدد ممكن منهم، ولعله فقد الكثير من الأبناء الذين ماتوا في طفولتهم، شأنه في ذلك شأن غيره من الآباء في ذلك العصر؛ فمثل هذه المعلومات لا تتوفر بالوثائق.
وكانت له أربع زوجات، … لا بد أن يكون ارتفاع نسبة وفيات الأطفال وراء بقاء ثلاث فقط من البنات البالغات على قيد الحياة،
ويُقال إن الوباء الذي وقع عام ١٠٢٨هـ/١٦١٨م قد حصد أرواح ٦٣٥ ألف نسمة (وفق ما يذكره البكري) كانت أعمارهم تتراوح بين ١٥-٢٥ عامًا.
ونشأ أبناء أبو طاقية – شأنهم في ذلك شأن أبناء معظم العائلات على توقير وطاعة والديهم. ويذكر لين Lane أن عدم احترام الوالدين كان إثمًا كبيرًا، وأنه كان من النادر أن يسمع الناس عن ابن عاق.
ولكن الأبناء لم يقفوا على قدم المساواة، فقد خضعوا لنوع من التراتب الاجتماعي الذي لم يكن يرجع إلى العمر أو النوع فحسب، بل يعتمد كذلك على القدرات الشخصية … فلا تعني الطاعة والاحترام الخضوع التام، ومحو شخصية الفرد.
فقد كان كل أبنائه من الإناث باستثناء زكريا الذي جاء إلى الدنيا بعد طول انتظار، فلا عجب أن نجد الولد موضع الآمال ليخلف أباه في أعماله التجارية ويُراعى مصالح العائلة، ولعل ذلك انعكس على طريقة معاملة زكريا. وكان من المتوقع أن يرث زكريا من الثروة الكبيرة مثل حظ الأنثيين وفق الشريعة الإسلامية، غير أن إسماعيل خصص له بعض الترتيبات الأخرى في حياته، فأوقف عددًا من ممتلكاته الحضرية، من بينها: سرجة بالمقس، وطاحونة بالجمَّالِيَّة، وحمام عام بسوق الغنم،١٦ وجعل زكريا المنتفع الوحيد بريع تلك الأملاك، لا يشاركه فيه أيّ من أخواته البنات، وبذلك ضمن له أبوه دخلاً محترمًا ينفرد به وحده.
ومن المؤكد أن العائلة كانت تميز بين أبناء الزوجات وأبناء الجواري.
وبذلك كان أبناء المستولدات يقيمون في مساكن أقل اتساعًا وراحة من الأماكن التي عاش فيها أبناء الزوجات.
ولا زال مصطلح ابن الجارية أو بنت الجارية مضرب الأمثال حتى اليوم للتمييز في المعاملة بين الناس.
وإن كان الأطفال جميعًا يشتركون في اللعب بالفناء دون تمييز، كما أن بنات المستولدات حصلن على نصيبهن الشرعي من إرث أبيهن، كأبناء الزوجات الحرائر سواءً بسواء.
(3-2) الأتباع والخَدَم والعبيد
استخدم إسماعيل مثلاً مباشرًا قبطيًا يُدعى غبريال ليتولى شئون حسابات تجارته وربما بيته أيضًا. وكان للأقباط صيت ذائع في أعمال الحسابات، وغالبًا ما كان الأمراء يستخدمون مباشرين من الأقباط لضبط حساباتهم وحسابات بيوتهم.
وَكَانَ بِالْبَيْتِ أَيْضًا عَدَدٌ كَبِيرٌ مِنْ الْعَبِيدِ وَالْخَدَمِ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ أَمْرَ الْخِدْمَةِ مِنْ أَعْمَالِ النَّظَافَةِ، وَالطَّهْيِ وَالْغَسِيلِ، وَرِعَايَةِ الدَّوَابِّ بِالإِسْطَبْلِ، وَجَلْبِ الْمِيَاهِ مِنْ الْبِئْرِ لِلاِسْتِخْدَامِ الْمَنْزِلِيِّ، وَخِدْمَةِ الْحَمَّامِ، وَتَلْبِيَةِ طَلَبَاتِ أَفْرَادِ الْعَائِلَةِ. وَلَا نَعْرِفُ عَدَدَهُمْ تَحْدِيدًا، غَيْرَ أَنَّ هُنَاكَ إِشَارَاتٍ عَنْ عَدَدِهِمْ وَرَدَتْ عِنْدَمَا مَرِضَ إِسْمَاعِيلُ أَبُو طَاقِيَّةَ عَامَ ١٦٢١م، وَأَرَادَ أَنْ يَفْعَلَ خَيْرًا، فَأَعْتَقَ تِسْعَةً مِنْ عَبِيدِهِ،
وَعِنْدَمَا تَمَّتْ أَعْمَالُ التَّجْدِيدِ دَاخِلَ الْبَيْتِ، تَحَوَّلَ الْبَيْتُ إِلَى مَا يُشْبِهُ الْقَصْرَ حَجْمًا وَزَخْرَفَةً وَأَبْهَةً، يَحْتَوِي عَلَى مَرَافِقَ لَا تَتَوَفَّرُ عَادَةً إِلَّا فِي قُصُورِ الطَّبَقَةِ الْحَاكِمَةِ، كَالْحَمَّامِ وَالْبِئْرِ وَالْإِسْطَبْلِ وَالطَّاحُونِ، وَالْكَثِيرِ مِنْ الْقَاعَاتِ الْمُزْدَانَةِ بِالنَّافُورَاتِ الرُّخَامِيَّةِ لِتَلْطِيفِ جَوِّهَا، وَالْمِسَاحَاتِ الْكَافِيَةِ لِسُكْنَى أَفْرَادِ عَائِلَتِهِ، وَإِقَامَةِ ضُيُوفِهِ وَأَتْبَاعِهِ.
(3-3) تجاوز نِطاق الهياكل التَّقليدية للعائلة
وقبل وفاة أبيها بفترة وجيزة تلقت فاطمة (ستيتة) عرضًا للزواج من رجل أفضل منزلة من زوجي أختيها، فقد أرسل مولانا قاضي القضاة إبراهيم أفندي ابن ضياء الدين أحمد رسولاً إلى إسماعيل محمّلاً بالهدايا من الذهب والياقوت والزمرد طالبًا يدها.
وما لبثت أن تزوّجت عام ١٠٣٥هـ / ١٦٢٥م بعد وفاة أبيها بقليل من محمد ابن أحد أمراء المتفرّقة الأمير أحمد ابن السيد الشريف إبراهيم. وبذلك دخلت فاطمة (ستيتة) دائرة جديدة من خلال هذه الزيجة هي دائرة الطبقة العسكرية الحاكمة،
تزوّجت آمنة (بنت المستولدة رازية البيضاء) من شيخ الإسلام محمد بن تاج الدين الأميني الحنفي.
وتُشير عقود الزواج في تلك الحقبة إلى أنه كان شائعًا بين التجار والحرفيين إضافة بندين أو ثلاثة بنود في عقود الزواج تتصل بالحد من تعدد الزوجات، وغالبًا ما كانت تقصر الزواج على زوجة واحدة، وتحديد مواصفات السكن الذي يقيم به الزوجان، كما تُحدّد ـ أحيانًا ـ النفقة الخاصة بالزوجة،
وتلك ظاهرة تُحسب لصالح الوضع القانوني للنسوة في العالم الإسلامي، مقارنة بما كانت عليه أحوال النساء المعاصرات لهنّ في فرنسا وإنجلترا. وتُشير دراسة عن المرأة في إنجلترا إلى أن حق الطلاق والزواج مرة أخرى ـ حتى نهاية القرن الثامن عشر ـ الذي تقرّر بموجب قانون أصدره البرلمان، كان قاصرًا على الأزواج الذين يُثبتون على زوجاتهم ارتكاب الزنا.
ولكن الشروط التي جاءت بعقود زواج أم الهنا كانت ـ في الواقع ـ أكثر إحكامًا من الشروط التي جاءت بالعقود العادية.
وربما كان ذلك الزواج الثالث بالنسبة له، فاشترطت عليه ألا يتزوج بأخرى، ولا يتسرى بواحدة من الجواري؛ وألا يلزمها بالسكني مع زوجتيه في بيت واحد، أو حتى في بيت قريب من مكان إقامتهما. وهكذا كان باستطاعة بنت أبو طاقية حتى في حالة تعدد الزوجات أن تضع ما شاءت من الضوابط على سلوك الزوج، حتى لو كان من أصحاب المناصب الكبيرة،
فقد أضافت أم الهنا إلى عقد الزواج بنداً يلزم الزوج باتباع العدل في معاملة زوجاته، فلا يُفضل إحداهن على غيرها، وهو التزام أخلاقي وليس قانونياً في الإسلام. ولما كانت الشريعة لا تنص صراحة على عقاب الزوج الذي يحيد عن مبدأ العدل في معاملة زوجاته، فقد أخذت أم الهنا الأمر على عاتقها بإضافة هذا البند الذي كان مُلزماً للزوج، ويجعل الطلاق من حقها في حالة الإخلال به، واشترطت في العقد ألا يبيت الزوج لليلتين متتاليتين خارج بيتها إذا كان موجوداً بالقاهرة دون عذر شرعي، ودون إذن من أم الهنا وأمها وأخيها.
ومن النادر أن نجد بين المئات من عقود الزواج التي تتضمنها سجلات المحكمة شروطاً على هذه الدرجة من الإحكام والتشدّد مع الزوج،
غير أن اللجوء للمحكمة في مجتمع يُقدر مكانة العائلة، ويميل إلى حل المنازعات، العائلية بالتراضي، لم يكن أمرًا بسيطًا، وكانت نتائجه بالغة الأهمية بالنسبة لمستقبل العائلة،
الفَصْل الثَّامِن: حَصَاد الدِّرَاسَة
تغيَّرت أحوال إسماعيل أبو طاقية – على مر سنوات العمر – تغييرًا ملحوظًا، جلب له المزيد من الثروة والوجاهة الاجتماعية. وجاء ذلك ثمرةً لعدد من المشروعات التجارية الناجحة. وكان – في نفس الوقت – مُعاصرًا لسلسلة من التغييرات العالمية البارزة التي كان لها تأثيرها على حياته. إذ كانت القاهرة تشهد ازديادًا في كثافة النشاط التجاري الدولي والإقليمي،
ورغم أن التوسع الرأسمالي الأوروبي يعود إلى القرن السادس عشر، استمرت العلاقات بين التجار الأوروبيين والتجار من أمثال أبو طاقية قائمةً لما يقرب من القرنين من الزمان على أساس الندية، وليس على أساس هيمنة طرف على طرف آخر.
فرغم أن انضمام مصر للدولة العثمانية حولها من مركز لإمبراطورية كبرى إلى مجرد ولاية تابعة، فإن علينا ألا نتورّط في التعميمات التي تُشير إلى تهميش مصر على نحو ما فعل أحد المؤرخين، فذكر أن مصر تحوّلت إلى ساحة خلفية للإمبراطورية العثمانية. فالأوضاع السياسية التي فُرضت على مصر بعد ضمّها للدولة العثمانية، لم تتضمن تهميشها اقتصادياً وتجارياً؛ فقد استفادت مصر من انتمائها إلى المجال التجاري العثماني، أو ما أسماه بعض الباحثين بالعالم الاقتصادي العثماني؛ فقد قويت العلاقات التجارية بين الولايات العثمانية وبعضها البعض، فلم تكن بلاد الشام والأناضول فيما بين القرنين السادس عشر والثامن عشر شريكتين تجاريتين لمصر فحسب، بل كانتا من أكثر البلاد استهلاكاً للمنتجات المصرية من السكر والمنسوجات، وكانت الزيادة السكانية في مدن تلك الأقاليم عاملاً هاماً لزيادة الطلب على سلع معينة.
ورغم ما كانت عليه الإدارة العثمانية من مركزية شديدة في تلك الحقبة، كان الاقتصاد المصري يتأثر بالعوامل المحلية والإقليمية، ربما لبُعد الشُّقّة بين مصر ومركز الدولة.
والواقع أن النشاط ازداد على بعض تلك الطرق نتيجة انضمام مصر إلى عالم الاقتصاد العثماني، ويُمكن القول إن التطورات التي شهدها الاقتصاد المصري كان لها أثرها على إقليم البحر المتوسط كله،
وساعدت تلك الأحوال المتغيرة التجار على أن يتركوا بصماتهم على مسرح الأحداث بالقاهرة، من خلال ازدياد تورّطهم المباشر أو غير المباشر في الأحداث السياسية. ولكن التغيرات التي حدثت عندئذ لم تُدخِل انقلاباً على البنية الاجتماعية، فظلت النخبة العسكرية من العثمانيين والمماليك تحتكر السلطة، وجاء التجار والعلماء بعدهم، غير أن الضعف الذي سرى في قمة السلطة، أتاح الفرصة أمام التجار الوطنيين لتحسين أوضاعهم بالنسبة لهيكل السلطة. ولعل قلة تدخل الدولة في التجارة تعني أن التجار تمتعوا بحرية إدارة أمورهم بالطريقة التي رأوا فيها النفع لهم.
فكان التجار من أمثال أبو طاقية يتعاملون مع شركاء ويستخدمون نظماً ذات أصول متنوعة تنتمي إلى أقاليم مختلفة. وفي نفس الوقت مارسوا نشاطهم من خلال نظام تقليدي، فاستخدموا الأدوات القانونية والهياكل والمؤسسات التجارية التي تنتمي إلى بيئتهم، والتي كانت قائمة في معظمها منذ زمن بعيد، ورغم ما نعرف عن الهياكل التقليدية من قيود، كانت الأدوات والهياكل التي استخدمها التجار في تلك الحقبة أقل تزمتاً مما قد يظن.
وكانت الهياكل التقليدية التي عمل التجار من خلالها في تلك الحقبة قد طوعت للأوضاع المتغيرة لتتلاءم مع حاجات معينة.
كذلك تعرَّضت أنشطة التجار لقيود ذات طبيعة اجتماعية وسياسية. ورغم أن التجارة لم تخضع لسيطرة الدولة حتى زمن أبو طاقية، وكان باستطاعة التجار ممارسة عملهم، دون أن يتعرّضوا لتدخل من جانب الدولة؛ فقد كان عليه إنفاق بعض الأموال على الأغراض السياسية، فيُشركون بعض رجال السلطة في تجارتهم، أو يُقرضونهم المال، مما كان له تأثيره على نشاطهم التجاري؛
والواقع أن بعض الملامح الاقتصادية التي درج الباحثون على نسبتها إلى مرحلة الاندماج في الاقتصاد الرأسمالي الأوروبي، كانت موجودة زمن أبو طاقية، فكان أبو طاقية وزملاؤه التجار يستثمرون أموالهم في إنتاج السكر، زراعة، وصناعة، وتصديراً.
ويدعم ذلك رأي بيتر جران الذي ذهب فيه إلى أنَّ الاقتصاد المصري كان يتطور بإمكاناته الذاتية قبل مرحلة التغلغل الأوروبي.
ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى التطورات التي حدثت في عهد محمد علي باشا من زاوية مختلفة؛ فالصناعات التي قامت على عهده لم تنشأ من فراغ، بل اعتمدت على خبرة الحرفيين الذين تمرسوا طويلًا بالعمل في الإنتاج التجاري الواسع، بصورة تُشبه كثيرًا أترابهم الأوروبيين عند وقوع الثورة الصناعية.
وجاء عهد محمد علي باشا ليُمثل انقطاعًا في هذا السياق بإقامته للدولة المركزية القوية. وأعقب ذلك تدخل القوى الأوروبية التي كانت أكثر مركزية من الناحية السياسية عن ذي قبل الذي غير الأوضاع تمامًا.
فقد أصبح النظام الرأسمالي الأوروبي سريع الانتشار يحظى بمساندة دول قوية، ويتمتع ببنية أساسية متينة مهدت الطريق للتجارة، مستخدمة الجيوش والبعثات التبشيرية، وأصبح القناصل يحملون شكاوى التجار الأوروبيين إلى السلطان في إستانبول، وتمتع التجار الأوروبيون بالضمانات القانونية والقضائية التي كفلها لهم نظام الامتيازات الأجنبية، بينما حُرم تجار مصر وغيرها من ولايات الدولة العثمانية من الوسائل التي تكفل لهم الحماية في مواجهة اكتساح التجار الأوروبيين لأسواقهم، فلم يكن اللجوء للسلطة الحاكمة متاحاً للتجار المحليين، كما أن هياكل التجارة ووظائفها لم تهيأ تاريخياً للتطور في هذا الاتجاه. وبذلك لم يكن التجار المحليون يتنافسون مع التجار الأوروبيين، وما يجلبونه من منتجات أفضل صنعاً وسعراً فحسب، بل كانوا أيضاً يواجهون دولاً يعجزون عن مواجهتها لافتقارهم إلى ما كان لديها من سلاح.
الحمد لله رب العالمين
