بسم الله الرحمن الرحيم
خُلاصة كتاب
ذَوْقُ الصَّلَاةِ عِنْدَ ابن القَيِّم
تأليف: د. عادل عبد الشَّكور الزُّرَقيّ
أستاذ الحديث المشارك بجامعة الملك سعود
الفهرس:
(تمَّ ضمّ الموضوعات المُتشابهة معاً تحت عنوان واحد، وإعادة ترتيب المواضيع بشكل أفضل)
الإقبال على الله (وَافِدُ المَلِك)
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
السَّلامُ على النبي ﷺ وعلى عباد الله الصَّالحين
فهذا فصلٌ نفيسٌ في جُزءٍ لطيفٍ، تكلَّم فيه ابن قيم الجوزية عن صفة الصَّلاة في مواضع من كتبه بطريقة مُبتكرة، لم يُسبق إليها فيما أعلم، حيث تكلَّم عن لُبّ الصَّلاة وروحها، وهو الخُشُوع، من التَّكبير إلى التَّسليم، فأتى فيه بكُلِّ عجيبٍ ومُفِيدٍ.
ولمَّا كانت هذه الفُصُول على نفاسِتها مغمورةً بين تِلْك الصَّفحات، كان مِن المُفيد جداً إفرادها ليعُمّ نفعها المُسلمين كافةً مُعَنْوِناً بكلمات تُناسب فقراته.
وعن كلمة الذَّوق قال ابن تيمية رحمه الله: فلفظ الذَّوق يستعمل في كُلِّ ما يُحَسُّ به ويَجِد أَلَمَه أو لذَّته [الفتاوى (٧/ ١٠٩)].
وقال أيضاً: فهذان الحديثان الصَّحيحان هُما أصلٌ فيما يُذكر مِن الوَجْدِ والذَّوق الإيماني الشَّرعي دون الضَّلالِيّ البدعي ، ففي صحيح مُسلم عن النبي ﷺ أنَّه قال: ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا .
وفي الصَّحيحين عن النبي ﷺ أنَّه قال: ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ .
ونقل ابن القيم عن شيخه ابن تيمية قال: إذا لم تجد للعمل حلاوة في قلبك وانشراحاً فَاتَّهِمْهُ [أي العَمَل]، فإنَّ الرَّبَّ تعالى شَكُورٌ .
قال ابن القيم مُعقِّباً عليه: يعني أنَّه لا بُدَّ أن يُثِيب العامِل على عَمَلِهِ في الدُّنيا مِن حلاوة يجدها في قلبه، وقُوَّة انشراح، وقُرَّة عَيْن، فحيث لم يَجِد ذلك فعمله مَدْخُولٌ [مدارج السَّالكين: منزلة المُراقبة].
ولمَّا بُنِيَت الصَّلاةُ على خمس [كما بُنِيَ الإسلام على خمس]: القراءة، والقيام، والرُّكُوع، والسُّجُود، والذِّكر سُمِّيَت باسم كلّ واحد مِن هذه الخمس.
فسميت قياماً كقوله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، وقوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾.
و قراءة كقوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾.
و رُكُوعاً كقوله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾، وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾.
و سُجُوداً كقوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾، وقوله: ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾.
و ذكراً كقوله: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ﴾. وقوله: ﴿لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾.
وأشرف أفعالها السُّجُود، وأشرف أذكارها القراءة، وأوَّل سُورة أُنزِلَت على النبي ﷺ، افْتُتِحَت بالقراءة وخُتِمَت بالسُّجُود، ووُضِعَت الرَّكعة على ذلك، أوَّلُهَا قراءة وآخرها سُجُود.
قال الإمام أحمد في رواية مهنا بن يحيى: … فإنَّ قَدْرَ الإسلام في قلبك كقدر الصَّلاة في قلبك . [طبقات الحنابلة (1/٣٥٤).]
… وهذا الإقبال منه بين إقبالين مِن ربِّهِ، فإنَّه سُبحانه أقبل عليه أوَّلاً، فانجذب قلبه إليه بإقباله، فلمَّا أقبل على رَبِّهِ حَظِي منه بإقبالٍ آخر أتمَّ مِن الإقبال الأوَّل.
لا رَيْبَ أنَّ الصلاةَ قُرَّةُ عيونِ المُحبِّينَ، ولذَّةُ أرواحِ الموحِّدين، ومحكُّ أحوالِ الصَّادقين، وميزانُ أحوالِ السَّالكين، وهي رحمتُه المَهداةُ إلى عبيده، هداهم إليها وعرَّفهم بها؛ رحمةً بهم وإكراماً لهم؛ لينالوا بها شرفَ كرامتِه، والفوزَ بقُربه. لا حاجةَ منه إليهم، بل مَنَّةٌ منه وفضلاً منه عليهم، وتُعبِّدُ بها القلبَ والجوارحَ جميعاً، وجعلَ حظَّ القلبِ منها أكملَ الحظَّين وأعظمَهُما، وهو إقبالُه على ربِّه سبحانه، وفرحُه وتلذُّذُه بقربه، وتنعُّمُه بحبِّه، وابتهاجُه بالقيام بين يديه، وانصرافُه حالَ القيامِ بالعبوديةِ عن الالتفاتِ إلى غيرِ معبوده، وتكميلُ حقوقِ عبوديتِه؛ حتى تقعَ على الوجهِ الذي يرضاهُ.
وكما أنَّ الصَّوم ثمرته تطهير النَّفس، وثمرة الزَّكاة تطهير المال، وثمرة الحَجِّ وُجُوب المغفرة، وثمرة الجهاد تسليم النَّفس التي اشتراها سُبحانه مِن العباد، وجعل الجنَّة ثمنها؛ فالصَّلاة ثمرتها الإقبال على الله، وإقبال الله سُبحانه على العبد، وفي الإقبال جميع ما ذُكِرَ مِن ثمرات الأعمال؛ ولذلك لم يقل النبي ﷺ: جُعِلَت قُرَّة عيني في الصَّوم، ولا في الحَجِّ والعمرة، وتأمَّل قوله: وجُعِلَت قُرَّةُ عَينِي في الصَّلاة ولَمْ يَقُلْ بالصَّلاة؛ إعلاماً بأنَّ عينه إنَّما تَقِرُّ بدُخُوله فيها،
ولمَّا جاء إلى راحة القَلْب مِن تَعَبِهِ ونَصَبِهِ قال: يا بلال، أرحنا بالصَّلاة أي: أقمها لنستريح بها من مُقَاسَاة الشَّواغل، كما يستريح التَّعبان إذا وصل إلى منزله وَقَرَّ فيه وسَكَن.
هذا جزء من حديث رواه أنس وأخرجه النسائي في سننه كتاب عشرة النساء / باب حب النساء (٨/٦١) وأحمد في مسنده (٣/١٩٩).
وتَأَمَّلْ كَيْفَ قَالَ: أَرِحْنَا بِهَا ، وَلَمْ يَقُلْ أَرِحْنَا مِنْهَا، كَمَا يَقُولُهُ الْمُتَكَلِّفُ بِهَا الَّذِي يَفْعَلُهَا تَكَلُّفاً وَغُرْماً، فَهُوَ لَمَّا امْتَلَأَ قَلْبُهُ بِغَيْرِهَا وَجَاءَتْ قَاطِعَةً عَنْ أَشْغَالِهِ وَمَحْبُوبَاتِهِ، وَعَلِمَ أَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهَا فَهُوَ قَائِلٌ بِلِسَانِ حَالِهِ وَقَالَهُ: نُصَلِّي وَنَسْتَرِيحُ مِنَ الصَّلَاةِ لَا بِهَا، فَهَذَا لَوْنٌ وَذَاكَ لَوْنٌ آخَرُ، فَالْفَرْقُ بَيْنَ مَنْ كَانَتِ الصَّلَاةُ لِجِوَارِهِ قَيْداً أَوْ لِقَلْبِهِ سِجْناً، وَلِنَفْسِهِ عَائِقاً، وَبَيْنَ مَنْ كَانَتِ الصَّلَاةُ لِقَلْبِهِ نَعِيماً، وَلِعَيْنِهِ قُرَّةٌ وَلِجِوَارِهِ رَاحَةً، وَلِنَفْسِهِ بُسْتَاناً وَلَذَّةً.
وما ينبغي أن يُعْلَم أنَّ الصَّلاة التي تَقِرّ بها العَيْن ويستريح بها القَلْب هي التي تجمع سِتَّة مَشَاهِد:
المشهد الأول: الإخلاص
وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْحَامِلُ وَالدَّاعِي إِلَيْهَا: رَغْبَةُ الْعَبْدِ فِي اللَّهِ، وَمَحَبَّتُهُ لَهُ، وَطَلَبُ مَرْضَاتِهِ، وَالْقُرْبُ مِنْهُ، وَالتَّوَدُّدُ إِلَيْهِ، وَامْتِثَالُ أَمْرِهِ، بِحَيْثُ لَا يَكُونُ الْبَاعِثُ لَهُ عَلَيْهَا حَظًّا مِنْ حُظُوظِ الدُّنْيَا الْبَتَّةَ، بَلْ يَأْتِي بِهَا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى، مَحَبَّةً لَهُ، وَخَوْفًا مِنْ عَذَابِهِ، وَرَجَاءً لِمَغْفِرَتِهِ وَثَوَابِهِ.
المشهد الثاني: مشهد الصدق والنصح
… فَإِنَّ الصَّلَاةَ لَهَا ظَاهِرٌ وَبَاطِنٌ، فَظَاهِرُهَا: الْأَفْعَالُ الْمُشَاهَدَةُ وَالْأَقْوَالُ الْمَسْمُوعَةُ، وَبَاطِنُهَا: الْخُشُوعُ وَالْمُرَاقَبَةُ، وَتَفْرِيغُ الْقَلْبِ لِلَّهِ، وَالْإِقْبَالُ بِكُلِّيَّتِهِ عَلَى اللَّهِ فِيهَا، بِحَيْثُ لَا يَلْتَفِتُ قَلْبُهُ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ، فَهَذَا بِمَنْزِلَةِ الرُّوحِ لَهَا، وَالْأَفْعَالُ بِمَنْزِلَةِ الْبَدَنِ، فَإِذَا خَلَتْ مِنَ الرُّوحِ كَانَتْ كَبَدَنٍ لَا رُوحَ فِيهِ.
المشهد الثالث: مشهد المتابعة والاقتداء
وَهُوَ أَنْ يَحْرِصَ كُلَّ الْحِرْصِ عَلَى الِاقْتِدَاءِ فِي صَلَاتِهِ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَيُصَلِّي كَمَا كَانَ يُصَلِّي،
… فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ إِنَّمَا أَمَرَ بِطَاعَةِ رَسُولِهِ ﷺ وَاتِّبَاعِهِ وَحْدَهُ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِاتِّبَاعِ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا يُطَاعُ غَيْرُهُ إِذَا أَمَرَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ، وَكُلُّ أَحَدٍ سِوَى الرَّسُولِ ﷺ فَمَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ وَمَتْرُوكٌ…
المشهد الرابع: مشهد الإحسان
وَهُوَ مَشْهَدُ الْمُرَاقَبَةِ، وَهُوَ أَنْ يَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّهُ يَرَاهُ، وَهَذَا الْمَشْهَدُ إِنَّمَا يَنْشَأُ مِنْ كَمَالِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، حَتَّى كَأَنَّهُ يَرَى اللَّهَ سُبْحَانَهُ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ،
… فَيَشْهَدَ ذَلِكَ كُلَّهُ بِقَلْبِهِ، وَيَشْهَدَ أَسْمَاءَهُ وَصِفَاتِه، وَيَشْهَدَ قَيُّوماً حَيّاً سَمِيعاً بَصِيراً عَزِيزاً حَكِيماً آمِراً نَاهِياً يُحِبُّ وَيُبْغِضُ وَيَرْضَى وَيَغْضَبُ وَيَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ، وَهُوَ فَوْقَ عَرْشِهِ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِ الْعِبَادِ وَلَا أَقْوَالِهِمْ وَلَا بَوَاطِنِهِمْ، بَلْ يَعْلَمُ ﴿خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾.
وَمَشْهَدُ الْإِحْسَانِ أَصْلُ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ كُلِّهَا، فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْحَيَاءَ وَالْإِجْلَالَ وَالتَّعْظِيمَ وَالْخَشْيَةَ وَالْمَحَبَّةَ وَالْإِنَابَةَ وَالتَّوَكُّلَ وَالْخُضُوعَ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَالذُّلَّ لَهُ، وَيَقْطَعُ الْوَسَاوِسَ وَحَدِيثَ النَّفْسِ، وَيَجْمَعُ الْقَلْبَ وَالْهَمَّ عَلَى اللَّهِ. فَحَظُّ الْعَبْدِ مِنَ الْقُرْبِ مِنَ اللَّهِ عَلَى قَدْرِ حَظِّهِ مِنْ مَقَامِ الْإِحْسَانِ، وَبِحَسَبِهِ تَتَفَاوَتُ الصَّلَاةُ حَتَّى يَكُونَ بَيْنَ صَلَاةِ الرَّجُلَيْنِ مِنَ الْفَضْلِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَقِيَامُهُمَا وَرُكُوعُهُمَا وَسُجُودُهُمَا وَاحِدٌ.
المشهد الخامس: مشهد المِنَّة
وَهُوَ أَنْ يَشْهَدَ أَنَّ الْمِنَّةَ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ؛ كَوْنُهُ أَقَامَهُ فِي هَذَا الْمَقَامِ وَأَهَّلَهُ لَهُ، وَوَفَّقَهُ لِقِيَامِ قَلْبِهِ وَبَدَنِهِ فِي خِدْمَتِهِ.
فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الْمُسْلِمَ مُسْلِمًا وَالْمُصَلِّيَ مُصَلِّيًا، كَمَا قَالَ الْخَلِيلُ: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَكَ﴾، وَقَالَ: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾.
فَالْمِنَّةُ لِلَّهِ وَحْدَهُ فِي أَنْ جَعَلَ عَبْدَهُ قَائِمًا بِطَاعَتِهِ، وَكَانَ هَذَا مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِهِ عَلَيْهِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾، وَقَالَ: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾.
وَهَذَا الْمَشْهَدُ مِنْ أَعْظَمِ الْمَشَاهِدِ وَأَنْفَعِهَا لِلْعَبْدِ، وَكُلَّمَا كَانَ الْعَبْدُ أَعْظَمَ تَوْحِيدًا كَانَ حَظُّهُ مِنْ هَذَا الْمَشْهَدِ أَتَمَّ. وَفِيهِ مِنَ الْفَوَائِدِ:
أَنْ يَحُولَ بَيْنَ الْقَلْبِ وَبَيْنَ الْعُجْبِ بِالْعَمَلِ وَرُؤْيَتِهِ، فَإِنَّهُ إِذَا شَهِدَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ هُوَ الْمَانُّ بِهِ، الْمُوَفِّقُ لَهُ، الْهَادِي إِلَيْهِ، شَغَلَهُ شُهُودُ ذَلِكَ عَنْ رُؤْيَتِهِ وَالْإِعْجَابِ بِهِ، وَأَنْ يَصُولَ بِهِ عَلَى النَّاسِ فَيَرْفَعَ مِنْ قَلْبِهِ فَلَا يُعْجَبُ بِهِ، وَمِنْ لِسَانِهِ فَلَا يَمُنُّ بِهِ وَلَا يَتَكَثَّرُ بِهِ، وَهَذَا شَأْنُ الْعَمَلِ الْمَرْفُوعِ.
وَمِنْ فَوَائِدِهِ أَنَّهُ يُضِيفُ الْحَمْدَ إِلَى وَلِيِّهِ وَمُسْتَحِقِّهِ، فَلَا يَشْهَدُ لِنَفْسِهِ حَمْدًا، بَلْ يَشْهَدُهُ كُلَّهُ لِلَّهِ، كَمَا يَشْهَدُ النِّعْمَةَ كُلَّهَا مِنْهُ، وَالْفَضْلَ كُلَّهُ لَهُ، وَالْخَيْرَ كُلَّهُ فِي يَدَيْهِ.
المشهد السادس: مشهد التَّقصير
وَأَنَّ الْعَبْدَ لَوِ اجْتَهَدَ فِي الْقِيَامِ بِالْأَمْرِ غَايَةَ الِاجْتِهَادِ وَبَذَلَ وُسْعَهُ فَهُوَ مُقَصِّرٌ، وَحَقُّ اللَّهِ سُبْحَانَهُ عَلَيْهِ أَعْظَمُ، وَالَّذِي يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُقَابِلَ بِهِ مِنَ الطَّاعَةِ وَالْعُبُودِيَّةِ وَالْخِدْمَةِ فَوْقَ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ، وَأَنَّ عَظَمَتَهُ وَجَلَالَهُ سُبْحَانَهُ يَقْتَضِي مِنَ الْعُبُودِيَّةِ مَا يَلِيقُ بِهَا،
… وَإِذَا شَهِدَ الْعَبْدُ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ لَمْ يُوَفِّ رَبَّهُ فِي عُبُودِيَّتِهِ حَقَّهُ وَلَا قَرِيبًا مِنْ حَقِّهِ عَلِمَ تَقْصِيرَهُ، وَلَمْ يَسَعْهُ مَعَ ذَلِكَ غَيْرُ الِاسْتِغْفَارِ وَالِاعْتِذَارِ مِنْ تَقْصِيرِهِ وَتَفْرِيطِهِ وَعَدَمِ الْقِيَامِ بِمَا يَنْبَغِي لَهُ مِنْ حَقِّهِ، وَأَنَّهُ إِلَى أَنْ يَغْفِرَ لَهُ الْعُبُودِيَّةَ وَيَعْفُوَ عَنْهُ فِيهَا أَحْوَجُ مِنْهُ إِلَى أَنْ يَطْلُبَ مِنْهُ عَلَيْهَا ثَوَابًا، وَهُوَ لَوْ وَفَّاهَا حَقَّهَا كَمَا يَنْبَغِي لَكَانَتْ مُسْتَحَقَّةً عَلَيْهِ بِمُقْتَضَى الْعُبُودِيَّةِ، فَإِنَّ عَمَلَ الْعَبْدِ وَخِدْمَتَهُ لِسَيِّدِهِ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ بِحُكْمِ كَوْنِهِ عَبْدَهُ وَمَمْلُوكَهُ، فَلَوْ طَلَبَ مِنْهُ الْأُجْرَةَ عَلَى عَمَلِهِ وَخِدْمَتِهِ لَعَدَّهُ النَّاسُ أَحْمَقَ وَأَخْرَقَ.
هَذَا وَلَيْسَ هُوَ عَبْدَهُ وَلَا مَمْلُوكَهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَمَمْلُوكُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَعَمَلُهُ وَخِدْمَتُهُ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ بِحُكْمِ كَوْنِهِ عَبْدَهُ، فَإِذَا أَثَابَهُ عَلَيْهِ كَانَ ذَلِكَ مَجْرَدَ فَضْلٍ وَمِنَّةٍ وَإِحْسَانٍ إِلَيْهِ لَا يَسْتَحِقُّهُ الْعَبْدُ عَلَيْهِ. وَمِنْ هَهُنَا يُفْهَمُ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: لَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ مِنْكُمُ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ ، قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ .
متفق عليه من حديث عائشة، وله شواهد أخرى.
وَيَكْفِي الْعَاقِلَ الْبَصِيرَ، الْحَيَّ الْقَلْبِ، فِكْرُهُ فِي فَرْعٍ وَاحِدٍ مِنْ فُرُوعِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَهُوَ الصَّلَاةُ ، وَمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْحِكَمِ الْبَاهِرَةِ، وَالْمَصَالِحِ الْبَاطِنَةِ وَالظَّاهِرَةِ، وَالْمَنَافِعِ الْمُتَّصِلَةِ بِالْقَلْبِ وَالرُّوحِ، وَالْبَدَنِ وَالْقُوَى، الَّتِي لَوِ اجْتَمَعَ حُكَمَاءُ الْعَالَمِ قَاطِبَةً، وَاسْتَفْرَغُوا قُوَاهُمْ وَأَذْهَانَهُمْ لَمَا أَحَاطُوا بِتَفَاصِيلِ حِكْمِهَا وَأَسْرَارِهَا وَغَايَتِهَا الْمَحْمُودَةِ، بَلِ انْقَطَعُوا كُلُّهُمْ دُونَ أَسْرَارِ الْفَاتِحَةِ، وَمَا فِيهَا مِنَ الْمَعَارِفِ الْإِلَهِيَّةِ، وَالْحِكَمِ الرَّبَّانِيَّةِ، وَالْعُلُومِ النَّافِعَةِ، وَالتَّوْحِيدِ التَّامِّ، وَالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ بِأُصُولِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَذِكْرِ أَقْسَامِ الْخَلِقَةِ بِاعْتِبَارِ غَايَاتِهِمْ وَوَسَائِلِهِمْ، وَمَا فِي مُقَدِّمَاتِهَا وَشُرُوطِهَا مِنَ الْحِكَمِ الْعَجِيبَةِ: مِنْ تَطْهِيرِ الْأَعْضَاءِ، وَالثِّيَابِ، وَالْمَكَانِ، وَأَخْذِ الزِّينَةِ، وَاسْتِقْبَالِ بَيْتِهِ الَّذِي جَعَلَهُ إِمَامًا لِلنَّاسِ، وَتَفْرِيغِ الْقَلْبِ لِلَّهِ، وَإِخْلَاصِ النِّيَّةِ وَافْتِتَاحِهَا بِكَلِمَةٍ جَامِعَةٍ لِمَعَانِي الْعُبُودِيَّةِ، دَالَّةٍ عَلَى أُصُولِ الثَّنَاءِ وَفُرُوعِهِ، مُخْرِجَةٍ مِنَ الْقَلْبِ الِالْتِفَاتَ إِلَى مَا سِوَاهُ وَالْإِقْبَالِ عَلَى غَيْرِهِ، فَيَقُومُ بِقَلْبِهِ بِالْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْ عَظِيمٍ جَلِيلٍ كَبِيرٍ، أَكْبَرَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَأَجَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَأَعْظَمَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ،
ثُمَّ يَأْخُذُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي تِلَاوَةِ رَبِيعِ الْقُلُوبِ وَشِفَاءِ الصُّدُورِ وَنُورِ الْبَصَائِرِ وَحَيَاةِ الْأَرْوَاحِ، وَهُوَ كَلَامُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَيَحِلُّ بِهِ فِيمَا شَاءَ مِنْ رَوْضَاتٍ مُونِقَاتٍ وَحَدَائِقَ مُعْجِبَاتٍ، زَاهِيَةٍ أَزْهَارُهَا، مُونِقَةٍ ثِمَارُهَا، قَدْ ﴿ذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾، وَسُهِّلَتْ لِمُتَنَاوِلِهَا تَسْهِيلًا، فَهُوَ يَجْتَنِي مِنْ تِلْكَ الثِّمَارِ خَيْرًا يُؤْمَرُ بِهِ وَشَرًّا يُنْهَى عَنْهُ، وَحِكْمَةً وَمَوْعِظَةً وَتَبْصِرَةً وَتَذْكِرَةً وَعِبْرَةً، وَتَقْرِيرًا لِحَقٍّ، وَدَحْضًا لِبَاطِلٍ، وَإِزَالَةَ الشُّبْهَةِ، وَجَوَابًا عَنْ مَسْأَلَةٍ، وَإِيضَاحًا لِمُشْكِلٍ، وَتَرْغِيبًا فِي أَسْبَابِ فَلَاحٍ وَسَعَادَةٍ، وَتَحْذِيرًا مِنْ أَسْبَابِ خُسْرَانٍ وَشَقَاوَةٍ، وَدَعْوَةً إِلَى هُدًى، وَرَدًّا عَنْ رَدًى، فَيَنْزِلُ عَلَى الْقُلُوبِ نُزُولَ الْغَيْثِ عَلَى الْأَرْضِ الَّتِي لَا حَيَاةَ لَهَا بِدُونِهِ، وَيُحِلُّ مِنْهَا مَحَلَّ الْأَرْوَاحِ مِنْ أَبْدَانِهَا.
فَأَيُّ نَعِيمٍ، وَقُرَّةُ عَيْنٍ، وَلَذَّةُ قَلْبٍ، وَابْتِهَاجٍ وَسُرُورٍ لَا يَحْصُلُ لَهُ فِي هَذِهِ الْمُنَاجَاةِ؟! وَالرَّبُّ تَعَالَى يَسْتَمِعُ لِكَلَامِهِ، جَارِيًا عَلَى لِسَانِ عَبْدِهِ، وَيَقُولُ: حَمِدَنِي عَبْدِي، أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، مَجَّدَنِي عَبْدِي.
وَهَذَا اشْتُقَّ لَهُ اسْمُ الْإِسْلَامِ مِنَ التَّسْلِيمِ، فَإِنَّهُ لَمَّا أَسْلَمَ نَفْسَهُ لِحُكْمِ رَبِّهِ الدِّينِيِّ الْأَمْرِيِّ، وَلِحُكْمِهِ الْكَوْنِيِّ الْقَدَرِيِّ بِقِيَامِهِ بِعُبُودِيَّتِهِ فِيهِ لَا بِاسْتِرْسَالِهِ مَعَهُ اسْتَحَقَّ اسْمَ الْإِسْلَامِ، فَقِيلَ لَهُ: مُسْلِمٌ.
وَللَّهُ فِي كُلِّ جَارِحَةٍ مِنْ جَوَارِحِ الْعَبْدِ عُبُودِيَّةٌ تَخُصُّهَا، وَطَاعَةٌ مَطْلُوبَةٌ مِنْهَا، خُلِقَتْ لِأَجْلِهَا وَهُيِّئَتْ لَهَا.
وَالنَّاسُ بَعْدَ ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: مَنِ اسْتَعْمَلَ تِلْكَ الْجَوَارِحَ فِيمَا خُلِقَتْ لَهُ وَأُرِيدَ مِنْهَا،
الثَّانِي: مَنِ اسْتَعْمَلَهَا فِيمَا لَمْ تُخْلَقْ لَهُ، وَلَمْ يُخْلَقْ لَهَا،
الثَّالِثُ: مَنْ عَطَّلَ جَوَارِحَهُ وَأَمَاتَهَا بِالْبَطَالَةِ، فَهَذَا أَيْضًا خَاسِرٌ أَعْظَمَ خُسْرَانٍ، فَإِنَّ الْعَبْدَ خُلِقَ لِلْعِبَادَةِ وَالطَّاعَةِ لَا لِلْبَطَالَةِ، وَأَبْغَضُ الْخَلْقِ إِلَى اللَّهِ الْبَطَّالُ الَّذِي هُوَ لَا فِي شُغْلِ الدُّنْيَا وَلَا فِي سَعْيِ الْآخِرَةِ، فَهَذَا كَلٌّ عَلَى الدُّنْيَا وَالدِّينِ.
فَالْأَوَّلُ: إِذَا تَحَرَّكَ أَوْ سَكَنَ، أَوْ قَامَ أَوْ قَعَدَ، أَوْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ، أَوْ نَامَ أَوْ لَبِسَ، أَوْ نَطَقَ أَوْ سَكَتَ، كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ لَهُ لَا عَلَيْهِ، وَكَانَ فِي ذِكْرٍ وَطَاعَةٍ وَقُرْبَةٍ وَمَزِيدٍ.
فَكَذَلِكَ الْقَلْبُ، إِنَّمَا يَيْبَسُ إِذَا خَلَا مِنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ وَحُبِّهِ وَمَعْرِفَتِهِ وَذِكْرِهِ وَدُعَائِهِ، فَتُصِيبُهُ حَرَارَةُ النَّفْسِ، وَنَارُ الشَّهَوَاتِ، فَتَمْتَنِعُ أَغْصَانُ الْجَوَارِحِ مِنَ الِامْتِدَادِ إِذَا مَدَدْتَهَا، وَالِانْقِيَادِ إِذَا قُدْتَهَا، فَلَا تَصْلُحُ بَعْدُ هِيَ وَالشَّجَرَةُ إِلَّا لِلنَّارِ. ﴿فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ ۚ أُوْلَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾.
فَإِذَا كَانَ الْقَلْبُ مَمْطُورًا بِمَطَرِ الرَّحْمَةِ كَانَتِ الْأَغْصَانُ لَيِّنَةً مُنْقَادَةً رَطْبَةً، فَإِذَا مَدَدْتَهَا إِلَى أَمْرِ اللَّهِ انْقَادَتْ مَعَكَ، وَأَقْبَلَتْ سَرِيعَةً لَيِّنَةً وَادِعَةً.
وَلَمَّا كَانَتِ الْجُدُوبُ مُتَابِعَةً، وَقَحْطُ النُّفُوسِ مُتَوَالِيًا، جَدَّدَ لَهُ الدَّعْوَةَ إِلَى هَذِهِ الْمَأْدُبَةِ وَقْتًا بَعْدَ وَقْتٍ؛ رَحْمَةً مِنْهُ بِهِ، فَلَا يَزَالُ مُسْتَسْقِيًا مِنْ يَدِهِ غَيْثَ الْقُلُوبِ وَسَقْيَهَا.
فَأَمَرَنَا بِإِقَامَتِهَا، وَهُوَ الْإِتْيَانُ بِهَا قَائِمَةً تَامَّةَ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْأَذْكَارِ، وَقَدْ عَلَّقَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْفَلَاحَ بِخُشُوعِ الْمُصَلِّي فِي صَلَاتِهِ، فَمَنْ فَاتَهُ خُشُوعُ الصَّلَاةِ، لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْفَلَاحِ، وَيَسْتَحِيلُ حُصُولُ الْخُشُوعِ مَعَ الْعَجَلَةِ وَالنَّقْرِ قَطْعًا، بَلْ لَا يَحْصُلُ الْخُشُوعُ قَطُّ إِلَّا مَعَ الطُّمَأْنِينَةِ، وَكُلَّمَا زَادَ طُمَأْنِينَةً ازْدَادَ خُشُوعًا،
… فَلَنْ تَكَادَ تَجِدَ ذِكْرَ الصَّلَاةِ فِي مَوْضِعٍ مِنَ التَّنْزِيلِ إِلَّا مَقْرُونًا بِإِقَامَتِهَا، فَالْمُصَلُّونَ فِي النَّاسِ قَلِيلٌ، وَمُقِيمُو الصَّلَاةِ مِنْهُمْ أَقَلُّ الْقَلِيلِ.
… وَلَوْ عَلِمَ هَؤُلَاءِ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَصْعَدُ بِصَلَاتِهِمْ، فَتَعْرِضُهَا عَلَى الرَّبِّ -جَلَّ جَلَالُهُ- بِمَنْزِلَةِ الْهَدَايَا الَّتِي يَتَقَرَّبُ بِهَا النَّاسُ إِلَى مُلُوكِهِمْ وَكُبَرَائِهِمْ، فَلَيْسَ مَنْ عَمَدَ إِلَى أَفْضَلِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَيُزَيِّنُهُ وَيُحَسِّنُهُ مَا اسْتَطَاعَ، ثُمَّ يَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى مَنْ يَرْجُوهُ وَيَخَافُهُ،
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.
فَإِنَّهَا كَبُرَتْ عَلَى غَيْرِ هَؤُلَاءِ لِخُلُوِّ قُلُوبِهِمْ مِنْ مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَكْبِيرِهِ وَتَعْظِيمِهِ وَالْخُشُوعِ لَهُ، وَقِلَّةِ رَغْبَتِهِمْ فِيهِ، فَإِنَّ حُضُورَ الْعَبْدِ فِي الصَّلَاةِ، وَخُشُوعَهُ فِيهَا، وَتَكْمِيلَهُ لَهَا، وَاسْتِفْرَاغَهُ وُسْعَهُ فِي إِقَامَتِهَا، وَإِتْمَامَهَا عَلَى قَدْرِ رَغْبَتِهِ فِي اللَّهِ.
الإقبال على الله (وَافِدُ المَلِك)
وكان سرّ الصلاة ولبّها إقبال القلب فيها على الله وحضوره بكليته بين يديه،
وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ خَلَقَ هَذَا النَّوْعَ الْإِنْسَانِيَّ لِنَفْسِهِ وَاخْتَصَّهُ وَخَلَقَ لَهُ كُلَّ شَيْءٍ، كَمَا فِي الْأَثَرِ الْإِلَهِيِّ: ابْنَ آدَمَ، خَلَقْتُكَ لِنَفْسِي وَخَلَقْتُ كُلَّ شَيْءٍ لَكَ، فَبِحَقِّي عَلَيْكَ لَا تَشْتَغِلْ بِمَا خَلَقْتُهُ لَكَ عَمَّا خَلَقْتُكَ لَهُ .
وَفِي أَثَرٍ آخَرَ: خَلَقْتُكَ لِنَفْسِي، فَلَا تَلْعَبْ، وَتَكفَّلْتُ بِرِزْقِكَ فَلَا تَتْعَبْ. ابْنَ آدَمَ، اطْلُبْنِي تَجِدْنِي، وَإِنْ وَجَدْتَنِي وَجَدْتَ كُلَّ شَيْءٍ، وَإِنْ فُتُّكَ فَاتَكَ كُلُّ شَيْءٍ وَأَنَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ .
وَسِرُّ الصَّلَاةِ وَرُوحُهَا وَلُبُّهَا هُوَ إِقْبَالُ الْعَبْدِ عَلَى اللَّهِ بِكُلِّيَّتِهِ، فَكَمَا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَصْرِفَ وَجْهَهُ عَنْ قِبْلَةِ اللَّهِ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَكَذَلِكَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَصْرِفَ قَلْبَهُ عَنْ رَبِّهِ إِلَى غَيْرِهِ.
فَالْكَعْبَةُ الَّتِي هِيَ بَيْتُ اللَّهِ قِبْلَةُ وَجْهِهِ وَبَدَنِهِ، وَرَبُّ الْبَيْتِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى هُوَ قِبْلَةُ قَلْبِهِ وَرُوحِهِ، وَعَلَى حَسَبِ إِقْبَالِ الْعَبْدِ عَلَى اللَّهِ فِي صَلَاتِهِ يَكُونُ إِقْبَالُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَإِذَا أَعْرَضَ: أَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَلِلْإِقْبَالِ فِي الصَّلَاةِ ثَلَاثُ مَنَازِلَ:
1. إِقْبَالٌ عَلَى قَلْبِهِ فَيَحْفَظُهُ مِنَ الْوَسَاوِسِ وَالْخَطَرَاتِ الْمُبْطِلَةِ لِثَوَابِ صَلَاتِهِ أَوِ الْمُنَقِّصَةِ لَهُ.
2. وَإِقْبَالٌ عَلَى اللَّهِ بِمُرَاقَبَتِهِ حَتَّى كَأَنَّهُ يَرَاهُ.
3. وَإِقْبَالٌ عَلَى مَعَانِي كَلَامِهِ وَتَفَاصِيلِ عُبُودِيَّةِ الصَّلَاةِ لِيُعْطِيَهَا حَقَّهَا.
وَبِاسْتِكْمَالِ هَذِهِ الْمَرَاتِبِ الثَّلَاثِ تَكُونُ إِقَامَةُ الصَّلَاةِ حَقًّا، وَيَكُونُ إِقْبَالُ اللَّهِ عَلَى عَبْدِهِ بِحَسَبِ ذَلِكَ.
فَإِذَا انْتَصَبَ الْعَبْدُ قَائِمًا بَيْنَ يَدَيْهِ فَإِقْبَالُهُ عَلَى قُيُّومِيَّتِهِ وَعَظَمَتِهِ، وَإِذَا كَبَّرَ فَإِقْبَالُهُ عَلَى كِبْرِيَائِهِ.
فَإِذَا سَبَّحَهُ وَأَثْنَى عَلَيْهِ فَإِقْبَالُهُ عَلَى سُبُحَاتِ وَجْهِهِ وَتَنْزِيهِ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ بِأَوْصَافِ جَمَالِهِ.
فَإِذَا اسْتَعَاذَ بِهِ فَإِقْبَالُهُ عَلَى رُكْنِهِ الشَّدِيدِ وَانْتِصَارِهِ لِعَبْدِهِ وَمَنْعِهِ لَهُ وَحِفْظِهِ مِنْ عَدُوِّهِ.
فَإِذَا تَلَا كَلَامَهُ فَإِقْبَالُهُ عَلَى مَعْرِفَتِهِ مِنْ كَلَامِهِ، حَتَّى كَأَنَّهُ يَرَاهُ وَيُشَاهِدُهُ فِي كَلَامِهِ فَهْوَ كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: لَقَدْ تَجَلَّى اللَّهُ لِعِبَادِهِ فِي كَلَامِهِ فَهُوَ فِي هَذِهِ الْحَالِ مُقْبِلٌ عَلَى ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَحْكَامِهِ وَأَسْمَائِهِ.
قَائِلُ هَذَا هُوَ: جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّادِقُ كَمَا فِي قُوتِ الْقُلُوبِ (١/ ١٠٢) لِأَبِي طَالِبٍ.
فَإِذَا رَكَعَ فَإِقْبَالُهُ عَلَى عَظَمَتِهِ وَجَلَالِهِ وَعِزِّهِ؛ وَلِهَذَا شُرِعَ لَهُ أَنْ يَقُولَ: سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ.
فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ فَإِقْبَالُهُ عَلَى حَمْدِهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَتَمْجِيدِهِ وَعُبُودِيَّتِهِ لَهُ وَتَفَرُّدِهِ بِالْعَطَاءِ وَالْمَنْعِ.
فَإِذَا سَجَدَ فَإِقْبَالُهُ عَلَى قُرْبِهِ وَالدُّنُوِّ مِنْهُ وَالْخُضُوعِ لَهُ وَالتَّذَلُّلِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَالانْكِسَارِ وَالتَّمَلُّقِ.
فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ وَجَثَى عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَإِقْبَالُهُ عَلَى غِنَاهُ وَجُودِهِ، وَكَرَمِهِ وَشِدَّةِ حَاجَتِهِ إِلَيْهِ وَتَضَرُّعِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَالانْكِسَارِ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ وَيَرْحَمَهُ وَيُعَافِيَهُ وَيَهْدِيَهُ وَيَرْزُقَهُ.
فَإِذَا جَلَسَ فِي التَّشَهُّدِ فَلَهُ حَالٌ آخَرُ وَإِقْبَالٌ آخَرُ شِبْهُ حَالِ الْحَاجِّ فِي طَوَافِ الْوَدَاعِ، وَقَدِ اسْتَشْعَرَ قَلْبُهُ الِانْصِرَافَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْ رَبِّهِ،
… ثُمَّ اسْتَشْعَرَ قَلْبُهُ عَوْدَهَا إِلَيْهِ بِخُرُوجِهِ مِنْ حِمَى الصَّلَاةِ، فَهُوَ يُحْمَلُ هَمَّ انْقِضَاءِ الصَّلَاةِ وَفَرَاغِهَا.
فَبِالْوُضُوءِ يَتَطَهَّرُ مِنَ الْأَوْسَاخِ وَيُقْدِمُ عَلَى رَبِّهِ مُتَطَهِّرًا، وَالْوُضُوءُ لَهُ ظَاهِرٌ وَبَاطِنٌ، فَظَاهِرُهُ طَهَارَةُ الْبَدَنِ وَأَعْضَاءِ الْعِبَادَةِ، وَبَاطِنُهُ وَسِرُّهُ طَهَارَةُ الْقَلْبِ مِنْ أَوْسَاخِهِ وَأَدْرَانِهِ بِالتَّوْبَةِ، وَهَذَا يُقْرِنُ سُبْحَانَهُ بَيْنَ التَّوْبَةِ وَالطَّهَارَةِ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾، وَشَرَعَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْمُتَطَهِّرِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الْوُضُوءِ أَنْ يَتَشَهَّدَ، ثُمَّ يَقُولَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ ، فَكَمُلَ لَهُ مَرَاتِبُ الطَّهَارَةِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا.
فَإِنَّهُ بِالشَّهَادَةِ يَتَطَهَّرُ مِنَ الشِّرْكِ، وَبِالتَّوْبَةِ يَتَطَهَّرُ مِنَ الذُّنُوبِ، وَبِالْمَاءِ يَتَطَهَّرُ مِنَ الْأَوْسَاخِ الظَّاهِرَةِ، فَشُرِعَ أَكْمَلُ مَرَاتِبِ الطَّهَارَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ عَلَى اللَّهِ وَالْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَمَّا طَهُرَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا أُذِنَ لَهُ بِالدُّخُولِ عَلَيْهِ بِالْقِيَامِ بَيْنَ يَدَيْهِ؛ إِذْ يُخْلِصُ مِنَ الْإِبَاقِ بِمَجِيئِهِ إِلَى دَارِهِ وَمَحَلِّ عُبُودِيَّتِهِ.
وَهَذَا كَانَ الْمَجِيءَ إِلَى الْمَسْجِدِ مِنْ تَمَامِ عُبُودِيَّةِ الصَّلَاةِ الْوَاجِبَةِ عِنْدَ قَوْمٍ، وَالْمُسْتَحَبَّةِ عِنْدَ آخَرِينَ.
… فَإِذَا جَاءَ إِلَيْهِ فَقَدْ رَجَعَ مِنْ إِبَاقِهِ، فَإِذَا وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ مَوْقِفَ الْعُبُودِيَّةِ وَالتَّذَلُّلِ وَالِانْكِسَارِ فَقَدِ اسْتَدْعَى عَطْفَ سَيِّدِهِ عَلَيْهِ وَإِقْبَالَهُ عَلَيْهِ بَعْدَ الْإِعْرَاضِ.
وَأُمِرَ بِأَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بَيْتَهُ الْحَرَامَ بِوَجْهِهِ، وَيَسْتَقْبِلَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بِقَلْبِهِ لِيَنْسَلِخَ مِمَّا كَانَ فِيهِ مِنَ التَّوَلِّي وَالْإِعْرَاضِ، ثُمَّ قَامَ بَيْنَ يَدَيْهِ مَقَامَ الذَّلِيلِ الْخَاضِعِ الْمِسْكِينِ الْمُسْتَعْطِفِ لِسَيِّدِهِ، وَأَلْقَى بِيَدَيْهِ مُسَلِّمًا مُسْتَسْلِمًا نَاكِسَ الرَّأْسِ، خَاشِعَ الْقَلْبِ، مُطْرِقَ الطَّرْفِ، لَا يَلْتَفِتُ قَلْبُهُ عَنْهُ وَلَا طَرْفُهُ يَمْنَةً وَلَا يَسْرَةً، بَلْ قَدْ تَوَجَّهَ بِقَلْبِهِ كُلِّهِ إِلَيْهِ، وَأَقْبَلَ بِكُلِّيَّتِهِ عَلَيْهِ.
ثُمَّ كَبَّرَهُ بِالتَّعْظِيمِ وَالْإِجْلَالِ، وَوَاطَأَ قَلْبُهُ فِي التَّكْبِيرِ لِسَانَهُ، فَكَانَ اللَّهُ أَكْبَرُ فِي قَلْبِهِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَصَدَّقَ هَذَا التَّكْبِيرَ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي قَلْبِهِ شَيْءٌ أَكْبَرُ مِنَ اللَّهِ يَشْغَلُهُ عَنْهُ، فَإِذَا اشْتَغَلَ عَنِ اللَّهِ بِغَيْرِهِ وَكَانَ مَا اشْتَغَلَ بِهِ أَهَمَّ عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ كَانَ تَكْبِيرُهُ بِلِسَانِهِ دُونَ قَلْبِهِ.
فَالتَّكْبِيرُ:
١– يُخْرِجُهُ مِنْ لُبْسِ رِدَاءِ التَّكَبُّرِ الْمُنَافِي لِلْعُبُودِيَّةِ.
٢– وَيَمْنَعُهُ مِنِ الْتِفَاتِ قَلْبِهِ إِلَى غَيْرِ اللَّهِ.
فَإِذَا قَالَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ وَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، فَقَدْ خَرَجَ عَنِ الْغَفْلَةِ الَّتِي هِيَ حِجَابٌ أَيْضًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ.
… فَكَانَ فِي هَذَا الثَّنَاءِ مِنْ أَدَبِ الْعُبُودِيَّةِ مَا يَسْتَجْلِبُ بِهِ إِقْبَالَهُ عَلَيْهِ وَرِضَاهُ عَنْهُ وَإِسْعَافَهُ بِحَوَائِجِهِ.
فَإِذَا شَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ قَدَّمَ أَمَامَهَا الِاسْتِعَاذَةَ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِنَّهُ أَحْرَصُ مَا يَكُونُ عَلَى الْعَبْدِ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ الَّذِي هُوَ أَشْرَفُ مَقَامَاتِهِ وَأَنْفَعُهَا لَهُ فِي دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ، فَهُوَ أَحْرَصُ شَيْءٍ عَلَى صَرْفِهِ عَنْهُ وَاقْتِطَاعِهِ دُونَهُ بِالْبَدَنِ وَالْقَلْبِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ اقْتِطَاعِهِ وَتَعْطِيلِهِ عَنْهُ بِالْبَدَنِ اقْتَطَعَ قَلْبَهُ وَعَطَّلَهُ عَنِ الْقِيَامِ بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ تَعَالَى، فَأُمِرَ الْعَبْدُ بِالِاسْتِعَاذَةِ بِاللَّهِ مِنْهُ؛ لِيَسْلَمَ لَهُ مَقَامُهُ بَيْنَ يَدَي رَبِّهِ، وَلِيُحْيِيَ قَلْبَهُ وَيَسْتَنِيرَ بِمَا يَتَدَبَّرُهُ وَيَتَفَهَّمُهُ مِنْ كَلَامِ سَيِّدِهِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ حَيَاتِهِ وَنَعِيمِهِ وَفَلَاحِهِ، فَالشَّيْطَانُ أَحْرَصُ عَلَى اقْتِطَاعِ قَلْبِهِ عَنْ مَقْصُودِ التِّلَاوَةِ.
وَلَمَّا عَلِمَ سُبْحَانَهُ جِدَّ الْعَدُوِّ وَتَفَرُّغَهُ لِلْعَبْدِ، وَعَجْزَ الْعَبْدِ عَنْهُ، أَمَرَهُ بِأَنْ يَسْتَعِيذَ بِهِ سُبْحَانَهُ وَيَلْتَجِئَ إِلَيْهِ فِي صَرْفِهِ عَنْهُ، فَيَكْتَفِيَ بِالِاسْتِعَاذَةِ مُؤْنَةَ مُحَارَبَتِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ لَهُ: لَا طَاقَةَ لَكَ بِهَذَا الْعَدُوِّ، فَاسْتَعِذْ بِي أَكْفِكَهُ، وَأَمْنَعْكَ مِنْهُ.
فَإِذَا اسْتَعَاذَ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ بَعُدَ مِنْهُ، فَأَفْضَى الْقَلْبُ إِلَى مَعَانِي الْقُرْآنِ، وَوَقَعَ فِي رِيَاضِهِ الْمُونِقَةِ، وَشَاهَدَ عَجَائِبَهُ الَّتِي تُبْهِرُ الْعُقُولَ، وَاسْتَخْرَجَ مِنْ كُنُوزِهِ وَذَخَائِرِهِ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَكَانَ الْحَائِلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ النَّفْسَ وَالشَّيْطَانَ، وَالنَّفْسُ مُنْفَعِلَةٌ لِلشَّيْطَانِ سَامِعَةٌ مِنْهُ، فَإِذَا بَعُدَ عَنْهَا وَطُرِدَ لَمْ يُهَبْهَا الْمَلَكُ، وَثَبَّتَهَا وَذَكَّرَهَا بِمَا فِيهِ سَعَادَتُهَا وَنَجَاتُهَا.
المونق: من الأنق وهو الفرح والسرور، ورياضه المونقة أي: بساتينه التي تجلب الفرح والسرور.
فإذا أخذ في قراءة القرآن فقد قام في مقام مخاطبة ربه ومناجاته، فليحذر كل الحذر من التعرُّض لمقته وسخطه أن يناجيه ويخاطبه وهو معرض عنه، ملتفت إلى غيره،
وليقف عند كل آية من الفاتحة ينتظر جواب ربه له وكأنه سمعه يقول: حمدني عبدي حين يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ، وقف لحظة ينتظر قوله: أثنى عليّ عبدي ، فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ، انتظر قوله: مجَّدني عبدي ، فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ، انتظر قوله: هذا بيني وبين عبدي ، فإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ، إلى آخر انتظر قوله: هؤلاء لعبدي، ولعبدي ما سأل .
إشارة إلى حديث أبي هريرة، وأوله: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين – أخرجه مسلم- كتاب الصلاة/ باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة: ٢٩٦/١.
فَعِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ تَجِدْ تَحْتَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ إِثْبَاتَ كُلِّ كَمَالٍ لِلرَّبِّ تَعَالَى فِعْلًا وَوَصْفًا وَاسْمًا، وَتَنْزِيهَهُ عَنْ كُلِّ سُوءٍ وَعَيْبٍ فِعْلًا وَوَصْفًا وَاسْمًا، فَهُوَ مَحْمُودٌ فِي أَفْعَالِهِ وَأَوْصَافِهِ وَأَسْمَائِهِ، مُنَزَّهٌ عَنِ الْعُيُوبِ وَالنَّقَائِصِ فِي أَفْعَالِهِ وَأَوْصَافِهِ وَأَسْمَائِهِ،
… وَهُوَ الْمَحْمُودُ لِذَاتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَحْمَدْهُ الْعِبَادُ، كَمَا أَنَّهُ هُوَ الْوَاحِدُ الْأَحَدُ وَلَوْ لَمْ يُوَحِّدْهُ الْعِبَادُ، وَالْإِلَهُ الْحَقُّ وَإِنْ لَمْ يُؤَلِّهُوهُ،
وَمِنْ عُبُودِيَّتِهِ أَيْضًا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ حَمْدَهُ لِرَبِّهِ سُبْحَانَهُ نِعْمَةٌ مِنْهُ عَلَيْهِ، يَسْتَحِقُّ عَلَيْهَا الْحَمْدَ، فَإِذَا حَمِدَهُ عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ اسْتَوْجَبَ عَلَيْهِ حَمْدًا آخَرَ عَلَى نِعْمَةِ حَمْدِهِ وَهَلُمَّ جَرًّا.
وَمِنْ عُبُودِيَّةِ الْعَبْدِ شُهُودُ الْعَبْدِ لِعَجْزِهِ عَنِ الْحَمْدِ وَأَنَّ مَا قَامَ بِهِ مِنْهُ، فَالْرَّبُّ سُبْحَانَهُ هُوَ الْمَحْمُودُ عَلَيْهِ؛ إِذْ هُوَ مُجْرِيهِ عَلَى لِسَانِهِ وَقَلْبِهِ.
ثُمَّ لِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ شُهُودُ تَفَرُّدِهِ سُبْحَانَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ، وَأَنَّهُ كَمَا أَنَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَخَالِقُهُمْ وَرَازِقُهُمْ وَمُدَبِّرُ أُمُورِهِمْ وَمُوجِدُهُمْ وَمُفْنِيهِمْ، فَهُوَ وَحْدَهُ إِلَهُهُمْ وَمَعْبُودُهُمْ وَمَلْجَؤُهُمْ وَمَفْزَعُهُمْ عِنْدَ النَّوَائِبِ، فَلَا رَبَّ غَيْرُهُ، وَلَا إِلَهَ سِوَاهُ.
ثُمَّ لِقَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، عُبُودِيَّةٌ تُخَصُّهَا، وَهِيَ شُهُودُ عُمُومِ رَحْمَتِهِ وَسَعَتِهَا لِكُلِّ شَيْءٍ، وَأَخْذُ كُلِّ مَوْجُودٍ بِنَصِيبِهِ مِنْهَا، وَلَا سِيَّمَا الرَّحْمَةُ الْخَاصَّةُ بِهِ الَّتِي أَقَامَتْ عَبْدَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي خِدْمَتِهِ،
… وَخَلَقَ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ، وَالنَّارَ أَيْضًا بِرَحْمَتِهِ، فَإِنَّهَا سَوْطُهُ الَّذِي يَسُوقُ بِهِ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى جَنَّتِهِ، وَيُطَهِّرُ بِهَا أَدْرَانَ الْمُوَحِّدِينَ مِنْ أَهْلِ مَعْصِيَتِهِ، وَسِجْنُهُ الَّذِي يَسْجُنُ فِيهِ أَعْدَاءَهُ مِنْ خَلِيقَتِهِ.
ثُمَّ يُعْطِي قَوْلُهُ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ عُبُودِيَّتَهَا، وَيَتَأَمَّلُ تَضَمُّنَهَا لِإِثْبَاتِ الْمَعَادِ، وَتَفَرُّدِ الرَّبِّ فِيهِ بِالْحُكْمِ بَيْنَ خَلْقِهِ،
… وَلَمَّا كَانَ قَوْلُهُ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إِعَادَةً وَتَكْرَارًا لِأَوْصَافِ كَمَالِهِ، قَالَ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي ، فَإِنَّ الثَّنَاءَ إِنَّمَا يَكُونُ بِتَكْرَارِ الْمَحَامِدِ وَتَعْدَادِ أَوْصَافِ الْمَحْمُودِ، وَلَمَّا وَصَفَهُ سُبْحَانَهُ بِتَفَرُّدِهِ بِـ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وَهُوَ الْمَلِكُ الْحَقُّ الْمُتَضَمِّنُ لِظُهُورِ عَدْلِهِ وَكِبْرِيَائِهِ وَعَظَمَتِهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ وَصِدْقِ رُسُلِهِ، سَمَّى هَذَا الثَّنَاءَ مَجْدًا، فَقَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي ، فَإِنَّ التَّمْجِيدَ هُوَ الثَّنَاءُ بِصِفَاتِ الْعَظَمَةِ وَالْجَلَالِ.
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
فَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ انْتَظَرَ جَوَابَ رَبِّهِ لَهُ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ ، وَتَأَمَّلْ عُبُودِيَّةَ هَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ وَحُقُوقَهُمَا، … وَعَلِمَ كَيْفَ يَدُورُ الْقُرْآنُ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ عَلَى هَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ، بَلْ كَيْفَ يَدُورُ عَلَيْهِمَا الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ وَالثَّوَابُ وَالْعِقَابُ وَالدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ.
ثُمَّ تَأَمَّلْ ضَرُورَتَهُ وَفَاقَتَهُ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ الَّذِي مَضْمُونُهُ:
1. مَعْرِفَةُ الْحَقِّ.
2. وَقَصْدُهُ وَإِرَادَتُهُ.
3. وَالْعَمَلُ بِهِ.
4. وَالثَّبَاتُ عَلَيْهِ.
5. وَالدَّعْوَةُ إِلَيْهِ، وَالصَّبْرُ عَلَى أَذَى الْمَدْعُوِّ.
فَبِاسْتِكْمَالِ هَذِهِ الْمَرَاتِبِ الْخَمْسِ تَسْتَكْمِلُ الْهِدَايَةَ، وَمَا نَقَصَ مِنْهَا نَقَصَ مِنْ هِدَايَتِهِ.
وَلَمَّا كَانَ الْعَبْدُ مُفْتَقِرًا إِلَى هَذِهِ الْهِدَايَةِ فِي ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ، فِي جَمِيعِ مَا يَأْتِيهِ وَيَذَرُهُ مِنْ:
1. أُمُورٍ قَدْ فَعَلَهَا عَلَى غَيْرِ الْهِدَايَةِ عِلْمًا، وَعَمَلًا، وَإِرَادَةً. فَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى التَّوْبَةِ مِنْهَا، وَتَوْبَتُهُ مِنْهَا هِيَ الْهِدَايَةُ.
2. وَأُمُورٍ مِنَ الْهِدَايَةِ هُوَ قَادِرٌ عَلَيْهَا، وَلَكِنْ لَمْ يُخْلَقْ لَهُ إِرَادَةُ فِعْلِهَا، فَهُوَ مُحْتَاجٌ فِي تَمَامِ الْهِدَايَةِ إِلَى خَلْقِ إِرَادَةٍ يَفْعَلُهَا بِهَا.
3. وَأُمُورٍ مِنْهَا هُوَ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى فِعْلِهَا مَعَ كَوْنِهِ مُرِيدًا، فَهُوَ مُحْتَاجٌ فِي هِدَايَتِهِ إِلَى إِقْدَارِهِ عَلَيْهَا.
4. وَأُمُورٍ مِنْهَا هُوَ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَيْهَا وَلَا مُرِيدٌ لَهَا، فَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى خَلْقِ الْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ لَهُ لِتَتِمَّ لَهُ الْهِدَايَةُ.
5. وَأُمُورٍ هُوَ قَائِمٌ بِهَا عَلَى وَجْهِ الْهِدَايَةِ اعْتِقَادًا وَإِرَادَةً وَعَمَلًا، فَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى الثَّبَاتِ عَلَيْهَا وَاسْتِدَامَتِهَا.
كَانَتْ حَاجَتُهُ إِلَى سُؤَالِ الْهِدَايَةِ أَعْظَمَ الْحَاجَاتِ، وَفَاقَتُهُ إِلَيْهَا أَشَدَّ الْفَاقَاتِ، فَرَضَ عَلَيْهِ الرَّبُّ الرَّحِيمُ هَذَا السُّؤَالَ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فِي أَفْضَلِ أَحْوَالِهِ، وَهِيَ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ مَرَّاتٍ مُتَعَدِّدَةً، لِشِدَّةِ ضَرُورَتِهِ وَفَاقَتِهِ إِلَى هَذَا الْمَطْلُوبِ.
… فَانْقَسَمَ الْخَلْقُ إِذاً ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى هَذِهِ الْهِدَايَةِ:
١- مُنْعَمٌ عَلَيْهِ بِحُصُولِهَا، وَاسْتِمْرَارِ حَظِّهِ مِنَ النِّعَمِ بِحَسَبِ حَظِّهِ مِنْ تَفَاصِيلِهَا وَأَقْسَامِهَا.
٢- وَضَالٌّ لَمْ يُعْطَ هَذِهِ الْهِدَايَةَ وَلَمْ يُوَفَّقْ لَهَا.
٣- وَمَغْضُوبٌ عَلَيْهِ عَرَفَهَا وَلَمْ يُوَفَّقْ لِلْعَمَلِ بِمُوجِبِهَا.
فَالْأَوَّلُ الْمُنْعَمُ عَلَيْهِ قَامَ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ عِلْماً وَعَمَلاً، وَالضَّالُّ مُنْسَلِخٌ عَنْهُ عِلْماً وَعَمَلاً، وَالْمَغْضُوبُ عَلَيْهِ عَارِفٌ بِهِ عِلْماً مُنْسَلِخٌ مِنْهُ عَمَلاً.
ثُمَّ شَرَعَ لَهُ التَّأْمِينَ عِنْدَ هَذَا الدُّعَاءِ تَفَاؤُلًا بِإِجَابَتِهِ وَحُصُولِهِ وَطَابِعًا عَلَيْهِ وَتَحْقِيقًا لَهُ،
… وَأَفْضَلُ أَذْكَارِ الصَّلَاةِ ذِكْرُ الْقِيَامِ، وَأَحْسَنُ هَيْئَةِ الْمُصَلِّي هَيْئَةُ الْقِيَامِ، فَخُصِّصَتْ بِالْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ وَتِلَاوَةِ كَلَامِ الرَّبِّ -جَلَّ جَلَالُهُ-، وَهَذَا نَهْيٌ عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ؛ لِأَنَّهُمَا حَالَتَا ذُلٍّ وَخُضُوعٍ وَتَطَامُنٍ وَانْخِفَاضٍ، وَلِهَذَا شُرِعَ فِيهِمَا مِنَ الذِّكْرِ مَا يُنَاسِبُ هَيْئَتَهُمَا.
ثُمَّ شَرَعَ لَهُ رَفْعَ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الرُّكُوعِ؛ تَعْظِيمًا لِأَمْرِ اللَّهِ، وَزِينَةً لِلصَّلَاةِ، وَعُبُودِيَّةً خَاصَّةً لِلْيَدَيْنِ كَعُبُودِيَّةِ بَاقِي الْجَوَارِحِ، وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَهُوَ حِلْيَةُ الصَّلَاةِ وَزِينَتُهَا، وَتَعْظِيمًا لِشَعَائِرِهَا.
ثُمَّ شَرَعَ لَهُ التَّكْبِيرَ الَّذِي هُوَ فِي انْتِقَالَاتِ الصَّلَاةِ مِنْ رُكْنٍ إِلَى رُكْنٍ كَالتَّلْبِيَةِ فِي انْتِقَالَاتِ الْحَاجِّ مِنْ مَشْعَرٍ إِلَى مَشْعَرٍ، فَهُوَ شِعَارُ الصَّلَاةِ، كَمَا أَنَّ التَّلْبِيَةَ شِعَارُ الْحَجِّ؛ لِيَعْلَمَ الْعَبْدُ أَنَّ سِرَّ الصَّلَاةِ هُوَ تَعْظِيمُ الرَّبِّ تَعَالَى وَتَكْبِيرُهُ بِعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ.
ثُمَّ شَرَعَ لَهُ بِأَنْ يَخْضَعَ لِلْمَعْبُودِ سُبْحَانَهُ بِالرُّكُوعِ خُضُوعًا لِعَظَمَتِهِ، وَاسْتِكَانَةً لِهَيْبَتِهِ، وَتَذَلُّلًا لِعِزَّتِهِ، فَثَنَى الْعَبْدُ لَهُ صُلْبَهُ، وَوَضَعَ لَهُ قَامَتَهُ، وَنَكَّسَ لَهُ رَأْسَهُ، وَحَنَى لَهُ ظَهْرَهُ؛ مُعَظِّمًا لَهُ، نَاطِقًا بِتَسْبِيحِهِ الْمُقْتَرِنِ بِتَعْظِيمِهِ، فَاجْتَمَعَ لَهُ خُضُوعُ الْقَلْبِ، وَخُضُوعُ الْجَوَارِحِ، وَخُضُوعُ الْقَوْلِ عَلَى أَتَمِّ الْأَحْوَالِ.
ثُمَّ شَرَعَ لَهُ أَنْ يَحْمَدَ رَبَّهُ وَيُثْنِيَ عَلَيْهِ بِآلَائِهِ عِنْدَ اعْتِدَالِهِ وَانْتِصَابِهِ وَرُجُوعِهِ إِلَى أَحْسَنِ هَيْئَتِهِ، مُنْتَصِبَ الْقَامَةِ مُعْتَدِلَهَا، فَيَحْمَدَ رَبَّهُ وَيُثْنِيَ عَلَيْهِ بِأَن وَفَّقَهُ لِذَلِكَ الْخُضُوعِ، ثُمَّ نَقَلَهُ مِنْهُ إِلَى مَقَامِ الِاعْتِدَالِ وَالِاسْتِوَاءِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَاقِفًا فِي خِدْمَتِهِ كَمَا كَانَ فِي حَالِ الْقِرَاءَةِ.
وَلِذَلِكَ الِاعْتِدَالِ ذَوْقٌ خَاصٌّ وَحَالٌ يَحْصُلُ لِلْقَلْبِ سِوَى ذَوْقِ الرُّكُوعِ وَحَالِهِ، وَهُوَ رُكْنٌ مَقْصُودٌ لِذَاتِهِ كَرُكْنِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ سَوَاءً؛ وَلِهَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُطِيلُهُ كَمَا يُطِيلُ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ،
… ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ .
أخرجه مسلم في صحيحه (1/٤٧٧) كتاب الصلاة/ باب اعتدال أركان الصلاة وتخفيفها وفي تمام وفي (٤٧٧) في الصلاة/ باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع. والنسائي في سننه 2/19 في الافتتاح/ باب ما يقوله في قيامه.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَا يَنْفَعُ عِنْدَهُ، وَلَا يُخَلِّصُ مِنْ عَذَابِهِ، وَلَا يُدْنِي مِنْ كَرَامَتِهِ جُدُودُ بَنِي آدَمَ وَحُظُوظُهُمْ مِنَ الْمُلْكِ وَالرِّيَاسَةِ وَالْغِنَى وَطِيبِ الْعَيْشِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، إِنَّمَا يَنْفَعُهُمْ عِنْدَهُ التَّقَرُّبُ إِلَيْهِ بِطَاعَتِهِ وَإِيثَارُ مَرْضَاتِهِ.
… ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَخِرُّ لِلَّهِ سَاجِدًا غَيْرَ رَافِعٍ يَدَيْهِ؛ لِأَنَّ الْيَدَيْنِ تَنْحَطَّانِ لِلسُّجُودِ كَمَا يَنْحَطُّ الْوَجْهُ، فَهُمَا تَنْحَطَّانِ لِعُبُودِيَّتِهِمَا، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ رَفْعِهِمَا، وَلِذَلِكَ لَمْ يُشْرَعْ رَفْعُهُمَا عِنْدَ رَفْعِ الرَّأْسِ مِنَ السُّجُودِ؛ لِأَنَّهُمَا يُرْفَعَانِ مَعَهُ كَمَا يُوضَعَانِ مَعَهُ،
… ثُمَّ شَرَعَ لَهُ أَنْ يُكَبِّرَ وَيَخِرَّ سَاجِدًا، وَيُعْطِيَ فِي سُجُودِهِ كُلَّ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ حَظَّهُ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ، فَيَضَعَ نَاصِيَتَهُ بِالْأَرْضِ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ مُسْنِدَةً، رَاغِمًا لَهُ أَنْفُهُ، خَاضِعًا لَهُ قَلْبُهُ، وَيَضَعَ أَشْرَفَ مَا فِيهِ وَهُوَ وَجْهُهُ بِالْأَرْضِ، وَلَا سِيَّمَا عَلَى التُّرَابِ، مُعَفِّرًا لَهُ بَيْنَ يَدَيْ سَيِّدِهِ، رَاغِمًا لَهُ أَنْفُهُ، خَاضِعًا لَهُ قَلْبُهُ وَجَوَارِحُهُ، مُتَذَلِّلًا لِعَظَمَتِهِ، خَاضِعًا لِعِزَّتِهِ، مُسْتَكِينًا بَيْنَ يَدَيْهِ، أَذَلَّ شَيْءٍ وَأَكْسَرَهُ لِرَبِّهِ تَعَالَى، مُسَبِّحًا لَهُ بِعُلُوِّهِ فِي أَعْظَمِ سُفُولِهِ، قَدْ صَارَتْ أَعَالِيهِ مَلْوِيَّةً لِأَسَافِلِهِ؛ ذُلًّا وَخُضُوعًا وَانْكِسَارًا، وَقَدْ طَابَقَ قَلْبُهُ حَالَ جِسْمِهِ، فَسَجَدَ الْقَلْبُ كَمَا سَجَدَ الْوَجْهُ، وَقَدْ سَجَدَ مَعَهُ أَنْفُهُ وَيَدَاهُ وَرُكْبَتَاهُ وَرِجْلَاهُ.
فَأَحْرِ بِهِ فِي هَذِهِ الْحَالِ أَنْ يَكُونَ أَقْرَبَ إِلَى رَبِّهِ مِنْهُ فِي غَيْرِهَا مِنَ الْأَحْوَالِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ .
وَلَمَّا خَلَقَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْعَبْدَ مِنَ الْأَرْضِ، كَانَ جَدِيرًا بِأَنْ لَا يَخْرُجَ عَنْ أَصْلِهِ، بَلْ يَرْجِعَ إِلَيْهِ إِذَا تَقَاضَاهُ الطَّبْعُ وَالنَّفْسُ بِالْخُرُوجِ عَنْهُ، فَيَتَمَثَّلَ لَهُ حَقِيقَةَ التُّرَابِ الَّذِي خُلِقَ مِنْهُ، وَهُوَ يَضَعُ أَشْرَفَ شَيْءٍ مِنْهُ وَأَعْلَاهُ، وَهُوَ الْوَجْهُ فِيهِ، وَقَدْ صَارَ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ، خُضُوعًا بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ الْأَعْلَى، وَخُشُوعًا لَهُ، وَتَذَلُّلًا لِعَظَمَتِهِ، وَاسْتِكَانَةً لِعِزَّتِهِ، وَهَذَا غَايَةُ خُشُوعِ الظَّاهِرِ.
فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ خَلَقَهُ مِنَ الْأَرْضِ الَّتِي هِيَ مَذَلَّةٌ لِلْوَطْءِ بِالْأَقْدَامِ، وَاسْتَعْمَلَهُ فِيهَا، وَرَدَّهُ إِلَيْهَا، وَوَعَدَهُ بِالْإِخْرَاجِ مِنْهَا، فَهِيَ أُمُّهُ وَأَبُوهُ وَأَصْلُهُ وَفَصْلُهُ، فَضَمَّتْهُ حَيًّا عَلَى ظَهْرِهَا، وَمَيِّتًا فِي بَطْنِهَا، وَجُعِلَتْ لَهُ طُهْرًا وَمَسْجِدًا، فَأُمِرَ بِالسُّجُودِ؛ إِذْ هُوَ غَايَةُ خُشُوعِ الظَّاهِرِ، وَأَجْمَعُ الْعُبُودِيَّةِ لِسَائِرِ الْأَعْضَاءِ، فَيُعَفِّرَ وَجْهَهُ فِي التُّرَابِ؛ اسْتِكَانَةً وَتَوَاضُعًا وَخُضُوعًا وَإِلْقَاءً بِالْيَدَيْنِ.
وكان النبي ﷺ لا يتقي الأرض بوجهه قصدًا، بل إذا اتفق له ذلك فعله، ولذلك سجد في الماء والطين.
أخرجه البخاري في جامعه (٢/ ٢٤٦) كتاب صفة الصلاة / باب السجود على الأنف في الطين، وباب من لم يمسح جبهته وأنفه حتى صلى، ومسلم في صحيحه (١/ ٦٧) كتاب الصيام / باب فضل ليلة القدر، وأبو داود في سننه (٨٩٤) كتاب الصلاة / باب السجود على الأنف والجبهة و(٩١١) باب السجود على الأنف، والنسائي في سننه (٢/ ٢٠٨ و ٢٠٩) في الافتتاح / باب السجود على الجبين.
وهذا كان من كمال السجود الواجب أنه يسجد على الأعضاء السبعة: الوجه، واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين، فهذا فرض أمر الله به ورسوله، وبلغه الرسول لأمته.
وَلِذَلِكَ إِذَا رَأَى الشَّيْطَانُ ابْنَ آدَمَ سَاجِدًا لِلَّهِ اعْتَزَلَ نَاحِيَةً يَبْكِي وَيَقُولُ: يَا وَيْلَهُ، أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَعَصَيْتُ فَلِيَ النَّارُ.
أخرجه مسلم (٨١) كتاب الإيمان/ باب بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة.
فَالَّذِي حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ هُوَ الَّذِي لَا يَسْجُدُ لَهُ سُبْحَانَهُ، وَهُوَ الَّذِي أَهَانَهُ بِتَرْكِ السُّجُودِ لَهُ،
… فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُطِيلُهُ بِقَدْرِ السُّجُودِ، يَتَضَرَّعُ فِيهِ إِلَى رَبِّهِ، وَيَسْتَغْفِرُهُ، وَيَسْأَلُهُ رَحْمَتَهُ وَهُدَايَتَهُ وَرِزْقَهُ وَعَافِيَتَهُ، وَلَهُ ذَوْقٌ خَاصٌّ وَحَالٌ لِلْقَلْبِ غَيْرُ ذَوْقِ السُّجُودِ وَحَالِهِ.
إشارة إلى حديث ابن عباس – أخرجه أبو داود في سننه كتاب الصلاة / باب الدعاء بين السجدتين 1/٢٢٤ أنَّ النبي ﷺ كان يقول بين السجدتين: اللهم اغفر لي وارحمني، وعافني واهدني وارزقني .
شُرِعَ لِلْعَبْدِ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ أَنْ يَحْثُوَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ مُسْتَعْدِيًا عَلَى نَفْسِهِ، مُعْتَذِرًا إِلَى رَبِّهِ مِمَّا كَانَ مِنْهَا، رَاغِبًا إِلَيْهِ أَنْ يَرْحَمَهُ وَيَغْفِرَ لَهُ وَيَهْدِيَهُ وَيَرْزُقَهُ وَيُعَافِيَهُ، وَهَذِهِ الْخَمْسُ هِيَ جِمَاعُ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
… فَإِنَّ الرِّزْقَ يَجْلِبُ لَهُ مَصَالِحَ دُنْيَاهُ، وَالْعَافِيَةَ تَدْفَعُ مَضَارَّهَا، وَالْهِدَايَةَ تَجْلِبُ لَهُ مَصَالِحَ أُخْرَاهُ، وَالْمَغْفِرَةَ تَدْفَعُ عَنْهُ مَضَارَّهَا، وَالرَّحْمَةَ تَجْمَعُ ذَلِكَ كُلَّهُ.
وَشَرَعَ لَهُ تَكْرِيرَ هَذِهِ الْأَفْعَالِ وَالْأَقْوَالِ؛ إِذْ هِيَ غِذَاءُ الْقَلْبِ وَالرُّوحِ الَّتِي لَا قِوَامَ لَهُمَا إِلَّا بِهَا، فَكَانَ تَكْرِيرُهَا بِمَنْزِلَةِ تَكْرِيرِ الْأَكْلِ حَتَّى يَشْبَعَ، وَالشُّرْبِ حَتَّى يَرْوَى، فَلَوْ تَنَاوَلَ الْجَائِعُ لُقْمَةً وَاحِدَةً وَأَقْلَعَ عَنِ الطَّعَامِ، مَا كَانَتْ تُغْنِي عَنْهُ.
وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: مَثَلُ الَّذِي يُصَلِّي وَلَا يَطْمَئِنُّ فِي صَلَاتِهِ كَمَثَلِ الْجَائِعِ إِذَا قُدِّمَ إِلَيْهِ طَعَامٌ فَتَنَاوَلَ مِنْهُ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ، مَاذَا تُغْنِي عَنْهُ؟ .
… ولَمَّا كَانَتِ العُبُودِيَّةُ غَايَةَ كَمَالِ الإِنسَانِ، وقُربِهِ مِنَ اللَّهِ بِحَسَبِ نَصِيبِهِ مِنْ عُبُودِيَّتِهِ، وكَانَتِ الصَّلَاةُ جَامِعَةً لِمُتَفَرِّقِ العُبُودِيَّةِ، مُتَضَمِّنَةً لِأَقْسَامِهَا، كَانَتْ أَفْضَلَ أَعْمَالِ العَبْدِ، ومَنزِلَتُهَا مِنَ الإِسلامِ بِمَنزِلَةِ عَمُودِ الفُسْطَاطِ مِنهُ، وكَانَ السُّجُودُ أَفْضَلَ أَرْكَانِهَا الفِعْلِيَّةِ، وسِرُّهَا الَّتِي شُرِعَتْ لِأَجلِهِ، وكَانَ تَكَرُّرُهُ فِي الصَّلَاةِ أَكْثَرَ مِنْ تَكَرُّرِ سَائِرِ الأَرْكَانِ،
فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ وَأَكْمَلَهَا وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الِانْصِرَافُ مِنْهَا شُرِعَ لَهُ الْجُلُوسُ بَيْنَ يَدَي رَبِّهِ، مُثْنِيًا عَلَيْهِ بِأَفْضَلِ التَّحِيَّاتِ الَّتِي لَا تَصْلُحُ إِلَّا لَهُ، وَلَا تَلِيقُ بِغَيْرِهِ.
… فَكُلُّ تَحِيَّةٍ يُحَيَّا بِهَا مَلِكٌ مِنْ سُجُودٍ أَوْ ثَنَاءٍ أَوْ بَقَاءٍ وَدَوَامٍ فَهِيَ لِلَّهِ ﷻ، وَلِهَذَا أَتَى بِهَا مَجْمُوعَةً مُعَرَّفَةً بِاللَّامِ أَدَاةِ الْعُمُومِ، وَهِيَ جَمْعُ تَحِيَّةٍ، وَهِيَ تَفْعِلَةٌ مِنَ الْحَيَاةِ.
ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهَا الصَّلَوَاتِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَالتَّعْرِيفِ لِيَشْمَلَ كُلَّ مَا أُطْلِقَ عَلَيْهِ لَفْظُ الصَّلَاةِ خُصُوصًا وَعُمُومًا، فَكُلُّهَا لِلَّهِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لَهُ، فَالْتَّحِيَّاتُ لَهُ مُلْكًا، وَالصَّلَوَاتُ لَهُ عُبُودِيَّةً وَاسْتِحْقَاقًا، فَالْتَّحِيَّاتُ لَا تَكُونُ إِلَّا لَهُ، وَالصَّلَوَاتُ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لَهُ.
أصحّ صيغة للتشهّد في آخر الصلاة هي ما ثبت عن النبي ﷺ في حديث ابن مسعود رضي الله عنه، قال: كُنَّا نَقُولُ فِي الصَّلَاةِ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لا تَقُولُوا: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ، وَلَكِنْ قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ، وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ . [صحيح البخاري 831، صحيح مسلم 402].
ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهَا الطَّيِّبَاتِ كَذَلِكَ، وَهَذَا يَتَنَاوَلُ أَمْرَيْنِ: الْوَصْفَ وَالْمُلْكَ.
فَأَمَّا الْوَصْفُ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ طَيِّبٌ، وَكَلَامُهُ طَيِّبٌ، وَفِعْلُهُ كُلُّهُ طَيِّبٌ، وَلَا يَصْدُرُ مِنْهُ إِلَّا الطَّيِّبُ، وَلَا يُضَافُ إِلَيْهِ إِلَّا الطَّيِّبُ، وَلَا يَصْعَدُ إِلَيْهِ إِلَّا الطَّيِّبُ. فَالطَّيِّبَاتُ لَهُ وَصْفًا وَفِعْلًا وَقَوْلًا وَنِسْبَةً، وَكُلُّ طَيِّبٍ مُضَافٌ إِلَيْهِ، وَكُلُّ مُضَافٍ إِلَيْهِ طَيِّبٌ، فَلَهُ الْكَلِمَاتُ الطَّيِّبَاتُ، وَالْأَفْعَالُ الطَّيِّبَاتُ، وَكُلُّ مُضَافٍ إِلَيْهِ كَبَيْتِهِ، وَعَبْدِهِ، وَرُوحِهِ، وَنَاقَتِهِ، وَجَنَّتِهِ فَهِيَ طَيِّبَاتٌ.
وَأَيْضًا فَمَعَانِي الْكَلِمَاتِ الطَّيِّبَاتِ لِلَّهِ وَحْدَهُ. فَإِنَّ الْكَلِمَاتِ الطَّيِّبَاتِ تَتَضَمَّنُ تَسْبِيحَهُ، وَتَحْمِيدَهُ، وَتَكْبِيرَهُ، وَتَمْجِيدَهُ، وَالثَّنَاءَ عَلَيْهِ بِآلَائِهِ وَأَوْصَافِهِ. فَهَذِهِ الْكَلِمَاتُ الطَّيِّبَاتُ – الَّتِي يُثْنَى عَلَيْهِ بِهَا – وَمَعَانِيهَا لَهُ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُهُ فِيهَا غَيْرُهُ، كَسُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ.
إشارة إلى حديث أن عمر بن الخطاب كان يجهر بهؤلاء الكلمات يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك – أخرجه مسلم كتاب الصلاة/ باب حجة من قال لا يجهر بالبسملة 1/ 299.
ونحو سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر .
إشارة إلى حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: لأن أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أحب إلي مما طلعت عليه الشمس – أخرجه مسلم كتاب الذكر والدعاء / باب فضل التهليل والتسبيح والدعاء 4/٢٠٧٢.
ونحو سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم.
إشارة إلى حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم – أخرجه البخاري كتاب الدعاء / باب فضل التسبيح 8/١٠٧.
فَكُلُّ طَيِّبٍ فَلَهُ وَعِنْدَهُ وَمِنْهُ وَإِلَيْهِ، وَهُوَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَهُوَ إِلَهُ الطَّيِّبِينَ، وَجِيرَانُهُ فِي دَارِ كَرَامَتِهِ هُمُ الطَّيِّبُونَ.
فَإِنَّ سُبْحَانَ اللَّهِ تَتَضَمَّنُ تَنْزِيهَهُ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ وَعَيْبٍ وَسُوءٍ، وَعَنْ خَصَائِصِ الْمَخْلُوقِينَ وَشَبَهِهِمْ.
وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ تَتَضَمَّنُ إِثْبَاتَ كُلِّ كَمَالٍ لَهُ قَوْلًا وَفِعْلًا وَوَصْفًا عَلَى أَتَمِّ الْوُجُوهِ وَأَكْمَلِهَا أَزَلًا وَأَبَدًا.
وَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تَتَضَمَّنُ انْفِرَادَهُ بِالْإِلَهِيَّةِ، وَأَنَّ كُلَّ مَعْبُودٍ سِوَاهُ فَبَاطِلٌ، وَأَنَّهُ وَحْدَهُ الْإِلَهُ الْحَقُّ.
وَ اللَّهُ أَكْبَرُ تَتَضَمَّنُ أَنَّهُ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَأَجَلُّ وَأَعْظَمُ وَأَعَزُّ وَأَقْوَى وَأَقْدَرُ وَأَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
فَهَذِهِ الْكَلِمَاتُ الطَّيِّبَاتُ لَا تَصْلُحُ هِيَ وَمَعَانِيهَا إِلَّا لِلَّهِ وَحْدَهُ.
السَّلامُ على النبي ﷺ وعلى عباد الله الصَّالحين
ثُمَّ شَرَعَ لَهُ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ الَّذِينَ اصْطَفَى بَعْدَ تَقَدُّمِ الْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، فَطَابَقَ ذَلِكَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَىٰ﴾، وَكَأَنَّهُ امْتِثَالٌ لَهُ.
ثُمَّ شَرَعَ لَهُ بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ التَّحِيَّةِ وَالتَّسْلِيمِ عَلَى مَنْ يَسْتَحِقُّ التَّسْلِيمَ خُصُوصًا وَعُمُومًا أَنْ يَشْهَدَ شَهَادَةَ الْحَقِّ الَّتِي بُنِيَتْ عَلَيْهَا الصَّلَاةُ، وَهِيَ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِهَا، وَلَا تَنْفَعُهُ إِلَّا بِقَرِينَتِهَا، وَهِيَ شَهَادَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالرِّسَالَةِ، وَخُتِمَتْ بِهَا الصَّلَاةُ، كَمَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: فَإِذَا قُلْتَ ذَلِكَ فَقَدْ قَضَيْتَ صَلَاتَكَ، فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَقُومَ فَقُمْ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَقْعُدَ فَاقْعُدْ .
أخرجه أبو داود في سننه كتاب الصلاة/ باب التشهد (١/ ٢٥٤) والدار قطني في سننه كتاب الصلاة، باب صفة التشهد (١/ ٣٥٣).
… فَجُعِلَتْ شَهَادَةُ الْحَقِّ خَاتِمَةَ الصَّلَاةِ، كَمَا شُرِعَ أَنْ تَكُونَ خَاتِمَةَ الْحَيَاةِ، فَمَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ.
إشارة إلى حديث معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ: من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة – أخرجه أبو داود، كتاب الجنائز/ باب في التلقين (٣/ ١٩٠).
وَكَذَلِكَ شُرِعَ لِلْمُتَوَضِّئِ أَنْ يَخْتِمَ وُضُوءَهُ بِالشَّهَادَتَيْنِ.
إشارة إلى حديث عقبة بن عامر الجهني أن رسول الله ﷺ قال: من توضأ فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء – أخرجه مسلم، كتاب الطهارة/ باب الذكر المستحب عقب الوضوء (١/ ٢١٠).
وَالْأَنْبِيَاءُ كُلُّهُمْ بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ مِنْ آلِهِ؛ لِذَلِكَ كَانَ الْمَطْلُوبُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَاةً مِثْلَ الصَّلَاةِ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ بَعْدَهُ وَآلِهِ الْمُؤْمِنِينَ؛ فَلِهَذَا كَانَتْ هَذِهِ الصَّلَاةُ أَكْمَلَ مَا يُصَلَّى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِهَا وَأَفْضَلَ.
فَإِذَا أَتَى بِهَا الْمُصَلِّي أُمِرَ أَنْ يَسْتَعِيذَ بِاللَّهِ مِنْ مَجَامِعِ الشَّرِّ كُلِّهِ، فَإِنَّ الشَّرَّ إِمَّا عَذَابُ الْآخِرَةِ وَإِمَّا سَبَبُهُ، فَلَيْسَ الشَّرُّ إِلَّا الْعَذَابَ وَأَسْبَابَهُ، وَالْعَذَابُ نَوْعَانِ: عَذَابٌ فِي الْبَرْزَخِ، وَعَذَابٌ فِي الْآخِرَةِ.
ثُمَّ شُرِعَ لَهُ مِنَ الدُّعَاءِ مَا يَخْتَارُهُ مِنْ مَصَالِحِ دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ، وَالدُّعَاءُ فِي هَذَا الْمَحَلِّ قَبْلَ السَّلَامِ أَفْضَلُ مِنَ الدُّعَاءِ بَعْدَ السَّلَامِ، وَأَنْفَعُ لِلدَّاعِي، وَهَكَذَا كَانَتْ عَامَّةُ أَدْعِيَةِ النَّبِيِّ ﷺ كُلُّهَا، كَانَتْ فِي الصَّلَاةِ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا، فَكَانَ يَدْعُو فِي الِاسْتِفْتَاحِ أَنْوَاعًا مِنَ الدُّعَاءِ، وَفِي الرُّكُوعِ، وَبَعْدَ رَفْعِ رَأْسِهِ مِنْهُ، وَفِي السُّجُودِ، وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَفِي التَّشَهُّدِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ،
… وَسِرُّ ذَلِكَ أَنَّ الْمُصَلِّي قَبْلَ سَلَامِهِ فِي مَحَلِّ الْمُنَاجَاةِ وَالْقُرْبَةِ بَيْنَ يَدَي رَبِّهِ، فَسُؤَالُهُ فِي هَذِهِ الْحَالِ أَقْرَبُ إِلَى الْإِجَابَةِ مِنْ سُؤَالِهِ بَعْدَ انْصِرَافِهِ مِنْ بَيْنِ يَدَي رَبِّهِ.
وَقَدْ سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ: أَيُّ الدُّعَاءِ أَسْمَعُ؟ فَقَالَ: جَوْفُ اللَّيْلِ وَأَدْبَارُ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَةِ .
أخرجه الترمذي في جامعه (٣٤٩٤)، كتاب الدعوات/ باب رقم ٨٠ وحسنه.
وَدُبُرُ الصَّلَاةِ جُزْءُهَا الْأَخِيرُ كَدُبُرِ الْحَيَوَانِ وَدُبُرِ الْحَائِطِ، وَقَدْ يُرَادُ بِدُبُرِهَا مَا بَعْدَ انْقِضَائِهَا بِقَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ: تُسَبِّحُونَ اللَّهَ وَتَحْمَدُونَهُ وَتُكَبِّرُونَهُ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ ، فَهُنَا دُبُرُهَا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا.
ثُمَّ لَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ، أُذِنَ لَهُ أَنْ يَسْأَلَ حَاجَتَهُ، وَشُرِعَ لَهُ أَنْ يَتَوَسَّلَ قَبْلَهَا بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَإِنَّهَا مِنْ أَعْظَمِ الْوَسَائِلِ بَيْنَ يَدَيِ الدُّعَاءِ، كَمَا فِي السُّنَنِ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِحَمْدِ اللَّهِ، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَلْيُصَلِّ عَلَى رَسُولِهِ، ثُمَّ لِيَسْلْ حَاجَتَهُ .
أخرجه الترمذي في سننه كتاب الدعوات/ باب رقم: ٦٤ (٥/ ٥١٧). وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأخرجه أحمد في مسنده (٦/ ١٨).
وآخر عدوانا أن الحمد لله رب العالمين
