القائمة إغلاق

خُلاصة كتاب: براهين الرسالة (البراهين العقلية على نبوة الرسول ﷺ)، تأليف: أحمد بن غانم الأسدي

 

بسم الله الرحمن الرحيم

خُلاصة كتاب:

براهين الرسالة، البراهين العقلية على نبوة الرسول ﷺ

تأليف: أحمد بن غانم الأسدي

تحميل الخُلاصة: [DOC] [PDF]

فهرس المواضيع:

نبذة عن الكتاب والمؤلِّف.. 3

خُطبة المؤلِّف.. 3

الفَصْل الأوَّل: مباحث تمهيدية. 3

المبحث الأوَّل: منزلة البراهين العقلية على النُّبُوَّة المُحَمَّدِيَّة. 3

المبحث الثاني: مَسَالِك إثبات النُّبُوَّة 8

المبحث الثالث: خصائص براهين الرِّسالة. 8

الفَصْل الثَّاني: براهين صِدْق نُبُوَّته ﷺ في سيرته قبل البِعْثَة. 10

المبحث الأوَّل: طَهَارَة أخلاقه ﷺ قبل النُّبُوَّة 10

المبحث الثَّاني: سلامته ﷺ مِن المُنافسة على الرِّئاسة والزَّعامة. 13

المبحث الثَّالِث: قِصَّة أصحاب الفيل. 13

الفَصْل الثَّالِث: براهين رسالته ﷺ في سيرته بعد البِعْثَة. 14

المبحث الأوَّل: بعثته ﷺ في مكَّة! 14

المبحث الثَّاني: فجأة الوحي له ﷺ14

المبحث الثالث: أُمِّيَّته ﷺ فلا يقرأ كتابًا ولا يخطُّ مقروءًا! 14

المبحث الرَّابع: عداوة عشيرته ﷺ له حين أعلن النبوة 16

المبحث الخامس: كمالاته ﷺ في خَلْقِهِ وخُلُقه وشريعته وأُمَّته. 16

المبحث السَّادِس: صبره ﷺ على الشَّدائد المُزَلْزِلَة. 18

المبحث السَّابِع: ودائع قريش20

الفَصْل الرَّابع: براهين صِدْق نُبُوَّته ﷺ في سيرته بعد الهجرة 20

المبحث الأوَّل: بُرُوك النَّاقة حين هاجر ﷺ إلى المدينة. 20

المبحث الثَّاني: مُشاورة النِّساء. 20

المبحث الرَّابع: عُبُودِيَّة السِّرّ21

المبحث الخامس: التَّوازُن والتَّكامُل في حياته ﷺ22

المبحث السَّادِس: الزُّهد في الدُّنيا 22

المبحث السَّابع: حاله ﷺ في صُلْح الحُدَيْبِيَة. 23

المبحث الثَّامِن: حاله ﷺ مع نسائه أُمَّهات المؤمنين.. 23

المبحث التَّاسِع: زواجه ﷺ بصَفِيَّة بنت حُيَيّ بن أخْطَب.. 25

المبحث العَاشِر: بعده ﷺ عن إطراء نفسه. 27

المبحث الحادي عشر: إبلاغه ﷺ آيات عتاب الله تعالى له. 27

المبحث الثاني عشر: إبلاغه ﷺ قول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾. 30

المبحث الثالث عشر: تأخُّر نُزُول الوحي عليه ﷺ في شأن الإفك.. 32

المبحث الرَّابع عشر: ذكره ﷺ في القُرآن أربع مرَّات فقط.. 33

المبحث الخامس عشر: إخباره ﷺ بأنباء الأنبياء قبله. 33

المبحث السَّادس عشر: إخباره ﷺ بالغيبيَّات المُستقبلية. 33

المبحث السَّابع عشر: إخباره ﷺ عن البحر وما فيه، ولم يره! 34

المبحث الثامن عشر: إخباره ببقاء ذرية شيبة بن عثمان بن أبي طلحة. 34

المبحث الثاني والعشرون: كُسُوف الشَّمس في يوم وفاة إبراهيم ابن سيد البشر ﷺ35

المبحث الثَّالِث والعشرون: إقرار الله تعالى له فيما بلغه عنه وتأييده على أعدائه. 36

المبحث الرَّابع والعشرون: حفظ الله تعالى لسيرته. 37

المبحث الخامس والعشرون: إخباره ﷺ بختم سلسلة النبوة بنبوته ﷺ37

نبذة عن الكتاب والمؤلِّف

كتاب براهين الرسالة البراهين العقلية على نبوة الرسول ﷺ صدر في طبعته الأولى سنة 1446هـ/2025م عن شركة آفاق المعرفة للنشر والتوزيع. يتألف الكتاب من نحو 145 صفحة، وقد كُتب بغرض عرض أدلة عقلية على صدق نبوة النبي محمد ﷺ. يهدف المؤلف إلى إبراز الشواهد من السيرة النبوية قبل البعثة وبعدها بصورة مبسطة تصلح للمتخصصين والعامة.

الشيخ أحمد بن غانم الأسدي كاتب يمني وباحث مختص في السيرة النبوية وتاريخ اليمن. يتميز بمنهجه النقدي في دراسة السيرة وحرصه على تقديم مواد علمية ممحصة ومبسطة للقارئ. تتنوع أعماله بين تحقيق المخطوطات وإعداد دراسات حول أعلام اليمن، إضافة إلى كتب في السيرة مثل الأربعون الأسدية والمدخل إلى علم السيرة النبوية. في كتابه الجديد براهين الرسالة يُبرز الأدلة العقلية على نبوة رسول الله ﷺ عبر دراسة أحداث السيرة بعين الباحث المدقق، مقدّماً مادة علمية تبتغي حماية المسلمين من التشكيك ودعوة غير المسلمين عبر المنطق والدليل.

سلبيَّات:

<![if !supportLists]> <![endif]>عدم توثيق الاقتباسات المنقولة عن المُستشرقين، وكذلك بعض الروايات.

<![if !supportLists]> <![endif]>عدم وجود قائمة مراجع.

خُطبة المؤلِّف

قول العلامة أبي محمد ابن حزم: إنَّ سيرة محمد ﷺ لِمَن تدبَّرها.. تقتضي تصديقه ضرورةً، وتشهد له بأنَّه رسول الله ﷺ حقًا، فلو لم تكُن له مُعجزة غير سيرته ﷺ لكفى .

الفَصْل بين المِلَل والنِّحَل ، (١/ ٣٤٢).

الفَصْل الأوَّل: مباحث تمهيدية

المبحث الأوَّل: منزلة البراهين العقلية على النُّبُوَّة المُحَمَّدِيَّة

لقد كانت معجزة رسول الله ﷺ الكبرى والخالدة هي القرآن الكريم،

جَاءَ النَّبِيُّونَ بِالآيَاتِ فَانْصَرَمَتْ … وَجِئْتَنَا بِحَكِيمٍ غَيْرِ مُنْصَرِمِ

آيَاتُهُ كُلَّ مَا طَالَ الْمَدَى جُدُدٌ … يَزِينُهُنَّ جَلَالُ الْعِتْقِ وَالْقِدَمِ

ولكنَّ دلائل النُّبُوَّة أوسع مِن المُعجزات، ولا يَلْزَم أن تكون الدَّلائل مُعجزات خارقة، بل إنَّ الخوارق التي حصلت للنبي ﷺ كتكثير الطَّعام، ونبع الماء مِن بين أصابعه، وتسبيح الحَصَى في يده ونحوها؛ حصلت أمام قوم مؤمنين؛ ليزدادوا إيمانًا، ولم تكن أمام كافرين على سبيل التَّحدِّي لهم.

وكان من أظهر دلائل نبوته: سيرته ﷺ في حياته كلها، … فقد تبيَّن لهم أن من كان هذا حاله فلا يُمْكِنُ أن يكون مُدَّعِيًا ولا مُتَقَوِّلاً على ربه، وإليك بعض الأمثلة:

الأوَّل: أنَّ إيمان خديجة، وأبي بكر، وغيرهما مِن السَّابقين الأوَّلين؛ كان بمُجرَّد إخباره بأنَّه رسول الله مع ما يُعرَف مِن أحواله.. مُستلزِمٌ لصدقه، إلى غير ذلك من آيات الصدق، وبراهينه.

بل إنَّ خديجة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قالت له: كلَّا، واللهِ لا يُخزِيكَ اللهُ أبداً، إنَّك لَتَصِل الرَّحِم، وتَصْدُقُ الحديث، وتَحْمِل الكَلَّ، وتُقْرِي الضَّيف، وتُكْسِب المَعْدُوم، وتُعِين على نوائب الحَقّ .

وأبو بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كان مِن أعقل النَّاس وخِيَارهم، وكان مُعظَّمًا في قريش؛ لعلمه، وإحسانه، وعقله، فلمَّا تبيَّن له حاله عَلِمَ عِلْمًا ضروريًّا أنَّه ﷺ نَبِيٌّ صادقٌ، فكان أبو بكر أكمل أهل الأرض يقينا وعلمًا وحالًا. [ الجواب الصَّحيح (٤/ ٥٩١-٥٩٢).]

وحسبه شهادة رسول الله ﷺ في قوله: إن الله بَعَثَنِي إِلَيْكُمْ فَقُلْتُمْ: كَذَبْتَ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: صَدَقَ .

صحيح البخاري (٣٦٦١).

الثاني: لَمَّا جَاءَ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ انْجَفَلَ النَّاسُ إليه، قَالَ عبد الله بن سلام: فَكُنْتُ فِيمَنِ انْجَفَلَ، فَلَمَّا تَبَيَّنْتُ وَجْهَهُ وَاسْتَبَنْتُه، عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ . [ سُنن ابن ماجه (١٣٣٤).]

فإذا كانت رؤية ملامح وجهه تدُلّ على صدقه، فإنَّ معرفة سيرته ﷺ تدُلّ على ذلك أيضًا؛ فإنَّ سيرته لا يُمكن إلَّا أن تكون سيرة نبي!

قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يونس: 43] 

الثالث: خبر ثمامة بن أثال الذي كان يتوعَّد رسول الله ﷺ وهو في اليمامة، فلما أُسِرَ وجيء به إلى رسول الله ﷺ أَمَرَ أن يُقَيَّدَ في المسجد ثلاثة أيام، ولم ينله في أسره مساءة أو أذى.

فظلّ ثُمامةُ يراقب رسول الله ﷺ فيرى صلاته، ويستمع تلاوته، وينظر حاله مع أصحابه، ومجلسه معهم، ولم يُرِد أن رسول الله ﷺ عَرَضَ عليه الإسلام بالأمر أو بالقول المباشر، ولكن عرضه عليه بطريقة عملية يشاهدها، ثم بعد ثلاثة أيامٍ أمر النبي ﷺ أن يُحل رباطه ويُخْلَى سبيله، فلما خرج من المسجد ومَلَكَ أمره عاد إلى رسول الله ﷺ معلنًا إسلامه، وشهد شهادة الحق بين يدي النبي ﷺ وهو يقول: والله ما كان على الأرض وجه أبغض إليَّ من دينك، فأصبح دينك أحب الدين إليَّ، والله ما كان من بلد أبغض إليَّ من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد إليَّ .

صحيح البخاري (٤٣٧٢)، صحيح مسلم (١٧٦٤).

فما الذي استدل به ثمامة على نبوة رسول الله ﷺ وجعله يحبه أحبَّ من كل أحد؟

إنَّه سيرة رسول الله ﷺ … وما سمعه من القرآن!

الرابع: لمَّا جاء عَدِيّ بن حاتم انطلق به رسول الله ﷺ إلى بيته، وفي الطَّريق دعته امرأة ومعها صبي، فنادته وقالت: يا رسول الله إنَّ لي إليك حاجة، فوقف لها وعَدِيّ ينظر، قال عَدِيّ: حتى أشفقتُ عليه من طول القيام، وقلتُ: والله ما هذا بملك . ثُمَّ دخل بي بيته، فألقى إليَّ وسادة، فقلتُ: اجلس أنتَ عليها ، فقال: اجلس أنتَ ، فجلستُ عليها وجلس هو بالأرض، فلمَّا رأيتُهُ صنع ما صنع وَقَعَت عليَّ غضاضة، وعَلِمْتُ أنَّه ليس يُريد عُلوًّا في الدُّنيا ولا فسادًا.

ينظر: تهذيب السيرة النبوية (٤ / ٣٤٤-٣٤٨)، الأحاديث الطوال للطبراني (١)، دلائل النبوة للبيهقي (٥ / ٣٤٣)، سير أعلام النبلاء (٢ / ٥٣٢). وقوله: غضاضة أي: ذِلّة ومنقَصَة وانكسار.

الخَامِسُ: سَأَلَ هِرَقْلُ أَبَا سُفْيَانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَدَ عَشَرَ سُؤَالًا، لَيْسَ فِيهَا سُؤَالٌ عَنْ مُعْجِزَةٍ، وَإِنَّمَا كَانَتْ أَسْئِلَتُهُ عَنْ سِيرَةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَهِيَ:

١. كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ؟ قُلْتُ: هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ.

٢. فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ مِنْكُمْ أَحَدٌ قَطُّ قَبْلَهُ؟ قُلْتُ: لَا.

٣. فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ؟ قُلْتُ: لَا.

٤. فَأَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فَقُلْتُ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ.

٥. أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ قُلْتُ: بَلْ يَزِيدُونَ.

٦. فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ قُلْتُ: لَا.

٧. فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قُلْتُ: لَا.

٨. فَهَلْ يَغْدِرُ؟ قُلْتُ: لَا. وَنَحْنُ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ لَا نَدْرِي مَا هُوَ فَاعِلٌ فِيهَا.

٩. فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ.

١٠. فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟ قُلْتُ: الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالٌ، يَنَالُ مِنَّا وَنَنَالُ مِنْهُ.

١١. مَاذَا يَأْمُرُكُمْ؟ قُلْتُ: يَقُولُ: اعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَاتْرُكُوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكُمْ، وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ وَالصِّلَةِ.

فَقَالَ لِلتَّرْجُمَانِ: قُلْ لَهُ: سَأَلْتُكَ عَنْ نَسَبِهِ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو نَسَبٍ، فَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي نَسَبِ قَوْمِهَا.

وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَالَ أَحَدٌ مِنْكُمْ هَذَا الْقَوْلَ، فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ أَحَدٌ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ قَبْلَهُ لَقُلْتُ رَجُلٌ يَأْتَسِي بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ.

وَسَأَلْتُكَ هَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ، فَذَكَرْتَ أَنْ لا، قُلْتُ: فَلَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ فَقُلْتُ رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ أَبِيهِ.

وَسَأَلْتُكَ هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ، فَذَكَرْتَ أَنْ لا، فَقَدْ أَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَذَرَ الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ وَيَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ.

وَسَأَلْتُكَ أَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ، فَذَكَرْتَ أَنْ ضُعَفَاءَهُمُ اتَّبَعُوهُ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ.

وَسَأَلْتُكَ أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ، فَذَكَرْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ أَمْرُ الإِيمَانِ حَتَّى يَتِمَّ.

وَسَأَلْتُكَ أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ، فَذَكَرْتَ أَنْ لا، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ.

وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَغْدِرُ، فَذَكَرْتَ أَنْ لا، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لا تَغْدِرُ.

وَسَأَلْتُكَ بِمَا يَأْمُرُكُمْ، فَذَكَرْتَ أَنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَيَنْهَاكُمْ عَنْ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ، وَيَأْمُرُكُمْ بِالصَّلاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ.

فَإِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا فَسَيَمْلِكُ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ، وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ، لَمْ أَكُنْ أَظُنُّ أَنَّهُ مِنْكُمْ، فَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ، لَتَجَشَّمْتُ لِقَاءَهُ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمِهِ.

صحيح البخاري (٧)، و صحيح مسلم (١٧٧٣).

فَسِيرَةُ النَّبِيِّ ﷺ تُثْمِرُ إِيمَانًا بِاللَّهِ، وَإِيمَانًا بِنُبُوَّةِ رَسُولِهِ ﷺ؛

فَمَن وَقَفَ على هذه السِّيرة الكريمة لا يُمكنه دفع اليقين أنَّها لَنْ تكون إلَّا سيرة نبيّ مُبَلِّغ عن الحي القيُّوم سُبحانه وتعالى.

وقال القاضي عياض: وإذا تأمَّل المُتأمِّل المُنصف ما قدَّمناه مِن جميل أثره، وحميد سيره، وبراعة علمه، ورجاحة عقله وحلمه، وجُملة كماله، وجميع خصاله، وشاهد حاله، وصواب مقاله.. لم يَمْتَرِ في صِحَّة نُبُوَّته، وصِدْق دعوته، وقد كفى هذا غير واحدٍ في إسلامه والإيمان به … .

الشِّفا بتعريف حُقُوق المصطفى ﷺ (307، 308).

وقال العلامة محمد بن عبد الله دراز: واعلم أنَّك مهما أزحت عن نفسك راحة اليقين، وأرخيت لها عنان الشَّكّ، وتركتها تفترض أسوأ الفُرُوض في الواقعة الواحدة والحادثة الفَذَّة مِن هذه السِّيرة المُكرَّمة؛ فإنَّك متى وقفتَ منها على مجموعة صالحة لا تملك أن تدفع هذا اليقين عن نفسك إلَّا بعد أن تَتَّهِم وجدانك وتشُكّ في سلامة عقلك.

فلا ينقضي العجب ولا العتب على بعض المتأخرين من مؤلفي السيرة حين استكثروا من المعجزات، بالأحاديث الضعيفة والباطلة، وما حاجتهم إليها؟ وكل موقف من سيرة رسول الله ﷺ، وكل جانب من شخصيته؛ هو معجزة من أكبر المعجزات.

المبحث الثاني: مَسَالِك إثبات النُّبُوَّة

ومِن خصائص السِّيرة النَّبَوِيَّة: الحِفْظ لها بتفاصيلها الدَّقيقة والجليلة!

وعليه: فالتشكيك في مصادر السيرة النبوية ضربٌ من العبث العقلي والسفسطة الفكرية!

وهذه الإثارة لَمْ ولَنْ تسمعها في مخطوطات العهد القديم، أو العهد الجديد، أو كُتُب أفلاطون، أو كُتُب أرسطو، أو كُتُب التَّاريخ والأدب!

واعلم أن الاعتماد على كتب السنة والسيرة ليس لأنها مخطوطات عثر عليها وطبعت.. وإنما بقيت هذه الكتب بأيدي أهل العلم جيلاً إثر جيل، يرويها اللاحق عن السابق، بنظر عميق وتدقيق فاحص!

ومصادر السيرة النبوية هي القرآن الكريم، والأحاديث الصحيحة،

المبحث الثالث: خصائص براهين الرِّسالة

قال القاضي عياض: واعلم أنَّ المُعجزات التي ظهرت على يَدِ نبينا ﷺ ودلائل نُبُوّته وبراهين صدقه [كثيرة، بل] هو أكثر الرُّسُل مُعجزة، وأبهرهم آية، وأظهرهم برهانًا، وهي في كثرتها لا يُحيط بها ضبط؛ فإنَّ واحدًا منها وهو القرآن لا يُحصى عدد مُعجزاته بألف ولا ألفين، ولا أكثر؛ لأنَّ النبي ﷺ قد تحدَّى بسورة منه فعُجِزَ عنها، قال أهلُ العِلْم: وأقصر السُّور: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ۝ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ۝ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ۝﴾ [سورة الكوثر: ١-٣]، فكُلّ آية أو آيات منه بعددها وقدرها مُعجزة؛ ثُمَّ فيها نفسها مُعجزات . [ الشِّفا بتعريف حُقُوق المصطفى ﷺ (٣١٣-٣١٤).]

راجع كتاب الأخ مُعاذ عليان بعنوان: مُعجزات سيد المُرسلين تتحدَّى المُشكِّكين.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ولمَّا كان محمد ﷺ رسولًا إلى جميع الثَّقلين جِنَّهم وإنسهم، عربهم وعجمهم، وهو خاتم الأنبياء -لا نبي بعده-؛ كان مِن نعمة الله على عباده، ومِن تمام حُجّته على خَلْقه: أن تكون آيات نُبُوته وبراهين رسالته معلومة لكل الخلق الذين بُعِثَ إليهم، وقد يكون عند هؤلاء من الآيات والبراهين على نُبُوَّته، ما ليس عند هؤلاء.

الجواب الصَّحيح لمن بدل دين المسيح ، (٤/ ١٧٠).

وعليه: فلم تكن البراهين خاصة بمن عاصره ﷺ، بل هي متعددة الألوان مختلفة الأنواع، لتشمل البشر على اختلاف أمصارهم وتتابع أعصارهم.

فمنها ما كان قبل ميلاده، ومنها ما كان في حياته، ومنها ما كان يكون بعد وفاته ﷺ.

فليس في براهين الرسالة لبس ولا خداع، ولا غموض ولا أسرار، بل ظاهرة للعامة، فمن باب أولى ظهورها للخاصة طلبة العلم والمعرفة.

ومع هذه الخصائص العظيمة، فقد أخفق أكثر البشر في الدخول تحت رحمة هذه الرسالة الربانية؛ لأسباب كثيرة، أهمها:

راجع كتاب: الكشَّاف المُبين لِمَا في نُفُوس المُستكبرين، أبو الفداء حسام مسعود.

1. عَدَم المُبالَاة: … وبعضهم قد رضي لنفسه ما ورثه عن آبائه وقومه من أمور الدين، فلا ينهض للبحث والتفتيش بالقراءة والاطلاع!

2. التَّضليل.

وهُنا تتضاعف الأمانة في جِهاد الكلمة مِن أهل الإسلام، لا سيما حَمَلة العِلْم والمعرفة، لأن ينهضوا لكشف التَّضليل والتَّشويه بدين الإسلام؛ لأنَّ الإسلام لا يحتاج إلى تجميل، وإنَّما يحتاج إلى كشف التَّضليل .

ويحتاج حسن التدبير والانتفاع بهذا الانفتاح الإعلامي واليسر في الوصول، إلى أكثر الناس ودعوتهم للدين الحق، بتلك الوسائل المختلفة، والأساليب المتنوعة، واللغات الكثيرة.

3. التَّقليد.

ولذلك لمَّا سُئل عمرو بن العاص عن سبب تأخُّر إسلامه وهو صاحب العَقْل الكبير، قال: إنَّا كُنَّا مع قومٍ لهم علينا تقَدُّم وسِنٌّ، توازي حُلُولهم الجبال، ما سلكوا فجًّا تبعناهم إلَّا وجدناه سهلاً، فلمَّا أنكروا على النبي ﷺ أنكرنا معهم، ولم نُفكِّر في أمرنا، وقلَّدناهم، فلمَّا ذهبوا وصار الأمر إلينا؛ نظرنا في أمر النبي ﷺ فإذا الأمر بَيِّن؛ فوقع في قلبي الإسلام! .

نسب قريش (٤١٠)، تاريخ دمشق (٤٦ / ١٢٨).

٤. العِنَاد والمُكابرة،

٥. الحسد، وهي أقذر العداوات وأمرُّها وأكثرها بغيًا، وهي العداوة التي تغيب فيها القيم، ومعايير الأخلاق.

الفَصْل الثَّاني: براهين صِدْق نُبُوَّته ﷺ في سيرته قبل البِعْثَة

المبحث الأوَّل: طَهَارَة أخلاقه ﷺ قبل النُّبُوَّة

عاش رسول الله ﷺ بين ظهراني قريش أربعين سنة قبل النُّبُوَّة، ومُجتمع قريش مُجتمع عشائري محصور لا يخفى فيه حال أحد، فلما أعلن ﷺ نُبُوَّته وأعلنت قريش عداوته.. لم تجد موقفًا واحدًا في تاريخه السَّابق تذكره عنه فتعيبه به.

وأشهر ما عرفته قريش به الصادق والأمين.

ولذلك نبه اللهُ قريشًا إلى هذه القضية، فقال سبحانه: ﴿قُل لَّوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُۥ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُم بِهِۦۖ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِۦٓۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [سورة يونس: ١٦].

راجع كتاب: الأدِلَّة العقلية النَّقلية على أُصُول الاعتقاد، تأليف: سعود بن عبد العزيز العريفي.

أي: أن ما قضيته من عُمر فيكم قبل نزول الوحي، يدل على أن هذا الوحي قد جاء على غير موعد، وبدون إنذار، بل هو اصطفاء واختيار، ولو لم يكن كذلك لأدعيته في مقتبل العمر وريعان الشباب!

ولذلك قال النَّضر بن الحارث لقريش: إنَّه والله قد نزل بكم أمرٌ ما أَتيتم له بحيلةٍ بعدُ، قد كان محمد فيكم غُلامًا حَدَثًا، أرضاكم فيكم، وأصدقكم حديثًا، وأعظمكم أمانة، حتى إذا رأيتم في صدغيه الشَّيب، وجاءكم بما جاءكم به، قلتم: ساحر، لا والله ما هو بساحر .

تهذيب السيرة النبوية (1/ ٣٤٧).

كيف يُتَصَوَّر مع كلّ هذه الكمالات أن يتخلَّى عمّا هو فيه بعد أن بلغ الأربعين؛ فيرتكب كذبة من أعظم الكذبات على الأرض ولا يفعلها إلَّا أحقر البشر؛ فيدَّعي – كذبًا – أنَّه رسول من عند الله يُوحَى إليه؛ إنَّ هذا أبعد ما يكون وُقُوعًا!

ولقد أشار القرآن إلى هذا المعنى ونبّه كفار قريش إليه، فقال سبحانه: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [سورة المؤمنون: ٦٩].

إنهم – صغيرهم وكبيرهم – يعرفونه معرفة تامة بكل خُلُقٍ جميل؛ حتى إنهم كانوا يسمونه – قبل البعثة – بالأمين؛ فلم لا يصدّقونه حين جاءهم بالحق المبين؟

وهي دعوى لا تصدر إلا من رجلين: إمّا من أصدق الناس وأفضلهم، وإما من أكذبهم وأخبثهم، ومحمد بن عبد الله ﷺ كان أحسن الناس وأصدقهم وأبرّهم.

لقد مكث النبي ﷺ بمكة بعد النبوة ثلاث عشرة سنة، وهو يُقارع قريشًا ويعيب آلهتهم، ومع ذلك كله لم يتفوه أحد منهم قط باتهامه بالكذب قبل نبوته ولو في حادثة واحدة،

مَن لَزِمَ الصِّدقَ في صِغَرِهِ كانَ لَهُ في الكِبَرِ ألزَمَ، ومَن سَلِمَ منه في حَقِّ نَفْسِهِ كانَ في حُقوقِ اللهِ تَعالى أَسلَمَ.

وَقَدِ اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ ﷺ هَذَا الأُسْلُوبَ فَاسْتَنْطَقَ قَوْمَهُ بُرْهَانَ صِدْقِهِ؛ فَحِينَ جَمَعَهُمْ عِنْدَ الصَّفَا قَالَ لَهُمْ: أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا بِالْوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ، أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِي؟ قَالُوا: نَعَمْ، مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إِلَّا صِدْقًا . قَالَ: فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ.

صحيح البخاري (٤٧٧٠)، صحيح مسلم (٢٠٨).

وَقَلْبُ النُّبُوَّةِ هُوَ بَلاغُ عَبْدٍ مُصْطَفًى مِنَ اللهِ لِرِسَالَةٍ رَبَّانِيَّةٍ إِلَى النَّاسِ لِهدايَتِهِمْ دُرُوبَ العَقَائِدِ وَالشَّرَائِعِ وَالأَخْلَاقِ، وَلَمَّا كَانَ البَلاغُ هُوَ أَصْلَ فِعْلِ النَّبِيِّ، كَانَ الصِّدْقُ أَعْظَمَ مَطْلُوبٍ فِي الأَنْبِيَاءِ.

وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُثْبِتَ خِلَافَ ظَاهِرِ نَبِيِّ الإِسْلَامِ ﷺ، فَقَدِ ارْتَقَى بِطَلَبِهِ مُرْتَقًى صَعْبًا، وَكَلَّفَ نَفْسَهُ أَنْ يُثْبِتَ مَرَامًا عَصِيًّا، وَذَلِكَ أَنَّ نَفْيَ الصِّدْقِ عَنْ مُحَمَّدٍ ﷺ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الرَّجُلُ أَعْظَمَ مُفْتَرٍ وَمُخَادِعٍ سَعَى عَلَى الأَرْضِ؛

إِذْ كَانَ يَفْتَعِلُ القُرْآنَ عِنْدَ كُلِّ حَادِثَةٍ، حَتَّى إِنَّهُ يَأْتِي بِأَفْعَالٍ وَحَرَكَاتٍ شَدِيدَةٍ بِدَعْوَى الاسْتِجَابَةِ لِعَارِضِ الوَحْيِ، كَمَا يَفْتَعِلُ الإِخْلَاصَ لإِفْرَادِ الرَّبِّ بِالعِبَادَةِ وَالتَّمْجِيدِ، وَكَانَ يَخْدَعُ مَنْ يُلَازِمُهُ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَيَفْتَعِلُ النَّزَاهَةَ فِي مُعَامَلاتِهِ، وَيَخْدَعُ حَتَّى نِسَاءَهُ فِي بَيْتِهِ بِافْتِعَالِ الصِّدْقِ وَالنَّزَاهَةِ!

لَقَدْ كَانَ نَبِيُّ الإِسْلَامِ ﷺ مُلَازِمًا لِلصِّدْقِ بَيْنَ النَّاسِ، دُونَ بَادِرَةِ خَدِيعَةٍ أَوْ دَسِيسَةِ مَكْرٍ، فِي بِيئَةٍ تُعَظِّمُ الأَمَانَةَ وَتَزْدَرِي الخِيَانَةَ وَتَحْتَقِرُ صَاحِبَهَا.

وقد كان لا يفارق الصدق حتى في مزاحه، حتى قال له أبو هريرة رضي الله عنه: يا رسول الله! إنك تداعبنا ، قال: إنِّي لا أقولُ إلَّا حقًّا . [ مُسند أحمد (٨٤٨١).]

فهم لم يأثروا عليه كذبًا قبل النبوة، ولكن كذبوه بعد النبوة عنادًا، وصدًّا عن دينه، فقالوا: ﴿إِنْ هَٰذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص: ٧]، ﴿بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرْ﴾ [القمر: ٢٥].

ولم يكن هذا التكذيب صادرًا عن اعتقادهم ذلك، ولكنه جحود؛ لتمرير أقوالهم على أتباعهم، قال الله تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣].

وَقَدْ أَقَرَّ لَهُ مَنْ آمَنُوا بِهِ بِالصِّدْقِ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ لَهُ دَوْلَةٌ وَيَحُوزَ السُّلْطَانَ.

وَقَدْ أَقَرَّ المُسْتَشْرِقُ المُتَنَصِّرُ المُخَاصِمُ لِلْإِسْلَامِ (وِيلْيَام مُويِر) أَنَّ هَذَا حُجَّةٌ لِبَرَاءَةِ ذِمَّةِ نَبِيِّ الإِسْلَامِ ﷺ، فَقَالَ: إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مُعَزِّزَاتِ صِدْقِ مُحَمَّدٍ أَنَّ أَوَائِلَ المُعْتَنِقِينَ لِلإِسْلَامِ كَانُوا أَقْرَبَ أَصْدِقَائِهِ إِلَيْهِ، وَأَهْلَ بَيْتِهِ، وَهُمُ الَّذِينَ لَهُمْ صِلَةٌ وَثِيقَةٌ بِحَيَاتِهِ الخَاصَّةِ، فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِمْ مُلَاحَظَةُ تَنَاقُضِ الحَالِ الَّذِي لَا يَخْلُو مِنْهُ بِصُورَةٍ كَبُرَتْ أَوْ صَغُرَتْ المُخَادِعُ المُنَافِقُ عِنْدَمَا يَكُونُ فِي مَلَأٍ وَيَكُونُ فِي بَيْتِهِ.

ينظر: الأدلة الجلية (١٠٤)، الحياة النبوية (٢/ ٣٩٨-٣٩٩)، مراقي الوعي (٦١-٦٢)، براهين النبوة (١١٤-١١٨)، لماذا نحن مسلمون.. مئة سبب وسبب (٣٤-٣٥).

المبحث الثَّاني: سلامته ﷺ مِن المُنافسة على الرِّئاسة والزَّعامة

لم يعرف عنه ﷺ المنافسة على الرئاسة والزعامة في قومه، ولم يؤثر عنه أنه دخل دار الندوة: قصر الزعامة في مكة

المبحث الثَّالِث: قِصَّة أصحاب الفيل

من آيات محمد ﷺ ودلائل نبوته التي في القرآن قصة الفيل، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ۝ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ ۝ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ ۝ تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ ۝ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ ۝﴾ [الفيل: ١-٥].

مثله قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4)﴾ [قريش: 3-4]، كذلك قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (1) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: 1-2]

وقد تواترت قصة أصحاب الفيل، وأنهم ساروا بجيش عظيم، معهم فيل؛ ليهدموا الكعبة لما أهان بعض العرب كنيستهم التي بصنعاء، فقصدوا إهانة الكعبة، فأرسل الله عليهم طيرًا أهلكهم.

فكان هذا الإهلاك لأصحاب الفيل وحماية البيت الجليل.. تمهيدًا لمكرمة أعلى، قد حضر وقتها، واقترب طلوع شمسها، ألا وهي مكرمة خروج خاتم الرسل ﷺ إلى عالم الوجود!

فقد كان ميلاده ﷺ قبل الفيل بنحو شهرين.

وكان جيران البيت مشركين يعبدون الأوثان، ودين النصارى خير من دينهم.

فَإنه إذا قيل: إنما كانت آية للبيت وحفظًا له وذبًا عنه؛ لأنه بيت الله الذي بناه إبراهيم الخليل عليه السلام.. فقد عُلِمَ أنه ليس من أهل الملل من يحج إلى هذا البيت ويصلي إليه إلا أمة محمد ﷺ، فإذا كان هذا البيت عند الله خيرًا من الكنائس التي للنصارى، حتى إن الله أهلك الكنائس أهل الكنائس لما أرادوا تعظيم الكنائس وإهانة البيت؛ عَلِمَ أن دين أهل هذا البيت خير من دين النصارى، والمشركون ليسوا خيرًا من النصارى.

فتعين أن أمة محمد ﷺ خير من النصارى،

الفَصْل الثَّالِث: براهين رسالته ﷺ في سيرته بعد البِعْثَة

المبحث الأوَّل: بعثته ﷺ في مكَّة!

بُعث رسول الله ﷺ في مكة وهي وادٍ غير ذي زرع، ناءٍ في حاشية جزيرة العرب، ومع ذلك أعلن دعوته أول ما أعلنها على أنها رسالة عالمية لأهل الأرض كلهم، وكانت نداءات القرآن في مكة عالمية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ﴾ [البقرة:٢١].

المبحث الثَّاني: فجأة الوحي له ﷺ

تلقى رسول الله ﷺ فجأة اللقاء الأول بالفزع وأخذه الروع، ورجع مسرعًا يرتجف فؤاده، وترعد فرائصه.

قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَىٰ إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾ [القصص: ٨٦].

في حين أن هناك في عصره ﷺ من بني إسرائيل، ومن حنفاء العرب، ممن كانوا يتوقعون ظهور النبوة ويستشرفون لها،

فلو كان مُدَّعِيًا لما رجع فَزِعًا خائفًا، وإنما جاء فَرِحًا صارخًا مُعلنًا ذلك للناس في نواديهم،

المبحث الثالث: أُمِّيَّته ﷺ فلا يقرأ كتابًا ولا يخطُّ مقروءًا!

كان أول ما بلغه رسول الله ﷺ من الوحي البدء بالأمر بالقراءة والإشادة بالقلم والكتاب.

وفي هذا برهان ساطع على صدق نبوته، فلو كان هذا النبي ﷺ مُدَّعيًا يختار قرآنه، ما اختار البدء بكلمة هو لا يحسنها، فكل مُدَّع يبدأ بما هو من مواطن القوة عنده، ولا يمكن أن يبدأ بما لا يُعرف عنه معرفته والاقتدار عليه.

ومع أميته ﷺ فقد جاء بكل هذا العلم الذي لا يحيط به العلماء؛

قال ابن تيمية: وكون محمد كان نبيًّا أمِّيًا هو من تمام كون ما أتى به مُعجزًا خارقًا للعادة، ومن تمام بيان أنَّ تعليمه أعظم مِن كلّ تعليم كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨]، فغيره يُعلِّم ما كتبه غيره، وهو ﷺ عَلَّم النَّاس ما يكتبونه وعَلَّمه اللهُ ذلك بما أوحاه إليه . [ مجموع الفتاوى (١٦ / ٢٦٦).]

وقال صاحب المسكة الفائحة : قلت لأبي: اذكر لي بعض المُعجزات وأوجز، فقال: أحدنا يقرأ عمره ولا يحصل على شيء، وهذه الكُتُب -التي ترى- كلّها إنَّما هي مُستفادة من بعض عُلُومه ﷺ، مع أنَّه لم يقرأ كتابًا، ولا خطَّ حرفًا، فأيّ بيان أوضح من هذا البيان، وأي بُرهان أعظم من هذا البُرهان .

ينظر: حاشية البردة للزركشي (٢١٤).

ثم إنَّ من عادة من لا يحسن أمرًا أن يتباعد عنه ويزدريه، وقديما قيل: من جهل شيئًا عاداه ، أما هذا النبي الأمي ﷺ فقد كان خفيًا بالقراءة، ومن مظاهر ذلك كثرة الكتبة حوله من أصحابه حتى بَلَغَ كتاب النبي ﷺ نحوًا من ثمانية وأربعين.

وكان خلفاؤه الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -وهم أقرب الناس- إليه كلهم يحسن الكتابة. [ينظر: كُتَّاب النبي ﷺ ، للشيخ محمد مصطفى الأعظمي.]

بل إن من اهتمامه بالقراءة والكتابة أن جعل فداء بعض الأسرى بعد معركة بدر أن يُعلِّمُوا أولاد الأنصار الكتابة، ويطلق سراحهم من الأسر. [ينظر مُسند أحمد (٢٢١٦).]

لتعلم أنَّ الأُمِّيَّة له كانت بُرهان رسالة وآية كمال، ولذلك لم يجعلها ﷺ منقبة لأحدٍ مِن أُمَّته، بل هو الذي بدأ حملة محو الأُمِّيَّة، وتعليم القراءة والكتابة، واتَّسعت مساحة القراءة والكتابة في عهده وما بعده.

فهو الأُمِّيّ الذي رفع الأُمِّيَّة عن أُمَّته!

ومما يتصل بهذا أن بني عبد المطلب كلهم – ذكورًا وإناثًا – كانوا شعراء، غير أن محمدًا ﷺ وهو منهم لم يكن شاعرًا ولم يقل شعرًا.

المبحث الرَّابع: عداوة عشيرته ﷺ له حين أعلن النبوة

ليعلم أهل الأرض أنه جاء بالحق المبين، وأنه محارب مَن حارب الله ورسوله ولو كانوا أقرب الناس إليه صلى الله وسلم عليه وزاده كرامة وشرفًا لديه.

المبحث الخامس: كمالاته ﷺ في خَلْقِهِ وخُلُقه وشريعته وأُمَّته

إن سيرة رسول الله ﷺ وأخلاقه وأقواله وأفعاله وشريعته من آياته، وأمته من آياته، وعلم أمته ودينهم من آياته، وكرامات صالحي أمته من آياته.

فإنه كان من أشرف أهل الأرض نسبًا، من صميم سلالة إبراهيم الذي جعل الله في ذريته النبوة والكتاب، … وذكر في التوراة هذا وهذا، وَبَشَّرَ في التوراة بما يكون من ولد إسماعيل، ولم يكن في ولد إسماعيل من ظهرت فيها بشارات النبوات غير محمد رسول الله ﷺ.

والذين اتبعوه لم يتبعوه لرغبة، ولا لرهبة؛ فإنه لم يكن عنده مال يعطيهم، ولا جهات يوليهم إياها، ولا كان له سيف، بل كان السيف، والمال، والجاه مع أعدائه.

… إلى أن اجتمع بأهل المدينة وكانوا جيران اليهود قد سمعوا أخباره منهم، وعرفوه، فلما دعاهم علموا أنه النبي المنتظر الذي تخبرهم به اليهود،

… حتى ظهرت الدعوة في جميع أرض العرب التي كانت مملوءة من عبادة الأوثان، ومن أخبار الكهان، وطاعة المخلوق في الكفر بالخالق، وسفك الدماء المحرمة، وقطيعة الأرحام، لا يعرفون آخرة ولا معادًا، فصاروا أعلم أهل الأرض وأدينهم وأعدلهم وأفضلهم،

وهو ﷺ مع ظهور أمره، وطاعة الخلق له، وتقديمهم له على الأنفس والأموال: مات ﷺ ولم يُخَلِّفْ درهمًا ولا دينارًا، ولا شاة ولا بعيرًا له، إلا بغلته وسلاحه، ودرعه مرهونة عند يهودي على ثلاثين وَسْقًا من شعير ابتاعها لأهله.

وكان بيده ﷺ عقار يُنْفِقُ منه على أهله، والباقي يصرفه في مصالح المسلمين، فحكم بأنه لا يُورَثُ، ولا يأخذ ورثته شيئًا من ذلك.

وإذا نَظرَ اللبيبُ في العباداتِ التي شَرَعَها، وعباداتِ غيرِهِ منَ الأُممِ؛ ظَهَرَ فَضلُها ورُجحانُها، وكذلكَ في الحدودِ والأحكامِ، وسائرِ الشرائعِ.

وهذه الفضائل به ﷺ نالوها، ومنه تعلموها، وهو الذي أمرهم بها، لم يكونوا قبله متبعين لكتاب جاء هو بتكميله كما جاء المسيح بتكميل شريعة التوراة.

… وهو مذهب أهل السنة والجماعة الظاهرين إلى قيام الساعة، الذين قال فيهم النبي ﷺ: لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الحَقِّ، لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ وَلاَ مَنْ خَذَلَهُمْ، حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ .

صحيح البخاري (٧١، ٣١١٦، ٣٦٤١، ٧٤٦٠)، صحيح مسلم (١٩٢٣ – ١٩٢٤).

… غير أن النبي ﷺ لم تُذكر له زلة أو هفوة طيلة حياته، قبل البعثة وبعدها، مع أنه حُفت به عوامل تجعل أخطاءه كثيرة، وزلاته أكثر، لو لم يكن نبيًّا مؤيدًا معصومًا، منها:

١. كثرة أزواجه ﷺ، فقد تزوج إحدى عشرة امرأة، وتوفي ﷺ عن تسع وهن ضرائر، وفيهن بنات أصحابه وخاصته، وفيهن بنات أعدائه،

٢. كثرة أصحابه ﷺ،

٣. كثرة أعدائه ﷺ،

٤. كثرة معاركه ﷺ التي خاضها مع أعدائه،

ألا يدل دلالة واضحة كل هذا على أن هناك عناية إلهية بمحمد ﷺ؟!

– وقالَ أَنَسٌ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ. وَكَانَ أَجْوَدَ النَّاسِ. وَكَانَ أَشْجَعَ النَّاسِ .

صحيح البخاري (٢٩٠٨)، صحيح مسلم (٢٣٠٧).

– قالَ الْبَرَاءُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهًا وَأَحْسَنَهُ خَلْقًا، لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِنِ وَلَا بِالْقَصِيرِ . [ صحيح البخاري (٣٥٤٩).]

– وقالَ جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي لَيْلَةٍ إِضْحِيَانِ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَإِلَى الْقَمَرِ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ حمْرَاءَ، فَإِذَا هُوَ عِنْدِي أَحْسَنُ مِنَ الْقَمَرِ .

جامع الترمذي (3019)، سنن النسائي (٩٥٦١).

وقوله: إِضْحِيَانٌ معناه مضيئة، وهي التي لا يغيب فيها القمر ولا يستره غيم.

– وقال كعب بن مالك رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ، وَكُنَّا نَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْهُ .

صحيح البخاري (3363)، صحيح مسلم (٢٧٦٩).

وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: كان ﷺ على أكمل الصِّفات خَلْقًا وخُلُقًا، فهو كُلُّ الكمال، وجُلُّ الجلال، وجُملة الجمال عليه أفضل الصَّلاة والسَّلام . [ الفتح (٤/ ٢١٦).]

فهل تدبرت كيف اجتمع النقاء الخُلُقي مع البهاء الخَلْقي!

والكمال المعتبر في البشر يكون من أربعة أوجه: كمال الخلق، وكمال الخلق، وفضائل الأقوال، وفضائل الأعمال.

فما ظنك بمن اجتمعت فيه الأربعة!

ولذلك قال العلامة التفتازاني: قد اجتمع فيه ﷺ من الأخلاق الحميدة والأوصاف الشريفة، والسير المرضية، والكمالات العلمية والعملية، والمحاسن البديعة الراجعة إلى النفس والبدن والنسب والوطن؛ ما يجزم العقل بأنه لا يجتمع إلا لنبي، وتفاصيل ذلك تُصَنَّف على حِدَة . [ شرح المقاصد (٣/ ٢٩٩).]

المبحث السَّادِس: صبره ﷺ على الشَّدائد المُزَلْزِلَة

قال خَبَّاب بن الأرَت: شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو مُتوسِّد بُردة له في ظِلِّ الكعبة قُلنا له: ألَا تستنصر لنا، ألا تدعو الله لنا ، فقال: كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهِ فَيُجَاءُ بِالمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ. وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عِظَامٍ أَوْ عَصَبٍ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ. وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرُ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ أَوْ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ . [ صحيح البخاري (٣٦١٢).]

ففي أشد الشدائد عليه في مكة يُبشر بالأمن بين صنعاء وحضرموت؛ على بعدها من بلده، وعلى ما فيهما من تجاويف، وصحار، وبطون أودية، وقنن جبال، وسفر طويل!

وقال ﷺ: لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلَا يَتْرُكُ اللَّهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ، بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزّاً يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الإِسْلَامَ، وَذُلًّا يُذِلُّ اللَّهُ بِهِ الكُفْرَ . [ مسند أحمد (١٦٩٥٧).]

وفي غار ثور وقريش مُحيطة به، وقد أهدرت دمه، وخرجت تتعقبه، يقول لصاحبه: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠].

وفي طريق الهجرة يبشر سراقة -الذي خرج يطارده- بسواري كسرى. [ صحيح البخاري (٣٩٠٦)]

وفي شدة الفزع يوم الأحزاب يبشر بقصور فارس، وقصور الشام، وقصور اليمن.

فمن الذي يُكلّف نفسه عناءها في العقد السادس من عمره، سوى نبي مرسل؟!

وأُصيب ﷺ في أحد مصابًا شديدًا فَقُتِل عمه، واستشهد سبعون من أصحابه وجنده، وكُسِرَت رُباعيته التحتية اليمنى، وسال الدم على وجهه الشريف!

وهذه حال تملأ النفس غيظًا وحنقًا، ولذلك مكث ﷺ يقنت بالدعاء شهرًا، على من فعل تلك العظائم!

ثم ينزل الله تعالى عليه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ

وهذا لا يمكن أن يصدر من بشر حديث عهد بمصيبة من عدوه، بل إن هذه الآية كانت مبشرة بتوبة الله عليهم، ولذا أسلم قادة جيش المشركين في أحد جميعًا: أبو سفيان، وخالد بن الوليد، وعكرمة بن أبي جهل!

وكذلك لما صدته قريش عن مكة عام الحديبية وهو قد أحرم بالعمرة وساق الهدي وكذا المسلمون معه كلهم، فصدُّوا عن البيت ثم رجعوا ولم يعتمروا، وكان المسلمون مغيظين محتقنين من صدّ قريش لهم أشد الغيظ! فأنزل الله: ﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الممتحنة: ٧].

فهل يمكن أن يقول ذلك إنسان في مثل هذا الظرف؟

المبحث السَّابِع: ودائع قريش

لما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة ترك عليًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مكانه؛ ليرد الودائع التي كانت عنده لقريش، فهل فكرنا يومًا ما قصة هذه الودائع؟

إنها ودائع يردها لقريش لا للمسلمين؛

الفَصْل الرَّابع: براهين صِدْق نُبُوَّته ﷺ في سيرته بعد الهجرة

المبحث الأوَّل: بُرُوك النَّاقة حين هاجر ﷺ إلى المدينة

كأنما نرى ناقة النبي ﷺ القصواء تخبُّ به ﷺ وأبو بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ردفه، وهي منحدرة به من قباء، وقد خرجت أحياء الأنصار يتلقونه في الطريق، ويرغب كل منهم أن ينزل عنده، فيمسك رجالاتهم بزمام الناقة ويقولون: انزل عندنا يا رسول الله حيث المنعة والقوة والسلاح، فيقول: دَعُوهَا، فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ .

ينظر: تهذيب السيرة النبوية (٢/ ١٤٠)، سنن سعيد بن منصور (١/ ٢٠٣)، المعجم الأوسط للطبراني (٣٥٤٤)، الكامل لابن عدي (٣/ ١٥١)، دلائل النبوة للبيهقي (٢/ ٥٠١).

وكان مكان بروك ناقلة النبي ﷺ هو مكان منبره من بعد في مسجده!

المبحث الثَّاني: مُشاورة النِّساء

كان من عادة قريش تجاهل رأي النساء، قال عمر: ما كنّا نرى للنساء رأيًا .

صحيح البخاري (٢٤٦٨)، صحيح مسلم (١٤٧٩).

فقَبِلَ رأي خديجة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا حين ذهبت به إلى ورقة بن نوفل.

وقَبِلَ رأي أم سلمة يوم الحديبية.

صحيح البخاري (٤)، صحيح مسلم (١٦٠). | صحيح البخاري (٢٧٣١).

وهذا من براهين نبوته ﷺ؛ فإنه لم يسر على النظام الاجتماعي لقومه؛ لأنه يستمد هديه من الوحي الإلهي، وليس من الإرث الاجتماعي؛

المبحث الرَّابع: عُبُودِيَّة السِّرّ

أخبر ابن عباس رضي الله عنهما أنه بات ليلة عند ميمونة أم المؤمنين -وهي خالته-.

قال: فاضطجعت في عرض الوسادة، واضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهله في طولها.

فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتصف الليل أو قبله بقليل، أو بعده بقليل استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل يمسح النوم عن وجهه بيده، ثم قرأ العشر الآيات الخواتم من سورة آل عمران، ثم قام إلى شَنٍّ مُعلَّقة فتوضأ منها فأحسن وضوءه، ثم قام فصلى.

قال ابن عباس: فقمتُ فصنعتُ مثل ما صنع رسول الله ﷺ، ثم ذهبتُ فقمتُ إلى جنبه، فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده اليمنى على رأسي وأخذ بأذني اليمنى يفتلها، فصلى ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم أوتر، ثم اضطجع حتى جاء المؤذن، فقام فصلى ركعتين خفيفتين، ثم خرج فصلى الصبح.

صحيح البخاري (١١٧، ١٨٣، ٩٩٢، ٦٣١٦)، صحيح مسلم (٧٦٣).

وقالت عائشة رضي الله عنها: (افتقدت النبي ﷺ ذات ليلة، فظننت أنه ذهب إلى بعض نسائه. فتحسست ثم رجعت فإذا هو راكع -أو ساجد- يقول: سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ . فقلت: بأبي أنت وأمي، إني لفي شأن وإنك لفي آخر). [ صحيح مسلم (485).]

وقالت أيضًا: فقدتُ رسول الله ﷺ ليلة من الفراش، فالتمسته، فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان، وهو يقول: اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِن سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِن عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنكَ، لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ . [ صحيح مسلم (٤٨٦).]

فهذه العبادات الخفية لا يُمكن أن تَصْدُرَ مِن متقولٍ يتظاهر أمام الناس، ولكنها برهانٌ على أنه ﷺ أعظم الخلق يقيناً بما يدعو إليه.

المبحث الخامس: التَّوازُن والتَّكامُل في حياته ﷺ

قلَّما تقرأ سيرة عظيم من العظماء، إلا وتجد أن جانب العظمة في حياته قد ارتكز في ناحية واحدة؛ إما العظمة القيادية أو العسكرية أو العلمية أو التجارية، ونحو ذلك.

… فقد تجده قائداً عظيماً لكنه قاصر في حياته الاجتماعية، وتجد تاجراً ثرياً لكنه فاشل في علاقاته، وعالماً كبيراً متخصصاً في فنه لكنه جاهل ببقية شؤون الحياة، وهكذا..

المبحث السَّادِس: الزُّهد في الدُّنيا

ثم فتح الله عليه وكثر أتباعه وقدمت عليه الأموال فلم يتغير بيته ولا أثاثه، ولم يتحول من هذه الدنيا شيئًا،

قال عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: دخلت على النبي ﷺ، وإنه لعلى حصير ما بينه وبينه شيء، وتحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف، وإن عند رجليه قَرْظًا مصبوبًا وعند رأسه أهب معلقة، فرأيت أثر الحصير في جنبه فبكيت، فقال: ما يُبكيك؟ فقلت: يا رسول الله، إن كسرى وقيصر فيما هما فيه وأنت رسول الله، فقال: أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الآخِرَةُ؟ .

وقال ﷺ: مَا أَنَا وَالدُّنْيَا، إِنَّمَا أَنَا وَالدُّنْيَا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا .

صحيح البخاري (4913). | سنن ابن ماجه (4109).

بل كان النبي ﷺ يرغب خاصته وأهله بالتقليل من الدنيا أيامًا، فقد خَيَّرَ ﷺ أمهات المؤمنين رضي الله عنهن، بين البقاء معه على هذه الحال، وبين الدنيا ويطلقهن ويمتعن ويسرحهن سراحًا جميلًا، فاخترن كلهن البقاء معه على تلك الحال.

وَكَانَ ﷺ يَأْكُلُ مَا وَجَدَ، وَرُبَّمَا بَاتَ طَاوِيًا مِنَ الْجُوعِ لَا يَجِدُ شَيْئًا يَأْكُلُهُ، وَلَرُبَّمَا رَبَطَ عَلَى بَطْنِهِ الْحَجَرَ مِنَ الْجُوعِ، وَكَانَ يَمُرُّ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ لَا يُوقَدُ فِي بَيْتِهِ نَارٌ لِطَعَامٍ، وَلَمْ يَشْبَعْ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ حَتَّى مَاتَ.

وما الذي يطمع فيه مدعي النبوة سِوَى المجد الدنيوي والتنعم بالملذات!

المبحث السَّابع: حاله ﷺ في صُلْح الحُدَيْبِيَة

وكانت قريش قد نَهَكتها الحروب، فكانت البواعث كلها متضافرة والفرصة سانحة للالتحام في موقعة فاصلة يتمكن فيها الحق من الباطل فيدمغه، وإنهم لسائرون عند الحديبية، إذ بركت راحلة النبي ﷺ وأخذ أصحابه يشيرونها إلى جهة الحرم فلا تثور، فقالوا: خَلأَت القصواء، خَلأت القصواء، أي: (حرنت الناقة)، فقال النبي ﷺ: مَا خَلَأَتِ الْقَصْوَاءُ، وَمَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ، وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ .

صحيح البخاري ، (٢٧٣١ ٢٧٣٢).

يعني: أن الله الذي حبس الفيل، ومنع أصحابه من دخول مكة محاربين، هو الذي حبس هذه الناقة، ومنع جيش المسلمين من دخولها الآن عنوة!

ولكن قريشاً أبت أن يدخلها في هذا العام لا مُحارباً ولا مُسالماً، وأملت عليه شروطاً قاسية بأن يرجع من عامه، وأن يردَّ كل رجل يجيئه من مكة مسلماً، وألا تردَّ هي أحداً يجيئها من المدينة تاركاً دينه!

أفلم يكن من الطبيعي إذ ذاك لو كان هذا القائد هو الذي وضع هذه الخطة بنفسه أو اشترك في وضعها أو وقف على أسرارها، أن يُبين لكبار أصحابه حكمة هذه التصرفات التي فوق العقول، حتى يطفئ نار الغضب في أنفسهم؟

ولكن انظر كيف كان جوابه ﷺ حين راجعه عمر: إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَلَسْتُ أَعْصِيهِ، وَهُوَ نَاصِرِي .

صحيح البخاري (٢٧٣١ ٢٧٣٢).

فسار الصحابة راجعين وهم لا يدرون تأويل هذا الإشكال حتى نزلت سورة الفتح، فبينت لهم الحكم الباهرة والبشارات الصادقة،

المبحث الثَّامِن: حاله ﷺ مع نسائه أُمَّهات المؤمنين

ويتبين ذلك من وجهين:

الأول: في كثرتهن لحكم وأسرار، ومنها: نقل الأحكام الشرعية التي لا يُطَّلِعُ عليها الرجال؛

قال الإمام أبو عبد الله الحاكم: حُمِلَ عن عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا رُبُعَ الشريعة .

فيتحقق للأمة العلم بكل أحواله، والتأسي به في كل أموره؛ تحقيقًا لقول الله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [سورة الأحزاب: ٢١].

فكانت عائشة، وأم سلمة، وحفصة، وميمونة، وغيرهن؛ خزائن علم، وجرابات معرفة، فيما اطلعن عليه من أحوال رسول الله ﷺ حفظنه ووعينه ثم روينه للأمة من بعده،

وما من عظيم إلا كانت له نواحٍ يحرص على سترها وكتمان أمرها، ويخشى أن يطلع الناس على خبرها. نواحٍ تتصل بشهوته، أو ترتبط بأسرته، أو تدل على ضعفه!

ورسول الله ﷺ هو وحده الذي كشف حياته للناس جميعًا، فكانت كتابًا مفتوحًا، ليس فيه صفحة مطبقة، ولا سطرًا مطموسًا، يقرأ فيه من شاء ما شاء.

توفي النبي ﷺ عن تسع زوجات، وإن الإنسان الكاذب قد يستطيع أن يتحرّز من الناس في حياته الخارجية، لكن هذا لا يحصل للإنسان مع زوجته في حياته الخاصة؛ فإن العادة جرت بسقوط الكلفة، وانبساط الرجل مع أهله، وزوجته أعلم الناس بحاله وخاصة شأنه.

فالنبي ﷺ مع كثرة أزواجه وهنَّ من قبائل عدَّة ومن أعمارٍ متفاوتة، وكون آباء بعضهن أعداء له؛ ولكن لم تنقل إحداهن عن حياته الخاصة إلا كل كمال يمكن أن يوصف به إنسان، ولا يمكن أن يتواطأن كُلُّهنَّ على إخفاء ما ينافي حال نبوته وكماله؛ فهذا في غاية من البعد.

الثاني: أنهن كن يعشن معه على الكفاف لا كما تعيش نساء الملوك، حتى اشتكين إليه ذلك فنزلت آية التخيير: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 28-29].

فكلهن رضي الله عنهن اخترنه ﷺ، ولو كان فيهن من لم تكن على يقين من نبوته وصدق رسالته.. لكان هذا التخيير فرصتها للانفكاك عنه؛

المبحث التَّاسِع: زواجه ﷺ بصَفِيَّة بنت حُيَيّ بن أخْطَب

لما رفض أهل خيبر دعوة الإسلام، تتابعت المنازلة لحصون خيبر، حتى فتحها الله لرسول الله ﷺ.

وبعد تمام فتح خيبر جُمِعَ السبي والغنائم، ورسول الله ﷺ لا يدري بتفاصيله، فجاءه دحية الكلبي رضي الله عنه فقال: يا نبي الله، أعطني جارية من السبي، قال: اذْهَبْ فَخُذْ جَارِيَةً . فأخذ صفية بنت حيي، فجاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا نبي الله، أعطيتَ دحية صفية بنت حيي، سيدة قريظة والنضير، لا تصلح إلا لك ، قال: ادْعُوهُ بِهَا . فجاء بها، فقال له النبي ﷺ: خُذْ جَارِيَةً مِنَ السَّبْيِ غَيْرَهَا . وعوّضه رسول الله ﷺ سبعة أرؤس.

صحيح البخاري (٤٢٠٠)، و صحيح مسلم (١٣٦٥).

والحكمة في هذا التصرف النبوي الحكيم: أن صفية كانت من أشرف نساء اليهود حسبًا ونسبًا، فنسبها يرتقي إلى نبي الله هارون عليه السلام، وعمها كليم الرحمن موسى عليه السلام، فلو أن رسول الله ﷺ خص بها دحية لأوشك أن يتغير خاطر بعض الحاضرين، لا سيما وأن في القوم من هو أعلى مقامًا وأكثر بذلًا في فتح خيبر.

واختارها ﷺ لنفسه جبرًا لخاطرها المنكسر بانتقالها من شرف رئاسة بني قريظة والنضير، إلى ذل الرق والعبودية، مع حزن فراق أبيها وعمها وأخيها وزوجها، فهل سيجبر خاطرها أحد كجبر رسول الله ﷺ لخاطرها، وهو أحلم الناس وأرحمهم، وأكرمهم بيتًا وشعبًا وواديًا!

واختارها ﷺ لنفسه ليجمع لها الشرف بحذافيره، فحين بلغ صفية أن حفصة قالت: ابنة يهودي.. بكت، فدخل عليها رسول الله ﷺ وهي تبكي، فقال: مَا شَأْنُكِ؟ . فقالت: قالت لي حفصة: إني ابنة يهودي! فقال النبي ﷺ: إِنَّكِ ابْنَةُ نَبِيٍّ، وَإِنَّ عَمَّكِ لَنَبِيٌّ، وَإِنَّكِ لَتَحْتَ نَبِيٍّ، فَفِيمَ تَفْخَرُ عَلَيْكِ .

مسند أحمد (۱۲۳۹۲)، جامع الترمذي (٣٨٩٤)، السنن الكبرى للنسائي (٨٩١٩)، وحسنه الترمذي، وصححه ابن حبان (۷۲۱۱) وغيره.

ثم عَرض رسول الله ﷺ على صفية الإسلام فاختارته، وَحَقَّ لها أن تختاره، وقد سمعت أباها يشهد بأن محمدًا ﷺ هو رسول رب العالمين الذي بشر به الأنبياء قبله!

ولما دخلت صفية على رسول الله ﷺ، قال لها: لَمْ يَزَلْ أَبُوكِ مِنْ أَشَدِّ يَهُودِ لِي عَدَاوَةً ، ثم قال لها رسول الله: اختاري؛ فَإِنْ اخْتَرْتِ الْإِسْلَامَ.. أَمْسَكْتُكِ لِنَفْسِي، وَإِنْ اخْتَرْتِ الْيَهُودِيَّةَ، فَعَسَى أَنْ أُعْتِقَكِ فَتَلْحَقِي بِقَوْمِكِ؟ . فقالت: يا رسول الله: لقد هويتُ الإسلام، وصدقتُ بك قبل أن تدعوني، حيث صرتُ إلى رحلك وما لي في اليهودية أربٌ، وما لي فيها والدٌ ولا أخٌ، وخيرتني الكفر والإسلام، فالله ورسوله أحبُّ إليَّ من العتق وأن أرجع إلى قومي . [ طبقات ابن سعد (٨ / ١٢٣).]

فانظر كيف رفع رسول الله ﷺ شأن صفية أن أعتقها، وخلّصها من رِبْقَةِ العبودية إلى رُتْبَةِ الحرية، وكيف اتخذها زوجة لا جارية، فهل هذا من الإكرام والإنعام أم من الإهانة والتحقير؟!

قالت صفية رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: كان رسول الله ﷺ من أبغض الناس إليَّ: قتل زوجي وأبي وأخي، فما زال يعتذر إليَّ، ويقول: يَا صَفِيَّةُ إِنَّ أَبَاكِ أَلَّبَ عَلَيَّ الْعَرَبَ وَفَعَلَ وَفَعَلَ . حتى ذهب ذلك من نفسي .

الآحاد والمثاني (٥ / ٤٤١)، المعجم الكبير (٢٤ / ٦٧)، صحيح ابن حبان (٥١٩٩)، السنن الكبرى للبيهقي (٤ / ٢٣٠).

ولو كان قلبها لم يمتلئ بحب إمام المتقين ﷺ وإجلاله، والفخر والشرف بجواره في الدنيا والآخرة.. لتحيّنت الفرصة وتربصت به ﷺ في أوقات الخلوة عندها فتعمل به ما عاش له أبوها وعشيرتها من الحقد والكيد لرسول الله ﷺ، لكنها آمنت بالله ورسوله ﷺ، وأدركت فضل الله عليها فحمدت وشكرت.

ولولا محبتها لرسول الله ﷺ لاختارت فراقه حين نزل قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٨-٢٩].

وقد نزلت آية التخيير سنة تسع بالاتفاق، فما الذي منعها إلا الحب والوفاء!

وكان هذا تخييراً بعد أمنها وتجربتها وهو غير تخييرها في أول أمرها، فخيرها أولاً وآخراً، واختارته أولاً وآخراً.

وفي مرض موته ﷺ اجتمع نساؤه رضي الله عنهن حوله، فقالت صفية: يا نبي الله لوددت أنَّ الذي بك بي ، فغمزن ﷺ ببصرهن، فقال: مضمضن . فقلن: من أي شيء؟ فقال: مِنْ تَغَامُزِكُنَّ بِهَا، وَاللَّهِ إِنَّهَا لَصَادِقَةٌ .

طبقات ابن سعد (٢/ ٣١٣)، سير أعلام النبلاء (٢/ ٢٣٥)، الإصابة (٨/ ٢١٢).

ومعنى: مضمضن أي: غسلن أفواهكن؛ لما وقع بها من قذى السخرية بصفية فيما أبدته من مشاعر الصدق والوفاء والإخلاص!

وحسبك فوز صفية بشهادة خير البرية ﷺ أن شهد لها بالصدق، وأقسم على ذلك وهو الصادق المصدوق ﷺ.

المبحث العَاشِر: بعده ﷺ عن إطراء نفسه

قال رسول الله ﷺ: لا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا عَبْدَ اللَّهِ وَرَسُولَهُ .

وينهى عن القيام له ويقول: لا تَقُومُوا لِي كَمَا تَقُومُ الْأَعَاجِمُ، يُعَظِّمُ بَعْضُهَا بَعْضًا .

صحيح البخاري (٣٤٤٥). | سنن أبي داود (٥٢٣٠).

المبحث الحادي عشر: إبلاغه ﷺ آيات عتاب الله تعالى له

الأولى: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التحريم: ١].

الثانية: قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧].

الثالثة: قول الله سبحانه وتعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [التوبة: ٤٣].

الرابعة: قوله سبحانه وتعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣].

الخامسة: قوله سبحانه وتعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٧].

السادسة: قوله سبحانه وتعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ ۝ أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ ۝ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ ۝ أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَىٰ ۝ أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَىٰ ۝ فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّىٰ ۝ وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ ۝ وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَىٰ ۝ وَهُوَ يَخْشَىٰ ۝ فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّىٰ ۝ كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾ [عبس: ١-١١].

فلو كان هذا النبي يختار ما يوحى إليه هل كان سيعاتب نفسه هذا العتاب الشديد؟ مع أنه في حال مواجهة مع خصوم دعوته وأعداء رسالته!

ثم أليس عجيباً وصف العبوس والتولي مع أن الذي عوتب النبي ﷺ من أجله أعمى، لم ير عبوساً ولم يشعر بتول!

السابعة: قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥].

قالت عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: ولو كان محمد ﷺ كاتماً شيئاً مما أنزل عليه لكتم هذه الآية: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧]. [ صحيح مسلم (١٧٧).]

إن الذي يفهمه علماء النفس من قراءة هذا النص أن – ها هنا – ألبة شخصيتين منفصلتين، وأن هذا صوت سيد يقول لعبده: لقد أسأت، ولكني عفوت عنك وأذنت لك.

وأنت لو نظرت في هذه الذنوب التي رفع العتاب عليها لوجدتها تنحصر في شيء واحد، وهو أنه ﷺ كان إذا ترجح بين أمرين اختار أقربهما إلى رحمة أهله وهداية قومه وتأليف خصمه، وأبعدهما عن الغلظة والجفاء، وعن إثارة الشبه في دين الله تعالى.

فلم يكن بين يديه نص فخالفه، أو جاوزه خطأً ونسيانًا، بل كل ذنبه أنه مجتهد بذل وسعه في النظر، ورأى نفسه مُخيَّرًا فَتَخيَّر.

هبه مجتهدًا أخطأ باختيار خلاف الأفضل… أليس معذورًا ومأجورًا؟

على أن الذي اختاره كان هو خير ما يختاره ذو حكمة بشرية، وإنما نبه القرآن إلى ما هو أرجح في ميزان الحكمة الإلهية!

وفي سنة تسع هلك عبد الله بن أبيّ كبير المنافقين؛ فكفَّنه النبي ﷺ في ثوبه، وأراد أن يستغفر له ويُصلِّي عليه، فقال عمر: أتصلي عليه وقد نهاك ربك؟ فقال ﷺ: إنَّما خيَّرني ربَّي فقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [سورة التوبة: ٨٠]، وسأزيد على السبعين .

وصلى عليه، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [سورة التوبة: ٨٤].

فترك الصلاة عليهم.

وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَيُّهَا الْعَاقِلُ أَنَّ الْإِنْسَانَ يَرْفُضُ إِذَا وُجِّهَتْ لَهُ تُهْمَةٌ سَيِّئَةٌ وَأَلْفَاظٌ نَابِيَةٌ أَنْ يَذْكُرَهَا أَمَامَ أَحَدٍ، أَوْ أَنْ تَذْكُرَ عَنْهُ وَلَوْ حِكَايَةً، وَحِينَ تَطْلُبُ مِنْ أَحَدِ الْعُقَلَاءِ أَنْ يَذْكُرَ مَا قَالَهُ أَحَدُ خُصُومِهِ فِي حَقِّهِ امْتَنَعَ وَقَالَ: لَا أَسُبُّ نَفْسِي بِلِسَانِي، غَيْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَدْ بَلَغَ الْوَحْيَ الَّذِي حَكَى مَا قَالَهُ الْمُشْرِكُونَ وَأَهْلُ الْكِتَابِ صَرَاحَةً، فَلَوْ كَانَ الْقُرْآنُ مِنْ تَأْلِيفِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَهَلْ يَقْبَلُ أَنْ يُلْزِمَ النَّاسَ بِقِرَاءَةِ التُّهَمِ الْمُوَجَّهَةِ إِلَيْهِ، ثُمَّ يَجْعَلَ قِرَاءَتَهَا مِنْ أَفْضَلِ الْعِبَادَاتِ، فَمِنْ تِلْكَ الْآيَاتِ:

١. اتهامه ﷺ بالجنون، قال الله تعالى عن أعداء رسوله ﷺ: ﴿وَقَالُواْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦]، وقال سبحانه عنهم: ﴿بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾ [القمر: ٢٥].

٢. اتهامه بالسحر والكذب، قال تعالى عنهم: ﴿وَقَالَ ٱلْكَٰفِرُونَ هَٰذَا سَٰحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [ص: ٤].

٣. اتهامه بأنه يصدق كل ما قيل له، ويسمع ما قاله كل أحد، قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ [التوبة: ٦١].

ومن دلائل صدقه هنا أن القرآن هو أول كتاب لدى أمة العرب ولا يُعرف للعرب كتاب مكتوب مؤلف بين أيديهم قبله، وهذا يدل على أن النبي ﷺ لم يتبع طريقة سابقة فيُحتذى بها، وإنما أتى هذا النبي الأمي إلى أمة أمية بكتاب وما كانت تعرف الكتب.

كما أن من المعروف أن حياته ﷺ مرت بأحوال صعبة، فكل أولاده وبناته قبضوا في حياته ما عدا السيدة فاطمة، وقد كانت له زوجة لها مكانة كبيرة في قلبه وحياته وهي السيدة خديجة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ثم ماتت في أصعب ظروف حياته ﷺ، وبالرغم من ذلك فإن القرآن الكريم لم ترد فيه مثل هذه الأشياء، لا موت بنيه، ولا موت زوجته، بالرغم من أن هذه الأمور قد آلمته وشغلته وأخذت جزءًا كبيرًا من مشاعره، ولو كان القرآن الكريم من نتاجه الشخصي لظهرت مشاعره النفسية في نصوصه!

كَمَا أَنَّ قَارِئَ الْقُرْآنِ سَيُفاجَأُ بِأَنَّ الْقُرْآنَ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ أُمِّ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا اسْمَ زَوْجَتِهِ الَّتِي كَانَ يُحِبُّهَا، وَلَا أَيًّا مِنْ بَنَاتِهِ، وَلَا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ الْأَقْرَبِينَ كَصَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ أَوْ ابْنِ عَمِّهِ عَلِيٍّ أَوْ عَمِّهِ حَمْزَةَ.

إِنَّ هَذِهِ كُلَّهَا بَرَاهِينُ عَلَى أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَا يَخْتَارُ مَا يُنَزَّلُ إِلَيْهِ، وَلَكِنْ يَتَلَقَّاهُ وَيُبَلِّغُهُ كَمَا بُلِّغَهُ.

المبحث الثاني عشر: إبلاغه ﷺ قول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ

قالت عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله ﷺ يحرس، فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]، فأخرج رسول الله ﷺ رأسه من القبة فقال: أيها الناس، انصرفوا، فقد عصمني الله من الناس .

جامع الترمذي (٣٠٤٦)، المستدرك (٢/ ٣١٣)، الفتح (٦/ ٨٢)، أنيس الساري (٦/ ٢٠٧ – ٤٢١).

أتراه أيها العاقل: لو لم يكن رسولاً من عند الله يفعل هذا؟!

أم أنه يخترع لهم آية تطلب منهم مزيد الاهتمام به، والحرص على مفاداته!

كيف يفعل هذا مَن يعرف في قرارة نفسه أنه كاذب، وقد رمته العرب عن قوس واحدة، وتتربص به الدوائر، وتبذل من أجل الوصول إلى اغتياله كلُّ نفسٍ ونفيسٍ!

ألا يخاف أن يُغتال؟!

إن الكاذب مهما كان كاذبًا فلن يكذب على نفسه.

إن هذا البلاغ لا يفعله إلا رجل صادق، يأوي إلى ركن شديد، واثق من أن الذي أرسله سيعصمه من كل المخاطر.

فكم رأينا ورأى الناس من الملوك والعظماء من اختطفتهم يد الغيلة وهم في مواكبهم تحيط بهم الجنود والأعوان!

ومن أعظم الوقائع تصديقًا لهذا النبأ الحق، ذلك الموقف المدهش الذي وقفه النبي ﷺ في غزوة حنين، منفردًا بين الأعداء، وقد انكشف المسلمون وولوا مدبرين، ففق رسول الله ﷺ يركض ببغلته إلى جهة العدو، والعباس بن عبد المطلب آخذ بلجامها يكفها إرادة ألا تسرع، فأقبل المشركون إلى رسول الله ﷺ فلما غشوه لم يفر ولم ينكص، بل نزل عن بغلته كأنما يمكنهم من نفسه، وجعل يقول: أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ ، كأنما يتحداهم ويدلهم على مكانه، فوالله ما نالوا نيلًا، بل أيده الله بجنده، وكف عنه أيديهم بيده!

وفي ركوبه ﷺ البغلة مع عدم صلاحيتها للحرب لأنها من مراكب الأمن: إيذان بأنه غير مكترث بالعدو؛ لأن مدده سماوي، وتأييده رباني.

ينظر: تثبيت دلائل النبوة (١/ ١٢٣)، المفهم (٣/ ٦٢١)، روح المعاني [سورة التوبة: ٢٥]، النبأ العظيم (١١٧-١١٨)، شرح الباجوري على الشمائل (٤١١)، لماذا نحن مسلمون.. (٦٥).

قلت: وقد بلغ عدد محاولات اغتيال رسول الله ﷺ ثلاثًا وثلاثين محاولة،

وقد تولى كِبَر هذه المحاولات الفاشلة البائسة شياطين أهل الشرك وشياطين أهل الكتاب، ومردة النفاق، واشترك فيها الرجال والنساء!

وقد خَيَّب الله سعي أولئك الماكرين بسيد المرسلين ﷺ ، وصانه وحماه؛ تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧].

ولقوله سبحانه: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨].

ولقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٥].

ولقوله جل وعلا: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢].

ومثله قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: 33]، [الصف: 9]، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح: 28] وقوله تعالى:

واللافت للنظر أن الأمان كان مُسْتَتبًّا أيام الخلافة الراشدة، والإسلام قوي، والكفر منْدَحِر، وقد استشهد منهم ثلاثة خلفاء، أما أيام الرسول والرسالة فلم يكن هناك أمن أو أمانٌ تام ولكن دفاع الواحد الديان عن سيد الإنس والجان حفظه من شرور شياطين الجن والإنس، تنفيذاً لوعْدِه، وإبرازاً بعهده.

محاولات اغتيال النبي ﷺ وفشلها للشيخين محمود نصار والسيد يوسف، و عشر محاولات لاغتيال النبي ﷺ للشيخ مراد سلامة، و محاولات قتل خاتم النبيين عرض ودراسة للشيخ علي عبد الباسط مزيد، وهو أبسطها، وإن كان الجانب الحديثي فيها ضعيفا، والله الموفق والمستعان.

المبحث الثالث عشر: تأخُّر نُزُول الوحي عليه ﷺ في شأن الإفك

أرجف المنافقون بحديث الإفك عن زوجِه عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا شهرًا، وأبطأ الوحي، وطال الأمر والناس يخوضون، حتى بلغت القلوب الحناجر، وهو لا يستطيع إلا أن يقول بكل تحفظ واحتراس: فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا .

صحيح البخاري (٢٦٦١)، صحيح مسلم (٢٧٧٠).

لم يزد على أن قال لها آخر الأمر: أَمَّا بَعْدُ، يَا عَائِشَةُ فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ، وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ، فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ ثُمَّ تَابَ إِلَى اللَّهِ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ .

على أنه ﷺ لم يغادر مكانه بعد أن قال هذه الكلمات حتى نزل صدر سورة النور معلنًا براءتها، ومُصدّرًا الحكم المُبرم بشرفها وطهارتها.

المبحث الرَّابع عشر: ذكره ﷺ في القُرآن أربع مرَّات فقط

لقد ذكر رسول الله ﷺ في القرآن أربع مرات فحسب!

بينما ذُكِرَ غيره من الأنبياء أضعاف هذا العدد بكثير؛ فموسى عَلَيْهِ السَّلَامُ ذُكِرَ اسمه (١٣٦) مرة!

وذُكر اسم إبراهيم عَلَيْهِ السَّلَامُ (٦٩) مرة!

وذُكر اسم نوح عَلَيْهِ السَّلَامُ (٤٣) مرة!

المبحث الخامس عشر: إخباره ﷺ بأنباء الأنبياء قبله

فمن أين عرف هذا وهو الأمي في هذا المجتمع الجاهلي، إلا أن يكون وحياً أوحاه إليه ربه الذي أرسلهم ثم أرسله في إثرهم خاتماً لهم، ولذا فإن ذكره المفصل لأخبار الأنبياء هو أحد براهين نبوته، فلا مصدر لهذا العلم إلا الوحي.

المبحث السَّادس عشر: إخباره ﷺ بالغيبيَّات المُستقبلية

… فالإصابة فيها مع تكرر ذلك وكثرة ما أخبر به منها: أمرٌ خارق لطبيعة البشر، ويُسلِّم العقل حينئذ أنها أخبار متلقاة من ربه الذي يوحي بها إليه سبحانه.

فهل تدبرت كيف علم النبي ﷺ أن الروم سيغلبون الفرس بعد أن غُلبوا؟

قال سُبحانَهُ وتَعالى: ﴿الٓمٓ ۝ غُلِبَتِ الرُّومُ ۝ فِيٓ أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ۝ فِي بِضْعِ سِنِينَۗ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُۚ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [الروم: ١-٤].

مع أن واقع المعركة لم يكن يشير إلى هذا التغير؛ فإن هزيمة الروم كانت ساحقة، حتى تم محاصرة عاصمتهم القسطنطينية، فلا يمكن أن يتوقع أحد أنه بعد هذه الهزيمة سيكون لهم انتصار!

… فكونه يخبر بهذا أصلاً! فهذا بحد ذاته برهان من براهين نبوته وصدق رسالته؛ لأنه لا يمكن لمفتر عنده شيء من عقل أن يغامر هذه المغامرة: أن يُحدّد ما سيقع مستقبلًا بتحديد لا يتيقن أيقع أم لا؟!

أخبر ﷺ أن أبا لهب والوليد بن المغيرة من أهل النار، ولازم هذه أن يموتا كافرين، فقال سبحانه عن الأول: ﴿سَيَصْلَىٰ نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد: ٣]. وقال عن الثاني: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر: ٢٦].

وقد عاشا بعد إخباره ﷺ بذلك سنوات ولم يُسلما ولو ظاهرًا؛ فيقول أحدهما بعد ذلك: ها قد أسلمتُ فكيف أدخل النار؟!

قول الله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ﴾ [الفتح: ٢٧].

قوله سبحانه وتعالى: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ﴾ [الفتح: ١٥]. فوقع ما أخبر به!

إخباره ﷺ أن عمر وعثمان رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا سيموتان شهيدين. [صحيح البخاري (٣٦٧٥).]

أخبر ﷺ أنه سيموت في مرضه الذي مات فيه، وأن ابنته فاطمة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أول من سيلحق به من أهل بيته؟!. [ صحيح البخاري (٣٦٢٥)، صحيح مسلم (٢٤٥٠).]

وإلا فأين هذا الذكيُّ أو العبقريُّ الذي أعطاه الدهر عهدًا بأن يكون عاصمًا لظنونه كلها من الخطأ في كشف وقائع الماضي مهما قدم، وأنباء المستقبل مهما بعد.

المبحث السَّابع عشر: إخباره ﷺ عن البحر وما فيه، ولم يره!

جاء وصف البحر في القرآن الكريم متنوعًا مبسوطًا؛ في عذبه ومالحه، وفي كنوزه من اللؤلؤ والمرجان،

ولا توجد رواية واحدة تدل على وصوله ﷺ إلى البحر أو ركوبه، فضلًا عن العيش فيه سفرًا وتجارة!

المبحث الثامن عشر: إخباره ببقاء ذرية شيبة بن عثمان بن أبي طلحة

لما خرج رسول الله ﷺ من الكعبة عام فتح مكة قام إليه علي بن أبي طالب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ومفتاح الكعبة بيده، فقال: يا رسول الله اجمع لنا الحجابة مع السقاية، فقال النبي ﷺ: أين عثمان بن طلحة؟ . فجاء عثمان فقال له ﷺ: خُذُوهَا يَا بَنِي شَيْبَةَ خَالِدَةً تَالِدَةً، لَا يَنْزِعُهَا مِنْكُمْ إِلَّا ظَالِمٌ .

ولا يزال مفتاح الكعبة فيهم إلى يومنا هذا وإلى ما شاء الله،

وهذا من براهين نبوته ﷺ من وجهين:

الأول: أنه ﷺ أخبر ببقاء ذرية هذا الرجل، الذين نراهم اليوم في القرن الخامس عشر، بعد أكثر من ألف وأربع مائة سنة من إخباره ﷺ بذلك.

وأتى له ﷺ ذلك إلا من وحي عالم الغيب والشهادة!

الثاني: في انقياد العرب والعجم وكل من تولى الأمر في مكة طيلة أربعة عشر قرنًا، كلهم سَلَّم للحجابة النبوية ببقاء مفتاح الكعبة في هذه الذرية!

المبحث الثاني والعشرون: كُسُوف الشَّمس في يوم وفاة إبراهيم ابن سيد البشر ﷺ

توفي إبراهيم ابن رسول الله ﷺ في شهر ربيع الأول سنة عشر من الهجرة، وصادف أن كسفت الشمس يوم موته عليه السلام، فقال بعض الناس: كسفت لموت إبراهيم ، وذلك بناء على عقيدة جاهلية هي أنَّ الشَّمس تكسف لموت عظيم أو مولده… فقام النبي ﷺ وهو يُغالِب أحزانه؛ ليُصحِّح لهم هذا التَّصوُّر الجاهلي: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا، فَقُومُوا، فَصَلُّوا .

صحيح البخاري (١٠٤١)، و صحيح مسلم (٩٠٤).

فيا أيها العاقل: دلني على شيء واحد فقط يمنعه ﷺ من أن ينسب كسوف الشمس لولده غير النبوة !

وهذا الشاعر النصراني (إلياس قنصل) يدله التدبر في هذه الحادثة وغيرها إلى أن محمدا ﷺ نبي صادق مخلص، يترفع عن اهتبال الفرص المواتية لإقامة صرح أمجاد شخصية، فيعلن هذا الشاعر إيمانه به نبيًّا وبرسالته دِينًا إلهيًّا قويمًا.

إِنِّي ذَكَرْتُكَ يَا نَبِيَّ مَلُوَّعًا … بِشَدَائِدِ الآلَامِ وَالأَحْزَانِ

تَحْنُو عَلَى إِبْرَاهِيمَ يَلْفَظُ رُوحَهُ … وَشَبَابُهُ مَا زَالَ فِي الرَّيَعَانِ

فَنَفَيْتَ مَا نَسَبَ الصِّحَابَةَ لِلسَّمَا … وَعَلَى جُفُونِكَ مَدْمَعُ الثُّكْلَانِ

هِيَ فُرْصَةٌ لَوْ نَالَهَا مُتَنَبِّئٌ … أَغْنَتْهُ عَنْ عَمَلٍ وَعَنْ بُرْهَانِ

إِنْ لَمْ يَكُنْ فِيمَا أَتَيْتَ رِسَالَةٌ … لِلْحَقِّ كَانَ الحَقُّ فِي بُطْلَانِ

صاحب هذه الأبيات هو إلياس قنصل (Elias Qunsul)، وهو شاعر عربي نصراني من اللاذقية في سوريا وقد أعلن إسلامه لاحقًا متأثرًا بدراسة سيرة النبي ﷺ ومحبته له، وذكر ذلك عدد من المؤرخين والأدباء المعاصرين له.

وقد وردت هذه الأبيات في ديوانه المعروف، وهي من قصيدةٍ طويلةٍ عنوانها محمد أو تُعرف أحيانًا بـ مديح النبي ﷺ . وقد نُشرت في ديوانه المطبوع بعنوان: ديوان إلياس قنصل، الطبعة الأولى، بيروت، دار صادر، 1965م تقريبًا.

المبحث الثَّالِث والعشرون: إقرار الله تعالى له فيما بلغه عنه وتأييده على أعدائه

قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣].

قال شيخ الإسلام بن تيمية: فَظُهور رسول الله ﷺ وأُمته على أهل الكتاب والمشركين… من أعلام نبوته ودلائل رسالته؛ لأنه ﷺ ادّعى نبوة وديناً دعا إليه، ووعد أهله بسعادة الدنيا والآخرة، وتوعد مخالفيه بشقاوة الدنيا والآخرة، ثم نصره الله، وأظهره، وأتم دينه، وأعلى كلمته، وجعل له العاقبة، وأذل مخالفيه؛ فهذا من براهين صدقه وتأييد الله تعالى له؛ لأن الكذاب المدعي للنبوة لا يتم أمره، وإنما يتم أمر الصادق؛ وذلك أن الله حكيم لا يليق به تأييد الكذاب على كذبه من غير أن يتبين كذبه.

… وهكذا أخبرت الأنبياء قبله ﷺ أن الكذاب لا يتم الله أمره ولا ينصره ولا يؤيده .

المبحث الرَّابع والعشرون: حفظ الله تعالى لسيرته

من خصائص إمام المتقين ﷺ أن الله تعالى حفظ سيرته؛ فلا يُعرف في تاريخ الأمم منذ القدم أن إنسانًا نال اهتمامًا بسيرته وتقصيًا لأخباره من قبل ولادته إلى ما بعد وفاته.. إلا رسول الله ﷺ.

وليس في أيدي أهل الكتاب عن كليم الرحمن موسى عليه السلام – فضلًا عن غيره، ما يشفي غليلاً أو يروي غليلاً – ولو وُجِدَ ما كان موثوقًا!

فالرسول عند النصارى صورة، والرسول عند المسلمين سيرة، وشتان!

المبحث الخامس والعشرون: إخباره ﷺ بختم سلسلة النبوة بنبوته ﷺ

أكد رسول الله ﷺ أن سلسلة الرسل والأنبياء قد ختمت به، ونفى أي احتمال لتوقع نبي آخر بعد نبوته، أو لشريعة أخرى بعد شريعته، وهي حالة استثنائية غير معهودة في تاريخ النبوات.

قال الله تعالى: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [سورة الأحزاب: ٤٠].

وقال ﷺ: لا نبي بعدي . [ صحيح البخاري (٣٤٥٥)، ومسلم (١٨٤٢).]

وها نحن نقف أمام حقائق أربع أساسية:

الأولى: أن نبي الله موسى عليه السلام لم ينفِ مجيء نبي بعده،

الثانية: أن المسيح عَلَيْهِ السَّلَامُ لم ينف مجيء نبي بعده،

الحمد لله رب العالمين

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

اكتشاف المزيد من مدونة التاعب

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading