بسم الله الرحمن الرحيم
خُلاصة كتاب:
عبقرية الإمام الشافعي (المَدَدُ وَالمِدَادُ)
تأليف: مشاري بن سعد بن عبد الله الشثري
فهرس المواضيع:
مَالِئُ الدُّنْيَا وَشَاغِلُ النَّاسِ
مَسَارَاتُ النَّظَرِ فِي العَبْقَرِيَّةِ
العَبْقَرِيَّةُ بَيْنَ المُحَاكَاةِ وَالمُحَاذَاةِ
الِانْفِصَامُ عَنِ الْمَأْلُوفِ .. طَرِيقًا إِلَى إِدْرَاكِ الْعَبْقَرِيَّةِ
جغرافيا العبقرية صورة الشافعي .. وخارطة تنقلاته
حِلْيَةُ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ
فَأَلْقَتْ عَصَاهَا وَاسْتَقَرَّ بِهَا النَّوَى
القِسْم الأوَّل: دعائم العبقرية
وَإِنَّمَا هِمَّتُهُ الْفِقْهُ
مَا كَانَ أَتَمَّهُ فِي كُلِّ فَنِّ!
عِلْمُهُ بِلُغَةِ العَرَبِ وَأشْعَارِهَا
عِلْمُهُ بِأَيَّامِ النَّاسِ وَأَنْسَابِهِمْ
عَلَيْكُمْ بِكُتُبِ الشَّافِعِي
تَأْثِيرُهُ فِيمَنْ صَنَّفَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ
تَأْثِيرُهُ فِيمَنْ صَنَّفَ فِي أُصُولِ الْحَدِيثِ
تَأْثِيرُهُ فِي الأَعْلامِ وَمُصَنَّفَاتِهِمْ
يَتَّبِعُ أَحْكَامَ الْقُرْآنِ
بَيَانُ الشَّافِعِيِّ فِي مُصَنَّفَاتِهِ
بَيَانُ الشَّافِعِيِّ فِي مَجَالِسِهِ وَمُحَاوَرَاتِهِ
فَتَحَ لِلْخَلْقِ الْأَقْفَالَ
القِسْم الثَّاني: اتِّصال العبقرية وانفصالها
ابْنُ وَهْبٍ، وَابْنُ الْمَاجِشُونِ
شَبِيهُ الشَّيْءِ مُنْجَذِبٌ إِلَيْهِ
الشافعي والمدرسة الحَدِيثِيَّة مُتَّصلاً ومُنفصلاً
مَدَاخِلُ الاتِّصَالِ الحَدِيثِيِّ
صورةُ المُحَدِّثِينَ في الذّهْنِيَّةِ العِرَاقِيَّةِ
فَهَلْ لِهَذَيْنِ مِنْ خَلْفٍ؟!
أَنْحَاءُ الْإِمْدَادِ الْمَنْهَجِيِّ
الشافعي والمدرسة العراقية (الحنفية)
الشافعي والمدرسة المدنية (مالكية مصر)
مركزية السُّنَّة في مجادلات الشافعي
نَجَازُ الْمَدَدِ وَالْمِدَادِ
فقد صادفت فكرة هذا الكتاب همّي على غير ميعاد، وذلك في أثناء عملي في كتاب مجرد مقالات الشافعي في الأصول ، حيث اضطرني ذلك إلى قراءة كل كتب هذا الإمام، وتتبع نصوصه فيما وراء كتبه، من كتب تلاميذه والمختصين به، من أتباع مذهبه وغيرهم، وكذلك النظر في تراجمه الخاصة وما تضمنته المجاميع العامة ..
فما زلت بالبحث والنظر وما زالا بي حتى استوى هذا الكتاب الذي أرجو أن يكون باذلاً لبعض حق هذا الإمام.
فهذا الكتاب إذ يتناول القول في الإمام الشافعي ناظرًا ومنظورًا إليه، عالمًا ومتعلمًا، مؤثرًا ومتأثرًا، وذلك بقصد الكشف عن مكامن الإبداع ومواطن العبقرية في شخصيته ومشروعه.
مَالِئُ الدُّنْيَا وَشَاغِلُ النَّاسِ
هذا الإمام مذ زمانه وحتى يومنا هذا لم يزل مالئ الدنيا وشاغل الناس، والباحثون فيه وفي علمه أطياف شتى، من أقصى الشرق إلى الغرب الأقصى، وكل واحد منهم إنما يغترف من جانب من بحر علومه ومعارفه، وما ذلك إلا لأنَّ الذي وضعه الشافعي وقدمه معدود في نوادر ما أملته العقول وجادت به القرائح.
ومن جهة أخرى فإن براعة العطاء المعرفي الذي أتى به الشافعي وعظيم تأثيره في تاريخ التراث الإسلامي جعل من الطاعنين في هذا التراث يعنون بالشافعي وتراثه عناية خاصة، دراسة ونقدًا، لعلمهم بأن المعرفة التي قدّمها معرفة حيّة متجاوزة في تأثيرها لزمانه،
… فالشافعي بما كتبه وحرّره كان يضع البذور التي استنبت منها منهج النظر في الشريعة، فحيثما قرر الشافعي من أصل أو نقده جعلوا من ذلك تأسيساً عاماً لهذه الشريعة ومنهجها، ولإسقاط الشافعي في نظرهم إسقاط للتراث بأسره، فكان أن أجلبوا بخيلهم ورجلهم في هذه السبيل.
والحقُّ أنهم وإن حادوا عن الصواب في زيفهم ونقضهم إلا أنهم أصابوا في إدراكهم مركزية هذا الإمام في تاريخ التراث وعظيم منزلته في تثبيت دعائمه،
وما جرى بينه وبين فقهاء زمانه من مُرافعات فقهية لم يكن يريد بها الشافعي البحث في مسائل جزئية، بل كان بعبقريته يقصد إلى إحداث تفاعل عالٍ بقصد ضبط مادة النظر في الوحي ودلائله.
فمن مُهمَّات القول وغمراته حين البحث في أصول الأئمة لمح مشتركاتهم المنهجية/ الأصولية وإن بدت بعض تمظهراتها متخالفة، فاختلافهم في بعض أنحاء دليل القياس ليس اختلافًا في أصله، وتفاوت أنظارهم في بعض تحققات الإجماع ليس تهوينًا من حاكميته، وقس على ذلك ما وراءه،
مَسَارَاتُ النَّظَرِ فِي العَبْقَرِيَّةِ
فامتياز ابتداء النظر من العلوم والمعارف أنه أكثر إبانة عن مكونات العلوم ومفصل مضامينها والمناهج المستعملة فيها.
وأما امتياز ابتداء النظر من الأعلام المؤثرين فيمتاز باطلاعه الناظر على مواقع التأثر والتأثير في تكوّن تلك العلوم وتطورها، نظرًا لما يتضمنه ذلك من معالجة الظرف العلمي والتاريخي الذي سُبحت فيه عقول أولئك الأعلام.
وقد سلكتُ في هذا الكتاب الوجهة الثانية،
وأيضًا فإن ذلك أدنى إلى إفادة القارئ، وأقرب إلى التأثير فيه، بحيث يمكن من خلاله تقديم العلْم المتحدث عنه إلى القارئ بصفته أنموذجًا ملهِمًا، وهذا هو جوهر مقصدي من رسم خارطة هذا الكتاب،
فإن البيئة العلمية المعاصرة أحوج ما تكون إلى طلاب علم ذوي اقتدار على الإبداع والابتكار، ليكون لهم إسهام نوعيّ في واقع العلم المعاصر الذي جمدت فيه عروق الإبداع وتصلّبت شرايينه،
ذكر الثعالبي أن الرجل (إذا كان حاذقاً جيدَ الصنعة في صناعته فهو عبقري) [فقه اللغة وسر العربية (١٤).]
أريدُ بالعبقرية ما يجمع أموراً ثلاثة، ولئن لم يكن بعضُها من جوهر العبقرية وماهيتها، فهو من كمالها وتمامها،
وتلك الأمور الثلاثة هي:
1. القابلية والاستعداد الفطري.
2. اتساع الحصيلة المعرفية والحذق فيها.
3. القدرة على التأثير النوعي.
ومما يدعم هذا الاتساع في القول والتخصيص في المعنى ما قاله بعضهم من أن (العبقري صفة لكلّ ما بُولِغَ في وصفه) [انظر: تهذيب اللغة للأزهري (٣: ١٨٨).]
وقد سأل الأصمعي أبا عمرو بن العلاء عن العبقري فقال له: (يقال: هذا عبقريُّ قومٍ كقولك: هذا سيِّدُ قومٍ، وكبيرُهم، وقويُّهم) [غريب الحديث لأبي عبيد (١: ٢٢٣).].
والعلماء المتقدمون والمتأخرون إنما يتمايزون بحسب حيازتهم لهذه العوامل ونسب تحققها فيهم،
وأُحبُّ التوكيد هنا على ما يتعلق بـ التَّأثير ونَعْتِهِ بـ النَّوعِيّ ، وذلك بأن يكون التأثير على مستوى آليات النظر والمعالجة، لا على مستوى العرض والنتائج المحصَّلة،
ونحن هنا نتكلم عن عبقرية متجاوزة فاعلة في السياق التاريخي العام للعلوم.
ومن هنا يمكن الفرق بين مفردات ثلاثة بينها قدر من التقارب، وهي: العالم، والإمام، والعبقري:
فالعالم بعلم ما هو من كانت له دراية بمسائل ذلك العلم ودلائله.
والإمام هو العالم المتبوع.
وأمَّا العبقريُّ الذي نقصد إلى الحديث عنه فهو مَن جَمَعَ إلى الدراية بمسائل العِلْم ودلائله: الحذق فيه والتأثير في بنيته ومسيرته، ولا يشترط فيه أن يكون متبوعًا، بمعنى أن يكون له أتباع ومدرسة مُستقِلَّة، بل أن يكون له تأثيرٌ مُتجاوزٌ على مُستوى العِلم نفسه، فإذا انضاف إلى ذلك كونه متبوعًا كان ذلك أمكَنَ في تأثيره.
العَبْقَرِيَّةُ بَيْنَ المُحَاكَاةِ وَالمُحَاذَاةِ
العبقرية لا تُحاكى، وإنَّما تُحاذى، فإنَّ الغاية ليست في استنساخ تلك العبقرية، وإنما في استثمارها لتنشأ عنها عبقرية جديدة، وأيضًا فهي ليست قابلة للمحاكاة،
ونحن حين نتحدَّثُ عن الشافعي مثلاً فليس غرضنا مُحاولةَ السَّير خلفَه مُتَتَبِّعينَ مواقعَ خَطْوِه، بل غرضنا أن نعرفَ كيف تأتَّت له تلك الخُطَى، أن نعرفَ كيف صار الشافعيُّ: الشافعيَّ، ثُمَّ نستلهمَ امتيازاته ليصنع كلٌّ مِنَّا نموذجَه الخاصَّ به.
الِانْفِصَامُ عَنِ الْمَأْلُوفِ .. طَرِيقًا إِلَى إِدْرَاكِ الْعَبْقَرِيَّةِ
فلا بد من استجلاب الأفق المعرفي الذي كان يتحرك فيه من يريد اختبار عبقريته، وسبب ذلك أن كثيرًا من صور العبقرية يذهب بحقيقتها الإلف والاعتياد، فإذا ما قرأتها في كتاب متقدّم قراءة مجرّدة عن واقعها ومحيطها لم تفطن لجوهر الإبداع والابتكار فيها، والشافعيُّ مثلاً لو قرأتَ بعض تقريراته الأصولية ربما مرَّت عليك مُرُور الكرام دون أن تعتريك رِعْدَة الدَّهشة، وذلك لأنَّك ألِفْتَها من الطرح الأصولي المُتأخِّر، فظننتها من مغسول الكلام، والواقع أنَّها إنَّما تخلَّقَت على يد الشافعي، فهو المُبدع لها، ومَن بعده عالةٌ عليه فيما قرَّره، ولتدرك ذلك فما عليك إلَّا أن ترجع بعقلك إلى ما قبل لحظة الشافعي، وتنظرَ إن كان بمقدورك أن تصنع ما صنع.. حينئذٍ تُدرك فُرادة ما أتى به الشافعي،
وعلى ذلك فقس.
ومن الشواهد اللطيفة الدالة على بعض هذا المعنى أن أبا إسحاق الفزاري الشافعي حين تحدث عن العزيز شرح الوجيز لأبي القاسم الرافعي … وذلك حين قال:
(ما يعرف قدر الشرح للرافعي إلا بأن يجمع الفقيه المتمكّن في المذهب الكتب التي كان الإمام الرافعي يستمدّ منها، ويصنّف شرحًا لـ الوجيز ، من غير أن يكون كلام الرافعي عنده، فحينئذ يعرف كل أحد قصوره عمّا وصل إليه الإمام الرافعي)[البدر المنير لابن الملقن (١: ٣٣٠).].
هذا هو السبيل لتنتابك رِعْدَة الدَّهشة، وتقف على لحظة الإبداع..
وإنَّما تُدرِكُ العبقرية عند الصَّدمة الأولى!
أولاً: نجد الشافعي قد توافرت فيه العوامل السابق ذكرها، من الاستعداد الذاتي الفطري والقدرة المعرفية والتأثير النوعي،
وثانياً: معيار الفوت، … ومفاده: أنَّ العبقري/المُبدع هو الذي تحصَّل له نمط من مداولة المعرفة والتعاطي مع قضاياها تفرَّد به حتى ظُنَّ فواته بفواته.
وقد وجدنا الشافعي قد نال من هذا المعيار حظًا وافرًا، بشهادة كبار الأعلام، كالإمام أحمد رضي الله عنه، وذلك حين بحث عنه محمد بن الفضل البزار في مجلس سفيان بن عيينة فلم يجده، ولم يزل يبحث عنه مجلساً مجلسًا حتى ظفر به في مجلس الشافعي، فعاتبه بتركه مجلس سفيان وقعوده في مجلس هذا الشاب، فقال له الإمام أحمد:
(اسكت! فإن فاتك حديث بعلوٍّ تجده بنزول، ولا يضرك في دينك ولا في عقلك ولا في فهمك، وإن فاتك عقل هذا الفتى أخاف ألّا تجده إلى يوم القيامة، ما رأيت أحدًا أفقه في كتاب الله من هذا الفتى القرشي) [مناقب الشافعي (٣٣٩:١) (٢٥٦:٢).].
ومن يعرف منزلة سفيان بن عيينة وسلطته العلمية على تلك الطبقة يدرك ما لهذا الخبر من مكانة.
ويسجل الإمام أبو ثور ذات الشهادة مؤكدًا عِزَّة الشافعي وانقطاع مثيله، فيقول:
(من زعم أنه رأى مثل محمد بن إدريس في علمه وفصاحته ومعرفته وثباته وتمكنه = فقد كذب، كان منقطع القرين في حياته، فلما مضى لسبيله لم يُعتَض منه) [وفيات الأعيان لابن خلكان (٤: ١٦٥).].
وثالثًا: فإن الشافعي قد أفسح لنا للحديث عنه وعن عبقريته من خلال نتاجه الواسع الذي وصلنا، وذلك أنه كان مهمومًا بالتأليف والكشف عن أنحاء عبقريته،
… أما الشافعي فقد تولى بنفسه تشييد بناء فقهه، وهذا على مستوى الأصول والفروع.
ولما تكلم ابن تيمية عن الأئمة الأربعة ودرجاتهم، وازَن بين كلام مالك والشافعي فيما يتعلق بالأصول، فكان مما قاله:
(الشافعي في أصول الفقه أجودُ لها إجمالًا وتفصيلًا من مالك، وتمييزًا بين الدليل وغير الدليل، وتقديم الراجح على المرجوح، وإن كان لمالك في ذلك من الكلمات الجامعة المجملة ما هي حسنة عظيمة القَدْر، ولكن الشافعي يُفضَّلُ أصوله) [فضائل الأئمة الأربعة وما امتاز به كل إمام من الفضيلة (١٠).].
ولما عرض العلامة أبو زهرة بعض شهادات العلماء وثنائهم على الشافعي قال:
(… ولئن تجاوزنا ذلك لنجدن شهادة أقوم دليلاً وأبين بياناً، وهي ما تركه من آثار: من أقوال مأثورة، أو فتاوى منشورة، أو رسائل كتبها، أو كتب أملأها، أو خلافات دونها، أو مناظرات أقامها، ففي كل ذلك الدليل على مقدار علمه، ومقدار مواهبه، واتساع أفقه، وفصيح بيانه، وقوة جنانه، فكان أكبر من أديب، وأكثر من فقيه) [الشافعي حياته وعصره.. آراؤه وفقهه (٣٢).].
ورابعاً: (غير خاف أن دراسة الشخصيات الإسلامية شعبة من شعب تاريخ التشريع الإسلامي الذي هو جزء من التاريخ الإسلامي العام) [القديم والجديد في فقه الشافعي للناجي لمين (٩:١).]
ومما يدلك على ذلك أنا إذا ما قارنا بين الأئمة الأربعة بحسب امتداداتهم المعرفية نجد أن الشافعي لم يكن مجرّد امتداد للمدارس العلمية السابقة عليه، بل قدم مشروعاً معرفياً متكاملاً زاحم به المشاريع التي سبقته، بل قدّم عليها مراجعات محكمة.
ذكر ابن تيمية أن الإمام أحمد موافق للشافعي في عامة أصوله [فضائل الأئمة الأربعة وما امتاز به كل إمام من الفضيلة (١٠).].
لم يكن الشافعي إِذَا امتدادًا لأحد،
ولعظيم تأثير مشروع الشافعي، فيمكن التَّأرِيخ للفِقْه بما قبل الشافعي وما بعده،
قال أبو زهرة: (الشافعي يمثل فقهه تمام التمثيل الفقه الإسلامي في عصر ازدهاره وكمال نموه، فهو يجمع بين فقه أهل الرأي وفقه أهل الحديث بمقادير متعادلة، وهو الفقيه الذي ضبط الرأي ووضع موازين القياس، وأول من حاول ضبط السنة، ووضّح الطرق لفهم الكتاب والسنة، وبيان الناسخ والمنسوخ) [الشافعي حياته وعصره .. آراؤه وفقهه (۱۱).].
ولا أريد أن يقع في وهم القارئ أن هذا الكتاب سيق ليكون مجرد سيرة تبجِيلِيَّة مناقِبِيَّة للشافعي،
الحديث عن الشافعي لغرض محدّد، وهو تقريب دعائم العبقرية متجسّدة في شخص الشافعي، مع بيان ما أثمرته تلك العبقرية من اتصال وانفصال، ليكون في ذلك ارتقاء بالملكات العلمية لدى طالب العلم المعاصر.
ومهما يكن مِن أمرٍ، فهذه (الأوراق تضيق عن مناقب هذا السيد) [سير أعلام النبلاء (٩:١٠).]، وليس الشافعي ممن يُؤْفَى فضله بكتاب، أو تُحَاطُ مناقبه بترجمة.
ابتدأت هذا الكتاب -بعد هذا المدخل- بنظرة إجمالية لصورة الإمام الشافعي وخارطة تنقلاته، وذلك ليكون لدى القارئ تصور كلي عن ارتحالات هذا الإمام والبلدان التي وردها وكان له بأعلامها اتصال وانفصال.
بعد ذلك قسمت البحث في العبقرية قسمين:
أما الأول: فعرضت فيه لِمَا يَقْرُبُ أن يكون سيرة موضوعية للشافعي، تُمَثّلُ العبقرية ودعائمها أساسًا لعرضها وسياقها.
وأما الثاني: ففصلتُ فيه القول فيما يتعلق بتأثر الشافعي وتأثيره، باتصاله بالمدارس المعرفية في زمانه وانفصاله عنها.
وقد تضمَّن القسمان النظر في (إمداد العبقرية) ما أمْدَتْه وما أُمِدَّتْ به، فكان الكتاب لذلك بحثًا في (عبقرية الإمام الشافعي) مَدَدًا وإمْدَادًا.
الكلام عن الشافعي لا بُدَّ أن يُفْهَم على أنَّه كلامٌ عن إمامٍ مُجتهدٍ أحدث نقلة نوعية للتُّراث الإسلامي/ العربي بعامَّةٍ، ولا ينبغي أن يُساق إلى زاويةٍ ضيّقةٍ بحيث يُقرأ على أنَّه إمام مذهبٍ فحسب، فالكلام عن الشافعي ليس حكرًا على الشافعية، والحديث عن علوم الشافعي ليس حديثًا عن علوم الشافعية ..
ثم إن الشافعي فيما أصله وفَرْعُه لم يكن يريد أن يصنع سياجًا يمنع من الاعتراض على أقواله، فهو بنفسه قد تولَّى ترك كثير من أقواله في الفروع وشيء مما أصله، ولكنه كان مهمومًا بضبط عملية الاستدلال وأساليب الاجتهاد وطرائق النظر، ووضع منارات في طريق الناظر يكون بها عارفًا بصيرًا فيما يأتي ويذر،
جغرافيا العبقرية صورة الشافعي .. وخارطة تنقلاته
أسوق ما ورد من صفته وسمته تقريباً لصورته واستحضارًا لهيئته.
حِلْيَةُ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ
قال ابن الصلاح:
( حلية الإمام الشافعي رضي الله عنه وجزاه الخير : طويلاً، سائلَ الخدين، قليلَ لحم الوجه، طويل العنق، طويل القصب، أسمر، خفيف العارضين، يخضب لحيته بالحنّاء حمراء قانية، حسن الصَّوت، حسن السمت، عظيم العقل، حسن الوجه، حسن الخلق، مهيبًا، فصيحًا، من أرزب الناس لسانًا، إذا أخرج لسانَه بلغ أنفَه، وكان مِسقامًا، ممنُوًّا بالبواسير، ونقل ناقلٌ والعهدة عليه أنَّه كان واردَ الأرنبة، على أنفه أثر الجدري، باديَ العنفقة، أبلج، مفلَّجَ الأسنان).
قال الأصمعي: (القصب: عظم العضد والفخذ والساق، وكل عظم ذي مخ فهو قصبة). سائل الخدين : رقيق الخدين، مستطيلهما. وارد الأرنبة : الأرنبة مقدم الأنف. أبلج : مفروق الحاجبين، ليس مقرونًا.
أوّل ما يقال من ذلك أنّ الشافعي ولد سنة (١٥٠هـ).
وقد قال الربيع: (مولد الشافعي بغزة أو عسقلان) [مناقب الشافعي (١: ٧١).].
ونحى بعض العلماء إلى الجمع بينهما بأن عسقلان هي الأصل في قديم الزمان، وهي وغزة متقاربتان، وعسقلان هي المدينة، فحيث قال الشافعي: غزة أراد القرية، وحيث قال: عسقلان أراد المدينة،
لَمَّا بَلَغَ الشَّافِعِيُّ سَنَتَيْنِ مَاتَ أَبُوهُ، (فحملته أمه إلى دارهم بالحجاز في أجياد، فنشأ بمكة، وترعرع بها، وجالس أهل العلم وفُتِحَ عليه فيه ما حَرُمَ غيره مثله) [الثقات لابن حبان (٩: ٣١).].
ثُمَّ إِنَّهُ لَمَّا بَلَغَ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ من عمره رحل إلى المدينة ولقي فيها الإمام مالكاً، وذلك سنة (١٦٣هـ)، وأقام بها إلى أن توفي مالك سنة (١٧٩هـ)،
بعد ذلك عاد إلى مكة، ومنها ذهب إلى اليمن وعمل بها.
ثم إنه رُفِعَ إلى العراق من اليمن بتهمة العلوية، وكان ذلك سنة (١٨٤هـ) وهي أول قَدَماتِه إلى العراق، وفيها لقي محمد بن الحسن الشيباني -صاحب أبي حنيفة-.
ثم إنه سافر إلى بغداد سنة (١٩٥ هـ)، وفي هذه القِدمة لقي أحمد بن حنبل وأصحابه المحدّثين. . وقد جاء في بعض الأخبار أن أحمد وبعض أصحابه رأوه بمكة وحضروا مجالسه، ومنها خبره في ترك مجلس سفيان وذهابه لمجلس الشافعي وحثه بعض أصحابه للحضور عنده كابن راهويه والحميدي، وذلك كله كان بمكة قبل مقدمه إلى العراق.
فَأَلْقَتْ عَصَاهَا وَاسْتَقَرَّ بِهَا النَّوَى
ثم سافر الشافعي من طريق الشام إلى مصر، وكان ذلك سنة (١٩٩هـ) أو (٢٠٠هـ)، ومكث بها حتى مات، وكان ذلك ليلة الجمعة، ودفن يومها بعد العصر آخر يوم من رجب سنة ٢٠٤هـ (الجمعة ٢٩/٧/٢٠٤هـ الموافق ١٩/١/٨٢٠م).
القِسْم الأوَّل: دعائم العبقرية
وقد كان للشافعي نبوغه الباكر، ولئن لم يكن ذلك البكور في النبوغ شرطًا في العبقرية إلّا أنه يُعدُّ من أخصّ دعائمها، وذلك لتحقيقه أمورًا:
ومنها: القدرة على إنضاج المعرفة في فترة طويلة من عمر العَلْم، وما يتبع ذلك من امتحان تلك المعرفة ونقدها وتطويرها.
فمن ذلك أن شيخه مسلم بن خالد الزنجي -فقيه مكة- أَذِنَ له في الإفتاء وسنُّ الشافعي دون العشرين،
قالَ أَبو عَبْدِ اللهِ الحُمَيْدِيُّ: كانَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وَمُسْلِمُ بْنُ خالِدٍ، وَسَعِيدُ بْنُ سالِمٍ، وَعَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَشُيُوخُ أَهْلِ مَكَّةَ = يَصِفُونَ الشَّافِعِيَّ وَيَعْرِفُونَهُ مِنْ صِغَرِهِ مُقَدَّمًا عِنْدَهُمْ بِالذَّكَاءِ وَالْعَقْلِ وَالصِّيانَةِ، وَيَقولونَ: لَمْ تُعْرَفْ لَهُ صَبْوَةٌ [مناقب الشافعي (٢: ٢٤٢-٢٤٣).].
ومن دلائل هذا النبوغ المبكر حفظه القرآن في السابعة من عمره، وحفظه الموطأ لمالك في العاشرة.
ثم إنه ارتحل إلى مالك وعمره ثلاث عشرة سنة، واستأذن مالكًا في أن يقرأ عليه الموطأ ، … فسمعها مالك وأُعجِبَ بها، حتى إن الشافعي كلما توقف طلب منه مالك أن يواصل وقال له: (يا فتى، زِدْ)، فأتم الشافعي بذلك الموطأ في أيام يسيرة.
وكان الشافعي ينقل خبر قراءته على مالك، كما كان ينقل إعجابه بقراءته، فيقول: (أنا قرأتُ على مالك، وكان يُعجِبه قراءتي). قال الإمام أحمد: (لأنه كان فصيحًا) [العلل (رواية عبد الله) (١٠٥٤)، آداب الشافعي ومناقبه (٢٨).].
وقد رأى مالك في وجه الشافعي هلال عبقري، فاستبشر باكتمال بدره يومًا، وبادره بالوصية قائلاً: (يا محمد، اتق الله واجتنب المعاصي، فإنه سيكون لك شأن من الشأن) [ترتيب المدارك للقاضي عياض (۱۳۷:۲).].
الشافعي لما بلغ في قراءته على مالك كتاب السير من الموطأ قال له مالك: (تَفَقَّه تَعْلُ) [حلية الأولياء (۷۰:۹).].
ولا يمكن أن يكون للشافعي ذلك النبوغ المبكر إلا وقد سبقه بإقبال تام على العلم، جود فيه مبنى علمه ومعناه، فكان أن عرف بالعقل والبيان، والإقبال التامُّ مِهَادُ التمكن والنبوغ، وآيته التركيز ودفع الصوارف،
قال الشَّافعيُّ: (جَعَلْتُ لذَّتي في هذا العِلْم وطلبه حتى رزقني اللهُ منه ما رزق) [آداب الشافعي ومناقبه (۲۲).].
وقد سأله الربيع في سنيّه الأخيرة عن شهوته للأدب، كيف هي؟ فقال الشافعي بلسان العاشقين: (أسمع بالحرف منه مما لم أسمعه، فتوَدُّ أعضائي أنَّ لها أسماعًا تتنعَّم به مثل ما تَنَعَّمَت الأذان). وسأله عن حرصه عليه فقال: (حِرْصُ الجَمُوعِ المَنُوعِ على بُلُوغ لذَّته في المال).
من دلائل ذلك النبوغ المبكر اتساع دائرته في العلم باللغة وهو لم يزل شابًّا، فكان مقصدًا لمثل الأصمعي، حتى قال عنه: (صحَّحْتُ أشعار الهذليين على شابٍّ من قريش بمكة يقال له: محمد بن إدريس الشافعي) [مناقب الشافعي (٢: ٤٤).].
اقرأ هذا الخبر مستحضرًا مكانة الأصمعي، وأن الشافعي كان أصغر منه بخمسة وعشرين عامًا!
ولما طلب الإمام عبد الرحمن بن مهدي من الشافعي أن يكتب كتابًا فيه معاني القرآن وقبول الأخبار وحجة الإجماع والناسخ والمنسوخ، كان الشافعي حينها شابًا.
وأنت تدرك أن البحث في تلك القضايا المنهجية الكبرى التي سمّاها ابن مهدي لا يتأتى للمرء، حتى يكون قد بلغ مبلغًا عَلِيًّا في العلم،
وأيَّاً ما كان فإن الذي يعنينا هنا أنه ألف كتابًا في وزن الرسالة وأن إمامًا يُعَدُّ من كبار الأئمة قد طلب منه ذلك، وهو لمًا يَزَلْ يوصف بكونه شابًا.
كما أن الإمام أحمد لما رأى الشافعي بمكة ذُهِلَ من عقله فلزم مجالسته تاركًا مجالس كبار المحدثين لما رآه منه ممَّا يُخشى فوته إن هو فرّط فيه، واستحثَّ أصحابه إلى ذلك، والشافعي حينها يوصف بكونه فتًى.
هذا النبوغ المبكّر مكَّن الشافعي من حسن تلقي العلم عن أشياخه،
… مع عقل سؤُول يمتحن كل وارد عليه،
ولذلك تجد مصنفاته حافلة بالتحقيق، متضمنة كثيرًا مما دار بينه وبين أعلام عصره من مساجلات معرفية والتي كان لها أعظم الأثر في تمتين علمه، وكذا أسهم ذلك في معالجته لمنهجه ومعاودته النظر فيه، فكانت له مراجعة لبعض أصوله وموازنة بين مفردات مقرراته، مما جر إلى مراجعة لمختاراته على مستوى الفروع حتى كان له في جملة من المسائل قديم وجديد، وانفصاله عن كثير من أقواله القديمة ناتج عن معالجات معرفية أدنه في آخر محطاته مصر إلى تقرير ما رآه أحق بالتثبيت.
وقد كانت مراجعته البصرية لمعارفه مراجعة شاملة، أعاد فيها تصنيف كتبه، وسعى في إحكامها، فحذف وثبت وزاد، وعن ذلك قال البيهقي بعد أن سمَّى كتب الشافعي: (ثمَّ أعاد تصنيفَ هذه الكُتُب في الجديد غيرَ كتبٍ معدودةٍ … فكان يأمر بقراءة هذه الكُتُب عليه في الجديد، ثُمَّ يأمر بتخريق ما تغيّر اجتهاده فيه، ورُبَّما يدعُه اكتفاء بما ذكر في موضع آخر) [مناقب الشافعي (1: ٢٥٥-٢٥٦).].
ولذلك لما سأل محمد بن مسلم بن وارة الإمام أحمد عن أي كتب الشافعي أحب إليه، العراقية أو المصرية، أجابه بقوله: (عليك بالكتب التي وضعها بمصر، فإنَّه وضع هذه الكتب بالعراق ولم يحكمها، ثم رجع إلى مصر فأحكم تلك) [آداب الشافعي ومناقبه (٦٠).].
ومن أجلى الشواهد على ذلك تفسير الطبري، هذا التفسير الذي لم يسبق ابن جرير إلى مثله، ولم يُلحق إلى بعضه، فقد كان من أماني صباه، وعن ذلك قال: (حدثني به نفسي وأنا صبي) [معجم الأدباء (٢٤٥:٣).]. ثم لم يبدأ فيه إلا بعد أن جاوز الأربعين.
كان الشافعي عظيم التَّمكُّن من الغوص على دقائق العُلُوم، باعثًا الهمم على تطلبها، ومن ذلك قوله: (مَن تعلَّم عِلْمًا فلْيُدَقِّقْ، لئلَّا يضيع دقيقُ العِلْم) [مناقب الشافعي (١٤٢:٢).].
وَإِنَّمَا هِمَّتُهُ الْفِقْهُ
وكان الشافعي يدرك من نفسه ميلها إلى الفقه، ولذلك سَلَّط سَهَام إنتاجه عليه، وهذا ما تشهد به مصنفاته.
وإن كان بلغ من سائر الفنون مقامًا عليًّا، ولكنه يُحسنُ ثنائية الأخذ والعطاء، فاتسع أخذه لسائر الفنون وتحدد عطاؤه للفقه وتحريره، وبذلك بلغ الشافعي أن كان فقيهًا من طراز فَرْد لم يزاحمه فيه مُزاحم على مَرّ التاريخ.
وكان الشافعي مدركًا لذلك من نفسه، قادرًا على أطْرِهَا على ما يريده، حتى قال: (لو أردت أن أضع على كل مُخالفٍ كتابًا لفعلتُ، ولكنَّ الكلام ليس من شأني، ولا أحبُّ أن يُنْسَب إليَّ منه شيء) [سير أعلام النبلاء للذهبي (١٠: ٣١). قال الذهبي مُعلِّقًا: (قلتُ: هذا النَّصُ الزاكي متواتر عن الشافعي).].
وقد تفاوتت الروايات في سبب ابتدائه تَعَلُّم الفقه، إلا أن القدر المحكم منها أن ذلك كان في ابتداء طلبه، بدليل ارتحاله إلى مالك حافظًا الموطأ -وهو كتاب حديث وفقه- وعمره ثلاث عشرة سنة، وكان قبل ذلك قد تخرّج بشيوخ مكة، وخاصةً فقهاؤهم.
ومع سابقة علمه بالعربية واتساعه في ذلك إلا أنه لم يشغل عقله وفكره عن الفقه، بل كان عظيم التركيز على مشروعه، ومن هنا لا تكاد تظفر للشافعي من الشعر إلا بمقطوعات وأبيات طيارة، وقد روي عنه أنه قال: (وَلَوْلَا الشِّعْرُ بِالْعُلَماءِ يَزْرِي … لَكُنْتُ الْيَوْمَ أَشْعَرَ مِنْ لَبِيدٍ).
ولا يعني ذلك أن الشافعي قد ترك تعلّم الشعر والعربية وما يتصل بهما، بل قد ظل مُحصّلاً لذلك، ولكن بما يكون عائداً نفعه على الفقه، فقد ظل مقيماً على العربية وأيام الناس عشرين سنة، فلما كَلَّم في ذلك قال: (ما أردت بهذا إلا الاستعانة للفقه) [مناقب الشافعي (١: ٤٩٩).].
ومن مليح القول هنا أن حال الشافعي في ابتدائه بالعربية ثم إقباله على الفقه كحال شيخ شيوخه ابن جريج، فقد قال ابن جريج: (كنت أتتبع الأشعار العربية والأنساب، فقيل لي: لو لَزِمْتَ عطاءً، فَلَزِمْتُه) [سير أعلام النبلاء (٦: ٣٣١).].
فهذا إذاً مشروع الشافعي الذي نال من همّه وجهده ما نال، وبلغ من فقهه أن أخذ الإمام أحمد يوماً بركابه ومشى معه، فبلغ ذلك يحيى بن معين فوجَّه إلى أحمد: (يا سبحان الله! اضطرك الأمر إلى أن تمشي إلى جانب بغلة الشافعي!؟). فقال له الإمام أحمد: (وأنت لو مشيت من الجانب الآخر لانتفعت). ثم قال: (من أراد الفقه فليُشمّ ذنب هذه البغلة) [مناقب الشافعي (٢: ٢٥٣).].
مَا كَانَ أَتَمَّهُ فِي كُلِّ فَنِّ!
قال الإمام أحمد في كلمة جامعة عنه: (ما رأيت أفهم للعلوم منه) [توالي التأنيس (١٣٢).].
وقد أدرك محمد بن عبد الله بن عبد الحكم الشافعيَّ في آخر عمره حين كان في مصر، وكان عمر محمد حين دخل الشافعي مصر (١٤) عامًا، … قال محمد: (وُلِدتُ في ذي القعدة لأربعَ عَشْرَةَ بَقِيَتْ من سنةِ ستٍّ وثمانين ومئةٍ، ولو أدركتُ الشافعي وأنا رجلٌ لاستخرجتُ من بين جنبيه عُلُومًا جَمَّةً، ما كان أئمَّة في كُلِّ فنٍّ؛ على أنَّه ماتَ وله أربعٌ وخمسون سنة) [مناقب الشافعي (٢: ٤٨).].
فانظر إلى هذا المشهد الذي يحكيه لك محمد بن عبد الله بن عبد الحكم بقوله: (ما رأيتُ مثل الشافعي .. كان أصحاب الحديث ونقَّادُه يجيئون إليه فيعرضون عليه، فربما أعلَّ نقد النُّقَّاد منهم ووقفهم على غوامض من نقل الحديث لم يقفوا عليها، فيقومون وهم يتعجَّبون. ويأتيه أصحاب الفِقْه المُخالفون والمُوافقون، فلا يقومون إلَّا وهُم مُذعنون له بالحذق والدِّراية. ويجيئه أصحاب الأدب فيقرؤون عليه الشِّعر فيُفسِّره) [توالي التأنيس (۱۳۷).].
وأمَّا الفقه وأصوله فإنَّه (لا حاجة بالعاقل إلى إقامة الدَّليل على إحاطته بعِلْم الفِقْه، ووُقُوفه على أسرار هذا العِلْم ومضائقه وحُسْن اجتهاده، ومَن نازع فيه كان كمَن نازع الشَّمس في الشُّعَاع، والفَلَك في الارتفاع) [مناقب الإمام الشافعي للرازي (٢٤٣).].
عِلْمُهُ بِلُغَةِ العَرَبِ وَأشْعَارِهَا
وقد بلغ الشافعيُّ مِن التَّمكُّن في ذلك بالقَدْر الذي جعل العُلماء من بعده يختلفون في الاحتجاج بلُغته، وشهد له أكابر أهل اللُّغة في زمانه وبعده بعُلُوّ كعبه في هذا الباب.
ومن أولئك: الأصمعي، (إمام زمانه في علم اللسان) [تاريخ الإسلام (٥: ٣٨٣).]،
وأهتَبِلُ فُرصة ذكر الأصمعي هُنا لأسوقَ لك وصفَه الآسر للشافعي، وذلك حين قال: (رأيتُ محمد بن إدريس، فرأيت فقيهاً عالماً، حسن المعرفة، عذب اللِّسان، يحتجُّ ويعرف، ولا يحسنُ إلا لصدر سرير أو ذروة منبر، وما علمت أني أفدته حرفاً فضلاً عن غيره، ولقد استفدت منه ما لو حفظ رجل يسيره هكذا لكان عالماً) [ترتيب المدارك (٣: ١٨٤).].
ومن أولئك: الزعفراني، وهو (من الفُصحاء البُلغاء) [سير أعلام النبلاء (١٢: ٢٦٢).]، وقد أوجز المقال فقال: (ما رأيتُ أحدًا قطُّ أفصحَ ولا أعلم من الشَّافعي، كان أعلمَ النَّاس، وأفصح النَّاس، وكان يُقرأُ عليه من كل الشعر فيعرفه، ما كان إلَّا بحرًا) [الانتقاء لابن عبد البر (١٤٨).].
عِلْمُهُ بِأَيَّامِ النَّاسِ وَأَنْسَابِهِمْ
وقد قال عنه نَسَّابة قريش مصعب الزبيري: (ما رأيت أحدًا أعلم بأيام الناس من الشافعي) [مناقب الشافعي (١: ٤٨٨).].
وكان ابن هشام يقول بعد ذلك: (ما ظنَنْتُ أنَّ الله خلق مثل هذا!) [مناقب الشافعي (٢: ٤٢).].
البحث هنا كلامه في أمرين:
الأول: تأصيله وتقعيده لقبول الأخبار.
الثاني: صِحَّة روايته وتثبته فيها.
وأما الثاني فقد كان الشافعي (ثِقَةً، حُجَّةً) [سير أعلام النبلاء (١٠: ٤٨).]
(حافظاً للحديث، بصيراً بعلله) [تذكرة الحفاظ للذهبي (١: ٣٦٢).]
وقد تتبع كبار المحدثين حديثه فما وجدوا عنده حديثاً غلطاً.
قال الخطيب البغدادي: (أئمة النقل قد اعتبروا ما رواه الشافعي، فلم يقفوا منه على وهم، ولا أدركوا له شيئاً قد لحقه فيه سهو).
ثم ساق بإسناده قول أبي زرعة: (ما عند الشافعي حديث غلط فيه) [مسألة الاحتجاج بالشافعي (١٠٤).]
وقال أبو داود: (ما أعلم للشافعي حديثاً خطأ) [سير أعلام النبلاء (١٠: ٤٨).]
بل إن لحديث الشافعي امتيازاً في الضبط والإتقان، ولا سيما روايته لـ الموطأ ، حتى قال الإمام أحمد: (كنتُ سمعتُ الموطأ من بضعة عشر رجلاً من حفاظ أصحاب مالك، فأعدته على الشافعي، لأنني وجدته أقومهم) [الإرشاد للخليلي (١: ٢٣١).].
وقد حاول بعضهم الغض من منصب الشافعي في العلم بالحديث، ولكن ما زاده ذلك إلا رفعة وجلالاً، وقد تصدّى عالمان من أكابر المختصين بالشافعي للإبانة عن منزلة الشافعي الحديثية، ووضع كلّ منهما كتاباً في تثبيت ذلك والرد على من حاول الطعن فيه، وهما: البيهقي، والخطيب البغدادي.
فأما البيهقي فصنّف بيان خطأ من أخطأ على الشافعي ، وقد تتبع في هذا الكتاب الطعون التي وجهت على أحاديث الشافعي حديثاً حديثاً، وأجاب عنها، مرتباً ذلك على موضوعات الفقه، وكان قد صنع ذلك في ضمن موسوعته الجليلة معرفة السنن والآثار ولكنه مفرَّق في مواضعه،
وأما الخطيب البغدادي فصنَّف مسألة الاحتجاج بالشافعي فيما أسند إليه، والرد على الطاعنين بعظم جهله عليه ، وأصله جواب على من سأل عن علة ترك البخاري الرواية عن الشافعي في صحيحه، فأجاب عن ذلك، وضَمَّن جوابه الكثير من الفوائد المتصلة بعلم الشافعي وحديثه.
والفِقْه خُصُوصًا من أحوج العُلُوم إلى غيره، إذ هو مُستخرَجٌ مِن الوحي، ولا يتأتَّى للعالِم فَهْم الوحي واستنباط الأحكام منه حتى يكون مُتصرِّفًا في سائر العُلُوم.
فأما استثماره اللغة وشعر العرب، فقد ذكرنا فيما تقدم إقامته على تعلم العربية وأيام الناس عشرين سنة وقوله في ذلك: (ما أردت بهذا إلا الاستعانة للفقه) [مناقب الشافعي (1: ٤٩٩).].
ومن دلائل هذه الاستعانة ما شهد له به أبو حسان الزيادي بقوله: (ما رأيت أحدًا أقدر على معاني القرآن، والعبارة عن المعاني، والاستشهاد على ذلك من قول الشِّعر واللغة = منه).
ومِن الشَّواهد المليحة لذلك أنَّ الشافعي حين بَحْثِهِ مسألةَ جزاء صيد المُحرَّم، وفَرْقِه ما بين الحمام وما دونه من الطَّير بأنَّ في الحمامة شاةً بخلاف ما دونها ففيه القيمة = احتجَّ لذلك باجتماع مذاهبِ جمعٍ مِن الصَّحابة على ذلك دون أن يُحفَظ عن غيرهم خلافُهم، ثُمَّ إنَّه قوَّاه مِن جِهَة المعنى بما تعرفه العرب مِن أنَّ الحمام عندهم أشرف الطَّائر، فليس بمنزلة ما دونه.
من هنا فقد كان الشافعي حريصًا على استيعاب أحاديث الأحكام خصوصًا، بل كان يحصي ما تلقاه عن شيوخه من ذلك مما يدل على شدة تحريه وتفحصه، ومن ذلك قوله: (وجدتُ أحاديث الأحكام كلها عند ابن عيينة، سوى ستة أحاديث، ووجدتها كلها عند مالك سوى ثلاثين حديثًا) [سير أعلام النبلاء (٨: ٤٥٧).].
ومن الأخبار الدالة على جليل عنايته بهذا النوع من الأحاديث واستيظافِهِ لقول يحيى بن منصور القاضي: (سمعتُ أبا بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة وقلت له: هل تعرف سنة لرسول الله ﷺ في الحلال والحرام لم يودعها الشافعي كتابه؟ قال: لا) [مناقب الشافعي (١: ٤٧٧).].
مما يدل على وعي الشافعي بما حصَّله من علم الحديث، وأنه لم يكن يعنى بالتوسع فيه توسع المحدثين = قوله لإسحاق بن راهويه -سيد الحُفَّاظ-: (لو كنتُ أحفظُ كما تحفظُ لغلبتُ أهل الدُّنيا) [مناقب الشافعي (٢: ١٥٣).].
وهو إذا ذُكِر بأنه قليل الحديث فليس ذلك على وجه الإطلاق، بل بمقارنة بغيره من المحدثين ممن كان يكثر السماع والرحلة في ذلك،
وكقول إبراهيم بن أبي طالب: (سألت أبا قدامة عن الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبي عبيد، فقال: أما أفهمهم فالشافعي، إلَّا أنَّه قليل الحديث) [تاريخ بغداد (١٤: ٤٠٠).].
كما أنَّه يُدرك أنَّه لو أقبل على حِفْظ الأحاديث وتوسَّع فيه لدخل ذلك بالنَّقص على فِقْهِهِ، ولذلك كان يُنبِّه تلاميذه عليه، ويُبيِّن لهم أنَّ التَّوسُّع في الحديث يشغل عن الفِقْه، وأنَّ رَوْمَ الجمع بينهما مُحالٌ، ومِن ذلك قوله لأبي علي بن مقلاص: (تريد تحفظ الحديث وتكون فقيهًا؟ هيهات! ما أبعدك من ذلك) [مناقب الشافعي (٢: ١٥٢).].
قال البيهقي معلقًا: (قلتُ: وإنَّما أراد به حفظه على رَسْم أهل الحديث مِن حِفْظ الأبواب والمُذاكرة بها، وذلك عِلْمٌ كثيرٌ إذا اشتغل به فرُبَّما لم يتفرَّغ إلى الفِقْه، فأمَّا الأحاديث التي يحتاج إليها في الفِقْه فلا بُدَّ مِن حفظها معه، فعلى الكتاب والسُّنَّة بناء أُصُول الفِقْه).
وقد بين ابن رشد الجدَّ جهة ذلك الذم، وقال في ضِمْن ذلك: (ومَن اشتغل برواية الأحاديث عن التَّفقُّه فيها ومعرفة ما عليه العَمَل منها فَمَا وُفِّقَ لِمَا لَهُ الحظُّ فيه) [البيان والتحصيل (١٨: ٥٢٣).].
كما قال الإمام مالك لتلميذيه وابني أخته لمَّا رآهما مُشتغلَين بعِلْم الحديث مُقبلين عليه: (أراكما تُحبَّان هذا الشَّأن، فإن أردتما أن ينفعكما اللهُ به فأقِلَّا منه وتفقَّها فيه) [ترتيب المدارك (٣: ١٥٥).].
التأليف من شأنه أن يُراكم المعرفة ثم يُكامل بين مفرداتها، وكلما اتسع زمنُ التأليف كان ذلك أدعى إلى تجويد المعرفة وإنضاجها، مما يؤهلها لأن تكون نواة عطاء عبقري له رَسْمُهُ الخاص وسماته البديعة.
وليس الشَّأنُ في التَّأليف كما قد يُظَنّ أنَّه مُجرَّد أداة لبَثّ العِلْم، بل إنَّ ذاتَ التَّأليف والكتابة سبيلٌ إلى تحصيل العُلُوم والمعارف، وأداةٌ فائقةٌ تُمَكِّنُ الكاتب مِن تجويد نظره، وتُعِينه على تَدَاعِي المعاني،
فالعِلْم إذا كان مكتوبًا فهو أحرى أن يكون محفوظًا يُجَدِّدُ النَّاظرُ فيه بحثه وفِكْره كُلَّما تجدَّدت معارفه وتنامت قُواه العِلْمِيَّة، والشَّأن كما يقول ابن تيمية: (غاية المعرفة واستقرار العِلْم إذا صار مكتوبًا) [مجموع الفتاوى (١٦: ٦٢).].
وهذه الثُّنائيَّة في التَّأليف (التَّدوين المُبكِّر/ الإنتاج المُتأخِّر) ممَّا يُعِين على تجويد المُخرَج المعرفي، بأن يبتدئ النَّاظرُ نَظْمَ مشاريعه الكُبرى مُبكِّرًا لتأخذ حظَّها مِن التَّأمُّل وإدارة النَّظر، ثم يُؤْتِيَ حقَّها بإنتاجها يومَ حصادها.
وأغزر مراحل إنتاج الشافعي كانت أيام مقامه بمصر، حيث قام بمُراجعة شاملة لتصانيفه، فاحتشد لذلك وجمع همَّه عليه، وقال: (ألَّفْتُ هذه الكُتُب، واستفرغتُ مجهودي فيها) [مناقب الشافعي (٢٥٨:١).].
ويحصي الربيع ما أملاه الشافعي في تلك المرحلة بقوله: (أقام الشَّافعيُّ ها هُنا أربع سنين، فأملى ألفاً وخمسمئة ورقة، وخرّج كتاب الأُمّ ، ألفي ورقة، وكتاب السُّنَن ، وأشياء كثيرة، كلّها في أربع سنين) [مناقب الشافعي (٢٩١:٢).].
وهذه الكُتُب المصرية، منها ما ابتدأها الشافعي في مصر، ومنها ما كان ألَّفه قبل وأعاد النَّظر فيه، ومنها ما رجع عنه وأمر بإتلافه واستأنف القول فيه.
كان للشافعي طقسُه الخاص في التأليف والكتابة، فقد كانت طريقته في ذلك أن يُدِيمَ النظر في الباب من العلم ويديره على ذهنه في ظلمة من الليل، فإذا استقام له وتكامل باشر تدوينه،
ويستثمر مصطفى عبد الرازق هذا الخبر ليقيد إحدى لحظات النظر الفلسفي المبكرة فيقول: (وليس هذا النوع من التفكير الهادئ في ظُلمة الليل كتفكير من يهتم بالمسائل الجزئية والتفاريع، بل يُعنى بضبط الاستدلالات التَّفصيلية بأُصُول تجمعها، وذلك هو النَّظر الفلسفي) [تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية (٢٣٠).].
ومن الأخبار الدالة على عظيم حرص الشافعي على ألا تفوته فكرة عارضة أو خاطرة لائحة حتى يدوّنها ويثبتها ما حكاه الحميدي [عن الشافعي أنَّه قال]: (تفكَّرتُ في معنى حديث، أو في مسألة، فخفتُ أن يذهب عليَّ، فأمرتُ بالمصباح، فكتبته) [مناقب الشافعي (١: ٢٤٣).].
عَلَيْكُمْ بِكُتُبِ الشَّافِعِي
ذكر البيهقي انفراد الشافعي من بين فقهاء الأمصار بحسن التأليف، ثم قال: (إن حسن التصنيف يكون بثلاثة أشياء: أحدها: حسن النظم والترتيب. والثاني: ذكر الحجج في المسائل. والثالث: تحري الإيجاز والاختصار فيما يؤلفه. وكان قد خُصَّ بجميع ذلك رحمة الله عليه ورضوانه) [مناقب الشافعي (٢٦٠:١).].
ولهذا الحُسن في التأليف كانت كتبه منهلًا عذبًا للعُلماء والمُحصِّلين، وكانوا يُعْنَوْنَ بسماع كتبه منه، ويتواصون بكتبها والاشتغال بها، ولا سيما أهل الحديث وخواصهم:
كابن المديني الذي أوصى ابنه بكُتُب الشافعي وأبلغ في ذلك حتى قال له: (لا تترك للشافعي حرفًا واحدًا إلا كتبته، فإن فيه معرفة) [مناقب الشافعي (٢٤٨:٢).].
كما قال لعلي بن المبارك وقد ذكر مسألة: (عليكم بكتب الشافعي) [توالي التأسيس (۱۳۳).].
ومن أخصهم في ذلك الإمام أحمد رضي الله عنه، فقد سمع كتب الشافعي كلها. [الانتقاء لابن عبد البر (١٢٤).]
تَأْثِيرُهُ فِيمَنْ صَنَّفَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ
معلوم أن (الشافعي هو أول من جَرَّدَ الكلام في أصول الفقه) [مجموع الفتاوى (٧: ٨٨).]،
ولا سيما في كتابه الرسالة ..
وقال أبو زهرة: (إن الشافعي رضي الله عنه قد سبق في تحقيق علم الاستنباط -وهو ما سُمِّيَ علم الأصول- سبقًا بعيدًا، ومن كتبوا في الأصول قد قبسوا منه كثيرًا، وحسبه فضلاً أنه هو الذي فتح لهم عين الطريق، فوردها من بعده الواردون) [ابن حزم حياته وعصره.. آراؤه وفقهه (٣٠٤).].
وقد قال الجويني عنه: (إنه أول من ابتدع ترتيب الأصول، ومهَّد الأدلة ورتَّبها وبَيَّنها وصنَّف فيها رسالته ) [مغيث الخلق (٣٤).]،
وجملة ما دلّت عليه هذه النصوص أن الشافعي في تصنيفه كان يقصد إلى اجتراح آفاق معرفية غير معهودة، تكون ناظمة لمتفرق المعارف، منتزعة الكليات من مفاريد الجزئيات، وما ذلك إلا لتمكّنه رضي الله عنه من إدراك حقائق العلوم، فأمكنه أن يتصرف فيها ويُحسّن التأتي في عرضها، مع آلة فاحصة يسبر بها صحيح العلم من سقيمه، وجيده من رديئه.
تَأْثِيرُهُ فِيمَنْ صَنَّفَ فِي أُصُولِ الْحَدِيثِ
قال البيهقي عن الشافعي: (له في كتاب الرسالة وغيرها في معرفة الحديث فُصُول لم يُسبق إليها، وعنه أخذها أكثر من تكلَّم في هذا النوع من العِلْم في وقته وبعده رحمهم الله تعالى، كعبد الرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل وغيرهما) [بيان خطأ من أخطأ على الشافعي (٣٣٥).].
وقال أحمد شاكر: (إن أبواب الكتاب =الرسالة ومسائله التي عَرض الشافعي فيها للكلام على حديث الواحد والحجة فيه، وإلى شروط صحة الحديث وعدالة الرواة، ورد الخبر المرسل والمنقطع، إلى غير ذلك … = هذه المسائل عندي أدق وأغلى ما كتب العلماء في أصول الحديث، بل إن المتفقه في علوم الحديث يفهم أن ما كُتِبَ بعده إنما هو فروع منه، وعالة عليه، وأنه جمع ذلك وصنّفه على غير مثال سبق، لله أبوه) [من مقدمة تحقيقه لـ الرسالة (ص١٣).]
يكفي في الدلالة على ذلك أن كتاب الأم صار دستورًا لمذهب فقهي قائم، وهو أصل لكثير من العلوم والمعارف، لا سيما في الفقه وأصوله، وقد اشتغل به العلماء، قراءة وسماعًا وترتيبًا واختصارًا،
والناظر فيما تضمنه الكتاب من مناظرات فحسب يعلم كيف أن الشافعي سنَّ طرائق في الجدل الفقهي والمغالبة المعرفية لم يسبق إليها ولن يُلحق إلى كثير منها.
وهذا الكتاب لا بُدَّ مِن التَّعامُل معه على أنَّه وثيقةٌ تاريخيَّةٌ، تأريخٌ لعِلْمٍ وحديثٌ عن مرحلةٍ، فليس هو مِن جِنْس غيره مِن الكُتُب الفِقْهِيَّة المُصَنَّفة .. وجُملة القول أنَّه كتابٌ فَحْلٌ، فَرْدٌ مُنقطعُ النَّظِير، ولَمْ يَنَل بعدُ حظَّه مِن العِنَاية والرِّعاية اللَّائقة به، وهو بحاجة إلى دراسة تحليلية خاصَّة.
تَأْثِيرُهُ فِي الأَعْلامِ وَمُصَنَّفَاتِهِمْ
ولتُدْرِك حَجْم التأثير الذي أحدثه الشافعي ونوعيته لاحظ كيف أن المتأثرين به كانوا من سادات العلماء وسَراتهم.. فمن أولئك:
وقد ابتدأت بذكره لأنه صار من بعد إماماً لمذهب قائم،
من الممكن جعل منهج الإمام أحمد امتداداً وتطوُّراً للمنهج الشَّافعي مع قَدْرٍ مِن التَّفاوت النِّسْبِيّ في التَّعامُل مع الأدِلَّة ضِيقاً واتِّساعاً.
والإمام أحمد نفسه حفظ فضل الشافعي ولهج به، وبيَّن عظيم انتفاعه به حتى قال: (هذا الذي ترون كلّه أو عامّته من الشافعي، وما بِتُّ مُنذ ثلاثين سنة إلَّا وأنا أدعو الله للشافعي وأستغفر له) [تاريخ بغداد (٢: ٤٠٠).].
ولذلك ذكر ابن تيمية أن الإمام أحمد موافق للشافعي في عامة أصوله،
وذلك ظاهر في مواضع من كتابه الحيدة ، وقد قال داود بن علي بعد سياقه لتلاميذ الشافعي: (وكان أحد أتباع الشافعي والمُقتبسين منه والمُعترفين بفضله: عبد العزيز بن يحيى الكناني، طالت صُحبته واتِّباعه له، وخرج معه إلى اليمن، وآثار الشافعي في كتاب عبد العزيز المكي بيّنة عند ذكره الخُصُوص والعُمُوم والبيان، كلُّ ذلك مأخوذٌ من كُتُب المُطَّلبي رحمة الله عليه) [مناقب الشافعي (٣٢٨:٢).].
كانت لابن راهويه عناية بكتب الشافعي، وقد طلب من الإمام أحمد أن يوجه له ما يدخل في حاجته من كتب الشافعي فوجه إليه بـ الرسالة .
ومن فرط عنايته بها أنه (تزوج بامرأة رجل كان عنده كتب الشافعي وتوفي، لم يتزوج بها إلا لحال كتب الشافعي).
وقد حمل خبر ذلك إلينا تلميذه ابن فورك في موضع متوارٍ من مُجرَّده ، وذلك حين عقد فصلاً أبان فيه عن مذاهب أبي الحسن في أصول الفقه، فقال في ضمن ذلك: (وكان يذهب في أكثر مسائل أصول الفقه إلى ما ذهب إليه الشافعي في كتاب الرسالة في أحكام القرآن) [مجرد مقالات الشيخ أبي الحسن الأشعري (١٩٣).].
فمعلوم أنه كان شافعيًّا أول أمره، ثم استقل بعد ذلك وصار له اختيار خاص، وقد لقي أصحاب الشافعي، كالمزني والربيع والزعفراني.
فما أجدر أن يُدْرَسَ كتابه الإحكام بعين ألفت تقريرات الشافعي، فبينهما وفاق لافت في كثير من القضايا، حتى إن ابن حزم كثيرًا ما تجري كلماته وتقريراته على وَفْق كلمات وتقريرات الشافعي، ومع شدة ابن حزم واستطالة قلمه على كثير من الأئمة إلا أنه استبدل بذلك لسان الثناء والتفخيم إذا ما تحدث عن الشافعي.
إنَّ كثيرًا من تأليفه مُبتكرٌ، ونهجه في تدوينه ليس له نظير في أهل زمانه ولا من قبلهم.
قال محمد بن زنجويه: (سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما سبق أحد الشافعي إلى كتاب الجزئية ) [مناقب الشافعي (٢٦١:١).].
قال رجل للمزني: (يا أبا إبراهيم، أملى عليك الشافعي كتاب السبق والرمي ؟) فقال المزني: (نعم، ولا نعلم أحداً سبقه إليه) [مناقب الشافعي (٢٧٣:٢)].
قال النووي عن الشافعي: (ابتكر كُتُبًا لَمْ يُسْبَق إليها، منها: أُصُول الفِقْه، وكتاب القسامة، وكتاب الجزية، وكتاب قتال أهل البغي، وغيرها) [تهذيب الأسماء واللغات (٤٨:١).].
وأنت إذا قرأت مباحث الأصول من كتاب الرسالة فلا يصرفنك الإلف عن تبين ابتكار الشافعي لها، بل حاول أن ترحل بقلبك وذهنك إلى ما قبل مرحلة الشافعي، ثم تنظر ما كتبه الشافعي لتدرك أي إسهام مبتكر قدمه ..
قال الرازي عما كتبه الشافعي حول القياس: (وبالجملة فقد لخَّص باب القياس تلخيصًا مضبوطًا ما سبقه إليه غيره) [مناقب الإمام الشافعي للرازي (١٤٥).].
ومن مثل ذلك ابتكاره المعرفي في نهج الاحتجاج لخبر الواحد بما هو مبثوث في كتبه كـ الرِّسالة و جِمَاعُ العِلْمِ و اختلاف الحديث ، وغيرها، فقد كان للشافعي في ذلك تقريرٌ لَمْ يُسبق إليه، ويسجل له ذلك الإمام أحمد فيقول: (الشَّافعيُّ حَسَنُ الشَّرح للحديث، وكان له اختراعٌ حَسَن، واحتج [لـ] خبر الواحد بكلامٍ حَسَنٍ وحُجَّة بَيِّنَة) [انظره والذي قبله في: توالي التأسيس (١٣٢).].
قال محمد بن مسلم بن وارة: (لمَّا قدمت مِن مصر أتيت أبا عبد الله أحمد بن حنبل لأُسلِّم عليه، فقال لي: كتبتَ كُتُب الشافعي؟ فقلت: لا. فقال لي: فرَّطتَ!، ما عرفنا العُمُوم مِن الخُصُوص، وناسخ حديث رسول الله ﷺ من المنسوخ حتى جالسنا الشافعي رحمه الله). ثُمَّ قال ابن وارّة: (فحملني ذلك أن رجعت إلى مصر وكتبتها) [سير أعلام النبلاء (١٠: ٥٥٩).].
وقال أبو ثور واصفاً الشافعي أوَّل لُقياه به: (فنظرتُ إليه، فإذا هو شابٌّ، وإذا له لسانٌ لدَّاغٌ، فسمعته يقول: قال اللهُ عزَّ وجلَّ في خبرٍ خاصٍّ يريد به عاماً، وقال في خبر عام يريد به خاصاً . فقلتُ له: رحمك الله، وما الخاصّ الذي يُراد به العامّ، وما العامّ الذي يُراد به الخاص؟ وكُنَّا لا نعرف الخاصّ من العامّ، ولا العام من الخاص. فقال ببيانه: قوله جلَّ وعلا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ﴾ إنَّما أراد به سُفيان. وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ فهذا خاصٌّ يُريد به العامَ) [مناقب الشافعي (١: ٢٢٢).].
وقال عبد القادر القرشي الحنفي: (لقد أخرج الشافعي باباً مِن العِلْم ما اهتدى إليه النَّاسُ مِن قبله، وهو عِلْم النَّاسِخ والمنسوخ، فعليه مدارُ الإسلام) [الجواهر المضيّة في طبقات الحنفية (٤: ٥٧٣).].
المعايش للقرآن معايشة اهتداء سيجني منه اتساع عقله وقوة براهينه وبيانه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾.
فقوله سبحانه: بِالْحَقِّ أي: قوة الحجة والبرهان. والتفسير في قوله: وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا يراد به قوة البيان، (ويعمُّ التصوير، ويعمُّ التحقيق بالدليل) [مجموع الفتاوى (١٤: ٦٧).].
وقد حرّر تقي الدين السُّبكي القَولَ في مسألة، وبحثها بما عدَّه مِن (نفائس المباحث)، ثُمَّ بيَّن أنَّ الذي حرَّكه لهذا التَّحرير تأمُّله في كلامٍ للشافعي، ثُمَّ قال: (ما أنفع تأمُّل كلام العُلماء رضي الله عنهم). [طبقات الشافعية الكبرى للتاج السبكي (١٠: ٢٧٥).]
فإذا كان هذا مع كلام العلماء، فكيف بكلام الله تعالى؟!
وقد قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (مَن أراد العِلْم فليُثوِّر القُرآن) [أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (ر: ٨٦٦٤).].
وإذا كان كتاب الله هو أصل العلوم، ونبعها، والحاكم عليها = فالمعايش له العالم به أقدر على حذق تلك العلوم والتصرف فيها، ومن هنا كان التعلّق بالقرآن وإدمان النظر فيه والاستهداء به من أجل دعائم العبقرية.
والشافعي لما كان مدركًا لذلك أقبل على السنة إقبالًا منقطع النظير، حتى تمكن أن يكون عَلَمًا عليها وعلى الذب عنها والفقه بمعانيها،
وقد صدَّر رسالته بخطبة تُعَدُّ من عيون كلامه، بل من عيون التراث كله، وضمنها القول في كتاب الله تعالى والإبانة عن منزلته، فقال:
(كُلُّ مَا أُنْزِلَ فِي كِتَابِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ رَحْمَةٌ وَحُجَّةٌ، عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ، لا يَعْلَمُ مَنْ جَهِلَهُ، ولا يَجْهَلُ مَنْ عَلِمَهُ. والنَّاسُ في العِلْم طبقاتٌ، موقعُهم مِن العِلْم بقدرِ درجاتهم في العِلْم به.
فَحُقَّ على طلبة العِلْم بُلُوغُ غايةِ جُهْدِهم في الاستكثار من عِلْمِهِ، والصَّبرُ على كلِّ عارضٍ دونَ طلبه، وإخلاص النِّيَّة لله في استدراك عِلْمه نصًّا واستنباطًا، والرَّغبة إلى اللهِ في العون عليه، فإنَّه لا يُدْرَكُ خَيْرٌ إلَّا بعونه.
فإنَّ مَنْ أدرك عِلْمَ أحكام الله في كتابه نصًّا واستدلالًا، ووفَّقَه الله للقول والعَمَل بما عَلِمَ منه = فاز بالفضيلة في دينه ودنياه، وانتفت عنه الرِّيَب، ونوَّرت في قلبه الحكمة، واستوجب في الدِّين موضع الإمامة. فليست تَنْزِلُ بأحدٍ مِن أهل دين الله نازلةٌ إلَّا وفي كتاب الله الدَّليلُ على سبيل الهُدَى فيها).
وكم هي الأخبار الدالة على عظيم تعلُّق هذا الإمام بكتاب الله تعالى، حتى اشتُهِرَ عنه خَتْمِهِ القُرآنَ في كلِّ شهرٍ ثلاثين خَتْمَة، وفي رمضان ضِعْفُ ذلك [مناقب الشافعي (٢: ١٥٩).]
ومن ذلك أن بعض فُقهاء مصر دخلوا عليه مرَّة في السَّحَر، وبين يديه المُصحف، فقال: (شَغَلَكُمُ الفِقْهُ عِن القُرْآنِ، إنِّي لأُصَلِّي العَتْمَةَ وَأَضَعُ المُصْحَفَ بَيْنَ يَدَيَّ فَمَا أُطَبِّقُهُ حَتَى أصْبَح) [مناقب الشافعي (٢٨١:١).].
ومثل هذا الإقبال هو ما يفسِّر لك ما ناله الشافعي من فتوح القرآن وما استنبطه من أحكامه، ومن داوم طرق الباب أوشك أن يُفتح له.
وفي وصفٍ عميقِ الدَّلالةِ يَصِفُ يونس بن عبد الأعلى -وما أحلى كلام يونس وأوصافه!- الشَّافعيَّ بقوله: (كان الشافعيُّ إذا أخذ في التَّفسير كأنَّه شَهِدَ التَّنْزِيلَ) [مناقب الشافعي (١: ٢٨٤)، أحكام القرآن للبيهقي (١: ١٩ ٢٠).].
ويُسجِّل أبو حَسّان الزِّيادِيُّ تفرُّد الشافعي في هذا الباب فيقول: (ما رأيتُ أحدًا أقدر على معاني القرآن، والعبارة عن المعاني، والاستشهاد على ذلك من قول الشِّعر واللُّغة = منه) [تاريخ دمشق لابن عساكر (٣٦٢:٥١).].
هذا، ولحرص الشافعي على نوال معاني القرآن واستكشاف أسراره كان عظيم الفرح والاغتباط بما يناله من ذلك، حتى قال مرَّة: (استنبطتُ البارحة آيتين فما أشتهي باستنباطهما الدُّنيا وما فيها) [أحكام القرآن للبيهقي (٢: ١٨٠).].
يَتَّبِعُ أَحْكَامَ الْقُرْآنِ
الشافعي كان أشدَّ عناية باستنباط معاني القرآن المُتَّصِلَة بأحكام الفقه.
وقد دخل على الشافعي محمد بن عبد الملك المصري قبل طلوع الفجر، فألفاه وهو ينظر في المصحف، وتَعَجَّبَ أن يكون كذلك في هذا الوقت، فقال له الشافعي: (إني لعلى هذا منذ صليت العتمة أنظر في أحكام القرآن) [مناقب الشافعي (١: ٢٤٣-٢٤٤).]
وكان ذلك الإقبالُ والنَّظر في المُصحف حالاً دائمةً للشافعي، وليس مُجرَّد أمر عارض بحسب ما يضطره إليه البحث كحال كثيرٍ مِن المُحصِّلين [وكأنَّه يقصدني!]، ويُبيِّن ذلك قول الرَّبيع: (قَلَّمَا كنتُ أدخل على الشَّافعي رحمه الله إلَّا والمُصحف بين يديه يَتَتَبَّعُ أَحْكَامَ الْقُرْآنِ) [أحكام القرآن للبيهقي (١: ٢٠).].
ولما أراد الشافعي إملاء تصنيف في أحكام القرآن قرأ القرآن من أجل ذلك مئة مرة. [انظر: مناقب الشافعي (١: ٢٤٤)، تاريخ دمشق لابن عساكر (٥١: ٥٦٣).]
وقد انتزع البيهقي من مجموع ذلك كتابًا في أحكام القرآن ضمَّ بين دفَّتيه استدلالات الشافعي القرآنية على الأحكام الفقهية. وهو غير كتاب أحكام القرآن للشافعي، وإن كان يحمل ذات الاسم، ونظير ذلك ما فعله البيهقي في جمعه كلام الشافعي في الفروع وترتيبه له على مختصر المزني، فقد سماه المبسوط مع أنه اسم كذلك لكتاب الأُمّ ، فإذا عُدَّ من كتب الشافعي المبسوط فإنما يُرادُ به الأُمّ .
قال الإمام أحمد: (ما رأيتُ أحدًا أفقه في كتابِ الله مِن هذا الفتى القرشي) [آداب الشافعي ومناقبه لابن أبي حاتم (٥٩).].
وكان سُفيان بن عُيَيْنَة شيخ الشافعي إذا سُئل عن شيء، من التَّفسير والفُتيا التفت إلى الشافعي، وقال: (سلوا هذا) [مناقب الشافعي (١: ٣٣٨).].
ولهذا الخبر مَزِيَّةٌ عاليةٌ إذا أدركتَ عظيمَ عِلْم سُفيان بكتاب الله تعالى، حتى قال عبد الله بن وهب: (لا أعْلَمُ أحدًا أعْلَمَ بتفسير القُرآن مِن ابن عُيَيْنَة) [سير أعلام النبلاء (٨: ٤٥٨).].
فهذا شاهدٌ يدُلُّ على تمكُّن الشافعي مِن العِلْم بالتَّفسير، وذلك في وقتٍ مُبكِّرٍ حين كان تلميذًا يشهد مجالس سُفيان، إضافةً إلى ما تقدَّم من وصف الإمام أحمد له وهو لم يَزَل فتًى.
كان الشافعي عظيم الإجلال للنبي ﷺ، حتى قال المُزَنِيُّ: (ما رأيتُ مِن العُلماء مَن يُوجِبُ للنبي ﷺ في كُتُبه ما يُوجبه الشافعي، لحُسن ذكره رسولَ الله ﷺ).
كما تواترت عنه النُّصُوص التي تدُلُّ على تحكيمه للسُّنَّة وتقديمها والاستغناء بها والذَّبّ عنها، حتى صار عَلَمًا على ذلك، وقد قال مرَّة: (سُمِّيَتْ ببغداد: ناصر الحديث ) [تاريخ بغداد (٢: ٤٠٨).].
إنَّما سُمِّيَ بذلك لأنَّه أوْجَدَ نظامًا مَعْرِفِيًّا حَامِيًا لموقع السُّنَّة مِن المنظومة التَّشريعية .. ولأنَّ السُّنَّة تُمثِّل محور كثيرٍ مِن المُجادلات التي دارت بين الشَّافعي وأعلام المدارس الأخرى، إمَّا مِن جِهَة أصل الاحتجاج بها، أو مِن جِهَة رُتبتها في الاستدلال وموقعها من خارطة الأدِلَّة = كان الشافعيُّ شديد العناية بتقرير حاكميتها وتثبيت حُجِّيَّتها وبيان منزلتها، فتحدَّث عن حُجِّيَّتها مِن حيث الأصل إذ قد تمادت بعض الطَّوائف البِدْعِيَّة فألغت اعتبارها بالكُلِّيَّة. [انظر: مجرد مقالات الشافعي في الأصول (١٢٩-١٣٦).]
حتى أهل الحديث الذين كانوا يمتازون بتثبيت السنة والاحتِكام إليها بنسبة تفوق ما عليه المدارس الأخرى وجدوا عند الشافعي ما كان غائباً عنهم من تقعيد ذلك وتأصيله بالقدر الذي يجعل له فاعلية واطّرادًا، كما فتح لهم أبواب دلالاتها وأجرى لهم أنهار معانيها.
وَلَيْسَ مِنَ العَسِيرِ أَنْ يَقُومَ عَالِمٌ بِالذَّبِّ عَن آحَادِ النُّصُوصِ رَدًّا عَلَى مَنْ شَبَّهَ عَلَيْهَا أَو عَارَضَهَا، وَلَكِنَّ الرِّهَانَ عَلَى وَضْعِ القَوَاعِدِ الضَّابِطَةِ لِلنَّظَرِ فِي ذَلِكَ، … فَبَسَطَ القَولَ فِي نَحْوِ الرِّسَالَةِ وَ جِمَاعِ العِلْمِ وَ اخْتِلَافِ الحَدِيثِ ،
غَيْرَ أَنَّ مِن أَخَصِّ الكُتُبِ الَّتِي كَشَفَت عَن عَبْقَرِيَّةِ الشَّافِعِيِّ فِي مُرَافَعَتِهِ عَنِ السُّنَّةِ وَمُدَافَعَتِهِ لِمَن خَالَفَهَا: كِتَابُ جِمَاعِ العِلْمِ ،
هَذَا الكِتَابُ مِن جُملَةِ الأُمِّ ، وَقَدْ أَفرَدَهُ أَحمَدُ شَاكِرٌ بِالطَّبْعِ، إِلَّا أَنَّهُ اعتَمَدَ عَلَى نُسخَةٍ خَطِّيَّةٍ سَقِيمَةٍ مُلِئَت تَحْرِيفًا وَسَقَطًا، فَلَا يُوثَقُ بِالنَّشْرَةِ الَّتِي أَخرَجَهَا، وَكَذَا حَالُ نَشرَةِ بُولَاقَ فِي ضِمنِ طَبعَتِهِم لـ الأُمِّ ، وَالنَّشرَةِ المُثْلَى – حَتَّى الآنَ – هِيَ نَشرَةُ د. رِفعَت فوزي فِي ضِمنِ مَا أَخرَجَهُ مِن الأُمِّ .
وقد ابتدأ الشافعي هذا الكتاب بحكاية الإجماع على حجية السنة فقال: لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا نَسَبَهُ النَّاسُ أَوْ نَسَبَ نَفْسَهُ إِلَى عِلْمٍ يُخالِفُ فِي أَنَّ فَرْضَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ اِتِّباعُ أَمْرِ رَسُولِ اللهِ وَالتَّسْلِيمُ لِحُكْمِهِ، بِأَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَجْعَلْ لِأَحَدٍ بَعْدَهُ إِلَّا اِتِّباعَهُ، وَأَنَّهُ لا يَلْزَمُ قَوْلٌ بِكُلِّ حالٍ إِلَّا بِكِتابِ اللهِ أَوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ، وَأَنَّ ما سِواهُمَا تَبَعٌ لَهُمَا، وَأَنَّ فَرْضَ اللهِ عَلَيْنا وَعَلى مَنْ بَعْدَنَا وَقَبْلَنَا فِي قُبُولِ الخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللهِ واحِدٌ لا يَخْتَلِفُ فِي أَنَّ الفَرْضَ وَالواجِبَ قُبُولُ الخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . [ جماع العلم الأم (٩: ٥).]
ثم إنه عقد بابين تناول فيهما الردّ على طائفتين، وهما:
– باب حكاية قول الطائفة التي ردَّتِ الأخبار كلَّها.
– باب حكاية قول من أراد ردَّ خبر الخاصة.
البحث فيما يتعلق بعلمه بمعاني السنة وفقهها،
وكان فقهه بذلك، ثم تفقهه أصحاب الحديث فيه، ورسمه منهج النظر لهم في ذلك = من أعظم إمدادات الشافعي للمدرسة الحديثية،
ومن ذلك قول الإمام أحمد: (لولا الشافعي ما عرفنا فِقْه الحديث) [توالي التأسيس (132).].
قال الشافعي: (ما أدركتُ أحدًا مِن النَّاسِ فيه مِن آلة الفُتيا ما في سُفيان بن عُيَيْنَة، وما رأيتُ أحدًا أكفّ عن الفُتيا منه، وما رأيتُ أحدًا أحسن تفسيرًا للحديث منه).
ولعلم الشافعي بما ناله من ذلك، ولعظيم ما وهبه الله تعالى من وثاقةٍ ومهابةٍ كان يقول بمكة: (سلوني عمَّا شئتم أخبركم مِن كتاب الله وسُنّة نبيه ﷺ) [انظر الأخبار المتقدمة في: مناقب الشافعي (306:1، 310، 362، 521).].
كتاب واحد من كتبه دال على عظيم فقه الشافعي بالسنة، وهو كتاب اختلاف الحديث ،
موضوع هذا الكتاب يُعدُّ من مبتكرات الشافعي، وذلك أنه لم يُعلم أن أحدًا قبله تناول الأحاديث من جهة اختلافها ومنهج التعامل معها حال تعارضها تأصيلاً وتطبيقًا.
وقد كان من أغراض الشافعي الأصيلة من هذا الكتاب أن يُبَيِّنَ أن ليس شيء من الأحاديث مختلفاً اختلافاً متكافئاً، بل إما ألا تكون مختلفة فيُجمَعُ بينها بالنظر في معانيها ودلالاتها، أو يكون بعضها أرجح من بعض بالدلائل المتنية أو الإسنادية، أو يكون كل منها حقاً في وقته فيُصار بها إلى القول بالنسخ.
هذا، وقد كان الشافعي معدودًا في حُذّاق أهل العِلْم بهذا الباب، حتى قال عنه ابن تيمية: (كان الشافعيُّ من أبصر النَّاسِ بأُصُول الفِقْه، وأعلمهم بالجمع بين النُّصُوص المُتعارضة، وناسخها ومنسوخها، ومُجملها ومفسرها) [ جواب الاعتراضات المصرية (٨٤).].
ولأن التَّحذُّق بمعاني السنة من أهم مقاصد هذا الكتاب تحدث فيه الشافعي عن إنزال الله تعالى كتابه بلسان العرب، وخطابه إياهم على ما يعرفون من معاني كلامهم، لأن ذلك هو الطريق لفقـه السنة والعلم بمعانيها.
فمما ذكره من ذلك أن من معاني كلام العرب أنهم يلفظون بالشيء عاماً يريدون به العام، وعاماً يريدون به الخاص،
ولما أخذ الشافعي في تأصيل ما يتعلَّق باختلاف الأحاديث ذكر أنَّ الحديث عن رسول الله ﷺ كلام عربي، وأنَّه كالكتاب فيما يتعلَّق بالعُمُوم والخُصُوص ومخارجهما، وبيَّن أنَّ الأصل فيه أن يحمل على عُمُومه وظُهُوره إلَّا بدلالة، كما ذكر أنَّ الأحاديث كُلَّما أمكن استعمالها استُعملت، ولم يُعطِّل بعضها بعضاً، وهو بذلك يُلِحُّ على قضية فقه السنة وتحكيم معانيها والجمع بينها قبل المصير لأي ترجيح أو نسخ.
وقد كان الشافعي لإدراكه ما للعلم بالعربية والتمكّن من القوة البيانية من أثر في قوة العقل والفهم يتأسّف على إهمال الناس لذلك، حتى قال: (اثنان أغفلهما الناس: الطب والعربية) [مناقب الشافعي (٢: ١١٦).].
ثم إنَّ القُوَّة البيانية كما أنَّ لها أثراً في الإبانة عن العِلْم والعبارة عن المعرفة فإنَّ لها أثراً بالغاً في تفكير المُتكلّم، فالبيان هو ترجمان الفِكْر، وهو إطاره، وبقدر ما يملك المرءُ مِن البيان يملك من التَّفكير، فاللغة إذاً ليست قاصرة على مُجرَّد التَّعبير، بل هي كذلك أداة للتَّصوُّر، وإذا كانت بهذا المقام كان لها أثرٌ ولا بُدَّ في قُوَّة العَقْل، وقد قال الشافعيُّ: (تعلَّموا العربية، فإنَّها تُثَبِّتُ العَقْل، وتزيدُ في المروءة) [مناقب الشافعي (١: ٢٨٢).].
ومن أخصِّ ما يتركه الجَهْل بلُغة العرب مِن أثرٍ فاسدٍ: الجهل بالوحي، وذلك لأنَّ الجهل بالعربية يجُرُّ فساد الرَّأي والنَّظر،
وما دامت هذه الشَّريعة عربية، فلا يفهمها حقَّ الفَهْم إلَّا مَن فهم اللُّغة العربية حقَّ الفَهْم، … فإنَّه لا ينفكُّ عنها ناظرٌ في الشَّريعة، أيًّا كان مجالُ نظره.
وما ذلك إلا لأن الله خاطب العرب بلسانها على ما تعرف من معانيها، فالعلم باللغة سبيل إلى العلم بالوحي الذي أنزله الله تعالى على خلقه.
وإذا كانت غالبُ نُصُوص الوحي بيِّنةً بتيسير الله تعالى إيَّاها للذِّكر، حتى إنَّ عُمُوم الخلق يستطيعون إدراك مُجمل معانيها بمُجرَّد قراءتها، إلَّا أنَّ العربية والخبرة بها تُمكِّنُ صاحبها مِن مزيدِ إدراكٍ للنُّصُوص واستنطاقٍ لمُفصَّلِ معانيها واستخراجٍ لأسرارها، ومن هُنا قال الشافعي: (أصحابُ العربية جنُّ الإنسِ، يُبصرون ما لا يُبصرُ غيرُهم) [آداب الشافعي ومناقبه (١٥٠).].
قال [الشَّافعيُّ] رضي الله عنه:
(عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَتَعَلَّمَ مِنْ لِسانِ العَرَبِ ما بَلَغَهُ جَهْدُهُ، حَتّى يَشْهَدَ بِهِ أَنْ لَا إِلهَ إِلّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَيَتْلُوَ بِهِ كِتابَ اللهِ، وَيَنْطِقَ بِالذِّكْرِ فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْهِ مِنَ التَّكْبيرِ، وَأُمِرَ بِهِ مِنَ التَّسْبيحِ وَالتَّشَهُّدِ وَغَيْرِ ذٰلِكَ.
وَما ازْدَادَ مِنَ العِلْمِ بِاللِّسانِ الَّذي جَعَلَهُ اللهُ لِسانَ مَنْ خَتَمَ بِهِ نُبُوَّتَهُ، وَأَنْزَلَ بِهِ آخِرَ كُتُبِهِ = كانَ خَيْرًا لَهُ.
… وَمَنْ عَلِمَهُ انْتَفَتْ عَنْهُ الشُّبَهُ الَّتِي دَخَلَتْ عَلَى مَنْ جَهِلَ لِسَانَهَا.
… فَإِنَّمَا خَاطَبَ اللَّهُ بِكِتَابِهِ الْعَرَبَ بِلِسَانِهَا عَلَى مَا تَعْرِفُ مِنْ مَعَانِيهَا، وَكَانَ مِمَّا تَعْرِفُ مِنْ مَعَانِيهَا اتِّسَاعُ لِسَانِهَا، وَأَنَّ فِطْرَتَهُ أَنْ يُخَاطِبَ بِالشَّيْءِ مِنْهُ: عَامًّا ظَاهِرًا يُرَادُ بِهِ الْعَامُّ الظَّاهِرُ، وَيُسْتَغْنَى بِأَوَّلِ هَذَا مِنْهُ عَنْ آخِرِهِ. وَعَامًّا ظَاهِرًا يُرَادُ بِهِ الْعَامُّ، وَيُدْخِلُهُ الْخَاصُّ، فَيُسْتَدَلُّ عَلَى هَذَا بِبَعْضِ مَا خُوطِبَ بِهِ فِيهِ. وَعَامًّا ظَاهِرًا يُرَادُ بِهِ الْخَاصُّ. وَظَاهِرًا يُعْرَفُ فِي سِيَاقِهِ أَنَّهُ يُرَادُ بِهِ غَيْرُ ظَاهِرِهِ. فَكُلُّ هَذَا مَوْجُودٌ عِلْمُهُ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ، أَوْ وَسَطِهِ، أَوْ آخِرِهِ.) [الرسالة (ف: ١٦٧-١٧٨).]
فالألفاظ أوعية المعاني، وكلما كان المرء أقدر في البيان كان أقدر في الإبانة عن حجته والكشف عن قوتها.
كما أنَّ للُّغة وإشراقَتِها مِن لسان المُتحدِّث بالعِلْم بريقًا يفتن الطَّلبة والمُتلقِّين، ولذلك أثرٌ بالغٌ في القَبُول.
ولذلك كان للغة الشافعي وفصاحته -في تأليفه، وحديثه- تأثيرٌ بالغ في أهل العلم حتى ساقهم ذلك التمكن البيانيُّ إلى كتبه ومجالسه،
بَيَانُ الشَّافِعِيِّ فِي مُصَنَّفَاتِهِ
تحدَّث عبد القاهر الجرجاني عن امتياز العرب المُتقدِّمين في نَظْمِهِم، وأنَّه ليس لِمَن بعدهم إِلَّا مُحاكاتهم.
كل ما وضعه الشافعي من كتب يُعدّ في الذروة العليا من البيان،
قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن كلام الطبقة المتقدمة من الأئمة: (للشافعي وللإمام أحمد وغيرهما مِن الأئمَّة مِن الكلام ما لا يَفْهَم غَورَه كثيرٌ من النَّاس، كما لأئمَّة السَّلف قبلهم) [جواب الاعتراضات المصرية (٨٥).]. كما قال الجويني: (في نظم كلام الشافعي تعقيدٌ لا يطَّلع عليه إلَّا مَن جمع إلى فهمه أوفر حظٍّ من اللُّغة) [نهاية المطلب (١٣: ٦٥).].
وابن تيمية والجويني لا يُريدان بذلك غُمُوضها، بل وَفْرَة معانيها واكتنازها بمضامين عميقة ودلالات دقيقة، فكان في كلامهم بالقليل من الألفاظ الكثير من المعاني.
وليست القدرة على العبارة عن العلم معدودة في فضول القَدْر، بل هي من صميم العلم ومتينه.
وقد نقل الشاطبي عن أستاذه أبي علي الزواوي أنَّه كان كثيرًا ما ينقل عن بعض العقلاء الشُّرُوط التي لا يُسمَّى العالِمُ بعِلْمٍ عالمًا به على الإطلاق حتى تتوفَّر فيه، وعدَّ منها: (أن تكون له قُدرة على العبارة عن ذلك العِلْم) [الإفادات والإنشادات (١٠٧).].
وقال ابن تيمية: (العِلْمُ له مبدأٌ، وهو: قُوَّةُ العَقْلِ الذي هو الفَهْمُ والحِفْظُ. وتمامٌ، وهو: قُوَّةُ المَنْطِق الذي هو البيانُ والعِبَارَةُ) [اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية (٤٤٧:١).].
ومنهُم الجاحظُ الذي طارت شهادته في ذلك كلَّ مطار، أعني قوله: (نظرتُ في كُتُب هؤلاء النَّبَغَة الذين نبغوا، فلم أرَ أحسن تأليفًا من المُطَّلِبِيّ، كأنَّ فاهُ يَنظِمُ دُرًّا إلى دُرٍّ) [مناقب الشافعي (٢٦١:١).].
المقصود بالمُطَّلِبي هُنا هو الإمام محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله = لأنَّ نَسَبه يرجع إلى المُطَّلِب بن عبد مَنَاف ، ومِن ثَمّ يُنسَب الشافعيُّ إلى المطَّلِبِيّ لا إلى الهاشمي مُباشرةً.
وقد كان الشافعي يعرف من نفسه علوّ كعبه في العربية، فكان يقول: (ما بلغني أنَّ أحدًا أفهم لهذا الشأن مني، وقد كنتُ أُحِبُّ أن أرى الخليل بن أحمد). وقال: (إذا وجدتم في كتابي الخطأ فأصلحوا، فإني لا أخطئ) [انظره والذي قبله في: مناقب الشافعي (٥٢:٢).].
وفيه أيضًا قول الربيع: (أعربوا هذا الكتاب، فإن الشافعي لم يلحن).
كما قال المُزَنِيُّ: (مَن شاء مِن خلق الله ناظرته على ما يُوجَد في كُتُب الشافعي مِن خطأ أنَّه مِن الكاتب ليس مِن الشافعي) [الانتقاء لابن عبد البر (١٤٤)].
قال الأديب الطنطاوي متحدثًا عن قراءته لكتاب الأم : (كنتُ أقرأ فيه صفحات كثيرة، لا لمعرفة الحُكْم الفقهي، ولكن للاستمتاع بذلك البيان) [الذكريات (٢٢٠:٨).].
وَيُجْمِلُ الشيخ أحمد شاكر القول، فيسجل شهادته لعامَّة ما كتبه الشافعي بقوله:
(كتاب الرِّسالة ، بل كُتُب الشافعي أجمع: كُتُب أدب ولُغة وثقافة قبل أن تكون كُتُب فِقْهٍ وأُصُول، ذلك أنَّ الشافعي لم تُهجِّنْه عُجْمَة، ولم تدخل على لسانه لَكْنَة، ولم تُحفَظْ عليه لَحْنَةٌ أو سقطة).
وقال: (كُتبُه كلّها مُثُلٌ رائعة مِن الأدب العربي النَّقيّ، في الذُّروة العليا من البلاغة، يكتب على سجيَّته، ويُملي بفطرته، لا يتكلَّف ولا يتصنَّع، أفصح نثرٍ نقرؤه بعد القرآن والحديث، لا يُساميه قائلٌ، ولا يُدانيه كاتب) [من مقدمة تحقيقه لـ الرسالة (١٣-١٤).].
ويكفيك من ذلك أن تقرأ خطبة كتابه الرسالة ، تلك الخطبة تضمنت من بديع المعاني وعالي المباني ما هي خليقةٌ معه بالحفظ والتمثّل، ولذلك كان لهذه الخطبة منزلة خاصة عند أهل العلم، حتى إن السيوطي لما أجازه شيخه سراج الدين البلقيني بالتدريس وباشر ذلك افتتح أول مجلس له بهذه الخطبة. وعن ذلك قال: (وافتتحتها بخطبة الرسالة للإمام الشافعي رضي الله عنه، اقتداءً بشيخنا شيخ الإسلام، فإنه كان إذا حضر درس الخشابية يفتتح درسه بها اقتداءً بوالده وأخيه، وهما كانا يفعلانه تبركاً).
بَيَانُ الشَّافِعِيِّ فِي مَجَالِسِهِ وَمُحَاوَرَاتِهِ
كما جالسه أهل اللغة ونفروا عن كلامه اللحن والغلط، كابن هشام والزعفراني، بل كان يتحسَّسُ من اللحن حتى لكأنما يحسُّ بأثره، وقد قرأ عليه رجل فَلَحَن، فقال له الشافعي: (أضرسْتني!) [تاريخ دمشق (٥١: ٣٧٤).].
بل قال الفرّاء لمَّا سُئل عن لُغة الشافعي والأخذ بها إذا لم تُعرَف إلَّا له: (الشافعي لغةٌ، هو قُرشيٌّ مُطَّلِبِيٌّ عربيٌّ فَقِيهٌ، وقوله حُجَّةٌ يُعتمدُ عليها، واللُّغة مِن مثله أوثق لعلْمه وفقهه وفصاحته، وإنَّه من القوم الذين تغلب لُغاتهم على سائر اللُّغات) [جزء فيه حكايات عن الشافعي وغيره للآجري (٣٢).].
ولما أراد الإمام أحمد أن ينعت الشافعي للحميدي ترغيباً له في حضور مجلسه قال له: (ههنا رجل من قريش له بيان ومعرفة). فسأله الحميدي عنه فقال: (محمد بن إدريس الشافعي). قال الحميدي: (وكان أحمد بن حنبل قد جالسه بالعراق، فلم يزل بي حتى اجتزئني إليه) [آداب الشافعي ومناقبه (٤٤).].
وقال هارون بن سعدي الأيلي مُبَيِّناً مشهد الافتتان بالشافعي تحت أسر بيانه وحُسن كلامه: (ما رأيتُ مثل الشافعي، قَدِمَ علينا مصر فقالوا: قَدِمَ رجلٌ مِن قريشٍ، فجئناه وهو يُصلِّي، فما رأيتُ أحسن صلاةً منه، ولا أحسن وجهاً منه، فلما قضى صلاته تكلَّم، فما رأينا أحسن كلاماً منه، فافتَتَنَّا به) [مناقب الشافعي (١: ٢٤٠). قال ابن الصلاح: (قوله: فافتننا به كناية عن إفراط المحبة) حلية الإمام الشافعي (٢٢).].
ومِن أعذب ما قرأت في وصف لُغة الشافعي قول تلميذه يونس بن عبد الأعلى: (ما كان الشافعي إلَّا ساحراً، ما كُنَّا ندري ما يقول إذا قعدنا حوله، كَأَنَّ أَلْفَاظَهُ سُكَّرٌ) [تاريخ الإسلام للذهبي (٩: ١٥٤).].
وقد كان الشافعي على وعيٍ بِمَدَى تأثير القُوَّة البيانية في القُدرة على الإبانة عن المعارف والمحاماة عنها، حتى قال: (أقدر الفُقهاء على المُناظرة مَن عوَّد لسانه الرَّكض في ميدان الألفاظ، ولم يتلعثم إذا رمقته العُيُون بالألحاظ) [تاريخ الإسلام للذهبي (٩: ١٦٠). وانظر: سير أعلام النبلاء (١٠: ٤١).].
هذا، ولقوة عارضة الشافعي في اللغة فقد كان يسعى جاهدًا في أن يفهم عنه مراده من يجالسه، وقد نصّ على ذلك غير واحد من تلاميذه، كالمزني والربيع ويونس بن عبد الأعلى وابن أبي الجارود، فكلهم أبان عن هذا المعنى وأشار إليه، فمما ذكروه أن لسان الشافعي أكبر من كتبه، وأنه لو كان يؤلف على عربيته التي يتكلم بها لم يقدِر على قراءة كتبه لفصاحته وغرائب ألفاظه، فكان لذلك يجتهد في إيضاح كتابته للعوام، هذا مع سعيه في أن يكلمهم بقدر ما يفهمون عنه،
كما قال المُزَنِيُّ: (لو كُنَّا نفهم عن الشافعي كلّ ما يقول لأتيناكم عنه بصُنُوف العِلْم، ولكِنَّا لم نكن نفهم) [انظر هذا الخبر وما مضى من معلومات في: مناقب الشافعي (١: ٢٠٩)]. وقد رُوِيَ عن الشافعي أنَّه قال: (دخلتُ مصر فلم يفهموا كلامي، فنزلتُ ثمَّ نزلتُ ثمَّ نزلتُ) [توالي التأنيس (١٧٧).].
لغة هُذَيْل وشعرها كانت هي المُكوِّن الرَّئيس لبيان الشافعي.
محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ذكر أن الشافعي كان يحفظ عشرة آلاف بيت من شعرها بإعرابها وغريبها، كما ذكر قراءته على الشافعي شعر هذيل، وأنه ما ذكر له قصيدة إلا وأنشدها الشافعي من أولها إلى آخرها. [انظر: مناقب الشافعي (٢: ٤٨)، توالي التأسيس (١٣٧).]
وما ذلك إلَّا لأنَّ الشافعي قد لزم هُذَيْلًا في سِنٍّ مُبكِّرة مِن عمره، وأخذ عنهم لغتهم وشعرهم، حتى شهد لهم بأنهم أفصح العرب، وعن ذلك قال: (لزمتُ هُذَيْلًا في البادية، أتعلَّم كلامها وآخذُ بلُغتَها، وكانت أفصح العرب، فأقمتُ معهم مُدَّة، أرحل برحيلهم، وأنزل بنُزُولهم) [مناقب الشافعي (١: ١٠٢).].
وعن منزلة شعر هُذَيْل يقول الأستاذ عبد الحليم الجندي: (… وتعتبر مجموعة شعر الهذليين أكبر مجموعة شعر من فصيح أدب العرب آلت إلينا من الجاهلية وصدر الإسلام … ومن يقرأ ديوان الهذليين بعضه أو كله يقرأ عجبًا، العربية الفصحى كما كانت في الجاهلية وقبل أن ينزل القرآن وحين نزوله، كثير منها لا يعرفه المرء اليوم، ولا كان يعرفه في القرن الثاني للهجرة، ولا تحتويه المعاجم، ومنها آيات في رشاقة اللفظ ودقة التعبير ورقة التصوير، ومعان ذات صفاء ولمعان، كما تناقلها الشعراء بعد بالتحوير والتغيير والتجديد …) [الإمام الشافعي ناصر السنة وواضع الأصول ، (٥٦،٥٤، ٥٣).]
وكفى شاهدًا على ذلك ما وضعه مِن مُصنَّفات عبقرية لا يُحسِنُ وضعها ولا رسمها إلَّا مَن كان ذا عقلٍ راجحٍ نفَّاذ.
غير أني آتي لك بخبر مليح فاضل فيه يحيى بن أكثم بين الشافعي وأبي عبيد القاسم بن سلام، … وذلك أنه قال لما سئل عنهما: (… وأما الشافعي فقد كنا عند محمد بن الحسن كثيرًا في المناظرة، وكان رجلاً قرشيَّ العقل والفهم والذهن، صافي العقل والفهم والدماغ، سريع الإصابة، ولو كان أكثر سماعًا للحديث لاستغنى أمة محمد ﷺ به عن غيره من الفقهاء) [سير أعلام النبلاء (١٧:١٠).].
فَتَحَ لِلْخَلْقِ الْأَقْفَالَ
لهذه القوة العقلية التي نالها الشافعي تمثُّلات عِدَّة:
فمنها: قدرته العالية على الاستنباط:
حتى قال أبو حسان الزيادي: (ما رأيت أحدًا أقدر على انتزاع المعاني من القرآن، والاستشهاد على ذلك من اللغة = من الشافعي) [توالي التأنيس (١٣٤).].
ومنها: تتبعه الحثيث لدقائق العلوم وقواصي المعاني:
ومنها وهو أجلُّ تَمثُّلاتِ قوته العقلية-: حُسنُ تصرُّفه في العلم:
قال الإمام أحمد: (كان الفقه قفلاً على أهله حتى فتحه الله بالشافعي) [مناقب الشافعي (٢: ٢٥٧).].
وقال هلال بن العلاء: (الشافعي فتح أقفال العلم) [الانتقاء لابن عبد البر (١٤) وانظر: مناقب الشافعي (٢: ٢٧٨).].
وقال أبو نعيم: (فأما الشافعي رحمه الله فقد صنَّف الكتب، وفتق العلم، وشرح الأصول والفروع، وعلا في الذكر بما ألف وشرح، وفتح الله عز وجل على لسانه العلم الكثير) [مناقب الشافعي (١: ٣٠).].
وحُسْنُ تصرف الشافعي في العلم يُرادُ به معانٍ، غير أن أخصَّ معانيه: قدرته العالية على استخلاص الكليات، ورسم خطوط النظر العامة في الشريعة، وإنشاؤه لنظام الاستدلال الفقهي،
فالشافعي استخلص من الجُزئيَّات المبثوثة كُلِّيَّاتٍ ناظمةً لها، فاستحدث القول في كثيرٍ مِن أبواب العِلْم، … وليس يعني ذلك أنَّ مَن قبله لم يكونوا على عِلْمٍ بتلك الأبواب، ولكن لم يكن لهم فيها نظامٌ في الاستدلال على نحو ما مهَّده الشافعي ورتَّبه.
ونحو ذلك قول الإمام أحمد للحُمَيْدِيّ ناصحًا له بالشافعي: (اذهب حتى تُجالسه حتى إذا تكلَّمْتَ تُفَهِّمُ) [مناقب الشافعي (٢: ٢٥٥).]. وهو ما حصل فعلاً للحُمَيْدِيّ حين لَزِمَ الشافعي، حتى قال: (كُنَّا نريدُ أن نَرُدَّ على أصحاب الرَّأي، فلم نُحسِن كيف نَرُد عليهم، حتى جاءنا الشافعي ففتح لنا) [آداب الشافعي ومناقبه (٤١-٤٢).].
وفي مُفاضلة بين الشافعي وأبي عَبِيد غير التي سلفت يقول سعيد بن عمرو البرذعي: (سمعتُ محمد بن عبد الله بن عبد الحكم يقول: ليس أبو عَبِيد عندنا بفقيه. قلتُ: لِمَ؟ قال: لأنَّه يجمع أقاويل النَّاس، ويختار لنفسه منها قولاً. قلتُ: فَمَن الفقيه؟ قال: الذي يستنبط أصلاً من كتاب أو سُنَّة لم يُسْبَق إليه، ثم يُشعِّبُ مِن ذلك الأصل مئة شُعبة. قلتُ: ومَن يقوى على هذا؟ قال: محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه) [مناقب الشافعي (٢: ٢٧٢).].
أما عن الأمور التي كانت سببًا بعد فضل الله تعالى في قوة الشافعي العقلية، فيمكن إجمال أهمها فيما يلي:
الأول: الاستعداد الفطري.
الثاني: القوة البيانية.
الثالث: تطوافه بالبلدان، واحتكاكه بمختلف المدارس العلمية، واطلاعه على ما تفرّق من فقه علماء الأمصار،
قال أبو زهرة مبيّنًا أثر التطواف في فكر العالم، وكيف أنه دعامة من دعائم عقله:
(لا شك الأسفار فوق ما تعطيه من مادة وخبرة هي بطبيعتها تفتق الذهن، وتنمي المدارك، وترهف الحس، وتعطي الفكر مادة من الصور توسع تصوره، وتفتح له مسالك من الفروض العقلية والمسائل الواعية، وهي لهذا لازمة للمفكر الذي يريد أن يضع قضايا كلية للحوادث الجزئية، ولذلك كان أكثر الفلاسفة الذي أضافوا إلى آثار العقل الإنساني آثارًا يضربون في الأرض ويسعون في مناكبها) [الشافعي حياته وعصره.. آراؤه وفقهه (٤٣).].
الرابع: ملابسته للعلم واشتغال عقله بالفكر فيه ليلاً ونهارًا، … والعقل كما قيل ينمو إن استعمل وينقص إن أهمل.
الخامس: حرصه على المذاكرة والمجادلة العلمية،
مما يتصل بحسن بيان الشافعي وقوة عقله: قوة حجّاجه وجدله، فإن قوة العقل هي الوطاء الممهد لقوة الحجج والقدرة على الجدل، وقوة البيان هي التي يقتدر بها العبقري على أن يكون ألحن بحجّته وأقدر على المحاماة عن فكرته.
قال ابن عبد الحكم: (ما علَّم النَّاسَ الحِجَاج إلَّا الشافعي) [مناقب الشافعي (٢٠٨:١).].
قال داود بن علي: (كان الشافعي سِراجًا مُنيرًا لحَمَلَة الآثار ونَقَلَة الأخبار، مَن تعلَّق بشيءٍ مِن بيانه صار مِحْجَاجًا).
فالشافعي كان لا يقصد إلى أن يكون في تصنيفه مجرد مُقَيِّدٍ لما انتهى إليه علمه فحسب، بل كان هميمًا بأن تكون مصنفاته منطوية على حججه وبراهينه، ولذلك قال: (لولا أن يطول على الناس لوضعتُ في كُلِّ مسألةٍ جُزْءَ حُجَجٍ وبيانٍ) [مناقب الشافعي (١: ١٧٨).]
قال البيهقي في المدخل إلى علم السنن (ف: ٦): (ومن نظر في كتبه رأى فيها من الحُجَج والبيان في مسائل الأُصُول والفُرُوع ما لا يراه في كُتُب غيره من المُتقدِّمين الذين صاروا في عِلْم الشَّريعة متبوعين رضي الله عنه وعنهم أجمعين، هذا مع ما رزقه الله تعالى من التَّبحُّر في لسان العرب الذي جعله الله لسان مَن ختم به نُبُوَّته، وأنزل به آخر كُتُبه).
ويسجل د. الناجي لمين للشافعي سبقًا في ذلك بقوله: (الشافعي أوَّل فقيه مُجتهد حرص – فيما أعلم – على أن يُذيِّل كلَّ فرعٍ بأصله، وعلى أن ينشر مشروعه الأصُوليّ في النَّاس، ويُناظر عليه، ويستمع إلى مُخالفيه، ويُعِيد النَّظر في اجتهاده بعد المُناظرة ومُطالعة كُتُب الفقهاء الآخرين) [علاقة الإنتاج الفقهي بعلم أصول الفقه المدونة (۲۳).].
وقال: (الشافعي من أوائل من حرص على ذكر قواعده وقواعد غيره، ودعا إلى وجوب طردها في المسائل والفروع المتدرجة تحتها، ولم يكن هذا الحرص من صنع الفقهاء قبله، فهذه القواعد والأصول كانت مراعاة عندهم دون أن يصرحوا بها غالباً، إلا أنهم لم يكونوا يطردونها في كل ما يندرج تحتها، فكثيراً ما كانوا يستثنون لآمارات تقدح في ذهنهم ولا يستطيعون التعبير عنها، وهو من أهم ما أنكره الشافعي عليهم، واعتبر من صنع ذلك مُحْدِثًا شَرْعًا) [التأليف في مسائل الخلاف الفقهي والأصولي في القرن الثاني الهجري (٦٣).]
إن الإمام أحمد إذا لم يجد في المسألة نصا قال فيها بقول الشافعي، وأوصى بذلك تلميذه المروذي. [انظر: آداب الشافعي ومناقبه (٨٦-٨٧)، مناقب الشافعي (٢: ٢٥٨)، المدخل إلى علم السنن (ف: ٧٦).]
قال كل من البويطي وداود بن علي: (الرادُّ على الشافعي متعوبٌ).
كما قال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: (ما رأيت أحداً يناظر الشافعي إلا رحمته مع الشافعي).
فلم يكن الشافعي يبغي بجدله وحجاجه غلبة خصمه والظُّهُور عليه، بل كان يرجو بذلك الإبانة عن الحق، سواء ظهر على لسانه أو على لسان خصمه، وله في ذلك عبارات مشهورة ذائعة لاقت من أهل العلم قبولًا وترحابًا، ومنها قوله: (ما ناظرت أحدًا فأحببت أن يخطئ) [آداب الشافعي ومناقبه (٩١).].
قال الذهبي: (ما زال العلماءُ قديمًا وحديثًا يَرُدُّ بعضُهُم على بعضٍ في البحث، وفي التواليف، وبمثل ذلك يتفقَّهُ العالِمُ، وتَتَبَرْهَنُ له المُشكلات) [سير أعلام النبلاء (٥٠٠:١٢).].
ومن أجل تلك العطاءات: مَلَكَةُ التمييز، فلصاحب الحجاج المقتدر عليه فضل عناية بالتمييز بين صحيح العلم وسقيمه، قوي البراهين وضعيفها،
ضمَّن الشافعي كتابه الأم مادة هائلة في الجدل والمناظرة، وقد أحصيتُ ما في كتبه الفقهية المضمَّنة في الأم من مناظرات فزادت على (١٥٠) مناظرة، فهي بذلك كتب حِجاج ونظر،
ولقوة الشافعي في الحجاج والجدل كان كثيرٌ من مناظريه يرجعون عن أقوالهم لقوله، وقد حكى الشافعي بعض ذلك في كتبه، وهو عدل في نقله أمين في حكايته،
القِسْم الثَّاني: اتِّصال العبقرية وانفصالها
لا ينفك العالم عن التفاعل والاحتكاك بالمحيط العلمي الذي يتصل به، غير أن هذا التفاعل والاحتكاك لا يؤتي مدده حتى يكون للعالم اتصال وانفصال:
اتصال يجعله يفيد من أفكار ذلك المحيط العلمي وأعلامه، ويُحسنُ التأثر بهم على نحو تتكامل به معرفته.
وانفصال يجعل له فرادته الخاصة، بحيث لا يكون مستقبلًا لكل من يتصل به، بل يأخذ منه ما يلائم منهجه، كما يؤهله للتأثير فيه كما أهله من قبل للتأثر به.
أبو الوليد ابن أبي الجارود يقول:
(كُنَّا نتحدَّث نحن وأصحابنا من أهل مكَّة أنَّ الشافعي أخذ كُتُب ابن جُرَيْج عن أربعةِ أنفسٍ: عن مسلم بن خالد، وسعيد بن سالم – وهذان فقيهان -، وعن عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد – وكان أعلمهم بابن جريج -، وعن عبد الله بن الحارث المخزومي – وكان من الأثبات -. وانتهت رياسة الفقه بالمدينة إلى مالك بن أنس، فرحل إليه ولازمه. وانتهت رياسة الفقه بالعراق إلى أبي حنيفة، فأخذ عن صاحبه محمد بن الحسن حِمْلَ جمل، ليس فيها شيء إلَّا وقد سمعه عليه. فاجتمع له علم أهل الرَّأي وعلم أهل الحديث، فتصرَّف في ذلك حتى أصّل الأصول، وقعَّد القواعد، وأذعن له المُوافق والمُخالف، واشتهر أمره، وعلا ذكره، وارتفع قدره، حتى صار منه ما صار) [توالي التأنيس (١٢٣).].
وقال الخطيب: (كَمُلَ للشافعي مُطالعة عِلْم جميع الأمصار، والإشراف على حال عُلماء سائر الأقطار) [مسألة الاحتجاج بالشافعي (١٢٥).].
لمَّا ذكر ابن عبد البَرّ في رسالته تسمية فُقهاء الأمصار (صـ39.) فقهاء مكَّة بدءًا بابن عباس، ثُمَّ تلاميذه، ثُمَّ تلاميذهم = قال: (ثُمَّ صار عِلٍم هؤلاء المَكِّيِّين مع كثيرٍ مِن عِلْم أهل المدينة والكُوفة – إلى: أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي).
ولأن السلسلة المكية هي السلسلة الأصيلة للشافعي فلنعرض مفصلاً:
فإمام المكيين وسيدهم: ابن عباس رضي الله عنه.
وعنه: مجاهد بن جبر، عكرمة، عطاء بن أبي رباح، ابن أبي مليكة، سعيد بن جبير، وطاووس، وجابر بن زيد، وعمرو بن دينار.
وعنهم: ابن جريج. لا سيما عن عطاء، فقد حدث عنه وأكثر وجوده.
وعنه: مسلم بن خالد الزنجي، سعيد بن سالم القداح، عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، وعبد الله بن الحارث المخزومي.
ثم أتى الشافعي وورث فقههم.
ويفضّل الخطيب البغدادي القول في انتهاء علم المكيين إلى الشافعي فيقول:
(وأما أهل مكة فانتهى العلم فيهم إلى: عطاء، وطاووس، ومجاهد، وعمرو بن دينار، وابن أبي مليكة. فأخذ الشافعي علم عطاء عن أصحاب ابن جريج، وهم: مسلم بن خالد، وعبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، وسعيد بن سالم القداح. وهؤلاء كانوا بمكة. ورحل إلى اليمن فأخذ عن هشام بن يوسف -قاضي صنعاء-، ومطرف بن مازن، وهما من كبار أصحاب ابن جريج. وكان ابن جريج أخذ العلم عن عطاء نفسه. وأما طاووس ومجاهد فإن علمهما انتهى إلى ابن جريج أيضًا. وكان أخذه عن عبد الله بن طاووس والحسن بن مسلم بن يناق وإبراهيم بن ميسرة، وشاركه ابن عيينة في السماع عن ابن طاووس وإبراهيم بن ميسرة. فأخذ الشافعي علم ابن جريج عن أصحابه الذين قدمنا ذكرهم. وأخذ عن ابن عيينة نفسه ما كان عنده من هذا النوع، وعنه أيضًا أخذ علم عمرو بن دينار وابن أبي مليكة، وبعضه أخذه عن داود بن عبد الرحمن العطار، وكان ممن علت سنه وتقدم سماعه) [الاحتجاج بالشافعي (١١٦-١٢٠).].
وقد أكثر الشافعي في مصنفاته من تضمين فقه ابن عباس رضي الله عنه ورواياته، ووافقه وخالفه، وحفظ له مقامه وعلو كعبه في العلم، وقال عنه في موضع: (وابن عباس رضي الله عنهما أعلم بمعنى كتاب الله عز وجل منا) [الأم (٦: ٢٧٣).].
فمعلوم ما لابن عباس رضي الله عنه من يد باسطة في شتى العلوم، وقد كان أهل العلوم المختلفة يردون مجلس ابن عباس، كل ينال منه حظه في علمه وتخصصه، وذلك ما رأيناه من الشافعي تعلمًا وتعليما.
وقد أكثر الشافعي عنه حتى كان كتابه الأم أعظم دواوين فقه عطاء، ولا يضارعه في تلك المنزلة سوى مصنف عبد الرزاق .
وقد أعلن الشافعي من شأن عطاء، وسجل ثناءه عليه، ومن ذلك ما جاء في الأم (٣: ٦٥٨): (… قال الربيع: وسمعت الشافعي رضي الله عنه أفتى بذلك رجلاً، فقال: هذا قولك أبا عبد الله؟ فقال: هذا قول من هو خير مني. قال: من هو؟ قال: عطاء بن أبي رباح).
ولما كانت قضية السنة ومركزية الاحتجاج بها من مهمَّات ما عالجه الشافعي أبان الشافعي عن موقف عطاء من ذلك، فقال: (فلا نشك أنَّ عطاءً -إن شاء الله تعالى- لا يروي عن النبي ﷺ شيئًا مثبتا عنده ويقول بخلافه) [الأم (٤: ٣٩٠).].
قال الذهبي: (كان الشافعي بصيرًا بعلم ابن جريح، عالمًا بدقائقه) [السير (٦: ٣٣٢).].
سفيان بن عيينة، والإمام مالك (أجلُّ من أخذ عنه الشافعيُّ العلم) [الفتاوى (٢٠: ٣٢٤).] كما يقول ابن تيمية، وبهما استوفى الشافعيُّ خلاصة علم أهل الحجاز،
قال [الشافعي]: (لولا مالك وابن عيينة لذهب علم الحجاز) [حلية الأولياء (٩: ٧٠).].
حتى إنَّ الشافعي لما رأى ابن عيينة يتكلَّم في شيءٍ من الفقه قال له: (يا أبا محمد، ليس هذا من صنعتك، إنما صنعتك الحديث، وإنما هذا لأهل النظر) [مناقب الشافعي (٢: ٢٤٠).].
لكن مزيد اختصاص ابن عيينة بالحديث ربما كان هو الحافز للشافعي على قوله ما تقدم، وإلا فإن لابن عيينة قدمًا في الفقه راسخة،
قال الخطيب البغدادي:
(كان العلم بالمدينة انتهى إلى الفقهاء السبعة، وهم: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وخارجة بن زيد بن ثابت، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق.
وأخذ عن هؤلاء السبعة علمهم: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وربيعة بن أبي عبد الرحمن الرأي، وأبو الزناد عبد الله بن ذكوان.
وأخذ الشافعي علم هؤلاء الأربعة عن أصحابهم:
أما الزهري فحفظ علمه عن: مالك، وسفيان بن عيينة، وإبراهيم بن سعد، ومسلم بن خالد الزنجي، وعمه محمد بن علي بن شافع.
وأما يحيى بن سعيد وربيعة وأبو الزناد فحفظ علمهم عن مالك وسفيان أيضًا.
وكان من فقهاء المدينة ومحدثيها محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، فلم يدركه الشافعي، لكنه أخذ علمه عن صاحبيه: محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، وعبد الله بن نافع الصائغ). [الاحتجاج بالشافعي (١٠٩-١١٥).]
وأمَّا الإمام مالك فهو مِن أجَلِّ شُيُوخ الشافعي إن لم يكن أجلَّهم، وللشافعي في الثَّناء عليه والإعلاء من مكانته كلماتٌ نَيِّرةٌ.
فمنها قوله: (مالكٌ أستاذي). وقال: (مالك بن أنس مُعلِّمي، وعنه أخذنا العِلْم). وقال: (إذا ذُكِرَ العُلماء فمالكٌ النَّجمُ). وقال حرملة: (لم يكن الشافعي يُقدِّم على مالكٍ في الحديث أحدًا) [مناقب الشافعي (١: ٥٠٣، ٥٠٤، ٥٠٧، ٥٠٨).].
قال الشافعي: (حفظتُ القرآن وأنا ابن سبع سنين، وحفظتُ المُوطَّأ وأنا ابن عشر سنين) [تاريخ بغداد (٤٠١:٢).]. وقال: (قدمتُ على مالكٍ وقد حفظتُ المُوطَّأ ظاهرًا) [آداب الشافعي ومناقبه لابن أبي حاتم (٢٧)، مناقب الشافعي (١: ١٠٠).].
من صور اتصال الشافعي بالمدرسة المدنية: اتصاله بأَشْهَبَ – صاحب الإمام مالك – وإفادته من كتبه، وقد أدركه الشافعي بمصر.
وشهد له الشافعي بالعلم حتى قال: (أفقه أصحاب مالك المصريين أَشْهَبُ) [الانتقاء لابن عبد البر (٩٧-٩٨).].
ابْنُ وَهْبٍ، وَابْنُ الْمَاجِشُونِ
وممَّن اتَّصل بهم الشافعي من أصحاب مالك: ابن وهب، وقد قال الخليلي لمَّا تحدث عن ابن وهب: (عنده الفقه الكثير، نظر الشافعي في كتبه، ونسخ أكثرها) [الإرشاد (١: ٢٥٥).].
كان أخصّ من لقيه الشافعيُّ مِن العراقيين وأفاد منه: محمد بن الحسن الشيباني لسانُ مذهب أبي حنيفة، … قال ابن عبد البر: (ومحمد بن الحسن هذا هو الذي ظهر على يديه مذهب أبي حنيفة بما صنَّف وألّف في ذلك) [رسالة في تسمية فقهاء الأمصار (٥١).]
شَبِيهُ الشَّيْءِ مُنْجَذِبٌ إِلَيْهِ
من عظيم ما رآه الشافعي من علم محمد بن الحسن وفقهه وجدله سجّل شهادة عزيزة تدلّ على أنه لم ير عدلًا له في العلم، فقال: (ما رأيتُ مثلَ محمد بن الحسن) [مناقب الشافعي للآبِرِي (٧٨).]
غير أن الآبِرِي استكثر ذلك على محمد بن الحسن، فعلّق على كلام الشافعي بقوله: (الشافعي رحمه الله رأى مالك بن أنس وسفيان بن عيينة ومسلم بن خالد الزنجي وغيرهم من أجِلَّة العُلماء، وإنَّما عنى بقوله: ما رأيتُ مثل محمد بن الحسن يعني في أهل الرَّأي).
هو الإمام الحافظ: أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن إِبراهيم الآبِري الشافعي، المتوفى سنة ٣٦٣هـ تقريبًا.
ولستُ أرى ما تأوّل به الآبِرِي رحمه الله عبارة الشافعي سديدًا،
ولئن كان مَن سمَّاهم الآبِرِي من سادات أهل العلم وكبرائهم، إلا أن لمحمد بن الحسن عليهم فضل الصنعة الفقهية المتصلة بالحجاج والجدل، وكذا التمهّر في دقائق المسائل، وتلك الصنعة وهذا التمهّر يخلبان لبّ من كان مثل الشافعي، فحين يصرح بأنه لم ير مثله فهو يقصد ذلك ويدركه، وليس مراده ما قد يظنّ من أنه تفضيل لِمَنهَج ابن الحسن،
وقد أكد الشافعي هذا المعنى بما دلّ على أن الذي بعثه لتسجيله ما رآه من قوة عقل ابن الحسن ورجاحته، فقال: (ما كلمتُ أسودَ الرأس أعقلَ من محمد بن الحسن) [المدخل إلى علم السنن (ف: ١٢٩٢).].
ومن كلام الشافعي في التَّفخيم مِن شأن عقل محمد بن الحسن قوله:
(لو أنَّ محمد بن الحسن كان يُكلِّمنا على قدر عقله ما فهمنا عنه، لكنَّه كان يُكلِّمنا على قدر عُقُولنا فنفهمه) [الآداب الشرعية لابن مفلح (٢: ١٥١).].
وهُنا تأمَّلْ لتُدرك عظيم تأثير ابن الحسن على الشافعي أن هذا الذي حكاه الشافعي عن محمد بن الحسن هو ما قاله تلاميذ الشافعي عن الشافعي نفسه، كقول يونس بن عبد الأعلى وقد تقدَّم -: (كان الشافعي يُكلِّمنا بقدر ما نفهم عنه، ولو كلَّمنا بحسب فهمه ما عقلنا عنه) [حلية الأولياء لأبي نعيم (٩: ١٣٥).].
ومما يؤكد لك ما ذكرته ما جاء عند البيهقي بسنده إلى الربيع أنه قال: (سمعتُ الشافعي يقول: ما رأت عيناي مثل محمد بن الحسن، ولم تلد النَّساء في زمانه مثله).
وعن غير الشافعي، فمن الشواهد التي تُطْلِعُكَ على عِزَّة هذا الذي رآه الشافعي من محمد بن الحسن أن إبراهيم الحربي سأل الإمام أحمد وقد سمعه يتحدَّث عن شيءٍ مِن دقيق الفِقْه، فقال: (من أين لك هذه المسائل الدِّقاق؟!). فقال الإمام أحمد: (من كتب محمد بن الحسن) [سير أعلام النبلاء (١٣٦:٩).].
وأعجبُ لحال كثير من مُتفقِّهة أصحاب الحديث الذين يقتصرون بتفقُّههم على ما يزعمونه فقهًا أثريًّا، غاضِّين الطرف عن منهل من أعذب مناهل الفقه، ألا وهو فقه العراقيين.
هذا إمام أهل الأثر لا ينأى بنفسه عن التَّعمُّق في دقائق مسائلهم، ولم يقتصر في تلقِّيه عنهم على محمد بن الحسن فحسب، بل استوظف كُتُب أصحاب أبي حنيفة وفهمها، وعن ذلك قال ابن رجب لمَّا تحدَّث عن عميق فِقْه الإمام أحمد في ضمن سياقٍ عذبٍ واجبةٍ مراجعتُه وقراءتُه: (كَتَبَ كُتبَ أصحاب أبي حنيفة، وفَهِمَها، وفَهِمَ مآخذَهم في الفقه ومداركَهم) [رسائل ابن رجب (٢: ٦٣١).].
هل كان الشافعي في تلقِّيه عن محمد بن الحسن يتلقَّى عنه تلقِّي التلميذ وأنَّه كان ربيبًا لطريقته، وأنَّه تخرَّج به حتى لم يصِر له شأنٌ إلَّا بعد لُقياه به.. أو كان له كفؤًا ونديدًا؟
فمع الاتفاق على إمامة محمد بن الحسن وقوة عارضته في العلم والفقه، واستفادة الشافعي منه حتى قال بأنه أمن الناس عليه في الفقه = إلَّا أنَّ الشافعي قد آتاه وهو مُكتمل الآلة، فـ (أَخْذُ الشافعي عن محمد بن الحسن الذي آل إليه علم أهل العراق لم تظهر فيه صفة التلمذة والمشيخة التي لاحظناها في علاقة الشافعي بمالك، بل كانت النِّدِّيَّةُ بارزة) [ما بين الإمامين مالك والشافعي لـ د. الناجي لمين مجلة الواضحة دار الحديث الحسنية (العدد: ٣، صفحة: ١٩٢).]
بعد ما مضى يجدر بنا أن نتلمس الآثار المنهجية التي جناها الشافعي من اتصاله بالمدرسة العراقية، وكيف أفاد من ذلك حتى كان له إسهام عالٍ في مشروعه المعرفي.
وجملة ذلك أمور ثلاثة:
الأول: استفادته على مستوى التصور والتفريع:
معلوم ما للعراقيين من يد باسطة في ذلك، حيث كان لهم إسهام كبير في إثراء الفقه بالفروع، وبلغوا في ذلك مدى بعيداً حتى وُلِدَ على أيديهم الفقه الافتراضي، والشافعي يعلم ذلك منهم، ولذلك نجد آثار ذلك لائحَة في مصنفاته، وهو يحمد لهم ذلك ويعلم عظيم تأثيرهم في هذا الباب، حتى قال: (الناس عيال على أهل العراق في الفقه).
وبيَّن أنَّ ذلك مُتعلِّق بخُصُوص مادَّة الرَّأي، فقال: (ما أحد في الرَّأي إلَّا وهو عيالٌ على أهل العراق).
[انظره والذي قبله في: آداب الشافعي ومناقبه (٢١٠).].
وخص أبا حنيفة بالذكر فقال: (مَن أراد الفِقْه فهو عيالٌ على أبي حنيفة) [الانتقاء لابن عبد البر (٢١٠).].
الثاني: استفادته على مستوى التأصيل:
المراد هنا تسجيل استفادته من أصولهم من حيث إدراكه لها ومعالجته النظر فيها وما استتبعه ذلك من جدال دار بينه وبينهم حولها،
الثالث: استفادته على مستوى الحجاج والمجادلة:
مما يمكن استظهار استفادة الشافعي من العراقيين استفادته من طريقتهم الجدلية، وهو يدرك قدرتهم على ذلك، حتى قال: (من أراد الجدل فعليه بأبي حنيفة) [مناقب الشافعي (۱: ۱۷۰)].
قدم الشافعي اليمن وعمره نحو الثلاثين حسب ما مضى ذكره من خارطة تنقلاته، ولا نحمل كبير أخبار فيما يتعلق بحال العلم والفقه في اليمن، ولا عن تلقي الشافعي عن مشايخ اليمن وروايته عنهم، إلا ما كان من تلقيه عن: مُطَرِّف بن مازن – قاضي اليمن-، وهشام بن يوسف – قاضي صنعاء-.
وأما هشام بن يوسف فلم أر له في الأم إلا رواية واحدة قرنه فيها الشافعي بمطرف بن مازن.
من مداخل اتصال الشافعي بالمدرسة اليمنية: توليه القضاء بها، في نجران تحديدًا، وحينها احتك بأهل الذمة -نصارى نجران-، وأفاده ذلك أن جعله أكثر دراية بالأحكام المتعلقة بهم، ولعل ذلك هو ما حدا به إلى ابتكار (كتاب الجزية)، حيث لم يصنّف في هذا الباب من العلم أحد قبله، كما قال محمد بن زَنْجُوَيه: (سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما سبق أحد الشافعي إلى كتاب الجزية ) [مناقب الشافعي (١: ٢٦١).].
قال ابن بنت الشافعي: (ولي الشافعيُّ اليمن وهو حَدَثٌ، فحكم بأشياء وسَنَّها، فإنَّ أهل اليمن إلى يومنا يقولون في أشياء: سُنَّة الشافعي، سُنَّة الشافعي!). [مناقب الشافعي (٢: ١٦٣).]
فكان لأقضيته هذا الأثر وهو لم يزل في أوائل الثلاثين من عمره.
ثم إن هذا الاتصال بالمدارس والمناهج المختلفة والإفادة منها لم يقتصر على مجرد إدراك مختارات أعلامها على المستوى التفصيلي للمسائل، بل تعدى إلى التأثر على مستوى كليات النظر فيما يتعلق بالمناهج والطرائق والآليات، وهذا هو الذي كان يُعنَى به الشافعي أكثر من عنايته بالاختيارات المفصلة.
والشافعي بما وضعه مُشَيِّداً لبنائه، ومراجعاً لبناءات غيره = جعل من كتبه معينًا ثرًا للناظرين، بحيث يمكن استثمار كتبه من جهتين:
الأولى: جهة الوقوف على فقهه والنظر في حججه.
والثانية: جهة البصر بأصول الأئمة الذين رد عليهم، فإنك ترى أقاويلهم الأصولية والفروعية مبثوثة في سياق ردوده عليهم، ومن هنا كانت كتب الشافعي وثيقة تاريخية إضافة لكونها وثيقة علمية دالة على عبقرية إمام يعد من أذكياء العالم.
قال البيهقي: (… وكان مَن مضى مِن عُلماء أهل المدينة لا يعرفون مذاهب أهل الكوفة، وكان أهل الكوفة يعرفون مذاهب أهل المدينة، فكانوا إذا التقوا وتكلَّموا رُبَّما انقطع المدني، فكتب الشافعي مذاهبهم ودلائلهم ثُمَّ لم يُخالفهم إلَّا فيما قويت حُجّته عنده، وضعفت حُجَّة الكوفيين فيه.
… ولهذا كثر أخذه بالحديث، وهو أنَّه جمع علم أهل الحجاز والشام واليمَن والعراق، وأخذ بجميع ما صحَّ عنده من غير مُحاباة منه، ولا ميلٍ إلى ما استجلاه من مذهب أهل بلده مهما بان له الحق في غيره.)
[المدخل إلى علم السنن (ف: ١٢٨٠-١٢٩٥).]
الشافعي والمدرسة الحَدِيثِيَّة مُتَّصلاً ومُنفصلاً
هناك اتصالاً محورياً في مسيرة الشافعي لا بُدَّ من الوقوف عنده، اتصالاً متجاوزًا للحدود البلدانية، أعني اتصاله بـ (المدرسة الحديثية).
وبادٍ لدى كلِّ قارئ للتاريخ الفقهي مجانبة المدرسة الحديثية للمدرسة العراقية، وإنما يقع الالتباس فيما يتعلق بالمدرسة الحديثية وموقعها من المدرستين المكية والمدنية، وليس هذا المقام مجال النظر في ذلك،
مَدَاخِلُ الاتِّصَالِ الحَدِيثِيِّ
يمكن حصر مداخل تأثُّر الشافعي واتصاله بطريقة أهل الحديث في ثلاثة مداخل:
المدخل الأول: اتصاله في مرحلته المكِّيّة بسفيان بن عيينة.
المدخل الثاني: اتصاله في مرحلته المدنية بالإمام مالك،
المدخل الثالث: اتصاله في قدماته العراقية بأهل الحديث هنالك، الإمام أحمد وأضرابه من المحدثين،
صورةُ المُحَدِّثِينَ في الذّهْنِيَّةِ العِرَاقِيَّةِ
لا بُدَّ لنا من الرجوع خطوة إلى الوراء، إلى حال المحدثين قبل لحظة الشافعي،
وإذا سعينا في ذلك من خلال استجلاب صورة المحدثين في الذهنية العراقية قبل وبعد الشافعي أدركنا كم كانت صورة أهل الحديث في نظر العراقيين صورة قائمة، فإنهم في المخيال العراقي لم يكونوا سوى مجرَّد حوامل للأسفار الحديثية دون فقه لما فيها وبصر بمعانيها.
ويدل على ذلك أيضًا ما جرى بين بشر المريسي والحسن الزعفراني من مراجعة تبين كيف كان تصوُّر بشر العراقي عن أهل الحديث، يحكي ذلك الزعفراني فيقول: (كُنَّا نحضر مجلس بشر المرِّيسي، وهُناك نقدر على مُناظرته، فمشينا إلى أحمد بن حنبل، فقُلنا له: ائذن لنا في أن نحفظ جامع الصغير الذي لأبي حنيفة، نخوض معهم إذا خاضوا. فقال: اصبروا، فالآن يقدم عليكم المُطَّلِبِيّ الذي رأيته بمكة. قال: فقدم علينا الشافعي، فمشينا إليه وسألناه شيئًا من كتبه، فأعطانا كتاب اليمين مع الشاهد فدرستُه في ليلتين، ثم غدوتُ على بشر المريسي، وتخطيْتُ إليه. فلما رآني قال: ما جاء بك؟ لسنا بأصحاب حديث. قال: قلت: ذرني من هذا، أيش الدَّليل على إبطال اليمين مع الشاهد. فناظرته فقطعته، فقال: ليس هذا مِن كلامكم، هذا كلام رجلٍ رأيتُهُ بمكَّة، معه نصف عقل أهل الدُّنيا) [مناقب الشافعي (٢٠١:١).].
ويُلخِّص الربيع بن سليمان المشهد مُبيِّناً مركزية الشافعي في الجدل الحديثي/العراقي فيقول: (إنَّ أصحاب الرَّأي كانوا يهزؤون بأصحاب الحديث، حتى علَّمهم الشافعي وأقام الحُجَّة عليهم) [الانتقاء (١٢٩).].
ومن ذلك قول حماد بن أبي سليمان -شيخ أبي حنيفة- حين ذكر لأصحابه أهل الحجاز: (قد سألتهم، فلم يكن عندهم شيء، والله لصبيانكم أعلم منهم، بل صبيان صبيانكم).
وقال مغيرة: قدم علينا حماد بن أبي سليمان من مكة، فأتيناه لنسلم عليه، فقال لنا: (احمدوا الله يا أهل الكوفة، فإني لقيت عطاء وطاووساً ومجاهداً، فلصبيانكم وصبيان صبيانكم أعلم منهم).
[جامع بيان العلم وفضله (٢: ٩٤ – ١٠٥).]
هكذا إذا كانت صورة المحدثين في المخيال العراقي، وكان الشافعي مدركاً لذلك، وهو بانتسابه الجُمَليّ للمحدثين مع عبقريته الفذة لم يكن ليرضى ببقاء الأمر على تلك الحال، فكان أن جدّ في صياغة مشروع معرفي تسبَّب في إعادة تهيئة صفوف أهل الحديث، وجعل لعلومهم قانونًا ومعيارًا جَوْدًا من نمط تعاطيهم المعرفي مع غيرهم من المدارس الفقهية.
ولأن تأثير الشافعي كان بهذه الصفة الكلية تواترت الشهادات من قبل أهل الحديث والتي تدل على حجم الإضافة النوعية التي قام بها الشافعي في بنية المدرسة الحديثية.
قال الإمام أحمد: (ما أحدٌ مِن أصحاب الحديث حمل محبرةً إلَّا وللشافعي في عُنُقه مِنَّة) [الانتقاء (۱۲۹).].
وقال الزعفراني: (كان أصحابُ الحديثِ رُقُودًا حتى أيقظهم الشافعي رضي الله عنه) [مناقب الشافعي (١: ٢٢٥).].
فَهَلْ لِهَذَيْنِ مِنْ خَلْفٍ؟!
أُحِبُّ التَّنويه بدور الإمام أحمدَ في التَّمهيد لقبول الشَّافعي في أوساط المُحدِّثين، فقد بذل مِن أجل ذلك الكثير، قولًا وعملًا، حتى جعل للشافعي مكانةً عَلِيَّةً في أوساط المُحدِّثين، لا سيما وأنَّ كثيرًا من المُحدِّثين لم يكونوا على إلفٍ بالنَّمط الذي كان يتمثّله الشافعي من النَّظر، حيث إنَّهم في غالب شأنهم كانوا يُعْنَوْنَ بالأخبار والآثار، من جهة روايتها، وكذا الإفتاء بها، دون توسُّع في الكلام في فقهها ومعانيها،
قال داود بن علي: (ومن الذين اتفق له من الأصحاب والذابين عنه والمتحلين بالانتساب إليه: سيد أهل الحديث في عصره، الذي لا يختلف في فضله وعلمه موافق ولا مخالف منصف: أحمد بن حنبل، وكان أجل تلامذته، وأكثر الناس ملازمة له، وأخصَّهم لمن استخصه على ملازمته، وكان يأمر أن تكتب كتبه، ويَسُرٌّ بمجالسته، ويذبُّ عنه، ويدعو إليه وإلى مجالسته إخوانه، ويخبر أنه ما رأى مثله، وقد حكى عنه وروى عنه، رحمة الله ورضوانه عليهما) [مناقب الشافعي (٢: ٣٢٥-٣٢٦).]
وقال الخطيب البغدادي عن الإمام أحمد: (كان أحد تلاميذ الشافعي ومن أعيان أصحابه، وأكثر الناس ملازمة له، وأشدهم حرصًا على سماع كتبه، وأحفظهم للخلْق على حفظ علمه) [مسألة الاحتجاج بالشافعي (٤١).].
ويمكننا حصر جهات دعاية الإمام أحمد للشافعي فيما يلي:
أولاً: ثناؤه عليه:
قال رضي الله عنه لما سئل عن الشافعي: (لقد مَنَّ اللهُ علينا به، لقد كُنَّا تعلَّمنا كلام القوم وكتبنا كتبهم حتى قَدِم علينا الشافعي، فلمَّا سمعنا كلامه علمنا أنَّه أعلم من غيره، وقد جالسناه الأيَّام والليالي فما رأينا منه إلَّا كلَّ خير، رحمة الله عليه) [مناقب الشافعي (٢: ٢٥٩).].
وقال: (الشافعي فيلسوف في أربعة أشياء: في اللغة، واختلاف الناس، والمعاني، والفقه) [مناقب الشافعي (١: ٤١).].
وقال: (كان الفقهاء أطبَّاء والمُحدِّثون صيادلة، فجاء محمد بن إدريس الشافعي طبيبًا صيدلانيًّا، ما مقلت العُيُونُ مثله أبدًا) [تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر (٥١: ٣٣٤).].
ثانيًا: مجالسته له وميله إليه:
قال أبو داود: (ما رأيتُ أحمد يميل إلى أحد ميله إلى الشافعي) [توالي التأسيس (١٣٢).].
وقال الزعفراني: (ما ذهبت إلى الشافعي إلا وجدت أحمد بن حنبل في مجلسه، وكان أحمد ألزم للشافعي منّا) [مناقب الشافعي (١: ٢٢٧).].
وقال يعقوب بن إسحاق: (كنا نأتي الشافعي، فنجد أحمد بن حنبل عنده قد سبقنا إليه، وما زال معنا حتى سمع كتب الشافعي كلها) [الانتقاء لابن عبد البر (١٢٤).].
ثالثًا: دعوته أصحابه إلى حضور مجالسه:
رابعًا: حثُّه أصحابه على اقتناء مصنفاته وقراءتها:
وكان الإمام أحمد يقرن الشافعي بوالديه في دعائه، ومكث على ذلك دهرًا، لا لشيء إلَّا لعظيم ما ناله الشافعي من قلبه. قال الإمام أحمد: (إنِّي لأدعو الله للشافعي في صلاتي مُنذ أربعين سنة، أقول: اللهم اغفر لي ولوالدي ولمحمد بن إدريس الشافعي) [مناقب الشافعي (٢: ٢٥٤).].
ولقد لفتَ عبدَ الله ابن الإمام أحمد ما للشافعي من منزلة في قلب أبيه، وما لذكره والثَّناء عليه من تعاهد على لسانه، وما رآه من كثرة دعائه له، فلم يُطِق حتى سأل والده عن ذلك وقال له: (يا أبةِ .. أيُّ رجلٍ كان الشافعي؟! فإني سمعتُك تُكثِرُ مِن الدُّعاء له).
فتكلم الإمام أحمد بلسان قلبه، فقال في جواب عظيم الدلالة على مقام الشافعي من قلبه: (يا بني .. كان الشافعيُّ كالشَّمس للدُّنيا وكالعافية للنَّاس، فهل لهذين مِن خَلَف، أو منهما عَوَض؟!).
أَنْحَاءُ الْإِمْدَادِ الْمَنْهَجِيِّ
أولًا: تأثيره من جهة العبارة عن العلم والمحاججة فيه:
ويدل على هذا المعنى ما تقدم من أن الفقه كان قفلاً على أهله ففتحه الله بالشافعي،
ثانياً: تأثيره من جهة إقدارهِم على الغوص في معاني السنن وعمق الاستنباط منها:
ثالثاً: تأثيره من جهة إيجاد بناء معرفي ونظام استدلالي متكامل:
وهذا لا يعني أن الشافعي أحدث فيهم تغييرا جذريًا على مستوى الأصول والفروع، بل المراد أنه جعل لأصولهم وفروعهم نظامًا يحسنون به استثمارها والمحاماة عنها،
ومنه نلحظ أن امتياز الشافعي لم يكن متعلقاً بوفرة ما حازه من معلومات فَضْلَ بها أهل الحديث، بل إنما فَضْلُهم بعقله الذي استطاع به أن يؤلف بين تلك المعلومات ويتصرف فيها،
وأستعير ها هنا تلخيصًا محكمًا لـ د. أيمن صالح استطاع به تطبيق الأطوار التي مر بها الشافعي،
قال حفظه الله:
الشافعي رحمه الله يمثل نمطًا متميزًا من أصحاب الحديث تجعلنا نميل إلى عزله عنهم وجعله مدرسة فريدة بذاتها ألفت بين جوانب من ثلاث مدارس مختلفة: فقه أهل الرأي من الحنفية، وفقه الطراز الأول من طبقات المحدثين ، وفقه أهل الحجاز لا سيما شيخه مالك. ففي مسلكه العلمي مرَّ الشافعي رحمه الله بأطوار ثلاثة:
أولها: مقلدًا لمالك متأثرًا بمذهب أهل المدينة خصوصًا، والحجاز عمومًا، مدافعًا عنه. وهذا عندما كان في الحجاز واليمن وأوائل قدومه إلى العراق.
والثاني: ناطقًا باسم أهل الحديث ، بالمعنى الضيق، في مواجهة أهل الرأي من الحنفية. وهذا عندما دوّن كتبه القديمة في العراق لا سيما الرسالة ، وتوسع في قبول ما أثبته أهل الحديث من روايات العراقيين، وأعلن رفضه المرسل إلا بشروط.
والثالث: متميزاً عن الجميع في الأصول والفروع. وهذا في أواخر عهده لا سيما عندما استقرّ في مصر، ودوّن مذهبه الجديد.
وما استقرّ عليه المذهب الشافعي في الأصول والفروع يمتاز بثلاث خصائص رئيسة جعلته مختلفاً عن كل الاتجاهات الفقهية السائدة في زمنه: أهل الرأي ، و أهل الحديث بالمعنى الضيق، و أهل المدينة :
الأولى: تعظيمه أخبار الآحاد، والمبالغة في الاعتماد عليها، دون الحاجة إلى عرضها على ظواهر القرآن أو عمل السلف. وهذا وافق فيه أهل الحديث ، وخالف أهل الرأي و أهل المدينة .
والثانية: قصره الاجتهاد على قياس غير المنصوص على المنصوص، وإبطاله جميع ضروب الاجتهاد الأخرى، كالاستحسان والذرائع. وهذا خالف فيه أهل الرأي و أهل المدينة بطريق مباشرة، وخالف فيه أهل الحديث بطريق غير مباشرة، لأنهم كانوا يعتمدون على كثير من فتاوى السلف وأقضيتهم التي تقوم على الاستحسان والذرائع.
والثالثة: قلة اعتماده واعتباره لآثار الصحابة والتابعين. وهذا خالف فيه جميع الاتجاهات الأخرى، وبدرجة أساس فقه المحدثين.
ويبقى بعد ذلك النظر فيما يتعلق بانفصاله عنها، وذلك بالنظر في مواطن الامتياز التي اختص بها الشافعي عن تلك المدارس وأهلها،
الشافعي والمدرسة العراقية (الحنفية)
ولكن الشافعي يرى أن آفة المدرسة العراقية تكمن في وهَاء أصولها وقواعد النظر الفاعلة فيها، ولذلك قال:
(لو أنّ أبا حنيفة بنى على أصول أهل المدينة لكان الناس عليه عيالاً في الفقه، ولكنه بنى على أصول هي في بعض الأحوال أضعفُ من الفروع) [مناقب الشافعي (١: ١٧١).].
وهذا النص مفسّرٌ لنصّه الآخر الذي ذكر فيه أن الناس في الفقه عيالٌ على أبي حنيفة أو على أهل العراق، فهو يبيّن أن مقصوده بذلك متعلّق بالتفريع والتصوير،
وقد أشار المعلمي إلى الجهة التي أراد الشافعي الطعن فيها من فقه العراقيين، فذكر متجها كلام الشافعي أن أبا حنيفة: (إذا عرف الأصل أحسن في التفريع وأجاد، وإذا لم يعرف الأصل أو لم يأخذ به وقع في التخليط) [التنكيل (٧٠:١:٣).].
قال المُعلِّمِي: (من مكارم أخلاق الشافعي، وكمال عقله، وصدق إخلاصه: أن غالب ما يسوقه من المناظرات لا يسمّي مَن ناظره، لأن مقصوده إنما هو تقرير الحق ودفع الشبهات وتعليم طرق النظر. وتسمية المناظر يتوهّم فيها حظّ النفس) [التنكيل (٧٠٧:١).]
كان بدء احتكاك الشافعي بالمدرسة العراقية ومناظرته لأعلامها في أول قدماته إلى العراق سنة ١٨٤هـ، فقد كان يجلس في مجلس محمد بن الحسن متلقّيًا، فإذا قام محمد أقبل الشافعي على أصحابه وردّ عليهم أقاويلهم وناظرهم، ثم إن ذلك بلغ محمد بن الحسن فكأنّه غضب، وعن ذلك قال الشافعي:
(كتبْتُ كُتُبَ محمد بن الحسن، وعرفت قولهم، وكان إذا قام ناظرتُ أصحابه، فقال لي ذات يوم -في الغصب-: بلغني أنَّك تُخالفنا. قلتُ: إنَّما ذلك شيء أقوله على المُناظرة، فقال: قد بلغني غير هذا، فناظرني. فقلتُ: إنِّي أُجِلُّك وأرفعك عن المُناظرة، فقال: لابُدَّ من ذلك، فلمَّا أبى قلتُ: هات) [آداب الشافعي ومناقبه (١٦٠).].
ثم أخذ الشافعي يعرض عليه جُمَلًا من ضعيف أقاويلهم ويناظره فيها.
هذه الـ (هات) إذا كانت مبدأ الانفصال الذي أحدث أحد أجلّ المرافعات الفقهية في تاريخ الفقه الإسلامي، بين إمامين من أجلّ أئمة الفقه والنظر، ورجلين هما بمثابة أُمتين من العلم والمعرفة.. وما أشدَّ هيبة البحور إذا هي تلاطمت!
فبعد أن كان المُحدِّثون ضِعَافاً مكاسير في الذِّهنية العراقية جعل الشافعي العراقيين هُم الضِّعاف في الذِّهنية الحديثية، حتى إنَّ أبا ثور قدم مرَّة إلى الشافعي مُباهياً بارتفاعه على عراقي، وقال له: (إني ناظرت رجلاً من أصحاب أبي فلان فقطعته). فأجابه الشافعي بقوله: (وتفرح أن قطعت رجلاً من أصحاب أبي فلان؟! إنما تجترئ على الجرحى!) [مناقب الشافعي (١: ٢٢٣).].
قال لبعضهم [مِمَّن كان يُناظرهم] حين استدلّ بحديث منكر: (ينبغي لمن روى هذا الحديث أن يستحيي على نفسه). ومرة استدل الشافعي على محاوره بحديث، فقال العراقي: (أما هذا فلا أعرفه). فقال الشافعي: (فما أكثر ما لا تعرف من العلم!) [الأم (٢: ٥٩٧)، (٤: ٢٥٠).]
جهتين كان من محال الطعن على الفقه العراقي:
الجهة الأولى: قلة خبرتهم بالسنة مقارنة بما كان عليه أهل الحديث، فكان الشافعي يأخذ عليهم من خلال تلك الجهة أمرين، وهما: استدلالهم بالواهي من الأحاديث، وقلة اطلاعهم وإشرافهم على كثير من الأخبار.
الجهة الثانية: إسرافهم في الرأي،
يجدر بنا هنا ونحن نتحدث عن مباينة الشافعي للعراقيين ورده عليهم أن نتحدث بإيجاز عن الكتب التي صنفها الشافعي في ذلك،
* كتاب على سير الأوزاعي:
هكذا سماه البيهقي، وهو من جملة الأم ، وهو تعليق على كتاب أبي يوسف الذي صنفه للرد على الأوزاعي فيما ردَّ به على أبي حنيفة.
وقد كانت طريقة أبي يوسف في كتابه أن يذكر قول أبي حنيفة، ثم يذكر قول الأوزاعي مع حجته، ثم يرد على الأوزاعي.
وقد أتى الشافعي بكتاب أبي يوسف في كل مسألة على الوجه، ثم ذيَّل كل مسألة برأيه.
وعن جنس الأدلة المستعملة في هذا الكتاب فهي (تصرفات النبي ﷺ أو أقواله أو فعل السلف من الصحابة والتابعين وأقوالهم) [التأليف في مسائل الخلاف الفقهي والأصولي في القرن الثاني الهجري لـ د. الناجي لمين (١٩)، وانظر: القديم والجديد في فقه الشافعي (٢: ٦٥).].
ولأن الكتب النقدية تنال رواجًا بخلاف غيرها رأى الشافعي الحاجة ماسَّة للتعليق على كتاب أبي يوسف ليبين منهاجه من بين منهجي الأوزاعي وأهل الرأي،
هذا، ومن جهات امتياز هذا الكتاب للشافعي سوى ما يتعلق بالنقد أنه حفظ لنا كتاب أبي يوسف، فلم يصلنا الكتاب إلا من رواية الشافعي،
ويحفظه كتاب أبي يوسف يكون قد حفظ لنا أيضاً آراء الإمام الأوزاعي،
* اختلاف العراقيين:
كان للشافعي إشراف على فقه ابن أبي ليلى الكوفي، وقد دخل الشافعي الكوفة ورأى اختلاف أهلها بين أبي يوسف وابن أبي ليلى وعَلِمَ مذاهبهم،
وهذا المشهد الذي شَهِدَه الشافعي وسجَّله في كتبه حفزه إلى وضع كتابه تعليقاً على كتاب لأبي يوسف سعى فيه للانتصار لأبي حنيفة على ابن أبي ليلى، فوضع الشافعي كتابه هذا، وهو من جملة الأم .
ومن جهات امتياز هذا الكتاب سوى ما يتعلق بالنقد أنه حفظ لنا كتاب أبي يوسف، فلم يصلنا الكتاب إلا من رواية الشافعي هذه،
وبحفظه كتاب أبي يوسف يكون قد حفظ لنا أيضًا آراء ابن أبي ليلى.
* الرد على محمد بن الحسن:
والذي بين أيدينا من نقد اتجه به الشافعي نحو محمد بن الحسن هو هذا الكتاب الرد على محمد بن الحسن ، وهو من جملة الأم ، ويتضمن الرد على (٢٠) مسألة فقط من كتاب الحجة على أهل المدينة لمحمد بن الحسن، وتحديداً مسائل الديات والقصاص،
كما أن هذا الكتاب على وجازته تضمن (كثيرًا من القضايا العلمية التي انشغل بها بعد ذلك الأصوليون والفقهاء على حد سواء، كما يضم كثيرًا من المعالم التي تبرز لنا المناخ الذي كان يدور فيه الخلاف بين العلماء في هذه الفترة التأسيسية من تاريخ التشريع الإسلامي) [التأليف في مسائل الخلاف الفقهي والأصولي في القرن الثاني الهجري لـ د. الناجي لمين (٥١-٥٢).]
وأيضًا فقد حفظ الشافعي برده هذا قدرًا من كتاب محمد بن الحسن لم يكن ليصلنا لولا رد الشافعي عليه،
* اختلاف علي وابن مسعود رضي الله عنهما
هذه هي التسمية المشهورة للكتاب، وأما ياقوت الحموي فسماه: اختلاف أهل العراق على علي وابن مسعود ، كما سماه النديم: ما خالف العراقيون عليًا وابن مسعود . وهما تسميتان دقيقتان تكشفان عن واقع الكتاب، إذ هو يعالج قضية مخالفة أبي حنيفة وأصحابه لعلي وابن مسعود رضي الله عنهما، لا الخلاف بين علي وعبد الله رضي الله عنهما.
قال البيهقي: (احتجّ بعضُ العراقيين على الشافعي بأنَّ مذهب أبي حنيفة مبنيٌّ على قول عليّ بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما، فأخرج من كتب أهل الحديث من أقاويلهما ما يخالفه أبو حنيفة) [مناقب الشافعي (٢: ٣٢٢).].
وحسب استقراء مادة الكتاب فإن الشافعي يريد بما خالفوا فيه هذين الصحابيين الجليلين أحد أمرين:
الأول: أن تكون المخالفة لقول لهما، وهذا هو الغالب في الكتاب.
الثاني: أن تكون المخالفة لرواية لهما.
هذا، ومن جهات امتياز الكتاب سوى ما يتعلق بالنقد أنه يُعَدُّ ثروة آثارية، حيث ضم كثيراً من الأخبار الواردة عن علي وابن مسعود رضي الله عنهما،
وفكرة هذا الكتاب تُعدّ بحقّ من مبتكرات الشافعي، إذ فكرته الإحصائية بغرض الإلزام وبيان الاضطراب والتناقض الواسعين الواقعين عند العراقيين فكرة رائدة في النقد، غير مسبوقة فيما أعلم.
* إبطال الاستحسان:
هذا الكتاب من جملة الأم ، وقد ذكرته في ضمن الكتب التي أراد بها الشافعي النقص على المدرسة العراقية لما هو معلوم من اتساع أهل الرأي في استعمال دليل الاستحسان ، وذلك الاتساع هو ما حدا بالشافعي إلى وضع هذا الكتاب، فالاستحسان أصل واسع التأثير في فقه المدرسة العراقية (الحنفية)،
ومحرَّر القول هنا أن المدرستين العراقية ثم المدنية ربما تركوا كثيرًا من موجب القياس لمعنى لم يدل عليه صراحةً كتابٌ ولا سنةٌ ولا إجماعٌ ولا قياسٌ، ولكن ذلك المعنى غلب على ظن المجتهد اعتباره لأدلة رآها، وإن لم تكن مباشرة الدلالة، ومن هنا فيمكن أن يقال – كتعريف أغلبي – بأن الاستحسان عندهم هو ما جمع أمرين، هما: ترك موجب القياس، وأن يكون ذلك الترك لمعنى خفي.
فالشافعي يُبطِلُ هذا الجنس من الاستحسان، ويرى أن موجب القياس لازمٌ، فلا يُصَارُ منه إلى معانٍ خفيةٍ على خلافه، ويرى أن في الاستحسان تحكيمًا لظنون المجتهدين على حساب الدلائل التي اعتبرها الشارع.
في الأم ما يزيد عن (١٥٠٠) مناظرة، كان جلُّها معقودًا مع أصحاب أبي حنيفة، وكان لتلك المناظرات عظيم الأثر فيهم، حتى تسبَّبت في رجوع بعضهم عما كان عليه والتحاقه بالشافعي.
هذا الذي كان يقوم به الشافعي من مجادلة العراقيين واستقصائه في الرد عليهم أدى ببعض العراقيين إلى الانفكاك عما كان عليه والمصير إلى قول الشافعي ونهجه:
فمن أخصّ أولئك العراقيين رجلان: أبو ثور، والكَرَابِيسِيُّ:
فقد كانا على نهج أهل العراق، ثم إنهما بمجالستهما الشافعي وسماعهما ما لديه صارا إليه وتركا ما كانا عليه (٣).
قال أبو ثور: (لمَّا ورد الشافعي رضي الله عنه العراق جاءني حسين الكرابيسي، وكان يختلف معي إلى أصحاب الرَّأي، فقال: قد ورد رجلٌ مِن أصحاب الحديث يتفقَّه، فقُم بنا نسخَر به. فقام وذهبنا حتى دخلنا عليه، فسأله الحسين عن مسألة، فلم يزل الشافعي يقول: قال الله عزَّ وجلَّ، وقال رسول الله ﷺ حتى أظلم علينا البيت، فتركنا بدعتنا واتبعناه.)
وقال الحسين بن علي الكرابيسي: (رحمة الله على الشافعي، ما فهمنا استنباط أكثر السُّنن إلَّا بتعليم الشافعي أبي عبد الله إيَّانا).
وقال أيضاً: (قدم علينا الشافعي رضي الله عنه ونحن ثيران، فما مرَّت علينا سنة إلَّا وكلُّ واحدٍ مِنَّا يحتاج إلى زاوية يُجالَس فيها).
[انظر هذا النص واللذين قبله في: مناقب الشافعي (١: ٢٢٢، ٢٢٣، ٣٠١).]
قال عثمان بن سعيد بن بشار الأنماطي، سمعت المُزَنِيُّ يقول: (كنتُ أنظر في الكلام قبل أن يقدم الشافعي، فلمَّا قدم أتيتُهُ، فسألتُهُ عن مسألةٍ من الكلام، … ثُمَّ ألقى عليَّ مسألةً في الفقه، فأجبتُ، فأدخل شيئاً أفسد جوابي، فأجبتُ بغير ذلك، فأدخل شيئاً أفسد جوابي، فجعلتُ كُلَّما أجبتُ بشيءٍ، أفْسَده. ثُمَّ قال لي: هذا الفقه الذي فيه الكتاب والسُّنَّة وأقاويل النَّاس، يدخله مثل هذا، فكيف الكلام في ربّ العالمين، الذي فيه الزَّلل كثير؟ فتركتُ الكلام، وأقبلتُ على الفِقْه) [سير أعلام النبلاء (١٠: ٢٥-٢٦).]
يقول إبراهيم الحربي: (قَدِمَ الشافعيُّ ببغداد، وفي المسجد الجامع الغربي عشرون حَلْقَة لأصحاب الرَّأي، فلمَّا كان في الجمعة الثانية لم يَثبُتْ منها إلَّا ثلاثُ حِلَقٍ أو أربعُ حِلَقٍ!) [مناقب الشافعي (١: ٢٢٥).].
ما أظهر امتياز اختص به الشافعي عن غيره في مجادلته للعراقيين والذي كان له أعظم الأثر في زعزعة أصولهم؟
والجواب يكمن في أن الشافعي كان أوسع منهم وأجود مادةً في الحديث، وكانت هذه قضية شديدة على أهل العراق قبل مجيء الشافعي،
قال المُعلِّمي: (الحنفية يعرفون شناعة رد السنة بالرأي، ولكنهم يتلمّسون المعاذير، فيحاولون استنباط أصول يمكنهم إذا تشبّثوا بها أن يعتذروا عن الأحاديث التي ردوها بعذر سوى مخالفة القياس، وسوى الجمود على اتباع أشياخهم، ولكن تلك الأصول مع ضعفها لا تطرد لهم، لأن أشياخهم قد أخذوا بما يخالفها، ولهذا يكثر تناقضهم، وفي مناظرات الشافعي لهم كثير من بيان تناقضهم) [التنكيل (١: ٣٨-٣٩).].
قال الإمام أحمد: (كانت أقفيتُنا أصحابَ الحديث في أيدي أصحاب أبي حنيفة ما تُنْزَع، حتى رأينا الشافعي رضي الله عنه) [آداب الشافعي ومناقبه (٥٥).].
قال الرازي بعد أن أورد كثيراً من شهادات العُلماء – وخاصَّة أصحاب الحديث – الدَّالَّة على عِلْم الشافعي ومنزلته:
(اعلم أنَّ ثناء العُلماء على الإمام الشافعي أكثر مِن أن يُحيط به الحصر، ونحن نذكر السَّبب في محبَّتهم له وثنائهم عليه، فنقول:
النَّاسُ كلُّهُم كانوا قبل زمان الشافعي فريقين: أصحاب الحديث، وأصحاب الرَّأي.
أمَّا أصحاب الحديث فكانوا حافظين لأخبار رسول الله ﷺ إلَّا أنَّهم كانوا عاجزين عن النَّظر والجَدَل، وكُلَّما أورد عليهم أحدٌ مِن أصحاب الرَّأي، سؤالاً أو إشكالاً، بقوا على ما في أيديهم عاجزين مُتحيِّرين.
وأمَّا أصحاب الرَّأي فكانوا أصحاب جَدَل ونَظَر إلَّا أنَّهم كانوا فارغين مِن معرفة الآثار والسُّنَن.
وأمَّا الشافعي فإنَّه كان عارفاً بسُنَّة النبي ﷺ، مُحيطاً بقوانينها، وكان عارفاً بآداب النَّظر والجَدَل، قويًّا فيه، قادراً على قَهْر الخُصُوم، فأخذ في نُصرة أحاديث رسول الله ﷺ، وكان كلُّ مَن أورد عليه سؤالاً أو إشكالاً أجاب عنه بأجوبةٍ شافيةٍ كافيةٍ، فانقطع بسببه استيلاء أهل الرَّأي على أصحاب الحديث وسقط فقههم، وتخلَّص بسببه أصحاب الحديث من شُبُهات أصحاب الرَّأي، فلهذا السَّبب انطلقت الألسنة بمدحه والثَّناء عليه، وانقاد له عُلماء الدِّين وأكابر السَّلف). [مناقب الإمام الشافعي للرازي (٦٣-٦٢).]
الشافعي والمدرسة المدنية (مالكية مصر)
الشافعي كان حجازيَّ النشأة العلمية، حيث أخذ في بواكير تلقيه عن أعلام المدرستين المكية والمدنية،
ولهذا التأثير فقد كان الشافعي يعدُّ مالكًا وأهل المدينة أصحابه، فقد قال: (إذا قلت: قال بعض أصحابنا فهم أهل المدينة) [آداب الشافعي ومناقبه (٢٠٢).].
كما كان الشافعي عظيم الثناء على علم أهل المدينة، ولا سيما متقدميهم، ومن ذلك أن يونس بن عبد الأعلى قال:
(قال الشافعي رضي الله عنه في شيء ناظرته فيه: والله ما أقول لك إلا نصحًا: إذا وجدت أهل المدينة على شيء، فلا يدخلنّ قلبك شك أنه الحق، وكل ما جاءك وإن صح وقوي كل القوة ولم تجد له بالمدينة أصلاً وإن ضعف فلا تعبأ به ولا تلتفت إليه) [مناقب الشافعي (١: ٥٢٦).].
إن الشافعي لما تقدم به العلم واتسعت مادة معارفه أدرك ما في أصول المدنيين الإمام مالك تحديدًا من نوع اضطراب، فقدح ذلك عنده شرارة الانفصال عن طريقته.
ينقل الربيع بن سليمان عن الشافعي مبدأ ذلك فيقول: (سمعتُ الشافعي يقول: قدمتُ مصر ولا أعرف أن مالكًا يخالف من الأحاديث إلا ستة عشر حديثًا، فنظرتُ، فإذا هو يقول بالأصل ويدع الفرع، ويقول بالفرع ويدع الأصل).
ثم ساق البيهقي مقدمة كتاب اختلاف مالك والشافعي ، والتي بين فيها الشافعي يم يثبت الخبر، وأنه لا يترك حديثًا أبدًا إلا لحديث يخالفه، كما بين أوجه التعامل مع الأحاديث إذا اختلفت، فمنها ما يكون ناسخًا ومنسوخًا، ومنها ما يرجح فيه أحد الخبرين بدلالة، وأكد على أن حديث رسول الله ﷺ مستغنٍ بنفسه، وهذا معنى متواتر في كتب الشافعي.
قال الرازي: (وأقول أنا: نُقِلَ أن أرسطاطاليس الحكيم تعلَّم الحكمة من أفلاطون، ثم خالفه، فقيل له: كيف فعلت ذلك؟ فقال: أستاذي صديقي، والحقُّ صديقي، فإذا تنازعنا فالحقُّ أولى بالصداقة. وهذا المعنى بعينه هو الذي حمل الشافعي على إظهار مخالفة مالك) [مناقب الإمام الشافعي للرازي (٥٠-٤٩).].
مصر كانت تحفل بأتباع المدرستين، فكان دخول الشافعي مصر محنة على المالكية المستقرين بها، بحيث أحدث شرخاً في صفوفهم، كما كان دخوله العراق من قبل محنة على أهل الرأي فيها.
بل بلغت بهم الحال أن صائغ عيسى بن المنكدر – أحد قضاة مصر بالشافعي – والشافعي يسمع – وقال له: (يا كذا، دخلت هذه البلدة وأمرنا واحد ورأينا واحد، ففرقت بيننا، وألقيت بيننا الشرّ، فرّق الله بين روحك وجسمك) [الولاة والقضاة للكندي (٤٣٨).].
يقول الذهبي: (لا ريب أنَّ الإمام [الشافعي] لمَّا سكن مصر وخالف أقرانه من المالكية، ووَهَّى بعضَ فُرُوعهم بدلائل السُّنَّة، وخالف شيخَه في مسائل = تألَّموا منه، ونالوا منه، وجرت بينهم وحشة، غفر الله للكُلِّ، وقد اعترف الإمام سحنون وقال: لم يكن في الشافعي بدعة. فصدق والله، فرحم الله الشافعي، وأين مثل الشافعي -والله- في صدقه، وشرفه، ونبله، وسعة علمه، وفَرْط ذكائه، ونصره للحق، وكثرة مناقبه، رحمه الله تعالى) [سير أعلام النبلاء (١٠: ٩٥).].
وعن ذلك يقول الربيع: (رأيتُ أشْهَبَ بن عبد العزيز ساجدًا وهو يقول في سُجُوده: اللهمّ أمِتِ الشافعي، وإلَّا ذهب عِلْم مالك بن أنس . فبلغ ذلك الشافعي، …) [مناقب الشافعي (٧٤:٧٣-١).]
لم يقف الأمر عن حدود الابتهال، بل بلغت الحال ببعض المالكية إلى أن استعدوا السلطان على الشافعي، بل وتلاميذه من بعده، وعن ذلك قال البويطي: (لما مات الشافعي اجتمعنا في موضعه جماعة من أصحابه، فجعل أصحاب مالك يسعون علينا عند السلطان).
ربما كان مبدأ تلك الحملات المالكية مع وضع الشافعي كتاب اختلاف الشافعي ومالك ، فذلك الكتاب كان جمعًا هائلًا لعثرات المالكية في الأصول والفروع،
وهنا تنبيه يحسن ذكره، وهو أن هذا الكتاب على خلاف كل كتب الشافعي كان عبارة عن سؤالات وجهها أحد تلاميذه إليه ممن كان على طريقة المدنيين، فكان الشافعي يجيبه، فالشافعي هنا مخاطَب، وليس هو من يبتدئ القول، فأول الكتاب: (سألتُ الشافعي: …).
أهميته تكمن في بيانه لأمرين، وهما:
أولاً: موقف الشافعي من المدرسة المدنية أصولاً وفروعًا.
ثانيًا: قضية العمل وأوجه انتقاد الشافعي لها تأصيلاً وتطبيقًا.
والنقد الكلي الذي وجهه الشافعي للإمام مالك هو أنه (لا يسير على أصل ثابت مطرد، فتارة يروي الحديث المتصل ويأخذ به، ومرة يقدم عليه الحديث المنقطع، ومرة يروي الحديث ويأخذ بقول الصحابي أو التابعي ويترك الأخذ بالحديث، وتارة أخرى يترك الحديث وقول الصحابي إما لرأي نفسه وإما لما يسميه العمل، وحتى أصل العمل ليس له مذهب ثابت فيه). [التأليف في مسائل الخلاف الفقهي والأصولي في القرن الثاني الهجري لـ د. الناجي لمين (٩٨).]
ومن كلام الشافعي الدال على ذلك قوله لمخاطبه: (وما حفظت لك مذهبًا واحدًا في شيء من العلم استقام لك فيه قول، ولا حفظتُ أنك ادعيت الحجة في شيء إلا تركتها في مثل الذي ادعيتها فيه) [ اختلاف مالك والشافعي ، الأم (١: ٧٤١).].
كما حدث مع بعض العراقيين في تركهم قولهم ومذهبهم لقول الشافعي فقد جرى مثل ذلك من بعض المالكية، فانتقل جملة منهم عمَّا كانوا عليه إلى رأي الشافعي.
* فَمِنْ أُولَئِكَ: الْبُوَيْطِيُّ:
فقد كان مَالِكِيَّاً أول أمره، ثم إنَّه تَبِعَ الشَّافِعِيَّ واخْتَصَّ به، وصَارَ هو خليفَتُهُ من بعده.
* ومِنْهُمُ: الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ:
ومنهم: محمد بن عبد الحكم:
فقد كان مالكياً، كما كان أبوه من أئمة المالكية، ولكنه تشفّع، والعجب أن المؤثر عليه في ذلك هو والده، فقد كان يوصيه بأن يلازم الشافعي.
ثم إن محمداً رجع إلى مالكيته بعد وفاة الشافعي لعارض من أمر الدنيا، حيث كان يأمل أن يكون خليفة الشافعي من بعده، فلم يتسنَّ له ذلك، فعاد ساخطاً إلى ما كان عليه، بل بلغت به الحال إلى أن صنف كتاباً في الرد على الشافعي!
ما أظهر امتيازٌ اختص به الشافعي عن غيره في مجادلته للمدنيين والذي كان له أعظم الأثر في زعزعة أصولهم؟
والجواب عن ذلك أن يقال: كان الشافعي كما تقدم يرى صحة أصول المدنيين في الجملة، وذلك أن أصولهم هي أصول أهل الحديث، لكن الشافعي قام بمراجعة لنهج تعامل المدنيين مع الأخبار النبوية والآثار الصحابية.
وأُخصّ القضايا المتصلة بذلك والتي توفّر الشافعي على تبعها وملاحقة آثارها: قضية العمل، وهي قضية تُشكّل على المدرستين العراقية والمدنية،
وقد كان لنقض الشافعي لذلك الأصل جهاتٌ عدّة:
فمن ذلك أنه أنكر عليهم إطلاقهم الإجماع و اجتماع الناس على عمل أهل المدينة أو بعضهم،
ومن ذلك أنه أنكر عليهم دعواهم إجماع الناس بالمدينة في مسألة اختلف فيها أهل المدينة أنفسهم،
ومما قرره الشافعي نفي أن يكون هناك إجماع بالمدينة ويكون أهل البلدان غيرهم مخالفين له، فهو يرى أنه لم يخالف أهل البلدان أهل المدينة إلا فيما اختلف فيه أهل المدينة أنفسهم، وإذا كان هناك إجماع بالمدينة فإن غيرهم من أهل العلم مجمعون معهم،
وقد كان الشافعي لكثرة اضطراب المدنيين في تقرير العمل واعتباره ينكر عليهم سيولة هذا المصطلح، ويبين لهم أنه جُهْدٌ في ضبط العمل الذي يحتجون به فلم يستطع،
ومما أنكره الشافعي على المدنيين: ادعاؤهم الإجماع في مسائل لا يُروى فيها عن موافق ولا مخالف شيئًا، ومثل هذا لا ينبغي أن يُدَّعى وقوع الإجماع فيه، لأن الإجماع نقل، فإذا عُدِم الخبر عن الموافقين لم يصح إطلاقه،
وقد ذكر الشافعي أن أكثر ما يدَّعونه من إجماع أهل المدينة منقوض،
بل قرَّر الشافعي أنهم من أكثر الناس خلافًا لأهل المدينة،
مركزية السُّنَّة في مجادلات الشافعي
قال ابن حزم واصفًا الإمام الشافعي وتأثيره المعرفي في كلمة جامعة:
(إنَّه أوَّل مَن انتقد الأقوال المُختلطة، وميَّز الفتاوى المُختلفة، وميَّز السُّنَّة من غيابَة الرَّأي، وعلَّم استخراجَ البُرهان من غَيْضَةِ الاستحسان، ونَهَى عن التَّعصُّب للمُعلِّمين وعن الحَمِيَّة للبُلدان، ودعا إلى اتِّباع صحيح الحديث عن رسول الله ﷺ حيث كان، فالمؤمنون إخوة، وأكرمهم عند الله أتقاهم، وإنَّما فضلُ المرءِ بنفسه، وأشار إلى كيف يأتي القرآنُ مع السُّنَن، والخاصُّ مع العامِّ مِن الآيّ والسُّنَن، فصار له بذلك فضلٌ عظيمٌ وسَبْقٌ رفيعٌ، واستبان بهذه المناهج التي نَهَجَ دقَّةُ ذهنه وقُوَّةُ خاطره ووحدَّةُ فهمه، وتقرَّبَ) [الرسالة الباهرة (٤٨-٤٧).]
غير أن رأس القضايا المركزية التي كانت محور مشروع الشافعي في بنائه لمنهجه ونقضه على المدارس العلمية في زمنه: قضية السنة النبوية ومنهج التعامل معها،
حتى أضحى اتِّصال المرءُ بكُتُب الشافعي أمارة على اتِّباعه للسُّنَّة، كما قال حوثرة بن محمد المنقري: (تتبيَّن السُّنَّة في الرَّجلِ في اثنين: في حُبِّه أحمد بن حنبل، وكتابة كُتُب الشافعي) [الانتقاء (١٤٤).].
ويتعلق الأمر هنا تحديداً بقضيتين مركزيتين، وهما:
الأولى: اشتراط اتصال الخبر لقبوله.
الثانية: تحكيمها دون ترك شيء منها لاعتبار عمل أو غيره.
فأما ما يتعلق بالقضية الأولى:
فالشافعي يكاد يكون أول من نظر لردّ المراسيل، وقبولها في حدود ضيقة جداً، فكان أن وضع شروط قبول الأخبار، واستعمل في كتبه الحديث الصحيح المتصل ولم يقبل أن يحتج بما عداه، ولا أن يحتج به أحد عليه.
قال التقي السبكي: (إنَّ العُلماء رضوان الله عليهم لكُلٍّ منهم أُصُول وقواعد قد بنى مذهبه عليها، لأجلها ردَّ بعض الأحاديث … وأمَّا الشافعي فليس له قاعدة يرد بها الحديث، فمتى صحَّ الحديث قال به) [من رسالته عن حتمية لا اجتهاد مع النص (٥٢-٥٣، ٥٤-٨٣، ٨٤).].
وإني لأحسب أن أول من فتح باب تتبع ما خالف فيه الإمام مالك السنة هو: الليث بن سعد، حيث قال: (أحصيتُ على مالك سبعين مسألة كلها مُخالفة لسنة النبي ﷺ مما قال فيها مالك برأيه، ولقد كتبتُ إليه أعظه في ذلك) [جامع بيان العلم لابن عبد البر (٢: ٢٤٠).].
ولأجل ذلك -والله أعلم- قال الشافعي: (الليث أتبع للأثر من مالك). وقال: (الليث أفقه من مالك إلَّا أن أصحابه لم يقوموا به) [انظره والذي قبله في: سير أعلام النبلاء (٨: ١٥٦).].
وربما كان هذا النهج الذي سار عليه الليث هو ما جعل الشافعي يتأسَّف على عدم لقائه به، كما قال: (ما اشتد عليّ فوتُ أحد من العلماء مثل فوت ابن أبي ذئب والليث بن سعد) [آداب الشافعي ومناقبه (٢٩)].
هذا، ومما يحسن ذكره هنا: أن المدرستين العراقية والمالكية قبل الشافعي كانت تدور بينهما نقدات فيما يتعلق بقضية الاحتجاج بالسنة، غير أن الشافعي كان يرى في ردّ بعضهم على بعض صوابًا وغلظًا:
أما الصواب ففي أخذ بعضهم على بعض ما تركوه من السنة.
وأما الغلط ففي عدم اطِّراد كل مدرسة في العمل بالسنة، فكل مدرسة كانت تعمل بطائفة من السنة وتترك أخرى.
نَجَازُ الْمَدَدِ وَالْمِدَادِ
هذا هو ختم القول في هذه الكتابة التي قصدت من خلالها إلى تقديم أنموذج عال للعبقرية العلمية، متجسدة في الإمام الشافعي رضي الله عنه، وذلك بقصد استلهام مكونات عبقريته لاستنبات عبقريات أخرى في محيطنا العلمي، فما أحوج الأمة اليوم إلى قيادات علمية عبقرية تكون دافعة للممارسة العلمية إلى الأمام دفعًا نوعيّا لا يقف عند حدود الاستنساخ العلمي الذي سَيّمتْ منه البيئة العلمية المعاصرة.
وتتأكد هذه الحاجة حين نرى المحيط الزمني العام الذي يطوقنا تتسارع أحداثه ومستجداته تسارعًا غير مسبوق، وذلك يستدعي وجود قيادات علمية عبقرية تحسن أن تتفاعل مع محيطها بحكمة ناجزة وخبرة نافذة، مسبوقة بتأصيل علمي مكين وهضم تام للمنجز المعرفي التراثي، تأتلفت في أطروحاتها مكونات العلم والمنهج من جهة، وسمات المعاصرة والتفاعل الحضاري من جهة أخرى، شأنها في ذلك شأن قدواتها التاريخية الملهمة التي كان لإسهامها قدم صدق في الرقي بهذه الأمة.
غير أنَّ مِن وراء ذلك أمرًا لا بُدَّ أن يستقرّ في قلب طالب العِلْم وشادي العبقرية، وهو أنَّ الشافعي لم يكن لينال عبقريةً ولا أن يُحصِّل عِلْمًا إلَّا بتوفيقٍ مِن الله تعالى، وهذا التَّوفيق لا يُنال بمُجرَّد الأماني، بل حتى يكونَ للمرءِ اتِّصالٌ عظيمٌ بربِّه جلَّ في عُلاه، وذلك أعظمُ إمدادٍ يناله قلبُ طالبِ العِلْم وعقلُهُ، فالعُلُوم كلُّها هِبَاتٌ مِن الله تعالى، وهو سُبحانه يَهَبُ من يشاء بفضله ويمنع مَن يشاء بعدله.
وهذا الاتِّصال بالله تعالى، أعظمُ ما يُنمِّيه ويُغذِّيه تَنسُّكُ طالبُ العِلْم، وإقبالُهُ على عبادة ربِّه.
وأنا والله ما شممتُ لذلك رائحةً، ولكنِّي نظرتُ في سِيَر الأئمَّة فوجدتُ عبادة الله تعالى شِعَارَهُم ودِثَارَهُم، وبها نالوا ما نالوا، ولم يكونوا يرون العِلْم إلَّا مصحوبًا بالعَمَل، ولا يكون المرء عندهم فاضلًا في العِلْم حتى يكون فاضلًا في العبادة.
وإمعانًا في ذلك كانوا يتواصون بأن تكون حسرةُ طالب العلم على فوت العبادة أشدَّ من حسرته على ما يفوته من العِلْم.
وقد سمع عبد الله بن إدريس أبا عبيد القاسم بن سلَّام يتلهَّف على ما فاته مِن الأخذ عن بعض الشُّيُوخ، فقال له: (يا أبا عبيد، مهما فاتك من العِلْم، فلا يفوتنَّك العَمَل) [تاريخ بغداد (١٤: ٣٩٩).].
وأمَّّا نحنُ فقنعنا مِن العِلْم بظاهرٍ مِن القول، وظننَّاه والعمل مُتنافرَيْن، ولئن لم يَصْرِّح واحدُنا بذلك فحالُهُ أكبرُ شاهدٍ عليه، ولأجل ذلك رأينا التَّوفيقَ مُرتحلًا عن مُنجزاتنا، والبركةَ ظاعنةً عن عُلُومنا، إلَّا مَن رحم ربُّك ..
والعِلْمُ كما يقول الشافعي (مَا نُلْتَ فَائدَتَهُ، وَوَجَدْتَ بَرَكَتَهُ) [جزء فيه حكايات عن الشافعي وغيره للآجري (٣٠).].
يقول الحسن البصري رضي الله عنه: (الذي يفوقُ النَّاسَ في العِلْم جديرٌ أن يفوقهم في العَمَل) [جامع بيان العلم وفضله (١: ٥٦٨).].
قال الربيع بن سليمان: (خرجتُ مع محمد بن إدريس الشافعي مِن الفُسطاط إلى الإسكندرية مُرابطاً، وكان يُصلِّي الصَّلوات الخمس في المسجد الجامع، ثُمَّ يسير إلى المحرس فيستقبل البحر بوجهه جالساً يقرأ القرآن في الليل والنَّهار، حتى أحصيتُ عليه ستِّين خَتْمَةً في شهر رمضان) [مناقب الشافعي (٢: ١٥٨).].
وقال أيضاً: (كان الشافعي يختم القرآن في شهر رمضان ستِّين مرَّة، كل ذلك في صلاة) [آداب الشافعي ومناقبه (١٠١).].
وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: (جلسنا يوماً نتذاكر الزُّهَّاد والعُبَّاد وما بلغ من فصاحتهم … [قال] عمر بن نباتة: … والله ما رأيتُ رجلاً قطُّ أفصح ولا أورع من محمد بن إدريس الشافعي، رحمة الله عليه. ثم قال: خرجتُ أنا وهو والحارث بن لَبِيد لِذَاتِ يومٍ إلى الصفا فافتتح الحارث وكان غُلاماً لصالح المري فقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ﴾ الآية، فرأيتُ الشافعي قد اضطرب، ثُمَّ بكى بُكاءً شديداً، ثُمَّ لم يتمالك أن قال: إلهي، أعوذ بك مِن مقال الكاذَّبين وإعراض الغافلين، إلهي، لك خَضَعَتْ قُلُوبُ العارفين، وذَلَّت هيبة المُشتاقين، إلهي، هب لي جودك، وجللني بسترك، واعفُ عن توبيخي بكرم وجهك يا أرحم الراحمين ) [مناقب الشافعي (٢: ١٧٦).].
وعن صلاة الشافعي وقيامه بالليل قال الربيع: (كان الشافعي قد جزأ الليل ثلاثة أثلاث: الثلث الأول يكتب، والثلث الثاني يصلي، والثلث الثالث ينام).
وقال: (قد نمت في منزل الشافعي ليالي كثيرة فلم يكن ينام من الليل إلا أيسره).
[انظره والذي قبله في: مناقب الشافعي (٢: ١٥٧).]
وقد كان رحمه الله زاهدًا بهذه الدنيا، مُتقلِّلًا من ملذاتها، حتى قال يومًا: (ما شبعت منذ ستَّ عشرة سنة إلا شبعة طرحتها من ساعتي).
فحتى هذه الشبعة لم يصبر عليها حتى تَقَيَّأها!
قال البيهقي مُعلِّقًا: (وهذا لأن الشبع يقسي القلب، ويغطي بعض العقل، ويثقل البدن عن الاجتهاد في العبادة، وهو عند أهل الحقائق غير محمود، فكان يتنزه عن ذلك). [مناقب الشافعي (٢: ١٦٦-١٦٧).]
وكان الشافعي مُعتادًا على مسك العصا من غير عِلَّة، فقال له المُزَنِيُّ مرَّةً: (مالك بدُّ من إمساك العصا ولست بضعيف؟). فقال له الشافعي: (لأذكر أني مسافر). يعني إلى الآخرة.
ومن عيون كلامه قوله رحمه الله: (مَن أحبَّ أن يَفْتَح اللهُ له قلبَه أو يُنوِّرَه فعليه بترك الكلام فيما لا يعنيه، وترك الذُّنُوب، واجتناب المعاصي، ويكون له فيما بينه وبين الله خَبِيئَةٌ من عملٍ فإنَّه إذا فعل ذلك فتح الله عليه من العِلْم ما يشغله عن غيره وإنَّ في الموت لأكثر الشغل) [مناقب الشافعي (٢: ١٧١).].
وقد كتب الشافعي وصيته قبل عام من وفاته، وضمنه من الوصايا ما ترقّ له الأفئدة، لا سيما إذا استحْضَرْتَ أنَّ صاحبها موسَّدٌ في قبره قبل اثني عشر قرنًا، وقد ضَمَّنَ الربيع هذه الوصية كتاب الأم ، ومما جاء فيها:
وأنَّه [الشافعي] يوصي نفسه وجماعة من سَمِعَ وصيته بـ:
إحلال ما أحل الله عز وجل في كتابه ثم على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، وتحريم ما حرّم الله في الكتاب ثم في السنة، وأن لا يجاوز من ذلك إلى غيره وأن مجاوزته ترك [فَرَضَ] الله.
وترك ما خالف الكتاب والسنة، وهما من المحدثات.
والمحافظة على أداء فرائض الله عز وجل في القول والعمل. والكف عن محارمه خوفًا لله.
وكثرة ذكر الوقوف بين يديه ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾.
ومُحَمَّدٌ يسألُ اللهَ القادر على ما يشاء:
أن يصلّي على سيدِنا محمدٍ عبدِه ورسولِه.
وأن يرحمه، فإنَّه فقيرٌ إلى رحمته.
وأن يُجيرَه من النَّار، فإنَّ الله تعالى غنيٌّ عن عذابه.
وَأَنْ يَخْلُفَهُ في جَميعِ ما يُخْلَفُ بِأَفْضَلِ ما خُلِفَ بِهِ أَحَدًا مِنَ المُؤْمِنينَ، وَأَنْ يَكْفِيَهُمْ فَقْدَهُ وَيَجْبُرَ مُصيبَتَهُمْ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَنْ يَقِيَهُمْ مَعاصِيَهُ وَإتْيانَ ما يَقْبُحُ بِهِمْ، وَالحاجَةَ إِلى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ بِقُدْرَتِهِ.
وقد دخل المُزَنِيُّ على الشافعي في مرضه الذي مات فيه فقال له: (كيف أصبحت يا أستاذ؟) فقال: (أَصْبَحْتُ مِنَ الدُّنْيا راحِلًا، وَلِإِخْواني مُفارِقًا، وَلِلْكَأْسِ الْمَنِيَّةِ شارِبًا، وَعَلَى اللهِ وارِدًا، وَلِسُوءِ أَعْمالِي مُلاقِيًا). ثم رمى الشافعي بطرفه نحو السماء واستعبر، ثم أنشأ يقول:
فَإِنْ تَعْفُ عَنِّي تَعْفُ عَنِ مُتَمَرِّدٍ … ظَلّومٍ غَشّومٍ مَا يُزَايِلُ مَأْثَمًا
وَإِنْ تَنْتَقِمْ مِنِّي فَلَسْتُ بِآئِسٍ … وَلَوْ أَدْخَلْتَ نَفْسِي بِجُرْمِي جَهَنَّمًا
فَجُرْمِي عَظِيمٌ مِن قَدِيمٍ وَحَادِثٍ … وَعَفْوُكَ يَا ذَا الْعَفْوِ أَعْلَى وَأَجْسَما
هٰذا .. وَقَدْ مَرَّ أَعْرابِيٌّ بِحَلْقَةِ الشَّافِعِيِّ بَعْدَ مَوْتِهِ بِيَسِيرٍ، فَلَمْ يَرَ الشَّافِعِيَّ، وَرَأى تَلامِيذَهُ جُلُوسًا فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قالَ: أَيْنَ قَمَرُ هٰذِهِ الحَلْقَةِ وَشَمْسُها؟ فَأَخْبَرُوهُ بِأَنَّهُ تُوُفِّيَ، فَبَكى بُكاءً شَديدًا، ثُمَّ قالَ: تُوُفِّيَ رَحِمَهُ اللهُ وَغَفَرَ لَهُ، فَلَقَدْ كانَ يَفْتَحُ بِبَيانِهِ مُنْغَلِقَ الحُجَّةِ، وَيَسُدُّ عَلى خَصْمِهِ واضِحَ المَحَجَّةِ، وَيَغْسِلُ مِنَ العَارِ وُجُوهًا مُسْوَدَّةً، وَيُوَسِّعُ بِالرَّأْيِ أَبْوابًا مُنْسَدَّةً . ثُمَّ اِنْصَرَفَ. [الفقيه والمتفقه (ف: ٧٢١).]
والحمد لله رب العالمين
