القائمة إغلاق

خلاصة كتاب: الإعلان الإسلامي، تأليف: علي عزتبيغوفيتش

 

بسم الله الرحمن الرحيم

خلاصة كتاب

الإعلان الإسلامي

تأليف: علي عزتبيغوفيتش

مِن إصدارات: تنوير للنَّشر والإعلام

نقله إلى العربية: صبحي وسيم تادفي

المُراجعة والتَّحرير: عبد الرحمن أبو ذكري

تحميل الخُلاصة: [DOC] [PDF]

فهرس المواضيع:

مُقدِّمة لا بُدَّ منها! (إعداد: محمد شاهين التَّّاعِب). 4

تعريف بالمؤلِّف.. 4

الظُّرُوف الجغرافية. 5

الظُّرُوف السِّياسِيَّة. 8

الظُّرُوف التَّاريخِيَّة. 9

أحوال البوسنة من بعد علي عزتبيغوفيتش9

1. الصِّراعات مع الصِّرب والكروات.. 9

2. الأحوال السِّياسِيَّة. 10

3. فكرة الدَّولة الإسلامية 10

تعريف بالمؤلِّف.. 11

لماذا الطَّبعة الجديدة؟ 11

تصدير: طوبيا النِّظام الإسلامي.. 21

مُقدِّمة الإعلان الإسلامي.. 27

الإعلان الإسلامي.. 28

تَخلُّف الشُّعُوب المُسْلِمَة. 29

المُحَافِظُون والحَدَاثِيُّون. 29

أسباب العجز. 32

لا مُبالاة الجماهير المُسلمة. 35

النِّظام الإسلامي.. 36

الدِّين والقانون. 36

الإسلام ليس دينًا مُجرَّدًا 38

أطروحة التَّقدُّم الإسلامي في عصرنا 38

أولًا: الإنسان والجماعة. 39

ثانياً: المُساواة بين النَّاس.. 39

ثالثاً: أُخُوَّة المُسلمين.. 39

رابعاً؛ وِحْدَة المُسلمين.. 40

خَامِسًا: المِلْكِيَّة. 40

سادسًا: الزَّكاة والرِّبا 40

سابعًا: المبدأ الجمهوري. 40

ثامنًا: لا إله إلا الله.. 41

تاسعًا: التَّربية. 41

عاشرًا: التَّعليم. 41

حادي عشر؛ حُرِّيَّة الضَّمير. 42

ثاني عشر: الإسلام والاستقلال. 42

ثالث عشر: العَمَل والنِّضال. 43

رابع عشر: المرأة والأسرة 44

خامس عشر: الغاية تُبرِّر الوسيلة. 44

سادس عشر: الأقلِّيَّات.. 45

سابع عشر؛ العلاقة مع المُجتمعات الأخرى. 45

مُشكلات النِّظام الإسلامي اليوم. 46

النَّهضة الإسلامية: أهي ثورة دينية أم سياسية؟ 46

الحُكْم الإسلامي.. 48

باكستان جمهورية إسلامية. 49

الجامعة الإسلامية والقومية. 49

المسيحية واليهودية. 52

الرَّأسمالية والاشتراكية. 52

الخُلاصَة. 53

 

 

 

مُقدِّمة لا بُدَّ منها! (إعداد: محمد شاهين التَّّاعِب)

تعريف بالمؤلِّف

علي عزّتبيغوفيتش Alija Izetbegović مُفكِّرٌ مُسْلِمٌ، ومُحامٍ، وسياسي، ورئيس سابق لجمهورية البوسنة والهرسك. ما يميّز الرجل فعلاً هو أنه جمع بين الفلسفة والفقه السياسي والتجربة العملية على الأرض، وسط حرب طاحنة كانت تمسح المدن والنَّاس من الوُجُود.

ولد سنة 1925 في مدينة بوسانسكي شاماتش، ثم نشأ في سراييفو في ظل مملكة يوغوسلافيا التي كانت تجمع شعوبًا وقوميات وأديانًا مُختلفة تحت سُلطة واحدة. هذا الخليط صنع بيئة صاخبة من التَّوتُّرات القومية والدينية، وكانت مُقدِّمة لما سيحدث لاحقًا بشكل أعنف.

في شبابه كان ناشطًا في جماعة الشباب المسلمين ، وهي حركة ثقافية وفكرية أرادت إحياء الهوية الإسلامية للبوشناق (مُسلمي البوسنة). بعد الحرب العالمية الثانية استولى تيتو على الحُكم، وأصبحت يوغوسلافيا دولة شيوعية صارمة.

جوزيف بروز تيتو Josip Broz Tito هو أحد أبرز القادة السياسيين والعسكريين في أوروبا خلال القرن العشرين. كان رئيسًا ليوغوسلافيا، وهو الرجل الذي أعاد تشكيل الدولة بعد الحرب العالمية الثانية وحكمها بقبضة محكمة حتى وفاته سنة 1980.

تيتو كان في الأصل ضابطًا شيوعيًا من أصل كرواتي سلوفيني، شارك في الحرب العالمية الثانية كقائد للمقاومة الشعبية اليوغوسلافية المعروفة باسم البارتيزان (Partisans).

هذه المقاومة كانت من أقوى الحركات التي حاربت الاحتلال النازي والفاشي في البلقان، وبسبب نجاحها اكتسب تيتو سلطة وشعبية كبيرة.

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية سنة 1945، انهار النظام الملكي في يوغوسلافيا، وتمكّن تيتو من السيطرة على البلاد وتأسيس دولة جديدة هي: جمهورية يوغوسلافيا الاتحادية الاشتراكية، وأصبح رئيسًا لها، وزعيمًا للحزب الشيوعي، والحاكم الفعلي للبلاد. وقد حافظ على استقلال يوغوسلافيا عن الاتحاد السوفيتي، ورفض الخضوع لستالين.

نظام تيتو كان شيوعيًا صارمًا، ومع أنه منح البوسنة وضعًا جمهوريًا داخل الاتحاد اليوغوسلافي، إلا أنه كان يقمع أي نشاط ديني مستقل، خصوصًا النشاط الإسلامي. لذلك تمت محاكمة وسجن علي عزّتبيغوفيتش (Alija Izetbegović) أكثر من مرة في عهد هذا النظام بسبب نشاطه الفكري الإسلامي.

هنا بدأت محنة علي عزّت: النظام الشيوعي رأى أي نشاط ديني خصوصًا الإسلامي تهديدًا مُباشرًا، فتمَّت محاكمته سنة 1946 وحُكم عليه بالسجن.

خرج، ودرس القانون، واشتغل بالمحاماة، لكن ظل صوتًا فكريًا مُقلقًا للنِّظام. كتب عِدَّة مؤلفات باللُّغة البوسنية، أشهرها الإسلام بين الشرق والغرب ، وهو كتاب يجمع بين الفلسفة والأنثروبولوجيا ونقد الحضارة الغربية. هذا الكتاب بالذات جرّ عليه محاكمة ثانية سنة 1983 فيما عُرف بمحاكمة المثقفين المسلمين ، وحُكم عليه بالسجن 14 سنة، أُفرج عنه بعد خمس فقط.

انهارت يوغوسلافيا في بداية التسعينيات، ومعها انهار الغطاء الذي كان يجمع القوميات المتباعدة. أعلنت البوسنة استقلالها سنة 1992، وانتُخب علي عزّت أوّل رئيس لها. هُنا دخلت البوسنة أتون حرب شرسة: صرب البوسنة، بدعمٍ مُباشر من صربيا، أرادوا السَّيطرة على البلاد وطرد المُسلمين. العالم كله كان يُشاهد مذابح جماعية وتطهيرًا عرقيًا في قلب أوروبا.

وسط هذا الخراب، أصبح علي عزّت رمزًا لصُمُود شعب أعزل. رجل نحيف، مُحاصَر في سراييفو التي كانت تحت القصف اليومي، لكن صوته ظلّ ثابتًا يدعو لمقاومة الاحتلال، وحماية المُسلمين، وفي الوقت نفسه رفض التَّطرُّف والانتقام. انتهت الحرب باتفاقية دايتون 1995، وبقي علي عزّت رئيسًا حتى 2000، ثم اعتزل السياسة وتوفّي سنة 2003.

الظُّرُوف الجغرافية

البلقان يُقصد به شبه جزيرة البلقان، منطقة واسعة في جنوب شرقي أوروبا، تتميّز بتنوّع قومي وديني شديد، وكانت عبر التَّاريخ ساحة صراع بين الإمبراطوريات الكبرى. يحدّها: من الشرق: البحر الأسود، من الغرب: البحر الأدرياتيكي، من الجنوب: البحر المتوسط وبحر إيجة، ومن الشمال: خط جبال يمتد تقريبًا عند نهر الدانوب وسافا. هذه المنطقة تُسمّى باللغات الأوروبية The Balkans.

البلقان غالبًا تشمل: البوسنة والهرسك، صربيا، كرواتيا، سلوفينيا، الجبل الأسود، مقدونيا الشمالية، ألبانيا، رومانيا (جزئيًا)، بلغاريا، اليونان، وأحيانًا تُضاف تركيا الأوروبية (تراقيا الشرقية).

لماذا البلقان مهم؟ لأنها منطقة التقاء ثلاث حضارات كبرى: الإسلامية (عن طريق الدولة العثمانية)، الأرثوذكسية الشرقية (الصرب والبلغار واليونان)، الكاثوليكية (الكروات والسلوفينيون).

ولأنها بين الشرق والغرب، أصبحت عبر التاريخ منطقة صراع مستمر، حتى سُمّيت برميل بارود أوروبا ، ومنها بدأت شرارة الحرب العالمية الأولى سنة 1914.

البوسنة والهرسك اسمان لمنطقة جغرافية واحدة ودولة واحدة اليوم، لكن كلٌّ منهما يُشير إلى إقليم مختلف داخل هذه الدولة. الفارق تاريخي وجغرافي قبل أن يكون سياسيًّا. البوسنة: الإقليم الأكبر شمالًا ووسطًا. الهرسك: الإقليم الأصغر جنوبًا. الدولة الحديثة = مجموع الإقليمين معًا.

أولًا: البوسنة (Bosna) الإقليم الأكبر في الدولة. يقع في الشمال والوسط. أكثر سكانه تاريخيًا من البوشناق المسلمين مع وجود صرب وكروات. اسم البوسنة أقدم تاريخيًا، ويعود إلى العصور الوسطى.

ثانيًا: الهرسك (Hercegovina) إقليم أصغر، يقع في الجنوب والجنوب الغربي. اسمه مُشتقّ مِن لقب هيرتسوغ (Herzog) الألماني ومعناه الدوق ، لأن المنطقة كانت تُحكم في القرن الخامس عشر بدوق قوي كان يُسمى ستيبان هرتشوغ . سكانه عبر التاريخ مزيج من البوشناق والصرب والكروات، لكن كان فيه حضور كاثوليكي قوي نسبيًا.

ما العلاقة بينهما؟ هُما إقليمان تاريخيان اندمجا في دولة واحدة مُنذ العهد العثماني، ثُمَّ بقي الاسم المُركَّب مُستخدمًا رسميًا في زمن النمسا المجر، ثُمَّ في يوغوسلافيا، ثُمَّ في الدولة الحديثة: البوسنة والهرسك (Bosnia and Herzegovina).

وُلِدَ علي عزَّت في بوسانسكي شاماتش مدينة صغيرة تقع في شمال البوسنة، على نهر السافا (Sava) مباشرة، والذي يفصل البوسنة عن كرواتيا. وهي جزء من إقليم البوسنة الشمالية اللي يتميّز باختلاط القرى المسلمة والكرواتية والصربية في نطاق ضيق جدًا. هذا الاختلاط الجغرافي كان دائمًا عاملًا في تشكيل الهوية المحلية: مسلمون (بوشناق) صرب كروات، في مساحة صغيرة.

الظُّرُوف السِّياسِيَّة

الصراع حول البوسنة كان دائمًا نتيجة موقعها الجغرافي الحسَّاس في قلب البلقان، ووُجُود ثلاث هويات كبرى حولها: الصرب، والكروات، والعثمانيون قديمًا، ثم النمسا المجر لاحقًا.

الدولة الصربية كانت ترى البوسنة جُزءًا من العالم الصِّربي ، خُصُوصًا بسبب وُجُود صِرْب داخلها. لذلك سعت صربيا مُنذ القرن التَّاسِع عشر إلى ضَمّ البوسنة لتوسيع نُفُوذها على حِسَاب العُثمانيين ثُمَّ على حساب النمسا المجر. هذا الطُّمُوح القومي كان سببًا رئيسًا في التَّوتُّر المُستمِرّ حول البوسنة حتى الحرب العالمية الأولى.

كرواتيا، جارة البوسنة الغربية، كانت ترى أنَّ البوشناق (مُسلمي البوسنة) أقرب إليها ثقافيًا من الصِّرب، وأنَّ البوسنة امتداد جغرافي وطبيعي لها. لذلك دخلت كرواتيا على خطّ الصِّراع، أحيانًا كمنافس للصِّرب، وأحيانًا كحليف مؤقَّت بحسب الظُّرُوف.

النمسا المجر: هذه الإمبراطورية الأوروبية الكبيرة احتلَّت البوسنة سنة 1878، ثُمَّ ضمّتها رسميًا سنة 1908، لأنَّها كانت تُريد: منع توسّع صربيا، والحفاظ على نفوذها في البلقان، والسَّيطرة على الطُّرُق الاستراتيجية نحو البحر الأدرياتيكي. وُجُود النمسا المجر في البوسنة فجَّر غضب الصِّرب، وكان من أسباب نُشُوب الحرب العالمية الأولى.

قبل ذلك، كانت البوسنة ولاية عُثمانية لقُرُون طويلة. لكن ضعف الدَّولة العثمانية سمح للصِّرب والكروات والنمسا المجر بالتَّنافس عليها والسَّيطرة على مناطقها تدريجيًا.

عندما وُلد علي عزّتبيغوفيتش سنة 1925 كانت البوسنة جزءًا من: مملكة الصِّرب والكروات والسلوفينيين (Kingdom of Serbs, Croats and Slovenes)، والتي تحوّلت لاحقًا سنة 1929 إلى اسمها الأشهر: مملكة يوغوسلافيا (Kingdom of Yugoslavia).

النظام كان ملكيًا مركزيًا يُسيطر عليه الصِّرب سياسيًا، والمدينة نفسها كانت تحت إدارة محلية بسيطة لكنها مرتبطة بالحكم المركزي في بلغراد. الهوية الإسلامية للبوشناق كانت ضعيفة التمثيل، وتحت ضغط هويّاتي كبير داخل دولة يغلب عليها الطابع الصربي الأرثوذكسي.

الظُّرُوف التَّاريخِيَّة

الانتماء السياسي للبوسنة قبل الحرب العالمية الأولى

من سنة 1463 وحتى 1878 كانت البوسنة جزءًا من الدولة العثمانية. لكن بعد مؤتمر برلين 1878 حصلت الإمبراطورية النمساوية المجرية على حق احتلال البوسنة وإدارتها مع بقاء السيادة الاسمية للعثمانيين. ثم في سنة 1908 قامت النمسا المجر بضمّ البوسنة رسميًا إلى أراضيها فيما عُرف بـ الأزمة البوسنية، وهو حدث أشعل التوتر مع الصرب واعتُبر من مقدمات الحرب العالمية الأولى.

لذلك، عندما وُلد علي عزّتبيغوفيتش سنة 1925 كانت العشرية السابقة مباشرة له مليئة بصراع الهوية، لأن الجيل الذي سبقه كان ما يزال يعيش صدمة الانتقال من الحكم العثماني إلى الحكم النمساوي ثم نشوء دولة جديدة بعد الحرب.

المرحلة ما بين 1918 1941 في البوسنة كانت فترة توتُّر قومي وديني مُستمِرّ. أهم ملامحها:

بعد الحرب العالمية الأولى: تفكُّك الدَّولة العثمانية والنمساوية-المجرية، والبوسنة صارت تحت حكم دولة جديدة (مملكة الصرب والكروات والسلوفينيين). هذا أوجد شُعُورًا بالضياع عند مسلمي البوسنة الذين فقدوا حماية العثمانيين وفقدوا مكانهم القديم في الدولة.

المسلمون (البوشناق) كانوا موزّعين بين: الانحياز للدولة الجديدة، أو الحفاظ على الهوية الإسلامية-البوسنية، أو الميل للثقافة الكرواتية الكاثوليكية الأقرب إليهم اجتماعيًا.

أحوال البوسنة من بعد علي عزتبيغوفيتش

1. الصِّراعات مع الصِّرب والكروات

الدَّولة البوسنية مُقسَّمة إلى كيانين رئيسيَّين: الكيان جمهورية صِرْب البوسنة (Republika Srpska) الذي يُهَيمِن عليه الصِّرب، وكيان اتِّحاد البوشناق والكروات في البوسنة (Federation of Bosnia and Herzegovina) الذي يضمّ البوشناق (مُسلمين بوسنة) والكروات.

الصِّرب داخل جمهورية صرب البوسنة أحيانًا يُمارسون ضُغُوطًا على الحكومة الاتِّحادية للبوسنة لزيادة الحُكم الذَّاتيّ أو حتى الانفصال، ما يُثير توتُّرات مع البوشناق والكروات.

العلاقات بين البوشناق والكروات في الكيان نفسه (الاتِّحاد) مُتقلِّبة أيضًا: تاريخيًا تحالفا ضِدّ الصِّرب، لكن ظهرت مواقف مُنفصلة بسبب مصالح سياسية أو إقليمية.

2. الأحوال السِّياسِيَّة

تمَّ توقيع اتِّفاقية دايتون للسَّلام سنة 1995 التي أنهت الحرب، لكنَّها أوجدت بنية سياسية مُعقَّدة جدًا: دستورًا يُنظِّم الدَّولة الاتِّحادية، ثلاثة رؤساء للدَّولة بالتَّناوب، وغيرها من التَّرسيمات.

النِّظام هو ديمقراطية مُتعدِّدة القوميَّات لكن مُجمَّدة إلى حدٍّ كبيرٍ بسبب الانقسامات الدَّاخلية والمحاصصة العرقية.

رغم بعض التَّقدُّم، الدَّولة تُواجه أزمات: البيروقراطية، التَّداخُل الكبير بين الكيانات، وتأخُّر الإصلاحات السِّياسِيَّة والاقتصادية.

مِن جِهَة الانحدار: هُناك خطر تفتُّت الدَّولة أو سياسات انفصالية: الصِّرب عبر قادتهم في جمهورية صرب البوسنة أعلنوا أكثر من مرَّة عن رغبتهم في الانفصال أو إلغاء بعض صلاحيات الحكومة الاتِّحادية.

3. فكرة الدَّولة الإسلامية

حتى الآن لم تُطرح فكرة رسمية لتحويل البوسنة إلى دولة إسلامية بمعناها التَّقليدي (دولة تُطبِّق الشَّريعة الإسلامية كدستور). لكن هُناك جدل فكري بين البوشناق حول دور الإسلام في الهُوِيَّة المُجتمعية والدَّولة، مثل الدّور الرَّمزي للدِّين الإسلامي، والتَّعليم الدِّيني، والعلاقة بين الدِّين والدَّولة.

مُعظم القُوَى السِّياسِيَّة البوسنية تميل إلى دولة علمانية مُتعدِّدة القوميات، لا دولة مرجعيتها الدِّينية حصراً، بسبب التَّنوُّع العرقي والدِّيني في البلاد (مسلمون، صرب أرثوذكس، كروات كاثوليك). لذلك، الفكرة الإسلامية كمشروع سائد غير موجودة حاليًا في طليعة السِّياسة البوسنية.

البوسنة اليوم أمام مسارين متوازيين: مِن جِهَة، هُناك إمكانات وإصلاحات نحو دولة أكثر شُمُولًا مستقِرَّة، نحو الانضمام إلى المؤسَّسات الأوروبية. ومن جِهَة أخرى، هُناك خطر التَّراجع إلى الانقسامات القومية، والانفصالية، وتجميد الدَّولة.

تعريف بالمؤلِّف

علي عزتبيغوفيتش (١٩٢٥-٢٠٠٣م)؛ زعيم سياسي بوسنوي، وفيلسوف أخلاقي أوروبي، ومفكر مسلم من أعلام القرن العشرين.

وقد تأثر عزتبيغوفيتش تأثراً عميقاً بالعناية التي أحاطت بها والدته وزوجها المقعَّد، وظل يستعيدها بإجلال طوال حياته؛ مشيراً إلى والدته بأنها سيدة تقية، ومؤكداً أن تقواها هذه كانت عاملاً جوهرياً في محبته لهذا الدين.

… إذ عَجَّل سقوط النظام الشيوعي بإطلاق سراحه، ومباشرته العمل السياسي؛ فأسس حزب العمل الديمقراطي (في ١٩٩٠م)، وهو الحزب الذي فاز فوزاً كاسحاً بكل انتخابات حرة خاضها حتى عام ٢٠٠٢م.

وقد نشر ثمانية كتب في حياته، منها الخمسة المحورية التي يعرفها العرب: عوائق النهضة الإسلامية ، و الإسلام بين الشرق والغرب ، و الإعلان الإسلامي ، و هروب إلى الحرية ، و سيرة ذاتية . ثم أعيد هيكلة ثلاثة من كتبه بعد وفاته؛ فبلغ إجمالي عددها اليوم أحد عشر كتابًا، منها الخمسة المذكورة آنفًا.

لماذا الطَّبعة الجديدة؟

ليس لمؤلف هذا الكتاب بحاجة إلى تعريف، فهو عَلَمٌ من أعلام الأمة خلال النصف الثاني من القرن العشرين، عرفه القارئ العربي عن كُثب، منذ ما يربو على ربع قرن؛ أولاً من خلال جهاده ضد العدوان الصربي على بلاده، ثم من خلال بعض كُتُبِه التي تُرْجِمت إلى العربية تباعًا، منذ منتصف تسعينيات القرن العشرين فصاعدًا.

وفي إطار مشروع تنوير للنشر والإعلام، لنشر النصوص التأسيسية للفكر الإسلامي إبان الأعوام المائة والخمسين الفائتين -منذ السيد جمال الدين الأفغاني وحتى سيد حُسَين نصر- يأتي مشروع نشر الآثار الكاملة لعلي عزتبيغوفيتش؛ رحمهم الله أجمعين. … بيد أن هذا التأريخ واجهته عقبة كأداء، وهي عدم توفّر النصوص التأسيسية للفكر الإسلامي منذ أواخر القرن التاسع عشر، وحتى اليوم. … ومن ثم، هَدْي بحول الله إلى إعادة نشر ما يَسَّر الله له -وهو كثير!- رغبة في توفير النصوص الأصلية للباحث الجاد كما سيوفرها لنفسه.

لم تكن الأزمة قاصرة فعلاً على النصوص المترجمة إلى العربية من لغات أخرى، شرقية أو غربية؛ إنما بدأت أصلاً بالنصوص العربية الأصيلة التي سبق نشرها نشرات مشوهة، تلاعبت بتراث الأفغاني والكواكبي والنديم وغيرهم ونشرته مُشَوَّهاً منقوصاً، وقد غُيّر ترتيبه وعَبِثَت به أيدي العابثين؛ فاستحال شيئاً آخر غير ما أراده أصحابه، وشُوِّه صورَتُهم بدل أن ينقل لنا مرادهم نقلاً أميناً؛ فيعيننا من ثم على مواصلة المسير.

ثم إننا حين وفقنا بفضل الله إلى بدء مشروع إعادة نشر هذه الآثار الكاملة، كانت تحدونا رغبة في إخراج نصوصها على أدق صورة ممكنة، تقترب بها من الأصل البوسنوي فحسب؛ بل تتجاوزه دقة، إذ تُعَبِّرُ متى لَزِم ذلك عن الأفكار الإسلامية تعبيراً لا تستطيعه إلا اللغة العربية، لغة القرآن الكريم التي كان المؤلف يعتزُّ بها أيما اعتزاز، ويدافع عنها، وأسهمت بعض نصوصها المحورية في تشكيل فكرِه؛ بوصفه مفكِّراً مسلِّماً مُتَدَيِّناً.

فكان القرار الشاق الذي هدينا إليه؛ هو: إعادة ترجمة الآثار الكاملة ترجمة جديدة دقيقة كاملة، تبتعد قدر الإمكان عن تحيُّزات المترجمين وجهلهم، حتى يستطيع القارئ التعرف إلى الرجل تعرفًا سليمًا، ومن ثم؛ يتمكن من الإفادة منه إفادة عملية.

إذ تبينت لنا ثلاثة إشكالات رئيسة؛ سترسم -بعملنا هذا- صورة مختلفة للرجل عمّا ألفه القارئ العربي:

أول هذه الإشكالات هو الأثر الماركسي العميق في فكره، والذي ينبه أثر النسق نفسه عند علي شريعتي، وسائر مفكري الجيل ممن اضطلعوا بنقد الماركسية، وكانوا في طليعة المواجهة معها.

فإن هذا التأثر -بنسق الخصم- فطري طبيعي، لا يمكن للمفكر/ المتكلم/ المتفلسف التخلّص منه؛ إذ من المحتم عليه التأثر بنيويًّا – وربما بغير وعي- بالمنهجيات والأنساق الفكرية التي يساجلها وينقدها. وهذه بعض مخاطر العمل الفكري الجاد، التي يعرفها من اضطلع به.

صحيح أن المنتج الفكري النهائي يبقى مستقلاً، يحمل دمعة صاحبه وصبغة معتقداته؛ بيد أن الرصد الأمين لمثل هذا الأثر المتحقق، ودقة بيان مواطنه للقارئ؛ يُعين على استيعاب هنات النسق الفكري وأسبابها ومصادرها.

فإن الهدف من إبرازها ليس هو محاكمة المفكر أو إدانته، وإنما أنسنته، وإدراك نواقص النسق تكريساً للإفادة الحقيقية منه في بناء يكفُل استمرار مسيرة التراكم الفكري للأمة الواحدة. إذ لا يمكن قطعاً الإفادة من أي نسق فكري بشري، دون إدراك مواطن قوته وضعفه (استغلالاً للأولى وتلافياً للأخيرة)،

وجليٌّ أنه ليس أثراً لا واعياً مجرّداً، إذ إن قسماً منه بارز واعٍ، خصوصاً في استعماله اصطلاحات ماركسية صريحة (مثل: قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج، والوجود والوعي، والقاعدة والبنية الفوقية …إلخ).

وقد تمثلت ثاني هذه الإشكالات في أن فكر الرجل -في حقيقة ما ظهر لنا- ليس منضبطاً انضباطاً شرعياً بحسب موازين أهل هذا العصر الاختزالية الساذجة، إذ هو يندرج تحت ما قد يُطلق عليه بالإنكليزية: unorthodox ؛ فلا هو بالذي يُرضي المزاج الأشعري ولا السلفي، ولا حتى الشيعي!

فإن قيمة المفكر الأصيل أن يكون نسيجاً وحده، وأن يصير فكره بعده مذهباً جديداً؛ يُثري مسيرة الفكر الإسلامي بإخلاصه وصدقه في تحري الحق، لا في تقليد من سبقوه.

ويبدو أن هذا قد تجلّى واضحاً للمترجمين السابقين، خصوصاً الأستاذ عدس؛ فلم يُرضهم ولم يرضوه.

هذا التحيُّز المبدئي، هو ما جعل الترجمة السابقة لكتابي: الإسلام بين الشرق والغرب ، و الإعلان الإسلامي ؛ تصوغ عزتبيغوفيتش بوصفه مفكراً إسلامياً ، في حين أن الرجل لا يمكن بحال بناء على نصوصه – تصنيفه بحسب هذا التصنيف كما يُدركه العرب. وقد كان أن اتسعت مساحة تأوّل المترجم أكثر في الكتابين المذكورين؛ فجعلت منه مفكراً عربياً إسلامياً، رغم أنه فيلسوف أوروبي مسلم، وشأن!

وإنما كانت أولوية المتقن منهم هي إعادة وسم صورة عزتبيغوفيتش، بوصفه مفكراً عربياً إسلامياً، أو متكلماً على الطراز التراثي؛ لتلائم مخيلة الإسلاميين العرب!

وكما كان عزتبيغوفيتش ابنا بارًا لسياقه الشيوعي اليوغوسلافي، ملتزماً أولاً بقضاياه وتحدياته؛ فكذلك كان ابنا بارًا لسياقه الأوروبي العام -حديث التحرّر من الشيوعية- ومُعبّرًا عن لحظته التاريخية.

ولعلّ النظرة المتأنية على الجارة البلقانية كرواتيا، تكشف لنا عن بعض المشترك بين علي عزتبيغوفيتش وفرانيو توجمان: محاكمتهما في ظل النظام الشيوعي اليوغوسلافي، بتهمة: بث الدعاية المعادية للنظام، والحكم عليهما بالسجن، ثم حين بدأ الصرب عدوانهم على كرواتيا (۱۹۹۱م) والبوسنة (۱۹۹۲م)؛ صوّرت الدعاية الصربية المعادية عزتبيغوفيتش وتوجمان بوصفهما عدوين قوميين متطرفين ومسلحين، رغم أن بلديهما آنذاك كانا أعزلين تمامًا. وحملت تلك الدعاية على مؤلفاتهما، إذ اعتبرت أن بعض نصوصهما كان لها الأثر المباشر في تدمير يوغوسلافيا. وقد كان الإعلان الإسلامي هو المقصود في حالة عزتبيغوفيتش.

فإنه يرتكس في الإعلان الإسلامي إلى معالجة ثنائيات العصر، التي فرض السياق الشيوعي بعضها بوصفه نقيضًا للنظام الرأسمالي، وفرضت الحضارة الغربية -في مجملها- بعضها الآخر بوصفها مُنجزات تلك الحضارة وإضافاتها للمسيرة الإنسانية. وهاهنا يتجلى فيه السياسي الحداثي، الذي لا يكتفي بإزالة الجذور السامّة، وإنما يُساجِل الواقع الإسلامي تحت وطأة التفوق الغربي؛ ليفسح مجالًا للثنائيات غريبة كليًّا مثل: التخلف والتقدم، والدين والعلم! مُصِرًّا على أن كل ما ينفع الناس لا يمكن لفظه بوصفه غير إسلامي ، فأي تقدم تقني أو علموي، يُعدُّ عنده إسلاميًّا روحًا؛ إذا انطبق عليه شرطان: أن يكون إنسانيًّا حتى النخاع، وأن يكون كفوءًا حتى النخاع، وهذا بحد ذاته مُحالٌ على الفكر الإنساني؛ لأنهما سيفان لا يُجمعان إلا في غمد الإسلام وميزانه الإلهي، كما يُعلّمَنا الأستاذ نفسه!

أما ثالث الإشكالات، التي تجلّت لنا إذ غُصنا في نصوصه؛ فهي باقة حداثية من المؤثرات، التي تُرشّح صورته بوصفه فيلسوفًا أخلاقيًّا أوروبيًّا يلتزم بالإسلام. ولعل أبرز عناصر هذه الباقة ثلاثة: أولها هيمنة خرافة التقدم وأولوية التحديث -بالمعنى الأوروبي- على المستوى السطحي من مستويات رؤيته النظرية (خصوصًا في كتابيه: الإعلان الإسلامي و عوائق النهضة الإسلامية )، وذلك رغم أنه يرفضها على مستويات أعمق؛

ومن ثم، نجده حينًا يحاول إعادة تعريف التقدم (رغم أنه تجاهل آنفًا تعريف منفعة الناس ، التي يقبل على أساسها علوم الغرب!)؛ لئلا يرفضه ولا يقبله على عواهنه.

هذا الإيمان العميق بأدوات التحديث (مثل: التعليم والتصنيع)، وحتمية تبني الإسلام لها؛ يورقه في كل موطن، كما كان يؤرق كل مفكر مسلم مخلص من أبناء جيله. … إذ يؤكد على أن التقدم المادي والتقني، بغير أساس أخلاقي وروحي؛ سيفضي إلى البربرية، كما يتجلى من الأمثلة الغربية المعاصرة.

أما العنصر الثالث من عناصر هذه الباقة الحداثية؛ فهو القاعدة الفكرية السنية الحداثية، وعظيم تأثره بالتيارات الإصلاحية، وتحديدًا بالمدرسة المصرية؛

أضف إليه عمق تأثره بالعلامة محمد إقبال اللاهوري، وشدة إعجابه بتجربته.

هذه الصورة التي أظهرها لنا العمل في ترجمة ومراجعة وتحرير نصوص عزتبيغوفيتش، فصيرها بذلك صورة إشكالية (بما أنها ستعيد رسم ملامح الرجل من جديد بما يخالف ما درج عليه القارئ العربي)؛ جعلتنا ندرك أن الرجل قد نُزع نزعاً شبه كامل – من سياقه الفكري والثقافي عند تقديمه للقارئ العربي أول مرة، بل ومن سياقه السياسي كذلك، رغم كثرة تسليط الضوء على جهاده ضد الصرب! صحيح أن الصورة الجديدة التي اتضحت لنا هي صورة مسلم مُلتزم، بل شديد الالتزام بحدود الشرع ومعاييره الأخلاقية؛ بيد أنه مفكر أوروبي حداثي بامتياز، مُتحرّر ومُطَرِّد فكرياً إلى مدى قد يُثير حفيظة الحداثيين والمحافظين العرب في آن معاً، وذلك إلى حدٍّ يمكن أن يُقارن فيه حيناً بمحمد أسد رحمهما الله.

ومن جهة أخرى، لم تكن القولبة التي ارتكبتها الترجمات الإنكليزية بحق عزتبيغوفيتش إلا أقل درجة فحسب، إذ إنها استهدفت مثلاً إخفاء ميله الواضح لألمانيا النازية، وهو ميل مُسْتَغرب ممن عانى ويلات النظام الشيوعي اليوغوسلافي.

صحيح أنه يحمل حيناً على النازية حَمْلة صادقة، بيد أنها تظل كامنة في نصوصه بوصفها أهون من الشيوعية التي اصْطَلاها.

وهو في هذا يُذكرنا بكثرة من أهل الفكر والسياسة في العالم العربي، الذين مالوا للألمان نكاية في البريطانيين،

بيد أن هذه الترجمات نفسها لم تعتن بإخفاء ميله الواضح للولايات المتحدة وجنوحه إليها – رغم وعيه الجلي بعيوبها – إذ فتنته بما تتيحه من حريات ، مقارنة بالنظم الشيوعية.

***

وبما أن غاية هذا المشروع وطموحه الأقصى؛ هو إعادة تقديم عزّتبيغوفيتش بحروفه، فقد كانت استراتيجيتنا في ذلك بسيطة: دقة الترجمة وأمانتها، مع ضبط الاصطلاح الفلسفي العربي والحفاظ على اطراده، دون المساس بآراء المؤلف مهما بدت إشكالية في عيوننا.

لقد كان الاصطلاح الفلسفي، الذي تبلور – في المعجم العربي مع أستاذنا عبد الوهاب المسيري – للظواهر الحضارية الغربية؛ تعزيزاً لإدراكنا للظواهر الاجتماعية والنفسية الحداثية، وللمفاهيم الفلسفية التي صيغت لها، وإثراء للغة العربية، بما يمكننا من إدراك الظواهر الغربية في خصوصيتها وتركيبيتها.

وقد كان النقص الأخطر في رؤية المسيري وعزتبيغوفيتش – وسائر الجيل – نقصًا يتعلق بـ قبولهم لمقولة التطور التقني – والتقنية في عمومها – بوصفها مقولة حضارية محايدة، وعليه؛ الأخذ بهذه التقنية الغربية دون تردُّد، وذلك بوصفها علمًا مُحايدًا .

ثم مَنَّ الله تعالى علينا، وساقنا إلى العلامة سيد حسين نصر ومدرسته في فلسفة العلوم؛ فأطلعنا على إعادة تعريفهم للعلوم الطبيعية الحديثة، ووجدنا في جهودهم استمرارًا بصيرًا – لمُحاولات من سبق – في تخليص الفكر الإسلامي من الملوثات، واطرادًا فكريًا واصطلاحيًا يلتزم الإسلام، علاوة على أنه مُشرب بإدراك مُركّب لنسبية مقولة التقنية، ومِنْ ثَمَّ؛ لتلوثها العميق – وسائر ما أثمرته – بشِرْك الغرب العقدي وانحرافه الأخلاقي. وكما أفدنا من أستاذنا المسيري في تعريب لفظة: nature في السياق الفلسفي الغربي بوصفها: الطبيعة/ المادة ، التي تمتاز بخصائص تعكس رؤية كونية مُشرِكة، لا علاقة لها بتصور المسلم للطبيعة المخلوقة؛ فقد مَنَّ الله علينا بتعريب اللفظة نفسها في السياق الإسلامي التقليدي بوصفها: الطبيعة المُسخَّرة ،

بيد أن ما يعنينا هاهنا، أن اطراد هذا الاستعمال؛ كان يعني ألا نقبل تعريب: science بوصفه علمًا مُجرَّدًا مُحايدًا، يصحُّ به الوصف في كل سياق، وهذا هو مُنجز سيد حسين نصر في تصويب الرؤية الكونية الإسلامية الحديثة، وتخليصها من هذه الشائبة. ليتحقق عندنا أن العلم مُفردًا مُجرَّدًا لا يُوصف به إلا العلم الذي يؤدي إلى الله تعالى، فهو علم منه سبحانه يُعيد إليه؛

فهي ليست علمًا مُفردًا يُعِيدُكَ إلى الله، ولا هي بعلوم طبيعية فطرية معبرة عن خضوع الوجود المخلوق لخالقه العليم، … مادية يراد بها أن تصرف عن الله وتصد عن سبيله، وتكرس عبادة عالم الشهود.

وقد تبدى لنا أن الأمانة في هذا الأمر كافية لتحقيق مرادنا، وهي عندنا تفرّع إلى فرعين: أمانتنا معه في ألا نغير رأيه في الظواهر ولا موقفه منها، ثم أمانتنا على اللغة والاصطلاح والتصور؛ بأن نستنفد أقصى وسعنا في نحت تعريب دقيق لأسماء الظواهر (جريًا على سنة أستاذنا المسيري)، يحفظ سلامة المعجم العربي ومدلولات ألفاظه من التشوه، ويستخلص تصورات القراء من التشوش المهيمن. ولذلك مثلاً؛ لم نغير رأيه في العلوم التقنية وقبوله لها، وما ينبني على ذلك في تصوره، بيد أننا سنعربها ونصف ظواهرها بلفظ عربي أدق؛ يبرز أصولها الفلسفية وجذورها العقدية، مُصطحبا معها مكون القلق الواضح عند المفكر المسلم في قبوله لها.

فمن الجلي أن كل مفكر يمر بمراحل يتطور فيها تصوره ومعجمه تطورًا جليًا، ومن الخطر العبث بنصوصه وإظهارها كأنما كُتبت كلها في الآن نفسه. وعلى سبيل المثال، فإن استعماله للفظتي دين و إسلامي في كتاب: عوائق النهضة الإسلامية ؛ يختلف اختلافًا واضحًا عن استعمالات اللفظتين إذ نضجت نضجًا بينًا في الإسلام بين الشرق والغرب ، ثم تحددت تحددًا أيديولوجيًا حزبيًا صراعيًا في الإعلان الإسلامي .

ولعل من أوائل تجليات هذا التدقيق، إعادة كتابة اسمه: علي عزتبيغوفيتش؛ إذ إنَّ الشَّائع خطأ محض، ويوحي بأنَّ بيغوفيتش هذا اسم لجدِّه، وهو جهلٌ مُطبَق! إذ يتكون اسم عائلته من ثلاثة مقاطع: عِزَّت و بيغ و أوفيتش ؛ الأوَّل اسم جده الأعلى، والثَّاني اللَّقب العُثماني لهذا الجدّ (هو لقب: بك أو بيك؛ الذي شاع بين العَرَب)، والثالث لاحقة بمعنى ابن (تُشبه استعمال اللاحقة أوغلو في التركية).

فالاسم على هذه الشاكلة، يُكتَب مُتصلًا في لغته الأصلية؛ فهو اسم شخص واحد ولقبه ونسبته، ولا يجوز تقطيعه. وقد اخترنا الغين على الكاف في مقطع بيغ ؛ لأنَّها أقرب للنُّطق السلافي لها، إذ تُنطَق جيمًا مصرية حلقية، مشبعة بالغين. أما استعمال الفاء المثلثة (تُنطَق v ) في المقطع الأخير؛ فهو نطقها الصحيح في لغتها.

نختم بأن نرسم له خارطة النصوص الرئيسة في فكر أستاذنا الراحل، وتراتُبيتها في بنية نسقه؛

ويُعدُّ كتاب: عوائق النهضة الإسلامية مفتاح الولوج إلى فكر علي عزتبيغوفيتش؛ ففيه مسودات كثير من فصول مؤلفه العمدة: الإسلام بين الشرق والغرب ، وبذور القضايا الرئيسة التي شغل بها،

ويتلو ذلك الكتاب مباشرة، زهرة هذا النسق الفريد وواسطة عقده: الإسلام بين الشرق والغرب ؛ وفيه هيكل نسقه الفلسفي كله، وجمهرة كبيرة من تفاصيله المهمة. ومن أحسن استيعابه؛

وهو ما يجعل من الإعلان الإسلامي نصًّا أيديولوجيًّا حارًّا، دُبِّجَ للاشتباك مع الواقع العملي، لا مع جُذُوره النَّظرية.

ويحل بعد ذلك كتابه الشذري الماتع: هُرُوبٌ إلى الحُرِّيَّة ، الذي دوَّنه على مهلٍ طويلة ما يقرب من ست سنوات هي فترة سجنه الأخير تعليقًا على الأحداث والأفكار والكتب.

إنه يُنضِج بعض أفكاره التي ضمَّنها في الإسلام بين الشرق والغرب ، ويُخصِّص لها ما يكاد يبلغ رُبع هروبه، … إذ يُعدُّ حاويًا لأنضج كتاباته الفكرية،

بيد أنه لن يمكنه استيعاب الكتاب في مجمله، ولا إنزاله منزلته في نسق المؤلف، بغير حُسن استيعاب لمؤلفه العمدة؛

وذلك كما يُعدُّ الهروب نفسه إنضاجًا لـ الإسلام بين الشرق والغرب وإتمامًا له. لِتَجَلِّ السيرة الذاتية أخيرًا في هذه البنية المترابطة؛ فتُلخَّص فلسفته السياسية، وتكشف لنا المسافة الواقعية الحقيقية بين الفكر وتنزيله، ومدى اطراد المؤلف أخلاقيًا مع نفسه وقناعاته إبان المصيبة التي حلَّت به وبشعبه ابتلاءً، ورفعتْه على أعناق هذا الشعب؛ مُنْقِذًا وخريتًا.

لقد كان مبدأ المسؤولية الأخلاقية أول القيم الإيمانية التي غُرست في روح عزتبيغوفيتش شابًا، وأعظمها أثرًا في تكوينه. إذ وُجِد أن الإيمان بالله يَلزَم صاحبه بأن يكون مسؤولاً؛

فإن جيله هو الذي حوّل الإسلام إلى منصة حركية، وترسانة أيديولوجية؛ يُصارع بها الأيديولوجيات الغربية الوافدة، ويُجسّد حياة الإسلام بوصفه تطبيقًا لمثل العدالة والمساواة.

***

ففي فجر الثالث والعشرين من مارس، عام ١٩٨٣م؛ اقتحم أحد عشر ضابط استخبارات يوغوسلافيًا مسكن علي عزتبيغوفيتش، مسوقين بأمر لتفتيش مسكنه واعتقاله. وقد انتزعوا كتبه من فوق الأرفف، وألقوها على الأرض في أكوام. وصادروا أكثر من مئة كتاب، جُلّها لا علاقة له بالإسلام!

وقد استمرت التحقيقات الرسمية حوالي ستة شهور، وانتهت إلى إدانة ثلاثة عشر متهمًا؛ كان علي عزتبيغوفيتش على رأسهم، وذلك بتهمة: تشكيل تنظيم يهدف إلى ارتكاب أنشطة إجرامية معادية للثورة، وتهديد السلم الاجتماعي اليوغوسلافي !

وقد مُنِعَ المتهمون من لقاء ذويهم، أو تلقي أي طعام من منازلهم، وذلك في بيئة السجون والمعتقلات اليوغوسلافية، التي كان المسلمون يعاملون فيها أسوأ معاملة؛ فيُقدم لهم لحم الخنزير، ويُسلط عليهم المسجونون الآخرون بسبب ديانتهم، وكان الطعام النظيف، الذي يخلو من لحم الخنزير؛ يُدَّخَرُ للمسلمين الذين يتعاونون مع السلطة. كذلك، لم يكن يُسمح لهم بالنوم أكثر من ساعتين يوميًّا، غالباً في وضع الجلوس على مقعد غير مريح، حيث تتناهى إليهم أصوات صراخ من يُعذَّبون في الزنازين المجاورة. وقد عُذِّب بعض المتهمين، وقتل بعضهم الآخر، وبدأت العقوبة الاجتماعية أثناء التحقيق وقبل المحاكمة؛ فجمدوا كل الحسابات البنكية لعزت بيجو فيتش وأفراد أسرته، وحالوا بينهم وبين مالهم القليل؛ لزيادة الضغط على رب الأسرة المعتقل.

وأخذت الصحف تنشر دعاياتها تحت مانشيتات مثيرة مثل: غايتهم جمهورية إسلامية ، أشباح الماضي في عباءة إرهابية ، مناهضة الدستور باسم القرآن ، الطهورية القذرة ، إعلان ظلامي يبث الكراهية ؛ في إشارة واضحة إلى النص الإشكالي: الإعلان الإسلامي .

***

يُطالعنا في هذا الإعلان / المانيفستو / البيان الوجه الحركي لعلي عزت بيجو فيتش تِحِلَّتَهُ، وهو ما أدركه النظام الشيوعي الحاكم في يوغوسلافيا؛ فقرَّر معاقبته عليه.

فإنَّ الدولة المُتألِّهة قد أدركت أن هذا الإعلان، يُراد به مزاحمة البيان الشيوعي – على المدى البعيد – وإزاحته،

بل إن الموضوعين الرئيسيين في هذا النص؛ هما: نقد الهوّة بين النخبة والجماهير في المجتمعات المسلمة، والتأكيد على أن العالم الإسلامي لا يمكن أن ينصلح حاله بغير الإسلام. علاوة على نقده لموقف المسلمين الطاغي من الحضارة الغربية، وحمله على نظام التعليم في بلداننا.

هذا النص محاولة لترجمة الإطار النظري والفلسفة الأخلاقية، التي بلورها في مؤلفه العمدة: الإسلام بين الشرق والغرب ؛ إلى برنامج حزبي عملي، واعياً بالمسافة الكبيرة التي تفصل فلسفته الأخلاقية-الدينية عن البرنامج الحزبي، فيما دون وفي الواقع سواء بسواء. والآخر هو تجسيد هذا الإعلان لمواجهة النخبة المتدينة مع الأيديولوجية الشيوعية الرسمية، ومزاحمتها، ومحاولة إزاحتها في مجالات ومساحات؛ تسمح للمسلمين البوشناق بالعمل على حفظ دينهم وتنزيله واقعاً، مع ما في ذلك من مشقّة، ليس أقلها مخالفة ذلك كليًّا للأيديولوجية الرسمية وسرديتها المادية.

شدّة تأثر المؤلف بسياقه وأسئلته وأيديولوجياته،

وعندي أن لجوء عزتبيغوفيتش للغطاء الأممي الإسلامي في هذا الإعلان، يُعَبِّر عن تأثره بالأممية الشيوعيّة ورغبته في مواجهتها بسلاحها، بأكثر مما يُجسد تعبيرًا تلقائيًّا عن الأممية الإسلامية الفطرية، التي لم يصطنعها هو ولا غيره؛ إذ هي – لحسن طالعنا – جزءٌ لا يتجزأ من مسيرة الفكر الإسلامي وتاريخه الحركي، منذ المبعث النبوي الشريف.

وسواء اطردنا مع تصريح المؤلف – إبّان محاكمته – بأن هذا النص أممي؛ موجه لشعوب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، أو أخذنا بالقرائن والأدلة العملية، التي استفزت مخاوف الصرب ووحشيتهم؛ فإنه في كل الأحوال وليد شرعي لسياقه، وشديد الارتباط به؛ فلا يُمكن قراءته بمعزل عنه.

فإن المفكر الأصيل والمثقف الملتزم، لا يستخرج أفضل ما جُبِلَ فيه إلا تحت ضغط الحصار ووطأة الاختبار.

فالشاهد أن هذه المحاولة، مهما اختلفنا معها ومع ثمارها؛ كانت خطوة على الطريق (ولو مُشَوَّشَةً)، ومرحلة من مراحل البحث عن حلول للواقع المأزوم داخل إطار الإسلام.

إن علي عزتبيغوفيتش وفكره حلقة محورية في تاريخنا، حلقة مُلهمة وجديرة بالدرس والتأمل؛ خصوصًا وهو المفكر المسلم الوحيد، الذي تمخَّض عنه الإطار التحديثي إبان القرن العشرين؛ الذي حمل فكره معه إلى أريكة السلطة، وسعى لتنزيله في الواقع، والاطراد معه.

سنتعلم من الأخطاء والمزالق، كما سنتعلَّم من الفتوحات والانتصارات؛ الفكرية والحركية. وإن أعظم حكمة يمكن أن نُفيدها من دراسة أي مفكر مسلم، أفضى إلى ما قدَّم ونحن نحسب فيه الإخلاص؛ هو أنه لولا خطؤه لِمَا عَلِمْنَا نَحنُ الصواب بحول الله تعالى. وإن الكمال البشري لا يكمن في الفرد المفكر ونسقه الفذ، وإنما فيما يفيد به أمته؛ إما باحتذاء خطواته أو تفادي سقطاته؛ لتتكامل مسيرتها بجهود أبنائها ومساعيهم مجتمعة.

فاللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنَّا بعده، واغفر اللهم لنا وله.

تصدير: طوبيا النِّظام الإسلامي

بقلم / سامدين قاضيتش (مواليد ١٩٨٢م). تخرّج في مدرسة الغازي خسرو بك الثانوية الإسلامية، وأنهى دراسته الجامعية في كلية الفلسفة بجامعة سراييفو؛ قسم الفلسفة وعلم الاجتماع. نال درجة الدكتوراه من كلية الدراسات الإسلامية في الجامعة نفسها، وكان موضوع أطروحته حول مفاهيم المعرفة والإيمان في قصة حي بن يقظان لابن طفيل. له عدة مؤلفات، ويشغل حاليًا منصب رئيس كرسي الفلسفة الإسلامية في كلية الدراسات الإسلامية في سراييفو. (المُترجِم)

تلقى علي عزتبيغوفيتش (١٩٢٥-٢٠٠٣م) مؤلف هذا البيان السياسي، الإعلان الإسلامي ؛ ثقافته وتكوينه الفكري على الأدبيّات الهيومانية الأوروبية،

ينتمي بالكامل إلى التقاليد الأوروبية في الفهم المثالي للأخلاق والسياسة. وإن المطلب النهائي للأخلاق -في هذه التقاليد- التي يُراد منها التأثير العقلي في النفس وفي الغير؛ هو بناء مجتمع تتوفر فيه حياة أخلاقية عادلة، حرة وكريمة. وبالتالي، فإن السياسة ليست جزءًا لا يتجزأ من الأخلاق فحسب، بل هي خلاصتها الأساسية. والمطلب الأخلاقي النهائي للإنسان -تجاه نفسه- هو خلق واقع سياسي، تكون حياة العاقلين فيه أخلاقية، بل أكثر أخلاقية.

ونظرًا إلى أن مؤلفنا لم يتلقَّ تعليمًا شرعيًا إسلاميًا رسميًا، فإن فهمه لمصادر الإسلام، لم يكن مُثْقَلاً بالحيل الشرعية، والمخلفات الشكلية لعلم الكلام، ولم يُتْرَ كذلك بالمطالعة المباشرة في العوالم الشاسعة لمدونة التفسير الإسلامي الكلاسيكي،

الإعلان الإسلامي . فهو غير مُستقى من الأنماط المفاهيمية للفكر الإسلامي الكلاسيكي، وإنما يستند بالكامل إلى المنهج الاستنباطي الغربي (حتى عند تتبعه للإصلاحيين المسلمين)، الذي تتسلط فيه المبادئ تسلطًا صارخًا على الواقع المشوّه، بقطع النظر عن مدى توافق تلك المبادئ أو البنى مع الإسلام .

ووفقًا لـ عزتبيغوفيتش نفسه، فإن مسوّدة الإعلان الإسلامي قد دوّنت عام ١٩٦٩م في سراييفو، [التي كانت] -آنذاك- جزءًا من جمهورية يوغوسلافيا الاتحادية الاشتراكية. وفي عام ١٩٧٠م، نقحها المؤلف أخيرًا، وأرسلها إلى العالم.

فإنها لم تُمسَّ محل اهتمام الجمهور المحلي إلّا في عام ١٩٨٣م، عندما صارت أحد بنود لائحة الاتهام الرئيسة فيما عُرف آنذاك بـ محاكمة سراييفو Sarajevski proces ضد مجموعة من المفكرين المسلمين، والتي أُدين فيها علي عزتبيغوفيتش بارتكاب جريمة تكوين جمعية بغرض تنفيذ نشاط مُناهض للثورة، وتعريض النظام الاجتماعي للخطر ؛ فحُكم عليه بالسجن أربعة عشر عامًا، وظل [رهين محبسه] حتى عام ١٩٨٨م.

فبعد العدوان الصربي على البوسنة والهرسك، وارتكاب الإبادة الجماعية بحق البوشناق (١٩٩٢-١٩٩٥م)؛ استُخدم الإعلان الإسلامي مرة أخرى، بوصفه دليلًا في قضايا [تنظرها] المحاكم، ولكنه كان هذه المرة مادةً، حاول بها المتهمون وشهودهم -بطريقة أو بأخرى-، تسويغ الإبادة الجماعية بحق البوشناق، [وتبرير ما ارتكبوه من] تدمير للتراث الثقافي الإسلامي، واغتصاب [للأعراض]، وحصار همجي؛

وكما سنرى في مقدّمة [المتهمين] الأولى، فإن عزتبيغوفيتش أصولي إسلامي، لأن إعلانه الإسلامي مادة أصولية. وبحسب الثانية، فبما أن البوشناق قد اختاروا عزتبيغوفيتش زعيما سياسيا لهم؛ فهم إذن أصوليون بالتبعية؛ وعليه؛ كان العدوان على البوسنة والهرسك، والإبادة الجماعية لأهلها؛ هي المحصلة الطبيعية المتوقعة.

بيد أنه ما من شك في أن مؤلفه هو علي عزتبيغوفيتش، وأن الشائعات التي تعتبر الإعلان الإسلامي مسودة فكرية مشتركة؛ وضعتها قلة، ثم صاغها عزتبيغوفيتش -نظريًا وأسلوبيًا وبرامجيًا- هي بالتأكيد شائعات مُضَلِّلة. أما لمن كُتب هذا الإعلان الإسلامي؛ فإنه مُخصَّص لـ المسلمين .

لقد كُتِب هذا الإعلان للأنصار، وهذا يُفضي بنا إلى تعريف النوع الأنسب لتصنيف هذا النَّصّ: إنَّ الإعلان الإسلامي منصّة تحريضية، ووثيقة أيديولوجية، وبرنامج هدفه أسلمة المُسلمين .

على عزتبيغوفيتش يبدو كأنه يؤلف [مُرَكَّباً مِنْ] المفاهيم الأساسية للعناصر الأكثر هيمنة في هذا التقليد، وفي مقدمتها الإصلاح الديني والحداثة السياسية، سائرًا على خُطى جمال الدين الأفغاني وأبو الأعلى المودودي وسيد قطب، حتى يصل إلى توافق مع خطاب الإخوان المسلمين في عدة نقاط. لقد كان الأفغاني يُكرر -رغبة منه في إحياء روح الحركة الإسلامية- أن نهضة الإسلام في ظروف الانحطاط الحديث؛ هي مسؤولية المسلمين أنفسهم. ورغم دعوته لمقاومة الغرب، إلا أنه أراد أن يتبنى المسلمون إنجازات العلوم والتقنية؛ ليصبحوا أقوياء من جديد. وعلى المستوى السياسي، كان يدعو إلى تحرير العالم الإسلامي من الغزو الكولونيالي، بالدعوة إلى الجامعة الإسلامية أو التنظيم السياسي الإسلامي الجامع .

ولهذا، ارتبط بها اصطلاح الجامعة الإسلامية ، بوصفها أيديولوجية تدعو إلى الوحدة السياسية للدول الإسلامية التي تتغيّا ازدهارها وتحريرها من الأجانب، وتمكينها اقتصاديًا وسياسيًا وثقافيًا وعسكريًا. ثم جاء محمد عبده، الفقيه المتكلم التقليدي – كما وصفه فضل الرحمن- ليواصل تطوير أفكار الأفغاني، ويدافع بقوة عن الفهم الحركي للإسلام. وكلاهما يتميز بنمط خاص في قراءة التاريخ الإسلامي؛ إذ كان مستوى تقدم المسلمين -على الدوام- يتناسب طردا مع جودة الاجتهاد وإبداعه، بينما كان الانحطاط على الدوام قرينا للتقليد، أو التقليد الأعمى.

بل إن النهضة الإسلامية تبلورت لاحقًا فحسب في شكل حركة ملموسة، مع ظهور حركة الإخوان المسلمين، ولكن مؤسسها حسن البنا -الذي كان يستلهم الأفغاني ابتداءً- لم يضع خطابًا نظريًا متينًا، وانشغل بالسياسة التي تُعتبر نشاطًا حركيًا محضًا، حتى هيمنت [على التأصيل] الكلامي والفلسفي. وحده سيد قطب، بعد انضمامه إلى هذه الحركة مطلع خمسينيات القرن العشرين؛ هو الذي سيصوغ الملامح الأيديولوجية الرئيسة للإخوان المسلمين: العمل بوصفه معيارًا للإيمان، ووصم العصر الحديث بأنه جاهلية جديدة، يُهيمن عليها الاستغلال والقهر والاغتراب، ووصف الغرب بأنه حضارة مادية إمبريالية وشهوانية خالصة، وتعزيز التعليم بوصفه مفتاح التجديد، والانتقاد الشرس للعلماء والفقهاء، لأنهم يمثلون مؤسسة دينية تكرس الوضع الراهن -من حيث المبدأ- في الأوساط الإسلامية، وتُضفي عليه الشرعية.

وقد كان سيد قطب في بعض هذه المسائل متأثراً بأبي الأعلى المودودي، الذي كان أول من استعمل اصطلاح الجاهلية في سياق حديث، ودعا إلى تحويل الإسلام إلى مؤسسة سياسية.

و الإعلان الإسلامي أحد المقاطع العرضيّة للخطوط المذكورة آنفاً، وهو بذلك إسهام من عزتبيغوفيتش في النقاش الأممي، الذي يخوضه المثقفون المسلمون حول مشكلات النهضة الإسلامية ، التي رأينا أنها حدّدت تحديداً حاسماً في: السياق الكولونيالي، وخنوع المسلمين، وانحلال الحضارة، وسعي العلمانيين لمحو الرموز الإسلامية من المؤسسات والمدن والبلدان الإسلامية، التي تعيش [مرارة] الذلة والهزيمة. وهذا ما يُقرّ به عزتبيغوفيتش نفسه في مذكراته: إن هذا الإعلان موجّه لمسلمي العالم، لا لمسلمي يوغوسلافيا.

ويتكوّن هذا الإعلان من ثلاث وحدات موضوعيّة قصيرة، بالإضافة إلى مقدّمة؛ تُبيّن المسار الأيديولوجي للنصّ – بنبرة احتفالية إلى حد ما- وخلاصة تُجمِلُ المزاج العام المعبر عنه.

ينطلق القسم الأول من إقرار مفتاحي بانحطاط المسلمين

ثم ينتقل دون [إظهار] للاستياء المفرط، الذي يصبغ مؤلفات غيره من المؤلفين الإصلاحيين إلى تحليل الأسباب التاريخية والسياسية والأيديولوجية للانحطاط، ثم إلى استعراض الخطط اللازمة للخروج من الواقع الراهن. ويرى عزتبيغوفيتش أن خنوع المسلمين، بالنظر إلى كل المميزات التي يتمتع بها العالم الإسلامي؛ يُعتبر حالة غير طبيعية .

يُدرك عزّتْبيغوفيتش التاريخ بوصفه حقل اختبار لإيمان المسلمين؛ فحيثما سجّل التاريخ إخفاقاً، كان ذلك دليلاً على ضعف الإيمان. ويُطبق الإعلان – في الأساس – معياراً إمبريقياً؛ إذ يذهب إلى أن المسلم الصالح: متعلم قوي مستنير، والمسلم الضال: ضعيف جاهل لا مُبال. فعنده أن معيار الالتزام بالإسلام دنيوي بالكلّية، والتخلّف مؤشر على أن المبادئ الإسلامية المتضمنة في جوهر الوحي، قد غُدِرَ بها وأفسدت وخانها المسلمون.

فيختزل بالتالي العقبات الرئيسة التي تواجهها النهضة الإسلامية ، وذلك في مفهومين تتعدّد مدلولاتهما إلى أبعد الحدود: المحافظون والحداثيون.

وهو يشن – عند تعريفه لمفهوم المحافظين – حملة انتقاد لاذعة لـ طبقة الفقهاء وشيوخ التصوف ،

وهو في هذا تَبِعَ -بشكل أو بآخر- للإخوان المسلمين -وفي مقدمتهم سيد قطب- في انتقادهم للعلماء التقليديين.

ومن الجهة الأخرى، فإن الحداثيين عند علي عزتبيغوفيتش هم مسلمون مثقفون ومستغربون، ذوو توجهات علمانية وقومية. يقبلون القيم الغربية دون تمحيص، ولكنهم يرفضون كذلك الفكرة الإسلامية الثرية العميقة (بما أنهم يرون الإسلام [محصوراً] في الفقهاء والمحافظين). إنهم المحنة الحقيقية التي حلَّت بالأمة المسلمة، وإصلاحاتهم خاطئة منهجياً؛

إن الإسلام موضع حب العامة وولائهم. لهذا، صارت الغاية [عنده] هي: تكوين نخبة مثقفة تُشبه شعبها، تفكر بالإسلام وتشعر به.

وفي القسم الثاني، تتحدَّد الأسس الأيديولوجية للنهضة الإسلامية، والتي تتمثل غايتها النهائية في إقامة النظام الإسلامي.

وتتجلى لنا طوباوية رؤية عزتبيغوفيتش الخالصة للنظام الإسلامي، وذلك في وصفه إياه بأنه حالة تزول فيها معظم النزاعات المشهودة في المجتمعات المسلمة. إن الإسلام دين تاريخي، لكنه في الوقت ذاته فوق التاريخ.

صارت الغاية الأخيرة للدين [داخل التاريخ]؛ هي بناء نظام متكامل، تُحفظ فيه المفاهيم الأخلاقية للدين وتُحترم، وتكون للإيمان فيه أولوية على القانون؛ فهو البداية والنهاية، بينما القانون مُجرَّد إطار وأداة.

إن عدم توافق النظام الإسلامي مع التصور العلماني أمر جوهري،

لقد طُرحت الكثير من الأفكار بنبرة حازمة وحاسمة للغاية.

فمدار الأمر عنده هو إعادة بناء المبادئ الإسلامية الأساسية، وتعزيزها كما وَرَدَتْ في الوحي: الإيمان بالله، والأخلاق الفطرية، والمسؤولية، والعدالة الاجتماعية، والنظام، والسلام، وتيسير التعليم، والانفتاح على العالم.

ومن المهم كذلك التنويه بأن عزتبيغوفيتش لا يخوض في أي [محاولة] لتنقية الأصول، بل إنه يرى أن تلك الأصول بسيطة، وتكشف عن نفسها بنفسها، وما علينا إلا أن نعيشها ونعمل بموجبها!

ويضم القسم الأخير مُقاربة للاستراتيجيات العملية؛ لتحقيق النظام الإسلامي، وإنشاء الحكم الإسلامي. وينتقل هذا المسار – انتقالًا صارمًا من الثورة الدينية والأخلاقية إلى الثورة السياسية، فإن أيًا من هاتين الثورتين منقوصة بغير الأخرى.

إن عزتبيغوفيتش يُنادي بتجديد تاريخي للعالم الإسلامي، لا بتجديد مُعاد للتاريخ؛ يُنادي بالعمل والتضحية والجهاد. ويلي ذلك تفصيل لفكرة الجامعة الإسلامية على نهج الأفغاني.

القيادة اليوغوسلافية … بدأت تُخفَّف القيود السياسية المفروضة على المجتمع المسلم ، مما أنتج ليبرالية محكومة ؛ فاستفاد عدد من المفكرين المسلمين – بما في ذلك بعض علماء الدين – من الوضع المستجد.

لقد تكرَّرت لفظة إسلام في [النص البوسنوي الأصلي] لـ الإعلان الإسلامي ٣٦٥ مرة، بينما وَرَدَت الإشارة إلى رب العالمين ١٤ مرة فقط (استُعمِل لفظ الجلالة الله مرتين، وذِكر اسم النبي محمد ﷺ مرة واحدة).

وقد لاحظ ولفرید کانتويل سميث، أن لفظة الرب قد وردت في القرآن ٢٦٩٧ مرَّة، ووردت لفظة إسلام ثماني مرات، بيد أن هذه العلاقة قد انقلبت -إلى حد كبير- في كتابات المسلمين المعاصرين؛

لقد كان هدف عزتبيغوفيتش هو تحقيق الإسلام مثالًا وواقعًا، ولكنه أيقن أن ذلك لا يُمكن تحقيقه، ولا معنى له دون مدلوله الأول والأساسي.

مُقدِّمة الإعلان الإسلامي

سراييفو ١٩٧٠م.

هدفنا: أسلمة المسلمين [بإعادتهم إلى دينهم].

شعارنا: الإيمان والجهاد.

إن هذا الإعلان موجّه إلى المسلمين، الذين يُدركون انتماءهم، وقد وقر في قلوبهم شعور يقيني بالجهة التي يَصْطَفّون معها. لذا، فهو يمثل نداء لهم؛ كي يستخلصوا النتائج التي يُمليها عليهم هذا الحب وهذا الانتماء.

القوى الأجنبية … قد استعاضوا اليوم عن جيوشهم، ببث أفكارهم وأموالهم؛ … وإبقاء الشعوب المسلمة في حالة الوهن الروحي و[العجز] المادي، والتبعية السياسية.

فالعالم المسلم ليس ملكًا لها، بل هو مِلْكٌ للشعوب المسلمة.

إن عالَمًا يتألف من سبعمائة مليون نسمة،

يُقدَّرُ عدد المسلمين اليوم (۲۰۲۳م) بحوالي ۱٫۸ مليار نسمة (ربع سكان العالم)، أي مرتين ونصفًا -تقريبًا- أكثر من تعداده ساعة كتابة هذه المقدمة قبل حوالي خمسين سنة. (المراجع)

ويمتلك موارد طبيعية هائلة، ويحتل موقعًا جغرافيًّا ممتازًا، ويحوز تراثًا ثقافيًّا وسياسيًّا عريقًا، ويحمل فكرًا إسلاميًّا حيًّا؛ لا يمكن له أن يبقى طويلاً في موقع الأجير. وما من قوة، تستطيع منع الجيل المسلم الجديد من وضع حدّ لهذه الحالة الشاذة.

وإننا بهذا اليقين، نُعلِنُ لأصدقائنا ولأعدائنا؛ أن المسلمين قد قرروا أن يأخذوا بزمام عالمهم ومصيره بأيديهم، وأن يُنظِّموه وفقًا لرؤيتهم الخاصة.

أما الجِدَّةُ في هذا الإعلان؛ فهي في المطالبة بالانتقال من الأفكار والخَطْطِ إلى العمل المنظم من أجل تحقيقها.

ولكنَّ تلك التضحيات تظل تضحيات شخصية، بذلها أفراد استثنائيون، أو مجموعات صغيرة جسور؛ في مواجهة قوى الجاهلية الطاغية. ورغم ذلك [كله]، فإن ضخامة المشكلات والصعوبات؛ تتطلب عملاً مُنظَّمًا تضطلع به الملايين.

الإعلان الإسلامي

إذا كنا نريد للشعوب المسلمة أن تخرج من دائرة الفقر والتخلف والتبعية، وإذا كنا نريد لها أن تنطلق من جديد بخطى ثابتة في طريق العزة والاستنارة، وأن تصير سيدة مصيرها،

الهدف: إنه تحقيق الإسلام في كافة مجالات حياة الفرد الشخصية، وفي الأسرة، وفي المجتمع؛ بتجديد الفكر الديني الإسلامي، وبناء المجتمع الإسلامي الموحد من المغرب إلى إندونيسيا.

يشير التاريخ إلى حقيقة واضحة:

إن الإسلام هو الفكرة الوحيدة، التي استطاعت تحرير مُخَيِّلة الشعوب المسلمة، وبثت فيها القدر المطلوب من الانضباط والإلهام والطاقة.

وفي الواقع، فإن كل عظيم وجدير بالإشادة، في تاريخ الشعوب المسلمة؛ قد تحقق في ظل الإسلام.

ذلك أن رؤية الإسلام لمكانة الإنسان في الكون، وغاية الحياة البشرية، وعلاقة الإنسان بالله، وعلاقة الإنسان بالإنسان؛ تظل هي الأساس الأخلاقي والفلسفي والأيديولوجي والسياسي – الذي لا بديل عنه – لكل حركة أصيلة؛ تتغيا إصلاح أوضاع الشعوب المسلمة وتجديد [دينها].

تَخلُّف الشُّعُوب المُسْلِمَة

المُحَافِظُون والحَدَاثِيُّون

إن فكرة التجديد الإسلامي ، باستيعابها لمقدرة الإسلام على تربية الإنسان، وتنظيم العالم؛ ستواجه – على الدوام – نوعين من الخصوم؛ هما: المحافظون الذين يتمسكون بالنماذج القديمة، والحداثيون الذين يسعون وراء النماذج الأجنبية. الفريق الأول يجرُّ الإسلام إلى الماضي، والفريق الثاني يُعِدُّون له مستقبلاً أجنبياً.

ورغم أن الإسلام يُمثِّل تكرارًا للحقائق الأساسية – المتعلّقة بأصل الإنسان ورسالته – وتصديقًا بها، إلا أن منهجه في أمر واحد جديد كلّيًا: إذ يُطالب باقتران الإيمان والمعرفة، والأخلاق والسياسة، والمُثُل العليا والمصلحة.

إن الإسلام – باعترافه بوجود عالمين: الطبيعي / المادي والروحي / الجواني – يُعلّمنا أن الإنسان هو الجسر، الذي يعبر فوق الهوة موصلاً بين هذين العالمين. وبغير هذه الوحدة، فإن الدين المجرد Religion يجرّ إلى الرجعية (رفض كل حياة منتجة)، وتقود العلوم الطبيعية/ المادية إلى الإلحاد.

إن المحافظين، وانطلاقًا من رؤيتهم للإسلام بوصفه دينًا مُجردًا ؛ يخلصون إلى أنه لا ينبغي له تنظيم العالم البراني. ويستنتج التقدميون – من الرؤية ذاتها- أنه عاجز عن تنظيم هذا العالم البراني، والنتيجة العملية واحدة.

وإن كل محاولة لتطوير الأحكام الشرعية، بتطبيق مبادئ القرآن على الأوضاع المستجدّة، التي ما فتئت تظهر خلال تطور الحياة؛ يعتبرها هؤلاء تهديدًا للدين وإساءة له.

وهكذا، شهدنا عقيدة التوحيد التي جاء بها القرآن، بوصفها أنقى الأفكار الدينية وأكملها في التاريخ؛ تتراجع تدريجيًّا، لتحل محلها ممارسات الاتجار البغيض بالدين.

أما الذين يُسمَّوْن بالتقدُّميين والمُتغرّبين والحداثيين، وأشباههم؛ فإنهم يُمثّلون – في الواقع – المحنة الحقيقية التي حلّت بالأمة المسلمة؛ لأنهم كثيرو العدد نسبيًّا، ويتمتعون بالنفوذ، لا سيما في دواليب الحكم والتعليم والحياة العامة.

وبمقدوركم التعرف إلى هؤلاء الذين يُسمُّون أنفسهم اليوم بالمصلحين – في البلدان المسلمة – إذ إنهم يفخرون عادةً بما يجب أن يستحيوا منه، ويستخزون مما ينبغي عليهم الفخر به! إنهم المدلّلون الذين تعلّموا في أوروبا، ثم عادوا [مُفعَمين] بشعور عميق بالدونية [والانهزام] أمام الغرب الثري، وشعور بالاستعلاء الفاجر على البيئة الفقيرة والمتخلفة التي نشأوا فيها.

إن حرمانهم من التربية الإسلامية الصحيحة، وفقدانهم لأية صلة روحية أو خُلقية بشعوبهم؛ جعلهم مُفتقرين إلى المعايير الأساسية، فتوهموا أنهم يُقوِّضون المفاهيم وهدم التقاليد والمعتقدات الوطنية، واستيراد الأفكار الأجنبية؛ سَيْعِشُون في بُلدانهم – بين عشية وضحاها – أمريكا التي يَكُونُ لها إعجابًا مُبالغًا فيه.

إنهم لا يُدْرِكُون أن قوة العالم الغربي لا تكمن في نمط معيشته، وإنما في أسلوب عمله، وأن تلك القوة ليست في الموضة والإلحاد والملاهي الليلية، وجيل الشباب المُنْحَل؛ وإنما في الكدح الاستثنائي، والمعرفة والمثابرة، واستشعار أبناء [هذا الغرب] للمسؤولية.

لقد أخفقوا في اختيار المنتج الحضاري المفيد، وافترضوا [لمجتمعاتهم] المنتجات الثانوية الضارة والسامة للعملية الحضارية.

كان مصطفى كمال [أتاتورك] قائدًا عسكريًّا أكثر منه مُصْلِحًا ثقافيًّا، وينبغي حصر خدماته لتركيا إلى حجمها الصحيح؛ [لكن كان] أحد برامجه الإصلاحية حظره ارتداء الطربوش. وبطبيعة الحال؛ ظهر على الفور أن تغيير شكل غطاء الرأس لا يعني بالضرورة تغيُّر ما في داخلها، ولا تغيُّر عادات صاحبها، ودع عنك تغيُّر واقعه الراهن.

إن شعوبًا كثيرة خارج نطاق الحضارة الغربية وعلى مدى قرن من الزمان قد واجهت إشكالية [بلورة] موقف من تلك الحضارة؛ فهل ترفضها رفضًا كاملاً، أم تتأقلم معها بحذر، أم تأخذها كلها بغير تمييز! وقد تعينت معاناة أكثر تلك الشعوب أو انتصارها، بموقفها في الإجابة على هذا السؤال المصيري.

وثمّة إصلاحات تُشعُّ منها حكمة الأمة، وأخرى تمثل خيانة الأمة لنفسها؛ لتبقى اليابان وتركيا من هذا المنظور نموذجين تقليديين في التاريخ الحديث.

ثم تتابعت الإصلاحات المشهورة في كلا البلدين؛ فاختارت اليابان الاستمرار في نمط معيشتها الخاص، دون خضوع للأجنبي، لذا؛ اجتهدت في الجمع بين التقاليد و[متطلبات] التقدم. بينما اختار الحداثيون في تركيا سلوك طريق معاكس؛ فأمست تركيا اليوم دولة من الدرجة الثالثة، بينما ارتقَت اليابان إلى مصاف الأمم المتربعة على القمة.

إن جوهر الحضارة الإنسانية بَرمَّتِها، وتقدُّمها؛ يكمن في [الاستمرار] و[التراكم]، وليس في التخريب والإبطال. إن الأبجدية هي الوسيلة التي تُحفظ بها الأمة ذاكرتها، وتستمر في وجودها عبر التاريخ. وبإلغاء الأبجدية العربية، فقدت تركيا كل ثروة الماضي المحفوظة كتابةً،

إن دُعاة الحداثة في العالم المسلم لم يكونوا – حينذاك – من الحكماء، الذين ولدوا من أرحام شعوبهم؛ فصاروا ممن يُحسّنون تنزيل المُثُل والقيم القديمة، وتحقيقها بطُرق جديدة في ظِلّ الظروف المتغيرة.

فهل يستطيع بلد لا يعرف هويته، ولا يعرف أين تمتد جذوره؛ أن يعرف طريقه معرفة واضحة، ويعرف ما الذي يتعيّن عليه للسير فيه، والأهداف التي يجب أن يسعى لتحقيقها؟!

فهم يبتعدون دومًا عن الإشكالات الحقيقية، ويهربون منها ومن العمل الدؤوب، للارتقاء الحقيقي بالشعوب أخلاقيًا وتعليميًا؛ ويوجهون اهتماماتهم إلى الأمور البرانية والسطحية.

إن تلك الدول، بتقبلها للمثل الأيديولوجية الأجنبية، وطلبها الدعم السياسي من الأجانب، سواء في الشرق أم في الغرب؛ تكون -كما تُقر قياداتها الجديدة بأفواهها- قد أذعنت -طوعًا- للعبودية من جديد.

لقد حصلت تلك البلدان على استقلال شكلي، لكنها لم تنل حرية حقيقية؛ لأن كل حرية هي في صميمها حرية روحية.

لهذا، لا بد من تدشين جهاد الشعوب المسلمة في كل مكان -في سبيل الاستقلال الحقيقي- من جديد.

أسباب العجز

المحافظون والحداثيون … يبدو كلا الموقفين بوصفهما تعبيرًا وتجليًا لسبب أعمق، آلا وهو: الحظ من قدر الفكر الإسلامي أو رفضه.

إن جميع نجاحاتنا وإخفاقاتنا الأخلاقية والسياسية هي في الواقع مجرد انعكاس لفهمنا للإسلام، وتطبيقنا له في الحياة. لقد كان ضعف تأثير الإسلام في حياة المسلمين العملية، مصحوبًا دائمًا بانحطاط الشعوب والمؤسسات السياسية والاجتماعية.

إذ لقي محمد ﷺ ربه سنة ٦٣٢م، وبعد أقل من مئة عام؛ كان سلطان الإسلام الروحي والسياسي قد استوعب رقعة ضخمة تمتد من المحيط الأطلنطي إلى نهر السند والصين، ومن بحيرة آرال إلى شلالات النيل السفلى. وفي عام ٦٣٤م بدأ غزو الشام؛ ففتحت دمشق سنة ٦٣٥م، وطيسفون سنة ٦٣٧م، وبلغ الفتح مصر والهند في ٦٤١م، وقرطاج في ٦٤٧م، وسمرقند سنة ٦٧٦م، وإسبانيا سنة ٧١٠م. ووصل المسلمون إلى أبواب القسطنطينية سنة ٧١٧م، وإلى جنوب فرنسا في ٧٢٠م. وابتداءً من عام ٧٠٠م وجدت مساجد في شاندونغ، وفي عام ٨٣٠م؛ بلغ الإسلام جزيرة جاوه.

هذا التوسع الفريد، الذي لم يشهد له التاريخ مثيلاً، من قبل ولا من بعد؛ خلق مجالاً لتطور الحضارة الإسلامية [مُتَقاطِعًا] مع ثلاث دوائر ثقافية: إسبانيا والشرق الأوسط والهند، وذلك على مدى حقبة تاريخية تمتد إلى حوالي ألف عام.

فماذا يمثل المسلمون في العالم اليوم؟

وبوسعنا طرح السؤال بصيغة أخرى: إلى أي مدى نحن مسلمون؟!

نحن مُستعبَدون: ففي لحظة معينة من عام ١٩١٩م؛ لم تكن توجد دولة مسلمة واحدة مستقلة، ولم يُسجل التاريخ مثل هذه الحال، لا من قبل ولا من بعد.

نحن غير مُتعلّمين: ففي الفترة بين الحربين العالميتين، لم تتجاوز نسبة المتعلمين في أي بلد مسلم نسبة ٥٠٪؛ فعند استقلال باكستان كانت نسبة الأمية ٧٥٪، وكانت النسبة في الجزائر ٨٠٪، ونيجيريا ٩٠٪. (وبحسب ما ذكره [الطبيب والمؤرخ والفيلسوف الأمريكي] جون وليم دريبر؛ لم يكن في إسبانيا المسلمة -إبّان القرنين العاشر والحادي عشر الميلادي- أميٌ واحد).

نحن فقراء: فقد كان متوسط نصيب الفرد من الدخل القومي -سنة ١٩٦٦م- في إيران ٢٢٠ دولارًا أمريكيًا، وفي تركيا ٢٤٠ دولارًا، وفي ماليزيا ٢٥٠ دولارًا، وفي باكستان ٩٠ دولارًا، وفي أفغانستان ٨٥ دولارًا، وفي إندونيسيا ٧٠ دولارًا، مقارنة بثلاثة آلاف دولار متوسط دخل الفرد في الولايات المتحدة خلال السنة نفسها.

مناقضة بذلك لتعاليم القرآن؛ التي تنهى عن تركيز الثروة في يد فئة قليلة دون بقية المجتمع ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (سورة الحشر؛ الآية رقم ٧).

وكل ما يحدث لنا اليوم، وما حدث؛ إنما هو محض صدى وتكرار لما حدث من قبل في داخل نفوسنا ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ﴾ (سورة الرعد؛ الآية رقم ١١).

كأنما ارتدت [قلوبنا] عن الإسلام. إن كل هزائمنا، ابتداءً من أول هزيمة في أحد، وحتى آخر هزيمة في سيناء [١٩٦٧م]؛ تؤكد هذا التصور بالقدر نفسه.

إن ظاهرة التخلي عن الإسلام، التي غالبًا ما تتجلى في تنحية الفكر الإسلامي من دائرة الحياة الفاعلة واليقظة، إلى الدائرة الآنية والسلبية؛ يمكن لنا شهودها شهودًا جليًا في الموقف من القرآن، وذلك باعتباره الحقيقة المركزية في الأيديولوجية الإسلامية والممارسة الإسلامية.

وهنا لا بُدَّ من الإشارة إلى أن كلَّ رُقي عرفته الشعوب الإسلامية، في كل عصر من عصور عزَّتها وكرامتها؛ قد بدأ بالاستناد إلى القرآن.

فكيف كانت مكانة القرآن في الحقبة التي سبقت عصر الجمود والانحسار؟

فَقَدَ القُرآن سُلطانه التَّشريعي، واكتسب قداسة الشيء! [وسنجد] أن الحكمة والجوهر والأفكار العظيمة قد نُحيت في دراسة القرآن وتفسيره؛ ليُفسَحوا المجال للسفاسف والشكل ومهارات التلاوة. وتحت التأثير المستمر لهذه الشكلية الدينية؛ قَلَّت قراءة القرآن وكثرت تلاوته .

أما ما يأمر به القرآن من جهاد واستقامة، وتضحية بالنفس وبالمال، وهي أمور شاقة مُبغَضة إلى نفوسنا الواهنة؛ فقد ذابت كلها، وتلاشت في جمال التلاوة المنمّقة للنص القرآني. وبمرور الزمن، باتت هذه الحالة -غير الطبيعية- مقبولة بوصفها حالة طبيعية، بما أنها تُناسب الأعداد المتزايدة من المسلمين؛

وهكذا، يكررون الجملة الواحدة منه ألف مرة، حتى لا يضطروا لتطبيقها ولو مرة واحدة! حتى إنهم قد وضعوا علماً واسعاً دقيقاً في كيفية نطق القرآن، حتى يتهربوا من مسألة تطبيقه في الحياة! وأخيراً، حوَّلوا القرآن إلى صوت مُجرَّد خلا من المعنى والمضمون.

إن واقع عالم المسلمين بأسره، بما ينضح به من فصام بين القول والعمل، وفساد وقذارة وظلم وجُبن، وبمساجده الفخمة وإن كانت خاوية، وبعمائمه البيضاء الكبيرة المفتقرة إلى المثل العليا والشجاعة، وبعباراته الإسلامية وصوره الدينية المفعمة بالرياء، وبهذا التديُّن الخالي من الإيمان،

وهكذا، وفي مثل هذا الوضع [الذي آل إليه] القرآن بيننا؛ يكمن السبب الحقيقي الأول – والأهم – لتخلف الشعوب المسلمة وعجزها. أما السبب الآخر، ذو الأثر العالمي؛ فهو التعليم، ونعني به النظام التربوي بالمعنى الواسع.

لقد حُرمت شعوبنا – منذ قرون – من المتعلمين. وعوضاً عنهم؛ كان لديها فئتان، غير مرغوب فيهما على حد سواء: الجهلة والمتعلمون تعليماً مشوّهاً. ولا يوجد لدى أي دولة مسلمة نظام تعليمي على درجة من التطور، تُلائم في الوقت ذاته – مفاهيم الإسلام الأخلاقية، وتُلبّي احتياجات الناس. لقد أهمل أصحاب السلطة عندنا هذه المؤسسة، الأشد حساسية في المجتمع؛ أو تركوها في أيدي الأجانب. والمدارس التي زودها الأجانب بالأموال والكوادر، ومعهم المناهج والأيديولوجيا، لم تُخرج مسلمين ولا حتى قوميين؛ بل إنها تحقق في مفكري المستقبل عندنا فضائل الطاعة والخنوع، والانبهار بسطوة الأجانب وثرائهم، وفيها يُشكّل المربون الأجانب تلك النخبة بعقلية التبعية، التي ستحل محلهم – في المستقبل – بكفاءة شديدة؛ لأن أفرادها سيشعرون ويتصرفون كأنهم أجانب حقيقيون في وطنهم. ولعله من أرجى الفوائد، حصر أعداد المدارس والمعاهد التي يُديرها الأجانب – إدارة مباشرة أو غير مباشرة – ثم تحليل أسباب هذا السخاء المنقطع النظير. فعلينا الخوض في مناهج تلك المدارس، وما الذي تتضمنه، والتعمّق أكثر فيما لا تتضمنه.

فلم تعد ثمة حاجة للسلاسل الحديدية، لإبقاء شعوبنا في حالة الخضوع، بل تكفي لذلك قوة الخيوط الحريرية لهذه الاستنارة الأجنبية، التي تشل إرادة أبناء الشعب المتعلمين وضمائرهم.

إن نظامًا تعليميًّا كهذا لهو أعظم حليف لهم، بدل أن يكون مصدرًا للتمرد عليهم ومقاومة وجودهم.

إن هذه الهوة المأساوية -بين النخبة المثقفة والشعب- التي تمثل أحد أشد سمات حالنا العام قتامة؛ تزداد عمقًا على الجانب الآخر كذلك. فعندما يستشعر [الشعب] السمة الأجنبية -وغير الإسلامية- لتلك المدارس؛ فإنه يرفضها رفضًا غريزيًّا، مما يجعل التنافر مُتبادلاً. فتُختلق اتهامات عبثية عن كراهية البيئة المسلمة للدرس والتعليم. وفي الواقع، يتجلى الرفض بأنه ليس رفضًا للمدرسة بحد ذاتها، وإنما رفض للمدرسة الأجنبية، التي فقدت كل صلاتها الروحية بالإسلام وبالشعب.

لا مُبالاة الجماهير المُسلمة

كانت الانقلابات التي نفذها الحداثيون، في عدد من البلدان المسلمة؛ في معظمها ذات توجه معاد للدين، وكان الشعار الذي يحدوها هو علمنة الحياة السياسية والاجتماعية.

إن كل نهضة تنشأ نتيجة للتماس الخلاق أو التعاطف أو التوافق الداخلي بين العناصر الواعية والقيادية في المجتمع، وطبقات الشعب العريضة.

وبدون مشاركة الإنسان العامي، أو على الأقل قبوله [بما يجري]؛ فستظل الحركة طافية على سطح [المجتمع]، مفتقرة للقوة الضاربة.

ولكن يستحيل التغلب على هذا الجمود إذا كان يمثل رفضاً لِمُثُل [النضال] نفسها، لأن ذلك سيتضارب مع أعمق إرادات الجماهير ومشاعرها.

إن الشعوب المسلمة لن تقبل أبداً بأي شيء يُخالف الإسلام صراحة، لأن الإسلام هنا ليس مجرَّد فكرة وقانون؛ إذ صار حُبَّاً وشعوراً. وكل من يتمرد على الإسلام؛ فلن يجني سوى البغض والصدود.

فإن الجماهير تُريد حركة إسلامية، ولكنها غير قادرة على استعادتها دون نُخبتها الفكرية.

إن لا مُبالاة الجماهير المسلمة ليست لا مُبالاة بالمرّة، وإنما هي الطريقة [الاحتجاجية] التي تُدافع بها الشعوب عن الإسلام، في مواجهة الهجمات الخارجية والأجنبية.

حيث يوجد الإسلام؛ تنعدم اللا مبالاة.

إن المشاعر الجارفة للجماهير المسلمين تلزمها فكرة تُحفّزها وتوجّهها، ولكنها لن تكون أي فكرة، وإنما يلزم أن تكون فكرة منسجمة مع هذه المشاعر العميقة، وعليه؛ فلا بُدَّ أن تكون فكرة إسلامية.

وما من مخرج سوى مخرج واحد: جمع نُخبة [مثقفة] جديدة، [وتنشئتها] على التفكير بالإسلام والشعور به. وعندها سترفع هذه النخبة راية النظام الإسلامي، وتشرع مع الجماهير المسلمة في الكد من أجل تحقيقه.

النِّظام الإسلامي

الدِّين والقانون

إن أقصر تعريف لـ النظام الإسلامي ، هو أنه وحدة الدين والقانون، والتربية والسلطة، والمثل العليا والمصلحة، والجماعة الإيمانية [الأمة] والدولة، والتطوع والإكراه.

إن النظام الإسلامي -بوصفه تركيبًا من هذه المكونات كلها- يستند إلى مُقوّمين أساسيين؛ هما: المجتمع الإسلامي والحكم الإسلامي. الأول هو جوهر النظام الإسلامي [ومحتواه]، والثاني هو شكله.

وبصفة عامة، فلا وجود للمسلم منفردًا. فإذا أراد أن يحيا وأن يستمر في البقاء مسلمًا؛ لزمه أن يخلق بيئة ومجتمعًا ونظامًا. ووجب عليه أن يُغير العالم [ويُعيد بناءه]، فإن لم يفعل؛ أمسى هو نفسه [مفعولًا به]، ومادة للتغيير. ولم يعرف التاريخ حركة إسلامية حقيقية، لم تكن في الوقت ذاته حركة سياسية؛ ذلك أن الإسلام، إضافة إلى كونه دينًا؛ فهو في الوقت نفسه فلسفة، وأخلاق، ونظام للوجود، ونمط [معيشة]، وبيئة [مُحيطة]؛ إنه -باختصار- منهاج حياة كامل. فلا يجتمع اعتناق الإسلام مع العمل أو الكسب أو الترويج أو الحكم وفق نمط غير إسلامي.

فإن هذه الحال من التناقض، إما أن تورث النفاق (إِذْ يُسَبِّحُونَ اللَّهَ وَيُعَظِّمُونَهُ في المسجد، ويعصونه خارجه)، أو تخلق بشرًا تُعساء تُمزِّقهم الصراعات … أو تفرز نوعًا من الرهبان والمنعزلين (إذ ينسحبون من العالم لأنه ليس إسلاميًا)، أو قد تُنتج أخيرًا أولئك الذين يتركون الإسلام -لحل تلك المعضلة- ويقتبلون الحياة والعالم كما وجدوهما، أو بالأحرى؛ كما صنعهما الآخرون [من غير المسلمين].

فإذا سأل سائل: فما المجتمع الإسلامي ؟ نُجيب: إنه مجتمع مؤلَّف من مسلمين،

إن هذا التعريف يعني أنه ما من نظام مؤسَّسات، وعلاقات، وقوانين؛ يمكن فصلها عن الناس -الذين هم غايتها- ثم يُقال عنه إنه: نظام إسلامي . فإن النظام لا يكون إسلاميًا أو غير إسلامي بذاته، وإنما يكون كذلك بمن يصنعونه فحسب.

لهذا، يحوي القرآن عددًا قليلاً نسبيًا من القوانين الواقعية، وكثرة غالبة عن [أصول] الاعتقاد ومقتضيات العمل به والسعي بموجبه. إن كثرة القوانين والتعقيد في سَنّها عادة ما تكون علامة يقينيّة على أن ثمة شيئًا مُتَعَفِّنًا في المجتمع، وأنه يتعين علينا التوقف عن سَنّ القوانين، والبدء في تربية الناس.

لا يُمكن إصلاح المُجتمع إلَّا باسم الله، ثُمَّ بتربية الإنسان.

أما [شريعة] الإسلام، فقد حوّلت وجهها -من خلال سيدنا محمد ﷺ، والقرآن- إلى الإنسان الحقيقي، والعالم البراني، والطبيعة [المسخّرة]؛ فصارت بذلك شريعة وتعاليم عن الإنسان الكامل ، والحياة في أكمل وجوهها.

الإنسان الكامل توصيف تشريفي لحضرة النبي المعظم ﷺ، وقد توسعت في استعماله طرق صوفية وفرق شيعية (بل وبعض الغلاة المؤمنين بالتناسخ والحلول)، حتى صار مفهوماً مركزياً في الفكر الإسلامي؛ ليعني باختصار: الإنسان النموذج المتخلق بأخلاق الكمال الإلهية، الذي تخفف من المادة وتولى الله ﷺ، واقترب من المثال النبوي الأعلى. (المُراجِع)

الإسلام ليس دينًا مُجرَّدًا

وأول هذه الخلاصات، وأهمها؛ هي بالتأكيد عدم توافق الإسلام مع النظم غير الإسلامية؛ فلا يمكن أن يقع سلام أو يحدث تعايش بين عقيدة الإسلام والمؤسسات الاجتماعية والسياسية غير الإسلامية.

أولًا: إن الإسلام بتنزُّله على هذا العالم، يطالب بتنظيمه على أحسن وجه [اتساقًا مع طبيعة هذا الدين نفسه]. فما من شيء يرفع شأن هذا العالم [ويُرَقِّيه]، قد يجوز رفضه -ابتداءً- بدعوى أنه غير إسلامي.

ثانيًا: إن الانفتاح على الطبيعة [المسخّرة]، يعني الانفتاح على العلوم الطبيعية/ المادية. ولكي يكون الحل إسلاميًا، لا بد أن يتحقق فيه شرطان: أن يبلغ أقصى درجات الكفاءة، وأقصى درجات الإنسانية؛ مما يعني صيرورته تعبيرًا أسمى عن انسجام آراء الدين والعلوم الطبيعية/ المادية ومواقفهما.

ثالثًا: إن الإسلام، إذ يُشير إلى صورة من صور الارتباط بين الدين والعلوم الطبيعية/ المادية، والأخلاق والسياسة، والفرد والجماعة، والروح والمادة، وهي القضايا التي انقسم حولها العالم اليوم روحيًا؛ يضطلع مرة أخرى بدور الفكر الوسيط، وذلك كما يضطلع العالم الإسلامي بدور الأمة الوسطى في هذا العالم المنقسم.

أطروحة التَّقدُّم الإسلامي في عصرنا

ثمة مبادئ إسلامية ثابتة، تُحدّد العلاقة بين الإنسان و[أخيه] الإنسان، وبين الإنسان والمجتمع. ولكن ما من نظام اقتصادي أو اجتماعي أو سياسي إسلامي ثابت، أعطيناه مسبقًا ليُطَبَّق في كلّ العصور. فلا تحتوي المصادر الإسلامية وصفًا لمثل هذا النظام. ومن ثمّ، فإن الطريقة التي سيدير بها المسلمون الاقتصاد، ويُنظّمون بها المجتمع، ويُدبّرون شؤون الحكم في المستقبل؛ ستختلف عن طريقة الحكم وإدارة الاقتصاد وتنظيم المجتمع في الماضي. وعلى كل جيل -في كل عصر- الاضطلاع بمهمة إيجاد طرق ووسائل جديدة، لتحقيق مبادئ الإسلام الأساسية الخالدة الثابتة في عالم زائل، وقابل للتغيّر المستديم.

أولًا: الإنسان والجماعة

المجتمع الإسلامي جماعة منظَّمة من المؤمنين. وما من خلاص برّاني صرف للإنسان والمجتمع، علمويًّا كان أم ثوريًّا أم اشتراكيًّا، أم غير ذلك. وكل خلاص لا يتضمن عودة الإنسان إلى ذاته، وتغييرها جوانيًّا؛ لتهتدي وتولّد من جديد -وهذا لا يتحقق بمنأى عن الله- إنما هو خلاص كاذب.

فإن الجماعة الإيمانية جمعٌ جواني ملموس، ينبني على الانتماء الروحي، وتتوطَّد فيه الأواصر بين الخلق بالاتصال الشخصي والتعارف المباشر.

فإن الجماعة الإيمانية تُسهم في تحقيق التضامن والانسجام الجواني للمجتمع، وتُعين على تبديد الشعور بالعزلة والاغتراب، الذي اجتلبته علينا التقنية والتوسع الحضري المتزايد.

ففي هذه الجماعة، لا يمكن للإنسان أن يوجد بمفرده، ولذلك وجهان: فهو ليس بمفرده يعمل ما يحلو له، ولا وهو بمفرده محرومًا من المؤازرة المعنوية والمادية. فإذا كان المسلم لا يستشعر للآخرين وجودًا؛ فهذا يعني أن المجتمع الإسلامي قد أخفق.

ثانياً: المُساواة بين النَّاس

لقد أقرّ القرآن حقيقتين بالغتي الأهمية؛ هما: وحدانية الله تعالى، والمساواة بين الناس؛ فلم يدعُ من مجال لتفسيرهما إلا تفسيرًا حرفيًا واحدًا: لا إله إلا الله الواحد الأحد، وما من شعب مختار أو عرق مختار أو طبقة مختارة؛ فالخلق كلهم سواسية.

إن الإسلام لا يقبل تقسيم الخلق أو تصنيفهم، وفقًا لمعيار موضوعي براني؛ مثل التصنيف الطبقي.

ثالثاً: أُخُوَّة المُسلمين

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (سورة الحجرات؛ الآية رقم ١٠)

وعمليًا، فإن أعداد التدابير والمبادرات والقوانين، وأنواعها التي يمكن للحكم الإسلامي الحق تبنيها – استناداً إلى مبدأ الأخوة الإسلامية – أعداد لا حصر لها.

رابعاً؛ وِحْدَة المُسلمين

يشتمل الإسلام على مبدأ الأُمَّة ، بمعنى السعي إلى توحيد المسلمين جميعاً في جماعة واحدة؛ دينية وثقافية وسياسية.

خَامِسًا: المِلْكِيَّة

رغم اعتراف الإسلام بالملكية الخاصة، إلا أنه ينبغي على المجتمع الإسلامي الجديد أن يُعلن بوضوح أن كافة المصادر الكبرى للثروة العامة، وخصوصاً المصادر الطبيعية؛ يجب أن تظل ملكاً للمجتمع، وأن تخدم مصالح جميع أفراده. ورقابة المجتمع على مصادر الثروة ضرورة؛ فمن جهة للحيلولة دون تكديس الثروة والقوة عند الأفراد دون وجه حق،

سادسًا: الزَّكاة والرِّبا

ففي الزكاة، نرى ترسيخًا للمسؤولية المتبادلة، وعناية الناس بعضهم بمصير بعض.

إن الزكاة في النظام الإسلامي مؤسسة قانونية عامة، يجب ضمان أدائها لوظائفها بكل الوسائل المتاحة، بما في ذلك استخدام القوة.

وبتحريم الربا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (سورة البقرة؛ الآيتان ٢٧٨-٢٧٩)، استقرت قاعدة شرعية دائمة للنظام العام في المجتمع الإسلامي، تقضي بتحريم أي دخل من الفوائد المحدّدة مُسبقًا، وتجريم أساليب الحياة الطفيلية، التي تتجلى في اكتساب الثروة استنادًا إلى محض الحيازة، وهو ما يتناقض مع الأسس والمفاهيم الأخلاقية التي يقوم عليها النظام الإسلامي العام.

سابعًا: المبدأ الجمهوري

وفي تاريخ النظام الإسلامي الأول، وربما الوحيد الصحيح حتى الآن، وهو عهد الخلفاء الراشدين الأربعة؛ نستطيع تبيُّن ثلاثة جوانب أساسية لمبدأ الحكم الجمهوري: الأول هو انتخاب رئيس الدولة، والثاني مسؤولية رئيس الدولة أمام الشعب، والثالث وجوب العمل المشترك على معالجة الشؤون المجتمعية والعامة.

إن الخلفاء الأربعة الأول في التاريخ الإسلامي لم يكونوا ملوكًا ولا أباطرة، وإنما انتخبتهم الأمة. أما توريث الحكم، فكان خروجًا على المبدأ الانتخابي، الذي فرض نفسه بوصفه مؤسسة سياسية إسلامية.

ثامنًا: لا إله إلا الله

كلما سلّمنا بأن إقامة النظام الإسلامي هدف لا جدال فيه، ولا مزايدة عليه؛ ازداد يقينا برفض عصمة الفرد، بقطع النظر عن جدارته وفضله،

تاسعًا: التَّربية

لما كان الدين هو أساس المجتمع الإسلامي، فإن التربية لا تُعدّ إحدى وظائفه فحسب، وإنما هي جوهر وجوده. وهي قبل كل شيء تربية دينية وأخلاقية؛ تبدأ في الأسرة، وتستمر خلال جميع المراحل الدراسية.

لقد حرَّم الإسلام مُحرمات، يجب على النظام الإسلامي اتخاذ كافة الإجراءات التي تحول دون ارتكابها،

عاشرًا: التَّعليم

يُعدُّ تعليم الجيل الجديد، وتكوين عادات العمل والتدريب؛ جزءًا لا يتجزأ من عملية التربية المتكاملة. فإن التعليم – إضافة إلى الوحدة- هو العامل الثاني الحاسم، لتعجيل إخراج العالم الإسلامي من مكانته المتدنية حاليًا. وإذا كانت البلدان المسلمة تفتقر إلى رأس المال الكافي؛ فينبغي عليها استثمار ما لديها في أعظم مجالات الاستثمار عائدًا، وهو التعليم.

ولن يتحقق الاستقلال الحقيقي دون مقدرة على تطبيق الإنجازات العلمية ، والإفادة منها، والاستمرار في تطويرها.

وعليه، فليس السؤال هاهنا عمّا إذا كنا نريد قبول العلم والتقنية أم لا، إذ لا محيص عن قبولهما؛ ما دمنا نحرص على البقاء.

وإنما السؤال هو عمَّا إذا كنا سنفعل ذلك إبداعًا أم [مجرد تقليد] آلي، [تحدونا] العزَّة أم [تسوقنا] الدونيَّة. وبالتالي، سنسأل عمَّا إن كنا سنفقد في هذا التطور الحتمي هويَّتنا وثقافتنا وقيمنا، أم سنحافظ عليها!

وفي ضوء هذه الحقائق، يمكننا القول بثقة إن التعليم في العالم الإسلامي اليوم هو أشدّ المؤسسات حاجة إلى تغييرات جذرية، عاجلة وحاسمة؛ كمًّا وكيفًا. أما التغييرات النوعية؛ فالهدف منها تحرير التعليم من التبعية الروحية للأجانب،

وأما التغييرات الكميَّة؛ فهدفها رفع العجز المزمن، وخلق الظروف المواتية – في أقصر وقت ممكن لإتاحة التعليم للناشئة جميعًا، ولكافة فئات الشعب. ويمكن في المرحلة الأولية إعادة استخدام المساجد بوصفها مدارس. وإذا لم نفشل في برامجنا التعليمية؛ فلن نُهزَم في أي مجال آخر.

حادي عشر؛ حُرِّيَّة الضَّمير

ينبغي أن تكون [أدوات] تربية الشعب، وبخاصة وسائل التأثير الجماهيري – مثل الصحافة والإذاعة والتلفاز والسينما – في أيدي الأفراد المشهود لهم بالخصال الأخلاقية والفكرية الإسلامية.

ومهما يكن إصرار الإسلام على الالتزام بالأخلاق الحميدة، فإنه – بانفتاحه على الطبيعة [المسخرة]، وعلى مسرّات الحياة – يحترم حرية الاختيار، وتاريخ الإسلام كله شاهد على ذلك. … فلا يمكن للإسلام – من ثم – أن يتحول إلى نظام دكتاتوري، ولا مجال فيه لمحاكم التفتيش أو الإرهاب الديني.

ثاني عشر: الإسلام والاستقلال

لا يقوم نظام إسلامي دون استقلال وحرية، والعكس صحيح؛ فلا وجود للحرية والاستقلال دون إسلام.

إن الاستقلال لا يكون حقيقياً ودائماً إلا إذا كان نتيجة تحقق الاستقلال الروحي والإيديولوجي،

إن الدعم الحقيقي، الذي يمنحه الشعب المسلم للنظام الحاكم؛ يتناسب طردياً مع مقدار ما يصبغ به هذا النظام من طابع إسلامي. ولذلك، فكلما ابتعد النظام عن الإسلام؛ كُلَّما تقلّص دعم الشعب له. وهكذا، تظل الأنظمة غير الإسلامية محرومة تماماً من هذا الدعم، وهو ما يدفعها – طوعاً أو كرهاً – لاستزادة الدعم من الأجانب.

بهذه الحقائق كذلك، يتحدّد سمت النظام الإسلامي بأنه ديمقراطي، ليس ديمقراطياً شكلاً، وإنما ديمقراطياً جوهراً وإجماعاً. ويتبلور هذا النوع من الديمقراطية، حين يتحوّل فكر الحكومة وعملها [إلى انعكاس لما] يستشعره الشعب؛ فتصير تصرفاتها تعبيراً مباشراً عن هذه الإرادة.

فإن الإنسان العامي يُريد الإسلام، ويُريد العيش في مجتمعه الإسلامي.

إن النظام الإسلامي لا يستخدم العنف لأنه – ببساطة! – لا يحتاجه. لكن على العكس من ذلك، فإن النظام غير الإسلامي يجد مخرجه الوحيد في اللجوء إلى العنف، عندما يستشعر عداء الناس ومقاومتهم الدائمة. إن تحوّل هذا النظام إلى الدكتاتورية من السنن [المحتومة]؛ فهو قدَرٌ مشؤوم لا مفرّ منه.

ثالث عشر: العَمَل والنِّضال

يجب على المجتمع الإسلامي أن يأخذ على عاتقه مهمة تعبئة الموارد البشرية والطبيعية، وأن يتخذ الإجراءات التي تُشجّع على العمل والنشاط.

ولا بد من إزالة شيئين اثنين من سيكولوجية الرأي العام عندنا؛ وهما: الاعتماد على المعجزات، وانتظار معونة الآخرين.

فلا وجود للمعجزات، إلا ما حققه الناس بالعلم والعمل.

وعندما ندرك أنه لا وجود – في الواقع – لأصدقاء حقيقيين ولا لأعداء حقيقيين،

فحتى لو وجدنا من هو مستعد لمد يد العون، دون مقابل سياسي أو مادي مبالغ فيه؛ فلن يُغير هذا في وضعنا الكثير، لأن ثروة البلد لا يمكن استيرادها من الخارج، بل لابد من صنعها وتنشئتها في داخله؛ بعمل [أهلها] وجهدهم الذاتي.

فإن العالم الإسلامي يتمتع بثروات وإمكانات طبيعية هائلة.

إننا بتبشيرنا بالنهضة لا نُبشِّرُ بحقبة يسودها الأمن والاطمئنان، بل بحقبة من الفتن والابتلاءات؛

رابع عشر: المرأة والأسرة

لابد من تغيير وضع المرأة في كافة المجالات داخل المجتمع المسلم، بما يتفق مع وظيفتها بوصفها أمًّا ومربية طبيعية للأجيال الناشئة.

ولا بُدَّ للإسلام أن يُبادر إلى الاعتراف بالأمومة، بوصفها وظيفة اجتماعية.

لقد جعلت الحضارة من المرأة سلعة للاستمتاع أو للعبادة، لكنها سلبتها شخصيتها التي يمكن بها وحدها أن تصير موضع تقدير واحترام. وبإهمال الأمومة، جَرَّدَتِ المرأة من وظيفتها الأساسية التي لا يمكن تعويضها [بما دونها].

وعوضًا عن فكرة المساواة المجردة، يضمن الإسلام للمرأة المُحبَّة والحياة الزوجية [المستقرة] والأطفال، بكل ما تعنيه هذه الأمور الثلاثة للمرأة.

وإنَّ أحكام الأسرة والزَّواج، التي صِيغت في قُرُون الإسلام الأولى؛ تَلْزَمها إعادة نظر، بما يتلاءم مع المُتطلّبات الحالية، ودرجة تطوُّر الوعي الإنساني والاجتماعي، مع الميل إلى أقصى ما يُمكن لتقييد تعدُّد الزَّوجات، وُصُولًا إلى إزالته التدريجية في الحياة العملية، إضافة إلى العمل على الحد من الطلاق، وتوفير الحماية المادية الفعالة للمرأة والأطفال في مثل هذه الحالات.

هذه الفقرة أوروبية بامتياز، وتعكس ثقافة المؤلف المهيمنة وتصوراته الحداثية، رغم شدة ولائه للإسلام. (المراجع)

خامس عشر: الغاية تُبرِّر الوسيلة

يجوز استخدام كافة الوسائل في النضال من أجل إقامة نظام إسلامي، ما عدا وسيلة واحدة هي: الجريمة.

ويتعيَّن على المجتمع الإسلامي التوكيد -مرة أخرى- على أن العدل يمثل أحد ركائزه. إن القرآن لم يأمرنا بحبّ أعدائنا، ولكنه أمرنا صراحة بالعدل والعفو

إن مبدأ الغاية تبرر الوسيلة صار سببًا لجرائم لا حصر لها. لكنّ الغاية النبيلة لا يمكنها تبرير الوسيلة الدنيئة، كما أن استخدام الوسيلة الدنيئة من شأنه الحط من قيمة الغاية وتشويهها. وكلما ازددنا قوة على المستوى الأخلاقي؛ قلّ احتياجنا للقوة، لأن استخدام القوة -مع توفر البدائل- سلاح الضعفاء لا الأقوياء.

سادس عشر: الأقلِّيَّات

لا يمكن تحقيق النظام الإسلامي إلا في البلدان التي يشكل فيها المسلمون غالبية السكان،

وتتمتع الأقليات غير المسلمة بالحرية الدينية والحماية الكاملة، في إطار الدولة الإسلامية؛ بشرط ولائها للدولة.

أما الأقليات المسلمة داخل المجتمعات غير الإسلامية؛ فيتعيّن عليها بذل الولاء لتلك المجتمعات، وأداء واجباتها تجاهها -باستثناء ما يضر منها بالإسلام والمسلمين- ما دامت حريتها في ممارسة العقيدة مضمونة، وقد كُفِّل لها العيش والتطور بصورة طبيعية.

إن وضع الأقليات المسلمة، في المجتمعات غير الإسلامية؛ سيتوقف في الواقع دائماً على قوة المجتمع الإسلامي وهيئته في العالم.

سابع عشر؛ العلاقة مع المُجتمعات الأخرى

تقوم العلاقة بين المجتمع الإسلامي والمجتمعات الأخرى في العالم على المبادئ الآتية:

– حرية الاعتقاد

– القوة والدفاع الحاسم والفعال

– النّهي عن الحروب والجرائم العدوانية

– التعاون المتبادل والتعارف بين الشعوب

– الوفاء بالعقود والعهود

– المعاملة بالمثل

مُشكلات النِّظام الإسلامي اليوم

النَّهضة الإسلامية: أهي ثورة دينية أم سياسية؟

وجواب هذا السؤال؛ هو: إن النهضة الإسلامية لا يمكن أن تبدأ دون ثورة دينية، ولا يمكن أن تكتمل وتستمر بنجاح دون ثورة سياسية. إن هذه الإجابة، التي تُعَيِّنُ النهضة الإسلامية بوصفها ثورة مزدوجة – أخلاقية واجتماعية – لكنها تولي أولوية واضحة للتجديد الديني؛

إن كل قوة في العالم تبدأ بالثبات الأخلاقي، كما تتحدَّر كل هزيمة من الفشل الأخلاقي؛ فكل ما يُراد تحقيقه [في الواقع] لا بد أن يتحقق أولاً في نفوس الناس.

لكن ماذا يعني التجديد الديني، بوصفه شرطاً مُسبقاً لتحقيق النظام الإسلامي؟ إنه يعني، وقبل كل شيء؛ شيئين اثنين: الوعي الجديد، والإرادة الجديدة.

فإن التجديد الديني وعي واضح بالغاية الحقيقية للحياة؛ لِمَ نحيا، وما هي غاية الحياة، وهل هذا الهدف معيار فردي أم اجتماعي،

إن التجديد الديني في حالتنا يعني – عمليًّا – أسلمة الخلق، الذين يسمون أنفسهم بالمسلمين، أو الذين يُطلق عليهم غيرهم – عادة – هذا الاسم. إن نقطة بداية هذه الأسلمة ؛ هي: الإيمان الراسخ بالله، والتزام المسلمين الصارم والخالص بالمعايير الأخلاقية والدينية الإسلامية.

بيد أن النظر في هذه الاعتبارات دائما ما يكشف لنا المعضلة: إن الطريق الأقصر لتحقيق النظام الإسلامي، يتم من خلال الوصول إلى السلطة، التي ستُنشئ بدورها المؤسسات المناسبة، وتُربي الشعب تربية دينية وأخلاقية وثقافية منهجية، تمهيدًا لبناء المجتمع الإسلامي. لكن هذه المعضلة محض غواية؛ إذ لا يعرف التاريخ انقلابًا واحدًا حقيقيًا، تحقَّق عن طريق السلطة. وإنما يبدأ كل انقلاب [حقيقي] من التربية، إذ هو في جوهره دعوة أخلاقية.

إن جذور الميل إلى الاستعانة بقوة أو سلطة ما، في كل مكان؛ تضرب بجذورها في الرغبة الفطرية للإنسان، لتفادي المرحلة الأشق من الجهاد؛ وهي: جهاد النفس. إنَّ من الصعوبة بمكان تربية الناس، لكنَّ الأشق منها هو تربية النفس.

لهذا، يجب على الحركة التي ستجعل النظام الإسلامي هدفها الرئيس، أن تكون أولاً – وقبل كل شيء – حركة أخلاقية.

فأولاً؛ يُقِرُّ القرآن الكريم بأن البعث الجواني شرط أساس لأي تغيير أو إصلاح في حالة الأمة

القرآن الكريم قد ظلّ طيلة السنوات الثلاث عشرة الأولى مقتصرًا على تبيان قضايا الإيمان وتقريرها، والتأكيد على المسؤولية [الإنسانية]، ولم يتطرق إِيَّان تلك السنوات إلى أية إشكالية اجتماعية أو سياسية، ولا صاغ أيًا من القوانين [التي سيُطبّقها] المجتمع القائم على الإسلام.

ونحن نتوقع من التجديد الديني ثلاثة أمور أخرى مهمة:

أولها؛ أن هذا التجديد وحده هو القادر على بث العزيمة على تطبيق أحكام القرآن الكريم دون تردّد أو مساومة لا سيما الأحكام التي تُعالج الشرور الاجتماعية المتجذرة، أو التي من شأنها إحراج أصحاب السلطة والثروة. فهذا التجديد الديني، سيمكننا من تطبيق هذه الأحكام بغير عنف أو كراهية؛ لأن المجتمع كله أو غالبيته العظمى سوف يستوعبها ويرحب بها، بوصفها امتثالًا للأوامر الإلهية وتحقيقًا للعدل.

إن أي نظام، بما في ذلك النظام الإسلامي؛ سيكون دوماً أشبه بالأشخاص الذين ينشئونه ويقومون عليه، من شبيه بالمبادئ التي ينادون بها.

– ثالثاً: إن التخلف المريع في العالم الإسلامي، سيفرض عليه تبني وتيرة متسارعة للغاية في التعليم والتصنيع.

وما من سدّ منيع، قد يقف أمام طوفان الانهيار الثقافي وهذه الهمجية المذمومة؛ سوى الإيمان الصادق والراسخ بالله، والتزام كافة فئات الشعب بتعاليم الدين. فإن الإيمان هو الضمان الوحيد الذي يحول دون تدمير الحضارة للثقافة.

يَعُدُّ مؤلفنا مسيرة التحديث على النمط الغربي -ضمناً- مساراً حتمياً لا بديل عنه، ومثله مثل أكثر جيله؛ يرى الإقبال على التحديث ومقاومة كوارثه بالإيمان! يعني أن تلقي المجتمع عمداً في الفتنة والابتلاء، وتطالبه بالمقاومة مستعيناً بإيمانه. وقد كشف التاريخ الغربي خطورة هذا التصور الطوباوي، ليس بتدمير الحضارة للثقافة فحسب، وإنما بتدمير الإنسان وإيمانه كليّاً. (المراجع)

الحُكْم الإسلامي

وإنما نريد فقط [التأكيد على] أن طريقنا لا يبدأ بالاستيلاء على الحكم، وإنما باستمالة المجتمع وانتصاره، وأن النهضة الإسلامية هي ثورة في مجال التربية أولاً، وبعدها فحسب تنتقل إلى مجال السياسة.

لذلك، يتعين علينا أولاً أن نصير دُعاة، ثم جنودًا. ووسيلتنا الأولى في ذلك هي القدوة الحسنة، والكتاب، والكلمة.

ينبغي للحركة الإسلامية، ويُمكنها؛ المبادرة إلى الاستيلاء على الحكم، بمجرد أن تَبْلُغَ درجة من القوة -الأخلاقية والعددية- التي تمكنها لا من هدم بُنيان الحكم غير الإسلامي القائم والإطاحة به فحسب، بل ومن بناء الحكم الإسلامي الجديد. وهذا التمييز مهم؛ فإن الهدم والبناء لا يتطلبان الدرجة نفسها من الإعداد النفسي والمادي.

وإن خطورة التسرُّع في هذا الأمر مثلها مثل خطورة التراخي فيه.

إن الظفر بالسلطة نتيجة ظروف مواتية، ودون إعداد أخلاقي ونفسي كافٍ، ودون توفُّر الحد الأدنى اللازم من الكوادر الأشداء والمؤهلين؛ يعني وقوع انقلاب آخر، وليس اشتعال ثورة إسلامية (والانقلاب هو استمرار سياسة غير إسلامية تُمارسها مجموعة مختلفة من البشر، أو باسم مبادئ مختلفة). كما أن التراخي في تسلُّم السلطة، يعني الحرمان من وسيلة فعالة لتحقيق أهداف النظام الإسلامي، ومنح الحكم غير الإسلامي فُرصة توجيه ضربة للحركة، وتمزيق شمل كوادرها.

تجارب الإسلاميين في الحكم -على امتداد بلدان المسلمين- يمكن اختزالها إلى أحد المسارين المذكورين: إما الظفر بالسلطة دون إعداد، أو التراخي في استلامها حتى يتم ضرب الحركة. وسبب فشل الإسلاميين المطرد في كل مكان لا يخرج عن هذين السببين، وسوء تقديرهم لإمكاناتهم وللموقف الذي يواجهونه. (المراجع)

باكستان جمهورية إسلامية

عند الحديث عن الحكم الإسلامي؛ فلا يمكننا تجاوز مثال باكستان، بوصفها اليوم هي الجمهورية الإسلامية الوحيدة المعلنة رسمياً.

لاحظ أن هذا الإعلان دُبج قبل الثورة الإسلامية في إيران بسنوات. (المراجع)

ويمكننا تلخيص تجربة باكستان السلبية – والتجارب السلبية أعظم أهمية دائمًا – في هاتين النقطتين:

الأولى: النقص في تماسك القوة المنظمة الأساسية وتكوينها، والتي جسّدت تصور محمد إقبال لباكستان.

الثانية: النهج الشكلي والدوغمائي في تطبيق المبادئ الإسلامية في تجربة باكستان. فبدلًا من أن يلتَفِتَ مفكروها وفقهاؤها إلى قضايا التعليم الملحّة، استنفدوا طاقاتهم، وآل بهم الأمر إلى الانقسام حول التطبيق الصارم للحدود الجنائية، وقوانين الأحوال الشخصيّة.

إن العبر المستخلصة من عشرين سنة على وجود باكستان أمست واضحة، وهي: أولاً؛ إن النضال في سبيل النظام الإسلامي، وإعادة بناء المجتمع الإسلامي بنجاح؛ لا يمكن أن يخوضه إلا أفراد مُتمرِّسون ومُهيَّأون، وقد جمعهم تنظيم متين ومتجانس.

ثانيًا؛ إن النضال من أجل النظام الإسلامي اليوم، هو كفاح من أجل تحقيق جوهر الإسلام، وهذا يعني تزويد الشعب عمليًّا بالتربية الدينية والأخلاقية، وتوفير العناصر الأساسية للعدالة الاجتماعية.

الجهاد في سبيل الإسلام يبدأ بالحرب على الجهل والظلم والفقر،

الجامعة الإسلامية والقومية

الوظيفة الطبيعية للنظام الإسلامي، هي السعي لتوحيد جميع المسلمين والمجتمعات الإسلامية في العالم. إن هذا السعي، في ظل حالنا اليوم؛ يعني النضال من أجل إنشاء فيدرالية إسلامية كبرى، تمتد من المغرب إلى إندونيسيا، ومن إفريقيا الاستوائية إلى آسيا الوسطى.

إن تلك الواقعية، التي تنبع من القنوط وتقديس الأقوياء في هذا العالم؛ تعني أن يظل المُتسيِّدون سادة، ويبقى المستعبَدون عبيدًا.

لقد كان كل شيء تقريبًا – مما نراه يتحقق اليوم في عالمنا الحديث، يبدو مُستحيلاً قبل خمسين عامًا.

إنه إذا كان ثمة شيء غير واقعي حقيقة، فهو بالقطع ليس وحدة المسلمين؛ وإنما هو غياب تلك الوحدة، وتحديدًا؛ حالة الانقسام والخلاف المهيمنة اليوم.

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾. وقد حافظ عليها الإسلام، وحرص على تجددها في ضمائر المسلمين من خلال الاشتراك في فريضة الصوم، وفريضة الحج إلى مكة المكرمة والكعبة المشرفة، بوصفها مركزا روحيا فريدا؛ فخلق بذلك شعورًا -دائماً ومُتشابهاً- بالانتماء ووحدة العمل، في كافة أرجاء العالم الإسلامي.

الأيديولوجية القومية قد اعتُبرت عندنا بديلا عن الإسلام، ولذلك، صُنّفت ابتداءً بأنها حركة معادية للإسلام؛

ولذلك، ستجد أن وضع اللغة العربية في بعض البلدان العربية على الأقل فيما يخص موقف سلطات الإدارة الوطنية ليس أفضل من وضعها إبان الاحتلال الإنجليزي والفرنسي.

وسبب هذا الموقف من اللغة العربية بسيط؛ وهو أن اللغة العربية، بوصفها لغة القرآن الكريم والحضارة الإسلامية، تمثل أداة للمشاعر الإسلامية، أكثر منها أداة للمشاعر العربية أو للقومية العربية، أو حتى للأيديولوجية القومية في العموم.

بيد أنه – في العالم الإسلامي – لا وجود للوطنية دون إسلام.

إذ كان رواد القومية هم المفكرين السوريين واللبنانيين المسيحيين، الذين تلقوا تعليمهم في الجامعة الأمريكية (الكلية البروتستنتية السورية سابقًا)، وفي جامعة القديس يوسف في بيروت.

هذا هو التصور الشائع، بيد أن الدراسات التاريخية الحديثة قد برهنت على أن الجذور الحقيقية للتصورات القومية جذور سيئة؛ تبلورت في الشام في مواجهة سياسة التتريك التي انتهجها العثمانيون، وقد كان أبرز ممثلي الفكرة القومية في الشام آنذاك الشيخ طاهر الجزائري. (المراجع)

لقد كانت الجامعة الإسلامية تنبع دائماً من قلب الشعب المسلم، أما القومية فكانت سلعة مستوردة على الدوام.

ونحن نشهد اليوم رجالاً حكماء – بعيدي النظر – في فرنسا وألمانيا، ينصحون شعوبهم بتقليص شعورهم بفرنسيتهم أو ألمانيتهم، وتنمية شعورهم بأنهم أوروبيون. ورغم إن هذا الزعم يبدو غير مقبول لأول وهلة، إلا إن إنشاء السوق الأوروبية المشتركة؛ يمثل أعظم الأحداث البناءة في التاريخ الأوروبي إبان القرن العشرين. إذ يُعدُّ إنشاء هذه البنية فوق القومية أول انتصار حقيقي للشعوب الأوروبية على [الأيديولوجية] القومية. لقد أمست القومية ترفاً باهظ التكاليف للشعوب الصغيرة، بل وحتى للشعوب متوسطة الحجم.

إن التخلف الاقتصادي والثقافي للدول المسلمة، يزداد سوءًا يومًا بعد يوم؛ نتيجة للازدياد الكبير في عدد السكان.

منظور المؤلف للزيادة السكانية، يستبطن المعايير والمقولات الغربية ذاتها، التي استبطنتها النخب الحاكمة التي ينتقدها! (المراجع)

فهل بمقدورنا استقبال وإطعام وتعليم كل تلك الملايين التي يُتوقع ولادتها، وتوفير الوظائف لها؟ إن هذا النمو الديمغرافي الدرامي، إذا لم يكن مصحوبًا بتنمية اقتصادية واجتماعية بالسرعة نفسها؛ فسيكون محفوفًا بالكثير من المخاوف والمخاطر المحتملة.

إن نجاح أي دولة مسلمة في بناء حريتها ورفاهيتها، مرهون ببنائها حرية ورفاهة المسلمين جميعًا.

إن الدول المسلمة الغنية، ومن خلال أدائها واجبها الإسلامي؛ إنما تُحقق ما تقتضيه مصالحها العُليا.

ثمة وجاهة في هذه الحجة، قياسًا على فريضة الزكاة. (المراجع)

إن الخيار المتاح لأي بلد مسلم واضح: إما أن يضمن لنفسه بالاتحاد مع باقي البلدان المسلمة البقاء والتقدم والقوة، لمواجهة كافة الابتلاءات، وإما أن يزداد تخلفاً يوماً بعد يوم ويسقط في هاوية التبعية؛

المسيحية واليهودية

ففيما يخص المسيحية، نفرّق بين تعاليم المسيح والكنيسة؛ فنَعُدُّ تعاليم المسيح وحياً إلهياً، لحق به تحريف في بعض المواضع. أما الكنيسة، فإننا نعتبرها تنظيماً أضحى بنيته الهرمية الحتمية، وبسياسته وثرواته ومصالحه؛ كياناً لا يُعادي الإسلام فحسب، بل إنه مُعادٍ للمسيح نفسه.

فكلّما كانت الكنيسة أقرب إلى التعبير عن تعاليم الإنجيل الأخلاقية، وتفسيرها؛ كُلّما ابتعدت عن محاكم التفتيش، وكانت بالتالي أقرب إلى الإسلام.

لقد عشنا مع اليهود قروناً -جنباً إلى جنب- بل وبنينا معهم ثقافة، بحيث لا يمكن -في بعض الحالات- التمييز دقيقاً بين ما هو إسلامي وما هو يهودي في تلك الثقافة.

فإن القدس ليست قضية الفلسطينيين وحدهم، ولا هي حتى بقضية العرب وحدهم؛ وإنما هي قضية الشعوب المسلمة كلها. ولكي يحتفظ اليهود بالقدس، فإن عليهم هزيمة الإسلام والمسلمين جميعًا، وهذا -ولله الحمد- فوق طاقتهم.

ونحن نريد التمييز بين اليهود والصهاينة، هذا إن وجد اليهود في أنفسهم القدرة على هذا التمييز.

فلن يبقى للحركة الإسلامية [حينئذ]، ولسائر المسلمين حول العالم؛ سوى حل واحد هو: مواصلة النضال وتوسعة رقعته وإطالة أمده، يوماً بعد يوم، وعاماً بعد عام، مهما عظمت التضحيات، وطال الزمان الذي سيستغرقه النضال؛ حتى يضطروا إلى إعادة كل شبر من الأرض المغتصبة. إن أي مساومة أو تنازل، قد تُشكِّك في الحقوق الأساسية لإخواننا في فلسطين؛ تُعدّ خيانة من شأنها هدم النظام الأخلاقي، الذي يقوم عليه عالمنا [الإسلامي].

الرَّأسمالية والاشتراكية

وفي الواقع، فإن النظام لا يؤثر في أوضاع بلد ما، إلا بمقدار نجاحه في التشجيع على العمل أو تنظيمه مباشرة، لأن العمل هو المصدر الحقيقي لكل الثروات.

لذلك، فإذا تجنبنا اتباع الشعارات والألقاب، وأخذنا في الحسبان الحقائق كما نراها في العالم فحسب؛ فينبغي لنا الاعتراف بالتطور الاستثنائي للعالم الرأسمالي خلال الأعوام الثلاثين الماضية [١٩٣٩-١٩٦٩م]، وحركيته، وقدرته على دفع عجلة الاقتصاد والعلوم الطبيعية/المادية، وضمان درجة عالية من الحرية السياسية والاستقرار القانوني. كذلك، لا يمكننا التغافل عن منجزات النظام الاشتراكي، لا سيما في حشد الموارد المادية في مجال التعليم، وفي القضاء على أشكال الفقر الكلاسيكية.

إن الانفتاح البراغماتي للإسلام، في حلّ قضية النظام العالمي اليوم؛ يجعله في وضع مميز يمكنه من دراسة تجارب الآخرين الإيجابية والسلبية واستخدامها دون تحيّز. وفي مقدمتهم الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي واليابان.

وعلى العكس من ذلك، فإن الروح البراغماتية للرأسمالية أشدّ ملاءمة لعقلانية المجتمع المتقدم. لقد تبيّن أن الأشكال المتطورة من الاقتصاد الرأسمالي، تعمل بنجاح في مجتمع يتمتع بشكل من أشكال الحكم الديمقراطي، وببيئة ثقافية ناضجة، ودرجة كبيرة من الحريات الشخصية والسياسية.

وعليه، فلا وجود للحتمية المتوهَّمة لهذا النظام أو ذاك. وإنَّ الحتمي حقاً هو الحركة المتواصلة للاقتصاد، القائم على التقدم العلمي والتقني المستمر. ويبدو أن تحسين أدوات العمل وآلياته، هو النشاط الوحيد الذي يجب على الناس الاضطلاع به.

الخُلاصَة

بيد أن الكثيرين سوف يتساءلون في حيرة: أين القوى التي ستُحقِّق هذه الرؤية؟!

وإننا بالإجابة عن هذا السؤال الحتمي؛ نُشير إلى الجيل المسلم الجديد، الذي يبلُغ رُشده ويشتدُّ عوده خلال الأعوام الجارية.

وأن المخرج الوحيد للعالم الإسلامي يكمن في العودة إلى موارده الذاتية – الدينية والمادية – وهي: الإسلام والمسلمون.

ونحن إذ نتوجه بهذه الرسالة إلى مسلمي العالم أجمع؛ نؤكد تأكيداً واضحاً أنه ليس لنا أرض ميعاد، ولا عندنا أصحاب مُعجزات خارقة، ولا مهديون [ننتظر] استنقاذهم لنا. فما من سبيل سوى العمل والجهاد والتضحية.

وينبغي لنا، ونحن [نمر] بأوقات الشدّة؛ أن نضع في اعتبارنا أمرين على الدوام: أننا نستمد العون والبركة من الله، ثم من رضا شعبنا.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

اكتشاف المزيد من مدونة التاعب

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading