بسم الله الرحمن الرحيم
خُلاصة كتاب:
من النبي ﷺ إلى البخاري
دراسة في حركة رواية الحديث ونقده في القرون الثلاثة الأولى
تأليف الدكتور / أحمد صنوبر
فهرس المواضيع:
الفصل الأول: من النبي ﷺ إلى الصحابة رضوان الله عليهم
المبحث الأول: تلقي الصحابة الطبيعي عن النبي ﷺ
المبحث الثاني: من هو الصحابي؟ ولماذا أكثر بعضهم من الرواية دون آخرين؟
المطلب الثاني: لماذا أكثر بعض الصحابة الرواية عن النبي ﷺ دون آخرين؟
المبحث الثالث: لماذا نَثِق برواية الصَّحابي؟
المطلب الثاني: ضبط الصحابة للحديث
المبحث الرَّابع: مظاهر طبيعية الرِّواية في عصر الصَّحابة رضوان الله عليهم بعد وفاة النبي ﷺ
المظهر الأوَّل: الطَّبيعية في الاهتمام بالحِفْظ أكثر مِن الكتابة
المظهر الثَّاني: الطَّبيعِيَّة في كثرة النِّساء في طبقة الصَّحابة
المظهر الثالث: الطبيعية في بدايات الإسناد والعلاقة بالمتغيرات الاجتماعية والسياسية
المبحث الخامس: السُّلْطَة النَّقدِيَّة المُصاحبة لتطوُّر الرِّواية
المطلب الأوَّل: السُّلْطَة النَّقدِيَّة في عَصْر كِبَار الصَّحابة
المطلب الثَّاني: السُّلْطَة النَّقدِيَّة في عَصْر الطَّبقة الوسطى مِن الصَّحابة
المطلب الثَّالِث: السُّلْطَة النَّقْدِيَّة في عَصْر صِغار الصَّحابة
نتيجة وتحليل: الرِّوايات في المُجتمع النَّقدِيّ
الفَصْل الثَّاني: مِن الصَّحابة إلى التَّابعين
المبحث الأوَّل: الحديث في الأمصار الإسلامية
المطلب الأوَّل: مدرسة المدينة الحديثية
أولاً: أبو هريرة الدَّوْسِيّ اليَمَانِيّ سَيِّد الحُفَّاظ الأثبات (ت ٥٧هـ):
ثانياً: عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما (ت ٧٣هـ):
ثالثاً: السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها (ت ٥٧ هـ):
رابعاً وخامساً: جابر بن عبد الله رضي الله عنه (ت ٧٨هـ) وأبو سعيد الخدري رضي الله عنه (ت ٧٤هـ):
المطلب الثاني: مدرسة الكوفة الحديثية
أولاً: عبد الله بن مسعود رضي الله عنه (ت ٣٢هـ):
ثانيًا: علي بن أبي طالب كرم الله وجهه (ت ٤٠هـ):
المطلب الثالث: مدرسة البصرة الحديثية
أولاً: أبو موسى الأشعري رضي الله عنه (ت ٤٤ هـ):
ثانيًا: عِمْرَان بن حُصَيْن رضي الله عنه (ت ٥٢ هـ):
ثالثاً: أنس بن مالك رضي الله عنه (ت ٩٣هـ):
المبحث الثَّاني: مظاهر الطَّبيعية في انتقال الحديث مِن الصَّحابة إلى التَّابعين
المبحث الثَّالِث: السُّلْطَة النَّقدِيَّة المُصاحبة لحركة الرِّواية
المظهر الأول: التفتيش عن الإسناد
المظهر الرابع: التدقيق والاختبار
الفَصْل الثَّالِث: مِن التَّابعين إلى أتباعهم
المبحث الأوَّل: مسارات الرِّواية مِن التَّابعين إلى أتباع التَّابعين
المبحث الثَّاني: التَّحوُّل المعرفي الكبير وبدايات التَّصنيف على الكُتُب في عَصْر أتباع التَّابعين
المطلب الأول: الرواية بين مرحلتي الحفظ والتصنيف
المطلب الثاني: مرحلة التدوين الرسمي: محاولة لم تنجح
المطلب الثالث: عوامل التحول من مرحلة الحفظ والكتابات الشخصية إلى مرحلة التصنيف العام
المَعْلَم الأوَّل: مِن الصُّحُف الشَّخصية إلى التَّصنيف والنَّشر العام
المَعْلَم الثالث: مِن الرِّحلة الشَّخصية إلى نشاط الرِّحلة المُنتشِر
المَعْلَم الرابع: تطوُّر التَّعبيرات المُتعلِّقة بتحمُّل الحديث عن الشُّيُوخ
المَعْلَم الخامس: التَّطوُّر في اختيار الرِّوايات وانتقائها
المبحث الرَّابع: المُجتمع النَّقدي في عَصْر أتباع التَّابعين
المطلب الأول: شعبة بن الحجاج ومركزيته في نقد الرواة والروايات في النصف الأول من القرن الثاني
المطلب الثاني: مظاهر التحول من النقد المبني على الحاجة إلى النقد المنهجي وأسبابه
المطلب الثالث: مقولات شعبة النقدية واستخلاص معالم المنهج النقدي
المَعْلَم الأول: أنه منهج مبني على أدوات تاريخية لا أدوات دينية
الطريقة الثانية: مقارنة رواياته بغيره
الأول: مخالفة الراوي للثقات المعروفين
الثاني: المُقارنة بين ثقتين كبيرين في شيخهما والتَّرجيح بينهما
الطريقة الثالثة: مراجعة الشيخ المروي عنه والتأكد من رواية طلابه عنه
الطريقة الرابعة: النَّظر في تفرُّدات الرَّاوي
الطريقة الخامسة: التَّفتيش في كتاب الرَّاوي
الطريقة السادسة: مُلاحظة قابلية الرَّاوي للكذب
الطريقة السابعة: النَّقد بالعَرْض على التاريخ
الطريقة الثامنة: مُلاحظة تفرُّد الرَّاوي في الإسناد
المَعْلَم الثاني: أنَّه نقدٌ طبيعيٌّ مُصاحبٌ لتطوُّر الرِّواية وإشكالاتها التي تُستَجَدّ
المَعْلَمُ الرابعُ: أنَّه نقدٌ مُطَّرِدٌ ثابتٌ يشمل الجميع حتى شُعبة نفسه
الجهةُ الأولى: أن شعبة كان يدقق على نفسه تدقيقًا عاليًا خوفًا من الخطأ والوهم
الجهة الثانية: أنَّ شُعبة لم يكن مُحابياً نفسه وأقاربه في نقده
الجهة الثالثة: أنَّ النُّقَّاد انتقدوا شُعبة بأدواته ذاتها
المَعْلَم الخامس: أنَّ الرِّواية هي التي تحكم على الرَّاوي، وأنَّ النَّقد للمتن والإسناد كليهما
المطلب الرابع: آثار المنهج النَّقدي في المُجتمع الحديثي في تِلْك الحقبة
الجهة الأولى: خوف الرُّواة من سُلطة النُّقَّاد
الجهة الثانية: تأثُّر النُّقَّاد بالمنهج وتطويرهم فيه
الفَصْل الرَّابع: مِن أتباع التَّابعين إلى أصحاب المُصنَّفات المشهورة
المبحث الأوَّل: مَعَالِم في التَّحوُّل مِن القرن الثاني إلى القرن الثالث
المَعْلَم الأوَّل: مِن استقرار المُتُون إلى انتشار الأسانيد
المَعْلَم الثاني: مِن المُصنَّفات والموطآت إلى المسانيد والسُّنن والصِّحاح
المَعْلَم الثالث: مِن ظاهرة نقص الإسناد إلى ظاهرة اكتماله: من المُرسلات إلى المُتَّصلات
المَعْلَم الرابع: انتشار النَّقد انتشاراً واسعاً
المَعْلَم الخامس: تمايز مدرسة المُحدِّثين
المَعْلَم السَّادِس: انتشار تصنيف الأحاديث وترتيبها على أشكالٍ مُختلفةٍ مُتعدِّدة
المبحث الثَّاني: مِن شُعبة إلى ابن مَعِين.. رُسُوخ المنهج النَّقدِيّ وتوسُّعه
المطلب الأول: يحيى بن معين (١٥٨-٢٣٣هـ) وأهمية نقده في بدايات القرن الثالث الهجري
المطلب الثاني: استمرار النَّقد المبني على منهجية التَّوثيق التَّاريخي لا الذَّاتي
المطلب الثالث: معالم مراقبة ابن معين للرواة والروايات
المَعْلَم الأول: المُراقبة الحثيثة للتَّغيُّرات في أحاديث الرَّاوي
أولاً: المراقبة للتغيرات الزمانية
ثانياً: المُراقبة للتَّغيُّرات المكانِيَّة
ثالثًا: المُراقبة للتَّغيُّرات عند اختلاف الشُّيُوخ
رابعًا: المُراقبة للتَّغيُّرات إذا اختلف الموضوع الحديثي
الْمَعْلَمُ الثَّانِي: مُرَاقَبَةُ الكُتُبِ وَالنَّسْخُ
أولًا: طلب النَّظر في الكتاب والتَّأكُّد من مضمونه
ثانياً: التَّفريق بين مواضع الأحاديث في الكتاب
ثالثاً: التَّفريق بين أنواع الكتابات
رابعاً: مُلاحظة السَّرقة من الكُتُب والادِّعاء بالسَّماع
المَعْلَم الثالث: مُراقبة تفرُّدات الرَّاوي عن أقرانه: نقد الرَّاوي لتفرُّده بحديثٍ واحدٍ
المطلب الرابع: آثار منهج ابن معين النَّقدي في صُفُوف الرُّواة، ومَدَى التَّسليم له
المبحث الثَّالِث: مِن تُراث النَّقد والرِّواية الواسع إلى الإمام البُخارِيّ (ت ٢٥٦هـ)
المطلب الأول: تُراث النَّقد وشخصية البُخاري النَّقدية
المَطْلَب الثَّاني: النِّتاج النَّقدي عند الإمام البخاري
المَطْلَب الثَّالِث: تُراث الرِّواية ومركزية صحيح البُخاري
أولاً: كيف جمع البُخاري الصَّحيح مِن ذلك التُّراث؟
الأولى: اعتماده على المُصنَّفات المشهورة المعروفة لأتباع التَّابعين
الثَّانية: الرِّوايات الشَّفَوِيَّة التي سمعها في المجالس الحديثية التي طافها
ثانياً: لماذا تميَّز صحيح البُخاري عن غيره مِن كُتُب السُّنَّة؟
المَعْلَم الأوَّل: اختيار أعلى درجات الصِّحَّة
الْمَعْلَم الثَّانِي: بَيْنَ انْتِقَاءِ أَصَحِّ الْأَحَادِيثِ وَانْتِقَاءِ أَوْثَقِ الرُّوَاةِ
المَعْلَم الثَّالِث: الإشارات الخَفِيَّة في الصَّحيح
المَطْلَب الرَّابع: بين الموضوعِيَّة والذَّاتِيَّة في تصنيف الصَّحيح
المَطْلَب الخامِس: نقد المُحدِّثين لصحيح البُخاري: تثبيت للمكانة أم تشكيك فيها؟
الخاتِمَة: الأحاديث النَّبوية.. مِن صَلَابة خِطَاب النَّقْد الحديثي إلى سُيُولة التَّلقِّي الحَدَاثي
مُقدِّمة
يعرض هذا الكتاب تطور رواية الأحاديث النبوية على مدار القرون الثلاثة الأولى من زمن تلقي الصحابة رضي الله عنهم الحديث عن النبي ﷺ وصولاً إلى زمن تصنيفها في كتب الحديث المعروفة في القرن الثالث الهجري،
وينتهج هذا الكتاب مقاربة يعرض فيها تاريخ الحديث النبوي وتطور روايته بناءً على انتقال الرواية من جيل إلى جيل، فيعرض لمظاهر تلقي الصحابة رضي الله عنهم الحديث عن النبي ﷺ ثم لانتقالها من طبقة الصحابة إلى طبقة التابعين مركزًا على مظاهر الطبيعية والتلقائية في الرواية، ثم مسارات انتقال الرواية من طبقة التابعين إلى أتباعهم، ثم من طبقة الأتباع إلى طبقة مصنفي الكتب الحديثية المشهورة في القرن الثالث.
ويركز الكتاب على حركة النقد المصاحبة لتطور الرواية في جميع مراحلها وتنقلاتها، وقد آثرت تسميتها بـ سلطة النقد لما فيها من تشدد على الرواة والروايات وتخويف لهم وإشعارهم بخطورة التحديث من غير تثبت، وهو ما له أثر هام في مسيرة النقد الحديثي.
وقد آثرت أن يكون كتابًا معتنياً بتاريخ الرواية من حيث هو تاريخ، مركزًا على سؤال الثبوت التاريخي للأحاديث، دون أن أركز على سؤال حُجِّيَّةِ السنة والعمل بالأحاديث، إذ يُرجِع سؤال الحُجِّيَّةِ والعمل إلى قضايا النبوة والعصمة والمعجزة،
وعلى ذلك فإن هذا الكتاب يبحث في سؤال الثبوت التاريخي للأحاديث، فكأن قضيته قائمة على السؤالين الآتيين:
الأول: هل كانت رواية أحاديث النبي ﷺ رواية طبيعية منسجمة مع حركة التاريخ في القرون الثلاثة الأولى؟
الثاني: هل كان هناك منهج نقدي لتوثيق تلك الروايات أيام حركتها وتطورها وانتشارها؟
إذ لا بد أن نتثبت من أحداث التاريخ ونتوثق من الأخبار فيه عبر التأكد من طبيعية الرواية وانسجامها، ومن وجود منهج نقدي يضبطها ويتأكد من صحتها وسلامتها على مدار التاريخ.
لكن لا بد من الاعتراف بأن عشرات آلاف الرواة اضطلعوا بحمل الرواية الحديثية في عصورها النشطة، وبأنها شملت مساحات شاسعة واسعة من البلدان الإسلامية، تمتدُّ عشرات آلاف الكيلومترات، من أقاصي بلاد فارس إلى قلب الأندلس في القارة الأوروبية، وهو ما يعني أن كتابًا مثل هذا لا يمكنه أن يكون شاملًا عامًا تفصيليًا دقيقًا في كل ذلك.
فإن المخاطب به هم طلبة كليات العلوم الإسلامية الراغبون بدراسة تاريخ الحديث وتطور روايته، والمثقفون والباحثون في الدراسات الإنسانية المهتمون بالاطلاع على مجال تاريخ تطور الفكر الإسلامي والعلوم الإسلامية.
من تلك الدراسات الجادة دراسة المستشرق الألماني هرلد موتسكيHarald Motzkiفي كتابه:
The Origins of Islamic Jurisprudence: Meccan Fiqh Before the Classical Schools
المترجمة تحت عنوان بدايات الفقه الإسلامي وتطوره في مكة حتى منتصف القرن الهجري الثاني حيث أثبت – من خلال قرائن ومعايير مستقاة من عينة ذكية شملت كتابي النكاح والطلاق في مصنف عبد الرزاق – صحة نسبة الروايات في مصنف عبد الرزاق إليه، ثم صحة ما نسبه عبد الرزاق إلى طبقة شيوخه وشيوخهم من أمثال ابن جريج وعمرو ابن دينار وعطاء بن أبي رباح، ثم صحة ما نسبه عطاء وعمرو إلى طبقة الصحابة، ويعني بالصحة أن هذه الروايات لم تكن مزوّرة أو مسقطة من جيل لاحق نسبوها إليهم، فهم أشخاص حقيقيون ولهم روايات حقيقية وليسوا مزوّرين أو مزوَّرين، وهي دراسة هامة في إثبات مصداقية الكتب الحديثية القديمة ومضمونها من الروايات بطريق تاريخي صرف، ورد فكرة التزوير والإسقاط اللاحق عليها.
دراسة الأستاذ الدكتور محمد عجاج الخطيب السنة قبل التدوين ، ودراسة الأستاذ الدكتور رفعت فوزي عبد المطلب توثيق السنة في القرن الثاني الهجري، أسسه واتجاهاته ، وهي دراسات قوية جادة إلا أنها لم تشمل المراحل كلها،
ولعل أشهر الكتب التي حملت عنوان Hadis Tarihi ، أي تاريخ الحديث ، في الأكاديمية التركية واستفدت منها في بحثي هذا كتاب الأستاذ الدكتور طلعت كوتشيت، وكتاب أستاذنا الدكتور أحمد يوجل، وكتاب الأستاذ الدكتور بكر قوزودشلي، وهي كتب جادة هامة.
ثم إني آثرت أن أذكر في عنوان هذا الكتاب الإمام البخاري، قاصدًا به طبقة البخاري من العلماء الذين صنفوا الكتب الحديثية المشهورة في تلك الحقبة،
وإلا فالقصد طرق وصول الأحاديث إلى النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، فضلًا عن كون مكانة البخاري الحديثية مشهورة معروفة، وصحة ما في كتابه وأهمية اختياراته ونقده من القضايا المسلمة في علوم الحديث.
ولما كنت أقصد طبقة البخاري فإن الكتاب كله كان مرتبًا على طريقة علماء المسلمين في التاريخ، وهي طريقة الطبقات، فكان الفصل الأول في انتقال الحديث من النبي ﷺ إلى الصحابة، والثاني من الصحابة إلى التابعين، والثالث من التابعين إلى أتباع التابعين، والرابع من أتباع التابعين إلى أصحاب الكتب المصنفة المشهورة.
إذ إن التحقيب السياسي تحقيب يرى مركزية الدولة والسياسة في المجتمع الإسلامي، ولم يكن الأمر كذلك في رأيي، إذ كان العلماء هم مركز التفاعلات العلمية والاجتماعية في العصور الإسلامية.
الفصل الأول: من النبي ﷺ إلى الصحابة رضوان الله عليهم
المبحث الأول: تلقي الصحابة الطبيعي عن النبي ﷺ
أدعي في هذا المبحث أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم تلقوا الحديث عن النبي ﷺ بطريقة طبيعية تلقائية انسيابية، ليست مصطنعة ولا متكلفة، وأعني بالحديث هنا ما يشمل القول والفعل والتقرير والصفة، أي: أنه يشمل جميع أحواله الشريفة ﷺ؛ ولذلك كان تلقيهم الحديث شاملاً لجميع تلك الأحوال، دون أن يكون مقتصراً على مجالس علمية معينة بعينها.
وقد اعتنى الصحابة رضي الله عنهم بملاحظة أقواله وتصرفاته وأفعاله في جميع الأوقات والأحوال عناية بالغة، واجتهدوا في ذلك غاية الاجتهاد، فجعلوا حياته وتصرفاته وأفعاله وأقواله وسيرته بكل تفاصيلها حديثاً يَرْوُونه ويهتمون به؛ ولذلك وصلت إلينا تفاصيل حياته اليومية ﷺ من الصباح إلى المساء على مدار سنوات كثيرة، فقد روى الصحابة رضوان الله عليهم أقواله وأفعاله إذا استيقظ من نومه، ثم إذا دخل الخلاء، ثم إذا خرج منه، ثم إذا توضأ، ثم إذا مشط شعره، ثم إذا نظر في المرآة، ثم إذا لبس ثوباً جديداً، ثم إذا خرج من بيته ثم في طريقه إلى المسجد ثم عند دخوله المسجد، ثم عند صلاته، وتفاصيل ما يفعل فيها وما يقول، ثم بعد صلاته، وخروجه من المسجد، وشرائه للأشياء، ثم عند نظره إلى ما يعجبه، ثم في غزواته وأسفاره وحديثه مع ضيوفه وهلم جرا. ومن يطالع الكتب الستة، ويطالع الكتب المسماة بـ: عمل اليوم والليلة وكتب الشمائل المحمدية ، وكتب الأذكار يدرك تفاصيل ذلك.
ولم يقتصر تبليغهم على أقواله وأفعاله، بل إنهم لاهتمامهم بجميع شؤونه ﷺ روَوْا أدق التفاصيل في وصفه، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان رسول الله ﷺ ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير…، بعثه الله على رأس أربعين سنة، فأقام بمكة عشر سنين وبالمدينة عشر سنين، فتوفاه الله وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء . فكأنه كان يعد الشعرات البيض في رأسه ولحيته. فكيف به في سماع أقواله ورؤية أفعاله؟
متفق عليه، صحيح البخاري، كتاب: المناقب، باب: صفة النبي ﷺ، ح: ٣٥٤٨. صحيح مسلم، كتاب: الفضائل، باب: في صفة النبي ﷺ ومبعثه وسنه، ح: ٢٣٤٧.
فكلُّ نظرة حديث، وكلُّ ابتسامة حديث، وكلُّ قول حديث، وكلُّ سفر حديث، وكلُّ تَصَرُّف حديث،
بل لم يكن هناك مجلس علمي منظم في تلك الحقبة أصلاً، فإن مجالس النبي ﷺ مع الصحابة كانت مجالس طبيعية تلقائية، ولم تكن محددة بوقت معين ومُدة معينة وموضوعات معينة.
ولما كانت مجالس تلقائية فإن أساليبه ﷺ تنوعت فيها، فكان منها الحوار، وإيراد السؤال، والتشويق وغير ذلك.
وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى هَذَا النَّحْوِ فَإِنَّ عَدَدَ الأَحَادِيثِ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ يَنْقُلَهَا الصَّحَابَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي اليَوْمِ الوَاحِدِ يَصِلُ إِلَى العَشَرَاتِ، ويصل إلى الآلاف في الشهر الواحد، وهذا يعني أن لا إشكال في رواية صحابي صحب النَّبِيَّ ﷺ سنوات قليلة آلاف الأحاديث؛ إذْ كُلُّ تَفَاصِيلِ حَيَاتِهِ ﷺ حَدِيثٌ، بَلْ إِنَّ الصَّحَابِيَّ الَّذِي صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ كَثِيرًا أَوْ قَلِيلاً يَشْعُرُ بِمَسْؤُولِيَّةٍ دِينِيَّةٍ فِي تَبْلِيغِ مَا تَلَقَّاهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، لَا سِيَّمَا أَنَّهُ قَدْ سَمِعَ مِنْهُ أَحَادِيثَ كَثِيرَةً فِي الحَضِّ عَلَى نَشْرِ العِلْمِ وتَبْلِيغِهِ.
فَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: أَلَا لِيُبَلِّغُ الشَّاهِدُ الغَائِبَ؛ فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يَبْلُغُهُ أَنْ يَكُونَ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ مَرَّتَيْنِ.
متفق عليه. صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب: حجة الوداع، ح: ٤٤٠٦. صحيح مسلم، كتاب: القسامة، باب: تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال، ح: ١٧٦٩. وذكره الكتاني في نظم المتناثر من الحديث المتواتر ، ص: ٣٤، ح: ٤.
وَقَدْ مَدَحَ النَّبِيُّ ﷺ مُبَلِّغِي الْعِلْمِ بِقَوْلِهِ: نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا، فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ غَيْرَهُ؛ فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ .
سنن الترمذي، أبواب: العلم عن رسول الله ﷺ، باب: ما جاء في الحث على تبليغ السماع، ح: ٢٦٥٦، وقال عنه: حديث حسن . سنن أبي داود، كتاب: العلم، باب: فضل نشر العلم، ح: ٣٦٦٠. سنن ابن ماجه، أبواب: السنة، باب: من بلغ علما، ح: ٢٣٠. وذكره الكتاني في نظم المتناثر من الحديث المتواتر ، ص: ٣٣-٣٤، ح: ٣.
وَحَثَّهُمْ على التَّحديث بقوله ﷺ: تسمعون ويُسمَع منكم، ويُسمَع ممَّن يَسْمَع منكم .
أخرجه أبو داود في كتاب: العلم، باب: فضل نشر العلم، ح: ٣٦٥٩. وصححه الشيخ شعيب في تحقيقه للسنن، ٥٠١:٥، وذكر أنه: “خبر بمعنى الأمر، أي: لتسمعوا مني الحديث وتبلغوه عني”.
في حديث عمر رضي الله عنه المشهور قال: كنتُ أنا وجارٌ لي مِن الأنصار في بني أُمَيَّة بن زيد ـ وهم من عوالي المدينة ـ وكنا نتناوب النُّزُول على النبي ﷺ، فينزل يوماً وأنزل يوماً، فإذا نزلتُ جئته بما حدَّث مِن خبرِ ذلك اليوم مِن الوحي أو غيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك … .
متفق عليه: صحيح البخاري، كتاب: العلم، باب: التناوب في العلم، ح: ٨٩. صحيح مسلم، كتاب: الطلاق، باب: في الإيلاء واعتزال النساء وتخيرهن، ح: ١٤٧٩.
وفي حديث البراء بن عازب قال: ما كلُّ الحديث سمعناه من رسول الله ﷺ، كان يُحدِّثنا أصحابُنا، وكُنَّا مُشتغلين في رعاية الإبل، وأصحاب رسول الله ﷺ كانوا يطلبون ما يفوتهم سماعه مِن رسول الله ﷺ، فيسمعونه مِن أقرانهم، وممَّن هو أحفظ منهم، وكانوا يُشدِّدون على مَن يسمعون منه .
الحاكم، معرفة علوم الحديث، ص: ١٤. وهو في مستدرك الحاكم، ح: ٣٢٦، ومسند الإمام أحمد، ح: ١٨٤٩٣، مختصراً، وصححه الحاكم على شرط الشيخين.
عن مالك بن الحويرث قال: أتينا النبي ﷺ ونحن شَبَبَةٌ مُتقاربون، فأقمنا عنده عشرين ليلةً، فظنَّ أنَّا اشتقنا أهلنا، وسألنا عمَّن تركنا في أهلنا، فأخبرناه، وكان رفيقاً رحيماً، فقال: ارجعوا إلى أهليكم، فَعَلِّمُوهم ومُرُوهم، وصلُّوا كما رأيتموني أُصَلِّي، وإذا حضرت الصلاة فَلْيُؤَذِّنْ لكم أحدكم، ثم لِيَؤُمَّكُمْ أكبركم .
متفق عليه. صحيح البخاري، كتاب: الأدب، باب: رحمة الناس والبهائم، ح: ٦٠٠٨. صحيح مسلم، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: من أحق بالإمامة، ح: ٦٧٤. وانظر: قصة وفد عبد القيس في صحيح البخاري، كتاب العلم، باب: تحريض النبي ﷺ وفد عبد القيس على أن يحفظوا الإيمان والعلم ويخبروا من وراءهم، ح: ٨٧. وفي صحيح مسلم، كتاب: الإيمان، باب: الأمر بالإيمان بالله ورسوله وشرائع الدين والدعاء إليه، ح: ١٧.
وكان من نتائج عدم الملازمة التامة هذه أن خفيت بعض الأحاديث على بعض الصحابة، بل على كبارهم، وهو منسجم مع طبيعة تلقيهم عن النبي ﷺ.
فمن ذلك: ما اشتهر عن عمر رضي الله عنه في خفاء بعض الأحاديث عليه، وهو ممن صحب النبي ﷺ طويلاً. فعن ابن عباس رضي الله عنه: …الوباء قد وقع بأرض الشام، فدعا عمر المهاجرين والأنصار واستشارهم، فاختلفوا، وكان عمر يرى الرجوع، فجاء عبد الرحمن بن عوف، وكان مُتغيِّبًا في بعض حاجته، فقال: إن عندي في هذا علمًا، سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا سمعتم به بأرض فلا تَقْدَمُوا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه . قال: فحمد الله عمر، ثم انصرف .
متفق عليه من حديث ابن عباس: صحيح البخاري، كتاب: الطب، باب: ما يذكر في الطاعون، ح: ٥٧٢٩. صحيح مسلم، كتاب: السلام، باب: الطاعون والطيرة والكهانة ونحوهما، ح: ٢٢١٩.
وعن عُبَيد بن عُمَير قال: استأذن أبو موسى على عمر، فكأنه وجده مشغولاً، فرجع فقال عمر: ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس؟ ائذنوا له. فدُعي له، فقال: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: إنا كنا نؤمر بهذا. قال: فأتني على هذا ببيّنة أو لأفعلن بك. فانطلق إلى مجلس من الأنصار، فقالوا: لا يشهد إلا أصاغرنا(١). فقام أبو سعيد الخدري فقال: قد كنا نؤمر بهذا. فقال عمر: خفي عليّ هذا من أمر النبي ﷺ أَلْهَانِي الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ .
متفق عليه، صحيح البخاري، كتاب: الاعتصام، باب: الحجة على من قال: إن أحكام النبي ﷺ كانت ظاهرة وما كان يغيب بعضهم من مشاهد النبي ﷺ وأمور الإسلام، ح: ٧٣٥٣. صحيح مسلم، كتاب: الآداب، باب: الاستئذان، ح: ٢١٥٣.
وأكد هذا السبب أبو هريرة رضي الله عنه لما قال: إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث على رسول الله ﷺ، والله الموعد. إني كنت امرأ مسكينًا ألزم رسول الله ﷺ على ملء بطني، وكان المهاجرون يشغلهم الصفق بالأسواق، وكان الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم… ،
متفق عليه، صحيح البخاري، كتاب: الاعتصام، باب: الحجة على من قال: إن أحكام النبي ﷺ كانت ظاهرة وما كان يغيب بعضهم من مشاهد النبي ﷺ وأمور الإسلام، ح: ٧٣٥٤. صحيح مسلم، كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل أبي هريرة رضي الله عنه، ح: ٢٤٩٢.
الصحابة رضي الله عنهم كانوا يتصرفون بغير تكلف، فيؤدي ذلك بهم إلى ذكر الصورة الحقيقية لتصرفاتهم مع النبي ﷺ، ومع ذلك كانوا يَرَوْونَ ذلك ولا يستنكفون،
فروت السيدة عائشة حديث الإفك المشهور، وكيف تصرفت فيه مع النبي ﷺ بكل طبيعية وتلقائية، ولم تتحرج في رواية أفعاله ﷺ ولا أفعالها،
متفق عليه. صحيح البخاري، كتاب: المغازي، باب: حديث الإفك، ح: ٤١٤١. صحيح مسلم، كتاب التوبة، باب: في حديث الإفك وقبول توبة القاذف، ح: ٢٧٧٠.
وروى عمر بن الخطاب رضي الله عنه كيف أنه تصدق وصام وصلى وأعتق مخافة كلامه الذي قاله للنبي ﷺ في يوم الحديبية، ومناقشته له في بنود الصلح،
انظر رواية: ففعلت لذلك أعمالًا في صحيح البخاري، كتاب: الشروط، باب: الشروط في الجهاد، ح: ٢٧٣٢.
كما أنهم قد يَزْوُونَ للتابعين مواقف لا يجرؤ الناس على روايتها عادة؛ لأنها ليست في مدحهم والثناء عليهم، بل فيها ذكر ضعفهم أو عجزهم.
ومن ذلك ما روي عن أبي ذر رضي الله عنه أنه سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي، ثم قال: يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة ،
صحيح مسلم، كتاب: الإمارة، باب: كراهة الإمارة بغير ضرورة، ح: ١٨٢٥.
وأبو ذر نفسه الذي روى قول النبي ﷺ له: إنك امرؤ فيك جاهلية ، حين أخطأ في تعامله مع بعض الرجال،
متفق عليه. صحيح البخاري، كتاب: الإيمان، باب المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك، ح: ٣٠. صحيح مسلم، كتاب: الأيمان، باب: إطعام المملوك مما يأكل وإلباسه مما يلبس، ح: ١٦٦١.
وهو نفسه الذي روى لنا الحديث المشهور من قول النبي ﷺ: ما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة. قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق. قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق. قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، على رغم أنف أبي ذر . وكان أبو ذر إذا حدث بهذا قال: وإن رغم أنف أبي ذر ، وكان يمكنه أن لا يروي كل تلك الأحاديث التي تظهره في غير موقف القوة والعزة.
متفق عليه. صحيح البخاري، كتاب: اللباس، باب: الثياب البيض، ح: ٥٨٢٧. صحيح مسلم، كتاب: الإيمان، باب: من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة ومن مات مشركاً دخل النار، ح: ٩٤.
وتروي السيدة عائشة عتاب النبي ﷺ لها في أمره بإمامة أبي بكر في آخر حياته، إذ تقول: إن رسول الله ﷺ قال في مرضه: مُرُوا أبا بكر يصلي بالناس. قالت عائشة: قلت: إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يُسمع الناس من البكاء. فَمُرْ عمر فليصل للناس. فقالت عائشة: فقلت لحفصة: قولي له: إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء، فمرّ عمر فليصل للناس، ففعلت حفصة، فقال رسول الله ﷺ: مَهْ، إِنَّكُنَّ لَأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ. مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ. فقالت حفصة لعائشة: ما كنت لأصيب منك خيرًا .
متفق عليه. صحيح البخاري، كتاب: الأذان، باب أهل العلم والفضل أحق بالإمامة، ح: ٦٧٩. صحيح مسلم، كتاب: الصلاة، باب: استخلاف الإمام إذا عرض له عذر من مرض وسفر وغيرهما من يصلي بالناس، ح: ٤١٨. ولفظ الحديث للبخاري.
ونجد بعض الصحابة يروي أحاديث تُظهر بساطته وعدم معرفته ببعض الأحكام الواضحة. ففي حديث معاوية بن الحكم السُّلَمِيّ قال: بَيْنَا أنا أصلي مع رسول الله ﷺ إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أُمِّيَاهْ! ما شأنكم تنظرون إليّ؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يُصْمِتُونَنِي، لكني سكتُّ. فلمّا صلّى رسول الله ﷺ فبأبي هو وأمي ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه، فوالله، ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني. قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن. أو كما قال رسول الله ﷺ. قلت: يا رسول الله، إني حديث عهد بجاهلية .
صحيح مسلم، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحته، ح: ٥٣٧.
لم تكن الكتابة طريقة أساسية ومعتمدة في التحمل عنه ﷺ، وإنما كانوا يعتمدون على حفظهم؛ إذ إن طبيعة التلقي في الغزوات والأسواق والأسفار والزيارات يقتضي ذلك،
مما يؤكد فكرة الطبيعية في الرواية ولا ينفيها أن النبي ﷺ لم يحمل الصحابة على ألفاظ معينة دقيقة في كثير من المواقف والأحوال، تيسيرًا منه ﷺ، فأدى ذلك إلى وجود اختلاف في ألفاظ بعض الروايات – رغم كونها مما عمل عليه الصحابة زمنا طويلاً مع النبي ﷺ – كاختلاف الروايات في ألفاظ التشهد؛
ففي بعضها: التحيات لله والصلوات والطيبات ،
متفق عليه. صحيح البخاري، كتاب: الصلاة، باب: التشهد في الآخرة، ح: ٨٣١. صحيح مسلم، كتاب: الصلاة، باب: التشهد في الصلاة، ح: ٤٠٢.
وفي غيرها: التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله ،
صحيح مسلم، كتاب: الصلاة، باب: التشهد في الصلاة، ح: ٤٠٣.
وعن عائشة: التحيات الطيبات الصلوات الزاكيات لله ،
موطأ الإمام مالك، كتاب: الصلاة، باب: التشهد في الصلاة، ح: ٣٠٢.
وعن عمر أنه كان على المنبر يعلم الناس التشهد بلفظ: التحيات لله الزاكيات لله الطيبات الصلوات لله .
موطأ الإمام مالك، كتاب: الصلاة، باب: التشهد في الصلاة، ح: ٣٠٠.
حمل الإمام الشافعي اختلاف الروايات في التشهد على توسعة النبي ﷺ على الصحابة في حفظ العبارات بلفظها، فأجاز كل واحد منهم بما حفظ، وكان يقصد المعنى، حيث قال: كلُّ كلامٍ أُرِيدَ به تعظيم الله فَعَلَّمَهُم رسول الله ﷺ، فَلَعَلَّهُ جَعَلَ يُعَلِّمُهُ الرجلَ فَيَحفَظُه والأخرَ فَيَحفَظُه، وما أُخِذَ حفظاً فأكثرُ ما يُحْتَرَسُ فيه منه إحالة المعنى… فلعل النبي ﷺ أجاز لكلِّ امرئٍ منهم كما حفظ؛ إذ كان لا معنى فيه يُحيل شيئاً عن حكمه .
الشافعي، الرسالة، ص: ٢٧١-٢٧٢.
وقال: ما في التشهد إلا تعظيم الله، وإني لأرجو أن يكون كل هذا واسعاً .
الشافعي، الرسالة، ص: ٢٧٥.
وتقرُب صورة ذلك بحديث عمر رضي الله عنه: سمعتُ هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأها، وكان النبي ﷺ أقْرَأنِيها، فكدتُ أعجل عليه، ثمَّ أمهلته حتى انصرف، ثم لَبَّبْتُهُ بردائه، فجئتُ به إلى النبي ﷺ، فقلتُ: يا رسول الله، إنِّي سمعتُ هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقْرَأتَنِيهَا؟ فقال له رسول الله: اقرأ، فقرأ القراءة التي سمعته يقرأ، فقال رسول الله: هكذا أُنْزِلَت، ثُمَّ قال لي: اقرأ، فقرأت، فقال: هكذا أُنْزِلَت، إنَّ هذا القُرآن أُنْزِلَ على سبعةِ أحرفٍ، فاقرؤوا ما تيسَّر .
متفق عليه. صحيح البخاري، كتاب: فضائل القرآن، باب: أنزل القرآن على سبعة أحرف، ح: ٤٩٩٢. صحيح مسلم، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: بيان أن القرآن نزل على سبعة أحرف وبيان معناه، ح: ٨١٨.
قال الشافعي: فإذ كان اللهُ لرأفته بخَلْقِهِ أنزل كتابه على سبعةِ أحرفٍ، معرفةً منه بأنَّ الحفظ قد يزِلُّ، ليُحِلَّ لهم قراءته وإن اختلف اللفظُ فيه، ما لم يكن في اختلافهم إحالةُ معنى، كان ما سِوَى كتاب الله أولى أن يجوز فيه اختلاف اللفظ ما لم يُحِلْ معناه. وكلُّ ما لَم يكن فيه حكم فاختلاف اللَّفظ فيه لا يُحِيلُ معناه .
الشافعي، الرسالة، ص: ٢٧٤.
طبيعة خطبه ﷺ: فهي لم تكن طويلة مُسْهَبَة. فعن جابر بن سَمُرَة قال: كنت أصلي مع رسول الله ﷺ، فكانت صلاته قصدًا وخطبته قصدًا .
صحيح مسلم، كتاب: الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة، ح: ٨٦٦.
وعنه أيضًا: كان رسول الله ﷺ لا يطيل الموعظة يوم الجمعة، إنما هن كلمات يسيرات ، وكان يأمر باقتصارها.
سنن أبي داود، كتاب: الصلاة، باب: إقصار الخطب، ح: ١١٠٧.
ولذلك فهي تأتي بالقدر الذي يؤدي المعنى المراد، وقد لا تتجاوز عدة جمل.
ثم إنَّ موضوعها قد يكون كتاب الله عز وجل. فقد خطب رسول الله ﷺ بسورة ﴿قٓ﴾ وسورة ﴿صٓ﴾، وتكرَّر هذا في عدد من خطبه، حتى قالت أم هشام بنت لحارثة ابن النعمان: ما حفظت ﴿قٓ﴾ إلا من في رسول الله ﷺ يخطب بها كل جمعة .
صحيح مسلم، كتاب: الجمعة، باب: تخفيف الصلاة والخطبة، ح: ٨٧٣.
المبحث الثاني: من هو الصحابي؟ ولماذا أكثر بعضهم من الرواية دون آخرين؟
المطلب الأول: من هو الصحابي؟
قول الإمام البخاري (ت ٢٥٦هـ) في أول كتاب فضائل الصحابة من صحيحه: ومن صحب النبي ﷺ أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه . [صحيح البخاري، ٢:٥.]
فيدخل فيه كل من رأى النبي ﷺ ولا يُشترط فيه طول الصحبة، وهو ما استقر عليه التعريف عند المتأخرين؛ فقد قال الحافظ ابن حجر (ت ٨٥٢هـ): الصحابي هو من لقي النبي ﷺ مؤمناً به، ومات على الإسلام . [ابن حجر، نزهة النظر، ص: ١١١.]
وقوله: لقي أعمّ من قوله: رأى ، ليدخل فيه أمثال الصحابي الجليل عبد الله بن أم مكتوم؛ فقد كان كفيف البصر. وقوله: مؤمنا به يخرج به من لقيه كافرًا، ثمَّ أسلم ولم يلتق بالنبي ﷺ بعد إسلامه،
إلَّا أنَّ هذا التعريف غيرُ مُجْمَع عليه؛ فقد اشترط جمهور الأصوليين طول الصُّحبة، واستدلُّوا بالعرف،
وجمهور المُحدِّثين على الأوَّل، واستدلُّوا باللُّغة؛ فإنَّ اسم الصَّحابيّ يقع على من صحب قليلاً أو كثيرًا.
وذهب بعض العلماء إلى أن هناك اصطلاحين مستقلين:
الأول: مَنْ يصح أن يكون معدودًا في جملة الصحابة، ويكفي فيه ثبوت الرؤية واللقاء.
الثاني: أن يكون من أصحاب النبي ﷺ الذين ثبت لهم الفضائل الجَمَّة، ويعود إليهم الفضل في نصرة النبي ﷺ، فيشترط فيه الصحبة العرفية. وعليه فمن أنكر صحبة من ثبتت له الرؤية إنما أنكرها بهذا المعنى.
المطلب الثاني: لماذا أكثر بعض الصحابة الرواية عن النبي ﷺ دون آخرين؟
الجهة الأولى: طبقات الصحابة بحسب تَقَدُّمِ وَفَيَاتِهِم وزمان تحديدهم
وهم على خمس طبقات:
الأولى: من حدَّثوا وأفتوا وأقرأوا، ثم قضوا نُحْبَهُم زمن أبي بكر وعمر: كأبي عبيدة بن الجراح، وبلال بن أبي رباح، ومعاذ بن جبل، وأبي مالك الأشجعي، وسَوْدَة بنت زَمْعَة، وهم أكابر الصحابة.
الثانية: من ماتوا زمن عثمان وعلي: كعبد الرحمن بن عوف، وطلحة، والزبير، وابن مسعود، وأُبَيِّ بن كعب، وأبي الدرداء، وأبي ذر، رضي الله عنهم أجمعين.
الثالثة: من تَوَفَّوْا زمن معاوية: كأبي موسى الأشعري، وأبي هريرة، وعائشة، وهم أواسط الصحابة سنًّا.
الرابعة: من تَوَفَّوْا في زمن يزيد، وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهما حتى استوثق الأمر لعبد الملك: كابن عباس، وابن عمر، وجابر بن عبد الله، وجابر بن سَمُرَة، وزيد بن أرقم، وأبي سعيد الخدري، وهم صغار الصحابة.
الخامسة: صغار الصحابة في الأمصار: كأنس بن مالك، وسهل بن سعد، وأبي أمامة الباهلي، وعبد الله بن بُسْر، وأبي الطفيل الكناني.
انظر: أسعد سالم تيم، علم طبقات المحدثين، ص: ١٦.
الجِهة الثانية: المكثرون والمُقِلُّون من الصحابة
أما المكثرون فيذكر علماء الحديث عادة سبعة من الصحابة من أصحاب الألوف، وهم حسب رواياتهم في مسند بقيّ بن مخلد: أبو هريرة (٥٣٦٤) حديثًا، ثم ابن عمر (٢٦٣٠) ثم أنس (٢٢٨٦) ثم السيدة عائشة (٢٢١٠) ثم ابن عباس (١٦٦٠) ثم جابر (١٥٤٠) ثم أبو سعيد الخدري (١١٧٠) رضي الله عنهم أجمعين. ثم يأتي بعد ذلك ابن مسعود، وله في مسند بقيّ بن مخلد (٨٤٨)، ثم عبدالله بن عمرو ابن العاص وله (٧٠٠). ومن المُقلّين من الصحابة: أبو بكر وخالد بن الوليد رضي الله عنهم أجمعين.
انظر: ابن حزم، عدد ما لكل واحد من الصحابة من الحديث، ص: ٧٩-٨٠، وانظر: ابن الجوزي، تلقيح فهوم أهل الأثر، ص: ٢٦٣، وما بعدها، و: السيوطي، تدريب الراوي، ٥: ١٨٨-١٩١. وهذه الأعداد تشمل الأحاديث المكررة في الكتب، وتشمل الصحيح والضعيف، فلو صفّت دون ذلك لكانت أقل بكثير.
أولاً: الزَّمان
إذا استعرضنا تواريخ وفيات الصحابة المكثرين نجد من الواضح أن جلّهم قد تأخرت وفاتهم، واحتاج الناس إلى علمهم؛ فقد توفي أبو هريرة سنة (٥٧هـ)، وابن عمر سنة (٧٤هـ)، وأنس (٩٣هـ)، والسيدة عائشة (٥٧هـ)، وابن عباس سنة (٦٨هـ)، وجابر (٧٨هـ)، وأبو سعيد (٧٤هـ)، رضي الله عنهم أجمعين. أما ابن مسعود فتوفي سنة (٣٢هـ)، وعبد الله بن عمرو بن العاص سنة (٦٣هـ). بخلاف كبار الصحابة الذين توفوا مبكرًا.
وعليه فمن الطبيعي أن تكون روايات السيدة عائشة (ت ٥٧هـ) أكثر من روايات السيدة فاطمة (ت ١١هـ)، وأن تكون روايات أنس بن مالك (ت ٩٣هـ) رضي الله عنه أكثر من روايات أبي بكر رضي الله عنه (ت ١٣ هـ)؛ فقد احتاج الناس إلى علمه كثيرًا بعد وفاة أكثر الصحابة، وزاد الاهتمام بالتعلم.
ثانيًا: المكان
أثر محل الإقامة للصحابي بعد وفاة النبي ﷺ في كثرة روايته، فمن كان في المدينة كان أكثر رواية من غيره؛ لكثرة الوافدين على المدينة، ولأنها دار العلم في تلك الحقبة.
ثالثًا: الأحوال الشخصية
تفاوت الصحابة رضي الله عنهم في تعاملهم مع الحديث ونشر العلم،
الانشغال بالتعليم والتصدّر للتدريس: ففرّق بين كبار الصحابة في الجيل الأول الذين كانوا مشغولين بالفتوحات، وكانت أيام اضطرابات سياسية، وبين من تصدّر للتعليم في زمن معاوية رضي الله عنه؛ إذ كانت الأمور السياسية في طريقها إلى الاستقرار،
ويمكن أن يمثل لذلك بأبي موسى الأشعري (ت ٤٤هـ)؛ فإنه وإن كان من علماء الصحابة فإن انشغاله بالفتوحات أثر في نشر علمه وتحديثه في البصرة لمّا كان واليًا لها، لكنه لمّا انتقل إلى الكوفة بعد عام ٣٠ للهجرة نشر بها علمًا كثيرًا.
وفرّق أيضًا بين من انشغل من الصحابة بالعبادة، ومن انشغل بالتعليم؛ فقد ذُكِرَ أن عبد الله بن عمرو بن العاص (ت ٦٣هـ) انشغل بالعبادة عن التعليم. فمن الطبيعي أن تقل رواياته عن أبي هريرة، وإن كتب ما لم يكتب أبو هريرة.
كثرة الملازمة للنبي ﷺ: ففرق بين السيدة عائشة (ت ٥٧هـ) زوجة النبي ﷺ وأبي هريرة (ت ٥٧هـ) رضي الله عنه الذي لزم النبي ﷺ كثيرًا كما هو مشهور ومعروف، وأنس بن مالك (ت ٩٣هـ) الذي خدمه عشر سنوات كما في الصحيحين، وبين صحابي أسلم متأخرًا أو جاء مع وفد إلى النبي ﷺ أو كان مشغولًا بالجهاد كخالد بن الوليد رضي الله عنه.
أسلوب التحديث: لعل أبا هريرة رضي الله عنه كان أشهر صحابي يعقد مجالس خاصة للتحديث عن النبي ﷺ، فأثار ذلك استغراب السيدة عائشة رضي الله عنها، فصرحت باستغرابها، لكنها لم تنكر عليه حديثه، وإنما استغربت أسلوبه، فقال: لم يكن النبي ﷺ يسرد الحديث كسردكم هذا .
متفق عليه. صحيح البخاري، كتاب: المناقب، باب: صفة النبي ﷺ، ح: ٣٥٦٨. صحيح مسلم، كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل أبي هريرة، ح: ٢٤٩٣.
وهذا يعني أن أبا هريرة كان يجلس مجلس التحديث، فيبدأ بسرد الأحاديث متتابعة متوالية، ويبدأ التابعون بحفظها، ولم يُحدِّث بهذه الطريقة كثيرٌ من أصحاب النبي ﷺ، فمن الطبيعي أن تكثر رواياته جدًا.
الثقة بالحفظ: وقد كان أشهر الصحابة في ذلك أبو هريرة رضي الله عنه، لدعاء النبي ﷺ له، فكان لا يخشى من النسيان، فكثرت مجالسه وكثرت رواياته،
المبحث الثالث: لماذا نَثِق برواية الصَّحابي؟
المطلب الأول: عدالة الصَّحابة
الصحابة هم نقلة الشريعة والسنن، والتشكيك في عدالتهم تشكيك في شطر الإسلام، وإثبات تلك العدالة من أهم القضايا لإثبات صحة الروايات عن النبي ﷺ؛
القضية الأولى: إذا كان المقصود إثبات صحة رواياتهم عن سيدنا رسول الله ﷺ فإن المطلوب هو: إثبات عدالتهم بمعنى عدم كذبهم،
الأبياري (ت ٦١٦هـ) القائل: ليس المُراد بعدالتهم ثُبُوت العصمة لهم، واستحالة المعصية منهم، وإنَّما المُراد قبول روايتهم من غير تكلُّف البحث عن أسباب العدالة وطلب التَّزكية، إلَّا مَن يثبت عليه ارتكاب قادح، ولم يثبت ذلك، والحمد لله ،
نقله الزركشي في البحر المحيط، ٣: ٣٥٨، عن الأبياري، وانظر: تدريب الراوي، ٥: ١٧١ وما بعدها.
المعنى المقصود بعدالة الصحابة في أصول الحديث هو عدالتهم في الرواية، وأنهم يتجنبون تعمد الكذب على النبي ﷺ، وإلا فقد ثبت وقوع بعض المعاصي من بعض الصحابة، لكن لم يثبت أن واحدًا منهم تعمد الكذب في حديث واحد،
القضية الثانية: مَن الصحابي المقصود بالبحث؟
ذكر الإمام الذهبي (ت ٧٤٨هـ) أنَّ عدد الصَّحابة الذين رَوَوا الحديث نحو ألف وخمسمائة نفس، وعَدَّهم ابن الجوزي (ت ٥٩٧هـ) في كتابه تلقيح فهوم أهل الأثر فكانوا (١٨٥٨) صحابيًا وصحابية، وبيَّن الدكتور أكرم ضياء العمري أنَّ عددهم في حُدُود ما ذكره الذهبي؛ فقد جمع عدد الصَّحابة الذين خرَّج لهم الإمام أحمد (ت ٢٤١هـ) في مُسنده (٩٠٤) مع عدد الصَّحابة الذين أضافهم بقيُّ بن مَخْلَد (ت ٢٧٦هـ) في مسنده ممن لم يخرج لهم الإمام أحمد، وعددهم (٥٦٨)، ثم الذين أضافهم أبو بكر البرقي (ت ٢٧٠هـ) إلى القائمتين (٨٧) والذين أضافهم ابن الجوزي (٦)، فكانوا (١٥٦٥) صحابيًا وصحابية، وفيهم عدد ممن اختلف في صحبتهم.
انظر: أكرم ضياء العمري، بحوث في تاريخ السنة المشرَّفة، ص: ٣٨٤-٣٨٥.
جُلَّ أحاديث أهل الإسلام مرويَّة عن عددٍ يسيرٍ من الصَّحابة لا يتجاوز العشرات، وقد بيَّن الدكتور أكرم ضياء العمري في جدول صنعه أنَّ أكثر من ثُلُثيّ مجموع أحاديث مُسند بقي بن مَخْلَد رواها (۱۷) صحابيًا فقط.
انظر: أكرم ضياء العمري، بحوث في تاريخ السنة المشرَّفة، ص: ٣٩٠.
ويُمكن أن أدَّعي أنَّ إثبات عدالتهم رضي الله عنهم – وأعني بالعدالة هُنا عَدَم الكذب على النبي ﷺ كما قدَّمتُ – سهلٌ ميسورٌ؛ إذ إنَّ رواياتهم واضحة ومشهورة ومُنتشرة، وعلاقاتهم بالصَّحابة الآخرين والتَّابعين يُمكن تدقيقها والتَّحقُّق منها، فضلاً عن تواريخهم ورحلاتهم وصلاحهم وأخبارهم. وقد دقَّق الدكتور عبد المنعم صالح العلي في أخبار أبي هريرة ورواياته تدقيقاً عاليًا، فخرج بنتائج مُتميِّزة في إظهار ثُبُوت عدالته رضي الله عنه.
انظر: الدكتور عبد المنعم صالح العلي، دفاع عن أبي هريرة، فصل: توثيق النبي ﷺ وأصحابه ومن بعدهم لأبي هريرة، ص: ٩٥-١٢٩، وانظر شيئًا من ذلك عند: أحمد صنوبر، مدينة رواية لا مدينة فقه، دراسة في أثر أنس بن مالك رضي الله عنه الحديثي والفقهي في البصرة، المطبوع في مجلة تصور، المجلد: ٦ العدد: ٢، ص: ١٤٩٢-١٥٤٤.
القضية الثالثة: كيف نطمئن لعدالة هؤلاء الصحابة؟
الجهة الأولى: جهة تاريخية
نستطيع أن نتبين عدالتهم من حوادث تاريخية بقطع النظر عن النصوص الدينية التي وردت فيهم،
وهُناك حربان عظيمتان وقعتا بين الصَّحابة الكِبار رضي الله عنهم: حربٌ بين علي وعائشة رضي الله عنهما في موقعة الجمل عام (٣٥هـ)، وقد اشترك فيها عددٌ مِن المُبشَّرين بالجنَّة، وحربٌ بين علي ومعاوية رضي الله عنهما في صِفِّين عام (٣٦هـ)، واشترك فيها أجِلَّاء الصَّحابة كذلك.
ومع نُشُوب هذه الحُرُوب ووُقُوع فتنة كبيرة بين الصَّحابة رضي الله عنهم فإنَّنا لا نجد نُصُوصًا منقولة عنهم يُزَوِّرونها عن النبي ﷺ في ذمِّ بعضهم، وقد كان يُمكن ذلك لعلي رضي الله عنه في حربه مع عائشة أو مع معاوية -وهو أسهل وأيسر، فمعاوية ممَّن تأخَّر إسلامه- وكذلك كان يُمكن لعائشة، وهي مُختصَّة بالنبي ﷺ، أن تدَّعي -حاشاها- أنَّ النبي ﷺ قال لها كذا وكذا في حقِّ عليٍّ وحربه معها، ويُمكن كذلك لعليٍّ -حاشاه- أن يصنع نُصُوصًا عن النبي ﷺ في حربه معها وتنفير النَّاس عنها، وهو أمرٌ أسهلُ مِن تسعيرِ حربٍ! وأيُّ قائدٍ عاقلٍ سيلجأ لتلك السُّلطة الدِّينية ويكذب عليها في ذلك الموقف ليُسوِّئ أفعاله، فيُذِيب الخَوَرَ في نُفُوس الجُيُوش المُقابلة، وكلُّ ذلك لم يكن!
وَجْهَةٌ أُخْرَى إِيجَابِيَّةٌ مِنْ هَذِهِ الفِتْنَةِ: هِيَ أَنَّ تِلْكَ الحَرْبَ الَّتِي نَشَبَتْ بَيْنَ الصَّحَابَةِ كَانَتْ – عَلَى مَا يَرَى أَهْلُ السُّنَّةِ – اجْتِهَادًا مِنْهُمْ، سَوَاءٌ فِي مَصِيرِ قَتَلَةِ عُثْمَانَ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، مِمَّا يَعْنِي أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا لِيُخَافُوا فِي سَبِيلِ فِكْرَتِهِمْ وَاجْتِهَادِهِمْ أَعْظَمَ الكَوَارِثِ وَهِيَ الحُرُوبُ. وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يُجَامِلُونَ بَعْضَهُمْ دِيئًا، بَلْ إِنَّ الحَلَّ قَدْ يَكُونُ بِالسَّيْفِ أَحْيَانًا.
فَإِنَّ السَّيِّدَةَ عَائِشَةَ الَّتِي حَارَبَتْ لِأَجْلِ اجْتِهَادٍ ارْتَأَتْهُ لَنْ تَسْكُتَ عَنْ حَدِيثٍ مَكْذُوبٍ تَرَاهُ يَنْتَشِرُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَكَذَلِكَ لَنْ يَسْكُتَ عَلِيٌّ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ، وَلَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَاصٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُمْ.
ما جاء من حوادث كثيرة تُظهر أن علاقتهم بالنبي ﷺ كانت علاقة استثنائية، وأن تعظيمهم له كان على الغاية، وأن الانقلاب الذي حصل في حياتهم بعد الجاهلية والدخول في الإسلام كان تحوّلاً هاماً. ولذلك فقد كانوا يفدون النبي ﷺ بأرواحهم، ويتَّبعون أمره في الصغير والكبير، ويدققون في ذلك، ويجاهدون آباءهم وعشيرتهم لأجله ﷺ؛ فلا يُتصور أنهم يبدؤون الكذب عليه بمجرد وفاته.
وقد وضّح ذلك الخطيب البغدادي بقوله: على أنَّه لو لَمْ يَرِدْ مِن الله -عزَّ وجلَّ- ورسوله فيهم شيء ممَّا ذكرناه لأوجبت الحال التي كانوا عليها: مِن الهجرة والجهاد والنُّصرة، وبذل المُهَج والأموال، وقتل الآباء والأولاد، والمُناصحة في الدِّين، وقُوَّة الإيمان واليقين = القَطْعَ على عدالتهم والاعتقاد لنزاهتهم، وأنَّهم أفضل مِن جميع المُعَدَّلِينَ والمُزَكِّينَ الذين يجيئون من بعدهم أبدَ الآبدين. هذا مذهب كافَّة العُلماء ومَن يُعْتَدُّ بقوله من الفُقهاء .
الخطيب البغدادي، الكفاية في علم الرواية، ص: ٤٨-٤٩.
الجهة الثانية: جهة دينية
وهي الجهة التي تؤكد أنهم لا يكذبون لوضوح صلاحهم وتقواهم أوّلاً، ولثقة النبي ﷺ بهم ثانياً، ولِمَا ورد في نصوص الوحي من مدحهم والثناء عليهم ثالثاً.
وقصة تجنُّبهم جميعهم الحديث مع الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك بعد أمر النبي ﷺ لهم بذلك: دالة على ذلك الصلاح وشدة الالتزام،
انظر القصة في صحيح البخاري، كتاب: المغازي، باب: حديث كعب بن مالك وقول الله عز وجل: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ ح: ٤٤١٨. وصحيح مسلم، كتاب: التوبة، باب: حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه، ح: ٢٧٦٩.
مع أنهم سمعوا أحاديث مُشدَّدة تنهى عن الكذب عموماً، وسمعوا أحاديث أشد تنهى عن الكذب على النبي ﷺ خاصة،
مثل حديث: إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ، فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ،
متفق عليه. صحيح البخاري، كتاب: الجنائز، باب: ما يكره من النياحة على الميت، ح: ١٢٩١، ومسلم في مقدمة صحيحه، باب: في التحذير من الكذب على رسول الله ﷺ، ح: ٤.
وحديث: مَنْ يَقُلْ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ .
صحيح البخاري، كتاب: العلم، باب: إثم من كذب على النبي ﷺ، ح: ١٠٩، وهو من ثلاثياته.
وهي أحاديث متواترة سمعها كثير من الصحابة ورواها العشرات أو المئات منهم،
روى هذا الحديث اثنان وستُّون مِن الصَّحابة كما ذكر ابن الصلاح، وقال غيره: رواه أكثر من مئة نفس، ونقل النووي عن بعضهم: رواه نحو مئتين. وذهب العراقي إلى أنَّ العدد الذي ذكره النووي في مُطلق الكذب، وأمَّا بخُصُوص الكذب على النبي ﷺ فكانوا في عدده بضعة وسبعين، انظر: السيوطي، تدريب الراوي، ٥: ٣٠ وما بعدها، وانظر: الكتاني، نظم المتناثر من الحديث المتواتر، ص: ٢٨، ح: ٢.
بل لقد بيَّن عُلماء الحديث أنَّ حديث النَّهي عن الكذب على النبي ﷺ هو أكثر حديث رواه الصحابة ونشروه، فـ ليس في الدُّنيا حديثٌ اجتمع على روايته العشرة -أي المُبشَّرون بالجنَّة- غيره، ولا يُعرَف حديثٌ يروى عن أكثر مِن ستِّين نفساً مِن الصَّحابة عن رسول الله ﷺ إلَّا هذا الحديث الواحد .
نقله ابن الصلاح عن بعض الحفاظ، انظر: ابن الصلاح، المقدمة، ص: ٢٦٩، وانظر تعيين الحافظ العراقي اسم القائل ومخالفته له في التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح ص: ٢٧٠.
هذا فضلاً عن كون أخلاقهم الأساسية لا تأذن لهم بالكذب حتى في الجاهلية، فإنَّ الكذب عادة شنيعة في الجاهلية قبل الإسلام، وكان العرب يأنفون منها؛ حتى قال أبو سفيان في حديث هرقل المشهور: فوالله، لولا الحياء من أن يؤثروا عليّ كذبًا لكذبت عنه . فكيف بهم إذا أسلموا وسمعوا كل ذلك النهي عن الكذب عمومًا وخصوصًا.
متفق عليه. صحيح البخاري، بدء الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ، ح: ٧. صحيح مسلم، كتاب: الجهاد، باب: كتاب النبي ﷺ إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام، ح: ١٧٧٣. واللفظ للبخاري.
وأما ثانيًا وهو ثقة النبي ﷺ بهم، فيظهر في مثالين:
الأول: قوله ﷺ لهم: بلغوا عني، ولو آية ،
صحيح البخاري، كتاب: الأنبياء، باب: ما ذكر عن بني إسرائيل، ح: ٣٤٦١.
وقوله ﷺ: نضَّر اللهُ امرأ سمع منا شيئًا، فبلغه كما سمعه؛ فربّ مبلغ أوعى من سامع (٣)،
سنن الترمذي، أبواب: العلم عن رسول الله ﷺ، باب: ما جاء في الحث على تبليغ السماع، ح: ٢٦٥٧، وقال عنه: حسن صحيح . وقد تقدم تخريجه.
مما يدل على ثقته بهم، وإلَّا لما أمرهم بالتَّبليغ عنه والتَّحديث.
والثاني: إرساله بعض الصحابة إلى الأمصار البعيدة لتعليم الناس فيها؛ فقد أرسل إلى اليمن معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري رضي الله عنهما قبل حجة الوداع بقليل.
انظر: صحيح البخاري، كتاب: المغازي، باب: بعث أبي موسى، ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع، ح: ٤٣٤١ و٤٣٤٢. وانظر: صحيح مسلم، كتاب: الجهاد والسير، باب: في الأمر بالتيسير وترك التنفير، ح: ١٧٣٣.
وأما ثالثًا وهو فيما ورد من نصوص الوحي في مدحهم:
وإنَّما خصَّصتُ ما نزل منها مُتأخرًا ليدخل فيها الذين أسلموا في فتح مكة وغيرهم.
ولعل أوضح آية في ذلك قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ١١٧]، إذ يدخل فيها جميع المعروفين من الصحابة، ولو كانوا ممن تأخر إسلامهم؛ فهي آخر الغزوات، وكان فيها مع النبي ﷺ ثلاثون ألفًا من الصحابة رضوان الله عليهم على رأي الكثير من المؤرخين، ويرى بعضهم أنهم كانوا أربعين ألفًا، وهو أكبر عدد خرج في غزوة مع النبي ﷺ، ومع ذلك جاء الثناء عليهم جميعًا، وهو ثناء خاص على كل فرد منهم؛ لأنه متعلق باتباعهم للنبي ﷺ في ساعة العسرة، ومقرون بعطفه على الثلاثة الذين خُلّفوا، مما يعني التأكيد عليهم جميعًا وأن التوبة تشملهم جميعًا حتى الثلاثة. ولا أعرف أحدًا من الصحابة المعروفين بالرواية عن النبي ﷺ غير داخل في هذه الآية، فهي تشمل أبا بكر وعمر وتشمل أبا سفيان ومعاوية وعَمْرُو بن العاص وغيرهم.
ومن المعروف أن عدالة الصحابة لم تثبت بتلك الآية فقط؛
فقد جاء فيهم قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]،
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: ١٨]،
وقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]،
وقوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح: ٢٩].
وجاء في الأحاديث عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا: لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي؛ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أحدهم ولا نُصَيِّفُه ،
متفق عليه. صحيح البخاري، كتاب: فضائل الصحابة، ح: ٣٦٧٣. مسلم، كتاب: فضائل الصحابة، باب: تحريم سب الصحابة، ح: ٢٥٤٠. وانظر كلام الحافظ على الحديث في فتح الباري، ٧: ٣٤.
وقوله ﷺ: خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ .
صحيح البخاري، كتاب: الشهادات، باب: لا يشهد على شهادة زور إذا أشهد، ح: ٢٦٥١. ومسلم كتاب: فضائل الصحابة، باب: فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ح: ٢٥٣٥.
المطلب الثاني: ضبط الصحابة للحديث
يبقى السؤال: هل يمكن أن يخطئ الصحابي أو ينسى الحديث؟ فكيف نثق بحفظهم مع الإقرار بأنهم بشر يصيبهم ما يصيب الناس من السهو والغلط في الحفظ والنسيان؟
يرجع تفصيل هذا إلى جملة أمور، منها طبيعة الحافظ (وهو الصحابي) وطبيعة العلاقة مع النبي ﷺ (المحفوظ عنه)، وطبيعة الأمر المحفوظ (وهو الحديث الشريف).
أولاً: طبيعة الحافظ
إن الباحث في الجاهلية وصدر الإسلام سرعان ما يظهر له قوة الحفظ التي كان يتمتع بها العرب آنذاك، وهي راجعة إلى جملة أمور طبيعية، منها: صفاء الأذهان، ويُسر الحياَة، وقوة التركيز.
بل إنَّ بعضاً من لم ينغمس في منتجات الحياة العصرية في زماننا عنده من قوة الذاكرة والحافظة الشيء الكثير. وقد شاهدنا بعضاً ممن يشير إتقان حفظه العجب.
ثانيًا: طبيعة العلاقة مع المحفوظ عنه
وأعني بالمحفوظ عنه: النبي ﷺ؛ فإن الاهتمام والشوق إلى الأخذ عن رسول الله ﷺ واضح في حياة الصحابة رضوان الله عليهم، وهو راجع إلى اعتقادهم بأن ما يصدر من النبي ﷺ وحي من الله مأمورون بالتأسي والاقتداء به،
بعض الدراسات تظهر أن من أهم التقنيات لتحسين أداء الذاكرة هو التخلص من أي شيء يحول دون التذكر، ويوصون بالتركيز والربط بالصورة الذهنية والاستعمال المستمر للمحفوظ، انظر:
Kevin Horsley, Unlimited Memory: How to Use Advanced Learning Strategies to Learn Faster, Remember More and be More Productive, TCK Publishing; 2nd edition (January 26, 2014).
وانظر:
Dominic O’Brien, How to Develop a Brilliant Memory Week by Week: 50 Proven Ways to Enhance Your Memory Skills. Watkins Publishing; (January 28, 2014).
ولعل العلماء الذين يحفظون متون العلوم في بلاد شنقيط من الأمثلة الواضحة على ذلك.
أولها: الحرص على الحفظ والمراقبة والمشاهدة والتتبع لجميع أقواله وتصرفاته وتقريراته ﷺ. ولئن كانوا يعدون عدد شعرات الشيب في لحيته الشريفة ويحفظون ذلك وينقلونه، فأن يهتموا بحفظ أقواله وتصرفاته أولى وأدعى،
ولذلك كله اهتمَّ الصَّحابة رضوان الله عليهم بمذاكرة الأحاديث فيما بينهم؛
قال أنس بن مالك رضي الله عنه: كنا نكون عند النبي ﷺ فنسمع الحديث، فإذا قمنا تذاكرناه فيما بيننا حتى نحفظه .
الخطيب البغدادي، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، باب: مذاكرة الطلبة بالحديث بعد حفظه ليثبت، ١: ٢٣٦. وانظر: البيهقي، المدخل إلى كتاب السنن، باب: مذاكرة العلم والجلوس مع أهله، ٢: ٧٠٥-٧١٩.
وقال أبو سعيد: تذاكروا الحديث؛ فإن الحديث يهيج الحديث .
الرامهرمزي، المحدث الفاصل، باب: المذاكرة، ص: ٥٤٦.
ثانيها: الحرص على التثبت والتوثق عند الرواية؛ [لـ] اعتقادهم بأن روايتهم الحديث عن رسول الله ﷺ إدخال لها في مجمل الشريعة المأمور باتباعها
ثالثًا: طبيعة المحفوظ
وأعني بالمحفوظ هنا الحديث نفسه، فأكثر ما حفظه الصحابة رضي الله عنهم كان داخلاً في جملة أفعاله وتصرفاته ﷺ، وقد ارتبط كثير من تلك الأحاديث بقصة أو موقف شاهدوه وراءه وحدث لهم أو أمامهم،
إن النسيان والسهو والوقوع في الخطأ من الطبيعة بمكان في تكوين كل شخص؛ ولذلك فمن الطبيعي أن يتفاوت حفظ الصحابة رضي الله عنهم وضبطهم، وأن ينسى بعضهم ويخطئ آخرون، ولذلك انتقد بعضهم بعضاً أحياناً كما يأتي بعد قليل.
وقد كان علماء الحديث أنفسهم ملاحظين لذلك التفاوت في الحفظ، وأن الصحابي قد يدخل النسيان على رواياته، فصرحوا بذلك وهذا يعني أنهم كانوا منصفين في التعامل مع تلك الأخطاء، وكانوا مدققين كذلك، ولكنهم وضعوها في سياقها العام، دون التركيز عليها وجعل الخطأ الجزئي الصغير حاكماً على النظرة الكلية.
فمن ذلك قول الإمام الذهبي: وأمَّا الصَّحابة -رضي الله عنهم- فبساطهم مطوي وإن جرى ما جرى، وإن غلطوا كما غلط غيرهم من الثقات، فما يكاد يسلم أحدٌ من الغلط، لكنَّه غلطٌ نادرٌ لا يضُرُّ أبداً؛ إذ على عدالتهم وقبول ما نقوله العمل، وبه ندين الله تعالى .
الذهبي، الرواة الثقات المتكلم فيهم بما لا يوجب ردهم، ص: ٢٤.
المبحث الرَّابع: مظاهر طبيعية الرِّواية في عصر الصَّحابة رضوان الله عليهم بعد وفاة النبي ﷺ
الرواية لو كانت مختلقة أو مزوّرة في أساسها لما وصلت إلينا بهذا الطريق الطبيعي الذي يُستبعد عادة تزويره بكل تلك الدقة. ولعل أهم مظاهر الطبيعية ثلاث:
المظهر الأول: الطبيعية في الاهتمام بالحفظ أكثر من الكتابة.
والمظهر الثاني: الطبيعية في كثرة النساء في طبقة الصحابة.
والمظهر الثالث: الطبيعية في بدايات الإسناد والعلاقة بالمتغيرات الاجتماعية والسياسية.
المظهر الأوَّل: الطَّبيعية في الاهتمام بالحِفْظ أكثر مِن الكتابة
بعض الصحابة رضي الله عنهم كرهوا كتابة الحديث، واستمر هذا الرأي في بعض التابعين،
ذهب بعض الصَّحابة والتَّابعين إلى كراهة كتابة الحديث، منهم: عمر بن الخطاب وأبو موسى الأشعري وأبو سعيد الخدري، وغيرهم، فعن أبي سعيد الخدري قيل له: لو كتبتم لنا فإنَّا لا نحفظ، قال: لا نُكْتِبُكُم ولا نجعلها مصاحف، كان رسول الله ﷺ يُحدِّثنا فنحفظ، فاحفظوا عنَّا كما كُنَّا نحفظ عن نبيكم .
وكان من الأسباب التي دعتهم إلى ذلك أنَّهم خافوا أنْ يَتَّكِلَ الكاتب على ما يكتب، فلا يحفظ، فيَقِلَّ الحفظ ، [ابن عبد البر، جامع بيان العلم، ١: ٢٩٢.]
ويؤيد طبيعة التركيز على الحفظ أكثر من الكتابة أن أدوات الكتابة الأساسية لم تكن متوافرة توافراً كبيراً في ذلك الوقت، وأهمها الورق، فلم يعرف العرب صناعة الورق في القرن الأول الهجري، وإنما دخل عليهم الورق بقوة في بدايات القرن الثاني،
فلو جاءت الأخبار بأنَّ الكتابة كانت مُنتشرة أكثر مِن الحِفْظ، لقام حولها شَكٌّ كبيرٌ؛ إذ إنَّ أدوات الكتابة غيرُ مُتوافرةٍ،
لكن على أي حال فإن مذهب كراهة الكتابة لم يكن مذهب جمهور الصحابة؛ فقد كان أكثرهم على جواز الكتابة وكذلك التابعون، لكن فرق بين تقرير جواز الكتابة أو الإخبار بأنها كانت الركيزة الأساسية في النقل،
وكان من أدِلَّة القائلين بجواز الكتابة ما ثبت مِن إذن النبي ﷺ فيها.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ما مِن أصحاب النبي ﷺ أحدٌ أكثر حديثًا عنه مِنِّي إلَّا ما كان مِن عبد الله بن عمرو فإنَّه كان يكتب ولا أكتب .
صحيح البخاري، كتاب: العلم، باب: كتابة العلم، ح: ١١٣.
وجاء الإذن كذلك منه ﷺ لعبد الله بقوله: اُكْتُب؛ فوالَّذي نفسي بيده لا يخرج منه إلَّا حقٌّ .
سنن أبي داود، كتاب: العلم، باب: كتابة العلم، ح: ٣٦٤٦.
كما جاء الإذن بالكتابة في حديث أبي هريرة لمَّا فتح اللهُ على رسول الله ﷺ مكَّة، فقام في النَّاس فحمد الله وأثنى عليه، ثُمَّ قال: إنَّ اللهَ حبس عن مكَّة الفيل، وسلَّط عليها رسوله والمؤمنين… ، فقام أبو شاه رجلٌ مِن أهل اليمن، فقال: اكتبوا لي، يا رسول الله ، فقال رسول الله ﷺ: اكتبوا لأبي شاه .
متفق عليه. صحيح البخاري، كتاب: اللقطة، باب: كيف تعرف لقطة أهل مكة، ح: ٢٤٣٤. صحيح مسلم، كتاب: الحج، باب: تحريم مكة وصيدها وخلاها وشجرها ولقطتها، ح: ١٣٥٥.
وأما حديث أبي سعيد الخدري في النهي عن الكتابة، وفيه قوله ﷺ: لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني ولا حرج ، فلم يَصِحّ على رأي البخاري وأبي داود مرفوعًا عن النبي ﷺ، وإنما هو موقوف على أبي سعيد،
صحيح مسلم، كتاب: الزهد والرقائق، باب: التثبت في الحديث وحكم كتابة العلم، ح: ٣٠٠٤. وحديثه معل مرفوعًا والصواب وقفه على أبي سعيد كما قال البخاري. انظر قول البخاري عند ابن حجر، في فتح الباري، ١: ٢٠٨. وقول أبي داود عند المزي في تحفة الأشراف، ٤: ٣٠٨، فقد قال: وهو منكر. أخطأ فيه همام، هو من قول أبي سعيد ، لكن همامًا قد توبع في هذا الحديث، كما يرى أستاذنا الشيخ محمد عوامة في تعليقه الهام على تدريب الراوي، ٤: ٣٥٥- ٣٥٦، مرجحًا صحة رفعه.
ذكر العلماء في الجمع بين هذه الأحاديث أقوالا منها:
١- أن النهي خاص بوقت نزول القرآن خشية التباسه بغيره، والإذن في غير ذلك.
٢- أن النهي خاص بكتابة غير القرآن مع القرآن في شيء واحد، والإذن في تفريقهما.
٣- أن النهي خاص بمن خشي منه الاتكال على الكتابة دون الحفظ، والإذن لمن أمن منه ذلك.
٤- أن النهي متقدم والإذن ناسخ له عند أمن الالتباس. قال ابن حجر: وهو أقربها مع أنه لا ينافيها . فتح الباري، ١: ٢٠٨. وذلك لأن الأقوال السابقة تبين علة النهي، ولما زالت العلة ورد الإذن.
وقد مال إلى هذا القول كثير من العلماء لأن الإذن بالكتابة في قوله: اكتبوا لأبي شاه جاء مُتأخِّرًا فقد كان في يوم الفتح ومثله الإذن لعبد الله بن عمرو بن العاص، فهو لم يزل يكتب ومات وعنده الصحيفة، ولو كان النهي متأخرا عن الإذن لمحاها. ولكنه مع ذلك لا يرفع الإشكال لأنه لو كان نسخًا عامًا لبما بقي الامتناع عن الكتابة في صفوف بعض الصحابة بعد وفاته ﷺ. ويمكن القول: إن الكتابة لم ينه عنها لذاتها وإنما لعلة يدور عليها المنع والإذن، وهي هنا: خوف الانكباب على درس غير القرآن وتركه، كما كان من الأمم السَّابقة. [انظر: نور الدين عتر، منهج النقد في علوم الحديث، ص: ٤٨ وما بعدها.]
ويؤيد صحة تأويله أو كونه موقوفًا على أبي سعيد، ما تقدم من محاولة عمر رضي الله عنه كتابة الأحاديث واستشارته للصحابة في ذلك، إذ لو كان النبي ﷺ نهى عن كتابة أحاديثه وأمر بمحو ما كتبوا ونهيا يأتين لما حاول عمر من أول الأمر أن يكتبها ولا استفتى الأصحاب في ذلك، ولا أفتوا هم بذلك . و لما كتب المحدثون بعدهم كتبهم التي نراها، مثل موطأ مالك، ومسانيد أبي حنيفة، والشافعي، وصحيحي البخاري ومسلم…، فهل يقبل العقل أن الأمة كلهم حتى عمر والأصحاب خالفوا رسول الله ﷺ ولم ينتهوا بنهيه، وزاد المحدثون فخالفوا إجماع الصحابة أيضًا وأثبتوا ما محوا؟! . مصطفى صبري، موقف العقل، ٤: ٦٢-٦٢.
والأساس في هذا المبحث كلِّه أن نتأكَّد مِن وُجُودِ منهجٍ يضبط نقل النُّصُوص، سواء أكانت مكتوبة أم شفوية، فقد نجد نُصُوصًا مكتوبة، ولكنَّها لا تثبت ولا نثق بها لقرائن كثيرة، ونجد نُصُوصًا شفوية ولكنَّها مضبوطة مُتقنة، وهذا لا يزال في زماننا؛
الأوزاعي قال: كان هذا العِلْم كريمًا تتلاقَّاه الرِّجالُ بينهم، فلمَّا دخل في الكُتُب دخل فيه غير أهله .
البيهقي، المدخل إلى كتاب السنن الكبرى، باب: من كره كتابة العلم وأمر بحفظه، ٢: ٨٣٥. وانظر: السخاوي، فتح المغيث، ٣: ٤٠.
بل لقد جاء عن بعض عُلماء اللُّغة في تلك العُصُور أنَّ العِلْمَ لا يكون بطريق الكتابة،
قال ثعلب: إذا أردتَ أن تكونَ عالمًا فاكسِرِ القلم .
الزركشي، النكت على مقدمة ابن الصلاح، ٣: ٥٦٥.
والقبول والنقد في ذلك كله مبني أساسًا على الظن لا على القطع، وقد قرر علماء الحديث قديمًا أن القبول لتلك الروايات كلها قبول ظني، ليس مقطوعًا به.
لا تلازم بين حُجِّيَّةِ الحديث والنصّ النبوي وكونه مكتوباً؛ فإن النبي ﷺ أرسل معاذ بن جبل، وأبا موسى الأشعري إلى اليمن ليُعلِّما الناس، ولم يُرسل معهما شيئاً مكتوباً.
فلم يصِحّ تدوين ما اختلفوا فيه، ولو طمعوا في ضبط السُّنَن كما اقتدروا على ضبط القرآن لَمّا قَصَّرُوا في جمعها، ولكنَّهم خافوا إن دوَّنُوا ما لا يتنازعون فيه أن يُجعل العُمدَة في القول على المُدوَّن، فيكذِّبوا ما خرج عن الدِّيوان فتبطل سُنن كثيرة، فوسَّعوا طريق الطَّلب للأُمَّة، فاعتَنُوا بجمعها على قدر عناية كلِّ واحدٍ في نفسه .
هذا قول أبي بكر بن عقال الصقلي، نقله عنه الشيخ زاهد الكوثري في تعليقاته على شروط الأئمة الخمسة، ص: ١٥٩ – ١٦٠، وقال عنه: هذا كلام في غاية المتانة .
المظهر الثَّاني: الطَّبيعِيَّة في كثرة النِّساء في طبقة الصَّحابة
جُلَّ الرواية في القرن الأول كان يعتمد على علاقات اجتماعية أكثر من كونها مجرد علاقات علمية، فيكثر في القرن الأول رواية الراوي عن أبيه وعن أمه وخالته وعمته، أو رواية العبد عن سيده وسيدته، ويكثر فيه إيراد الحديث لسبب،
وتظهر الطبيعية في رواية النساء من الصحابة كذلك في أن أهم الصحابيات المكثرات منهم هن زوجاته الطاهرات رضي الله عنهن، وهو كذلك أمر طبيعي، لشدة قربهن من رسول الله ﷺ.
ومن الطبيعي أن تكون السيدة عائشة هي أكثر الصحابيات رواية للحديث، إذ هي زوجته،
أنه ﷺ تزوجها وهي صغيرة، فكان ذلك أدعى لحفظها كل شيء عنه، وتذكرها جميع التفاصيل والعلوم والتواريخ، وأن طبيعتها في الاهتمام بالعلوم كانت عالية للغاية، ويظهر هذا في أنها لم تقتصر على الشرعيات، بل تعدت ذلك إلى اللغة والتاريخ والأنساب وغير ذلك، وبلغت بدقة ملاحظتها أنها تعلمت الطب،
كل هذا فضلاً عن شخصيتها القوية التي تظهر في كثرة استدراكاتها على الصحابة الآخرين ببعض رواياتهم، بل يظهر في خروجها إلى حرب الجمل، وإذا كانت تتصدر الجيوش فإن تصدر قضايا العلم والتعليم من باب أولى.
ومما اختصت به عائشة رضي الله عنها أن وفاتها تأخرت (ت ٥٧ هـ) فأخذ عنها الكثيرون ووفدوا إليها، وأنها اختصت بطلاب نجباء للغاية، فقد اجتمع لها ثلاثة تلاميذ من أنجب تلاميذ ذلك الوقت، كلهم يحق له ملازمتها والأخذ عنها في كثير من الأحوال حتى الخاصة منها: عروة بن الزبير ابن أختها، ومحمد بن القاسم ابن أخيها، وعُمرة بنت عبد الرحمن.
المظهر الثالث: الطبيعية في بدايات الإسناد والعلاقة بالمتغيرات الاجتماعية والسياسية
أدَّعي في هذا المظهر أن الإسناد بدأ بالتشكل بطريق طبيعي، وأهمُّ ما في تلك الطبيعية الحاجة؛
وأدعي أن الإسناد لو بدأ بطريق منظم ومنهجية واضحة من البداية في زمن معين شاملًا لجميع الرواة لنظر إليه بعين التزوير وأن جماعة من القرن الثاني أو الثالث صنعوه بهذا التنظيم الكامل ونسبوه إلى القرن الأول؛
ومن المعلوم أنَّ ابن عباس (ت ٦٨هـ) مثلًا لم يسمع كل شيء رفعه إلى النبي ﷺ؛ فقد توفي النبي ﷺ وهو شاب صغير، لكنه سمع من كثير من كبار الصحابة ولم ير حاجة إلى ذكر الإسناد كاملًا، [سمع ابن عباس رضي الله عنه حوالي أربعين حديثًا من النبي ﷺ على أكثر الأقوال.]
وهذا يعني أن ذكر الإسناد لم يكن منهجية عامة في جميع الرواة شاملاً لجميع البلدان، بل كان يعتمد كثيرًا على اختلاف الحاجات والأحوال.
ولعل من أبرزهم في ذلك التابعي الجليل محمد ابن سيرين (ت ١١٠هـ)، فقد كان يُسنِد أكثر أحاديثه، ويهتم لذلك، بخلاف قرينه الحسن البصري (ت ١١٠هـ)،
فجاء نصّ ابن سيرين المشهور: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم .
انظر رواياته المتعددة عند ابن عدي، الكامل، ١: ٣٥٣.
فكان المعروف عن الشاميين في القرن الأوَّل أنَّهم لم يكونوا مُعتنين بذكر الأسانيد ولا مُهتمِّين لها، فلمَّا نزل الزُّهْرِيُّ (ت ١٢٤هـ) الشَّام استنكر عليهم رواية الحديث دون إسناد، فقال: يا أهل الشام ما لي أرى أحاديثكم ليس لها أَزِمَّةٌ ولا خُطُمٌ؟ . فبدأ الشاميون من وقتها يهتمون بذكر الإسناد الذي كان أصلاً موجوداً عندهم، لكنهم لا يرون حاجة لذلك.
ابن عساكر، تاريخ دمشق، ٥٥: ٣٣٣.
وهذا التمسك يعني أنَّ الشيخ مطالب بذكر من حدّثه لتظهر الواسطة بينه وبين النبي ﷺ، فهو موجود عنده أساسًا، ولكن المطلوب الإظهار،
كانت فتنة المُختار بن عُبَيْد الله الثَّقفيّ (ت ٦٧ هـ) بين عامِّيّ (٦٤-٦٧هـ) عندما غلب على مدينة الكوفة واستولى عليها، وادَّعى العِلْم بالغيب ونُزُول الوحي إليه ونُصرة علي بن أبي طالب (ت ٤٠ هـ) وبنيه، وانتصر للشِّيعة، … وأعلن الخروج عن خلافة عبد الله بن الزبير في مكة حتى أرسل له ابن الزبير أخاه مصعبًا في جيش عظيم فقتله عام (٦٧ هـ)،
بخلاف فتنة المُختار؛ إذ إنَّ الكذب انتشر فيها، وكان المُختار نفسُهُ أحدُ أهمّ أدوات ذلك الكذب، فقد كان يكذب ويأمر بالكذب، … وأمر مَن حوله بالكذب نُصرةً لرأيه وفكرته؛ فقد جاء أنَّه طلب من بعض أصحاب الحديث أن يضع حديثًا في خلافته نفسه مقابل مكافأة مُجزية، فقال الرجل: أمَّا عن النبي ﷺ فلا، ولكن اختر مَن شئتَ مِن الصَّحابة، وأَحُطُّكَ [يعني أُنْزِل] مِن الثَّمَن ما شئتَ .
الخطيب البغدادي، الجامع لأخلاق الراوي، ١: ١٣١.
وطلب من ابن الرَّبيعة الخزاعي -وكان قد أدرك النبي ﷺ- أن يضع حديثًا في نُصرته قائلا له: إنَّك شيخٌ قد أدركتَ النبيَّ ﷺ فلا تُكذَّب بما تُحدِّث عنه، فحدِّث بحديثٍ عن رسول الله ﷺ وهذه سبعمئة دينار، فخذها، فقال له ابن الرَّبيعة: الكذب على رسول الله ﷺ النَّار ليس دونها شيء، لا والله ما أنا بالفاعل ، فكأنَّ كذبه وحرصه على دعم الكذب كان من التَّحوُّلات الهامَّة آنذاك.
التاريخ الكبير للبخاري، ٨: ٤٣٥، والأوسط ١: ١٧٤، وهذه الحادثة تشهد لما قدَّمتُ مِن أنَّه لا يُعرف الكذب عن أحدٍ من الصَّحابة رضوان الله عليهم، وذلك ظاهرٌ من قول المختار: إنك شيخ قد أدركت النبي ﷺ لا تكذَّب بما تحدِّث عنه ، وهذا في رجلٍ أدرك النبي ﷺ ولا نعرف عنه إلَّا هذه الرِّواية اليتيمة، فكيف بِمَن صحبه كثيرًا وكان معروفًا بذلك. انظر: أبا نعيم، معرفة الصحابة، ٦: ٥٩، ٣٠٥٩، وابن الأثير، أسد الغابة ٦: ٣٣٣.
ولذلك أرّخ غير واحد من العلماء ببداية الإسناد والتفتيش فيه في زمن المختار، ومنه ما جاء عن خيثمة بن عبد الرحمن (ت بعد ٨٠ هـ)، قال: لم يكن الناس يسألون عن الإسناد حتى كان زمن المختار فاتهموا الناس ، [الخطيب البغدادي، الجامع لأخلاق الراوي، ١: ١٣٠.]
واتِّهام الناس يعني تمييزهم والتدقيق في أحوالهم، وكذلك جاء قول إبراهيم النخعي (ت ٩٦ هـ): إنَّما سُئِل عن الإسناد أيام المختار ، [أحمد، العلل، ٣: ٣٨٠، (٥٦٧٣).]
بل لقد رمى المُختار بالكذب كبار أهل البيت أنفسهم؛ فقد جاء عن علي بن الحسين زين العابدين (ت ٩٤هـ) أنَّه قام على باب الكعبة، فلعن المُختار، فقال له رجل: جعلني الله فداك، تلعنه وإنَّما ذُبِحَ فيكم؟ فقال: إنَّه كان كذابًا، يكذب على الله وعلى رسوله .
ابن سعد، الطبقات، ٥: ٢١٣، ابن عساكر، تاريخ دمشق، ٤١: ٣٩٣.
وعليه يُحمَل في رأيي قول التابعي الجليل محمد بن سيرين (ت ١١٠هـ): لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلمَّا وقعت الفتنة قالوا: سَمُّوا لنا رجالكم، فيُنظَر إلى أهل السُّنَّة فيُؤخَذ حديثُهم، ويُنظَر إلى أهل البدع فلا يُؤخذ حديثهم ،
مقدمة صحيح مسلم، باب: في أن الإسناد من الدين، ١: ١١.
وإن كان أكثر العلماء المعاصرين ـ بخلاف بعض السابقين ـ يحملونه على الفتنة بين الصحابة المبكرة، لكنني لا أرى ما يشهد لذلك، بخلاف فتنة المختار.
المبحث الخامس: السُّلْطَة النَّقدِيَّة المُصاحبة لتطوُّر الرِّواية
أعني بالسلطة النقدية أن حركة الرواية كانت تحت سلطة علمية نقدية دائمة، وهي السلطة المتمثلة في بعض كبار علماء النقد الذين يراقبون سير الروايات وينقدونها، بل إنهم في بعض الأحايين يُخيفون الرواة ويبعثونهم على القلق من الخطأ إن تساهلوا فيه،
ولعلَّ أهمَّ ما انصب عليه النَّقد في عصر الصَّحابة رضي الله عنه هو نقد المُتُون المروية، ذلك أنَّ الثِّقة بينهم كانت ثابتة مُستقِرَّة كما تقدَّم، وإنَّما الإشكال في السَّماع الخطأ أو الوهم في النَّقل.
ولذلك جاءت المقولة الهامَّة للسَّيِّدة عائشة في استنكارها حديثاً رواه عمر ابن الخطاب وابنه عبد الله رضي الله عنهما: إنَّكم لتُحدِّثُوني عن غير كذَّابين ولا مُكذَّبين، ولكنَّ السَّمْعَ يُخطِئ ،
صحيح مسلم، كتاب: الجنائز، باب: الميت يعذب ببكاء أهله عليه، ح: ٩٢٨، والحديث في صحيح البخاري، كتاب: الجنائز، باب: قول النبي ﷺ يعذب الميت ببعض بكاء أهله، ح: ۱۲۸۸. وقد تقدم.
ويمكن التمثيل للسلطة النقدية في عصر الصحابة بجملة أمور:
أولاً: السلطة النقدية في عصر كبار الصحابة.
ثانيًا: السلطة النقدية في عصر متوسطي الصحابة.
ثالثًا: السلطة النقدية في عصر صغار الصحابة.
المطلب الأوَّل: السُّلْطَة النَّقدِيَّة في عَصْر كِبَار الصَّحابة
كان عمر رضي الله عنه (ت ٢٣ هـ) من أشهر من امتلك تلك السلطة وخوف الناس بها؛
عمر رضي الله عنه كان يطلب أحيانًا راويًا آخر للحديث الذي يجب أن يشتهر، لزيادة التوثق والتأكد. ومن أهم الروايات في ذلك موقفه المشهور مع أبي موسى الأشعري (ت ٤٤ هـ) في قصة الاستئذان المتقدمة، وفيها قوله لأبي موسى: فَأْتِنِي على هذا ببينة أو لأَفْعَلَنَّ بِكَ .
ويؤكد ذلك أنَّ بعض الصحابة اعترض عمر رضي الله عنه بقوله: يا ابن الخطاب، فلا تكُوننَّ عذابًا على أصحاب رسول الله ﷺ. قال: سُبحان الله! إنَّما سمعتُ شيئًا، فأحببتُ أن أتثبَّت ،
متفق عليه. صحيح البخاري، كتاب: الاعتصام، باب: الحجة على من قال: إن أحكام النبي ﷺ كانت ظاهرة، ح: ٧٣٥٣. صحيح مسلم، كتاب: الآداب، باب: الاستئذان، ح: ٢١٥٤، واللفظ له.
وقوله في رواية: فقال عمر لأبي موسى: أمَا إنِّي لَمْ أتَّهِمُك، ولكنِّي خشيتُ أن يتقوَّل النَّاسَ على رسول الله .
هذا لفظ مالك. الموطأ، كتاب: الاستئذان، باب: الاستئذان، ح: ٧٧٥.
ومثل موقفه مع أبي موسى موقفه مع المغيرة بن شعبة (ت ٥٠هـ) عند روايته لحديث لا يعرفه عمر: لا تبرح حتى تجيئني بالمخرج فيما قلتَ، قال المُغيرة: فخرجتُ، فوجدتُ محمد بن مَسْلَمَة، فجئتُ به، فشهد معي أنَّه سمع النبي ﷺ .
متفق عليه. البخاري، كتاب: الاعتصام بالكتاب والسنة، باب: ما جاء في اجتهاد القضاة بما أنزل الله، ح: ٧٣١٧. صحيح مسلم، كتاب: القسامة…، باب: دية الجنين….، ح: ١٦٨٣، واللفظ للبخاري.
المطلب الثَّاني: السُّلْطَة النَّقدِيَّة في عَصْر الطَّبقة الوسطى مِن الصَّحابة
وأعني بهم من توفي بين عامي ٤٠هـ و ٦٠هـ، ولعل أهم صحابي كان ممثلاً للسلطة النقدية آنذاك، بل قبلها، كانت السيدة عائشة رضي الله عنها، فقد أكثرت من الاستدراكات على الصحابة رضي الله عنهم، وانتقدت رواياتهم، ولم تقتصر على الطبقة الوسطى، بل انتقدت حفظ بعض كبار الصحابة الأجلاء،
ومن مظاهر نقد السيدة عائشة أنها كانت تختبر حفظ بعض الصحابة للحديث. ومن القصص المعروفة في ذلك قصة اختبارها لحفظ عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه (ت ٦٣هـ)،
فعن عروة بن الزبير، قال: قالت لي عائشة: يا ابن أختي، بلغني أن عبد الله بن عمرو مارٌّ بنا إلى الحج، فالقه فسائله؛ فإنه قد حمل عن النبي ﷺ علماً كثيراً، قال: فلقيته فساءلته عن أشياء يذكرها عن رسول الله ﷺ، قال عروة: فكان فيما ذكر أن النبي ﷺ، قال: إنَّ اللهَ لا ينتزع العِلْم مِن النَّاس انتزاعاً، ولكن يقبض العُلماء فيرفع العلم معهم، ويبقى في النَّاس رؤوساً جُهّالاً، يفتونهم بغير علمٍ، فيَضِلُّون ويُضِلُّون .
قال عروة: فلما حدَّثت عائشة بذلك أعظمت ذلك وأنكرته، قالت: أَحَدَّثَك أنه سمع النبي ﷺ يقول هذا؟ قال عروة: حتى إذا كان قابل قالت له: إن ابن عمرو قد قَدِم، فالقه ثم فاتحه حتى تسأله عن الحديث الذي ذكره لك في العلم، قال: فلقيته فساءلته، فذكره لي نحو ما حدّثني به في مرَّته الأولى، قال عروة: فلما أخبرتها بذلك، قالت: ما أحسبُه إلا قد صدق، أراه لم يزد فيه شيئاً ولم ينقص .
متفق عليه. صحيح البخاري، كتاب: الاعتصام بالكتاب والسنة، باب: ما يذكر من ذم الرأي وتكلف القياس، ح: ٧٣٠٧. صحيح مسلم، كتاب: العلم، باب: رفع العلم…، ح: ٢٦٧٣، واللفظ له، وجاء لفظ البخاري: والله لقد حفظ عبد الله بن عمرو .
المطلب الثَّالِث: السُّلْطَة النَّقْدِيَّة في عَصْر صِغار الصَّحابة
وأعني بعصر صغار الصحابة ما بين ٦٠ هـ إلى ٩٣ هـ سنة وفاة أنس رضي الله عنه آخر المُكثرين،
الجهة الأولى: نقد الصحابة لبعضهم.
الجهة الثانية: نقد التابعين للصحابة.
الجهة الأولى: نقد الصَّحابة لبعضهم
لعل من أهم الصحابة الذين انتقدوا ومثلوا السلطة النقدية آنذاك هو الصحابي المكثر الجليل: عبد الله بن عمر (٧٤هـ) رضي الله عنه، فقد كان يُنكر أحياناً على كبار الصحابة ويستغرب حديثهم،
وكذلك استغرب ابن عمر من حديث أبي هريرة (ت ٥٧هـ) رضي الله عنه مرفوعاً: مَن تَبِعَ جنازة فله قيراط مِن الأجر ، فسأل عائشة، فصدَّقَت أبا هريرة، فقال ابن عمر: لقد فرَّطنا في قراريط كثيرة .
متفق عليه. صحيح البخاري، كتاب: الجنائز، باب: فضل اتباع الجنائز، ح: ١٣٢٤. صحيح مسلم، كتاب: الجنائز، باب: فضل الصلاة على الجنازة واتباعها، ح: ٩٤٥، واللفظ له.
الجهة الثَّانية: نقد التَّابعين للصَّحابة
وهي جهة هامة، تُظهِر أن المجتمع العلمي في تلك الحقبة المبكرة كان مجتمعًا نقديًّا بوضوح؛ فإن النقد وطلب التثبت جاء لبعض أحاديث الصحابة من قبل بعض التابعين، وهم يعظمون منزلة الصحابة ويُدركون ثناء الحق سبحانه عليهم وثناء نبيه ﷺ، لكن ذلك لم يمنعهم من الاستدراك والنقد وطلب التثبت،
ولعل مردّ كثرة الاستدراكات على ابن عباس واشتهار المناقشة معه دون بقية الصحابة إلى أمرين:
الأول: صغر سنه عندما توفي النبي ﷺ؛ فقد روى عن النبي ﷺ سماعًا عددًا غير كبير من الأحاديث، قيل: عشرة، وقيل تسعة، ورجّح ابن حجر أنها تنوف على الأربعين حديثاً. وقد توفي النبي ﷺ وعمره ثلاث عشرة سنة على أصح الأقوال، وقيل في بعضها: عشرة، وكان جلّ تلقيه على كبار الصحابة.
وقد قال مَعْمَر: عامَّة عِلْم ابن عباس مِن ثلاثة: عمر وعلي وأبي بن كعب، رضي الله عنهم أجمعين .
البيهقي، المدخل إلى كتاب السنن، ٢: ٥٧٢.
وإذا كان جُلّ التَّلقِّي عند كِبار التَّابعين على كِبار الصَّحابة رضي الله عنهم، فإنَّه مِن هذه الجِهَة مِن أقرانهم، درس معهم، وجلس في مجالس التَّلقِّي وسأل مُستفهماً، وعُورِض في المجلس مِن قبل الطُّلَّاب الآخرين، فأيّ داع بعد ذلك كلّه إلى عَدَم الاعتراض على أقواله ومُخالفتها من قِبَل كِبار التَّابعين، وهُم يرونه أقرب إلى الصَّديق منه إلى الشَّيخ؟
ومقابلة الاجتهاد بالاجتهاد متيسرة بخلاف مقابلة الاجتهاد بالنص، فإن الإقدام حينها أصعب وأوعر. ولذلك كثرت المنافسة العلمية لابن عباس دون ابن عمر رضي الله عنهما، لشدة احتياطه وتورعه في الفتوى بالرأي.
بل إن بعض التابعين ارتقى درجات، فكان يتثبت من أحاديث بعض كبار الصحابة؛ فقد استحلف عُبَيْدة السلماني – التابعي الكوفي الجليل – عليَّ بن أبي
طالب لما ذكر حديث الخوارج أثناء مسيره في الجيش لقتالهم، فقال عبيدة لعلي رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين، آلله الذي لا إله إلا هو لسمعت هذا الحديث من رسول الله ﷺ؟ فقال: إي والله الذي لا إله إلا هو. حتى استحلفه ثلاثاً وهو يحلف له .
متفق عليه. صحيح البخاري، كتاب: استتابة المرتدين…، باب: قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم، ح: ٦٩٣٠. صحيح مسلم، كتاب: الزكاة، باب: التحريض على قتل الخوارج، ح: ١٠٦٦، واللفظ له.
وعلى أي حال فإن بعض التابعين فاق كثيراً من الصحابة من حيث العلم والاجتهاد، وفضل الصحبة مختلف عن فضل العلم؛
فقد ورد أن رجلاً جاء إلى ابن عمر، فسأله عن فريضة، فقال: ائت سعيد بن جبير؛ فإنه أعلم بالحساب مني، وهو يفرض منها ما أفرض . [ابن سعد، الطبقات، ٦: ٢٥٨.]
وكان ابن عمر كذلك يثق بسعيد بن المسيب (ت ٩٤ هـ)، ويثني عليه ويقول فيه: هو – والله – أحد المفتين . وكان سعيد متخصصًا في أقضية عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فكان يقال له: راوية عمر .
الفسوي، المعرفة والتاريخ، ١: ٤٦٩.
وكان أنس بن مالك رضي الله عنه في البصرة يثق بالحسن البصري، ويُحيل إليه، فقد جاء أنه سُئل عن مسألة، قال: عليكم مولانا الحسن، فَسَلُوهُ. فقالوا: يا أبا حمزة، نسألك وتقول: سَلُوا مولانا الحَسَن؟ فقال: إنَّا سَمِعْنَا وسَمِعَ، فحَفِظَ ونَسِينَا .
ابن سعد، الطبقات، ٧: ١٧٦، ابن أبي شيبة، المصنف، ١٩: ٤٧٢، ح: ٣٦٧٤٥.
نتيجة وتحليل: الرِّوايات في المُجتمع النَّقدِيّ
المُجتمع العِلْمِيّ في ذلك الوقت كان مُجتمعًا نقديًا، ليس مِن الميسور أنَّ يمُرّ فيه أخطاء معروفة فضلاً عن أكاذيب وتزويرات هامَّة؛
وهذا يقودنا إلى الشك في أقوال كثير من الباحثين في الشرق والغرب الذين يرون إمكانية كذب بعض الصحابة على النبي ﷺ لأغراض سياسية أو اجتماعية، أو كَذِبِ من بعدهم من التابعين، ناظرين إلى المجتمع العلمي آنذاك بنظرة سطحية، وكأنّ دخول تلك المشكلات العلمية كان ميسورًا سهلاً.
ويقودنا كذلك إلى رد فكرة عدم الوثوق ببعض من روى الحديث عن النبي ﷺ من الصحابة لاحتمال أن يكونوا من المنافقين الذين لم يُعرَفوا؛ فإن النبي ﷺ تُوفي ولم يُصرّح بأسماء المنافقين،
هؤلاء التابعين الذين كانوا على هذا القدر من العلم والنقد والتتبع والمراجعة والإعراض عن بعض صغار الصحابة استغناء عنهم بالكبار لن يلجؤوا إلى رواية الحديث عن أي رجل ليس لهم كل الثقة به وبحديثه، … بل إنهم عادة ما يختارون الكبار العظماء المعروفين المشهورين، ويشير إلى هذا ما قدمتُ من عدد الصحابة المكثرين، ومن أن التابعين الكبار لم يزوّوا عادة عن الصحابي غير المشهور.
فضلاً عن أن المنافقين كانوا معروفين في ذلك الوقت على ما يرى بعض العلماء، مثل الإمام المِزِّي (ت ٧٤٢هـ) القائل: لَمْ يُوجَد قَطُّ روايةٌ عمَّن لُمِزَ بالنِّفاق مِن الصَّحابة ،
نقله الزركشي في البحر المحيط، ٣: ٣٥٨.
الفَصْل الثَّاني: مِن الصَّحابة إلى التَّابعين
المبحث الأوَّل: الحديث في الأمصار الإسلامية
انتشر الصحابة رضي الله عنهم في الأمصار، واشتدت حاجة التابعين لسماع الأحاديث عن النبي ﷺ، فتنشط كثير من الصحابة للرواية عنه ﷺ.
ولعل أهم عنصرين في نشاط المدن الحديثية خارج المدينة النبوية كانا:
١- نشاط الصحابي في نشر العلوم واهتمامه بذلك، واستقراره في مدينة معينة: كما فعل ابن مسعود رضي الله عنه في مدينة الكوفة فإنه نزلها، وملأها علما لشدة اهتمامه بالتعليم، بينما أعاقت كثرة تنقلات عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه بين الطائف ومصر ومكة إياه عن صناعة طلاب يضاهون طلاب الكوفة.
٢- نشاط التابعين الآخذين عن الصحابي: ففرق كبير بين كبار التابعين في الكوفة وكبارهم في دمشق، حيث اعتنى الكوفيون بابن مسعود رضي الله عنه عناية شديدة، فنهلوا من علمه، وزادوه نشاطا إلى نشاطه، بينما نزل أبو الدرداء – وهو من علماء الصحابة رضي الله عنهم – دمشق، والتابعون فيها لم يكونوا كتابعي الكوفة علما واهتمامًا،
ومن هنا يتضح سبب النشاط الحديثي في مدينتي الكوفة والبصرة، مع ضعفه في المدن الأخرى، مثل مصر واليمن والشام، فلم ينزل أيٌّ من كبار الصحابة مصر مستقرًا بها، وكذلك اليمن، والحال في دمشق على ما ذكرت.
وعليه فَمِن الطَّبيعي أن نجد أكثر مِن ثُلُثَيّ الأسانيد في الكُتُب السِّتَّة ترجع إلى هذه المُدُن الثَّلاثة: المدينة المنورة فالكوفة ثُمَّ البصرة، بل إنَّ هذا الاهتمام انسحب على القراءات القرآنية، فنجد أنَّ أربعة مِن أئمَّة القراءات العَشْر مِن الكوفة واثنان مِن البصرة واثنان مِن المدينة وواحد مِن مكَّة وواحد مِن الشَّام!
المطلب الأوَّل: مدرسة المدينة الحديثية
عاش في المدينة كبار الصحابة وفضلاؤهم: الخلفاء الأربعة وغيرهم، ونشروا بها علمًا واسعًا كثيرًا، وامتازت المدينة بكثرة الرواية والرواة عن النبي ﷺ، فكان من أصحاب الألوف المكثرين للرواية عن رسول الله ﷺ – وهم سبعة خمسة بالمدينة، هم: أبو هريرة (٥٣٧٤ حديثًا)، وابن عمر (٢٦٣٠ حديثًا)، وعائشة أم المؤمنين (٢٢١٠ حديثًا)، وجابر بن عبدالله (١٥٤٠ حديثًا)، وأبو سعيد الخدري (١١٧٠ حديثًا) رضي الله تعالى عنهم.
أولاً: أبو هريرة الدَّوْسِيّ اليَمَانِيّ سَيِّد الحُفَّاظ الأثبات (ت ٥٧هـ):
من الطبيعي أن يكون أبو هريرة من أكثر من ينشر الحديث في الأمة الإسلامية آنذاك لأمور:
أولاً: تأخر وفاته،
ثانياً: كونه في المدينة المنورة، وهي مدينة العلم والمعرفة التي يقبل عليها الناس من الأمصار الإسلامية.
ثالثاً: الحرص العالي على سماع الحديث من النبي ﷺ ومن صحابته:
أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قلت: يا رسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال رسول الله ﷺ: لقد ظننت – يا أبا هريرة – أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث… .
صحيح البخاري، كتاب: العلم، باب: الحرص على الحديث، ح: ٩٩.
ولحرصه الشَّديد ذاك كان يسمع الأحاديث مِن غيره مِن الصَّحابة، ويروي عمَّن كان أقلّ رِواية منه عن النبي ﷺ، حرصاً على العِلْم. فقد روى عن أبي بكر وعُمَر وعُثمان وعلي وأبي وأسامة وعائشة،
رابعًا: الاهتمام البالغ بنشر الحديث بين الناس: وقد تميز أبو هريرة بهذا الاهتمام عن أكثر الصحابة، إذ إن جل الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يحدثون الحديث عن النبي ﷺ لحاجة تطرأ لهم، فيذكرون الحديث، لكن أبا هريرة كان يتعدى التحديث من تلقاء نفسه، وكان يسرد الحديث سردًا في بعض الأحيان، مما يعني اهتمامًا بالغًا بنشر الحديث أدى ببعض الصحابة إلى أن يظهروا تحفظهم من تلك الطريقة في السرد.
فقد جلس مرة قريبًا إلى حجرة السيدة عائشة رضي الله عنها، فحدث ثم قال: يا صاحبة الحجرة، أتنكرين مما أقول شيئًا؟ فلما قضت صلاتها لم تنكر ما رواه لكن قالت: لم يكن رسول الله ﷺ يسرد الحديث سردكم .
الحاكم، المستدرك على الصحيحين، كتاب: معرفة الصحابة، ذكر أبي هريرة، ح: ٦٢٤٩.
والروايات كثيرة في عقد أبي هريرة لمجالس التحديث، ولعل أوضحها أنه كان يحدث الناس بأحاديث النبي ﷺ قبل صلاة الجمعة حتى يخرج الإمام،
خامسًا: ثقته بحفظه: ويظهر هذا من نصوص كثيرة، منها ما تقدم من أنه كان يحدث الناس قبل صلاة الجمعة حتى يخرج الإمام، إذ لا يجرؤ على مثل هذا الموقف إلا من كان يثق بحفظه ثقة عالية، لا سيما أن الجمعة آنذاك تقام في مسجد واحد، وهو المسجد النبوي، فيحضر إليها جميع الصحابة وكبار التابعين الموجودين في المدينة، ومن السُّنة التبكير، وفيهم كبار علماء الصحابة ومن كان يسهل عليه النقد ولا يتحرج منه كما قَدِمت، فلو لم يكن واثقًا بحفظه للغاية وعالماً بأنهم يثقون بحفظه كذلك لما أقدم على التحديث في هذا الموقف وفي تلك الساعة.
سادسا: ثقة الصحابة بحفظه: وقد صرّح بذلك أكثر من صحابي سمع منه الحديث، ولعل أجلَّهم صحابيان من أكثر الصحابة انتقادًا للآخرين، وهما السيدة عائشة كما تقدم، إذ لم تنكر عليه شيئًا مما رواه، ولكنها استنكرت الطريقة والأسلوب،
وعبدالله بن عمر القائل: يا أبا هريرة، أنت كنت ألزمنا لرسول الله ﷺ وأحفظنا لحديثه .
رواه الإمام الترمذي في سننه، أبواب: المناقب عن رسول الله صلى الله ﷺ، باب: مناقب أبي هريرة رضي الله عنه، ح: ٣٨٣٦، وقال عنه: حديث حسن . والإمام أحمد في مسنده، ح: ٤٤٥٣، وعند الإمام أحمد: أعلمنا بدل: أحفظنا ، والمعنى واحد.
ومن الصحابة الذين صرحوا كذلك بثقتهم بحفظ أبي هريرة: أبو أيوب الأنصاري. فعن أبي الشعثاء قال: قدمت المدينة فإذا أبو أيوب يحدث عن أبي هريرة رضي الله عنه، فقلت: تحدث عن أبي هريرة، وأنت صاحب منزلة عند رسول الله ﷺ؟ فقال: لأَنْ أُحَدِّثَ عن أبي هريرة أحبُّ إليَّ مِن أن أُحدِّثَ عن النبي ﷺ ، وأبو أيوب من أجلاء الصحابة رضوان الله عليهم فقد نزل النبي ﷺ في بيته لما نزل المدينة كما هو معلوم.
الحاكم، المستدرك على الصحيحين، كتاب: معرفة الصحابة، ذكر أبي هريرة، ح: ٦٢٥١.
ومن ثقة الصحابة به أنهم رووا عنه الحديث.
فعن ابن عباس رضي الله عنه قال: ما رأيتُ شيئًا أشبه باللَّمم مما قال أبو هريرة عن النبي ﷺ: إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا… ، وابن عباس من علماء الصحابة الأجلاء أصحاب الرأي.
متفق عليه. صحيح البخاري، كتاب: الاستئذان، باب: زنا الجوارح دون الفرج، ح: ٦٢٤٣.
وكذلك روى عنه: أنس بن مالك وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عمر وأبو سعيد الخدري وغيرهم،
وقد سردهم الحاكم في المستدرك ثم قال: قد بلغ عدد من روى عن أبي هريرة من الصحابة ثمانية وعشرين رجلاً .
الحاكم، المستدرك على الصحيحين، كتاب: معرفة الصحابة، ذكر أبي هريرة، ٣: ٦٣٠.
فقد جاء عن أبي سعيد الخدري أنه كان جالساً يسمع أبا هريرة يحدث التابعين بحديث آخر أهل الجنة دخولاً الجنة، وهو حديث فيه طول، قال عطاء بن يزيد التابعي: وأبو سعيد الخدري جالس مع أبي هريرة لا يغير عليه شيئاً من حديثه، حتى انتهى إلى قوله: هذا لك ومثله معه ، قال أبو سعيد: سمعت رسول الله ﷺ يقول: هذا لك وعشرة أمثاله ، قال أبو هريرة: حفظت مثله معه .
صحيح البخاري، كتاب: الرقاق، باب: الصراط جسر جهنم، ح: ٦٥٧٣. صحيح مسلم، كتاب: الإيمان، باب: معرفة طريق الرؤية، ح: ١٨٢. وانظر مبحثاً هاماً في علاقة أبي سعيد بأبي هريرة عند عبد المنعم صالح العلي، دفاع عن أبي هريرة، ص: ١٠٢.
سابعاً: اهتمام بعض التابعين الكبار بالأخذ عنه. فقد روى عن أبي هريرة خلق كثير من التابعين، من أهل المدينة والكوفة والبصرة والشام وغيرهم،
قال البخاري: روى عنه نحو من ثمانمئة رجل أو أكثر من أهل العلم من الصحابة والتابعين وغيرهم ،
المزي، تهذيب الكمال، ٣٤: ٣٧٧، وانظر: ابن عساكر، تاريخ دمشق، ٦٧: ٣١١.
وكان طلاب أبي هريرة من أجل التابعين، قال الحاكم: فأما التابعون فليس فيهم أجلُّ ولا أشهر وأشرف وأعلم من أصحاب أبي هريرة .
الحاكم، المستدرك على الصحيحين، كتاب: معرفة الصحابة، ذكر أبي هريرة، ٣: ٦٣٠.
ومن هؤلاء الأجلاء: الفقهاء العشرة: سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار وأبو بكر بن عبد الرحمن وقبيصة بن ذؤيب وعبيد الله بن عبدالله وعروة بن الزبير وسليمان والقاسم ، كما يذكر يعقوب بن سفيان الفسوي. [الفسوي، المعرفة والتاريخ، ١: ٤٢٦.]
العبرة في نشر الحديث بتأخر الزمن والنشاط في روايته، لا بشدة ملازمة النبي ﷺ.
أثره في مدرسة المدينة:
أولهم وأجلهم: سعيد بن المسيب (ت ٩٤هـ): كان سيد التابعين في زمانه، روى الكثير عن أبي هريرة كما روى عن عائشة وابن عباس وأم سلمة وخلق، وسبب إكثاره عن أبي هريرة أنه زوج ابنته، فكان من الطبيعي أن يكون أعلم الناس بحديثه.
قال أبو حاتم: ليس في التابعين أنبل من سعيد بن المسيب، وهو أثبتهم في أبي هريرة .
المزي، تهذيب الكمال، ١١: ٧٤ ، السيوطي، طبقات الحفاظ، ص: ٢٥ ، وانظر: ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، ٥٩:٤ وما بعدها.
وقال ابن المديني: لا أعلم في التابعين أحدًا أوسع علمًا من ابن المسيب هو عندي أجل التابعين .
الذهبي، سير أعلام النبلاء، ٤: ٢٢٢.
كان قوي الشخصية للغاية، وتظهر قوته في … أنَّه كان يكثر نقد السلطة السياسية في زمانه، وهم بنو أمية، فقد كان من أشهر معارضي بني أمية،
ومن قصصه المشهورة في ذلك ما جاء عن ميمون بن مهران قال: قدم عبد الملك بن مروان المدينة … فقال: انظر في المسجد أحدًا من حُدَّاثِّي. … فخرج فإذا سعيد بن المسيَّب في حلقة له، … فقال: أرسلك إليَّ؟ قال: لا ولكن قال: اذهب فانظر بعضًا من حُذَّائنا من أهل المدينة، فلم أر أحدًا أهيأ منك. فقال سعيد: اذهب فأعلمه أني لست من حُدَّاثه. فخرج الحاجب وهو يقول: ما أرى هذا الشيخ إلَّا مجنونًا، فأتى عبد الملك فقال له: ما وجدت في المسجد إلَّا شيخًا أشرت إليه فلم يقم، … فقال عبد الملك: ذَاكَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ فَدَعْهُ . [ابن سعد، الطبقات، ٥: ١٣٠.]
فإن ابن المسيب وإن كان ناقداً عليماً ومعارضاً سياسياً، وأجلّ تابعي في المدينة في زمانه، ومع ذلك كله كان مُسَلِّماً لأبي هريرة علمه وأحاديثه، وينشرها بين الناس، ولا يتعرض له بالنقد مع قدرته عليه، فإن ذلك يعني تسليم العلماء والتابعين الكبار لأبي هريرة وثقتهم به.
السلطة السياسية لم تستطع التأثير في كثير من العلماء في تلك الحقبة، وأن الرواية العلمية والحديثية كانت بمعزل عن رغبات السلطة السياسية، ومثال ابن المسيب ظاهر في هذا، إذ لا يقال فيه لم يتأثر فحسب، بل كان ناقدًا معارضًا، فلو انتشرت أحاديث مزورة بطلب السلطة السياسية آنذاك لصاح بإنكارها وأعلن ذلك، إذ هو يخالفهم فيما دون ذلك.
فقد ثبت عنه من طرق عديدة أنَّه روى حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعًا: أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي .
متفق عليه. صحيح البخاري، كتاب: فضائل الصحابة، باب: مناقب علي بن أبي طالب، ح: ٣٧٠٦. صحيح مسلم، كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ح: ٢٤٠٤، واللفظ له.
ويستفاد من النشر الواسع لأحاديث فضائل علي بن أبي طالب في تلك الحقبة أن لا علاقة بين السلطة السياسية ونشر الحديث، على الأقل في باب الفضائل.
أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري (ت ٩٤ هـ): أحد الأعلام بالمدينة. روى عن أبيه شيئًا قليلاً ـ فقد توفي وأبو سلمة صبي ـ وعن عائشة وأم سلمة وأبي هريرة وابن عباس وابن عمر وغيرهم رضي الله عنهم، وروى عنه الزهري ومحمد بن عمرو بن علقمة والشعبي والمقبري وعمرو بن دينار وغيرهم.
أبو صالح السَّمَّان (ت ۱۰۱): ذكوان بن عبد الله، القدوة الحافظ الحجة، مولى أم المؤمنين جويرية، كان من كبار العلماء بالمدينة، وكان يجلب الزَّيت والسَّمْن إلى الكوفة، ولذا لُقِّبَ بالسَّمَّان.
أخذ عن سعد وعائشة وابن عباس، وأكثر أخذه عن أبي هريرة لملازمته له، وعنه ابنه سهيل، والأعمش وعبد الله بن دينار وغيرهم.
ومما يميز أبا صالح السَّمَّان معرفته العالية بأحاديث أبي هريرة وحسن تلقيه عنه، مما دفعه للقول: ما أحد يحدث عن أبي هريرة إلا وأنا أعلم صادقًا هو أم كاذبًا [انظر: ابن سعد، الطبقات، ٥: ٣٠٢.]
وهو نص هام يُظهر البداية المبكرة للنقد في الروايات التي تُنقل عن أبي هريرة رضي الله عنه،
ثم انتهى حديث طلاب أبي هريرة إلى محمد بن شِهاب الزُّهْرِيّ، عالم المدينة في طبقة صغار التابعين، ومن الزهري وصلت تلك الروايات إلى الإمام مالك في الموطأ:
حيث روى عن الزهري عن سعيد بن المسيَّب عن أبي هريرة.
وروى عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة.
وروى عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة.
وروى عن أبي الزِّناد عن الأعرج عن أبي هريرة.
وللإمام مالك طرق غير ذلك عن أبي هريرة أيضاً.
ثانياً: عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما (ت ٧٣هـ):
شهد الفتح وله عشرون سنة، وقدم الشام والعراق والبصرة وفارس غازياً.
فقد أقام ابن عمر بعد النبي ﷺ ستين سنة يفتي الناس في الموسم وغير ذلك. قال مالك: وكان ابن عمر من أئمَّة الدِّين .
الفسوي، المعرفة والتاريخ، ١: ٤٩١، والخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ١: ٥٢١.
كان ابن عمر لا يكاد يروي حديثاً إلا لحاجة،
جل الروايات المنقولة عن ابن عمر رضي الله عنه جاءت من طريق أهل بيته، ولم تأت من طريق الغرباء عنه، بخلاف أبي هريرة، فإن جل الروايات جاءت من طريق من لم يكن لهم به صلة اجتماعية. أما ابن عمر فإنها جاءت من طريقي نافع مولاه وسالم ابنه، وهما اللذان نشرا علمه في الناس،
وقد قال الحافظ ابن حجر تعليقًا على حديث مجاهد المتقدم: فيه ما كان بعض الصحابة عليه من توقي الحديث عن النبي ﷺ إلا عند الحاجة، خشية الزيادة والنقصان، وهذه كانت طريقة ابن عمر ووالده عمر وجماعة، وإنما كثرت أحاديث ابن عمر مع ذلك لكثرة من كان يسأله ويستفتيه .
ابن حجر، فتح الباري، ١: ١٦٥.
فقد اتخذ ابن عمر طريقة الحيطة والحذر، وسلك أبو هريرة طريق التصدي للتحديث وتحين الفرص لذلك والسرد، إلا أن هذا الاختلاف في الأسلوب لم يؤثر البتة في وثوق كل واحد منهما بما عند الآخر،
قال حذيفة بن اليمان: قال رجل لابن عمر: إن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله ﷺ، فقال ابن عمر: أُعيذك بالله أن تكون في شك مما يجيء به، ولكنه اجترأ وجبَنَّا .
الحاكم، المستدرك على الصحيحين، ح: ٦٢٤١.
قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: ما رأيت أحدًا أَلزَمَ للأمر الأول من ابن عمر .
الذهبي، سير أعلام النبلاء، ٣: ٢١١.
ومن أجل الرواة عنه:
١ـ نافع مولاه (ت ١١٧ هـ): راوية ابن عمر، روى عن عائشة أيضًا وأبي هريرة وأبي سعيد وأم سلمة،
فبعثه عمر بن عبد العزيز إلى أهل مصر ليعلمهم السنن.
٢ – سالم بن عبد الله بن عمر (ت ١٠٦هـ): الإمام الزاهد الحافظ مفتي المدينة.
٣- عبد الله بن دينار (ت ١٢٧هـ): الإمام المُحدِّث،
وانتهى حديث هؤلاء أيضًا إلى الإمام مالك في الموطأ:
فقد روى عن نافع عن ابن عمر أحاديث كثيرة جدًا.
وروى عن الزُّهريّ عن سالم عن ابن عمر.
وروى عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر.
ثالثاً: السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها (ت ٥٧ هـ):
أفقه نساء الأمة على الإطلاق، والأخبار في ذلك مستفيضة مشهورة.
فعن أبي موسى الأشعري قال: ما أشكل علينا – أصحاب رسول الله ﷺ – حديث قط فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علماً .
سنن الترمذي، أبواب المناقب، باب: من فضل عائشة رضي الله عنها، ح: ٣٨٨٣. وقال عنه: حسن صحيح غريب .
وقال عطاء: كانت عائشة أفقه الناس وأحسن الناس رأياً في العامة .
الذهبي، سير أعلام النبلاء، ٢: ٢٠٠.
وقال الزهري: لو جمع علم الناس كلهم، ثم علم أزواج النبي ﷺ لكانت عائشة أوسعهُم علماً .
الحاكم، المستدرك على الصحيحين، ٤: ٩٢، وانظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ٢: ١٨٥.
وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: ما رأيت أحداً أعلم بسنن رسول الله ﷺ ولا أفقه في رأي إن احتيج إلى رأيه ولا أعلم بآية فيما نزلت ولا فريضة من عائشة .
ابن سعد، الطبقات، ٢: ٣٧٥.
ومن الطبيعية في روايتها في المدينة أن الرواة عنها كانوا من أهل بيتها كذلك، وهو أمر متسق مع النظام الاجتماعي في الإسلام، إذ ليس من السهل أن يدخل بيتها إلا من كان من أقاربها أو امرأة مثلها مقربة منها. ولذلك كان أكثرهم عروة بن الزبير – والسيدة عائشة رضي الله عنها خالته – ثم القاسم بن محمد – وهي عمته – ثم عمرة بنت عبد الرحمن وقد نشأت في بيت السيدة عائشة رضي الله عنها،
ولعل كونها أم المؤمنين له أثر في كونها أتت بعد أبي هريرة وابن عمر في رواية الحديث، وكذلك طول عمرها وتأخر وفاتها بعد النبي ﷺ فقد عاشت بعده نحو ٤٦ سنة، وقد تزوجها صغيرة فهي أصغر نسائه، والصغر مظنة الحفظ،
أما طلابها في المدينة فأجلّهم:
١. عروة بن الزبير بن العوّام (ت ٩٤ هـ): الإمام العَلَم، عالم المدينة أحد الفقهاء السبعة، وهو ابن السيدة أسماء أخت السيدة عائشة.
فاق غيره من تابعي المدينة بدخوله على بيت السيدة عائشة.
حتى إنه كان يرى أنه جمع علم عائشة. فقد جاء عن هشام ابنه: أنه كان يقول لنا ونحن شباب: مالكم لا تعلَّمون؟ إن تكونوا صغار قوم يوشك أن تكونوا كبار قوم، وما خيرُ الشيخ أن يكون شيخًا وهو جاهل؟ لقد رأيتُني قبل موت عائشة بأربع حِجَج وأنا أقول: لو ماتت اليوم ما ندمتُ على حديثٍ عندها إلَّا وقد وَعَيْتُهُ .
انظر ترجمته عند الذهبي، سير أعلام النبلاء، ٤: ٤٢١ وما بعدها. وانظر: الفسوي، المعرفة والتاريخ، ١: ٤٨٩.
٢- القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق (ت ١٠٢ هـ): الإمام القدوة عالم وقته بالمدينة مع سالم بن عبد الله. تربى في حجر عمته عائشة أم المؤمنين، فتفقه بها وأكثر عنها.
٣- عَمْرة بنت عبد الرحمن بن سعد الأنصارية (ت ٩٨هـ): المدنية الفقيهة العالمة، أخذت عن عائشة وأم سلمة ورافع بن خديج، وعنها ابن أختها القاضي أبو بكر بن حزم والزهري ويحيى بن سعيد وغيرهم.
ومن علمها ونقدها أنها كانت تصحح أخطاء قاضي المدينة ابن أختها أبي بكر ابن حزم أمام الناس، ولا ترى في ذلك حرجًا.
وانتهى حديث هؤلاء، كلهم إلى الإمام مالك في الموطأ.
فقد روى عن الزهري وهشام بن عروة عن عروة عن عائشة.
وروى عن الزهري ويحيى بن سعيد وأبي الزناد عن القاسم بن محمد عن عائشة.
وروى عن يحيى بن سعيد وأبي بكر بن حزم عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها.
رابعاً وخامساً: جابر بن عبد الله رضي الله عنه (ت ٧٨هـ) وأبو سعيد الخدري رضي الله عنه (ت ٧٤هـ):
وقد كان أثرهما كبيرًا في المدينة،
وعلى أي حال فنلحظ من خلال ذلك كله كيف انتقلت الرواية في المدينة حتى وصلت إلى موطأ الإمام مالك،
المطلب الثاني: مدرسة الكوفة الحديثية
أنشأ المسلمون مدينة الكوفة عام ١٧، ونزلها عدد كبير من الصحابة الأجلاء.
فعن إبراهيم النخعي قال: هبط الكوفة ثلاثمئة من أصحاب الشجرة، وسبعون من أهل بدر .
انظر: ابن سعد، الطبقات، ٦: ٩.
كان من أجلهم عبد الله بن مسعود رضي الله عنه (ت ٣٢هـ)، المعدود في كبار فقهاء الصحابة وعلمائهم، والمتميز بالنشاط العلمي والتعليمي،
وأهم من نزل الكوفة وملأها علمًا:
أولاً: عبد الله بن مسعود رضي الله عنه (ت ٣٢هـ):
كان من أوائل من أسلم مع النبي ﷺ، فقد أسلم قبل عمر رضي الله عنه، وهو أول من جهر بالقرآن في مكة، وقد لازم النبي ﷺ ملازمة طويلة خاصة في مكة والمدينة، بل لقد ظنه بعض الصحابة من أهل بيت النبي ﷺ،
كان أقرب الناس هديًا وسمتًا بالنبي ﷺ،
وهو القائل: والله الذي لا إله غيره، ما أُنزِلَت سورة مِن كتاب الله إلَّا أنا أعلمُ أين أُنزِلَت، ولا أُنزِلَت آية من كتاب الله إلَّا أنا أعلم فيم أُنزِلَت، ولو أعلم أحداً أعلم منِّي بكتاب الله تبلُغه الإبل لركبتُ إليه ،
متفق عليه. صحيح البخاري، كتاب: فضائل القرآن، باب: القراء من أصحاب النبي ﷺ، ج: ٥٠٠٢. صحيح مسلم، كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل عبد الله بن مسعود وأمه رضي الله تعالى عنهما، ح: ٢٤٦٣.
وقد اختلف في تقديم أصحابه، فقال إبراهيم النخعي قال: كان أصحاب عبد الله الذين يقرؤون ويفتون ستة: علقمة، والأسود، ومسروق، وعبيدة، والحارث ابن قيس، وعَمرو بن شرحبيل .
ابن أبي شيبة، المصنف، ١٥: ٥٦٣. وابن سعد، الطبقات، ٦: ١٠.
وهذا تفصيل الحديث عنهم:
١- علقمة بن قيس النَّخَعِيّ (ت ٦٢هـ): من أجل من روى عن ابن مسعود ولازمه، وكان من أنبل أصحابه.
٢ – الْأَسْوَد بن يَزِيدَ النَّخَعِيّ (ت ٧٥هـ): وهو ابن أخي علقمة بن قيس، أخذ عن معاذ وابن مسعود وحذيفة وبلال والكبار، وكان من المخضرمين.
٣ – مَسْرُوق بن الْأَجْدَع (ت ٦٣هـ): أخذ عن عمر وعلي ومعاذ وابن مسعود وأُبَيّ.
قال ابن المديني: ما أقدم على مسروق أحدًا من أصحاب عبد الله . الذهبي، تذكرة الحفاظ، ١: ٤٠.
٤- شقيق بن سلمة، أبو وائل (ت ٨٢هـ): شيخ الكوفة وعالمها، روى عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وعائشة رضي الله عنهم، وهو في عداد المخضرمين، أدرك النبي ﷺ وما رآه.
وعن هؤلاء أخذ إبراهيم النخعي وعامر الشعبي وطبقتهم، وعنهم أخذ الأعمش ليأخذ عنه سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج ويدوّنوا علومهم، كما سيأتي.
ثانيًا: علي بن أبي طالب كرم الله وجهه (ت ٤٠هـ):
من أجل الصحابة على الإطلاق، علمًا وفقهًا وزهدًا وحكمة، والخليفة الراشد الرابع، وردت في حقه الفضائل الكثيرة الجمة، حتى قال كبار أئمة الحديث: لم يرد في حق أحد من الصحابة بالأسانيد الجياد أكثر مما جاء في علي،
وقد كُذِبَ عليه كثيرًا، وأنكر ذلك أصحابه الصَّادقون، فقال بعضهم: قاتلهم الله أي علم أفسدوا! .
مقدمة صحيح مسلم، باب: النهي عن الرواية عن الضعفاء والاحتياط في تحملها، ١: ١٣.
بل لقد قال الشعبي الكوفي: ما كُذِبَ على أحد في هذه الأمة كما كُذِبَ على علي رضي الله عنه .
البيهقي، المدخل إلى السنن الكبرى، ٢: ٥٥٣.
المطلب الثالث: مدرسة البصرة الحديثية
يرجع تاريخ البصرة إلى السنة ١٤ من الهجرة، حين وجَّه الخليفة عمر بن الخطاب عُتبة بن غزوان ومَن معه … ثم تطورت المدينة وازدهرت، فوفد إليها الكثيرون، من الأنصار المدنيين، ومن قبائل مضر وربيعة والأزد، وكان أول ولاتها عتبة بن غزوان نفسه، ثم توفي عام ١٧ للهجرة، ثم وليها المغيرة بن شعبة وقتاً يسيراً، ثم عزله عمر في العام ذاته، وأرسل أبا موسى الأشعري والياً عليها في جماعة من الصحابة منهم: أنس بن مالك وعمران بن حصين وهشام بن عامر وغيرهم، وبهم بدأ العلم والتعليم فيها.
أولاً: أبو موسى الأشعري رضي الله عنه (ت ٤٤ هـ):
كان من علماء الصحابة وفقهائهم وقضاتهم، قال فيه علي رضي الله عنه: صُبِغَ في العِلْم صِبْغَةً .
ابن عساكر، تاريخ دمشق، ٣٢: ٦١. الذهبي، سير أعلام النبلاء، ٢: ٣٨٨.
مع نزوله فيها مبكرًا، إذ نزلها عام ١٧ هـ حين أرسله عمر رضي الله عنه واليًا عليها، وبقي فيها واليًا حتى عام ٢٩ هـ، فهي مدة جيدة كان يمكن أن يؤسس فيها طبقة قوية من التابعين، لكن انشغاله بالفتوحات والجهاد شَغَلَه كثيرًا عن التفرغ لذلك فيما أرى، فقد اضطلع بفتوحات كثيرة إبان ولايته، بل كأنه لم يفرغ سنة واحدة كاملة في البصرة، فقد فتح الأهواز سنة ١٧ هـ، ثم فتح الرُّها وسُميسَاط وحرّان ونصيبين وطوائف الجزيرة وجنديسابور والسُّوس، ثم رامَهرمز في عام ١٨هـ، وفي عام ١٩هـ حاصر تُسْتَر وأقام على حصارها سنة ونصف السنة وقيل: سنتين، حتى فُتِحَت في عام ٢٠هـ، ثم شارك في محاولة فتح إصْطَخْرَ عام ٢١هـ، وكأنَّ عمر رضي الله عنه كان مُعجبًا بشخصية أبي موسى الإدارية والقيادية، فأقرَّه على عمله طيلة تلك المُدَّة، وأوصى قبل وفاته عام ٢٣هـ بأن يُقِرَّ أبو موسى أربع سنين أخرى، وهو ما لم يوص به لوالٍ آخر، فبقي أبو موسى على نشاطه وهمّته في الفُتُوح في عهد عثمان. ففي سنة ٢٤هـ غزا بأهل البصرة فافتتح الرَّيَّ، وفي عام ٢٧هـ شارك في فتح أرجان ودرابْجِرد، واختتم فتوحاته أيام ولايته البصرة بفتح أصبهان – على قول يورده بعض المؤرخين – عام ٢٩هـ، وهو العام الذي عزله عثمان فيه عن ولاية البصرة،
فمن هذا كله يظهر انشغال أبي موسى بالجهاد والفتوحات، فكانت كأنها شُغْلُه الشاغل، ولذلك لم يؤثر في أهلها التأثير العلمي القوي، إلا أنه مع ذلك لم يترك التعليم فيها، فقد وردت بعض الروايات في تعليمه أهلَها.
ثانيًا: عِمْرَان بن حُصَيْن رضي الله عنه (ت ٥٢ هـ):
بعثه عمر رضي الله عنه إلى البصرة مع أبي موسى الأشعري رضي الله عنه سنة ١٧ هـ ليفقههم، وكان الحسن يحلف بالله ما قدم البصرة أحد خير لهم من عمران ابن الحصين، لكن أثره لم يكن كبيرًا في التعليم في البصرة،
ولعل أكثر من لازمه وروى عنه: العالم العابد الصالح مُطَرِّف بن عبد الله الشِّخِّير، ويظهر من ترجمتيهما العلاقة الوطيدة بينهما، بل إنَّ عمران كان يُسِرُّ له ببعض خُصُوصياته، مثل قوله له في مرض موته: إنه كان تُسلِّم عليَّ -يعني الملائكة- فإن عشتُ فاكتم عليَّ، وإن مُتُّ فحدِّث به إن شئتَ .
ابن سعد، الطبقات، ٤: ٢٨٩.
ثالثاً: أنس بن مالك رضي الله عنه (ت ٩٣هـ):
خدم النبي ﷺ خدمة طويلة، وروى عن أبي بكر وعمر وعثمان وأبي وطلحة. وعنه الحسن والزهري وقتادة وثابت وحميد.
قدم البصرة سنة ١٧ هـ وأقام بها نحوًا من ٧٦ سنة يعلم ويفقه ويحدث، وهو آخر الصحابة المكثرين عن النبي ﷺ وفاة. ولذلك أخذ عنه صغار التابعين، بل لزمه بعضهم مدة مديدة.
فعن قتادة قال: لمَّا مات أنس بن مالك قال مُوَرِّق العِجْلِيّ: ذهب اليوم نصف العِلْم. قيل: كيف ذاك؟ قال: كان الرَّجل من أهل الأهواء إذا خالفنا في الحديث قُلنا: تعال إلى مَن سمعه من النبي ﷺ .
البخاري، التاريخ الكبير، ٢: ٢٨.
وقد قال الحاكم في معرفة علوم الحديث: وأصح أسانيد أنس: مالك بن أنس، عن الزهري، عن أنس .
الحاكم، معرفة علوم الحديث، ص: ٥٥.
وكان لأنس رضي الله عنه ولطلابه نشاط خاص في البصرة، ولعل من أجلهم قدراً ثلاثة:
١- قتادة بن دِعَامَة السَّدُوسِيّ (ت ١١٧هـ): وهو أكثر من روى الحديث عن أنس رضي الله عنه، وكان يرحل خارج البصرة، فأخذ عن علماء المدينة، وأجَّلَ من أخذ عنه هناك سعيد بن المسيب،
وفي علاقته مع ابن المسيب ما يدل على قوة حفظه وذاكرته: فعن عمران بن عبد الله قال: لمَّا قَدِمَ قتادة على سعيدٍ بن المُسيَّب جعل يسائله أيامًا وأكثر. فقال له سعيد: أكلُّ ما سألتني عنه تحفظه؟! قال: نعم! سألتك عن كذا فقلت فيه كذا، وسألتك عن كذا فقلت فيه كذا. وقال فيه الحسن كذا. حتى ردَّ عليه حديثًا كثيرًا. فقال سعيد: ما كنتُ أظنُّ أنَّ الله خلق مثلك .
ابن سعد، الطبقات، ٧: ٢٣٠.
ومن قوة حفظه قوله: ما قلتُ لمُحدِّث أعِدْ عليَّ، وما سَمِعَت أُذُنَايَّ قطُّ شيئًا إلَّا وعاه قلبي .
وقال أحمد: كان قتادة أحفظ أهل البصرة، لا يسمع شيئًا إلَّا حفظه، قُرِئت عليه صحيفة جابر مرَّة فحفظها .
انظر ترجمته عند الذهبي في تذكرة الحفاظ ١: ٩٢ وما بعدها.
ومن الفوائد في ترجمته قول الذهبي في سير أعلام النبلاء، ٥: ٢٧١: وهو حجة بالإجماع، إذا بيّن السماع، فإنه مدلس معروف بذلك، وكان يرى القدر، نسأل الله العفو. ومع هذا فما توقف أحد في صدقه، وعدالته، وحفظه، ولعل الله يعذر أمثاله ممن تلبس ببدعة يريد بها تعظيم الباري وتنزيهه، وبذل وسعه، والله حكم عدل لطيف بعباده، ولا يسأل عما يفعل. ثم إن الكثير من أئمة العلم إذا كثر صوابه، وعلم تحريه للحق، واتسع علمه، وظهر ذكاؤه، وعُرف صلاحه وورعه واتباعه، يغفر له زلله، ولا نضلله ونطرحه، وننسى محاسنه نعم ولا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك.
٢- ثابِتٌ البُنَانِيُّ (ت ١٢٣هـ): من طلاب أنس المكثرين، وكان ثقة ضابطًا لحديثه، وإن كان عابدًا صالحًا،
المبحث الثَّاني: مظاهر الطَّبيعية في انتقال الحديث مِن الصَّحابة إلى التَّابعين
أن تتضح الطبيعية في عدة قضايا:
أولاً: طبيعية كثرة الرواية في مدينة دون غيرها: فمن الطبيعي أن تكون المدينة المنورة هي الأشهر في رواية الحديث حيث كانت محل إقامة النبي ﷺ، ثم مركز الخلافة الراشدة من بعده حتى خلافة علي رضي الله عنه، وبقي لها مكانتها العلمية لاستقرار أفذاذ الصحابة فيها وحرصهم على نشر العلم، فقد مكث فيها خمسة من أصحاب الألوف من المكثرين للرواية عن رسول الله ﷺ معلمين ومحدثين يأتيهم الطلاب من مختلف البلدان للأخذ عنهم.
ثانياً: طبيعية كثرة الرواية بحسب همة التابعين ونشاطهم:
وعليه فمن الطبيعي أن نجد أكثر من ثلثي الأسانيد في الكتب الستة ترجع إلى هذه المدن الثلاثة: المدينة المنورة فالكوفة ثم البصرة،
ثالثًا: طبيعة السمات الشخصية للصحابة الذين أسسوا لهذه المدارس: وقد كان تأثر الوفاة مع ملازمة النبي ﷺ أبرز أسباب تأثيرهم في المدرسة.
رابعًا: طبيعة العلاقات الاجتماعية والعلمية في تلك الحقبة: ويظهر هذا في اختصاص بعض التابعين بكثرة الرواية عن الصحابي، إذ يرجع في كثير من الأحيان إلى أسباب موضوعية طبيعية كان أبرزها في مدرسة المدينة صلة القرابة بين التابعي والصحابي وحرصه على التعلم منه.
وهناك أسباب أخرى طبيعية أيضًا، فكثرة تردد التابعي على المدينة المنورة مثلا جعلته يكثر من الرواية عن صحابة المدينة،
خامسًا: طبيعة السمات الخاصة بكل مدينة:
وهي سمات تميز كل مدينة عن قريناتها، فمن تلك السمات:
السمة الأولى: صحة الحديث وقوته في بعض البلدان دون بعض:
إذ تميزت مدرسة المدينة بصحة الروايات، فإن الكذب في المدنيين قليل وأكثر رواياتهم مستقيمة، وقريب منهم البصريون، بخلاف الكوفيين، فإن الكذب فيهم كثير. ولعل ذلك لكثرة التشيع في الكوفة،
وإنما بدأت فتنة المختار الثقفي فيها،
قال الخطيب البغدادي: أصح طرق السنن ما يرويه أهل الحرمين مكة والمدينة، فإن التدليس فيهم قليل، والاشتهار بالكذب ووضع الحديث عندهم عزيز… ولأهل اليمن روايات جيدة وطرق صحيحة ومرجعها إلى الحجاز أيضًا إلا أنها قليلة.
وأما أهل البصرة فلهم من السنن الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم مع إكثارهم وانتشار رواياتهم… والكوفيون كالبصريين في الكثرة غير أن رواياتهم كثيرة الدخل قليلة السلامة من العلل…
وحديث الشاميين أكثره مراسيل ومقاطيع، وما اتصل منه مما أسنده الثقات فإنه صالح. والغالب عليه ما يتعلق بالمواعظ وأحاديث الرغائب… وللمصريين روايات مستقيمة إلا أنها ليست بالكثيرة .
الخطيب البغدادي، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، ٢: ٢٨٦-٢٨٨.
قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى: والكذب كان قليلاً في السلف. أما الصحابة فلم يُعرف فيهم -والله الحمد- من تعمد الكذب على النبي، كما لم يُعرف فيهم من كان من أهل البدع المعروفة كبِدَع الخوارج والرافضة والقدرية والمرجئة، فلم يُعرف فيهم أحد من هؤلاء الفرق… وأما التابعون فلم يُعرف تعمُّد الكذب في التابعين من أهل مكة والمدينة والشام والبصرة، بخلاف الشيعة فإن الكذب معروف فيهم. وقد عُرف الكذب بعد هؤلاء في طوائف. وأما الغلط فلا يسلَم منه أكثر الناس. بل في الصحابة من قد يغلط أحياناً، وفيمن بعدهم. ولهذا كان فيما صُنّف في الصحيح أحاديث يُعلم أنها غلط، وإن كان جمهور متون الصحيحين مما يُعلَم أنه حق .
ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ١: ٢٤٩ – ٢٥٠.
السمة الثانية: كثرة التدليس في بعض البلدان دون بعض:
فقد اشتهرت الكوفة بالتدليس، وكان في البصرة بعض المدلسين، بخلاف المدينة، فكان التدليس بها نادراً للغاية، وكذا عند الشاميين.
قال الحاكم: وأكثر المُحدِّثين تدليساً أهل الكوفة، ونَفَرٌ يَسِيرٌ مِن أهل البصرة .
الحاكم، معرفة علوم الحديث، ص: ١١١.
المبحث الثَّالِث: السُّلْطَة النَّقدِيَّة المُصاحبة لحركة الرِّواية
يمكن فهم النقد في عصر التابعين إذا لوحظت عدة أمور:
أولاً: ما مضى من المقولات الهامة من طلاب الصحابة الملازمين لهم، الدّالة على أنَّ أولئك الطلاب عرفوا روايات الصحابي وأتقنوها، فكأنهم بذلك كانوا نماذج معيارية، تُقاس عليها الروايات،
مما يعني أن بعض طلاب الصحابي صارت لهم ملكة خاصة في حديث شيخهم، بها يميزون صحيحه من ضعيفه، والخطأ فيه من الصواب، وذلك بناء على ملازمة طويلة ومعرفة واسعة بالشيخ،
ثانيًا: يضاف إلى ذلك أن جُلَّ هؤلاء التابعين وإن أكثروا من ملازمة صحابي بعينه وأحسنوا الأخذ عنه، فإنهم لم يقتصروا في التلقي عليه عادة، فكانوا يصحبون عددًا من الصحابة ويسمعون منهم ويناقشونهم ويقارنون بين أقوالهم ورواياتهم، فإذا وجدوا اختلافًا سألوا ودققوا،
وتنوُّع مصادر التلقي هام في التمييز والنظر، لا سيما إن اجتمع إلى ذلك منطق نقدي علمي قوي.
ثالثًا: أن هؤلاء التابعين لم يكونوا ممن يجاملون بعضهم علميًا ولا دينيًا، ونصوصهم في النقد والاعتراض على مقولات بعضهم كثيرة،
وأصل تعامل المسلمين بين بعضهم على الثقة فيما بينهم، لا سيما في القرن الأول، في طبقتي الصحابة والتابعين.
المظهر الأول: التفتيش عن الإسناد
التفتيش عن الإسناد بدأ في بدايات النصف الثاني من القرن الأول، وأن بعض الصحابة مثل ابن عباس بدئوا التدقيق فيمن يحدث، ولكن كأن العراق كان سابقًا للحجاز في التفتيش عن الإسناد والتأكد من الرواة فيه.
ولذلك جاء أن ابن سيرينكان مِمَّن ينظر في الحديث ويُفتِّش عن الإسناد، ولا نعرف أحدًا أوَّل منه ، كما قال علي بن المديني فيه، ولعله يقصد في البصرة.
ابن رجب، شرح علل الترمذي، ١: ٣٥٥.
المظهر الثاني: نقد الرجال
وكذلك كان في البصرة والكوفة أكثر من المدينة، وكان محمد بن سيرين ممن اشتهر بذلك شهرة واسعة،
وتميز في الكوفة عالمها وكبيرها الصَّيرفي النَّقَّاد إبراهيم النَّخَعِيّ في نقد الرجال،
وجاء قول إبراهيم النخعي مؤكِّداً لضرورة تمييز الرواة: كُنَّا إذا أردنا أن نأخذ عن شيخٍ سألناه عن مطعمه ومشربه ومدخله ومخرجه، فإن كان على استواءٍ أخذنا عنه وإلَّا لم نأته ،
ابن عدي، الكامل، ١: ٣٦٦.
المظهر الثالث: نقد الحديث
وقد كان إبراهيم النخعي من نقاد الحديث الكبار في زمانه، لقوة حديثه وقوة فقهه.
ولذلك وصفه طالبه الأعمش بقوله: كان إبراهيم صيرفيا في الحديث، فكنتُ إذا سمعت الحديث من بعض أصحابنا أتيته فعرضته عليه . [الخطيب، الجامع لأخلاق الراوي، ٢: ٢١٤]
ولعل من أهم أسباب قوة نقد إبراهيم النخعي وكونه صيرفيًّا قوة التلقي العلمي الذي حصله عن أصحاب ابن مسعود، لا سيما ما أخذه عنهم من العمل الذي ورثوه عن كبار الصحابة، فجاءت بعض مقولاته لتناقش بعض الأحاديث التي لا تتفق مع ذلك الميراث القوي،
والحال كذلك في ابن سيرين، إلا أنه لم يكن ينتقد الحديث بناء على مخالفته للعمل المتوارث، إذ لا عمل متوارث في البصرة
من مواقفه الهامة في النقد: أنه كان إذا حدثه الرجل بالحديث ينكره لم يقبل عليه ذلك الإقبال، ثم يقول له: إني لا أتهمك ولا أتهم ذاك، ولكن لا أدري من بينكم . [العقيلي، الضعفاء، ١: ١٢.]
المظهر الرابع: التدقيق والاختبار
ومن أمثلة ذلك أنَّ إبراهيم النخعي كان يُدقِّق على حفظ بعض الرُّواة في ذلك الزَّمن المُبكِّر،
قد جاء عنه قوله: إذا حدَّثتني فحدِّثني عن أبي زُرْعَة، فإنَّه حدَّثني بحديثٍ ثُمَّ سألتُهُ بعد ذلك بسنةٍ فما خرم منها حرفاً ، [سنن الدارمي، باب: في الحديث عن الثقات، ح: ٤٣٢.]
الفَصْل الثَّالِث: مِن التَّابعين إلى أتباعهم
وأعني بأتباع التابعين هنا أمثال: الإمام مالك بن أنس (٩٣-١٧٩هـ) في المدينة، وشعبة بن الحجاج في البصرة (٨٢-١٦٠هـ)، وسفيان الثوري (٩٧-١٦١هـ) في الكوفة، فإنهم ممن توسعوا في الرواية وجمعوا علوم أمصارهم.
المبحث الأوَّل: مسارات الرِّواية مِن التَّابعين إلى أتباع التَّابعين
انتقلت الأحاديث من طبقة التابعين إلى أتباع التابعين من خلال عدة مسارات، أهمها مساران مشهوران، هما:
أولاً: انتقال الحديث من طبقة الصحابة إلى طبقة التابعين إلى طبقة التابعين الصغار ثم إلى طبقة أتباع التابعين.
ثانياً: انتقال الحديث من طبقة الصحابة إلى طبقة التابعين إلى طبقة أتباع التابعين مباشرة دون المرور بطبقة صغار التابعين.
ويكثر المسار الأول في روايات الصحابة الذين تُوُفُّوا قبل عام ٦٠هـ، من أمثال السيدة عائشة (ت ٥٧هـ) وأبي هريرة (ت ٥٧هـ)، فإن الروايات عنهم عادة ما تأتي من طريق التابعين من أمثال: ابن المسيب (ت ٩٤هـ)، وعروة بن الزبير (ت ٩٤هـ) فتنتقل إلى صغار التابعين، مثل: الزهري (ت ١٢٤هـ)، ليتلقاها عنه أتباع التابعين.
ويكثر المسار الثاني في طبقة الصحابة الصغار من أمثال ابن عمر (ت ٧٣هـ) وأنس (ت ٩٣هـ) رضي الله عنهم، فقد روى عنهم التابعون من أمثال نافع وقتادة، وعنهم أتباع التابعين مباشرة دون توسط صغار التابعين.
ومن أشهر التابعين الذين جمعوا علوم أمصارهم: مالك بن أنس (ت ١٧٩هـ) في المدينة، وسفيان الثوري في الكوفة (ت ١٦١هـ)، وشعبة بن الحجاج (ت ١٦٠هـ) ومَعْمَر بن راشد (ت ١٥٤هـ) وسعيد بن أبي عَروبة (ت ١٥٦هـ) وحماد بن أبي سلمة (ت ١٦٧هـ) في البصرة.
وهذه أشجار وصول الأسانيد إلى أصحاب الكتب:
شجرة أسانيد أبي هريرة رضي الله عنه، وصولاً إلى الكتب المصنّفة:
يظهر في هذه الشجرة أهمية الإمام ابن شهاب الزهري في الرواية عن طلاب أبي هريرة، وأن طبقة صغار التابعين كانت واسطة هامة بين التابعين وبين أتباع التابعين في الرواية عن أبي هريرة.
شجرة أسانيد عبد الله بن عمر رضي الله عنه وصولاً إلى الكتب المصنّفة:
ويظهر هنا أن الإمام مالكًا استطاع الوصول إلى ابن عمر بطريق تابعي واحد، وهو نافع أو عبد الله بن دينار، ولكن لتقدم وفاة سالم فإنه لم يصل إلى ابن عمر إلا بطريق الزهري عنه.
شجرة أسانيد السيدة عائشة ووصولًا إلى الكتب المصنفة:
السيدة عائشة
يظهر هنا ما ظهر في شجرة أبي هريرة، وأن الإمام مالكًا لم يصل إلى السيدة عائشة إلا عبر طلابها فصغار التابعين، ومن أهمهم الزهري.
شجرة أسانيد أنس بن مالك رضي الله عنه ووصولاً إلى الكتب المصنفة:
ويظهر هنا أن الوصول إلى أنس رضي الله عنه بطريق تابعي واحد كان متيسرًا لأصحاب المصنفات من أهل البصرة، ذلك أن أنسًا توفي متأخرًا وأخذ عنه من توفي في الربع الثاني من القرن الثاني، فسهل الوصول إليه.
شجرة أسانيد عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:
ويظهر فيها أن وصول سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج – وهو وإن كان بصرياً فقد أكثر عن الكوفيين – إلى روايات ابن مسعود كان عبر ثلاث طبقات من التابعين أو عبر طبقتين فقط، وهو ما يتماشى مع الوفاة المبكرة لابن مسعود، ويظهر في هذا الإسناد مركزية إبراهيم النَّخَعِيّ ومركزية منصور بن المعتمر والأعمش.
المبحث الثَّاني: التَّحوُّل المعرفي الكبير وبدايات التَّصنيف على الكُتُب في عَصْر أتباع التَّابعين
مرحلة التصنيف على الكتب، إذ كانت حدثًا علميًا هامًا، أثر في سير رواية الحديث تأثيرًا بالغًا فيما بعد ذلك.
المطلب الأول: الرواية بين مرحلتي الحفظ والتصنيف
انتقلت الرواية من مرحلة الحفظ والكتب الشخصية الفردية إلى مرحلة التصنيف للنشر العام في الربع الثاني من القرن الثاني،
ويذكرها الإمام الذهبي في كتابه تاريخ الإسلام تحت عام ١٤٣ هـ، في نص هام فيقول:
وَفِي هَذَا العَصْرِ شَرَعَ عُلَمَاءُ الإِسْلَامِ فِي تَدْوِينِ الحَدِيثِ وَالفِقْهِ وَالتَّفْسِيرِ، فَصَنَّفَ ابْنُ جُرَيْجٍ (ت ١٥٠ هـ) التَّصَانِيفَ بِمَكَّةَ، وَصَنَّفَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ (ت ١٥٦ هـ)، وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ (ت ١٦٧ هـ)، وَغَيْرُهُمَا بِالبَصْرَةِ، وَصَنَّفَ الأَوْزَاعِيُّ (ت ١٥٧ هـ) بِالشَّامِ، وَصَنَّفَ مَالِكٌ (ت ١٧٩ هـ) المُوَطَّأَ بِالمَدِينَةِ، وَصَنَّفَ ابْنُ إِسْحَاقَ (ت ١٥١ هـ) المَغَازِيَ، وَصَنَّفَ مَعْمَرٌ (ت ١٥٤ هـ) بِاليَمَنِ، وَصَنَّفَ أَبُو حَنِيفَةَ (ت ١٥٠ هـ) وَغَيْرُهُ الفِقْهَ وَالرَّأْيَ بِالكُوفَةِ، وَصَنَّفَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ (ت ١٦١ هـ) كِتَابَ الجَامِعِ ، ثُمَّ بَعْدَ يَسِيرٍ صَنَّفَ هُشَيْمٌ (ت ١٨٣ هـ) كُتُبَهُ، وَصَنَّفَ اللَّيْثُ (ت ١٧٥ هـ) بِمِصْرَ، وَابْنُ لَهِيعَةَ (ت ١٧٤ هـ)، ثُمَّ ابْنُ المُبَارَكِ (ت ١٨١ هـ)، وَأَبُو يُوسُفَ (ت ١٨٢ هـ)، وَابْنُ وَهْبٍ (ت ١٩٧ هـ). وَكَثُرَ تَدْوِينُ العِلْمِ وَتَبْوِيبُهُ، وَدُوِّنَتْ كُتُبُ العَرَبِيَّةِ وَاللُّغَةِ وَالتَّارِيخِ وَأَيَّامِ النَّاسِ. وَقَبْلَ هَذَا العَصْرِ كَانَ سَائِرُ الأَئِمَّةِ يَتَكَلَّمُونَ عَلَى حِفْظِهِمْ، أَوْ يَرْوُونَ العِلْمَ مِنْ صُحُفٍ صَحِيحَةٍ غَيْرِ مُرَتَّبَةٍ. فَسَهُلَ وَلِلَّهِ الحَمْدُ تَنَاوُلُ العِلْمِ، وَأَخَذَ الحِفْظُ يَتَنَاقَصُ. فَلِلَّهِ الأَمْرُ كُلُّهُ .
الذهبي، تاريخ الإسلام، ٣: ٧٧٥، ويلاحظ هنا أن الإمام الذهبي لم يذكر مغازي موسى ابن عقبة (ت ١٤١ هـ)، وقد قال في ترجمته في سير أعلام النبلاء، ٦: ١١٤: وكان بصيرًا بالمغازي النبوية، ألفها في مجلد، فكان أول من صنف في ذلك . فلعله لم يذكره لاختلاف نظام الكتاب عن غيره، أو لاستغنائه بغيره عنه، وهو ما يحتاج دراسة وتتبعاً.
ويظهر من خلال هذا النص الهام جملة أمور:
– أن التصنيف انتشر في الربع الثاني من القرن الثاني، ولم يكن منتشراً قبل ذلك.
– أنه شمل جميع بلدان الإسلام الهامة: مكة والمدينة والبصرة والشام واليمن والكوفة ومصر، ولم يقتصر على بلد معين أو حالة معينة، مما يعني وجود سبب لذلك يشمل كل هذه الأمصار.
– أنه شمل علوماً مختلفة، فقد صُنف في الحديث والفقه والتفسير والمغازي والعربية والتاريخ وأيام الناس، ولم يقتصر على فنّ واحد وعلم واحد، مما يعني كذلك سبباً شاملاً لكل هذه العلوم.
– أن المرحلة السابقة لمرحلة التصنيف كانت مرحلة الحفظ والصحف غير المرتبة، ولم يذكر الذهبي مرحلة فارقة بين هاتين المرحلتين، هي ما يسميه المعاصرون مرحلة التدوين الرسمي .
قال عبد الرَّزَّاق الصَّنْعَاني (ت ٢١١هـ): أول من صنف الكتب ابن جريج، وصنف الأوزاعي حين قدم على يحيى بن أبي كثير كتبه .
ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، ١: ١٨٤، والخطيب، الجامع لأخلاق الراوي، ٢: ٢٨١.
ويؤكد تلك الفكرة الإمام أحمد -طالِب عبد الرزاق- فيُجيب سؤال ابنه عبد الله: أوَّلَ مَن صنَّف مَن هو؟ بقوله: ابن جريج، وابن أبي عروبة – يعني ونحوهما – وقال ابن جريج: ما صنف أحد العلم تصنيفي .
أحمد بن حنبل، العلل، ٢: ٣١١ (٢٣٨٣).
جاء نص الدارقطني في قوله: أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ مِنَ البَصْرِيِّينَ، وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وَصَنَّفَ ابْنُ جُرَيْجٍ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَكَانَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ صَنَّفَ مُوَطَّأً فَلَمْ يَخْرُجْ، وَالأَوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ…، وَأَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ مُسْنَدًا وَتَبِعَهُ: نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ .
الدارقطني، العلل، ١٢: ٢٤٦، وانظر الخطيب، الجامع لأخلاق الراوي، ٢: ٢٩٠.
وعلى ذلك فهما مرحلتان في رأيي:
مرحلة الحفظ والكتابات الشخصية: … وقد كان المركز فيها حفظ الحديث دون الكتابة، وإن كانت الكتابة موجودة كما تقدم، إذ من المشهور أن بعض الصحابة كتبوا عن النبي ﷺ ولهم صحف مشهورة، مثل صحيفة علي بن أبي طالب، وصحيفة عبد الله بن عمرو، وصحيفة أبي بكر، وغيرهم،
ومع كتابة هؤلاء الصحابة والتابعين، فإن غيرهم كان ينهى عن ذلك ولا يرضاه، ومن الصحابة المشهورين بذلك: أبو سعيد الخدري رضي الله عنه فقد قال له بعض طلابه: لو كتبتم لنا فإنا لا نحفظ، قال: لا نكتبكم ولا نجعلها مصاحف، كان رسول الله ﷺ يحدثنا فنحفظ، فاحفظوا عنا كما كنا نحفظ عن نبيكم .
الخطيب البغدادي، تقييد العلم، ص: ٣٦.
وكذلك كان أبو موسى الأشعري رضي الله عنه فقد كتب عنه ابنه أبو بردة أحاديث ففطن بها أبو موسى رضي الله عنه فمحاها، وقال: خذ كما أخذنا ، وفي رواية: احفظ كما حفظت .
البغوي، معجم الصحابة، ٤: ٤٣. | الرامهرمزي، المحدث الفاصل، ص: ٣٨١.
الكتابة لأغراض متعلقة بأداء الحديث، فقد يكتب الشيخ ليستحضر ما يلقيه على الطالب، وقد يعطي ما يكتبه للطالب لينسخه ويعارض نسخته بالأصل، وقد يعطيه المكتوب ليروي منه مباشرة، وهو ما سُمِّي بعد ذلك بـ: المناولة، وقد يعرض الطالب على الشيخ ما وصل إليه من حديثه مكتوبًا، … لكنها على أي حال لم تكن بغرض التصنيف للنشر العام، فما زالت تحت مرحلة الكتابات الشخصية.
المطلب الثاني: مرحلة التدوين الرسمي: محاولة لم تنجح
يذكر جل المعاصرين أن مرحلة هامة توسطت المرحلتين، وهي مرحلة التدوين الرسمي، إذ تدخلت السلطة الرسمية ممثلة بالخليفة عمر بن عبد العزيز الذي تولى الخلافة عام ٩٩ هـ وتوفي عام ١٠١ هـ فأصدرت قراراً بجمع الأحاديث، وكلفت فيه بعض علماء المدينة آنذاك.
ومنها: تدوينه للسنة، فقد أرسل إلى الآفاق أن: انظروا حديث رسول الله ﷺ فاجمعوه واحفظوه؛ فإني أخاف دروس العلم، وذهاب العلماء .
أبو نعيم الأصبهاني، تاريخ أصبهان، ١: ٣٦٦. وفي رواية الدارمي، ح: ٥٠٥، أنه كتب ذلك إلى أهل المدينة، وفي رواية البخاري أنه كتب ذلك إلى أبي بكر بن حزم.
وانتدب لذلك عالمين جليلين:
١- أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم (ت ١٢٠هـ)، وكان قاضي المدينة في عهد عمر بن عبد العزيز، ولم يكن في المدينة يومئذ أحد أعلم بالقضاء منه،
فأرسل له: اكتب إليّ بما ثبت عندك من الحديث عن رسول الله ﷺ وبحديث عمرة، فإني خشيت دروس العلم وذهابه .
سنن الدارمي، باب: من رخص في كتابة العلم، ح: ٥٠٤.
٢- محمد بن مسلم بن شهاب الزهري (ت ١٢٤هـ)، فقد أمره أيضا بجمع السنن، في محاولة شاملة لجمع السنة
ولما انتهى من هذه المُهِمَّة أرسل نَسْخًا إلى الخليفة، فبعث بها إلى الأمصار، قال ابن شهاب الزهري: أَمَرَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ بِجَمْعِ السُّنَنِ، فَكَتَبْنَاهَا دَفْتَرًا دَفْتَرًا، فَبَعَثَ إِلَى كُلِّ أَرْضٍ لَهُ عَلَيْهَا سُلْطَانٌ دَفْتَرًا .
ابن أبي خيثمة، التاريخ الكبير، ٢: ٢٤٧، وابن عبد البر، جامع بيان العلم وفضله، ١: ٣٣١.
مما يعني أنها لم تكن محاولة عادية صغيرة، بل كانت هذه هي المحاولة الأولى لجمع الحديث وتدوينه بشمول واستقصاء !
أكرم ضياء العمري، بحوث في تاريخ السنة المشرفة ص: ٢٩٩.
لكنني لستُ أراها مرحلة شاملة عامة كما ضخّمها بعض المعاصرين،
وإنما أراها حدثًا علميًا أو نشاطًا فكريًا دون أن تكون مرحلة هامة ضخمة في الكتابة لأسباب متعددة
الأول: أن الروايات التي تذكر تكليف عمر بن عبد العزيز العلماء بتلك المُهمَّة اختلفت، فجاء في بعضها أن الأمر متوجه إلى أبي بكر بن حزم، وفي بعضها إلى أهل المدينة، وفي بعضها إلى الآفاق.
والرواية التي تذكر أمر عمر بن عبد العزيز للزهري لم تأت من طريق كبار الثقات من طلابه، بل إن بعض الإشكالات في الأسانيد تحوم حول بعض روايات تدوين الزهري،
الثاني: أن مقولات الأئمة الكبار التي تصف تاريخ رواية الحديث لا تقف عند ذلك الحدث ووقفة طويلة، وإنما تقف عند مرحلتين فارقتين:
مرحلة الحفظ والكتابات الشخصية، ومرحلة التصنيف هذه،
قول الإمام الخطيب البغدادي: ولم يكن العلم مدونًا أصنافًا ولا مؤلفًا كتبًا وأبوابًا في زمن المتقدمين من الصحابة والتابعين، وإنما فعل ذلك من بعدهم ثم حذا المتأخرون فيه حذوهم، واختلف في المبتدئ بتصانيف الكتب والسابق إلى ذلك فقيل: هو سعيد بن أبي عروبة، وقيل: هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج .
الخطيب، الجامع لأخلاق الراوي، ٢: ٢٨١ .
وكذلك نص الحافظ ابن رجب على هاتين المرحلتين فقط في قوله: اعلم زمن نبيهم ﷺ يتداولونه بينهم حفظًا له ورواية، ومنهم من كان يكتب كما تقدم في كتاب العلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.
ثم بعد وفاة النبي ﷺ كان بعض الصحابة يرخص في كتابة العلم عنه، وبعضهم لا يرخص في ذلك، ودرج التابعون أيضًا على مثل هذا الاختلاف.
والذي كان يكتب في زمن الصحابة والتابعين لم يكن تصنيفًا مرتبًا مبوبًا، إنما كان يكتب للحفظ والمراجعة فقط، ثم إنه في عصر تابعي التابعين صنفت التصانيف، وجمع طائفة من أهل العلم كلام النبي ﷺ، وبعضهم جمع كلام الصحابة، قال عبد الرزاق: أول من صنف الكتب ابن جريج، وصنف الأوزاعي حين قدم على يحيى بن أبي كثير كتبه .
ابن رجب، شرح العلل، ١: ٣٤١، وانظر: ابن عدي، الكامل، ١: ٢٤١-٢٤٢.
وكذلك كان نص الحافظ ابن حجر: اعلم – علمني الله وإياك – أنّ آثاره ﷺ لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مدونةً في الجوامع ولا مرتبة لأمرين:
أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهوا عن ذلك كما ثبت في صحيح مسلم خشية أن يختلط بعض ذلك بالقرآن العظيم.
وثانيهما: لسعة حفظهم وسيلان أذهانهم، ولأن أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة.
ثم حدث في أواخر عصر التابعين تدوين الآثار وتبويب الأخبار لما انتشر العلماء في الأمصار وكثر الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار .
ابن حجر، هدى الساري، ص: ٦.
ويمكن الاستفادة من إشارة في نص متقدم جدًا في تاريخ الرواية، وهو نص الإمام الناقد المتقدم علي بن المديني الذي يصف فيه تطور حركة الرواية فيقول: نظرت فإذا الإسناد يدور على ستة… ، فذكر الزهري (ت ١٢٤هـ) في المدينة، وعمرو بن دينار (ت ١٢٦هـ) في مكة، وقتادة بن دعامة (ت ١١٧هـ) في البصرة، ويحيى بن أبي كثير (ت ١٢٩هـ) في اليمامة، وأبا إسحاق السبيعي (ت ١٢٩هـ) في الكوفة، والأعمش (ت ١٤٨هـ) في الكوفة كذلك، ثم قال: ثم صار علم هؤلاء الستة إلى أصحاب الأصناف ممن صنف [ابن المديني، العلل، ص: ٣٦-٣٨.]، فذكر مالكًا وابن إسحاق وابن جريج وابن عيينة وسعيد بن أبي عروبة وحماد بن سلمة والثوري وشعبة وغيرهم.
وبما مضى يمكن القول: إن قضية تدوين الزهري على ذلك النطاق الواسع فيها نظر وتكاد لا تثبت، أما تدوين أبي بكر بن حزم فإنها كانت مجرد رغبة للخليفة، فقد أمر وحاول ولكن اخترَمته المنية قبل وصول الكتب إليه!
فعن مالك: أن عمر بن عبد العزيز كان يكتب إلى الأمصار يعلمهم السنن والفقه، ويكتب إلى أهل المدينة يسألهم عما مضى ويعملون بما عندهم، ويكتب إلى أبي بكر بن حزم أن يجمع له السنن ويكتب إليه بها، فتوفي عمر وقد كتب ابن حزم كتبًا قبل أن يبعث بها إليه .
الفسوي، المعرفة والتاريخ، ١: ٤٤٣؛ ابن عبد البر، التمهيد، ١: ٨٠-٨١. وفي تاريخ أبي زرعة الدمشقي، ص: ٤٤٤: قال أبو الزناد: وكان أبو بكر بن عمرو بن حزم كتب إلى عمر ابن عبد العزيز في ثمر يبيع سنين، فتوفي عمر بن عبد العزيز، قبل أن يردّ جواب الكتاب .
فكأن أبا بكر بن حزم قد أتم عمله وجمع السنن، ولكنها لم تصل إلى الخليفة، فلم تنتشر، إلا أن هذا يعني أن تدوينًا كبيرًا قد صنع، فأين أثره؟
يظهر في رواية أخرى أن ذلك التدوين كله قد ضاع، فقد جاء في رواية أخرى عن مالك أن عمر بن عبد العزيز طلب من أبي بكر بن حزم كتابة السنن، وأنه كتبها، قال مالك: فسألت ابنه عبد الله بن أبي بكر عن تلك الكتب فقال: ضاعت! وكان أبو بكر عزلًا قبيحًا .
الفسوي، المعرفة والتاريخ، ١: ٤٥٠. ابن عساكر، تاريخ دمشق، ٤٥: ٦٦.
وأرى أن الإشكال هو في أساس الفكرة الاستشراقية القائلة: إن التوثيق إنما يكون بالكتابة وهي الفكرة التي انتشرت في أوروبا في نهايات القرن التاسع عشر، ومن خلالها انتقد المستشرقون المصادر الإسلامية المبكرة.
فقد وثق النقاد أحيانًا بالحفظ أكثر من الكتابة ووثقوا بالكتابة أكثر من الحفظ، وكان الأمر معتمدًا على القرائن المصاحبة لكل راو وكل رواية، فلم ينظروا إلى الكتابة تلك النظرة التي ينظر إليها المعاصرون ويبالغون فيها.
ومن هنا فقد كثر نقدهم لكتابات الرُّواة، إذ كانوا يلاحظون أدنى تغيُّر فيها أو مُخالفة فينتقدونها، … فمن ذلك ما تقدم من أنَّ النُّقَّاد ذكروا أنَّ كتابات الوليد الموقّري عن الزُّهري كانت من نسخ الديوان ، لكنَّهم لاحظوا فيها أخطاء فضعَّفوا حديثه مع كونه مكتوبًا، بل اشتدوا في عباراتهم ضده، وبينوا سبب ذلك وهو أن رجلاً قدم عليه فغيَّر كتبه، وهو لا يعلم ، أو أنَّ المناكير في حديثه جاءت مِن أنَّ العسكر لمَّا دخل الشام أتاه قومٌ فأفسدوا حديثه .
المزي، تهذيب الكمال، ٣١: ٧٨.
وجاءت عبارات الإمام الذهبي واضحة في نقدهم للكتابة حين تعرَّض لرواية ابن جريج شيخ مكة عن الزهري، فبيَّن أنَّ فيها بعض الإشكالات، وسبب ذلك أنَّه روى المكتوب مُناولةً! ولم يكن عن طريق التَّلقِّي مُشافهةً، فقال في حقِّ ابن جريج: ومن ثَمَّ دخل عليه الدَّاخِل في رواياته عن الزُّهري؛ لأنَّه حمل عنه مُناولة، وهذه الأشياء يدخلها التَّصحيف، ولا سِيَّما في ذلك العصر، لم يكن حدث في الخطِّ بعدُ شكلٌ ولا نَقْطٌ ، بخلاف الأخذ مِن أفواه الرِّجال .
الذهبي، سير أعلام النبلاء، ٦: ٣٣١. | الذهبي، سير أعلام النبلاء، ٥: ١٧٤.
وعلى ذلك فإنَّ المنهج النَّقديّ القابع خلف النُّصُوص مكتوبةً أو محفوظةً هو السَّبيل القوي لتوثيقها. أمَّا تفضيل الكتابة على الحِفْظ دائماً أو العكس فليس منهجاً توثيقياً، إذ الجميع مُعرَّض للخطأ والوَهْم، وكان بعض الرُّواة يحرق كتبه خوفاً مِن أن تصل إلى غير أهلها فتُقرأ على غير وجهها، ممَّا يعني تدابير زائدة أحياناً في الرِّواية الكتابية خوفاً من الخطأ،
المطلب الثالث: عوامل التحول من مرحلة الحفظ والكتابات الشخصية إلى مرحلة التصنيف العام
مرَّ أنَّ الحافظ ابن حجر جعل سبب اهتمام العلماء بالتصنيف ثلاثة أمور:
١- انتشار المعرفة بالكتابة، ٢- وانتشار العلماء في الأمصار، ٣- وكثرة البدع.
العامل القوي بينها هو انتشار الكتابة وأدواتها،
ويمكن القول: إنَّ دخول صناعة الورق إلى العالم الإسلامي كانت من أهم عوامل انتشار الكتابة، وكانت صناعةً حديثة طارئة، لكن علماء المسلمين استثمروها استثمارًا عاليًا في ذلك الوقت بكثرة التصانيف والمؤلفات، وكانوا قبل ذلك يكتبون على الجلود المصنوعة من جلود الحيوانات كالإبل والغنم والمعز والغزلان والحمير الوحشية والظباء، أو من عسف النخل، أو من ورق البردي (القراطيس) التي كانت تُصنع في مصر ومنها انتقلت إلى بعض مدن العالم الإسلامي.
وكأنّ الورق الصيني بدأ بالدخول إلى المدن الإسلامية في الربع الأول من القرن الثاني، ثم ازدهر قليلاً في الربع الثاني فاستفاد منه العلماء، ثم انتشر واستقر في الربع الثالث، وصار ينافس الرقوق والبردي إلى أن غلب عليه، بعد أن أمر الخليفة باعتماده رسمياً في بغداد.
فقد جاء أن صنعة الوراقة كانت منتشرة في بغداد أيام خلافة أبي جعفر المنصور، فقد كذب يحيى بن معين راوياً لأنه شوهد في زمن أبي جعفر، يطلب هذه الكتب من الوراقين، وهو اليوم يدعيها ،
الخطيب، تاريخ بغداد، ٤٤٣:١٢ . ويحيى بن معين قريب العهد جداً بتلك التواريخ، ومن حدثه شيخ صدوق كما قال في الرواية، وانظر كلام يحيى بن معين في هذا الراوي (واسمه عبد المنعم بن إدريس) في معرفة الرجال، ١: ٦٥-٦٦، و٢: ٢٣٦، وانظر ترجمته عند: الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ٤٤٥-٤٤١:١٢ .
وقد توفي أبو جعفر المنصور عام ١٥٨ هـ، وفي النص ما يدل على انتشار صنعة الوراقين، لا أنه كان شيئاً خاصاً، مما يدل على انتشاره في الربع الثاني من القرن الثاني؛ بل قد قيل: إن صناعة الورق الصيني دخلت بلاد المسلمين في عهد بني أمية، وهو ما يعني الربع الأول من القرن الثاني.
وعلى أي حال فقد كان تعرُّف المسلمين إلى صناعة الورق الصيني في نهاية القرن الأول حين فُتحت سمرقند عام ٨٧ هـ حيث كانت أول مدينة إسلامية صُنع فيها الورق، وبدأ ينتشر في العالم الإسلامي بطريق التجار شيئاً فشيئاً، ثم كأنه ازداد انتشاراً بعد معركة نهر طراز عام ١٣٣ هـ بين المسلمين والصينيين وانتصار المسلمين وأسر عشرين ألفاً من الصينيين كان لهم أثر في نقل هذه الصناعة ـ كما يرى بعض المؤرخين، ويعارضهم آخرون
إذ إنه يتميز بمميزات كثيرة على الكتابة على الجلود أو ورق البردي، مما يسهل حفظه والعناية به وحمله، فضلاً عن سهولة انتشاره وتوفر المواد الأولية له ورخص سعره،
فلما انتشر الورق تسابق العلماء إلى تدوين علومهم فيه مرتبة مبوبة مصنّفة، ولعل التنافس العلمي بين العلماء أو بين الأمصار كان مؤثرًا في ذلك، إذ يكفي أن يتصدى عالم كوفي أو مكيٌّ لاستثمار الورق والتصنيف، فيتسابق علماء المدينة إلى تدوين علومهم وتصنيفها كذلك، لا سيما مع المنافسة العالية بين المدن الإسلامية في ذلك الوقت، بل المنافسة بين العلماء في المدينة ذاتها(٢)، وهو ما عبّر عنه الحافظ ابن حجر بانتشار العلماء في الأمصار.
المبحث الثَّالِث: أهمّ الكُتُب في عَصْر أتباع التَّابعين وأثرها في الرِّواية الحديثية، موطأ الإمام مالك نموذجاً
لعل أهم كتاب صُنّف في القرن الثاني من الكتب التي قدمت ذكرها كان كتاب الموطأ للإمام مالك بن أنس الأصبحي (ت ١٧٩ هـ)، فهو أعظم كتاب حديثي فقهي وصل إلينا من جيل أتباع التابعين، ومؤلفه من أعظم علماء هذه الطبقة، وقد قال فيه الإمام الذهبي: لم يكن بالمدينة عالم بعد التابعين يشبه مالكاً في العلم والفقه والجلالة والحفظ . [الذهبي، سير أعلام النبلاء، ٨: ٥٨.]
ويمكن القول: إنَّه أقدم كتاب مُصنَّف مُرتَّب مُنسَّق وصلنا، فيـه حوالي ٦٠٠ حديث مرفوع إلى النبي ﷺ، مع كثير من أقوال الصَّحابة والتَّابعين، فلم يجرّده للأحاديث المرفوعة، بل مزجه بكل هذا وبأقواله الفقهية، ويهتم فيه بذكر مذهب أهل المدينة فيتكرر قوله: وأدركت أهل العلم ببلدنا ، و على ذلك أدركت من أرضى من أهل العلم .
وقد قال فيه الإمام الشافعي: ما على وجه الأرض بعد كتاب الله كتاب أصحّ مِن كتاب مالك .
يرى بعض العُلماء أنَّه مُقدَّمٌ على الصَّحيحين ومنهم عُلماء المغاربة، ومنهم أبو بكر بن العربي، ومن الواضح أنَّ كلمة الإمام الشافعي هذه كانت قبل تصنيف الصَّحيحين بعقود، انظر: القاضي عياض، ترتيب المدارك، ٢: ١٧٠، البيهقي، مناقب الشافعي، ١: ٥٠٧، السيوطي، تدريب الراوي، ٢: ٢٨٧-٢٨٩.
وأكثر العلماء على أنَّ جميع ما فيه من المرفوع صحيح ما خلا بعض الأحاديث اليسيرة المُنتقدة.
بل إن السلطة السياسية اهتمت بالكتاب، فقد جاء أن الخليفة أبا جعفر المنصور طلب نشر الموطأ في البلدان، فعارضه الإمام مالك في ذلك،
… ثم قام عمر رضي الله عنه بعدهما ففتحت البلاد على يديه، فلم يجد بدًا من أن يبعث أصحاب محمد ﷺ معلمين، فلم يزل يؤخذ عنهم كابر عن كابر إلى يومهم هذا، فإن ذهبت تحولهم مما يعرفون إلى ما لا يعرفون رأوا ذلك كفرًا، ولكن أقرّ أهل كل بلدة على ما فيها من العلم، وخذ هذا العلم لنفسك.
ويظهر في هذا النص تمايز البلدان على بعضها في رواية الحديث، واهتمام
السلطة السياسية بنشر العلم واستقراره في البلدان، وحسن نظر الإمام مالك إلى تطور العلم وانتشاره في الأمصار، وهذا الاهتمام من السلطة السياسية كان في نشر الكتاب لا في تصنيفه، فقد درس الدكتور الأعظمي الروايات التي جاءت بأن دوافع كتابة الموطأ كانت بطلب من الخليفة وبين ضعفها.
المَعْلَم الأوَّل: مِن الصُّحُف الشَّخصية إلى التَّصنيف والنَّشر العام
وفي شيوخ مالك عدّة من أولئك الرواة الذين لم يصنّفوا أو كتبوا لأغراض شخصية، ولم يكن لهم كتاب عام مشهور منظم، لكن الحال اختلف مع مالك وطبقته من كبار العلماء بتصانيفهم تلك، وأهمها الموطأ كما قدمت.
فقد كان التصنيف في بداياته فلا يُتوقع منه أن يخرج من أول عرضة كتاباً كاملاً متكاملاً منظمًا مرتباً. ولذلك كله فقد حدث مالك بالموطأ على روايات كثيرة في عشرات السنوات، فاختلفت روايات طلابه، وتباينت، وهو أمر طبيعي نظرًا إلى تلك المدة الزمنية وحداثة تجربة النشر العام في الأمة الإسلامية.
ولا يتوقع من أول كتاب حديثي مصنف أن يخرج على صورة كاملة شاملة منظمة جاهزة، فكأنه كان مشروعاً طويل الأمد للإمام مالك، بدأ به في أربعينيات القرن الثاني، ثم نقح وزاد ونقص حتى وصل إلى ما انتهى إليه، مع أنه انتشر بروايات مختلفة بين الطلاب.
ويُلحظ في تلك الحقبة أنَّ الطُّلَّاب أقبلوا على سماع هذا الكتاب من مالك إقبالاً عظيماً، فقد بلغ عدد رُواة المُوطَّأ عن الإمام مالك أكثر من سبعين رجلاً من تلاميذه،
عدَّهم الحافظ ابن ناصر الدِّين الدّمشقي في إتحاف السَّالِك برُواة المُوطَّأ عن الإمام مالك، ص: ١٢٤-٤٦٩، فكانوا ٧٩ رجلاً، وهذا عدد مَن يروي المُوطَّأ بخُصُوصه، أمَّا من يروي عن الإمام مالك عُمُومًا فيقترب عددهم من ١٣٠٠ راوٍ، كما سيأتي نقلاً عن القاضي عياض في ترتيب المدارك ١: ١٣.
… أشهرها هي رواية يحيى بن يحيى الليثي الأندلسي، فقد شرحت مرات كثيرة وطُبعت طبعات متعددة، وإن لم يعتمد عليها أصحاب الصحاح والسنن، لأن صاحبها رجع إلى الأندلس بعد غياب ونشر علمه هناك، واعتمدوا على غيرها من مرويات الموطأ الموثوقة، كما سيأتي.
بل إنَّني وقفتُ على اهتمامٍ عالٍ من الطُّلَّاب في تلك الحقبة بالمُوطَّأ، وذلك بحفظه كاملاً، وأظُنُّه أوَّل كتاب بعد كتاب الله تسابق العُلماء والرُّواة إلى حفظه، فقد جاء عن الشَّافعي أنَّه حفظه قبل أن يلتقي الإمام مالكاً،
وجاء عن عبدالله بن وهب المصري (ت ١٩٧ هـ)، أنَّه حفظه كذلك فقد قال: حفظت موطأ مالك ما بين مصر إلى المدينة .
ابن ناصر الدين الدمشقي، إتحاف السالك برواة الموطأ عن الإمام مالك، ص: ١٤١.
وذكر مثل ذلك في ترجمة الغازي بن قيس الأموي القرطبي (ت ١٩٩ هـ) فقد قيل: إنه كان يحفظ الموطأ .
ابن الفرضي، تاريخ علماء الأندلس، ١: ٣٨٧.
وذكر أن في رواة المُوطَّأ مَن كان يحفظه ولا يكتب مثل عبد الله بن نافع الصائغ (ت ١٨٦ هـ) حيث قال: صحبت مالكاً أربعين سنة، ما كتبت منه شيئاً، وإنَّما كان حفظاً أتحفَّظه .
القاضي عياض، ترتيب المدارك، ٣: ١٢٩.
المَعْلَم الثاني: مِن المجالس الخاصَّة والتَّلقِّي الفردي إلى المجالس الحديثية العامَّة والنَّشر العام
كانت مجالس الموطأ مجالس هامة في ذلك، حيث كان يجتمع فيها مئات الطلاب ليسمعوا الحديث من مالك، ولم يكن الأمر قبل مالك وطبقته على هذا النحو من اشتهار المجالس الحديثية وانتشارها في الأمصار وتوافد الطلبة إليها،
ومن انتشار المجالس أن صار يجتمع فيها المئات من الطلبة في حلقة واحدة، إذ ذكرت بعض الروايات أن عدد المعممين الجالسين في مجلس مالك يبلغون ستين معممًا، والقصد بهم من كان يلبس العمامة من أهل العلم دون مجرد رواة الحديث، وهو ما يعني عددًا كبيرًا من الطلاب والرواة الآخرين ممن لم يكن معروفًا بالعلم،
ويظهر من وصف مجالس مالك الحديثية أنها كانت تتبع نظامًا معينًا وواضحًا، ولعل أوضح ما في ذلك النظام أنه كان يفضل أن لا يقرأ هو بنفسه على الطلاب، وإنما يأمر واحدًا منهم فيقرأ والباقي يسمعون،
قال إسماعيل بن أبي أويس ابن ابن بكير: كان مَالِكٌ إذا عُرِضَ عليه المُوطَّأ تهيَّأ ولبس ثيابه وتاجه أو ساجّه وعِمامته، ثُمَّ أطرق فلا يتنخم ولا يبزق، ولا يعبث بشيء من لحيته حتى يفرغ من القراءة، إعظامًا لحديث رسول الله ﷺ وأنَّه كان إذا أراد أن يجلس للحديث اغتسل، وتبخّر، وتطيّب ،
الخطيب، الجامع، ١: ٣٨٥. | الخطيب، الجامع، ١: ٤٠٦، وانظر نصوصاً أخرى في وصف استعداد مالك لمجلسه عند: أبي نعيم، الحلية، ٦: ٣١٨.
وهذا كله يظهر اختلافاً واضحاً ونظاماً طارئاً على طريقة الرواية في المجتمع العلمي الإسلامي آنذاك، إذ اجتمع المجلس الحديثي مع الكتاب المصنّف مع النظام المرتَّب، مما أثر في تاريخ الرواية كلها.
كان لشعبة بن الحجاج مجالس إملاء حديثيّة في بغداد،
المَعْلَم الثالث: مِن الرِّحلة الشَّخصية إلى نشاط الرِّحلة المُنتشِر
لقد ذكر بعض العُلماء أنَّ المقصود بحديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: لَيَضْرِبَنَّ النَّاسُ أكباد الإبل في طَلَب العِلْم فلا يجدون أحدًا أعلم مِن عالِم المدينة . هو الإمام مالك كما قاله ابن عيينة وعبد الرزاق.
سنن الترمذي، أبواب العلم عن رسول الله ﷺ، باب: ما جاء في عالم المدينة، ح: ٢٦٨٠، وقال عنه: حديث حسن، وهو حديث ابن عيينة. وقد روي عن ابن عيينة، أنه قال في هذا: سئل مَن عالِم المدينة؟ فقال: إنَّه مالك بن أنس، وقال إسحاق بن موسى: سمعتُ ابن عيينة يقول: هو العمري الزاهد، وسمعت يحيى بن موسى يقول: قال عبد الرزاق: هو مالك بن أنس. والعمري هو: عبد العزيز بن عبد الله، من ولد عمر بن الخطاب . وعلى نص الترمذي فقد اختلف قول ابن عيينة فيه، ونقل ابن عبد البر في الانتقاء في فضائل الأئمة الثلاثة الفقهاء، ص: ٥٠ تفصيل ذلك عن الزبير بن بكار في قوله: كان سفيان بن عيينة إذا حدث بهذا الحديث في حياة مالك قال: أراه مالكاً ، فأقام على ذلك زماناً ثم رجع بعد ذلك فقال آراء: عبد الله بن عبد العزيز العمري . وهو ما يعني ثبوت القولين عنه، ثم قال ابن عبد البر: ليس العمري هذا ممن يلحق في العلم والفقه بمالك بن أنس وإن كان عابداً شريفاً . وأشكر الأستاذ محمد أمانة على هذا إفادتي بهذا النقل الموفق.
ولا يُعرف عالِم من عُلماء المدينة رُحِلَ إليه كما رُحِل إلى مالك، فقد رَحَلَ إليه الكثيرون، خاصة من الأندلس، ولعل أشهر تلك الرحلات رحلة يحيى بن يحيى الليثي الأندلسي، وهي رحلة هامَّة تُظهر النشاط الحديثي في تلك الحقبة، فقد سمع يحيى الموطأ في الأندلس من زياد بن عبد الرحمن شبطون (ت ١٩٣ هـ) أول من أدخل الموطأ إلى الأندلس متقنًا بالسماع من مالك، وأول من أدخل فقه مالك إلى الأندلس،
ومن اهتمامه بسماع الحديث والعِلْم ما قيل مِن أنَّه كان في مجلس الإمام مالك مع جماعة من الرُّواة، فقال قائل: قد جاء الفيل! فخرجوا لرؤية الفيل ولم يخرج يحيى بن يحيى، فقال له مالك: ما لك لم تخرج لتنظر الفيل وهو لا يكون في بلادك؟ فقال له: لم أرحل لأبصر الفيل، وإنَّما رحلت لأشاهدك وأتعلَّم مِن علمك وهديك، فأعجبه ذلك منه، وسمَّاه: عاقل الأندلس .
الحميدي، جذوة المقتبس، ص: ٣٨٢-٣٨٣، وانظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ١٠: ٥٢١.
ويظهر في هذه الرحلة أنَّها … غرض حديثي، وهو طلب الحديث من الشيخ نفسه دون وسائط، وهو ما يُسمَّى بعُلُوّ الإسناد، وهو الأمر الذي انتشر انتشارًا واسعًا في طبقة طُلَّاب مالك والطَّبقات اللَّاحقة.
ومن الارتِحال إلى مالك ما ذكره عبد الرحمن بن مهدي: سأل رجلٌ مالكًا عن مسألةٍ فقال: لا أحسنها، فقال الرجل: إنِّي ضربتُ إليك مِن كذا وكذا لأسألك عنها، فقال له مالك: فإذا رجعتَ إلى مكانك وموضعك فأخبرهم أنِّي قد قلت لك: إنِّي لا أحسنها .
أبو نُعَيْم الأصبهاني، حلية الأولياء، ٦: ٣٢٣.
توسَّع النشاط المنهجي للرحلة في النصف الثاني من القرن الثاني، وصار من وظائف المُحدِّث الهامَّة في القرن الثالث، بحيث إنَّه يُعَاب إذا اقتصر على حديث أهل بلده، ولم يرحل ويأخذ عن الشُّيُوخ المُتفرِّقين في البُلدان المُختلفة، وجاءت في ذلك مقولات هامَّة للإمام أحمد ويحيى بن معين.
المَعْلَم الرابع: تطوُّر التَّعبيرات المُتعلِّقة بتحمُّل الحديث عن الشُّيُوخ
من أشهرها أن يُحضر الطلاب
معهم نسخة من كتاب الشيخ المصنّف إلى مجلسه فيعرضونها عليه ويصححون نسختهم، وقد يكون العرض بقراءة الشيخ، أو بقراءة الطالب، أو بقراءة زميله وهو يسمع، وقد ظهرت قراءة الطلاب بوضوح في كتاب الموطأ، فمن الكبار في الرواية عن الإمام مالك: الإمام المتقن الكبير عبد الرحمن بن مهدي (ت ۱۹۸ هـ)، إذ روى الموطأ عنه وسمعه منه الإمام أحمد بن حنبل وأودع كثيرًا منه في كتابه المسند،
التَّطوُّر في المجالس والكتب وقراءتها أثر في التطور في التعبير عنها عند المحدثين، فصاروا يفرقون بين حدثنا التي تدل على السماع من لفظ الشيخ، و أخبرنا التي تعني القراءة عليه، فضلاً عن عن التي لا تقتضي الاتِّصال بذاتها.
قال إسماعيل بن أبي أويس – طالب الإمام مالك وابن أخته -: السَّماع على ثلاثة أوجه: القراءة على المُحدِّث، وهو أصحّها، وقراءة المُحدِّث، والمُناولة، وهو قوله: أرويه عنك، وأقول: حدثنا، وذكر عن مالك مثل ذلك .
الخطيب البغدادي، الكفاية في علم الرواية، ص: ۳۲۷.
سُئل يحيى بن معين عن سماع بعض الرواة من معمر بن راشد (ت ١٥٤هـ) فقال: بعضها سماع، وبعضها عرض، وبعضها كانت في البيت، وكان معمر يقرؤها ويوقع عليها ،
ابن معين، التاريخ، رواية ابن محرز، ١: ١٢٥-١٢٦، (٦٢٣).
ومما مُدِح به عبد الله بن وهب أنه كان يفصل ما أخذه عرضاً مما أخذه سماعًا.
المَعْلَم الخامس: التَّطوُّر في اختيار الرِّوايات وانتقائها
كثرت الروايات في طبقة أتباع التابعين وانتشرت، وبدأت الرحلة فازداد تواصل العلماء وتوسعت الرواية وطرقها، وكان ذلك من دواعي اهتمام كبار العلماء بالتأكد من ثقة الشيخ المحدّث، ومدى قوة المتن المروي في حديث الشيخ.
وقد تميز الإمام مالك تميزًا واضحًا في هذين الأمرين، فقد كان من أشد العلماء انتقاء في الشيوخ، وأشدهم انتقاء للأحاديث:
أما انتقاء الشيوخ، فقد كان كما قال ابن حبان: أول من انتقى الرجال من الفقهاء بالمدينة، وأعرض عمن ليس بثقة في الحديث، ولم يكن يروي إلا ما صح، ولا يحدث إلا عن ثقة مع الفقه والدين والفضل والنسك ،
ابن حبان، الثقات، ٧: ٤٥٩، وانظر: ابن منجويه، رجال صحيح مسلم، ٢: ٢٢٠.
وهذه الأولية في تعبير ابن حبان هامَّة، إذ تعني أن العلماء قبل مالك كانوا يروون عن كل أحد، ولو كان ضعيفًا، فلما جاء مالك بدأ التدقيق في اختيار الشيوخ، فلم يكن يأخذ الحديث إلا عن الثقات منهم،
وقد صرَّح مالكٌ نفسه بذلك وأعلنه، ولذلك لا نجد في المُوطَّأ عُمُومًا أحاديث ضعيفة، وجميع شُيُوخ الإمام مالك من المدنيين ثقات، قال بشر بن عمر: سألت مالكًا عن رجلٍ. فقال: رأيته في كُتُبي؟ قلتُ: لا. فقال: لو كان ثقةً رأيتَهُ في كُتُبي .
مسلم، مقدمة الصحيح، ١: ٢٦، وابن عدي، الكامل، ١: ٢٤٦، الرامهرمزي، المحدث الفاصل، ص: ٤١٠، وعلّق على قوله الإمام الذهبي فقال: فهذا القول يعطيك بأنَّه لا يروي إلَّا عمَّن هو عنده ثقة، ولا يلزم من ذلك أنَّه يروي عن كلّ الثِّقات، ثُمَّ لا يلزم ممَّا قال أنَّ كلَّ مَن روى عنه – وهو عنده ثقة – أن يكون ثقة عند باقي الحُفَّاظ، فقد يخفى عليه مِن حال شيخه ما يظهر لغيره، إلَّا أنَّه بكل حالٍ كثير التَّحرِّي في نقد الرِّجال، رحمه الله .
بل لقد ذكر بعض العُلماء أنَّ إعراض الإمام مالك عن الراوي المدني يدُلّ على أنَّ في حديثه شيئًا، قال علي بن المديني: وكل مدني لم يُحدِّث عنه مالك ففي حديثه شيء، لا أعلم مالكًا ترك إنسانًا إلَّا إنسانًا في حديثه شيء .
انظر: ابن عدي، الكامل ١: ٢٤٦، العلائي، بغية الملتمس، ص: ٧٤، ابن رجب، شرح علل الترمذي، ١: ٤٦٠، ٢: ٨٧٩، وقال عقبه في الموطن الأخير: وهذا على إطلاقه فيه نظر، فإن مالكًا لم يحدث عن سعد بن إبراهيم، وهو ثقة جليل متفق عليه ،
وقد لقي مالك رواة كثيرين لم يأخذ عنهم شيئاً، ولو كانوا من أهل الصَّلاح والتَّقوى والدِّيانة، إذ إنَّ أمر الحفظ والضَّبط والإتقان غير أمر الصَّلاح. ولذلك قال مالك: أدركتُ ببلدنا هذا مشيخة، لهم فضل وصلاح وعبادة يُحدِّثون، فما كتبتُ عن أحدٍ منهم حديثاً قط . ولمَّا سُئل عن السَّبب قال: لأنهم لم يكونوا يعرفون ما يُحدِّثون .
الرامهرمزي، المحدث الفاصل، ص: ٤٠٣ – ٤٠٤، ابن عبد البر، الانتقاء في فضائل الأئمة الثلاثة، ص: ٤٧.
بل إنه شرط شرطاً آخر في شيوخه، وهو أن يكونوا من أهل الفقه، قال ابن وهب: نظر مالك إلى العطاف بن خالد، فقال: بلغني أنكم تأخذون من هذا، فقلت: بلى. فقال: ما كنا نأخذ الحديث إلا من الفقهاء ،
القاضي عياض، ترتيب المدارك، ١: ١٣٩، وانظر كلام مالك في العطاف بن خالد عند العقيلي في الضعفاء، ٣: ٤٢٥، وفيه قوله: ويكتب عن مثل عطاف بن خالد؟ لقد أدركت في هذا المسجد سبعين شيخًا كلهم خير من عطاف ما كتبت عن أحد منهم، وإنما يكتب العلم عن قوم قد جرى فيهم العلم مثل عبيد الله بن عمر وأشباهه ، ومع ذلك فقد وثقه أحمد وابن معين وأبو داود وغيرهم، انظر ترجمته عند المزي في تهذيب الكمال، ٢٠: ١٣٨ – ١٤٢. فكان نظر الإمام مالك كان منصبًا على فقهه وعلمه.
وأن يكونوا قد عقلوا وفهموا ما حملوا من الأحاديث، قال مالك: أدركت بالمدينة مشايخ أبناء مئة وأكثر، فبعضهم قد حدث بأحاديثه، وبعضهم لم أحدث بأحاديثه كلها، وبعضهم لم أحدث من أحاديثه شيئًا، ولم أترك الحديث عنهم لأنهم لم يكونوا ثقات فيما حملوا إلا أنهم حملوا شيئًا لم يعقلوه ،
ابن عبد البر، التمهيد، ١: ٦٧.
ولما كان دقيقًا في اختيار الشيوخ كان متقنًا كذلك في التحمل عنهم والأداء، ويظهر هذا واضحًا في تقديم العلماء له على طلاب الزهري من حيث إتقان الرواية، فقد كان أتقن من يروي عن الزهري كما قال يحيى القطان ويحيى بن معين وأحمد ابن حنبل وأبو حاتم الرازي،
ومع هذا الإتقان والحرص على دقة الرواية فإنه لم يسلم من الخطأ فيها، كعادة كل ثقة، ولذا عدَّ له العلماء بعض الأخطاء القليلة في الرواية، ومنها أخطاء عن شيخه الزهري.
وأما انتقاء الأحاديث: فيظهر هذا في أنه لم يحدث بكل ما سمع، إذ كان من منهجه أنه لا يروي إلا ما كان عليه العمل في بلده، وإذا احتاج إلى رواية ما ليس عليه العمل فقد كان يشير إلى ذلك، مما يعني شدة احتياطه في الرواية، وأنه لم يكن محدثاً صرفاً، بل كان إماماً فقيهاً،
ولذلك كله جاء جواب ابن معين لما سئل أن مالكًا قلّ حديثه، فقال: لكثرة تمييزه ، وهو جواب متسق مع شخصية الإمام مالك العملية الدقيقة التي تفرق بين سماع الحديث وبين روايته، مما يعني مرحلة تصفية هامة في الحديث وروايته آنذاك، فليس كل ما سُمع رُوي، وإنما يعتمد الرواة بعد ذلك على أمثال مالك.
المبحث الرَّابع: المُجتمع النَّقدي في عَصْر أتباع التَّابعين
شُعبة بن الحجَّاج نموذجاً (٨٢-١٦٠هـ)، وظُهُور مَعَالِم المَنْهَج
أقتصر في هذا المبحث على النَّقد في أوائل القرن الثاني في حقبة تابعي التابعين، وتمتدّ هذه الحقبة من حوالي سنة ١١٠هـ إلى سنة ١٦٠هـ، وهي حقبة مليئة بالمقولات النَّقدية الكثيرة من كبار النُّقَّاد أمثال مالك بن أنس، وشعبة بن الحجاج، وسفيان الثوري، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وغيرهم،
فأقف عند ناقد كبير فيهم، بل لعلَّه أهمّ سُلطة نقدية في النِّصف الأوَّل مِن القرن الثاني في الرُّواة وفي الرِّوايات، وهو شُعبة بن الحَجَّاج أبو بُسْطَام (ت ١٦٠هـ)، شيخ النَّقد في مدينة البصرة، وإمام الكلام في الرِّجال في القرن الثاني،
المطلب الأول: شعبة بن الحجاج ومركزيته في نقد الرواة والروايات في النصف الأول من القرن الثاني
الإمام أحمد وصفه بقوله: كان شعبة أُمَّةً وحده في هذا الشأن ،
ويتميَّز شُعبة عن غيره من الكبار – مع كثرتهم وانتشارهم – في ذلك الوقت، بأمرين:
الأول: سعة كلامه في النقد وكثرته وأهمية مقولاته وأثره في مناهج النقاد بعده،
ويظهر هذا في قول الحافظ ابن رجب فيه: وهو أوَّل من وسَّع الكلام في الجرح والتَّعديل، واتِّصال الأسانيد وانقطاعها، ونقَّب عن دقائق عِلْم العلل، وأئمَّة هذا الشَّأن بعده تبعٌ له في هذا العِلْم .
ابن رجب، شرح العلل، ١: ٤٤٨.
وكأن تلك التوسعة بدأت في العراق لشدة الحاجة لها هناك،
فجاءت عبارة ابن حبان خاصة بها في قوله: وهو أوَّل مَن فتَّش بالعراق عن أمر المُحدِّثين، وجانب الضُّعفاء والمتروكين، حتى صار علمًا يُقتدى به، ثمَّ تبعه عليه بعده أهل العراق .
ابن حبان، الثقات، ٦: ٤٤٦.
الثاني: أن نقده للروايات كان نقداً مُبكِّراً في بدايات القرن الثاني،
فإنه طلب العلم مبكراً، وسمع الحسن البصري (ت ١١٠هـ)، وطلحة بن مصرف الكوفي (١١٠ أو ١١٢هـ)،
المطلب الثاني: مظاهر التحول من النقد المبني على الحاجة إلى النقد المنهجي وأسبابه
تتميز هذه المرحلة بأن النقد فيها تحول تحولًا هامًا من كونه نقدًا مبنيًا على الحاجة إلى كونه نقدًا منهجيًا مطردًا، يدرس ويورث للأجيال اللاحقة.
فهو القائل لبعض أصحابه: تعال يا عمران نغتاب في الله ساعة، نذكر مساوئ أصحاب الحديث ،
أبو نعيم، حلية الأولياء، ٧: ١٥٢، الخطيب البغدادي، الكفاية، ص: ٤٥.
وهو ما لم يُعهد قبل، فلا يعرف عن ناقد قبل شعبة أنه وسّع الكلام في الرواة إلى درجة عقد مجالس علمية في هذا الشأن، ومن هنا تميز شعبة وتميز نقده. وتقديري أن ذلك كان في وقت مبكر من القرن الثاني،
قَالَ ابْنُ عَلِيَّةَ: كُنَّا نَرَى عِنْدَ حُمَيْدٍ يَعْنِي الطَّوِيلَ (ت ١٤٣هـ) وَسُلَيْمَانَ يَعْنِي التَّيْمِيَّ (ت ١٤٣هـ) وَابْنِ عَوْنٍ (ت ١٥١هـ) الرَّجُلَ وَالرَّجُلَيْنِ، فَنَأْتِي شُعْبَةَ فَنَرَى النَّاسَ عَلَيْهِ .
ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، ١: ١٧٦.
مما يعني أن هذه المجالس كانت قبل وفاة أولئك الشيوخ الكبار،
قَالَ المُحَدِّثُ الكَبِيرُ هُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ: كُنَّا نَدَعُ مُجَالَسَةَ شُعْبَةَ لِأَنَّهُ كَانَ يُدْخِلُنَا فِي الغِيبَةِ .
ابن عدي، الكامل، ١: ٢٠٣.
وقال يزيد بن هارون: لو رأيتم شعبة لم تكتبوا عنه، كان عيَّاباً ،
ابن عدي، الكامل، ١: ٢٠٣.
ثم تناقص هذا الاهتمام بالغيبة للمُحدِّثين لكثرة الحاجة في ذلك العصر وما بعده.
ولعل من أهم الأسباب في هذا التحول أمورًا:
الأوَّل: طبيعة مدينة البصرة، إذ كانت مدينة حديثة دون أن تكون مدينة توارث العمل الفقهي جيلًا عن جيل،
الثاني: طبيعة شعبة النقدية: وهي طبيعة راسخة فيه منذ أن درس الشعر قبل الحديث، فكان دقيقاً غاية الدقة في الألفاظ الشعرية،
الثالث: الحاجة الحادثة للنقد، مع انتشار الروايات في الأمصار، واهتمام الناس بتحمل تلك الروايات ونشرها، وازدياد مكانة المحدثين في المجتمع.
وهي حاجة طبيعية تلاؤم انتشار الروايات والأسانيد، وإذا كان الرواة المكثرون من الصحابة أقل من عشرين صحابياً، فإن عدد التابعين الذين اهتموا بنشر الحديث وأكثروا منه بالمئات، وأما أتباع التابعين فهم بالآلاف، فمن الطبيعي أن تزيد احتمالية الخطأ فيهم، وأن ينتشر النقد والتدقيق شيئاً فشيئاً.
المطلب الثالث: مقولات شعبة النقدية واستخلاص معالم المنهج النقدي
وإذا كان تعريف المنهج بأنه مجموعة من الأدوات والطرق والتقنيات الخاصة، التي يتم استخدامها في فحص المعارف والظواهر المكتشفة، بحيث تكون قابلة للقياس والاستنتاج ، فهل كانت مقولات شعبة دالة على منهج راسخ عنده؟
إن المتأمل فيما نُقل إلينا عن شعبة يجد نوعين من المقولات:
١- مقولات تأسيسية عامة: وهي المقولات التي لا تتعلق براو بخصوصه أو بحديث معين، بل أجاب فيها شعبة عن سؤال عام بجواب يظهر منه المنهجية الواضحة في النقد،
وذلك مثل قوله لما سُئل: من أين تَعْلَم أنَّ الشيخ يكذب؟ قال: إذا روى عن النبي ﷺ: لا تأكلوا القرعة حتى تذبحوها، علمتُ أنَّه يكذب ،
الرامهرمزي، المحدث الفاصل، ص: ٣١٦، الخطيب البغدادي، الجامع، ٢: ٢٥٧.
ومن مقولاته التأسيسية أنه سُئل: متى يُترك حديث الرَّجل؟ فأجاب بأربعة أُمُور: إذا حدَّث عن المعروفين ما لا يعرفه المعروفون، وإذا أكثر الغلط، وإذا اتُّهم بالكذب، وإذا روى حديثًا غلطًا مُجتمعًا عليه فلم يتَّهم نفسه فيتركه: طُرِحَ حديثه، وما كان غير ذلك فارووا عنه .
ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، ٢: ٣١-٣٢، الرامهرمزي، المحدث الفاصل، ص: ٤١٠، وهذا التعريف هو أقدم تعريف للحديث المتروك عند المتقدمين.
وكذلك مقولاته في الاهتمام باتصال الأسانيد،
مثل قوله: كلُّ حديث ليس فيه أخبرنا وحدثنا فهو خَلٌّ وبللٌ ،
ابن عدي، الكامل، ١: ٢١٨.
وقوله: كل حديث ليس فيه حدثنا وأخبرنا فهو مثل الرجل بالفلاة معه البعير ليس له خِطام .
ابن حبان، المجروحين، ص: ٢٧.
٢- مقولات تفصيلية عملية، يحكم فيها شعبة على راوٍ معين أو على رواية بخصوصها، ويذكر تفسيره وتعليله للحكم في تلك المقولة، مثل حكمه على كثير من الرواة بأنهم ثقات لأنه اختبر حفظهم فوجده قويًّا، أو حكمه على آخرين بأنهم ضعفاء أو بأنهم يخطئون أو لا يحفظون الحديث لأدلة وأسباب يذكرها، أو حكمه على الحديث نفسه بأنه ضعيف أو منكر.
يمكن أن أجعل معالم ما توصلتُ إليه من منهجه فيها على النحو الآتي:
المَعْلَم الأول: أنه منهج مبني على أدوات تاريخية لا أدوات دينية
وأدّعي هنا أن شعبة كان يستعمل الأدوات التاريخية للنقد بوصفه مؤرخًا يريد التثبت من الحديث والرواية تثبتًا تاريخيًّا، هل ثبتت وصحت عن النبي ﷺ أو الصحابة أو التابعين؟ أم لم تصح؟ وعلى ذلك فقد كان يرسي في مقولاته قواعد منهج التوثيق التاريخي، والأساس فيه هو التحقق من الحدث التاريخي والرواية الحديثية، وذلك يكون بالتأكد من صدق الراوي وضبطه وموافقته للواقع، لا بمجرد كون الراوي رجلاً صالحًا تقيًّا معروفًا بالزهد والتقوى.
ويظهر هذا في نقده الشديد للرجل الصالح أبان بن أبي عياش (ت ١٣٨ هـ)، الذي كان ممن يسهر الليل بالقيام ويطوي النهار بالصيام ، وهو طاووس القُرَّاء ، المعروف بالخير منذ دهر ، لكن الصلاح والفضل لا يعني قبول روايته والثقة بها، ولذلك شدد شعبة في التحذير من أخطائه وروايته، ولعل ذلك لاغترار الناس بصلاحه وتقواه.
فعن شيخ البصرة العالم الثقة حماد بن زيد قال: كلَّمنا شُعبة أنا وعباد بن عباد وجرير بن حازم – وهُما من كبار أهل البصرة كذلك – في أبان بن أبي عياش، فقلنا: لو كففت عنه؟ فكأنَّه لان، وأجابنا، قال: فذهبت يومًا أريد الجمعة، فإذا شعبة ينادي من خلفي، فقال: ذاك الذي قلتم لا أراه يسعني ،
ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، ١: ١٧٧، وانظر: أحمد بن حنبل، العلل، ٥٣٦:٢، (٣٥٤١).
وقد تكرر نقده له كثيرًا، وفسّر ذلك بأسباب تتعلق بحفظه وضبطه كما سيأتي.
وقد جمعت مقولات شعبة المفسرة في الرواة والروايات واستخلصت منها بعض الطرق في الحكم على ذلك، ولم أر فيها جميعًا أي أداة دينية، وهذه هي الطرق:
الطريقة الأولى: اختبار الرواة
تطوَّر اختبار الرُّواة في طبقة أتباع التَّابعين، فجدَّت بعض الأساليب التي لم تكن معهودة في طبقة التَّابعين والصَّحابة كما تقدَّم، ولعلَّ أهمّ ما ظهر من الأساليب هو تلقين الرَّاوي لاختباره، وفي هذه الطَّريقة يعمد النَّاقد إلى زيارة الرَّاوي وذكر بعض الأحاديث التي لم تكن من حديثه أمامه كأنَّها من حديثه، فإن قبل وأقرَّ فهذا يدُلّ على ضعفه وأنَّه لا يحفظ، وإن اعترض واستنكر فهذا يدُلُّ على أنَّه حافظٌ ضابطٌ يعرف حديثه جيدًا،
الطريقة الثانية: مقارنة رواياته بغيره
ولعل هذه الطريقة أشهر طريقة نقدية اعتمدها العلماء على مر العصور مع الرواة، وهي مقارنة روايات الراوي بأقرانه، والنظر في تفرداته عنهم ومخالفاته وموافقاته،
وقد استعمل هذه الطريقة شعبة في أكثر من اتجاه:
الأول: مخالفة الراوي للثقات المعروفين
من ذلك قوله مُستنكرًا لمن يُحدِّث عن أبان بن أبي عياش: إنما كان قتادة يروي عن أنس مائتي حديث، وأبان يروي عن أنس ألفي حديث ،
البرذعي، سؤالاته لأبي زرعة، ص: ٢٠١، (٣٤٦)، وانظر: الرامهرمزي، المحدث الفاصل، ص: ٤١٩.
فكأنه يقول: إن أنس بن مالك صحابيّ معروف، يروي عنه الناس المعروفون ومن أجلّهم قتادة، لكن أبان يتفرد بأحاديث كثيرة تصل إلى ألفي حديث لا يعرفها أصحاب أنس بن مالك الكبار، فمن أين له تلك الأحاديث كلها؟
الثاني: المُقارنة بين ثقتين كبيرين في شيخهما والتَّرجيح بينهما
فمن مقولاته أنه كان يقارن بين الرواة عن الشيخ الواحد، ويرجح بينهم في الحفظ عن ذلك الشيخ بعينه، فقد فضل عاصمًا الأحول (ت ١٤٢هـ) على قتادة بن دعامة في روايتهما عن شيخهما أبي عثمان النهدي، وعاصم وقتادة من شيوخ شعبة، وكلاهما من الثقات الكبار، ولكن كأن عاصمًا في رواياته عن أبي عثمان: قوي دقيق، وكأن قتادة في رواياته عن أنس بن مالك: أدق.
الطريقة الثالثة: مراجعة الشيخ المروي عنه والتأكد من رواية طلابه عنه
وبهذه الطريقة ذاتها كان يختبر حفظ أقرانه من العلماء الكبار،
قال شعبة: ما حدثني سفيان عن إنسان بحديث فسألته عنه إلَّا كان كما حدثني به .
أحمد، العلل، ١: ١٥٦، (٦٨)، وانظر: ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، ١: ٦٧-٦٨ فقد ذكر أكثر من رواية.
ويُظهر أنه كان مُكثرًا من ذلك الاختبار فقد جاء عنه: ما حدَّثني أحدٌ عن شيخٍ إلَّا وإذا سألتُهُ – يعني ذلك الشيخ – يأتي بخلاف ما حدَّث عنه، ما خلا سفيان الثوري فإنَّه لم يُحدِّثني عن شيخٍ إلَّا وإذا سألتُهُ وجدتُهُ على ما قال سُفيان .
ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، ١: ٦٧.
ونلحظ هنا أن شعبة يدقق على أكبر عالم في الكوفة، وهو سفيان الثوري، ويراجع شيوخه ليتأكد من حفظه! فصار علمه وصلاحه واشتهار فضله في جهة، وضبطه للحديث والرواية والسند والمتن في جهة أخرى، وهو ما يعني أن الأداة ليست أداة دينية.
الطريقة الرابعة: النَّظر في تفرُّدات الرَّاوي
وفي هذه الطريقة يدقق شعبة على المتون التي يرويها الراوي، وإذا وجد في متونه ما يستنكر فإنه يرجع إلى الشيخ فيضعف حديثه كله.
والنقد في هذا كله مبني على النظر التاريخي، وهو استغراب تفرد راو واحد بسند ومتن كان يجب أن يكون مشهورا معروفا، ولا يرويه أحد غيره مع أنه في حكم مهم.
الطريقة الخامسة: التَّفتيش في كتاب الرَّاوي
وهي الطريقة التي ينظر فيها الناقد في كتب الراوي، فيتأكد من ضبطه لها وحفظه، وقد يسقط بها الراوي وقد يوثق،
يظهر أن شعبة ناقد مؤرخ، ففي الأولى كان ينتظر لقاء الرجل لما عرف عنه من الصلاح والتقوى، ولكنه لما نظر في كتابه ورأى فيه روايات منكرة صرح بذلك، وسأل الشيخ عنها، فأصر الشيخ فسقط، وفي الثانية فرّق شعبة بين حفظ الراوي وبين كتابه، فحفظه ضعيف وكتابه قوي، وهو في ذلك ناظر إلى روايات الشيخ وموافقتها للواقع الحديثي، وحاول شعبة أن يتبين سبب الضعف في رواياته، فعزا ذلك إلى من كان يطلب معه الحديث ويذاكره فيه.
الطريقة السادسة: مُلاحظة قابلية الرَّاوي للكذب
وفي هذه الطريقة يلاحظ شعبة تصرفات الراوي وأسلوبه في التحديث، فيدرك أن هذا الراوي يمكنه أن يجازف فيكذب بسهولة أو لا يحتاط عند تحديثه فيخطئ كثيراً لغفلته،
الطريقة السابعة: النَّقد بالعَرْض على التاريخ
وهي طريقة هامة مستعملة في منهج تقييم الرواة.
فمن ذلك أن شعبة سمع بعض الرواة يروي عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود أنه سمع أباه فقال: أوه، كان أبو عبيدة ابن سبع سنين، وجعل يضرب جبهته .
ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، ١: ١٤٧.
شعبة يرى أن أبا عبيدة لا يمكنه في ذلك العمر التحصيل عن ابن مسعود، فروايته عنه مرسلة ولا يمكن أن يكون قوله: سمع أباه صحيحًا، مما يعود بالإشكال على الراوي الذي روى هذه الرواية.
ومن العرض على التواريخ سؤال شعبة لبعض الرواة عن تاريخ مولدهم، ويتحقق بذلك من سماعه من الشيخ، قال شعبة: سألتُ أبا اليقظان عن حديث، فحدَّثني به، ثمَّ سألتُهُ بعدُ عن مولده، فأخبرني، فإذا هو قد سمع الحديث وهو ابن أقلّ مِن سنتين .
الفسوي، المعرفة والتاريخ، ٢: ٧٨١.
الطريقة الثامنة: مُلاحظة تفرُّد الرَّاوي في الإسناد
فقد كان بعض الرواة يزيد في بعض الأحاديث بعض الأسماء، وبعضهم يروي الحديث الموقوف مرفوعًا والحديث المرسل موصولاً، وقد كان شعبة يلاحظ ذلك، وهي ملاحظة قديمة هامة.
ولكن في منثورات القصص عن شعبة أنه كان لا يقبل بعض الرواة لقضايا متعلقة بالورع والتقوى،
المَعْلَم الثاني: أنَّه نقدٌ طبيعيٌّ مُصاحبٌ لتطوُّر الرِّواية وإشكالاتها التي تُستَجَدّ
وأعني بالطبيعية في النقد أن الأدوات المستعملة فيه ملائمة لمقتضيات العصر، ويُتضح هذا بأن مقولات شعبة النقدية السابقة في أحكامه على الرواة ترجع إلى التأكد من الحفظ والضبط أكثر من الكتابة، وإذا تعلقت بالكتابة فإنها تتعلق بنظر الناقد في الكتاب فقط، دون أن تتعلق – كما سنرى لاحقاً في القرن الثالث بتغيير الخط والكشط فيه والزيادات والنقص،
لكن شعبة دقق كثيراً في ظاهرة هامة برزت في زمانه، وهي ظاهرة التدليس، فأطال الكلام في نقدها والتحذير منها، ثم تتبع الرواة فيها تتبعاً مشهوراً دقيقاً، وهو ما يعني أن النقد كان مصاحباً لما يستحدثه الرواة من إشكالات.
وتدليس الإسناد هو أن يُخفي الراوي قصداً اسم شيخه من الإسناد، ويروي عمن فوقه بصيغة عن ، حتى يظهر الإسناد قصيرًا عاليًا، أو حتى تختفي بعض الأسماء الضعيفة فيه، وهي ظاهرة منتشرة في العراق أكثر منها في الحجاز، فلذلك وجدنا مقولات كثيرة لشعبة فيه دون مالك.
وقد نشط شعبة لتتبع التدليس نشاطًا واسعًا، فكان مواكبا له منكرًا عليه مهتمًا كل الاهتمام بنقده وتتبعه، وكان تتبعه على كبار شيوخه قبل أن يدقق على أقرانه وغيرهم، فقد كان يهتم للفظ من يسمع منه الحديث: هل سمع الشيخ ممن فوقه مباشرة أو أرسل الحديث أو دلسه. فمن ذلك أنه دقق على عدة من الشيوخ سواء أكانوا من المدلسين أم لا، ليتأكد من صحة السماع،
ولذلك كله فإنَّ شعبة كان في غاية الاهتمام بكلمة حدَّثنا ، دون كلمة قال أو حدَّث أو عن ، التي لا تقتضي السَّماع مُباشرةً، ولذلك جاء قوله: كلُّ مَن سمعتُ منه “حدَّثنا” فأنا له عبدٌ! .
أبو نعيم، الحلية، ٧: ١٥٤.
وكل هذا يشير إلى أن النقد كان مصاحبًا لتطور الرواية، فإذا أحدث الرواة طريقًا جديدًا، فإن النقاد يحدثون له نقدًا ملائمًا.
المَعْلَم الثالث: أنَّه نقدٌ موضوعيٌّ ليس فيه مُحاباة ولا إجحاف بحقِّ المُخالفين في الفِكْر والاعتقاد
أعني بهذا المَعْلَم أن نقد شعبة لم يكن يحابي فيه أهل السنة وشيوخه والمقربين منه، فيجعلهم من الثقات، ويضعف المخالفين في الفكر والاعتقاد من الشيعة والمرجئة وغيرهم فيجعلهم من الضعفاء لأجل مجرد المخالفة، بل كان النقد موضوعيًا يتعلق بضبط الراوي وحفظه وموافقته للواقع.
ومن أمثلة ذلك أنه قيل لبعض الرواة من المخالفين في الاعتقاد، لاعتقاده بأنهم كانوا صادقين ضابطين. فمن ذلك أنه سُئل مرة فقيل له: لم تروي عن حماد بن أبي سليمان وكان مرجئًا؟ قال: كان صدوق اللسان. وحماد من كبار الفقهاء في الكوفة، وكان له قول في الإرجاء، ولكن ذلك لم يمنع شعبة من الرواية عنه وتوثيقه.
وكان موقفه من الشيعة موقفًا منصفًا، فقد وثّق بعض المشهورين بالتشيع مثل جابر الجعفي، وإن خالف في ذلك جمهور المحدثين،
لكنه لما رأى بعض كذب الشيعة في الحديث انتقدهم وانتقد رواياتهم.
فكأن روايتهم وصدقهم وضبطهم في جهة، واعتقادهم ورأيهم في جهة أخرى، وهو موقف موضوعي دقيق.
ويُظهر أن لا مُحاباة عند شُعبة أنَّه انتقد حفظ بعض شُيُوخه الأجِلَّاء الكِبَار، فقال في أهمّ شُيُوخه في الفقه: كان حمَّاد بن أبي سُليمان لا يحفظ ، مع أنَّه يسأله في عشرات المرَّات مسائل فقهية، وينقلها كما هو واضحٌ من مُصنَّف ابن أبي شيبة.
ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، ١: ١٣٧. وقال ابن أبي حاتم: كان الغالب عليه الفقه، وإنه لم يرزق [حفظ] الآثار .
المَعْلَمُ الرابعُ: أنَّه نقدٌ مُطَّرِدٌ ثابتٌ يشمل الجميع حتى شُعبة نفسه
لما كان هذا المنهج مطردًا ثابتًا قويًّا شاملاً لكل راوٍ بقطع النظر عن مكانته، فإنه شمل شعبة نفسه، ويظهر هذا في جهات:
الجهةُ الأولى: أن شعبة كان يدقق على نفسه تدقيقًا عاليًا خوفًا من الخطأ والوهم
كأنَّ شُعبة لمَّا كان مُفتِّشًا في غاية الدِّقَّة على الرُّواة الآخرين، كان مُفتِّشًا على حفظه وضبطه كذلك. ولذلك فإنَّه اختطَّ لنفسه طريقة خاصَّة يتأكَّد فيها مِن حفظه للأحاديث وضبطه إيَّاها، وكان أهمّ ما في هذه الطَّريقة هو التّكرار الكثير، ويظهر هذا في مقولاته، فمن ذلك قوله: كنت آتي قتادة فأسأله عن حديثين، ثم يقول لي: أزيدك؟ فأقول: لا، حتى أتحفّظهما، وأتقنهما .
أبو نعيم، الحلية، ٧: ١٥٤.
ومن طلبه الإتقان أنَّه كان يُكرِّر زيارة الشيخ والسَّماع منه، قال شعبة: ما رويتُ عن رجلٍ حديثاً واحداً إلَّا أتيتُهُ أكثر من مرَّة، والذي رويتُ عنه عشرة أحاديث أتيته أكثر مِن عشر مرَّات، والذي رويتُ عنه خمسين حديثاً أتيتُهُ أكثر مِن خمسين مرَّة، والذي رويت عنه مئة حديث أتيتُهُ أكثر من مئة مرَّة، إلَّا حيَّان البارقي فإنِّي سمعتُ منه هذه الأحاديث ثمَّ عدتُ إليه فوجدتُهُ قد مات ،
الترمذي، العلل الصغير، ٦: ٢٤٥، ابن عدي، الكامل، ١: ٢١٦.
وكان لا يروي الحديث إذا لم يسمعه مراراً. فعن أبي الوليد الطيالسي قال: سألتُ شُعبة، عن حديثٍ فقال: والله لا حدَّثتُك به، لم أسمعه إلَّا مرَّة ،
أبو نعيم، الحلية، ٧: ١٤٨.
ولذلك كلّه عرف أقرانه وطُلَّابه هذا الحرص والتَّثبُّت، فكانوا يُقدِّمونه على أنفسهم،
قال حمَّاد بن زيد شيخ البصرة وعالمها: ما أبالي مَن خالفني في حديثٍ، إلَّا أن يكون شُعبة، فإنَّ شُعبة كان مَعْنِيًّا بالحديث، كان يأتي الشيخ يُكثر عليه ،
أبو نعيم، الحلية، ٧: ١٥٤.
وفي رواية: إنَّ شُعبة كان يسمع ويُعيد ويُبدي، وكنتُ أنا أسمع مرَّة واحدة .
ابن عدي، الكامل، ١: ٢٢١.
وكأنَّ شُعبة كان يرى أنَّه بذلك حفظ كثيرًا من الأحاديث الصَّحيحة وتلقَّاها على النَّحو الصَّحيح، ولذلك كان يستغرب أن يسمع حديثاً لا يعرفه، ومن ذلك قوله: إني لأُذَاكَرُ بالحديث قد فاتني فأمرض ، وقد ذُكِرَ له يوماً حديثٌ لم يسمعه فجعل يقول: واحزناه .
أبو نعيم، الحلية، ٧: ١٥٥. | الذهبي، سير أعلام النبلاء، ٧: ٢٢٨.
الجهة الثانية: أنَّ شُعبة لم يكن مُحابياً نفسه وأقاربه في نقده
المظهر الأوَّل: أنَّ شُعبة كان يُفضِّل غيره مِن أقرانه على نفسه في الحفظ أحياناً،
فقد قال في هِشَام الدَّسْتَوَائيّ: كان هشامٌ أحفظ منِّي عن قتادة ،
وقال مرَّة: هشام الدَّسْتَوَائي أعلمُ بحديث قتادة منِّي وأكثر مُجالسةً له منِّي ،
وقال مرَّة: إذا حدَّثكم هشامٌ الدَّسْتَوَائي بشيءٍ فاختموا عليه ،
ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، ١: ١٥٥.
المظهر الثاني: أنَّه كان يعترف بضعفه البشري أحياناً في الرِّواية ويُصرِّح بذلك،
المظهر الثالث: أن شُعبة لم يحاب أقاربه في نقده!
فقد جاء عنه قوله عن ابنه: سمَّيتُ ابني سعدًا، فما سَعِدَ ولا فَلَح .
العقيلي، الضعفاء، 2: 118.
وسعد من رواة الحديث عن أبيه، لكن أحاديثه قليلة. وكان سعدٌ يقول: كان أبي لا يدعني أكتب الحديث، وكان يقول لي: إن أحببتَ أن تكون شقيًّا فاطلب الحديث .
ابن حبان، الثقات، ٨: ٢٨٤.
وكذلك لم يحاب صهره هشام بن حسان (ت ١٤٧هـ)، وهو مِن أجلّ المُحدِّثين في البصرة، لكنَّ شُعبة لم يكن يراه بالحافظ، فقال: لو حابيت أحدًا لحابيت هشام بن حسان، كان ختني، ولم يكن يحفظ ، مع أنَّه عند غير شُعبة من الثِّقات الأجلاء.
الذهبي، سير أعلام النبلاء، ٦: ٣٥٩.
الجهة الثالثة: أنَّ النُّقَّاد انتقدوا شُعبة بأدواته ذاتها
ولعل أهم أداة انتقد بها النقاد المتقدمون شعبة كانت المقارنة بينه وبين الرواة الآخرين،
بل إنهم أحيانًا أحصوا عدد أخطائه في أحاديث شيوخه،
قال ابن معين: روى شُعبة عن الأعمش خمسَمِئة، لم يُخطئ إلَّا في عشرة أحاديث .
ابن معين، التاريخ، رواية ابن محرز، ١: ١٥٥، (٨٥٧).
والخطأ هُنا مُتوجّه إلى أسماء الرِّجال في الأسانيد،
قال أحمد: ما أكثر ما يُخطئ شُعبة في أسامي الرِّجال ،
ابن هانئ، سؤالاته، ص: ٥٠٦، (٢٣٦٧).
وفي مقولة أخرى: كان شُعبة يُقلِّب أسامي الرِّجال ،
أحمد بن حنبل، العلل، رواية المروذي، ص: ٤٤، (٣٧).
وهو كذلك ما صرح به ابن معين: وشُعبة ثقة، ثبت، ولكنَّه يُخطئ في أسماء رجال، ويُصحَّف .
ابن معين، التاريخ، رواية ابن محرز، ١: ١١٧، (٥٦٩).
وقد حاول النقاد أن يجدوا تفسيرًا لهذه الأخطاء، فعزاها أحمد إلى أنَّه كان يحفظ دون أن يكتب، في عصر طالت فيه الأسانيد كثيرًا وانتشرت،
قال أحمد: كان شُعبة يحفظ، لم يكتب إلَّا شيئًا قليلاً، ورُبَّما وَهِمَ في الشيء .
الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ١٠: ٢٥٩.
لكن كأنَّ شُعبة كان مُعتدًّا بحفظه أكثر من كتابته، فجاء عنه قوله: حفظتُ عِلْمًا عن الحَكَم وحمَّاد فإمَّا الذي كتبتُهُ فنسيتُهُ، وأمَّا الذي لم أكتبه فحفظته ،
البيهقي، المدخل، ٢: ٨٤٠، الخطيب البغدادي، تقييد العلم، ص: ٧٨.
وكان ينهى طُلَّابه عن الكتابة أحيانًا، ويذمّهم بقِلَّة الحفظ وكثرة الكتابة.
وفي كتب العلل نماذج من أخطاء شعبة التي خالف فيها الثقات الآخرين، فكانوا يصرحون بقولهم: إنَّ الوهم في هذا الحديث من شُعبة، ويُدلِّلون على ذلك.
والنقد هذا كله يدلُّ على أنَّ الأدوات التي استعملها شُعبة في النَّقد كانت أدوات معيارية تصلح لكلِّ أحدٍ، فلمَّا طُبِّقت عليه خرج النُّقَّاد بأوهامه وأخطائه، مما يعني أن لا محاباة في النقد، وأنَّ الجميع تحت مظلّته، وأنَّ المُجتمع النَّقدي كان مُجتمعًا حيًّا نشيطًا، لا قُدسية فيه لأحدٍ.
المَعْلَم الخامس: أنَّ الرِّواية هي التي تحكم على الرَّاوي، وأنَّ النَّقد للمتن والإسناد كليهما
مِن معالم النَّقد في تِلْك الحقبة أنَّ الرِّواية هي التي تحكم على أحاديث الرَّاوي، لا أنَّ ثقة النَّاقد بالرَّاوي تُبقيه مُسلَّمًا له في جميع رواياته، وهذا يعني أنَّ النَّاقِد ولو كان واثقًا من الرَّاوي بدايةً فإنَّه يبحث في كل حديثٍ له على حِدَة، هل أصاب فيه أو أخطأ؟ ثم يُصدر حكمه على الرَّاوي بعد ذلك، فإن كثرت أخطاؤه فإنَّه يُراجع حكمه على الرَّاوي بالثِّقة ويُصدر حُكمًا آخر بحسب عوامل كثيرة مُتعلِّقة بحجم الخطأ وأثره وسببه وغير ذلك.
وقد يُضعف الناقد الراوي لأجل حديث واحد أخطأ فيه، ورأى الناقد أن هذا الخطأ ليس بالهيِّن ولا يقع إلا من راو ضعيف، فيُصدر حكمه على الراوي بضعفه، وكلُّ هذا يقتضي أن نظر الناقد يكون متوجّهًا إلى المتون والأسانيد قبل الحكم على الراوي نفسه، وهو ما يمكن أن أُسميه: النقد المعكوس ، وأعني به أن المتأخرين كانوا يصدرون حكمهم على الرواية بناءً على حال الراوي، بخلاف أئمة النقد في عصر الرواية فإنهم يصدرون حكمهم على الراوي بناءً على حال رواياته.
المطلب الرابع: آثار المنهج النَّقدي في المُجتمع الحديثي في تِلْك الحقبة
كان لهذا المنهج النقدي الصارم آثار هامة في تاريخ الرواية الحديثية، ولعل أهم تلك الآثار يظهر في جهتين:
الجهة الأولى: خوف الرُّواة من سُلطة النُّقَّاد
الأمر الذي يعني أن السلطة النقدية المعنية بمراقبة الروايات، وبالإعلان عن الأخطاء فيها ونشرها بين الناس، ونشر أسماء المخطئين، والتشهير بهم أحيانًا، كانت سلطة مخيفة للرواة، تسبب لهم القلق من الإعلان بضعفهم أو خطئهم أو كذبهم أمام الرأي العام .
فإن الراوي إذا عرف أن بعض النقاد يتابعون رواياته، وقد يؤثر ذلك في صيته وسمعته في المجتمع العلمي الديني في مدينته ومحلته، فإنه يخاف ويحتاط في الرواية بعد ذلك، أو على الأقل لا يكون كاذباً جريئاً.
منها أنَّه كان يشتهر بمن يكذب في الحديث أو يخطئ فيه، ويعلن ذلك في المحافل، مما يجعل الناس يتوافدون إلى شعبة يرجونه أن لا يفعل ذلك، ويُمتثل على ذلك بموقف شعبة من الرجل الصالح أبان بن أبي عياش (ت ١٣٨ هـ)،
وأثَّر كلّ ذلك في أبان بن أبي عياش، فكان يرجو حمَّادًا فيقول له: أُحِبُّ أنْ تُكَلِّم شُعبة أنْ يَكُفَّ عني ، فكأنَّه شعر بأنَّ سمعته في تدهور أمام الرأي العام في المجتمع العلمي، فلجأ إلى هذا الطلب، قال حماد: فكلمتُهُ، فكفَّ عنه أيَّامًا، فأتاني في بعض اللَّيل، فقال: إنَّك سألتني أنْ أَكُفَّ عن أبان، وإنَّه لا يَحِلُّ الكَفُّ عنه، فإنَّه يكذب على رسول الله ﷺ .
ابن حبان، المجروحين، ١: ٩٦، الذهبي، سير أعلام النبلاء، ٧: ٤٦١.
وكان لشعبة مقولات مُتشدِّدة في أبان مِن مثل قوله: لولا الحياء من الناس لما صلَّيت على أبان ،
ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، ١: ١٣٤، البرذعي، سؤالاته لأبي زرعة، ص: ١٩٩.
وقوله: لأن يزني الرجل خير له من أن يروي عن أبان بن أبي عياش ،
البرذعي، سؤالاته لأبي زرعة، ص: ٢٠٠.
أو: لأن أرتكب سبعين كبيرة أحبُّ إليَّ من أن أحدث عن أبان بن أبي عياش .
ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، ١: ١٣٤.
فكأن شعبة كان يمارس عمل الشرطة في بعض الأحيان، ولكنها شرطة علمية، تراقب الرواة وتتمسك بهم، وتحاول أخذهم إلى الحاكم، ليكفوا عن جريمتهم! ويفزع لهؤلاء الرواة بعض من يعرفهم فيتركهم شعبة.
ونقل الحاكم في تاريخ نيسابور قول يزيد بن هارون (١١٨-٢٠٦هـ) – الإمام الكبير تلميذ شُعبة وشيخ أحمد وابن معين وطبقتهما -: الويل لشعبة والله، إنِّي لأخشى أن يكون قد لقي ذُلًّا في الآخرة بما صنع بابن عمارة، وإنَّ أهل بيت الحسن يدعون الله تعالى عليه حتى السَّاعة، وكان – والله – خيرًا من شُعبة لو أنِّي وجدتُ أعوانا لأسقطتُ شُعبة! .
مغلطاي، التراجم الساقطة من إكمال تهذيب الكمال، ص: ١٠٢-١٠٣، وعلّق عليه الحاكم بقوله: هذا كلام المشايخ الذين لا يعرفون الجرح والتَّعديل، فوالله إنَّ شُعبة كان على الحقِّ في جرحه الحسن والحقّ معه. وشُعبة إمامٌ مُقدَّم لا يسقطُ بكلام أحدٍ مِن النَّاس، وهذا لا أعرف له راويًا عن يزيد غير إبراهيم بن عبد الله الرباطي ويُقال: الحمَّال .
فإنَّ هذا الجدل كلَّه يُظهر لنا وقع كلام شعبة في الرجال وأثره في المجتمع العلمي في ذلك الوقت، فكأنَّ شعبة سلطة علمية قوية، ينتقد راويًا فينزل صيته، ويأتي الكبار فيرجونه الكفّ عنه، ولا يقبل ذلك ولا يعتدّ به، بل يزيد إنكاره وتحذيره، ويُرسل طلابه هنا وهناك للتحذير من هذا الراوي.
ولكن مع هذه السلطة القوية فإنَّ المجتمع النقدي مجتمع حيّ كذلك في تلك الحقبة، إذ يخالف شعبة بعض العلماء ويدافعون عن الحسن ويطلبون من شعبة الكف عنه، ويذكرونه بخير، بل إن الحسن نفسه يُسوِّغُ رواياته ولا يُحِلُّ شُعبة.
وهذه الصورة كلها منافية تمام المنافاة لصورة المجتمع الساذج الذي يروي فيه الراوي ما يحلو له من روايات وينشرها بين الناس ويتداولونها بينهم دون رقابة ولا متابعة.
بل بلغ خوف أبي عوانة من شُعبة أن تابعه على خطأ أخطأ فيه شُعبة! فقد روى أبو عَوَانَة مرَّة عن خالد بن علقمة، فقيل له: إنَّ شُعبة يُحدِّث به عن خالد ابن عرفطة، فتابع أبو عوانة شُعبة، فصار يقول: خالد بن عرفطة، وقال: لعلَّ شُعبة أحفظ له مني، فلمَّا قيل له بعد ذلك: إنَّ شُعبة أخطأ فيه؛ رجع إلى قوله الأوَّل، فقال: خالد بن علقمة! ،
ابن هانئ، سؤالاته للإمام أحمد، ص: ٥٠٥، (٢٣٦٦).
ولذلك قال الإمام أحمد: كان أبو عوانة مع ثبته وإتقانه يفزع من شُعبة، وأخطأ شُعبة في حديث الوُضُوء فروى عن الحكم عن خالد بن عرفطة، وإنَّما هو خالد بن علقمة، فتابعه أبو عوانة على خطئه فرواه كذلك .
ابن عدي، الكامل، ٥: ٣٦٦، والنص منقول عن أحمد ويحيى بن معين، وقد تكررت متابعة أبي عوانة لشعبة في خطأ آخر في اسم صحابي
وعلى ذلك فشعبة مُخيف مُفزع للعلماء والكبار في المجتمع العلمي، فكيف به مع الكذابين والضعفاء؟ مما يعني أن تلك السلطة حدّثت من كثير من الجرأة على الكذب.
وفي قصة مشهورة في تفتيشاته دقق على شيخه أبي إسحاق السبيعي (ت ١٢٣هـ)، وكان يهدده بطرح حديثه إذا لم يصرح باسم شيخه! حيث روى أبو إسحاق حديثًا فدقق عليه شعبة في اسم من سمع منه، فغضب أبو إسحاق، قال شعبة: وَكَانَ مِسْعَرُ بْنُ كِدَامٍ حَاضِرًا، فَقَالَ لِي مِسْعَرُ: أَغْضَبْتَ الشَّيْخَ، فَقُلْتُ: مَا لَهُ؟ لَيُصَحِّحَنَّ لِي هَذَا الحَدِيثَ أَوْ لَأُسْقِطَنَّ حَدِيثَهُ! ، والتَّصحيح هُنا أن يذكر الإسناد كاملاً دون تدليس! وهو تهديد شديد!
أبو نعيم، الحلية، ٧: ١٤٨-١٤٩، الرامهرمزي، المحدث الفاصل، ص: ٣١٣، ابن عدي، الكامل، ٦: ١٦٨، ابن عبد البر، التمهيد، ١: ٤٨-٥٠، والخطيب البغدادي، الكفاية، ص: ٤٠٠-٤٠١، وقد تقدم الكلام عنها موسّعًا.
وقد قدَّمتُ أنَّ من أهم نتائج هذا التخويف: الحدُّ من انتشار الكذب في المجتمع العلمي، إذ السلطة العلمية موجودة تراقب مسارات الرواية وتتتبعها على يد النقاد، والأصل في ذلك المجتمع المسلم المتدين العدالة والخوف من الكذب والمعصية ديانة، لكن الراوي إن تجرأ على الكذب فإنه لا بد ـ والحالة هذه من سيطرة النقاد العلمية ـ من الفضيحة وانتشار اسمه بالسوء في الرأي العام.
ومن هنا جاءت مقولة الإمام سفيان الثوري (ت ١٦١ هـ) ـ قرين شُعبة ورفيقه في الطلب: مَن كَذَبَ في الحديث افْتَضَحَ ،
الخطيب البغدادي، الكفاية، ص: ١١٧.
ولكُلِّ تلك الجُهُود العظيمة في تنقية الأحاديث، كان مدح الإمام الشافعي للمُحدِّثين عالياً في قوله: لَوْلَا المَحَابِرُ لَخَطَبَتِ الزَّنَادِقَةُ عَلَى المَنَابِرِ .
السمعاني، أدب الإملاء والاستملاء، ص: ١٥٣، والذهبي، سير أعلام النبلاء، ١٠: ٧٠.
الجهة الثانية: تأثُّر النُّقَّاد بالمنهج وتطويرهم فيه
كانت جهود شُعبة هذه، وجهود النُّقَّاد في تلك الحقبة، مُثمرة بوُضُوح فيمن بعدهم، فقد تخرج على شُعبة ناقدان كبيران، ملأ المجتمع العلمي آنذاك بالمقولات النقدية، وهما يحيى بن سعيد القَطَّان (ت ١٩٨ هـ)، وعبد الرحمن ابن مهدي (ت ١٩٨ هـ)،
وكان أخصهما بشُعبة: يحيى القَطَّان، وقد وصفه ابن رجب بأنه خليفة شُعبة، والقائم بعده مقامه في هذا العلم، وعنه تلقَّاه أئمَّة هذا الشَّأن، كأحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، ونحوهم، وقد كان شُعبة يُحكّمه على نفسه ،
ابن رجب، شرح العلل، ١: ٤٦٤.
وأورث هذا المنهج لطلابه من أمثال يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، فانتقدوه كذلك في بعض رواياته، وإن كانت قليلة، قال الإمام أحمد: ما رأيتُ أحدًا أقلّ خطأً مِن يحيى بن سعيد، ولقد أخطأ في أحاديث، ثم قال: ومَن يعرى مِن الخطأ والتَّصحيف؟ .
الخطيب، البغدادي، تاريخ بغداد، ١٦: ٢١١.
الفَصْل الرَّابع: مِن أتباع التَّابعين إلى أصحاب المُصنَّفات المشهورة
أدرس في هذا الفصل تطور الرواية من الطبقة السابقة: طبقة مالك (ت ١٧٩هـ)، وشعبة (ت ١٦٠هـ)، وسفيان الثوري (ت ١٦١هـ)، وغيرهم إلى أن وصلت إلى كتب السنة المشهورة، وأعني بها الكتب الستة، وهي: صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وسنن النسائي، وسنن أبي داود، وسنن الترمذي، وسنن ابن ماجه. ويضاف إليها مسند أحمد والدارمي وغيرهما.
المبحث الأوَّل: مَعَالِم في التَّحوُّل مِن القرن الثاني إلى القرن الثالث
تطورت الرواية تطورًا واسعًا بعد حقبة أتباع التابعين، إذ انتشرت الروايات وتشعبت الأسانيد تشعبًا هائلًا، وظهرت أنواع كثيرة جديدة من المصنفات الحديثية، وظهرت مقولات علمية أثرت في مسارات الرواية، فاتجه المحدثون إلى إيراد الأسانيد الكاملة في مصنفاتهم، وانتشر النقد المصاحب للرواية انتشارًا واسعًا، حتى إن مدرسة المحدثين ظهرت متميزة عن غيرها من المدارس، فمن تلك المعالم:
المَعْلَم الأوَّل: مِن استقرار المُتُون إلى انتشار الأسانيد
كانت متون الأحاديث الصحيحة قد انتشرت واستقرت في الأمصار الإسلامية بين العلماء والنقاد، وصارت واضحة وإن لم تُجمع كلها في مكان واحد،
وعليه فليس هناك متن ثابت صحيح ظهر في القرن الثالث لا يعرفه العلماء ولا الرواة في القرن الثاني، إذ جميع المتون الصحيحة انتقلت من القرن الثاني إلى القرن الثالث.
ويظهر هذا واضحًا في عدة مظاهر:
المظهر الأول: أن النقاد كانوا يكذّبون بعض المتون التي لم تُعرف في القرن الثاني، بل قد يعود ذلك المتن بالنقد على راويه،
المثال الأول: أن ابن معين (ت ٢٣٣هـ) ذُكِرَ أمامه حديث يُروى عن شيخه عبد الرزاق (ت ٢١١هـ) عن معمر (ت ١٥٤هـ) عن الزهري (ت ١٢٤هـ) عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة (ت ٩٨هـ)، عن ابن عباس (ت ٦٨هـ)، قال: نظر رسول الله ﷺ إلى علي، فقال: أنت سيد في الدنيا، سيد في الآخرة، حبيبك حبيبي، وحبيبي حبيب الله، وعدوك عدوي، وعدوي عدو الله، فالويل لمن أبغضك بعدي! .
الطبراني، المعجم الأوسط، ح: ٤٧٥١، وقال عنه: لم يرو هذا الحديث عن عبد الرزاق إلا أبو الأزهر النيسابوري . الحاكم، المستدرك على الصحيحين، ح: ٤٧٠٣، وقال عنه: صحيح على شرط الشيخين، وأبو الأزهر بإجماعهم ثقة، وإذا تفرّد الثقة بحديث فهو على أصلهم صحيح .
وهو حديث لا يُعرف قبل ذلك، وعبد الرزاق من شيوخ ابن معين وأحمد، رحلا إليه وسمعا منه آلاف الأحاديث ولم يسمعا بهذا الحديث قبل، فصاح ابن معين مباشرة بتكذيب من روى ذلك عن عبد الرزاق قائلاً: من هذا الكذاب الذي روى هذا عن عبد الرزاق؟ ، فقام راوي هذا الحديث أحمد بن الأزهر النيسابوري (ت ٢٦٣هـ) وهو إمام معروف مكثر ثقة مشهور – فقال: هو ذا أنا ، فتبسم يحيى بن معين وقال: أما إنك لست بكذاب ، وتَعجّب من سلامته، وقال: الذنب لغيرك في هذا الحديث .
الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ٥: ٦٨-٦٩، ابن عدي، الكامل، ١: ٤٤١، ٨: ٣٨٣-٣٨٤.
فالحديث مكذوبٌ قطعًا عند ابن معين وعند غيره، لكنَّه لم يُعرَف مصدر الكذب، فنسبه بدايةً إلى الرَّاوي عن عبد الرَّزاق، ثُمَّ ظهر الرَّاوي وهو رفيق ابن معين الثِّقة فتعجَّب، لكنَّه بقي مُصرًّا على كذب ذلك الحديث قائلاً: الذنب فيه لغيرك . وهو ما كان باعثًا عند العُلماء والنُّقَّاد إلى البحث عن مصدر الخطأ في ذلك الحديث.
ذكر بعضهم أنَّ مصدر الخطأ كان من معمر، حيث كان له ابن أخ رافضي، وكان معمر يُمكِّنه من كتبه، فأدخل عليه هذا الحديث، وكان معمر رجلاً مهيباً لا يقدر عليه أحدٌ في السُّؤال والمُراجعة، فسمعه عبد الرزاق في كتاب ابن أخي معمر . انظر: الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ٥: ٦٩، … وهو مُغايرٌ لقوله في ترجمة عبد الرزاق عن حكاية ابن أخي معمر: قلت: هذه حكاية مُنقطعة، وما كان معمر شيخاً مُغفَّلاً يروج هذا عليه، كان حافظاً، بصيراً بحديث الزهري . سير أعلام النبلاء، ٩: ٥٧٦، لكن على أيّ حال فالقصد هُنا أنَّ النُّقَّاد اتَّفقوا على خطأ الحديث وإن اختلفوا في السَّبب.
المظهر الثاني: أنَّ العُلماء قد نصُّوا على عدد الأحاديث الصَّحيحة المرفوعة، وذكر أكثرهم أنَّه يقترب من ٤٤٠٠ حديث فقط، مع بعض الاختلافات في ذلك.
وهذه الآلاف الأربعة هي الثابتة المعروفة التي انتشرت واستقرت، ولعلها المجمع عليها، أما الذي فيه خلاف أو يُحتمل الصحة والضعف فأكثر من ذلك.
وجاءت نُصُوصهم بأنَّهم عرفوا ذلك وضبطوه مُنذ القرن الثاني، وقد نُقل عن الثوري (ت ١٦١ هـ)، وشعبة (ت ١٦٠ هـ)، ويحيى بن سعيد القطان، (ت ١٩٨ هـ)، وابن مهدي، (ت ١٩٨ هـ)، وأحمد بن حنبل، (ت ٢٤١ هـ)، وغيرهم: أنَّ جُملة الأحاديث المُسندة عن النبي ﷺ -يعني الصَّحيحة بلا تكرير- أربعة آلاف وأربعمئة حديث .
ابن حجر، النكت، ١: ۲۹۹، وانظر: الزركشي، النكت على مقدمة ابن الصلاح، ١: ١٨٢، وما رواه الحاكم في كتابه المدخل إلى كتاب الإكليل، ص: 35، عن الإمام أحمد: صح من الحديث سبعمئة ألف حديث وكسر ، فقد أجاب عنه البيهقي بقوله: أراد ما صح من الأحاديث، وأقاويل الصَّحابة والتَّابعين . انظر: السيوطي، تدريب الراوي، ١: ٦٧-٦٩، وقال ابن الجوزي في الجواب عن أين هذه الأحاديث السبع مئة ألف: فالجواب أن المراد بهذا العدد الطُّرُق لا المُتُون . تلقيح فهوم أهل الأثر، ص: ٢٦٣.
وجاء أن عبد الرزاق الصنعاني (ت ۲١١ هـ) ناقش في ذلك إسحاق بن راهويه (ت ٢٣٨ هـ) فقال إسحاق: أربعة آلاف. وقال عبد الرزاق: أقول ما قاله يحيى بن سعيد: المُسند أربعة آلاف وأربعمئة، منها: ألف ومئتان، سنن، وثمانمائة: حلال وحرام، وألفان وأربعمئة: فضائل وأدب وتسديد .
نقله الزركشي، النكت على مقدمة ابن الصلاح، ١: ١٨٢-١٨٣.
وجاءت مقولات مختلفة عن ذلك العدد،
فقد قيل: إنَّ الثَّوري يراها خمسة آلاف أو ستة ،
الزركشي، النكت، ١: ١٨٣.
وأن ابن راهويه يراها سبعة آلاف ونيف .
ابن حجر، النكت، ١: ۲۹۹.
لكن على أي حال فإن أكثر ما قيل فيها هو ثمانية آلاف كما عبر ذلك الإمام الزركشي (ت ٧٩٤ هـ).
وقد أحصى بعض الباحثين في زماننا عدد الأحاديث الصَّحيحة من غير المُكرَّر، فوصلت إلى ٣٩٢١ حديثاً، وهو قريب من إحصاء المُتقدِّمين، ويبقى الخلاف في منهجية العدّ وفي الاختلافات الاجتهادية في التَّصحيح والتَّضعيف للأحاديث.
كرَّس الشيخ صالح الشامي عمله لجمع أحاديث النبي ﷺ، وقد أخرج في ذلك ١٤ كتاباً وختمها بكتابه الهام معالم السنة النبوية ، وقد كان هذا الكتاب نتيجة ذلك الجمع الطَّويل فلخص فيه ما انتهى إليه من الأحاديث النبوية الصحيحة من غير تكرار، فكانت ٣٩٢١، بعد أن كانت بالمُكرَّر من حيث المُتُون والأسانيد ١١٤١٩٤، ثم حذف مُكرَّرات الأسانيد فصارت ٢٨٤٣٠، ثم حذف مُكرَّرات المُتُون فصارت ٣٩٢١. انظر: صالح الشامي، معالم السنة النبوية، ١٣-١٨.
ونحن نرى في زماننا من يحفظ آلاف الأبيات الشعرية، أو أسماء المشاهير والمعروفين وأخبارهم، ولم يتفرغ لها ويضع فيها كلَّ جهده، وإنما هي هواية ورغبة، مع ما يصرفه عن الحفظ من منتجات الحياة العصرية. أما شعبة فقد كان متفرغًا من كل شيء إلا الحديث! ولم يكن في زمانه ما يشغله عن الحفظ إلا الكتابة! إذ هي الأداة الوافدة الجديدة على طلاب العلم في زمانهم!
وقد قال الشافعي (ت ٢٠٤هـ): أُصُول الأحكام نيف وخمسمئة حديث كلّها عند مالك، إلَّا ثلاثين حديثًا، وكلّها عن ابن عيينة إلَّا ستة أحاديث .
الخليلي، الإرشاد، ١: ١٩٤، وانظر: البيهقي، مناقب الشافعي، ١: ٥١٩. والشافعي نفسه القائل: ما رأيت صاحب بلغ أحفظ من الحميدي، كان يحفظ لسفيان بن عيينة عشرة آلاف حديث . انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ١٠: ٦١٨، وهو ما يعني أن ابن عيينة عنده أكثر من ذلك، لكن من حيث الأسانيد لا أصول الأحكام.
ومن هنا نفهم المقولات التي تتحدث في نهاية القرن الثاني وفي القرن الثالث عن مئات آلاف الأحاديث، إذ هي مجموع تشعُّبات الأسانيد للمتون، وليست متونًا بحد ذاتها، فضلاً عن دخول الأحاديث الموقوفة على الصحابي والمقطوعة على التابعي في ذلك الرقم، ويضاف إلى ذلك أنه شامل للأحاديث الصحيحة والحسنة والضعيفة والموضوعة.
فمن المقولات التي جاءت في كثرة عدد الحديث في القرن الثالث قول يحيى ابن معين (ت ٢٣٣هـ) لمَّا سُئل: كم كتبتَ مِن الحديث؟ فأجاب: كتبتُ بيدي هذه ستمئة ألف حديث .
ابن عدي، الكامل، ١: ٣٠٦، الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ١٦: ٢٧٠.
المَعْلَم الثاني: مِن المُصنَّفات والموطآت إلى المسانيد والسُّنن والصِّحاح
كان المحدثون من طبقة أتباع التابعين يروون الحديث بمعناه الواسع في مصنفاتهم، وهو الذي يشمل الحديث المرفوع إلى النبي ﷺ والموقوف على الصحابي رضي الله عنه، والمقطوع على التابعي، مع الأقوال الفقهية والأحاديث المرسلة والمنقطعة والبلاغات، لكنهم مع نهاية القرن الثاني انصرفوا إلى إخراج الأحاديث المرفوعة المتصلة إلى النبي ﷺ، فدونُوها في كتب مشهورة تعرف بالمسانيد، وهي الكتب التي تجمع حديث النبي ﷺ خاصة دون أقوال الصحابة والتابعين.
معنى المُوطَّأ اصطلاحًا كنوع من كُتُب السُّنَّة: هو الكتاب الذي يجمع بين الأحاديث النبوية وآثار الصَّحابة والتَّابعين والفقه والاستنباط، فيكون مُهذَّبًا مُرتَّبًا على الأبواب، وكأنَّه مُمهَّد للطَّالب.
ومن المسانيد على رأس سنة مئتين: مسند أبي داود الطيالسي البصري (ت ٢٠٤هـ)، ومسند عبيد الله بن موسى الكوفي (ت ٢١٣هـ)، ومسند أسد بن موسى الأموي المصري (ت ٢١٢هـ)، ومسند مُسدّد بن مُسَرْهَد البصري (ت ٢٢٨هـ)، ومسند نعيم بن حماد الخزاعي (ت ٢٢٨هـ) نزيل مصر، ومسند يحيى بن عبد الحميد الحمّاني الكوفي (ت ٢٢٨هـ)،
وأشهر تلك المسانيد مسندُ الإمام أحمد بن حنبل (ت ٢٤١هـ)، وفيه ما يربو على ثلاثين ألف حديث مرفوع، ويندر أن نجد فيه الموقوفات والمقطوعات، بخلاف الموطأ الذي كانت المقطوعات والموقوفات فيه أكثر من الحديث المرفوع، وهو ما يعني تطورًا واضحًا في نظام الرواية.
أما سبب ذلك فآراءه راجعاً إلى نظريات الإمام الشافعي (ت ٢٠٤هـ) التي نحت منحى يغاير ما كان عليه شيخه مالك بن أنس (ت ١٧٩هـ) من الاعتماد بالعمل والاعتماد على أقوال الصحابة والتابعين، حيث اتجه الشافعي إلى مركزية الحديث الصحيح في الأحكام، بقطع النظر عن موافقته لعمل قوم معينين أو مدينة معينة، فالأصل هو الحديث الصحيح، واشتهرت مقولته: إذا صح الحديث فهو مذهبي ، وكان من أهم شروط الحديث الصحيح أن يكون متصلاً غير منقطع ولا مرسل، كما فصَّل هو نفسه في كتابه الرسالة .
واتجه الإمام الشافعي كذلك إلى القول بعدم حجّية أقوال الصحابة رضي الله عنهم مقابل الحديث الصحيح، مما جعل الحديث المرفوع إلى النبي ﷺ في غاية الأهمية في مقابل الأحاديث الموقوفة على الصحابة.
المَعْلَم الثالث: مِن ظاهرة نقص الإسناد إلى ظاهرة اكتماله: من المُرسلات إلى المُتَّصلات
أكثر الأئمة من أتباع التابعين في مصنفاتهم من ذكر الأحاديث المرسلة، وهي الأحاديث التي لم تكن متصلة الإسناد إلى النبي ﷺ، وعادة ما يرويها التابعي عن النبي ﷺ مباشرة دون ذكر الصحابي، ويمكن التمثيل على ذلك بكتابين هامين: جامع معمر وموطأ مالك، فقد أكثر معمر بن راشد في جامعه من رواية المرسلات مقارنة بروايته للأحاديث المتصلة، واحتج الإمام مالك (ت ١٧٩هـ) في موطئه بالمراسيل وأكثر من ذكرها، فقارب عددها ٢٢٢ حديثاً مرسلاً.
وقد كان لبعض العلماء في القرن الثاني اتجاه واضح في التعمد من النقص من الأسانيد لأسباب كثيرة، فكان من منهج الإمام مالك أن ينقص من الإسناد إذا شك فيه،
وقد يكون من الأسباب وثوق الشيخ بمن روى عنه وعدم الحاجة لذكر اسمه، أو ثقة من الطالب بشيخه وعدم سؤاله عن الناقص في الإسناد.
ولكن هذه الظاهرة لم تكن هي الظاهرة العامة في جماعة المحدثين، إذ الأساس ذكر الحديث بإسناده كاملاً، وهو ما كان عليه جل المحدثين.
وقد تتبعت نقص مالك للأسانيد في أحاديث كثيرة في دراسة أخرى، وأظهرت أن النقص لأسماء بعض الصحابة كان منه احتياطًا وشكًّا.
وعلى أي حال فإن ظاهرة النقص المتعمد من الإسناد كادت تتلاشى في بدايات القرن الثالث، وبقي عمل المحدثين على المشهور المعروف من ذكر الإسناد كاملاً،
المَعْلَم الرابع: انتشار النَّقد انتشاراً واسعاً
كان القرن الثالث قرن النقد الذهبي، فقد ظهرت فيه أسماء العلماء الكبار، وانتشر صيتهم، وصار لهم صولة وجولة في المجتمع الإسلامي، وفيه ظهرت أهم الكتب في الرواية وفي النقد،
وأهم النقاد الذين أغنوا الحياة الحديثية بنقدهم في تلك الحقبة:
يحيى بن معين (ت ٢٣٣هـ)، وعلي بن المديني (ت ٢٣٤هـ)، وأحمد بن حنبل (ت ٢٤١هـ)، وإسحاق بن راهويه (ت ٢٣٨هـ)، وأبو بكر بن أبي شيبة (ت ٢٣٥هـ)، وأبو خيثمة زهير بن حرب (ت ٢٣٤)، وغيرهم.
وتبعتهم جماعة أخرى أخذت العلم والنقد عنهم، منهم: البخاري (ت ٢٥٦هـ)، ومسلم (ت ٢٦١هـ)، وأبو زرعة الرازي (ت ٢٦٤هـ)، وأبو حاتم الرازي (ت ٢٧٧هـ)، ومحمد بن يحيى الذُّهْلِيُّ (ت ٢٥٨هـ)، والدَّارِمِيّ (ت ٢٥٥هـ)، والترمذي (ت ٢٧٩هـ)، وأبو داود (ت ٢٧٥هـ)، والنسائي (ت ٣٠٣هـ)، وغيرهم.
وأرى أن من أهم عوامل انتشار النقد:
أولاً: شدّة الحاجة له، مع انتشار الروايات انتشاراً واسعاً للغاية في كل مصر وفي كل مدينة، فتسابق العلماء إلى تتبعها ونقدها، لئلا يفوتهم شيء منها.
ثانياً: تفرغ جماعات كبيرة من العلماء لهذا النقد، وقد كان هذا التفرغ موجوداً في طبقة أتباع التابعين ومن بعدهم، ولكنه ظهر في جماعات كبيرة من النقاد في هذا القرن، فأغنى الحياة النقدية إغناءً عالياً.
والتفرغ هذا يعني أن النقد الحديثي هو الشغل الشاغل لهم، منذ أن يستيقظ الناقد إلى أن ينام، فالناقد لا يكاد يفكر إلا بالنقد والرواة والروايات يومه ونهاره وشهره وسنته،
بل إنَّ في بعض قصصهم الطَّريفة ما يظهر انشغالهم بالنَّقد انشغالاً يذهلهم عن كلّ شيء إلَّاه. فمن ذلك قصة ابن معين وأنَّه رُؤِيَ في المنام بعد وفاته، فسُئل: ما فعل الله بك؟ ، فذكر إكرام الحق تعالى له وأنَّه زُوِّج من الحور العين ومُدَّ له سماطاً وأقعده بين الناس، وقال له: يا يحيى تَمَنّ عليَّ ما شئت! ، وهو موقف عظيم، يمكن ليحيى أن يطلب فيه مِن ربّ العِزَّة ما يُريد ويشتهي، فكان سؤاله: مَنْ أوثق الناس؟! ، فقال الحق سبحانه: شعبة، وسفيان، وزائدة! . وهو ما يعني أنَّ همّة يحيى وانصرافه وحياته مُتوجّهة إلى ذلك الأمر!
ابن حبان، المجروحين، ١: ٥٦-٥٧.
وَلَمَّا كَانَ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ (ت ٢٦٤هـ) فِي سِيَاقِ المَوْتِ، كَانَ الإِسْنَادُ وَالنَّظَرُ فِيهِ شُغْلَهُ الشَّاغِلَ. فَقَدْ جَاءَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ السَّاوِيِّ وَرَّاقِ أَبِي زُرْعَةَ يَقُولُ:
حَضَرْتُ أَبَا زُرْعَةَ بِمَاشَهْرَان، وَكَانَ فِي السَّوْقِ (أَيْ الِاحْتِضَارِ)، وَعِنْدَهُ أَبُو حَاتِمٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ وَارَةَ، وَالمُنْذِرُ بْنُ شَاذَان، وَجَمَاعَةٌ مِنَ العُلَمَاءِ، فَذَكَرُوا قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ: لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ ، فَاسْتَحْيَوْا مِنْ أَبِي زُرْعَةَ، وَقَالُوا: تَعَالَوْا نَذْكُرِ الحَدِيثَ ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ وَارَةَ: حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مُخَلَّدٍ أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ صَالِحٍ… وَلَمْ يُجَاوِزْ، وَالبَاقُونَ سَكَتُوا، فَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ وَهُوَ فِي السَّوقِ: ثَنَا بُنْدَارٌ، قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِي عَرِيبٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ الحَضْرَمِيِّ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَنْ كَانَ آخِرَ كَلَامِهِ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الجَنَّةَ . وَمَاتَ رَحِمَهُ اللهُ.
الحاكم، معرفة علوم الحديث، ص: ٧٦، والحديث رواه الإمام الحاكم في المستدرك أيضًا، ح: ١٣٠٠، و ١٨٩٤، وقال بعد روايته في الموطن الأخير: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وله قصة لأبي زرعة الرازي قد ذكرتها في كتاب المعرفة .
فهذا الانشغال التام والتخصص العالي يورث انتشارًا واضحًا لعلم النقد الحديثي آنذاك.
ثالثًا: التعاضد بين المجموعات العلمية: ظهرت في القرن الثالث ظاهرة الجماعات العلمية النقدية، حيث يظهر فيها الناقد مع مجموعة من النقاد يتحركون ويذهبون ويرحلون ويجتهدون، وهي الصحبة التي كانت مؤثرة فيهم – ولا بد – في المذاكرة والنشاط والاجتهاد.
ومن قصصهم في الاختبار الجماعي للرُّواة القصة المشهورة عن اختبار أحمد ابن حنبل ويحيى بن معين شيخهما أبا نُعَيم الفضل بن دُكَيْن، (١٣٠-٢١٩)، وهو من كبار الثقات الحفاظ، بل لم يكن له نظير في الحفظ في وقته.
قال يعقوب الفسوي: أجمع أصحابنا أن أبا نعيم كان غاية في الإتقان والحفظ وأنه حجة .
الفسوي، المعرفة والتاريخ، ٢: ٦٣٣، الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ١٤: ٣١٥، وقال أبو عبيد الآجري: قيل لأبي داود: كان أبو نعيم حافظًا؟ قال: جدًا . سؤالاته لأبي داود، ص: ٧٩، (٣٦٣)، وقال ابن أبي حاتم الرازي: سألت أبي عن أبي نعيم الفضل بن دُكَيْن؟ فقال: ثقة، كان يحفظ حديث الثوري، ومسعر حفظًا جيدًا، كان يحزر حديث الثوري ثلاثة آلاف وخمسمئة حديث، وحديث مسعر نحو خمسمئة حديث، كان يأتي بحديث الثوري عن لفظ واحد لا يغيره، وكان لا يلقن، وكان حافظًا متقنًا . الجرح والتعديل، ٧: ٦٢.
ومع ذلك فإن يحيى بن معين في طريق رجوعه من رحلته الطويلة مع أحمد بن حنبل وأحمد بن منصور الرمادي إلى اليمن للسماع من عبد الرزاق رغب في اختبار حفظ شيخه عندما نزلوا الكوفة متوجهين إلى بغداد، فثبَّطه أحمد بن حنبل ونهاه أن يختبره ـ فإنه ثقة معروف بالحفظ والإتقان، وهو شيخهما ـ فأصرَّ يحيى على الاختبار،
قال الرمادي: فأخذ ورقة فكتب فيها ثلاثين حديثًا من حديث أبي نُعيم، وجعل على رأس كل عشرة منها حديثًا ليس من حديثه، ثم إنهم جاؤوا إلى أبي نُعيم، فخرج وجلس على دكّان طين، وأخذ أحمد بن حنبل فأجلسه عن يمينه ويحيى عن يساره، وجلست أسفل الدكان، ثم أخرج يحيى الطبق فقرأ عليه عشرة أحاديث، وأبو نُعيم ساكت، فلما قرأ الحادي عشر قال أبو نُعيم: ليس هذا من حديثي اضرب عليه. ثم قرأ العشر الثاني وأبو نُعيم ساكت، فقرأ الحديث، فقال أبو نُعيم: ليس هذا من حديثي فاضرب عليه. ثم قرأ العشر الثالث، ثم قرأ الحديث الثالث، فتغير أبو نُعيم وانقلبت عيناه، ثم أقبل على يحيى فقال: أما هذا ـ وذراع أحمد بيده – فأُورع من أن يعمل مثل هذا، وأما هذا – يريدني – فأُقلُّ من أن يفعل ذلك، ولكن هذا من فعلك يا فاعل، وأخرج رجله فرفس يحيى فُرمي به من الدكان، وقام فدخل داره! فقال أحمد بن حنبل ليحيى: ألم أمنعك وأقل لك: إنه ثبت؟! قال: والله، لرفسته لي أحبُّ إليَّ من سفرتي .
الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ١٤: ٣١٦.
فتظهر الجماعة في هذه القصة، ويظهر فيها الرحلة والنقد، وأبو نعيم من كبار الثقات المعمرين، فقد ولد سنة ١٣٠هـ، وتوفي عام ٢١٩هـ، … فلعل ابن معين أراد التأكد من حفظه بعد مرور تلك السنوات وأنه لم يختلط.
المجموعة الثالثة: مجموعة البخاري (ت ٢٥٦هـ)، ومسلم (ت ٢٦١هـ)، والترمذي (ت ۲۷۹هـ):
والبخاري في هذه المجموعة هو الشيخ والرأس، والترمذي ومسلم يتبعانِه،
المَعْلَم الخامس: تمايز مدرسة المُحدِّثين
ترسخت وظيفة المحدث في القرن الثالث من حيث جمع الروايات وتصنيفها، ومن حيث نقدها وتمحيصها، … ذلك أن وظيفة المحدث الأساسية بوصفه محدّثاً تقتضي التفرغ لجمع الحديث ونقله ونشره وتصنيفه وتبويبه وترتيبه، وقد يضاف إلى تلك الوظيفة التخصص في النقد وتمييز المرويات والرواة وبيان أحوالهم، … والأصل أن وصفهم الحديثي لا يتضمن معنى الفقه أو تفسير النصوص وشرحها، إذ هي وظيفة أخرى غير وظيفة المحدث.
إذ الحالة العامة هي تصدر كبار المحدثين من الجامعين بين الحديث والفقه والعلوم الأخرى للتعليم والتصنيف والتدريس. ولعل أهم المحدثين المتصدرين لمجالس الحديث والنقد والتدريس والتصنيف بعد الإمام أحمد كان الإمام البخاري، ولم يكن مجرد محدث، بل كان جامعاً لعلوم شتى مجتهداً في بعضها، وكانت له آراء مُختلفة عن بعض آراء مُتشدِّدة أهل الحديث، مثل قضية اللَّفظ بالقرآن، إذ يرى البخاري أنَّه مخلوق، وينكر بعض المُحدِّثين ذلك، ومع ذلك كان مُتصدِّراً وبقي مُتميِّزاً في عُيُون طُلَّابه من أمثال مُسلم والتِّرمذي.
المَعْلَم السَّادِس: انتشار تصنيف الأحاديث وترتيبها على أشكالٍ مُختلفةٍ مُتعدِّدة
تنوعت في هذه الحقبة وسائل التصنيف تنوعًا عاليًا، فكان منها المسانيد: مثل: مسند أبي بكر بن أبي شيبة، ومسند علي بن المديني، ومسند إسحاق بن راهويه، ومسند أحمد بن حنبل، ومسند أبي زرعة الرازي. وكان منها الكتب في موضوع معين: مثل: كتاب العلم لزهير بن حرب، فضائل الصحابة للإمام أحمد، والزهد له، والزهد لأبي داود، والمراسيل له، والزهد لأبي حاتم الرازي، والشمائل المحمدية للإمام الترمذي، والزُّهريّات للإمام الذُّهلي. وكان منها الصحاح، مثل: صحيح البخاري، صحيح مسلم. وكان منها السنن:سنن الدارمي، سنن أبي داود، سنن الترمذي، سنن ابن ماجه، سنن النسائي الكبرى والصغرى.
وأدَّعي أنَّهم جمعوا في هذه الكُتُب جميع الأحاديث الصَّحيحة أو الأغلبية السَّاحقة فيها، بل جمعت الأغلبية السَّاحقة في الأحاديث كلها: صحيحها وضعيفها، بحيث لا يندّ عنها إلَّا القليل جدًا.
المبحث الثَّاني: مِن شُعبة إلى ابن مَعِين.. رُسُوخ المنهج النَّقدِيّ وتوسُّعه
تَطَوَّرَ النَّقْدُ تَطَوُّرًا عَالِيًا فِي تِلْكَ الحِقْبَةِ، فَقَدْ قَدَّمْتُ أَنَّ شُعْبَةَ كَانَ شَدِيدَ التَّأْثِيرِ فِي يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ القَطَّانِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، وَكِلَاهُمَا مِنْ أَئِمَّةِ النَّقْدِ الكِبَارِ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا فِي الرُّوَاةِ وَالرِّوَايَاتِ كَلَامًا وَاسِعًا، وَوَرِثَ عِلْمَهُمَا عَدَدٌ مِنْ كِبَارِ النُّقَّادِ مِنْ أَمْثَالِ: يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ (ت ٢٣٣هـ)، وَعَلِيِّ بْنِ المَدَيْنِيِّ (ت ٢٣٤هـ)، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ (ت ٢٤١هـ)، وَمُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ صَاحِبِ الطَّبَقَاتِ (ت ٢٣٠هـ)، وَأَبِي خَيْثَمَةَ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ (ت ٢٣٤هـ)، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ (ت ٢٣٨هـ).
لكني اختصارًا أقتصر في هذا الكتاب على مقولات يحيى بن معين، العالم الناقد الكبير، لأظهر استمرار منهج النقد في زمانه، فأعرّف به وبأسباب اختياري له، ثم أدرس منهجيته في توثيق النصوص، وأعرض معالم منهجه النقدي لأختم بآثار هذا المنهج في صفوف الرواة.
المطلب الأول: يحيى بن معين (١٥٨-٢٣٣هـ) وأهمية نقده في بدايات القرن الثالث الهجري
ولد ابن معين عام ١٥٨هـ في بغداد، وأدرك عددًا كبيرًا من طبقة أتباع التابعين، وأخذ عنهم العلم والحديث، وقد نشأ ببغداد ورحل إلى الأمصار فزار اليمن والحجاز ومصر والشام والكوفة والبصرة وغيرها من مدن الإسلام،
قال زميله علي ابن المديني (ت ٢٣٤هـ): لا نعلمُ أحدًا مِن لَدُن آدم عليه السَّلام كَتَبَ مِن الحديث ما كتب يحيى بن معين ، وقد جاء عنه قوله: كتبت بيدي ألف ألف حديث .
الخطيب البغدادي، ١٦: ٢٧٠، ابن عساكر، تاريخ دمشق، ٦٥: ١٢.
ابن عساكر، تاريخ دمشق، ٦٥: ١٣، المزي، تهذيب الكمال، ٣١: ٥٤٨.
ويعني بذلك الأسانيد والمكرّرات والموقوفات والمقاطع كما قدمت، ويؤكده قول يحيى: لو لم نكتب الحديث خمسين مرّة ما عرفناه ، وقوله: لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجهًا ما عقلناه .
ابن الأعرابي، المعجم، ٣: ١٠٧٥-١٠٧٦ (٢٣١٧)، ابن عساكر، تاريخ دمشق، ٦٥: ١٤.
ابن حبان، المجروحين، ص: ٣٣، ابن عساكر، تاريخ دمشق، ٦٥: ١٤.
ويدخل في هذا الرقم الأحاديث التي يرويها الكذابون، فقد كان ابن معين يكتب عن الكذابين ليعرف تلك الأحاديث لا ليرويها،
ومرّة رآه الإمام أحمد بن حنبل بصنعاء، في زاوية، وهو يكتب صحيفة مَعْمَر، عن أبان، عن أنس، فإذا اطَّلع عليه إنسان كتمه، فقال له أحمد بن حنبل: تكتب صحيفة مَعْمَر، عن أبان، عن أنس، وتعلم أنَّها موضوعة؟! فلو قال لك قائل: إنَّك تتكلَّم في أبان، ثُمَّ تكتب حديثه على الوجه؟! فقال: رحمك الله! يا أبا عبد الله، أكتب هذه الصَّحيفة عن عبد الرَّزَّاق، عن مَعْمَر، على الوجه، فأحفظها كلّها، وأعلم أنَّها موضوعة، حتى لا يجيء بعده إنسان، فيجعل بدل أبان ثابتًا، ويرويها عن مَعْمَر، عن ثابت، عن أنس بن مالك، فأقول له: كذبتَ، إنَّما هي: عن مَعْمَر، عن أبان، لا عن ثابت .
الخطيب البغدادي، الجامع، ٢: ١٩٢، وانظر: ابن حبان، المجروحين، ١: ٣١-٣٢.
الإمام أحمد فيقول: كلُّ حديثٍ لا يعرفه يحيى بن مَعِين فليس هو بحديث .
الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ١٦: ٢٩٨، وهذا الحكم أغلبي كما لا يخفى.
وهو ما يعني أن المتون الصحيحة صارت معروفة واضحة، بل الضعيفة وكثيرًا من الموضوعات في وقته. ولذلك فإن الحديث الجديد الذي لم يسمع به يحيى بن معين من قبل فليس بحديث أصلاً.
وأكد ذلك الثناء أحمد بن حنبل في قوله: ههنا رجلٌ خلقه اللهُ لهذا الشَّأن، يُظهِر كَذِبَ الكذَّابين .
الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ١٦: ٢٩٨.
ولما ترجمه الحافظ ابن رجب (ت ٧٩٥هـ) صدّر ترجمته بقوله: الإمام المُطلَق في الجرح والتَّعديل، وإلى قوله في ذلك يرجع النَّاس وعلى كلامه فيه يعولون .
ابن رجب، شرح العلل، ١: ٤٨٨، وقال الذهبي: اعلم -هداك الله- أن الذين قبل الناس
قولهم في الجرح والتعديل على ثلاثة أقسام:
١- قسم تكلموا في أكثر الرواة، كـ: ابن معين، وأبي حاتم الرازي.
٢- وقسم تكلموا في كثير من الرواة، كـ: مالك، وشعبة.
٣- وقسم تكلموا في الرجل بعد الرجل، كـ: ابن عيينة، والشافعي، والكل أيضًا على ثلاثة أقسام… .
انظر: ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل، ص: ۱۷۱-۱۷۲.
أنه ممن قال بخلق القرآن في المحنة المعروفة. ولذلك ترك أحمد الكتابة عنه في آخر حياته،
وجاء عن أبي زرعة الرازي قوله: كان أحمدُ بن حنبلٍ لا يرى الكتابة عن أبي نصر التَّمَّار، ولا عن يحيى بن معين، ولا عن أحد مِمَّن امتُحِنَ فأجاب .
البرذعي، سؤالاته لأبي زرعة، ص: ٢٦١، (٤٦٨)، الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ١٢: ١٧٠، وانظر: ابن الجوزي، مناقب أحمد، ص: ٥٢٢.
وقد أجاب الذهبي عن موقفه هذا ونقد أحمد له بقوله: قلتُ: هذا أمرٌ ضَيِّق، ولا حرج على مَن أجاب في المحنة، بل ولا على مَن أُكرِه على صريح الكُفر عملًا بالآية – وهذا هو الحق – وكان يحيى – رحمه الله – مِن أئمَّة السُّنَّة، فخاف مِن سطوة الدَّولة، وأجاب تقِيَّة .
الذهبي، سير أعلام النبلاء، ٨٧:١١.
المطلب الثاني: استمرار النَّقد المبني على منهجية التَّوثيق التَّاريخي لا الذَّاتي
بقي ابن معين على طريقة النقاد في التفريق بين صلاح الراوي وبين ضبطه وحديثه وحفظه، ولم يوثق – فيما رأيت – راوياً لأجل صلاحه دون النظر في أحاديثه واختبارها، فبقيت القضية المركزية في نقد الرَّاوي هي الحكم عليه من خلال مروياته، لا الحكم على الرِّواية من خلال الرَّاوي، وهو خلاف ما استقرَّ عند المُتأخِّرين في النَّقد الحديثي.
للأستاذ محمد أنس توبغول دراسة في هذه الفكرة باللغة التركية، عنوانها من الرواية إلى الراوي، كيف تشكلت أحكام الجرح والتعديل؟ وفيها أفكار قيمة، حاصلها أن الحكم على الراوي كان بناء على روايته من جهة ضبطه ومن جهة عدالته، وأوافقه في جهة الضبط بوضوح، … ولكن لا أوافقه في جهة إثبات العدالة من خلال مرويات الراوي،
وعليه فإن البحث والتدقيق والمراقبة والتفتيش في نقد ابن معين كان متجهًا إلى الروايات ومساراتها أكثر من توجيهها لمراقبة تدين الراوي وصلاحه وعباداته وتقواه،
ولعل ذلك عائد إلى ما قدمته، من استقرار المتون ومعرفة النقد بالصحيح منها والضعيف، فبقي النظر في تشعبات الأسانيد وطرق الرواية والأخطاء فيها،
قال ابن معين: إنَّما هو درهم وأنحدر إلى البصرة وأسمع من التَّبوذكي، فقال: شأنك. فانحدر إلى البصرة وجاء إلى موسى بن إسماعيل، فقال له موسى: لم تسمع هذه الكُتُب من أحد؟ قال: سمعتها على الوجه من سبعة عشر نفسًا، وأنت الثامن عشر، فقال: وماذا تصنع بهذا؟ قال: إنَّ حماد بن سلمة كان يخطئ، فأردت أن أميِّز خطأه من خطأ غيره، فإذا رأيتُ أصحابه قد اجتمعوا على شيء علمتُ أنَّ الخطأ من حمَّاد نفسه، وإذا اجتمعوا على شيء عنه، وقال واحد منهم بخلافه، علمتُ أنَّ الخطأ منه لا من حمَّاد، فأُمَيِّز بين ما أخطأ هو بنفسه، وبين ما أخطئ عليه .
ابن حبان، المجروحين، ١: ٣٢، وانظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ٧: ٤٥٦.
ولا يظهر في هذا التتبع نظرة دينية، ترى حماد بن سلمة من أكابر العلماء الصالحين، فتغض الطرف عن أخطائه وأوهامه، بل هي منهجية توثيق تعتمد الأدوات التاريخية دون غيرها.
فمن ذلك أن محمد بن عمر الواقدي (ت ٢٠٧ هـ) كان قد أكثر في زمانه من رواية الحديث والأخبار، فتبعها ابن معين تتبعًا عاليًا، وذكر في مقولته عنها منهجيته في المعارضة والمقارنة، فقال: نظرنا في حديث الواقدي، فوجدنا حديثه عن المدنيين، عن شيوخ مجهولين، أحاديث مناكير، فقلنا: يحتمل أن تكون منهم، ثم نظرنا إلى حديثه عن ابن أبي ذئب (ت ١٥٩ هـ)، ومعمر (ت ١٥٤ هـ)، فإنه يضبط حديثهم، فوجدناه قد حدث عنهما بالمناكير، فعلمنا أنه منه، فتركنا حديثه .
ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، ٨: ٢١.
وعلى ذلك كله فإن منهجية التوثيق التاريخي هذه لا تحابي أحدًا، فالموافق في الفكر والمخالف تحت النقد نفسه، بل المعروف وغير المعروف، ويتأكد هذا في اتجاهين:
أولًا: توثيق المخالفين في الفكر والاعتقاد من أصحاب المذاهب الاعتقادية الأخرى:
كان لابن معين مقولات كثيرة في توثيق بعض الشيعة والخوارج وغيرهم من أتباع المذاهب المخالفة لأهل السنة، وإنما كان ذلك بالنظر إلى أحاديثهم ورواياتهم، لا إلى اعتقادهم ورأيهم، فالمنهجية ثابتة.
ويؤكد أنَّه يعتمد على مرويّات الرَّاوي في الحكم عليه، ولو كان شيعيّاً مُغالياً قوله في عبد الرحمن بن صالح الأزدي العُتَكِيّ (ت ٢٣٥هـ): يَقْدُم عليكم رجل مِن أهل الكوفة، يقال له: عبد الرحمن بن صالح، ثقة، صدوق، شيعي، لأَن يَخِرَّ من السماء أحبُّ إليه من أن يكذب في نصف حرف .
الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ١١: ٥٤٤، وقد وافقه في هذا الرَّاوي زميله الإمام أحمد ابن حنبل فقد جاء عن يعقوب بن يوسف المطوعي: كان عبد الرحمن بن صالح الأزدي رافضياً، وكان يغشى أحمد بن حنبل، فيُقرِّبه ويُدنِيه، فقيل له: يا أبا عبد الله عبد الرحمن رافضي. فقال: سبحان الله! رجل أحب قوماً من أهل بيت النبي ﷺ، نقول له: لا تحبهم؟ هو ثقة . انظر: الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ٥٤٤:١١.
وإذا اجتمع إلى ذلك أنَّ ابنَ معينٍ ضعفَ بعضَ الصالحينَ من أهلِ السنةِ، فإنَّ ذلكَ يعني أنَّ منهجيةَ التوثيقِ التاريخيِّ عنده كانت مُحكمةً مُتقنةً موضوعيةً.
ثانياً: توثيقُ المجاهيلِ إذا صحّت رواياتهم:
وأعني بذلكَ أنَّ ابنَ معينٍ قد لا يعرفُ الراوي، ولكنَّه يسمعُ عن رواياته، فيكونُ مجهولاً عنده من حيثُ الشخصيةُ، لكنَّه معروفٌ من حيثُ رواياتُه، فيُصدرُ حكمَه عليه من خلالِ تلكَ الرواياتِ، وتنطبقُ عليه منهجيةُ التوثيقِ التاريخيِّ.
وسبب ذلك أن الأحاديث قد ثبتت وعُرفت واستقرت، فمن جاء بالأحاديث على وجهها ولو لم يُعرف – فهو ثقة، ومن غيّر وبدّل ففيه نظر وإشكال.
لكن ذلك لا يعني أنها تُغفِل عدالة الرواة الأساسية التي تتضمن معنى الأمانة، وهو معنى أساسي في المجتمعات عمومًا قبل أن يكون خاصًا في المجتمعات الدينية،
ومن هنا فإن ابن معين وغيره من النقاد كانوا إذا شكوا في أمانة الراوي وعدالته تجنبوا إدخاله في المنظومة الحديثية كلها أساسًا، قبل أن يحكموا على أحاديثه بالضعف أو الخطأ،
ولا يختص مفهوم الأمانة العامة والنزاهة في الرواة والشهود في المجتمع الإسلامي، بل هو مطلب في جميع المجتمعات الإنسانية، إذ لا تُقبل شهادة غير النَّزيه وغير الأمين وصاحب السَّوابق الإجرامية أو الأخلاقية، وتقوم حياة النَّاس كلّهم على ذلك، وتحقَّقت لهم بهذا المنهج مصالحهم، وصحّت لهم عدالتهم، ورضوا بها .
الشريف حاتم العوني، عقلانية منهج المحدثين في التحقق من عدالة الرواة، ص: ٦،
المطلب الثالث: معالم مراقبة ابن معين للرواة والروايات
المَعْلَم الأول: المُراقبة الحثيثة للتَّغيُّرات في أحاديث الرَّاوي
كان النقاد عموما وابن معين خصوصًا مدققين في التغيرات التي تحدث على الراوي في حياته، ذلك أن الراوي قد يكون ثقة في وقت شبابه، ولكنه يكبر ويصاب بالخرف فيضعف حفظه ويختلط، وقد يكون ثقة في بلده إذا حدث عن شيوخه لكثرة ملازمته لهم، ولكنه إذا خرج من بلده وحدث عن شيوخ البلاد الأخرى فقد لا يضبط ذلك لبعض الظروف المتعلقة به، وقد يكون ثقة في شيوخ معينين في بلده لشدة ملازمته لهم، لكنه ضعيف في شيوخ بلده الآخرين لضعف اعتنائه بحديثهم، وقد يكون ثقة في بعض الموضوعات الحديثية لكثرة تكراره لها واعتنائه بها، ضعيفاً في موضوعات حديثية أخرى لقلة الاهتمام بها، وهو ما يتوافق مع طبيعة الإنسان ومراحل حياته وأحواله وظروفه.
أولاً: المراقبة للتغيرات الزمانية
وهو ما يسميه علماء النقد الاختلاط ، وهو أن يكبر الراوي ويتغير حفظه وينسى، فيحكم علماء الحديث عليه بالضعف إذا حدث وأخطأ في حالته تلك، ويفرقون بين الرواة الذين رووا عنه قبل الاختلاط وبعد الاختلاط.
ولعل من أهم الأمثلة على ذلك في نقد ابن معين مراقبته للتغيرات الحادثة في حياة شيخه حجاج بن محمد المصيصي (ت ٢٠٦هـ)، فقد كان ثقة كثير الحديث، أخذ عن أجلاء أتباع التابعين،
وكان يحيى يراه ثبتاً قويّاً، بل هو من أوثق طلاب ابن جريج (ت ١٥٠هـ) في رأيه،
فلما كان بالعشي دخل الناس، فأعطوه كتاب شعبة، فقال: حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عيسى بن مريم، عن خيثمة، عن عبد الله… فأخطأ خطأ شنيعاً في ذكر اسم نبي الله عيسى ابن مريم عليه السلام في الإسناد أمام طُلَّاب الحديث، ممَّا يعني أنَّه اختلط ونسي وحرف، فعاب عليه الناس بعض أخطائه، فقال ابن معين لابنه: قد قلت لك .
الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ٩: ١٤٣ – ١٤٤.
وقد تتبع يحيى كثيرًا من الرواة الذين اختلطوا في آخر عمرهم، في طبقة شيوخه، وفي طبقة شيوخ شيوخه، ومن أمثلة ذلك تتبُّعه زمان اختلاط سعيد بن أبي عروبة (ت ١٥٦هـ)، إذ استطاع أن يحدد السنة التي اختلط فيها سعيد، فميّز بين من يروي عنه قبل ذلك ومن يروي عنه بعده،
قال إبراهيم الحربي (ت ٢٨٥هـ): فلمَّا كان بالعشي جئت إليه – أي إلى عفان – فنظرتُ إليه كما حكى أبو خيثمة – أي أنّه قد اختلط – فقال له إنسان: إن يحيى يقول: إنَّك قد اختلطتَ، فقال: لعن الله يحيى! أرجو أن يمتعني الله بعقلي حتى أموت! قال إبراهيم: الخرف يكون ساعة خَرِفًا، وساعةً عاقلاً .
الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ١٤: ٢٠٩-٢١٠، الذهبي، سير أعلام النبلاء، ١٠: ٢٥٣-٢٥٤، وعلق على القصة بقوله: كل تغير يوجد في مرض الموت، فليس بقادح في الثقة، فإن غالب الناس يعتريهم في المرض الحاد نحو ذلك، ويتم لهم وقت السياق وقبله أشد من ذلك، وإنما المحذور أن يقع الاختلاط بالثقة، فيحدث في حال اختلاطه بما يضطرب في إسناده، أو متنه، فيخالف فيه.
وأرى أن عبارة عفان القاسية في حق ابن معين إنما خرجت في حال اختلاطه وغضبه منه، وهي مشيرة إلى حركة المجتمع البشرية الطبيعية، وأنهم كانوا أشخاصًا بكل غضبهم وانزعاجهم ورغبتهم وشهوتهم ومحبتهم وكرههم، ولم يكونوا مجرد أسماء في روايات، ولذلك نُقلت عنهم مثل هذه الأخبار الطبيعية.
ثانياً: المُراقبة للتَّغيُّرات المكانِيَّة
وهو ما يقتضي اختلاف مكان التحمل أو الأداء عند الراوي، فقد يأخذ الراوي الحديث عن الشيوخ في بلده فيضبط ذلك، لكنه إذا تحمل عن غيرهم في البلاد الأخرى فإنه قد يخطئ فيهم، وهو ما تتبعه ابن معين تتبعًا قويًا كذلك.
ثالثًا: المُراقبة للتَّغيُّرات عند اختلاف الشُّيُوخ
كان ابن معين يدقق في الرواة بحسب شيوخهم، فقد يوثق الراوي في شيخ معيّن ويضعفه في شيوخ آخرين، مما يعني انتباهًا عاليًا لتحولات الراوي وتغيراته.
وهو ما يعني أن بعض الطلاب قد يلازم شيخًا زمنًا طويلًا فيأخذ عنه ويتقن حديثه، لكنه قد يخطئ في غيره، فيكون ثقة في شيخ ضعيفًا في آخر، وهو ما يلائم الطبيعة البشرية واختلاف الاهتمام والانشغال والإتقان، فلا يمكن أن يحكم على جميع روايات الراوي بـ قالب جامد واحد لا يتغير مع الظروف والتقلبات.
رابعًا: المُراقبة للتَّغيُّرات إذا اختلف الموضوع الحديثي
كان ابن معين يدرك اختصاص بعض الرواة بموضوعات معينة، يهتمون بها وينشغلون فيها، فهم فيها أثبات ثقات، وفي غيرها لا يحفظون لضعف اهتمامهم،
وكذلك الحال فيمن انشغل كل الانشغال بأمر قراءة القُرآن وإقرائه وضبطه وسماع النَّاس منه، ولذلك ضعَّف حفص بن سليمان أبا عمر البزَّاز الكوفي القارئ المشهور في الحديث (ت ١٨٠هـ)، مع توثيقه له في القراءة، قال ابن معين: أبو عمر البزّاز، صاحب القراءة، ليس بثقة، هو أصح قراءة من أبي بكر بن عياش، وأبو بكر أوثق منه .
ابن عدي، الكامل، ٤: ٥٨، وانظر: الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ٩: ٦٥.
الْمَعْلَمُ الثَّانِي: مُرَاقَبَةُ الكُتُبِ وَالنَّسْخُ
أولًا: طلب النَّظر في الكتاب والتَّأكُّد من مضمونه
كان ابن معين يطلب النظر في كتب الرواة والشيوخ، ويتأكد بنفسه من مضمونها وصحتها، فإن رأى فيها ما يثير الشك دقق وفتش زيادة، وإن كان ما فيها مضبوطًا مستقيمًا حكم بثقة الراوي وصحة ما في كتابه.
ثانياً: التَّفريق بين مواضع الأحاديث في الكتاب
وهي مسألة منسجمة مع تطور الكتابة والورق، إذ إن انتشار الكتابة جعل الرواة يكتبون كثيرًا ويميزون بين كتاباتهم، وكان النقاد يدققون عليهم في بعض مواضع الكتابة.
ثالثاً: التَّفريق بين أنواع الكتابات
من تطور النقد المصاحب لتطور الكتابة أن ابن معين كان يفرّق بين أنواع الكتب بحوزة الشيخ، فبعض الكتب كانت قديمة، وهي التي يعتمد عليها في بعض الشيوخ دون الكتب المصنفة،
وكان يردّ على بعض الشيوخ ما أخطئوا فيه من تصانيفهم الحديثة، فيرجع الشيوخ إلى النسخ القديمة، فيدركون صحة كلام ابن معين.
فَمِنْ ذٰلِكَ أَنَّهُ لَمَّا زَارَ مِصْرَ جَلَسَ فِي مَجْلِسِ صَدِيقِهِ نُعَيْمِ بْنِ حَمَّادٍ المَرْوَزِيِّ (ت ٢٢٨هـ)، وَكَانَ يُحَدِّثُ الطُّلَّابَ مِنْ كِتَابٍ صَنَّفَهُ، فَقَرَأَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ المُبَارَكِ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ بِأَحَادِيثَ، قَالَ يَحْيَى: فَقُلْتُ لَهُ: لَيْسَ هٰذَا عَنِ ابْنِ المُبَارَكِ، فَغَضِبَ، وَقَالَ: تَرُدُّ عَلَيَّ؟ قَالَ: قُلْتُ: إِيْ وَاللهِ، أَرُدُّ عَلَيْكَ، أُرِيدُ زِينَكَ [يَعْنِي الحُسْنَ لَكَ وَفَائِدَتَكَ]، فَأَبَى أَنْ يَرْجِعَ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ هٰكَذَا لَا يَرْجِعُ قُلْتُ: لَا وَاللهِ، مَا سَمِعْتَ أَنْتَ هٰذَا مِنِ ابْنِ المُبَارَكِ قَطُّ، وَلَا سَمِعَهَا ابْنُ المُبَارَكِ مِنِ ابْنِ عَوْنٍ قَطُّ، فَغَضِبَ وَغَضِبَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْ أَصْحَابِ الحَدِيثِ، وَقَامَ نُعَيْمٌ فَدَخَلَ البَيْتَ، فَأَخْرَجَ صَحَائِفَ، فَجَعَلَ يَقُولُ وَهِيَ بِيَدِهِ: أَيْنَ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ لَيْسَ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ فِي الحَدِيثِ؟ نَعَمْ يَا أَبَا زَكَرِيَّا غَلِطْتُ، وَكَانَتْ صَحَائِفُ، فَغَلِطْتُ فَجَعَلْتُ أَكْتُبُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ المُبَارَكِ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، وَإِنَّمَا رَوَى هٰذِهِ الأَحَادِيثَ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ غَيْرُ ابْنِ المُبَارَكِ .
الخطيب البغدادي، الكفاية، ص: ١٤٦، ابن عساكر، تاريخ دمشق، ٦٢: ٢٦٦، المزي، تهذيب الكمال، ٢٩: ٤٧١، ونقل المزي عن الحافظ أبي نصر اليونارتي – بعد ذكره للقصة السابقة – قوله: ومما يدُلُّ على ديانة نعيم وأمانته رجوعه إلى الحق لما نبه على سهوه وأوقف على غلطه، فلم يستنكف عن قبول الصواب، إذ الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، والمتمادي في الباطل لم يزدد من الصواب إلا بعدا .
ويظهر من شدة ابن معين على رفيقه أنَّ المُجاملة العلمية بعيدة عنه إذا وجد خطأ في المجلس، ولذلك أعلن الخطأ بوضوح مُقسِماً عليه، وهو ما أغضب الشيخ والطُّلَّاب حوله، ولكن ابن معين بقي مُصراً وظهر صواب رأيه.
رابعاً: مُلاحظة السَّرقة من الكُتُب والادِّعاء بالسَّماع
كان ابن معين يدقق فيمن نسخ من المصنفات المعروفة في القرن الثاني دون أن يسمع منها شيئاً، ثم نسبها لنفسه،
المَعْلَم الثالث: مُراقبة تفرُّدات الرَّاوي عن أقرانه: نقد الرَّاوي لتفرُّده بحديثٍ واحدٍ
وهي مراقبة هامة، إذ التفرُّد في تلك الحقبة كان مستغرَبًا للغاية، وبسببه ضعف النقاد جماعة من الرواة لمجرد تفرُّداتهم، وقد ظهر هذا في شعبة بوضوح كما تقدَّم، واستمر في النقاد وصولاً إلى ابن معين.
وقريب منه تضعيفه لعمرو بن حكام (ت ٢١٩ هـ)، وهو من الرُّواة المُكثرين عن شُعبة (ت ١٦٠ هـ)، لزمه وصاحبه وروى عنه أربعة آلاف حديث، لكنَّه تفرَّد ذات مرَّة عنه بحديثٍ واحدٍ، استنكره النُّقَّاد عليه، ومنهم ابن معين، وهو ما رواه عن شُعبة، عن علي بن زيد عن أبي المُتوكِّل عن أبي سعيد أن النبي ﷺ: أهدى ملك الرُّوم إلى رسول الله ﷺ هدايا فكان فيها جرَّة زنجبيل، فأطعم كلّ إنسان قطعة وأطعمني قطعتين .
رواه العقيلي في الضعفاء، ٣: ٢٦٧، والطبراني في الأوسط، ح: ٢٤١٦، وقال عنه: لم يرو هذا الحديث عن شعبة إلا عمرو ، وابن عدي في الكامل، ٧: ٥٩٢-٥٩٤، والحاكم في المستدرك، ح: ٧٢٧٠، من طريق عمرو بن حكام، عن شعبة، به.
وسبب استنكار هذا الحديث أمران: الأول تفرُّد عمرو بن حكام بروايته عن شعبة دون جميع طلابه وهم بالمئات، ولا أحد يروي عنه مثل هذا الحديث، والثاني: غرابة متنه وأن الزنجبيل لا يُهدى من الروم إلى الحجاز، وأنه لا يُعرف عن ملك الروم إهداء شيء إلى النبي ﷺ،
وكان ابن معين يسمِّي عمرو بن حكام بعد ذلك الزنجبيلي نسبة إلى خطئه في هذا الحديث! وأسقط النقاد حديثه كله لأجل هذا الحديث الواحد!
وكأنَّ بعض الرُّواة في تلك الحقبة أرادوا التَّقرُّب من السُّلطة السِّياسية بوضع الحديث، فأعلن نُقَّاد الحديث أنَّ تلك الأحاديث مكذوبة، ومِن ثمَّ أعلنوا تكذيب رُواتها أو تضعيفهم، فمن ذلك أنَّ يحيى بن معين صرَّح بأنَّ العباس بن الفضل الأنصاري الواقفي (ت ١٨٦هـ) لم يكن بثقة ، ثم علَّل ذلك بقوله: وضع حديثاً لهارون، يعني الرشيد، عن قتادة، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، في الأمراء، لم يكن به بأس، لولاً أنه وضع هذا الحديث، ولو أن رجلاً متى هَمّ في الحديث بكذب حرف، لهتك الله ستره .
ابن معين، التاريخ، رواية ابن محرز، ١ : ٥٩، (٧٦) وفي رواية عن ابن معين قوله في العباس: ليس بشيء . انظر: ابن معين، التاريخ، رواية الدوري، ٤ : ٨٦، (٣٢٧١)، ٤ : ٢٤٢، (٤١٦٢).
ابن معين، التاريخ، رواية ابن محرز، ١ : ٥٩، (٧٦).
وإذا كان ابن معين تحت السُّلطة السِّياسية العباسية أيَّام قوّتها وعصرها الذَّهبي، ومع ذلك كان يُصرِّح في المحافل بكذب هذا الحديث، فإنَّ ذلك يعني أنَّ فكرة تأثير السِّياسة في رواية الأحاديث وانتشارها فكرة غير صحيحة، على الأقل في هذا السِّياق.
المطلب الرابع: آثار منهج ابن معين النَّقدي في صُفُوف الرُّواة، ومَدَى التَّسليم له
ولم يكن خوف الرواة مقتصرًا على ابن معين، إذ لم ينفرد ابن معين بالنقد بل شاركه أو تفوق عليه عدد من كبار النقاد من أمثال: أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، وأبي خيثمة، وابن نمير، وغيرهم.
ويتكرَّر خوف الرُّواة من ابن معين وحمد الله تعالى على توثيقه لهم في قصة أخرى. فقد قدم عبد الوهاب بن عطاء – وهو ثقة من أهل البصرة – (ت ٢٠٤هـ) إلى بغداد، فأخذ عنه ابن معين الحديث، ففرح بذلك كثيرًا وأرسل إلى أهله رسالة يحمد الله على ذلك، قال ابن معين: لمَّا قَدِمَ عبد الوهاب بن عطاء أتيتُهُ، فكتبتُ عنه، فبينا أنا عنده، إذ أتاه كتاب من أهله من البصرة، فقرأه وأجابهم، فرأيته وقد كتب على ظهره: وقدمت بغداد وقبلني يحيى بن معين، والحمد لله رب العالمين !
الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ١٦: ٢٦٩، ابن عساكر، تاريخ دمشق، ٦٥: ٢٢، ابن حجر، تهذيب التهذيب، ١١: ٢٨٤.
بل إنَّ بعض الشُّيُوخ كانوا يرتعدون من يحيى بخصوصه. فعن هارون بن معروف (ت ٢٣١هـ) قال: قدم علينا بعض الشيوخ من الشام، فكنتُ أول من بكر إليه، فدخلت عليه فسألته أن يملي عليّ شيئًا، فأخذ الكتاب يملي عليّ فإذا بإنسان يدق الباب. قال الشيخ: من هذا؟ قال: أحمد بن حنبل، فأذن له والشيخ على حالته، والكتاب في يده لا يتحرك، فإذا بآخر يدق الباب، فقال الشيخ: من هذا؟ قال: أحمد الدورقي فأذن له والشيخ على حالته والكتاب في يده لا يتحرك، فإذا بآخر يدق الباب، فقال الشيخ: من هذا؟ قال: عبد الله بن الرومي فأذن له، والشيخ على حالته والكتاب في يده لا يتحرك، فإذا آخر يدق الباب، فقال الشيخ: من هذا؟ قال: أبو خيثمة زهير بن حرب، فأذن له والشيخ على حالته والكتاب في يده لا يتحرك، وإذا بآخر يدق الباب، فقال الشيخ: من هذا؟ قال: يحيى بن معين قال: فرأيت الشيخ ارتعدت يده وسقط الكتاب من يده .
ابن عدي، الكامل، ١: ٣٠٤؛ الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ١٦: ٢٦٨-٢٦٩.
وعلى ذلك فإنَّ الاعتماد في النَّقد كلِّهِ على مجموع ما خرج به الأئمَّة النُّقَّاد وعلى المنهج الذي رسموه وارتضوه، وإلَّا فهم بشر يصيبون ويخطئون،
ولما ذكر الإمام الذهبي يحيى بن معين في سير أعلام النبلاء ترجمه ترجمة حافلة، وذكر ما شذَّ به في بعض أحكامه على الرُّواة، عادًّا ذلك من كونه تكلَّم فيه باجتهاده ، قائلاً قبل ذلك: ونحن لا ندَّعي العصمة في أئمَّة الجرح والتَّعديل، لكن هُم أكثر النَّاس صوابًا، وأندرهم خطأً، وأشدّهم إنصافاً، وأبعدهم عن التَّحامُل. وإذا اتَّفقوا على تعديلٍ أو جرحٍ، فتمسَّك به، واعضض عليه بناجذيك، ولا تتجاوزه، فتندم، ومَن شذَّ منهم، فلا عبرة به. فخلِّ عنك العناء، وأعط القوس باريها، فوالله لولا الحُفَّاظ الأكابر، لخطبت الزَّنادقة على المنابر .
الذهبي، سير أعلام النبلاء ١١: ٨٢، 83.
المبحث الثَّالِث: مِن تُراث النَّقد والرِّواية الواسع إلى الإمام البُخارِيّ (ت ٢٥٦هـ)
أعرض في هذا المبحث لوصول تراث النقد إلى الإمام البخاري وتشكل شخصيته النقدية والعوامل المؤثرة في ذلك، ثم أظهر النتاج النقدي عند الإمام البخاري في كتبه وطلابه، لأفصل بعد ذلك بطرق وصول الروايات إلى البخاري ومركزية صحيحه بين كتب السنة، مبيناً ما يتميز به الصحيح، ثم أعرض قضايا تتعلق بموضوعية البخاري والنقد المتوجه إلى صحيحه، وأختم هذا كله بدراسة الأحاديث التي تفرد بها في صحيحه على جميع كتب السنة.
المطلب الأول: تُراث النَّقد وشخصية البُخاري النَّقدية
البخاري نشأ في مجتمع نقدي بامتياز، وهو مجتمع له خبرة طويلة بالنقد، ويزداد فيه النقد نشاطاً وتميزاً وتدقيقاً، … فالحظوة العلمية في القرن الثالث كانت للمحدثين النقاد، ومن برز في مجتمع العلماء النقدي فقد تميز وانتفع به الناس في مختلف البلدان.
نشأ البخاري في هذا المجتمع ورأى ذلك التعظيم لعلماء الحديث وأئمة النقد، وكان ذلك التعظيم في داخل بيته الصغير وأسرته الخاصة، فقد كان والده ممن يعتني بالحديث وسماعه، وكأنه كان كثير التعظيم لأئمة النقد والرواية، حتى إن البخاري لما ترجم ذكره أنه رأى حماد بن زيد، وأنه سمع من مالك بن أنس، وزاد أنه صافح ابن المبارك بكلتا يديه ، فكأن مجرد المصافحة هذه لذلك العالم الناقد الكبير كانت تدور في مجالس البيت فيسمع البخاري والده يفتخر بها، مما أورث البخاري تعظيماً غالياً لتلك العلوم ولأولئك النقاد.
فهذا العامل الأول المشكّل لشخصية البخاري النقدية: المجتمع النقدي الوارث لعُلُوم النَّقد المُمتدَّة، والتَّعظيم لذلك المُجتمع في الأسرة الصغيرة.
ثم يأتي عامل آخر، وهو الموهبة النقدية التي منحها الحق سبحانه للبخاري، وقد ظهرت موهبته تلك مبكراً في حياته.
وأنَّه كان يُدقِّق على الشُّيُوخ عند سماع الأحاديث ولم يَبْلُغ إحدى عشرةَ سنة. فقد ذكر أنَّه كان يدرس عند الداخلي، فقرأ حديثاً فيه: سُفيان عن أبي الزُّبَيْر عن إبراهيم ، فاعترضه البُخاري بقوله: إنَّ أبا الزُّبَيْر لم يروِ عن إبراهيم . قال البخاري: فانتهرني. فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونظر فيه، ثُمَّ خرج فقال لي: كيف هو؟ يا غلام. قلت: هو الزُّبَيْر بن عَدِيّ بن إبراهيم. فأخذ القلم منِّي وأحكم كتابه، فقال: صدقتَ .
الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ٢: ٣٢٥، المزي، تهذيب الكمال، ٢٤: ٣٤٩.
فالبخاري مُتيقِّظ لمسارات الرِّواية وطُرُقها، وعلاقة الشُّيُوخ بالرُّواة والمدن، مُنذ صغره، ولذلك صحَّح شيخه وكان قوله صحيحًا.
وعامل ثالث، وهو تلقِّي البُخاري عُلُومَ النَّقد عن أكبر عُلمائه في وقته، فقد لقي في البصرة شيخ النَّقد عليَّ بن المديني، وأبا حفص عمرو بن علي الفلَّاس (ت ٢٤٩هـ)، وفي بغداد أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، ولقي إسحاق بن راهَوْيه، وأبا خيثمة، ومحمد بن عبد الله بن نمير في الكوفة، وغيرهم، فدرس عليهم وسمع نقدهم وأخذ عنهم نقد شيوخهم،
وكان أكثر من تخرَّج به البُخاري هو النَّاقِد الكبير عليّ بن المديني (ت ٢٣٤هـ)، وكأنَّ البخاري كان يُفضِّله على غيره من كبار النُّقاد لِمَا يرى فيه مِن عُمق في عِلْم علل الحديث خُصُوصاً، وهو العِلْم الدَّقيق الذي يستخرج الأخطاء الصَّغيرة الدَّقيقة الغامضة مِن الرُّوايات التي تَظْهَر لأوَّل وهلة على أنَّها صحيحة،
وأئمَّة الحديث لا يختلفون في أنَّ عليّ بن المديني كان أعلم أقرانه بِعِلَل الحديث ، ولذلك كان البخاري يقول فيه: ما استصغرتُ نفسي عند أحدٍ إلَّا عند عليّ بن المديني .
ابن حجر، هدى الساري، ١: ٣٤٧.
الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ٢: ٣٣٧، المزي، تهذيب الكمال، ٢٤: ٤٥١.
بل لقد جاء الثناء عليه من شُيُوخه قبل ذلك، فمن أجلّ شُيُوخ البخاري محمد بن بشار المعروف ببُندار (ت ٢٥٢هـ)، وقد جاء عن محمد بن إبراهيم البُوشنجي قوله: سمعتُ بُندارًا محمد بن بشار، سنة ثمان وعشرين ومئتين يقول: ما قدم علينا مثل محمد بن إسماعيل . وعمر البخاري آنذاك لا يتجاوز ٣٤ سنة، وهي شهادة غالية من حافظ البصرة فيه.
الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ٢: ٢٣٧ – ٢٣٦، المزي، تهذيب الكمال، ٢٤: ٤٥٠.
فجاء الثناء على شخصيته العلمية والنقدية من شيخه أحمد ابن حنبل في قوله: ما أخْرَجَتْ خُراسان مثل محمد بن إسماعيل .
الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ٢: ٣٤٢، المزي، تهذيب الكمال، ٢٤: ٤٥٦.
وكذلك جاء الثَّناء العالي من شيخه أبي حفص عمرو بن علي الفلَّاس (ت ٢٤٩هـ)، وكان إمامًا ناقدًا رفيع القدر، ينقل عنه البخاري أقواله في الجرح والتَّعديل ويعتمدها ويروي عنه في الصَّحيح،
قال البخاري: ذاكرني أصحاب عمرو بن علي بحديث، فقلتُ: لا أعرفه، فسُرُّوا بذلك، وساروا إلى عمرو بن علي، فقالوا له: ذاكرنا محمد بن إسماعيل البخاريَّ بحديثٍ فلم يعرفه. فقال عمرو بن علي: حديثٌ لا يعرفه محمد بن إسماعيل ليس بحديث .
الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ٢: ٣٣٨، المزي، تهذيب الكمال، ٢٤: ٤٥٢.
ويلحق بهذه العوامل عامل رابع يتمثَّل في التَّفرُّغ التَّامّ مِن الإمام البخاري لهذه الصَّنعة، إذ لم ينشغل بشيءٍ آخر غيرها مُدَّة حياته، فلم يعرف أنَّه انشغل بالبيع والشِّراء والعلاقات مع السُّلطة السِّياسية أو النَّاس، بل كان هدفه الأوَّل والآخر هو الحديث رواية ونقدًا، وهو ما وَلَّد هِمَّة عالية واهتمامًا نادرًا بهذه الأحاديث.
ويبقى أن البخاري كان متقللًا من الفضول في كل شيء، فأورثه ذلك عناية تامة بكل دقيقة من وقته، فكان لا يصرف وقته إلا فيما يفيد،
المَطْلَب الثَّاني: النِّتاج النَّقدي عند الإمام البخاري
لعلَّ أهمَّ نِتاج نقدي ظهرت فيه شخصية البُخاري كان ثلاثة: كتاب التاريخ الكبير ، وكتاب الصَّحيح ، وأثره في طُلَّابه.
أوَّلًا: كتاب التاريخ الكبير
صنف البخاري كتاب التاريخ الكبير، وكان قد بدأ تصنيفه شابًا صغيرًا، إذ لم يتجاوز عمره حينذاك ١٨ عامًا، … ثُمَّ إنَّه أخرجه للنَّاس ثلاث مرَّات، وبقي يُعدِّل فيه ويُنقِّح إلى آخر حياته.
ذكر البخاري أنَّه صنَّفه ثلاث مرَّات، انظر: الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ٢: ٢٣٥، ويحمل ذلك على أنه أخرجه للناس ثلاث مرات، وزاد في كل مرة وعدل، ويدل على أنه بقي يعدل فيه حتى وقت متأخر ووجود بعض من ذكرهم البخاري وذكر وفاتهم في نهاية الأربعينات من القرن الثالث مثل: محمد بن حميد، (ت ٢٤٨هـ)، انظر: البخاري، التاريخ الكبير، ١: ٦٩- ٧٠، ومحمد بن أبي عون أبو بكر البغدادي، (ت ٢٤٩هـ)، التاريخ الكبير، ١: ٢٢٦، بل ذكر وفاة شيخه بندار محمد بن بشار عام (٢٥٢هـ)، التاريخ الكبير، ١: ٤٩، وشيخه عباد بن يعقوب الرواجني، (ت ٢٥٠هـ)، التاريخ الكبير، ٦: ٤٤.
وقد ذكر فيه ما يربو على ١٣ ألف راو من رواة الحديث، وكان من منهجه أن يذكر اسم الراوي ونسبه، ثم يذكر أهم شيوخه لبيان طبقته، وأهم طلابه، وقد يذكر بعض أحاديثه، ويظهر عللها، أو بعض المقولات النقدية في الراوي، وكل ذلك بعبارة مختصرة، وبإشارات تحتاج إلى توضيحات وشروح.
ولعل هذا من أهم ما تتميز به شخصية البخاري النقدية، إذ هو رجل إشارة لا رجل عبارة،
وعليه يمكن القول: إن هذا الكتاب من أوائل الكتب الأكاديمية التي صنفت في علوم الرجال والنقد للرجال والأحاديث،
فإنَّه صنَّفه على طريقته من الدِّقَّة والإتقان وكان لكل اسم فيه غرض ومغزى، وفيه إشارات كثيرة نقدية كثيرة للغاية، تُظهر تفنن هذا الإمام وتمكنه من معرفة الرجال والروايات،
ويظهر أن البخاري يقصد ذلك الاختصار وتلك الإشارات فقد جاء عنه قوله: كلُّ اسمٍ في “التَّاريخ” إلَّا وله عندي قِصَّة، إلَّا أنِّي كرهتُ تطويل الكتاب .
الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ٢: ٢٣٥، المزي، تهذيب الكمال، ٢٤: ٤٤٠.
ولتلك الإشارات عبَّر عنه بعض شُيُوخ البخاري بأنَّه سحر ، فقد أخذه إسحاق ابن راهويه فأدخله على عبد الله بن طاهر، فقال: أيُّها الأمير، ألَا أريكَ سحرًا؟ قال: فنظر فيه عبد الله بن طاهر، فتعجَّب منه، وقال: لستُ أفهم تصنيفه .
الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ٢: ٢٢٦، المزي، تهذيب الكمال، ٢٤: ٤٤١.
ولذلك جاء التعبير بأنَّ البُخاري لم يُسبَق إلى هذا الكتاب، قال الإمام أبو أحمد الحاكم الكبير (ت ٣٧٨هـ): وكتاب محمد بن إسماعيل في التَّاريخ كتابٌ لَمْ يُسبَق إليه، ومَن ألَّف بعده شيئًا مِن التَّاريخ أو الأسماء والكُنَى لَمْ يستغن عنه، فمنهم مَن نسبه إلى نفسه مثل أبي زرعة وأبي حاتم ومسلم، ومنهم مَن حكاه عنه، فالله يرحمه، فإنَّه الذي أصَّل الأُصُول .
الذهبي، تاريخ الإسلام، ٦: ١٥٣-١٥٤، ونسبه إلى كتاب الكنى، وهو فيه، ٢: ٢٧٤، إلا النص فيه ليس مستقيما وفيه تحريفات، يصحح من هذا النص.
ومن هنا فإن بعض الأساتذة الكبار الباحثين في زماننا يرى أن كتاب التاريخ الكبير كان أشبه ما يكون بـ قاعدة البيانات التي انطلق منها الإمام البخاري في تصنيف كتابه الصحيح، وأن القارئ للصحيح لن يفهمه إلا إذا فهم الإشارات النقدية الكثيرة في التاريخ الكبير، والتاريخ الأوسط والتاريخ الصغير.
الثالث: أثره في طُلَّابه.
فقد أثر البخاري في جماعات من الطلبة واستفادوا منه كثيرًا، وأهم من دون مقولات البخاري النقدية كان الإمام الترمذي (ت ٢٧٩ هـ) في سؤالاته للبخاري المطبوع تحت عنوان: العلل الكبير ، وفي غيره أيضًا كالعلل الصغير.
ومن طلبته النُّقَّاد الكبار، الإمام ابن خُزيمة (ت ٣١١هـ)، وهو القائل فيه: ما رأيتُ تحت أديم هذه السَّماء أعلم بالحديث من محمد بن إسماعيل البخاري .
الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ٢: ٣٤٨، الحاكم، معرفة علوم الحديث، ص: ٧٤.
المَطْلَب الثَّالِث: تُراث الرِّواية ومركزية صحيح البُخاري
أعرض في هذا المطلب للطرق التي اعتمدها البخاري في جمع صحيحه، ثم أعرض أسباب تميّز صحيحه عن غيره من كُتُب السُّنَّة.
أولاً: كيف جمع البُخاري الصَّحيح مِن ذلك التُّراث؟
تقدم أن مئات آلاف الروايات للأحاديث انتشرت في بدايات القرن الثالث، وأن الانتشار هذا كان للأسانيد مع معرفة العلماء عمومًا بالأحاديث الصحيحة الثابتة، وإن كانوا يختلفون في بعضها، لكن ذلك أيضًا كان من ضمن المعروف عندهم والمعلوم.
حصل البخاري ذلك التراث، فقد جمع حديث أهل بلده، ثم طوّف البلاد الكثيرة في سبيل جمع الحديث، فقد كان مشروعًا كبيرًا في ذهنه، استمر سنوات طويلة،
وبلغ ما جمعه من روايات وأسانيد ما يقارب ستمائة ألف رواية، عن أكثر من ألف شيخ،
الذهبي، سير أعلام النبلاء، ١٢: ٣٩٥.
فبدأ البخاري مشروع عمره الذي استمرَّ معه ستَّ عشرة سنة، وهو تصفية تلك الأحاديث وتنقيتها ليخرج منها أصحّ الروايات في كتابه الصحيح، وفي ذلك قوله: صنَّفتُ كتابي الصَّحيح لِسِتَّ عشرةَ سنة، خرَّجته مِن ستمائة ألف حديث، وجعلتُهُ حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى .
الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ٢: ٢٣٣، المزي، تهذيب الكمال، ٢٤: ٤٤٩. وجاء اسم الكتاب الصحاح عند: الخطيب البغدادي، والمزي، وجاء اسمه عند الذهبي في سير أعلام النبلاء، ١٢: ٤٠٥، بـ: الصحيح . والكتاب هو هو.
وعدد الأحاديث من غير تكرار فيه كان حوالي ٢٥٠٠ حديث، وبالمُكرَّر أكثر من سبعة آلاف حديث، وعليه فإنَّ ستَّ عشرة سنة وقتٌ واسعٌ لذلك التَّصنيف، ممَّا أهَّل البخاري لتنقيته وتصفيته بدِقَّة.
وقد كان يُدقِّق كثيرًا مُتفكِّرًا قبل إيراد كلَّ حديثٍ في الصَّحيح، يظهر هذا قوله: ما وضعتُ في كتاب “الصَّحيح” حديثًا إلَّا اغتسلتُ قبل ذلك وصلَّيتُ ركعتين .
الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ٢: ٢٣٧، المزي، تهذيب الكمال، ٢٤: ٤٤٣.
ويمكن إظهار طريقة جمعه لتلك الأحاديث واختياره لها من جهات:
الأولى: اعتماده على المُصنَّفات المشهورة المعروفة لأتباع التَّابعين
وقد كان من أهم نتائج حقبة الموطأ والجوامع أن اعتمد العلماء اللاحقون عليها اعتمادًا قويًّا في كتبهم المصنفة في القرن الثالث الهجري،
البخاري اختار أن يعتمد على عبد الله بن يوسف التنيسي (ت ٢١٧هـ) في روايته لموطأ مالك، … واعتمد الإمام مسلم (ت ٢٦١هـ) على يحيى بن يحيى النيسابوري (ت ٢٢٦هـ)، واعتمد الإمامان أبو داود (ت ٢٧٥هـ)، والنسائي (ت ٣٠٣هـ) على عبد الله بن مسلمة القَعْنَبي (ت ٢٢١هـ) وقد فضَّله جمعٌ من الأئمَّة في الموطأ على غيره.
وما يقال في الموطأ يقال في الجوامع والمصنفات حيث اعتمد أصحاب الكتب الستة اعتمادًا قويًّا على الكتب المصنفة في نهاية القرن الثاني الهجري وبداية الثالث،
الثَّانية: الرِّوايات الشَّفَوِيَّة التي سمعها في المجالس الحديثية التي طافها
ما زال المحدثون في ذلك الوقت يفتخرون بالحفظ ـ وإن كان على قلة ـ وأنهم قادرون على التحديث من الحفظ دون الكتاب، ومن أشهر شيوخ البخاري في الحفظ دون الكتاب: سليمان بن حرب البصري (ت ٢٢٤هـ)، وهو من أجل شيوخه، روى عن شعبة، وحماد بن زيد وحماد بن سلمة، وسمع منه البخاري وعلا إسناده به(١)، وكان لا يحدّث من كتاب ولا يحدّث إلا من حفظه.
ثانياً: لماذا تميَّز صحيح البُخاري عن غيره مِن كُتُب السُّنَّة؟
كان لكثير من المحدثين كتب هامة في تصنيف السنة كما تقدم، وأشهرها الكتب الستة المعروفة، وخصص بعضهم تأليفه بجمع الأحاديث الصحيحة، مثل: صحيح مسلم بن الحجاج (ت ٢٦١هـ)، وصحيح ابن خزيمة (ت ٣١١هـ)، وصحيح ابن حبان (ت ٣٥٤هـ)، ومستدرك الحاكم (ت ٤٠٥هـ)، وغيرها.
ومع ذلك فإنَّ العُلماء لم يعتدُّوا بتصحيح ابن خزيمة وابن حبان والحاكم اعتدادهم بتصحيح البخاري ومُسلم، وجعلوا البُخاري في المرتبة الأولى فوق جميع كُتُب السُّنَّة، وقالوا: إنَّه أصحّ كتاب بعد كتاب الله، وتضافرت كلماتهم في ذلك،
قال الذهبي (ت ٧٤٨هـ): وأمَّا جامعه الصَّحيح فأجَلّ كُتُب الإسلام، وأفضلها بعد كتاب الله ،
الذهبي، تاريخ الإسلام، ٦: ١٤٢.
وقبله ذكر ابن الصلاح (ت ٦٤٣هـ)، والنووي (ت ٦٧٦هـ)، أنَّ أصَحّ الكُتُب بعد كتاب الله العزيز: الصَّحيحان، البُخاري ومُسلم، وتلقَّتْهُمَا الأُمَّة بالقَبُول، وكتاب البخاري أصحّهما، وأكثرهما فوائد .
النووي، شرح مسلم، ١: ١٤، ابن الصلاح، معرفة أنواع علم الحديث، ص: ١٨.
إنَّ السَّبب الوحيد الباعث للعُلماء على تفضيل البُخاري على غيره من جميع كُتُب السُّنَّة هو أنَّ كِبَار العُلماء والنُّقَّاد درسوا كتابه دراسةً عميقةً تفصِيلِيَّة، ودرسوا غيره مِن الكُتُب، فوجدوا منهج البُخاري أقوى وأشدّ وأدَقّ وأعمق، فالعبرة بالمنهج العِلْمِيّ لا بغير ذلك.
وأعني بالمنهج هنا الطريقة التي اتبعها البخاري في اختيار أحاديثه في الصحيح، وهو ما كان يعبر عنه العلماء بشرط البخاري في صحيحه، واختيار الأحاديث الصحيحة كان القصد الأساسي من الكتاب دون ما فيه من تراجم للأبواب والفقه ومقولات الصحابة والتابعين،
المَعْلَم الأوَّل: اختيار أعلى درجات الصِّحَّة
كانت منهجيّة البخاري شُرُوطه في انتقاء الأحاديث منهجيّة عالية دقيقة، فإنّ الحديث الصحيح على ما استقرّ هو ما اتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة، فهي خمسة شروط على ما هو معروف مشهور، والبخاري كان دقيقًا متشدّدًا فيها جميعًا،
أمَّا اتِّصال الإسناد فقد اشتُهِرَ أنَّ البُخاري اشترط اللِّقاء بين الرَّاوي وشيخه، ولم يكتفِ بالمُعاصَرَة، وأنَّ الإمام مُسلمًا وجمعًا كبيرًا مِن النُّقَّاد اكتفوا بالمُعاصرة بين الرَّاوي وشيخه وإمكانية اللِّقاء لا ثُبُوته، وللبُخاري في ذلك نُصُوص كثيرة تُظهِر أنَّ قضية الاتِّصال وثُبُوت اللِّقاء مركزية في نقده، وهو ما يعني التَّدقيق الزَّائد منه وتفضيله على صحيح مُسلم.
نصوص الأئمة كثيرة في ذلك، انظر ابن الصلاح، صيانة صحيح مسلم، ص: ٨٣، ١٣١، معرفة أنواع علم الحديث، ص: ٦٦، وابن رجب، شرح العلل، ٢: ٥٨٦ فما بعدها، وابن حجر، النكت على مقدمة ابن الصلاح، ٢: ٥٩٥، وقد خالف الدكتور الشريف حاتم جماهير المحدثين في هذه المسألة وذهب إلى أن البخاري لا يشترط ثبوت اللقاء وأن مذهبه هو مذهب مسلم وعليه إجماع المحدثين،
وأمَّا العدالة فإنَّ عدد الرُّواة المُنتقَدين بحسب عدالتهم في صحيح البُخاري قليل، وجُلُّ النَّقد عائد إلى بدعة الرَّاوي لا إلى كذبه أو فسقه،
وأما الضبط فقد تجنب البخاري أحاديث بعض العلماء الكبار الثقات، لأن ضبطهم لم يكن على القدر الذي يرتضيه، ولعل أجلَّهم حماد بن سلمة (ت ١٦٧هـ)، الإمام العلم الصالح العابد كبير القدر، فلم يرو عنه البخاري إلا حديثًا واحدًا ولم يكن أصلاً في بابه، وخالف مسلم البخاري فروى عنه عددًا من الأحاديث، وكذلك اعتمده ابن حبان في صحيحه، وانتقد البخاري لعدم تخريجه حديث حماد ابن سلمة.
وأمَّا عَدَم الشُّذُوذ والعِلَّة فإنَّ البُخاري أعرض عن أحاديث كثيرة معلولة مع أنَّ ظاهر الإسناد الصِّحَّة، لكنَّه لَحَظَ معنىً خفيًا غامضًا فيها فأعرض عنها، وقد اغترّ الإمام الحاكم (ت ٤٠٥هـ) بظاهر إسناد بعض تلك الأحاديث فصحَّحها على شرط البخاري، مع أنَّ البخاري صرَّح بأنَّها معلولة في مواضع أخرى مِن كُتُبه،
إِنَّ الْإِمَامَ مُسْلِمًا – الحَافِظُ النَّاقِدُ العَلَمُ الكَبِيرُ – ذَكَرَ حَدِيثًا يَرَاهُ صَحِيحًا أَمَامَ الْبُخَارِيِّ ذَاتَ يَوْمٍ، فَبَيَّنَ لَهُ الْبُخَارِيُّ بِدِقِيقِ النَّظَرِ عِلَّتَهُ الخَفِيَّةَ الْغَامِضَةَ، فَتَبَيَّنَتْ لِمُسْلِمٍ، فَقَالَ: لَا يُبْغِضُكَ إِلَّا حَاسِدٌ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِثْلُكَ ، وَقَالَ لَهُ: دَعْنِي حَتَّى أُقَبِّلَ رِجْلَيْكَ يَا أُسْتَاذَ الْأُسْتَاذِينَ، وَسَيِّدَ الْمُحَدِّثِينَ، وَطَبِيبَ الْحَدِيثِ فِي عِلَلِهِ .
الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ٢: ٣٥٢. وانظر الروايات فيها عند ابن حجر، النكت، ٢: ٧١٨ – ٧٢٠.
الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ١٥: ١٢٤.
وَيُضَافُ إِلَى ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ مِنْ أَنَّ عَدَدَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي انْتُقِدَتْ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَقَلُّ مِنْ عَدَدِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي انْتُقِدَتْ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَكَذَلِكَ أَقَلُّ بِكَثِيرٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمُنْتَقَدَةِ فِي ابْنِ خُزَيْمَةَ وَابْنِ حِبَّانَ وَالْحَاكِمِ.
هَذَا لَا يَعْنِي أَنَّ الْأَحَادِيثَ فِي الْكُتُبِ الصَّحِيحَةِ الْأُخْرَى ضَعِيفَةٌ، بَلْ هِيَ قَوِيَّةٌ عُمُومًا، لَكِنَّ شُرُوطَهَا لَمْ تَكُنْ عَلَى شُرُوطِ الْبُخَارِيِّ.
الْمَعْلَم الثَّانِي: بَيْنَ انْتِقَاءِ أَصَحِّ الْأَحَادِيثِ وَانْتِقَاءِ أَوْثَقِ الرُّوَاةِ
سَمَّى الْبُخَارِيُّ كِتَابَهُ الْجَامِعُ الْمُسْنَدُ الصَّحِيحُ الْمُخْتَصَرُ مِنْ أُمُورِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَسُنَنِهِ وَأَيَّامِهِ وَأَوْدَعَ فِيهِ مَا ارْتَآهُ صَحِيحًا مِنَ الْأَحَادِيثِ، وَكَانَ يَخْتَارُ الْأَحَادِيثَ بِدِقَّةٍ عَالِيَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَيَخْتَارُ مِنَ الرُّوَاةِ أَوْثَقَهُمْ وَأَضْبَطَهُمْ، وَكَانَ إِذَا رَوَى عَنْ شَيْخٍ مُكْثِرٍ يَخْتَارُ الرِّوَايَةَ مِنْ طَرِيقِ أَوْثَقِ طُلَّابِهِ وَأَضْبَطِهِمْ، وَالْمِثَالُ الْمَشْهُورُ لِذَلِكَ فِي الْكُتُبِ الَّتِي تَحَدَّثَتْ عَنْ شَرْطِ الْبُخَارِيِّ هُوَ رِوَايَتُهُ عَنْ أَوْثَقِ طُلَّابِ الزُّهْرِيِّ (ت١٢٤هـ)، فَقَدْ قَسَّمَ الْعُلَمَاءُ الرُّوَاةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ إِلَى خَمْسِ طَبَقَاتٍ:
الطَّبَقَةُ الأُولَى: جَمَعَتِ الحِفْظَ وَالإِتْقَانَ، وَطُولَ الصُّحْبَةِ لِلزُّهْرِيِّ، وَالعِلْمَ بِحَدِيثِهِ، وَالضَّبْطَ لَهُ، كَمَالِكٍ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ، وَعُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، وَمَعْمَرٍ، وَيُونُسَ، وَعُقَيْلٍ، وَشُعَيْبٍ، وَغَيْرِهِمْ، وَهٰؤُلَاءِ هُمْ مَقْصِدُ البُخَارِيِّ وَهُمْ شَرْطُهُ فِي الصَّحِيحِ ، وَكَذٰلِكَ مُسْلِمٌ.
وما مضى كلُّه في حقِّ الرُّواة المشهورين المكثرين من رواية الحديث، من أمثال: الزهري ونافع والأعمش وقتادة وغيرهم، فأما غير المكثرين فإنما اعتمد الشيخان في تخريج أحاديثهم على الثقة والعدالة وقلة الخطأ، لكن منهم من قوي الاعتماد عليه فأخرجا ما تفرد به كيحيى بن سعيد الأنصاري، ومنهم من لم يقو الاعتماد عليه، فأخرجا له ما شاركه فيه غيره وهو الأكثر .
ابن حجر، هدى الساري، ١: ١٠.
والنص الأخير لابن حجر يُظهر أن البخاري قد يروي عن بعض الرواة (من غير المكثرين المشهورين المعروفين) ممن لم يعتمد عليهم اعتمادًا قويًّا، بل يروي عن بعض المتكلم فيهم من الرواة، وأحيانًا يكون هو نفسه قد ضعفهم في كتاب آخر، فكيف يكون الحديث صحيحًا وفيه راو ضعيف أو متكلم فيه؟
إن النقطة الأساسية في فهم هذه القضية متعلقة كل التعلق بالنظرية القائلة: إن ثقة الراوي لا تعني أن أحاديثه كلها صحيحة، وإن ضعف الراوي لا يعني أن جميع أحاديثه ضعيفة يجب أن تُهمل.
وهو ما يعني تعاملاً دقيقاً مع كل حديث بقطع النظر عن مجرد ظواهر الأسانيد، ورواية البخاري نفسه عمن ضعفهم ثم روى لهم في الصحيح، تُظهر أنه عارف بحالهم وبمشكلات أحاديثهم، مما يعني أنه صنف كتابه وهو على وعي كامل بالإشكالات المتعلقة بذاك الراوي، ومع ذلك خرج حديثه وأودعه كتابه، وهو ما يعني منهجية تاريخية دقيقة، إذ لم يكن حال الراوي مركز علم النقد الحديثي، بل المركَّز هو ثبوت الحديث في نفسه بطريق المنهجية التاريخية الدقيقة، ولذلك سمى البخاري كتابه الصحيح ولم يشترط ثقة جميع الرواة، بل اشترط الصحة.
ونظرية الانتقاء من أحاديث الراوي المتكلّم فيه من أهم ما يفسر صنيع البخاري هذا، إذ قد ينتقي البخاري من أحاديث بعض الرواة الضعفاء ما تبين له فيه الصحة والضبط، وقد يهمل بعض أحاديث الثقات التي تبين له فيها الخطأ، والأمر في كل هذا دائر على القرائن،
وعلى أي حال فهناك عدة أمور تفسر رواية البخاري عن الضعفاء في صحيحه:
أولاً: أنه لم يشترط ثقة الرواة، وإنما اشترط الصحة، وهو واضح من خلال عنوان كتابه، إذ لم يذكر فيه أنه يروي الصحيح من طريق الثقات، وعليه فقد ضمن صحة الحديث ولم يضمن ثقة كل راو في الصحيح، وإنما ضمن ضبطه لذلك الحديث المروي،
ثانياً: قد لا يقبل البخاري كلام النقاد في الراوي،
ثالثًا: قد يرى البخاري أن الضعف الذي في الرجل خاص بروايته عن فلان من شيوخه، أو برواية فلان عنه، أو بما سمع منه من غير كتابه، أو بما سمع منه بعد اختلاطه ، فيُخرج للراوي حيث يصلح، ولا يُخرج له دون ذلك.
المعلمي اليماني، التنكيل، ٦٩٢:٢.
المَعْلَم الثَّالِث: الإشارات الخَفِيَّة في الصَّحيح
وقد تنوعت الإشارات في صحيح البخاري:
فمنها إشاراته في تراجم أبواب الصحيح، وهي كثيرة جداً، وفيها إشارات فقهية وحديثية ونقدية ولغوية،
وقال الحافظ القسطلاني (ت ٩٢٣هـ): وبالجُملة فتراجمه حيَّرت الأفكار وأدهشت العُقُول والأبصار، ولقد أجاد القائل: أَعْيَا فُحُولُ الْعِلْمِ حَلَّ رُمُوزِ مَا … أَبْدَاهُ فِي الْأَبْوَابِ مِنْ أَسْرَارِ
القسطلاني، إرشاد الساري، ١: ٢٤.
يقول الإمام الخطابي (ت ٣٨٨هـ)، أول شارح لصحيح البخاري، وتبعه الحافظ ابن حجر، فقال: هذا الحديث أورده المُصنِّف هُنا ترجمة باب ولم يُخرجه مُسندًا في هذا الكتاب لكونه على غير شرطه، ونبَّه بإيراده على صلاحيته في الجُملة وما أورده من الآية وحديث جرير يشتمل على ما تضمَّنه ،
ابن حجر، فتح الباري، ١: ١٣٧.
فليس الحديث ضعيفًا عند البخاري و لم يترك ذكره لأنَّه عنده مِن الواهي، بل ليفهم مَن اطَّلع عليه أنَّ فيه عِلَّة منعته من إسناده، وله من ذلك في كتابه كثيرٌ يقفُ عليه مَن له تمييزٌ كما يقول الإمام العيني.
العيني، عمدة القاري، ١: ٣٢١.
وقد بيّن البخاري في التاريخ الكبير بعض روايات حديث الدين النصيحة ، وأظهر الاختلاف في الطُّرُق فيه، بما يُفْهَم منه سبب عدم إيراده له في الصَّحيح.
وغير ذلك ممَّا فصَّلَتْهُ دراسة متينة حديثة، وهي دراسة الدكتور سعيد باشنفر المُعنونة بـ منهج الإمام البخاري في عرض الحديث المعلول في الجامع الصحيح ، وفيها أمثلة كثيرة هامة.
البخاري لم يصنف كتابه قاصداً بتلك الرموز والإشارات صغار الطلبة، وإنما خاطب به كبار نقاد الحديث في زمانه،
المَطْلَب الرَّابع: بين الموضوعِيَّة والذَّاتِيَّة في تصنيف الصَّحيح
السؤال: إلى أي حد كان اختيار الأحاديث فيه تابعاً لذاتية البخاري وأيديولوجيته؟ هل كان البخاري يخفي أحاديث صحيحة لا تناسب رأيه، وهل كان يصحح أحاديث تناسب فكره؟
ليس هناك أي دليل على أن البخاري كان قريباً من السلطة السياسية العباسية متملقاً لها خادماً إياها، لا من حيث ما يذكره المؤرخون في سيرة حياته ولا من حيث نصوص كتبه:
فقد ذكر المؤرخون أن الأمير خالد بن أحمد الذهلي والي بخارى أرسل إلى البخاري أن أحمل إليّ كتاب الجامع والتاريخ وغيرهما لأسمع منك ، فأجابه البخاري بجواب صارم يدل على حزم في التعاون مع السلطة آنذاك، وقال: أنا لا أذل العلم ولا أحمله إلى أبواب الناس، فإن كانت لك إلى شيء منه حاجة فاحضرني في مسجدي أو في داري، وإن لم يعجبك هذا فأنت سلطان فامنعني من المجلس ليكون لي عذر عند الله يوم القيامة؛ لأني لا أكتم العلم، لقول النبي ﷺ: من سُئل عن علم فكتمه أُلجِم بلجام من نار ، فكان هذا الجواب القوي سبباً في القطيعة بينهما،
لم أجد البخاري يروي أحاديث في فضل العباسيين أو بني العباس، أو العباس بن عبد المطلب نفسه، مع أن تلك الأحاديث مشهورة معروفة في زمانه، فقد روى الإمام أحمد عددًا كبيرًا منها،
كان العلويون المنافس القوي الرئيس للعباسيين على الخلافة، وكانوا يرون أنفسهم أحق بها منهم، فكانت لهم ثورات قوية ضد العباسيين، ولعل أقوى ثورة واجهت العباسيين في بدايات حكمهم كانت ثورة محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن النفس الزكية عام ١٤٥ هـ وكان يرى نفسه أحق بالخلافة من المنصور فامتنع عن بيعته، وثار عليه بتنسيق مع أخيه إبراهيم، لكنها آلت إلى الفشل، وجاء بعدها موقعة فخ ١٦٩ هـ بزعامة الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب وفشلت، تتالت بعدها عدة ثورات من طرف العلويين، لكنها فشلت جميعًا،
وبعض تلك الأحاديث التي رواها البخاري يستدلّ بها الشِّيعة على مذهبهم، فكأنَّها تنصر فكرتهم من جهة، مثل الحديث الذي يقول فيه النبي ﷺ لعلي رضي الله عنه: أمَا ترضى أن تكون مِنِّي بمنزلة هارون من موسى ، وحديث: أنت مني وأنا منك ، وحديث: لأعطين الراية غدًا رجلاً يحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه ، وقد ذكر بعض أصحاب كتب الفرق استدلال الشيعة بحديث المنزلة على خلافة علي وأحقيته بها.
وهذا كله يعني أن البخاري لم يُداهِن العباسيين في موقفهم من العلويين.
البخاري أخرج لبعض الرواة الشيعة، وبعضهم من الغلاة، وقد فصَّلتُ في البحث شيئًا منهم، وأقتصر منهم على راو واحد هنا، وهو: عباد بن يعقوب الرواجني الأسدي الكوفي، وهو راو شيعي مفرط مغال، بل يُنسب إلى الرَّفض، وعنده في التَّشيُّع حكايات عجيبة ثابتة عنه،
ولعلَّ أطرفها القِصَّة الثَّابتة عنه التي ذكرها القاسم بن زكريا المُطرِّز حيث قال: وردتُ الكوفة فكتبتُ عن شُيُوخها كلِّهم غير عبَّاد بن يعقوب، فلما فرغتُ دخلتُ إليه، وكان يمتحن من يسمع منه، فقال لي: من حفر البحر؟! فقلت: الله خلق البحر! قال: هو كذلك ولكن مَن حفره؟! قلت: يذكر الشيخ. فقال: حفره علي بن أبي طالب! ثُمَّ قال: من أجراه؟ قلتُ: الله مُجرِي الأنهار ومنبع العُيُون. فقال: هو كذلك، ولكن مَن أجرى البحر؟! فقلتُ: يفيدني الشيخ. فقال: أجراه الحسين بن علي!
قال: وكان عبَّاد مكفوفًا، ورأيتُ في داره سيفًا مُعلَّقًا وحجفة، فقلتُ: أيُّها الشَّيخ، لمن هذا السَّيف؟! فقال لي: أعددتُهُ لأقاتل به مع المهدي!
قال: فلما فرغتُ من سماع ما أردتُ أن أسمعه منه، وعزمت على الخُرُوج عن البلد دخلتُ عليه، فسألني فقال: مَن حفر البحر؟ فقلت: حفره مُعاوية وأجراه عمرو ابن العاص!! ثُمَّ وثبتُ مِن بين يديه وجعلتُ أعدو، وجعل يصيح: أدركوا الفاسق عدو الله فاقتلوه .
المزي، تهذيب الكمال، ١٤: ١٧٨ ١٧٩، وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء، ١١: ٥٣٨: إسنادها صحيح، وما أدري كيف تسمحوا في الأخذ عمن هذا حاله، وإنما وثقوا بصدقه .
ومع هذا الغلو يروي له البخاري حديثًا في الصَّحيح، ويُوثِّقه أبو حاتم ويقول فيه الحاكم: كان ابن خزيمة إذا حدث عنه يقول: حدثنا الثقة في روايته المتهم في رأيه عباد بن يعقوب ، ويقول فيه الدارقطني: شيعي صدوق ، وينتهي الذهبي إلى القول فيه: الشيخ العالم الصدوق ، أما الحافظ فيقول: صدوق رافضي .
انظر: ابن حجر، هدى الساري، ص: ٤١٢.
الذهبي، سير أعلام النبلاء، ٥٣٦:١١.
ابن حجر، تقريب التهذيب، ص: ٢٩١، (٣١٥٣).
وظاهر كذلك أن نوعًا من الحرية السياسية يتمتع به الرواة يمكن أمثال هذا من الجهر بهذه المذاهب والآراء من غير خوف وتوجس، وكذا الحال في الراوي عنه البخاري، وإلا لأعرض عنه.
وعلى ذلك كله، فيمكنني من خلال هاتين الدراستين أن أدعي أن البخاري لم يكن ذاتيًا في اختيار الأحاديث والرواة في صحيحه – على الأقل في كتاب الفضائل وفي الرواية عن أهل البيت – تغلب عليه أيدولوجيته وتسيطر عليه أفكاره، فيتسرب مذهبه إلى حديثه، بل كان ينقل الحديث الصحيح كما روي، ويختار الأحاديث الصحيحة بناء على قوتها من حيث منهجية التوثيق التاريخي لا من حيث رأيه واعتقاده وفكره، وإلا لأعرض عن أحاديث كثيرة يُستدل بها الشيعة وغيرهم.
لكن لظهور فكر البخاري ومذهبه في الأبواب والتراجم التي وضعها قبل كل حديث، وهو أمر طبيعي منسجم مع شخصيته العلمية الفقهية العالية، إذ أودع في تلك الأبواب آراءه وأفكاره ونظراته، وهو ما يقوم به كل عالم يشرح الحديث وفق منهجية فكرية يلتزم بها، لكن توثيق النص أمر مغاير لدقة الاستنباط منه والتدقيق في المعاني الخفية فيه.
المَطْلَب الخامِس: نقد المُحدِّثين لصحيح البُخاري: تثبيت للمكانة أم تشكيك فيها؟
تلقى العلماء والنقاد كتاب البخاري بالقبول وتواردت في ذلك أقوالهم كما تقدم، ولكن ذلك لا يعني أن كتابه لم يَسلَمْ من أي نوع من أنواع النقد على مرّ العصور، فقد انتقده عدد من كبار النقاد بعده،
انتقده الإمام أبو حاتم ابن حبان (ت ٣٥٤هـ) في مقدمة صحيحه مُستنكرًا تشدُّده وعَدَم روايته عن بعض الرُّواة الثِّقات في رأيه وأجلّهم: حمَّاد بن سلمة، الإمام الثقة الجليل، وكرّر استنكاره ذلك في أكثر من كتاب، ثم جاء الدارقطني (ت ٣٨٥هـ) في كتابيه الإلزامات والتَّتبُّع فانتقد عدة أحاديث، وكان للحافظ الإسماعيلي (ت ٣٧٧هـ) انتقادات كثيرة في مستخرجه على صحيح البخاري، وانتقد الصحيح كذلك أبو مسعود الدمشقي (ت ٤٠١هـ)، وأبو علي الغساني (ت ٤٩٨هـ) في مواضع أخرى.
ولعل أشهر الانتقادات الموجهة لصحيح البخاري كانت من الإمام الناقد الكبير أبي الحسن الدارقطني، فقد انتقد أكثر من ١٠٠ حديث من أحاديث الصحيح، وانتشرت انتقاداته بين العلماء، وانتقد الحافظ ابن حجر انتقاداته في مقدمة مطولة لكتاب فتح الباري، فأجاب عن أكثر الأحاديث.
وأرى أن تلك النقدات تثبت مكانة صحيح البخاري وأنه أرفع كتاب جمع الأحاديث الصحيحة على مر العصور، دون أن تكون مسببة في التشكيك في مكانته لأمور:
الأول: أن ذلك النقد من عالم كبير مدقق مثل الدارقطني يدل على بقاء المجتمع النقدي حيّاً، وأنه لا قداسة لأحد في العلم،
الثاني: أن عدد الأحاديث المنتقدة عند الدارقطني لا يزيد على ١٠٠ حديث، وعدد أحاديث صحيح البخاري بالمكرر ٧٢٥٠، فتكون النسبة أقل ٠,١٪، وهو ما يعني زيادة تثبيت لمكانة الصحيح، فكأن الدارقطني يقول: إنني حاولت تتبع الصحيح ودققت عليه فلم أُخرج إلا بأحاديث يسيرة جدًا، وأما الباقي فأنا مسلم له معترف بقوة ما فيه.
ويؤكد ذلك أن الدارقطني صنف كتابًا كاملاً في ذلك، ولم يكتب تلك الانتقادات في حاشية أو في مبحث صغير هامشي، فهو حريص على إظهار التتبع والنقد، ومع ذلك لم يذكر أكثر من تلك الأحاديث.
الثالث: أن مضمون تلك الانتقادات يتوجه إلى انتقادات شكلية جزئية في أكثرها، ولا يتوجه للحديث برمّته، … وكان أكثر النقد فيها متوجهًا إلى اختلاف الطرق مع ثبوت متن الحديث (سبعة أحاديث)، أو إلى زيادة راو في الإسناد أو نقصه (ستة أحاديث)، أو إلى اتصال الأسانيد (ثلاثة أحاديث)، أو إلى أسماء الرواة (حديثان)، وإذا توجه النقد إلى متن فإنه يتوجه إلى قضية اختصار الراوي له (حديث واحد) أو تغيير لفظة فيه (حديث واحد)، دون أن يتوجه إلى أصل الحديث كله.
ومع ذلك فإن الحافظ ابن حجر أجاب عن أكثر تلك الانتقادات وبين دقة نظر البخاري فيها، وإن وافق الدارقطني في بعضها، ولا قدسية لأحد في علوم الحديث.
الرابع: أن تسمية صنيع الدارقطني انتقادات تسمية فيها تسَمُّح وتَسَاهل، وإن دَرَجَتْ في عبارات أهل العلم الكبار، وأرى أن نسميها بما سماها الدارقطني نفسه: تتبع لا انتقاد ، ذلك أن الدارقطني كان يقصد من كتابه التتبع لا الانتقاد ، والتتبع شامل للانتقاد و لمجرد التدقيق الزائد دون أن يكون انتقادًا ،
الدارقطني نفسه كان يرجح بعض الروايات التي اختارها البخاري في مواضع أخرى من كتبه، فقد تتبع بعض الأحاديث ذاكرا الروايات المختلفة فيها وساكتًا على ذلك دون ترجيح في كتاب التتبع، ثم نراه في كتاب العِلل يرجح ما رجحه البخاري، وفي بعض الأحاديث في التتبع يظهر أن صنيع البخاري كان وجيها.
المَطْلَب السَّادِس: لو لم يخلق الله تعالى البخاري: الأحاديث التي تفرَّد بها البخاري عن جميع كُتُب السُّنَّة
ظهر ممَّا تقدَّم أنَّ صحيح البُخاري أجلّ كُتُب الإسلام المُصنَّفة، وأنَّ البخاري أتقن العَمَل فيه إتقانًا عالياً، وظهر إتقانه في جمعه الأحاديث الصَّحيحة العالية الدَّرجة، وفي اختياراته في الرُّواة، وفي تصنيفه وترتيبه ونقده وغير ذلك ممَّا صار مشهورًا معروفًا، فهو إمامٌ في هذه الجِهَة، لكنَّه مِن حيث كونه راويًا للحديث – لا مُصنِّفًا وجامعًا – فإنَّه كان مُجرَّد راوٍ في سلسلة حديثية قد نستعيض منه بعشرات الرُّواة في عصره.
وهو حديث في فضل علي رضي الله عنه، أخرجه البخاري من طريق سعد بن أبي وقاص، ولفظه: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي وهذه الشجرة تظهر أنه مَرْوِيٌّ في عشرات الكُتُب الحديثية من طُرُق كثيرة تجاوزت ۱۲۰ طريقًا، ولم يكن للبخاري في كلّ هذه الشجرة إلَّا إسنادان! فلو لم يروه البخاري لما طرأ أيّ تغيير في وُجُود الحديث وروايته، إذ هو موجود ثابت مُنتشر بين الرُّواة منذ الطَّبقات الأولى،
فلم يكن الحديث مغمورًا فاكتشفه البخاري فأورده في صحيحه، ولم يكن خافيًا على المُحدِّثين والرُّواة فأبرزه لهم البخاري، وإنَّما هو معروفٌ مشهورٌ مِن طُرُقٍ كثيرةٍ، وكان البخاري أحدُ مَن رواه، لكن تميُّزه كان في اختيار الأحاديث الصَّحيحة العالية، وفي اختيار طُرُق رواياتها الدَّقيقة.
وقد استقرأتُ جميع أحاديث البخاري فوجدتُها على هذه الحالة، لا ينفرد البخاري بحديثٍ واحدٍ لا يرويه غيره، بل عادةً يُشاركه عددٌ مِن الرُّواة، قد يقلّون فينزل عددهم عن خمسة، وقد يكثرون لتصل بعض الأحاديث إلى مئات الطُّرُق، والبخاري يروي طريقًا واحدًا منها أو طريقين. وجُلُّ تلك الأحاديث مُخَرَّجَة في الكُتُب السِّتَّة وفي مُسند أحمد والمُصنَّفات والمعاجم والسُّنَن الأخرى، ولكن مِن غير طريق البخاري.
ولا يند عن هذه القاعدة في ما وقفت عليه إلَّا حديث واحد فقط، رواه البخاري ولم أجده عند غيره من مصنّفي كُتُب الحديث المشهورة، فتفرَّد البخاري بإسناده كاملًا ومتنه، وهو ما رواه البخاري في صحيحه في كتاب الأدب، باب ما يكون من الظن. قال: حدثنا سعيد بن عفير: حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة قالت: قال النبي ﷺ: ما أظن فلانًا وفلانًا يعرفان من ديننا شيئًا. قال الليث: كانا رجلين من المنافقين .
ويظهر من شرح ابن حجر عليه في فتح الباري أن لا ذكر لأي طريق أو مخرج آخر للحديث، وهذا البحث في المصادر التي بين أيدينا، فلعل مُسْتَخْرَجًا من المُستَخْرَجَات أو مُصَنَّفًا في الرواية روى هذا الحديث ولم نقف عليه.
وعلى هذه النَّتيجة فلو لم يخلق الله تعالى البخاري فلن يضيع حديث مِن أحاديث المُسلمين إلَّا حديثًا واحدًا، وفي رأيي فإنَّ هذا الحديث الذي تفرَّد به البخاري ليس من الأحاديث التي يدور عليها الإسلام، ولا تدور عليها الأحكام ويغني عنه أحاديث كثيرة في بابه، فلو لَم يكن مَرْوِيًّا لم ينقص من الدِّين شيء.
ثُمَّ إنِّي وقفتُ على نصٍّ هامٍّ للإمام ابن تيمية يُصرِّح فيه بالفكرة ذاتها، ويقول: ومثل هؤلاء الجُهَّال يظُنُّون أنَّ الأحاديث التي في البخاري ومُسلم إنَّما أُخِذَت عن البخاري ومسلم… وأنَّ البُخاري ومُسلمًا كان الغلط يَرُوج عليهما، أو كانا يتعمَّدان الكذب، ولا يعلمون أنَّ قولنا: رواه البخاري ومُسلم علامة لنا على ثُبُوت صحّته، لا أنَّه كان صحيحًا بمُجرَّد رواية البخاري ومُسلم، بل أحاديث البخاري ومُسلم رواها غيرهما مِن العُلماء والمُحدِّثين مَن لا يحصي عدده إلَّا الله، ولم ينفرد واحدٌ منهما بحديثٍ، بل ما مِن حديثٍ إلَّا وقد رواه قبل زمانه وفي زمانه وبعد زمانه طوائف، ولو لم يُخلَق البخاري ومُسلم لم ينقص مِن الدِّين شيء، وكانت تلك الأحاديث موجودة بأسانيد يَحصُل بها المقصود وفوق المقصود .
ابن تيمية، منهاج السنة، ٧: ٢١٥.
السُّؤال المُعاصِر: أين النُّسخة الأصلية من صحيح البخاري؟ أو كيف نثق برواة الصَّحيح عن البخاري،
إنَّ قضية وُجُود جميع أحاديث صحيح البخاري مُوثَّقة معروفة في غيره مِن الكُتُب تعود على ذينك السُّؤالين بالنَّقد، فلو سلَّمنا بأنَّ النُّسخة الأصلية لم تصل أو أنَّ الرُّواة لم يكونوا على تِلْك الدَّرجة مِن الثِّقة فإنَّ جميع أحاديث الصَّحيح موجودة معروفة في كُتُب أخرى بطُرُق أخرى، ويُمكن دراستها وبيان الصَّحيح منها مِن خلال تِلْك الكُتُب، فلو حُذِفَ صحيح البخاري مِن الوُجُود لَمَا استلزم ذلك حذف أحاديثه،
هذا مع أن عددًا من الدراسات تبحث في قضية النسخة الأصلية وثقة رواة صحيح البخاري،
تنظر دراسة د. جمعة فتحي عبد الحليم، روايات الجامع الصحيح ونسخه، دراسة نظرية تطبيقية، ودراسة د. شفاء الفقيه، روايات الجامع الصحيح للإمام البخاري، رواية أبي ذر الهروي نموذجا.
الخاتِمَة: الأحاديث النَّبوية.. مِن صَلَابة خِطَاب النَّقْد الحديثي إلى سُيُولة التَّلقِّي الحَدَاثي
انتهينا من خلال ما مضى إلى أن رواية الحديث انتقلت في القرون الثلاثة الأولى بطبيعية واضحة، وتحت مظلة نقدية عالية، دققت ومحصت وميزت بين مراتب الروايات ودرجاتها.
وقد ظهرت الطبيعية في مظاهر كثيرة، لعل أوضحها: ما ظهر في تلقي الصحابة عن النبي ﷺ وروايتهم عنه، وفي أسباب إكثار بعضهم دون بعض، وتأثير الزمان والمكان والأحوال الشخصية في ذلك، وظهرت في تلقي التابعين عن الصحابة رضوان الله عليهم، وكثرة الأسانيد العائلية، وكثرة العلاقات الشخصية، وقلة الكتابة مقارنة بالرواية الشفوية، وظهرت في عصر أتباع التابعين بكثرة التصنيف لما انتشر الورق، ونظام التصنيف الجديد عند الحاجة إليه، وظهرت في عصر الكتب المصنفة لما اهتم العلماء بتدوين الحديث في كتب الصحاح والسنن.
وكان النقد مصاحبًا لجميع مراحل الرواية متابعًا لها مدققًا على مساراتها، فظهر في عصر كبار الصحابة بسلطة عمر وتخويفه، ثم في عصر متوسطي الصحابة بنقدات السيدة عائشة وغيرها، ثم في عصر صغار الصحابة بنقدهم لبعضهم ونقد التابعين لهم، وهو ما أظهر مجتمعًا نقديًا متميزًا في تلك الحقبة.
ثم توسع النقد قليلاً في زمن التابعين، فكان لمقولات ابن سيرين والنخعي وغيرهما أثر هام في الأحكام على الرواة والحديث، ثم انتشر كثيرًا في النصف الأول من القرن الثاني لما انتشرت الروايات وازداد عدد الرواة، فكان لشعبة القَدَّاحِ المُعَلَّى في تأصيل المنهجية النقدية، فانتشرت مقولاته النقدية، وكان لمواقفه الحازمة أثرٌ هام في تخويف جماعات الرواة من النقد.
ثم تبعه طلابه يحيى القطان وعبدُ الرحمن بن مهديٌّ ثم طلابهم من أمثال ابن مَعِينٍ وعليّ بن المديني وأحمد بن حنبل وغيرهم، وصولاً إلى البخاري ومسلم وأبي زرعة وأبي حاتم وغيرهم.
وقد استعمل أولئك النقاد المعايشين للرواة والروايات أدوات نقدية عالية للاختبار والتمحيص والتدقيق، لا أرى أدوات تلائم عصرهم تفوق تلك الأدوات في شدة التمحيص في الرواة والروايات. فمن تلك الأدوات: اختيار الرواة على مدار السنين، وتلقينهم الأخطاء للامتحان، وفحص كتبهم والتدقيق فيها من جهة أنواع الخطوط ومواضع التغير والزيادة والنقصان، ثم نظام مقارنة روايات الراوي بروايات غيره، وفحص عدد تفردات الراوي عن غيره أو موافقته لهم ومخالفته، وتأثير كل حديث يخطئ فيه الراوي في الحكم عليه، ليخرج الناقد بنتيجة واضحة عن عدد روايات الراوي وعدد الأخطاء وعدد الصحيح.
ثم إن ذلك النقد لم يكن نقداً في مجتمع ساذج يقبل ما يقال له، فقد اشتعل المجتمع في أحايين كثيرة بعهد من النقاد الذي يختلفون وينظرون ويدققون ويجهرون باختلافاتهم، مما شكّل مجتمعاً نقديّاً لا مجاملة فيه ولا محاباة.
ولم يكن النقد نقداً مبنياً على ذاتية الناقد وانطباعاته الشخصية، فقد ظهر أن عدداً من النقاد كان يوثق بعض المخالفين في المذهب، وبعضهم من الغلاة، وكان يضعف بعض الصالحين الأتقياء، والأمر في ذلك عائد إلى منهجية تاريخية ينظر فيها الناقد في حديث الراوي ويُصدر حكمه عليه، دون أن يُحابيه لمعرفة شخصية أو لعلاقة اجتماعية.
وقد ورث البخاري كل تلك الروايات وذلك النقد، فاجتهد اجتهاداً عالياً في التمحيص والتدقيق والتمييز ورحل وجمع وصنف، فخرج من بين يديه كتاب من أجل كتب الإسلام، من جهة منهجية التوثيق التاريخي، وقد أقر علماء عصر البخاري ومن بعدهم بدقة نظره في هذا الكتاب بناء على شروطه العالية التي اشترطها لكل حديث، وبناء على حسن الاختيار والجمع.
لكن مع ذلك كلِّه فَلَم يظهر نقد مِن كِبار النُّقَّاد في زمانه، لا مِن طبقة شُيُوخه ولا من طبقة أقرانه وطُلَّابه، فَلَم يظهر شيء مِن مسلم ولا الترمذي ولا أبي زرعة ولا أبي حاتم ولا الذُّهَلِيّ ولا غيرهم، مع كون النَّقد في المُجتمع العلمي آنذاك ميسورًا مُتاحًا لكُلِّ ناقدٍ،
بعض العُلماء في عصره انتقدوا كُتُب البخاري الأخرى، فرتَّب ابن أبي حاتم الرَّازي (ت ٣٢٧هـ) نُصُوص أبيه أبي حاتم الرَّازي (ت ٢٧٧هـ) وشيخه أبي زُرعة الرَّازي (ت ٢٦٤هـ) – وهُما من أقران البخاري ومِن أعظم أئمَّة النَّقد في زمانهم – في كتاب سمَّاه بيان خطأ محمد بن إسماعيل البخاري في تاريخه ، فلو كان عندهم ما ينتقد في الصَّحيح – وهو أهمُّ وأعظمُ – لأعلنوه وصاحوا به.
ويؤكِّد ذلك أيضًا أنَّ بعض العُلماء ممَّن أخذ عن طُلَّاب البخاري تصدَّى لنقد البُخاري، ولعلَّ أهمَّهم في هذا السِّياق الحافظ الإمام أبو حاتم بن حِبَّان، إذ انتقد البخاري في نظامه في الصَّحيح، وأنكر عليه تشدُّده وعَدَم روايته عن بعض الرُّواة الثِّقات في رأيه وأجلّهم: حمَّاد بن سَلَمَة، الإمام الثِّقة الجليل كما تقدَّم، ولكنَّ ذلك النَّقد كان دافعاً عند العُلماء لتفضيل صحيح البخاري على صحيح ابن حِبَّان، إذ إنَّ ذلك النَّقد كان يُظهر عُلُوّ درجة البخاري وتشدُّده في شُرُوطه، وتوسُّع ابن حِبَّان ونُزُوله ليروي عن بعض الرُّواة ممَّن لَمْ يعتمد عليهم البخاري.
فكأن صحيح البخاري كان ثمرة الرواة والنقد في العصور الأولى، وكأن النقاد أقرُّوا بأن منهجية البخاري في التوثيق التاريخي للأحاديث كانت منهجية عالية متميزة.
ثم عمد ابن الصلاح في القرن السابع إلى ترتيب قواعد علوم الحديث وتوضيحها في كتاب منهجي درسي، وتبعه كبار العلماء والمحدثين في تصانيفهم، فاختصروا كتاب علوم الحديث لابن الصلاح أو رتبوه أو شرحوه أو نظموه أو تعقبوه، فآل الأمر إلى ثروة قواعدية نقدية كبيرة، وكانت جل تلك القواعد مستخرجةً من مقولات الأئمة المتقدمين وتصرفاتهم، فبقيت منهجية المحدثين قوية رصينة معتمدة ثابتة في نفوس المسلمين قرونًا طويلة،
ثُمَّ إنَّ جُملة تغيُّرات ثقافية واجتماعية وسياسية واقتصادية غيَّرت النِّظام العالمي في القرن الثاني عشر الهجري = التاسع عشر الميلادي، وأثَّرت تأثيرا بالغًا في بلاد المُسلمين، فآل الأمرُ إلى استعمار بلاد كثيرة في العالم الإسلامي، وانتشار قُوَي للثَّقافة الأوروبية والفكر الغربي، واهتزاز في نُفُوس المُسلمين بعقائدهم وتُراثهم أمام ما يرونه من تقدُّم عسكري وتقني وثقافي وفكري وسياسي في البلاد الغربية، وصار العِلْم التَّجريبي حاكمًا قويًا على ثقافات العالم كلّها، وصار الإنسان في المركز بعد أن كان المركز للإله والدِّين.
وكان مِن أهمّ التَّغيُّرات الحادثة في البلاد الإسلامية ظُهُور قوانين جديدة همَّشت وظيفة طبقة عُلماء المُسلمين في العالم الإسلامي، بعد أن كانوا هُم حُكَّام المُجتمعات الفعليين،
وآلت أدوات التَّأثير، مع انتشار الصَّحافة الورقية، ونِظام التَّعليم العلماني الجديد في المدارس والجامعات، إلى طبقة جديدة من المُثقَّفين الذي حصَّلوا شيئاً مِن عُلُوم الغرب وفكره ونظامه في جامعاتهم ومؤسَّساتهم التَّعليمية، ورأوا أثناء إقامتهم في الغرب الفجوة الهائلة السياسية والتقنية والاقتصادية والثقافية بين بلاد المُسلمين وبلاد الغرب، ولم يكونوا قد حصَّلوا شيئاً ذا بال من المعارف الإسلامية، ولا درسوا نُظُم الإسلام وتراثه ومبادئه وفكره دراسة عميقة منهجية، فعادوا من تلك الدِّيار مُبشِّرين بضرورة تحقيق التَّقدُّم و النَّهضة التي لا تكون في رأيهم إلَّا بتقليد الطَّريقة الغربية الحديثة في الفِكْر والفَنّ والثَّقافة.
وكان من جملة ذلك التراث الأحاديث الكثيرة المبثوثة في كتب الحديث والسنة، فنظر فيها أولئك المثقفون نظراً سريعاً دون أن يتعرفوا على نظام توثيقها ولا نظام روايتها وتدقيقها، ولا نظام النقد المصاحب لها، ولا على ما تميز به ذلك النظام التوثيقي على جميع الأنظمة في العالم في العصور الخالية، فكان حاصل نظرتهم السريعة: أنهم لم يشهدوا إلا نظاماً بسيطاً متشكلاً من مجرد إسناد ومتن، ليس فيه أي نقد وتفكير وجهد، فلم يعبؤوا به.
وأيد تلك النظرة المستهينة بعلم الحديث ونقده أنّ المرحلة السابقة لعصر الحداثة كانت مرحلة غياب لعلم النقد الحديثي، لمّا تميزت به القرون المتأخرة من استقرار طويل في الفكر والمذهب في الأمة الإسلامية، مما جعل كثيراً من علماء المسلمين لا يحتاجون إلى دقائق علم النقد الحديثي، فصار علماً مهملاً لا عناية به في الحلقات التدريسية والكتابات.
وأيدها كذلك انتشار مصطلحات النهضة و التقدم و العقل و المدنية في مقابل وسمهم للعصور قبل ذلك بـ التخلف و الانحطاط و الجمود و الجهل ، وهي المصطلحات التي أثرت كثيرًا في استعلاء نظرة المثقفين عند تعاملهم مع التراث، إذ هي نظرة من عل لأزمنة قديمة مليئة بالجهل والتخلف – على رأيهم، وهو ما أورثهم حق النقد دون أن يكلفوا أنفسهم التعرف على الأنظمة التراثية والفكرية السابقة، إذ هي عصور تخلُّف أساسًا، فمن الطبيعي أن يكون نقدها ضروريًّا قويًّا.
وساعد في انتشار سيطرة المثقفين وسلطتهم تمهيد مدرسة الشيخ محمد عبده الفكرية لهم، إذ كانت أفكاره – وهو العالم الأزهري – الناقدة للتراث جسرًا تعبر العلمانية عليه لتحتل المواقع واحد بعد الواحد، وليس من المصادفة أن يستخدم معتقداته فريق من أتباعه في سبيل إقامة العلمانية كاملة ،
وَلَيْسَتْ أَحْدَث صُوَرِ التَّفْكِير إِلَّا مَنَاهِجَ الْمُسْتَشْرِقِين الْغَرْبِيَّة،
وتتابع الكُتَّاب المعاصرون على هذا المنوال، وانفرط الأمر وصار لكل من يمسك قلمًا أن ينظر في الأحاديث وينتقدها بناء على ثقافته الحديثة ومعارفه الجديدة دون أن يكلف نفسه عناء التحقق من الحديث بوصفه حدثًا تاريخيًا، فآل الأمر إلى سيولة عالية في الثقافة والفكر.
ودخل في النقد الحديثي بعض الصحفيين أخيرًا، فصار يحق لهم – مع السيولة المسيطرة في وسائل الإعلام وفي التعليم عمومًا – أن يقلبوا صحيح البخاري لينتقدوا أي حديث فيه بناء على ظاهر متنه الذي لم يوافق المعارف المسبقة و الذوق الذي يرونه ويعيشونه، فكأن علوم التوثيق التاريخي التي اضطلع بها علماء الحديث ونقاده لا قيمة لها أمام من يملك وسيلة إعلامية ويمكنه أن ينظر في أي رواية بحسب ذوقه، وكأن علم التاريخ كله لا وجود له، إذ صار يمكن لأي كاتب أن ينتقد أي حدث تاريخي بناء على ثقافته وأيدولوجيته وذوقه، فالأخير إلى أن يكون وجوده تابعًا لثقافة المثقف، ولا وجود حقيقي لذلك التاريخ.
وأرى ختامًا في سبيل التخلص من السيولة الحداثية المفرطة في التعامل مع التراث الحديثي أمرين:
الأول: ضرورة إعادة بناء منهج التوثيق التاريخي للأحداث والروايات، وأهمية بناء الثقة بعلم التاريخ نفسه، وطريقة التوثق من الروايات التاريخية والأحداث عمومًا، ومن ثم بناء الثقة بمنهجية نقاد الحديث،
والتاريخ علم حقيقي بذاته متشكل في الواقع، وعلم الحديث علم تاريخ أساسًا، فتثبيت منهجية النقد التاريخي أساس في تثبيت منهجية نقد المحدثين،
الثاني: ضرورة التخلي عن النظرة الاستعلائية إلى الماضي بعيون التقدم و التنوّر و النهضة واصفين إياه بـ التخلف و الانحطاط و الجمود ، دون دراسة حقيقية لتراث ذلك الماضي،
الحمد لله رب العالمين





