القائمة إغلاق

خُلاصة كتاب: عوائق النهضة الإسلامية، تأليف: علي عزتبيغوفيتش

 

بسم الله الرحمن الرحيم

خُلاصة كتاب:

عوائق النهضة الإسلامية

تأليف / علي عزتبيغوفيتش

نقله إلى العربية / صبحي وسيم تادفي

المراجعة والتحرير / عبد الرحمن أبو ذكري

طبعة / تنوير للنشر والإعلام

تحميل الخُلاصة: [DOC] [PDF]

فهرس المواضيع:

لماذا تخلَّف المُسلمون؟ 2

المرأة المُسلمة زوجةً وأُمًّا 11

تأمُّلات بمناسبة الذِّكرى الأربعمئة بعد الألف لنُزُول القرآن الكريم. 20

المُسلمون وإسرائيل. 22

الإسلام والمُعاصَرَة 26

هل نُربِّي مُسلمين أم أتباعًا جُبناء؟ 28

نحو الثَّورة الإسلامية. 30

كَيْفَ نَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ 33

تَأَمُّلَاتٌ فِي الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ. 34

الرسول ﷺ36

الإسلام وكفاح الشعوب الإسلامية: في سبيل التَّحرُّر الوطني والاجتماعي.. 40

 

 

 

لماذا تخلَّف المُسلمون؟

سمّاها بعضهم ليل الإسلام ، … يُغطي الحقبة الممتدة منذ بداية الاحتلال الإنكليزي للهند وحتى نهاية الحرب العالمية الأولى. أما أسبابها العميقة وبداياتها؛ فتعود إلى حقبة تسبق ذلك، بينما لا تزال عواقبها اليوم ملموسة بوضوح.

إنَّ أسباب نهضة الأمة وانحطاطها، … عصيّة على الإدراك والتفسير؛ لأنها تكمن في قلوب الناس وإراداتهم.

إن التفسيرات تدور في حلقة: المخطئون هم الزعماء، والمؤسسات، والظروف الاقتصادية، وجهل العامة… إلخ. فالشعب جاهل، لذا؛ يرضخ للزعماء الفاسدين، والزعماء أنانيون؛ فلا يخدعون الشعب للاستنارة، والمؤسسات هي نتاج مستوى البيئة الثقافي وهو بدوره خاضع للنظام، أي لتلك المؤسسات؛

إن التاريخ ليس دقيقاً مثل الرياضيات، والتاريخ له سننه ونواميسه، لكنها ليست دقيقة بدرجة تسمح لنا بتوقع مسار الأحداث، أو تفسير ما حدث.

لا توجد ولا يمكن أن توجد إجابة مؤكدة وعلموية بالكامل عن سؤال: لماذا تتخلف الشعوب؟

فإنني سأذكر هنا سببين يفوقان في الأهمية باقي الأسباب:

الأول خارجي وهو الغزو المغولي،

والثاني داخلي وهو التَّفسير الأُصُوليّ للإسلام.

الاجتياح المغولي … فقد دُمّرت مئات المدن، وأتلف كل ما صنعه الإنسان بيده في مناطق شاسعة بالغة الأهمية للإسلام، وبطريقة لا مثيل لها في التاريخ، الحديث أو القديم. لقد أبيد السكان عن بكرة أبيهم في أقاليم بأكملها، بحيث يمكن اعتبار نهوض تلك الشعوب -بعد أن سُحِقت- مُعجزة من المعجزات.

وفي الجهة الأخرى، فإن التفسير الأصولي للإسلام، باختزاله الإسلام إلى مجرّد رسالة دينية، وإغفال دوره -بل والإنكار عليه- في تنظيم العالم البراني وتغييره، أدَّى إلى إضعاف المجتمع المسلم ومقاومته من الداخل؛ فجعله فريسة سهلة للمهاجمين.

لاحظ اختلاف تعريف المؤلف لما يُسمَّى التفسير الأصولي ! (المراجع)

إن الشعوب الإسلامية -أو قُل غالبيتها العظمى- لم تكن فيما مضى مُتخلّفة، وقد وُجِد التخلُّف في عصرنا الحاضر، لكنَّ المسلمين غير مُلتزمين بالإسلام.

إن الإسلام مجموعة رسائل يحويها القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، والمصادر الأخرى [الثانوية]. والإسلام كذلك اسم لظاهرة تاريخية في العالم الواقعي، لحركة أوجدت تشريعات ومُدُناً ودولاً وحضارات.

الإسلام دوماً يبغي عالمين: برّاني وجواني، خُلُقي وتاريخي، دنيوي وأخروي.

فالإسلام يأمُر بالامتثال لله وفعل الخير، أما في مواجهة الشر والأعداء، والأمراض والقذارة والخُزعبلات؛ فرسالته واحدة: الجهاد. ويزعم المستشرق الفرنسي جاك ريسلِر أن أركان الإسلام ليست خمسة، بل هي ستة أركان؛ فهو يرى الجهاد سادسها. ولا ريب أن المسلمين الأوائل هم خير من فهم الإسلام، وفسَّروه نصاً وروحاً.

وإنّ المعلومات التي سنوردها، تُشير بوضوح إلى أنهم لم يُدركوا في رسالة الإسلام دعوة للاستسلام لمصائرهم، بل أمرًا بتحرير العالم وتغييره.

ظهر الإسلام سنة ٦١٠م، بين قبائل مجهولة في الأطراف البعيدة عن العالم المتحضر آنذاك. وقد توفي حضرة النبي محمد ﷺ سنة ٦٣٢م، وبعد مرور مئة عام على وفاته؛ كان جنوده يقفون أمام أسوار باريس (معركة بلاط الشهداء سنة ٧٣٢م).(١)

ففُتحت سوريا سنة ٦٣٤م، وسقطت دمشق في ٦٣٥م، وطيسفون في ٦٣٦م، (٢) والهند ومصر سنة ٦٤١م، وقرطاجة في ٦٤٧م، وسمرقند ٦٧٦م، والأندلس ٧١٠م، وأوقف زحف المسلمين في فرنسا. وفي عام ٧٢٠م، وصل الدعاة المسلمون إلى الصين البعيدة، وسلّموا رسالة إلى الإمبراطور شوانزونغ [من أسرة تانغ]، وحصلوا منه على إذن بنشر الإسلام (حيث بنوا مسجدًا في كانتون) ما زال قائمًا حتى الآن، ويُعد أقدم المساجد في هذا الجزء من العالم).

وعندما انحسرت الثقافة الإسلامية -تحت ضربات محاكم التفتيش العنيفة- من إسبانيا التي أزهر فيها الإسلام أجمل أزاهيره خلال فترة تربو على سبعمئة عام،

كان جلال الدين أكبر شاه -الشهير- أحد ملوك أسرة المغول، و أحد أعظم حكام الهند، وكان يُعدّ واحدًا من أعظم الحكام في تاريخ العالم.

لم يكن المسلمون يتلقفون شيئاً، بل كانوا يستوعبون المعارف والمهارات؛ فيثرونها وينقلونها إلى الآخرين. ولا شك أن الفضل في هذا الموقف العام، يعود إلى تعاليم الإسلام وروحه.

لقد تقبل الإسلام معارف الفينيقيين في معالجة الزجاج، ومعارف المصريين في النسيج، ومهارة السوريين في حلج القطن، ومهارة الفرس في نسج الحرير.

يقول ريسلر: كانت الأقمشة البيزنطية والقبطية والساسانية ذائعة الصيت،

وقد بلغت صناعة الزجاج عند العرب -من حيث التقنية والاحتراف- ذروة لم يتفوق عليها أحد، ويحتفظ اللوفر والمتحف البريطاني بقطع بديعة من سامراء والفسطاط. وكان الكيميائيون العرب أول من صنع الصابون، وأقاموا مصانع ضخمة لإنتاجه. وكان الوزير [العباسي] الفضل البرمكي أول من أنشأ مصنعاً للورق في بغداد، وسرعان ما شهد إنتاج الورق -الذي يرجع أصله إلى الصين- تطوراً؛ لينتقل عبر إسبانيا (الأندلس) إلى أوروبا،

ويعد فتح العراق، أسس العرب مدينة بغداد؛ تلك المدينة الساحرة المعروفة بقصص ألف ليلة وليلة.

بدأ الفتح الإسلامي للعراق زمن الصديق حوالي ١١ هـ على يد خالد بن الوليد، واستكمل بمعركة القادسية التي قادها سعد بن أبي وقاص حوالي ١٤ هـ، وتم تأمينه في عهد الفاروق باستكمال فتح فارس بين عامي ٢١-٢٣ هـ ق (٦٤٢-٦٤٤م). أما مدينة بغداد (دار السلام أو المدينة المدوّرة) فقد بناها أبو جعفر المنصور العباسي بعدها بمئة وعشرين سنة (٧٦٢م)، ليتخذها عاصمة لبني العباس. (المراجع)

وتُشير بعض التقديرات إلى أن عدد سكان بغداد في القرن الحادي عشر، قد جاوز مليوني نسمة. ومن المؤكد أنها كانت أكبر مدينة في العالم آنذاك.

يقول ريسلر: … وأصبحت المدرسة النظامية، التي تأسست في بغداد سنة ١٠٦٥م؛ نموذجاً للمدارس الإسلامية العليا في مُعظم المدن الإسلامية الكبيرة. وكانت تُدَرَّس فيها علوم القرآن والحديث والفقه خاصةً الفقه الشافعي وعلوم اللغة والأدب، والجغرافيا والتاريخ، وعلم وصف الأعراق البشرية، والآثار والفلك، والرياضيات والكيمياء، والموسيقى والهندسة.

وبعد فترة وجيزة، أسس في بغداد مركز إسلامي شامل، لتدريس الفقه والعلوم الدقيقة والأدب والفنون، وعرف هذا المركز بالمدرسة المستنصرية… كان ذلك تنظيماً حقيقياً للثقافة العامة ذا أهمية عالمية، وهو النظام ذاته الذي قلَّده الغرب في جامعة باريس، بجمع الطوائف المسيحية الأربع فيها.

لقد سيطر الإسلام على العالم بتفوق حضارته فترة دامت خمسمئة عام (٧٠٠-١٢٠٠م).

ولكن أضخم مكتبة عرفها العالم في ذلك الزمان، كانت مكتبة الخليفة العزيز بالله الفاطمي في القاهرة؛ فقد حوت مليونًا وستمائة ألف مجلد، منها ستة آلاف وخمسمائة مجلد في الرياضيات، وألف وثمانمائة مجلد في الفلسفة.

ويذكر المستشرق الهولندي رينهارت دوزي أن جميع سكان الأندلس في العهد الإسلامي كانوا يتقنون القراءة والكتابة، في وقت كانت فيه الكتابة حكرًا على عدد محدود من رجال الكنيسة،

وشهد الطب والصحة تقدمًا عظيمًا. وتطور هذين المجالين مهم لنا جِدًا هاهنا، لأنه كان -بلا ريب- نتيجة مباشرة لتكاليف الإسلام. فعدد الأحاديث النبوية التي تتناول الطب والصحة يزيد على ثلاثمئة حديث، وقد جُمِعت كلها في كتاب [ابن القيم]: الطب النبوي .

لقد حصلت مدينة سراييفو على شبكة للمياه قبل فيينا بثلاثمائة وثمانية وسبعين عامًا، وقبل لندن بمئة وثمانية وأربعين عامًا!

وقد فتح أبو الريحان البيروني الطريق أمام نيكولاس كوبرنيكس، بدحض نظرية انحراف الكواكب عن مراكزها، والتي وضعها بطليموس في تفسير دوران الكواكب. كما أن الأبحاث الفلكية لعمر الخيام (المعروف عند الغرب بشعره)؛ ساعدت على إنجاز تقويم أدق من التقويم الغريغوري [الميلادي] الذي نستخدمه اليوم (تقويم الخيام يُخطئ يومًا واحدًا في كل خمسة آلاف سنة، بينما الخطأ في التقويم الغريغوري يوم واحد في كل ثلاثة آلاف وثلاثمائة سنة!)

أنجز الخيام تقويمه المذكور في عهد الأتراك السلاجقة، وهو تقويم هجري شمسي يُسمَّى اليوم بالتقويم الفارسي، ويُعدُّ التقويم الرسمي لجمهورية إيران الإسلامية، وعدد من الشعوب التي تشترك معها في ثقافتها؛ مثل الأفغان والأكراد. (المراجع)

أما الحسن بن الهيثم (الهازن (Alhazen) في الغرب)، العالم المسلم ابن البصرة وساكن القاهرة، وصاحب المؤلفات في علم البصريات؛ فقد اتخذت أعماله أساساً لأعمال الأوروبيين بيكون وكبلر.

ونجد تأثير الشعر العربي واضحاً في أنشودة رولان La Chanson de Roland أول قصيدة شعرية كبيرة في الأدب الغربي (نظمت بالفرنسية سنة ١٠٤٠م تقريباً)،

إن فكرة رواية: دون كيخوتي عربية في أصلها (عاش ميغيل دي ثِربانتس مدة طويلة في الجزائر)، وقد صرَّح بنفسه أنه كتب روايته هذه أولاً باللغة العربية، كما أن رواية: روبنسون كروزو للأديب دانيال ديفو، مُستلهمة من حي بن يَقْظَان للكاتب العربي ابن طفيل.

السؤال: هل الإسلام يُخَدِّرُ الشعب ويُثَبِّطُ قُوَّتَه؟ وهل يمكننا القبول بأن الإسلام الذي جلب الإلهام والحركة في حقبة زمنية سالفة، وأنشأ المدن والدول؛ يمكن أن يأتي اليوم -أو في أي وقت- بنتيجة مُعاكسة تمامًا لذلك؟!

يحق للكثيرين أن يسألوا: كيف يمكن أن تَصْمُدَ الخرافة -التي تعرض الإسلام بوصفه دين تعصُّب وجهل وعنف- مع كل هذه الحقائق التاريخية؟!

وقد كان لـ العناصر التقدمية المزعومة أسبابها، وللكنيسة أسبابها، كما لَزِمَ على الدول الإمبريالية توصيف حملاتها الهادفة لنهب الشرق واحتلاله، بوصفها حملات لنشر الحضارة بين البرابرة ! وساهم في ذلك، انعدام المعرفة العامة بالحقائق التاريخية عند الأجيال الجديدة من المسلمين، كما أن صور البؤس والقذارة في المدن الإسلامية – في عصر الانحطاط – كانت الداعم الملائم لهذه الصورة المشوهة.

كما يمكن تحقيق النتيجة نفسها بواسطة أسلوب أنصاف الحقائق المجرّب، وخلاصته هي الرصد المنتظم والمتقن لجميع الظواهر السلبية، والإصرار على تكرارها، مع السكوت المنهجي المتعمَّد عن كافة الظواهر الإيجابية في ماضي الإسلام وحاضره.

إن أي عرض جاد، يتناول التطور التاريخي للرياضيات، لا يُتصوَّر دون إسهامات الإسلام.

القرون الوسطى [الأوروبية المظلمة] لم تظهر أصلاً في أقاليم شاسعة تمتد من إسبانيا إلى الهند.

عالم الرياضيات المسلم محمد بن أحمد البلخي الخوارزمي هو الذي اخترع الصفر (الذي اقترح استخدامه في كتابه الشهير: مفاتيح العلوم ). والقارئ المطّلع فقط، يمكنه إدراك الأهمية الثورية الجذرية لهذا الاكتشاف.

وقد ترجم [تلميذ العرب الإيطالي] جيراردو الكريموني – إبّان القرن الثاني عشر الميلادي – كتاب: الجبر والمقابلة لمحمد بن موسى الخوارزمي إلى اللغة اللاتينية، وظلّ الكتاب مرجعاً أساسياً في الجامعات الغربية حتى القرن السادس عشر. وانتقد عمر الخيام مبادئ علم الهندسة الإقليدية، ويُعدّ حله للمعادلات التكعيبية أقصى ما بلغته الرياضيات في القرون الوسطى على الإطلاق.

ويُعد محمد بن جابر البتّاني (توفي في القرن العاشر) واضع علم حساب المثلثات الحديث، وما زالت العلاقات التي وضعها وتستَخدَم في وقتنا الحاضر.

إنَّ لنا حقاً في ماضينا، ويجب علينا شقّ الطَّريق إليه؛ حتى نعلم مَن نحن، ومِن أين نتحدَّر، وإلى أين يتعيّن علينا المَسِير. ومِن هذا المنظور التَّاريخي، نرى بوُضُوح طُول الفترة المديدة التي شارك فيها المُسلمون مُشاركة فعَّالة في تاريخ البشرية، السِّياسي منه والثَّقافي على حدٍّ سواء، ونرى أيضاً كم هي قصيرة – نسبياً – فترة تخلُّفنا!

لأنَّ النُّقطة الأدنى لانحطاط المُسلمين، والمُتمثِّلة في تلك اللَّحظة المأساوية مِن خريف عام ١٩١٨م، إذ لم تكن أيّة دولة إسلامية تتمتَّع بالاستقلال؛ قد وَلَّت وصارت مِن الماضي، ونأمل أن يكون قد ولَّى معها الاعتقاد بأنَّ المُسلم مُرادف للمُستعبَد الفقير الجاهل.

أليس غياب الإسلام عن الحياة الشَّخصية والعامَّة سبباً للتَّخلُّف الذي نتحدَّث عنه؟!

أيلتزم المسلمون حقاً بالإسلام؟!

إن الإسلام يطالبنا بالشجاعة ودفع الجور. ومن الآية التاسعة والثلاثين من سورة الشورى، يمكن استخلاص أن المسلمين لا يستسلمون للبغي.

بيد أن المجتمع الإسلامي مليء بالجبناء والمتزلّفين للمتنفّذين، سواء كانوا أجانب أم محليين. إن الآلاف من سكان بغداد، الذين ساروا إلى الذبح بين يدي المغول (وغيرهم)، في صمت ودون مقاومة؛ لم يكونوا مسلمين حقًا.

لقد حرّم الإسلام الخمر، ولكنها تُنتج وتُباع وتُسقى في معظم البلدان الإسلامية؛ مُخلفة الدمار في الأسرة والمجتمع!

وقد جعل الإسلام الأخوة بين المسلمين فرضًا، ولكنَّ المسلمين متفرّقون؛ يقتتلون لصالح الأجنبي!

لقد اعترف الإسلام للمرأة بالكرامة الإنسانية، وبدرجة كبيرة من الاستقلال، وبالمساواة التامة في كثير من الأمور.

لقد فرض الإسلام حقاً للفقراء في أموال الأغنياء، ولو طبق هذا المبدأ بحذافيره؛ لأدى بكل تأكيد إلى خفض الفوارق الاجتماعية.

يقرر الإسلام بأنه ليس من الإيمان أن تبيت شبعان وجارك جائع.

إشارة إلى الحديث الذي أخرجه أبو يعلى والبيهقي، عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنَّ حضرة سيدنا النبي ﷺ قال: ليس بمؤمن من بات شبعان وجاره إلى جنبه جائع وهو يعلم . (المراجع)

وتفيد بعض الإحصاءات بأن نسبة المسلمين الذين يعانون سوء التغذية، تصل في بعض البلدان الإسلامية إلى ٢٠٪. وفي الوقت نفسه، ينام إخوانهم في الدين على الحرير والقطيفة، دون أدنى تأرُّق، حتى من تأنيب الضمير!

لكنَّ الشُّعُوب تحكمها حُكُومات تليق بها.

من مشكاة الحديث النبوي: كيفما تكونوا يولّ عليكم ، الذي يكاد المُحدِّثون يُجمعون على تضعيفه رغم صِحَّة معناه. (المراجع)

قال محمد ﷺ: القُضاةُ ثلاثةٌ: اثنانِ في النارِ، وواحدٌ في الجنةِ .

أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه (واللفظ له)، من حديث بريدة بن الحصيب الأسلمي؛ أنَّ حضرة سيدنا النبي ﷺ قال: القضاة ثلاثة: اثنان في النار، وواحد في الجنة؛ رجل علم الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجل جار في الحكم فهو في النار . (المراجع)

وإذا لم يَقْضِ الدِّين على الخرافة؛ فستقضي الخرافة على الدين. إن محمدًا ﷺ، عني بتعليم المسلمين حتى في أيام الحرب الشديدة (فمكَّن أسرى [غزوة بدر] من افتداء أنفسهم بتعليم عدد من المسلمين الكتابة).

واشتغل المسلمون الأوائل بترجمة مكتبات كاملة عن اللغتين اليونانية واللاتينية، دونما خوف مما تحذَّر منه هذه الكتب من ثقافة وثنية؛

فمعظم البلدان الإسلامية لا تُنفق على التعليم أكثر من 1% من ميزانياتها، وحتى يُعوض فارق التخلُّف هذا خلال فترة زمنية معقولة إلى حدّ ما؛ فلا بدَّ من زيادة هذا المبلغ من أربعة أضعاف إلى خمسة.

وإذا كان تحقيق الغنى للجميع هدفًا بعيد المنال؛ فإنه هدف يُسعى إليه دون انقطاع. أما الصورة الواقعية – والحقيقية في الغالب- للمجتمع في معظم البلدان الإسلامية اليوم (وبالأحرى منذ فترة غير بعيدة)، فإنها تشير إلى أنه مكوَّن من فلاحين فقراء، وأغنياء أنانيين، وبعض المثقفين الذين أضحوا أجانب في أوطانهم.

وقد قال محمد ﷺ: هلاكُ أُمَّتِي عالمٌ فاجرٌ، وعابدٌ جاهلٌ، وشرارُ الشَّرارِ شرارُ العُلماءِ، وخيرُ الخِيارِ خيارُ العُلماء .

ذكره الشوكاني في الفوائد المجموعة للأحاديث الموضوعة ، بيد أن معناه هو الآخر يصح بنصوص أخرى. (المراجع)

فقبل عدة سنوات، كُلِّفت لجنة من البرلمان الباكستاني، باقتراح التدابير [اللازمة] لاستئصال عدد من الآفات الاجتماعية التي تُثقل كاهل المجتمع الباكستاني. كانت [الآفات المستهدفة] هي: الخمور والبغاء والربا، وبعض العادات غير الإسلامية، التي تُلْحِق بالشعب أضرارًا اقتصادية وأخلاقية فادحة. وقد نشرت وسائل الإعلام أن مالكي بيوت الدعارة وفتياتهم في مدينة كراتشي، نظموا تظاهرات صغيرة حقيقية؛ مُطالبين بحق التعايش، في دولة تُعلن تطبيق الشريعة الإسلامية، وهلمَّ جرًا.

إن هذا الوضع ليس نتيجة لتطبيق الإسلام، بل هو نتيجة لرفض الإسلام؛ ليس نتيجة لحضوره، بل نتيجة لغيابه!

إذا كان غياب الإسلام قد أدّى إلى حالة التخلّف والفوضى، فهل تعني عودة الإسلام إشراق روح جديدة، وعهد جديد مضيء في حياة الشعوب الإسلامية؟

لأنكم كثيرًا ما تسمعون: كان الإسلام يمثل التقدم، ويلائم زمنًا قديمًا مضى، وعصرنا اليوم هو عصر الذرّة.

هل تحريم الإسلام للخمور أو أمره بالاهتمام بالنظافة، من الأمور التي حافظ على بقائها أم أنها عصرية؟

وعندما تذكرون غراس الإسلام الأساسي، فإن الغالبية ستفكر بأحكامه الخمسة الأساسية، المعروفة بأركان الإسلام الخمسة؛ فلنتناقش بإيجاز مدى عصريتها فيما يُسمّى بعصر الذرّة.

يتضمّن ركن الإسلام الأول: شهادة ألا إله إلا الله. وهنا نَذْكُر المشككين في مستقبل الدين في عصر الذرّة، بأن أعظم رائد في العصر الحديث ألبرت أينشتاين كان يؤمن بالله. ولم يكن يرى -مثلًا- أن علمه بالفيزياء والكون، بكل ما يعنيه ذلك لحياة الإنسان؛ يتعارض مع الإيمان بالله.

والصلاة ليست مُجرّد عبادة. إنها مدرسة للانضباط والتآخي والتضامن، وينبغي لها أن تعود كذلك ثانية. إن الصلاة طهارة وعمل ومشاركة.

والصوم في الإسلام رياضة شاقة، … فإن له بالتأكيد مغزى تربوياً وطبياً واجتماعياً. ولم تَرَهُ البِيئة الإسلامية قط مُجرّد مسألة شخصية تخص الفرد، لذلك؛ كانت تردّ بحزم على أي انتهاك لهذه الفريضة، فكان المجتمع يعتبر ذلك تعدّيًا على التماسك الداخلي، الذي يجدر بالصوم أن يُرسخه. والصوم تهيئة نفسية للزكاة (حق الفقراء)، لأن كل مسلم يعرف جيداً معنى الجوع، لكنّ الكثيرين يحيون ويموتون دون أن يذوقوا هذا الشعور.

والزكاة ليست صدقة، بل هي أشبه بالضريبة؛ إنها نوع من الإنفاق الإلزامي على الفقراء.

فمن الممكن أن يصير الحج عاملاً قويًا في تقارب الشعوب وتعارُفها، في زمان الفرقة هذا. إذ المناخ العام السائد في الحج هو المساواة. فيقف مليون إنسان في لباس موحد، وأفكارهم موحدة، وقد تخلصوا من كافة الفوارق القابلة للتخلص؛

إنه من غير الممكن أن يقبل المسلمون – في اللحظة الحاسمة – القول إن هذه التوجيهات وأمثالها قد عفا عليها الزمن؛ فإن الشعوب بحاجة إليها اليوم بقدر ما كانت تحتاجها بالأمس.

ويُلاحَظ في كافَّة أرجاء العالَم الإسلامي، ظُهُور إرادةٌ جديدةٌ.

إنَّ هذه الإرادة التي سيمنحها الفكر الإسلامي وجهتها، وستُوفِّر إمكاناتها الثَّروات الاستثنائية للبُلدان الإسلامية؛ سوف تُبهر العالم من جديد بأيَّام النَّهضة الإسلامية القادمة. وكلّ مُسلم مدعو للمُشاركة في هذه النَّهضة.

المرأة المُسلمة زوجةً وأُمًّا

(مقال حول ما يُسمَّى بقضية المرأة في الإسلام)

ثمة مفاهيم كثيرة خاطئة عن الإسلام لا تزال، إحداها تتعلق بالمرأة المسلمة ومنزلتها، ومكانتها في المجتمع الإسلامي.

تلك الانتقادات وغيرها؛ تعني فقط أن الفهم الإسلامي لبعض جوانب الحياة المهمة مختلف عن الفهم الأوروبي. [فعليكم] أن تبيِّنوا لمُحاوركم الأوروبي أننا نحن أيضاً غير راضين عن وضع المرأة، ومكانتها في الأسرة المسلمة والمجتمع المسلم، لكن ليس لأنه غير أوروبي؛ وإنما لأنه غير إسلامي بالقدر الكافي.

وليس ثمَّة خطأ أكبر مِن أن نظُنَّ بأنَّ كلّ ما نُصادفه في العالم الإسلامي يُعبِّر عن أسلوب الحياة الإسلامية؛ أي أنَّه أسلوب حياة مُتوافق مع مبادئ القرآن الكريم،

نجد أن المرأة المسلمة في باكستان -الدولة الأكثر تطبيقًا للشريعة الإسلامية اليوم- تترشح لمنصب رئاسة الجمهورية (فاطمة جناح رُشحت في انتخابات عام ١٩٦٥م)،

إن وضع المرأة المسلمة الحقيقي اليوم نتيجة تأثير مُتبادل بين الشريعة الإسلامية من جهة، وظروف البيئة وتقاليدها وأذواقها ومفاهيمها الأخلاقية من الجهة الأخرى.

وقد ثبت أن المرأة المسلمة في زمن محمد ﷺ لم تكن تستر وجهها بالكامل، وأن عُلَيَّة بنت المهدي وأخت هارون الرشيد [والملقبة بالعباسة] هي أول من استحدثت هذه الصيحة في لباس المرأة.

إن وضع المرأة في العالم الإسلامي بل وفي العالم كله يعتمد اعتماداً محدوداً على حالة القانون الناظم لوضعها. أما الدور الأكبر فهو للتقاليد، والمستوى الثقافي العام، والتربية، وكذلك للمستوى التعليمي للمرأة ذاتها.

إن الإسلام واحد، لكن تطبيقه يختلف بحسب البيئة التي تحمله وتُطبّقه، متخلّفة أو مستنيرة، جيل سويّ أو جيل منحط. إن الإسلام هو ما جاء في مصادره الأصيلة، ولكن الإسلام من حيث تطبيقه في الحياة هو ما نريده نحن أن يكون، وهو ما يمكن لعقولنا وقلوبنا أن تُحقّقه إذ تتحدوها المبادئ الإسلامية.

وهذا هو الدَّافِع وراء هُجُومهم على الإسلام، وعلى سيدنا محمد ﷺ بسبب موقفه مِن الحياة الحِسِّيَّة.

ولا ينبغي الدفاع عن الإسلام ضد هذه الاتهامات، بل على العكس؛ يجب التصريح بكل وضوح: نعم، إن الإسلام لا يرفض الحياة الحسية؛ فهو يدعو إلى الحياة الطبيعية، ويُشجّع على التمتع بملذات الحب، بقدر ما يدعو إلى الصحة والنظافة، والقوة والشجاعة، والكفاح والكسب، وذلك كما يُعارض التزهُّد من جهة، والفجور من الجهة الأخرى.

وكل ما يُطالبنا به الإسلام هو ألَّا نتعدَّى الحُدُود (يتكرر هذا التوكيد كثيرًا في القرآن الكريم)، وأن تكون الملذات نظيفة وطاهرة، وأن نتعامل مع النساء تعاملاً سويًا لا عوج فيه ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ (سورة النساء، الآية رقم ٣٤).

إن الإسلام لا يُطالب بالقضاء على الشهوات، بل يدعو إلى التحكم فيها؛

لا بد كذلك من العناية بتصورات أخرى مثل الجسد والسلطة، والجهاد والعدالة، والصحة والعلم، والمعرفة والمكافأة والقوة. إن الاستيعاب الحقيقي للإسلام، يعني إدراك كل هذه التصورات بطريقة تختلف عما يُدركه أتباع الحضارة الغربية، أو يسمعون به.

فإنَّ قبول الإسلام لهذه الدُّنيا ليس مادِّيًّا بالتَّصوُّر الغربي.

فقد كان الفجور والفساد محصورين في القصور والدوائر العُليا [من المجتمع]، التي كانت تُمثل -نسبيًا- أقلية من السكان. ولكنّ الاهتمام بهذه الأقلية في الكتب قد استغرق مساحة كبيرة، مما قد يخلق عند القارئ السطحي انطباعًا خاطئًا عن الوضع الأخلاقي في المجتمعات الإسلامية.

وفي الواقع، فقد تكوَّن المجتمع الأوروبي بتداخل مُتزامن لفلسفتين مُتناقضتين: الفلسفة المسيحية المعادية جذريًّا للحياة الجنسية، والفلسفة المادية التي تتحدث عن حياة واحدة [يعيشها الإنسان]؛ لذا ينبغي له التمتع بكل ما فيها . وبما أنه قد ثَبُت استحالة تحقُّق الخيار المسيحي في الواقع العملي، بقطع النظر عن الاعتراف بذلك؛ فقد كانت الغلبة من نصيب الفلسفة الثانية.

هل يعترف الإسلام بمُساواة المرأة [بالرَّجُل]؟! الجواب: نعم ولا.

نعم؛ إذا كان يعني اعتبار المرأة شخصية إنسانية، تتساوى في تحمُّل الواجبات الأخلاقية والإنسانية. ولا؛ إذا كان ذلك يعني التسوية بين الوظائف في الأسرة والمجتمع، كما تُدرَك المساواة في أوروبا عادة.

إنَّ قضية التَّفوُّق أو الدُّونية مُمكنة فقط بين أشياء من النّوع نفسه. والنِّساء لسن أعلى ولا أدنى، لأنَّهُنَّ بكُلِّ بساطة مُختلِفات عن الرِّجال؛ لذلك تسقط المُقارنة، ويسقُط معها تعيين الأعلى والأدنى.

وقد أظهر اختبار الاختلاف في مستوى الذكاء عند الرجل والمرأة، أن الاختلافات إنما هي في نوعية الذكاء أكثر منها في مستواه؛

وذكاء الرجل يتصف بحرية أكبر ويتجه نحو العالم البراني، أما ذكاء المرأة فهو أقل حرية ويتجه نحو الحياة الشخصية والمشاعر، ويرجع السبب في ذلك إلى اختلاف الأدوار في نشأة الحياة واستمرارها.

وإذا كان ثمَّة ما يُسمَّى بقضية المرأة في الإسلام، فإنَّ حلَّ هذه القضية هو الأُمّ. والجواب على أولئك الذين يُعارضون هذا الحلّ، مُتذرِّعين بتحرير المرأة ومُساواتها؛ هو: أنَّ الإسلام لم يحُطّ مِن قدر المرأة، ولكنَّكم أنتم تحطُّون مِن قدر الأُمّ.

والإسلامُ امتدادٌ للفِطْرَة على مُستوى إنساني رفيع من مُستويات تطوُّر الحياة.

وفي إحصائيات القرن العشرين، تُصنَّف الأُمّ بأنها شخص لا يعمل ، أي أنها تُضَمُّ إلى باقي العناصر العاطلة عن العمل !

لا توجد [مدارس] للأُمَّهات،

لقد بلغ بنا الأمر دركًا أُمسى فيه إدراج مادة عن الأمومة في مناهج التعليم العام للبنات، يوصف بالمخالفة السافرة لمبدأ المساواة بين الجنسين في التعليم. ويسعنا التصريح بأن وظيفة الأمومة في هذا القرن غير مُعترف بها اجتماعيًا، بحجّة أنها شأن شخصي لمن يُريد ذلك.

يكمن الجواب هذه المرة في الاقتصاد الجديد للمجتمع المعاصر.

ولم يكن ثمة أيدٍ عاملة أكثر عددًا وأرخص تكلفة من جيش العاملات الإناث، اللاتي يُشكلن نصف الجنس البشري.

إذن، فلم يكن الأمر أمر مُساواة وإنَّما مصلحة [مادِّيَّة]، وقبلها طبيعة الحضارة الصِّناعية وروحها.

وسيظل من غير الواضح، كيف نجح دُعاة تحرير المرأة -مهما كان الثَّمن باهظاً- في الإبقاء على أكذوبة كون عمل المرأة في المصنع أكثر إبداعاً وأقل رتابة مِن عمل ربّة المنزل. لقد صدق بعضهم أنَّ تربية المرأة لأطفال الغير (في عملها مُدرّسة أو مُربية) عمل إبداعي، بينما تربيتها لأطفالها عمل فيه مذلّة، أو هو قسم هامشي من أعمال المنزل المُملّة والرَّخيصة.

إنَّ قيمة المرأة المُطْلَقَة والأكيدة، هي أن تصير أُمًّا. وكلّ مَن يهدم المرأة، بحرمانها مِن دور الأُمّ؛ لا يُمكن له أن يزيد مِن قدرها ومِن احترامها وأهمِّيَّتها، ليس فقط لأنَّ حقّ الأُمُومَة لا نزاع فيه، بل لأنَّه أقدم حقّ عرفته البشرية.

ووظيفة الأم التي تتطلب قلبًا كبيرًا، وغريزة، وحبًا أعمى، وإصرارًا يتحدى الموت والعقل؛ قد تحدُّ من مقدرة المرأة على أداء بعض الوظائف التي تتطلَّب برودة أعصاب وحسابات، أو الوظائف الإدارية والخدمية المتعلقة بالجمادات.

ونحن إذ نُطالب باحترام الأُمّ، فإنَّما نُطالب الأُمّ بأن تحترم نفسها أوَّلًا. فأحيانًا نجد أنَّ المرأة التي أنجبت وربَّت طفلين أو ثلاثة، أو أكثر؛ ترى أنَّ ما أنجزته أقلّ قيمة مِن عَمَل المُهندسة أو الطَّبيبة البيطرية، أو مُوظَّفة الهاتف.

وفي تلك العلاقة المشهورة: المرأة العاملة العمل الطفل؛ يتعرَّض الجميع للضرر، ولكنَّ الضرر الأكبر يُصيب الأطفال؛ لأن تربيتهم تُوكَلُ لقوم لا يضطلعون بذلك بدافع الحب، بل من أجل الراتب. إنَّ الطِّفل يكون شخصيةً فقط في نظر والديه وداخل الأسرة، أمَّا عند المُربِّي والمُوظَّف؛ فإنَّه غالبًا شيء مِن الأشياء.

وأقوى دليل تجريبي على ذلك هي مزارع الأطفال ، التي أنشأتها ألمانيا النازية لتربية وإعداد نُخبة الشعب الألماني.

راجع: ريتشارد وايكارت: من داروين إلى هتلر (إصدارات مركز براهين)، جيري بيرجمان: تأثير داروين وأثره على النازية وعلم تحسين النسل والتمييز العرقي والشيوعية والرأسمالية والتحيز الجنسي. (إصدارات مركز تبصير).

كان الرجال الشُّقر النورديون يُزوَّجون بفتيات انتقوا بعناية، ثم يُسلم الأطفال المولودون من هذا الزواج للدولة كي تتولى تربيتهم.

يقول الدكتور ثيودور هيلبيش، الأستاذ بجامعة ميونيخ، الذي فحص عدداً من هؤلاء الأطفال بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية مباشرة: كانت وُجُوههم جميلة، وشعرهم أشقر وعُيُونهم زرقاء. لكن إذا اقترب منهم المرء، يرى بوُضُوح نظراتهم البلهاء الفارغة؛ إذ كانوا كلّهم مُضطربين عقلياً وجسدياً .

وبناء على الإحصاءات غير الرسمية، ولد في ألمانيا وقتئذ أحد عشر ألف طفل بهذه الطريقة.

إن مشكلات الشباب المعاصرة؛ ناجمة في جوهرها عن غياب أي معالجة لوضع الأم، وعدم تقدير دور الأم والأسرة في المجتمع.

فهل يمكن للمرأة أن توفّق بين وظيفة الأم والعمل خارج المنزل؟

إن الأطباء والسوسيولوجيين، متفقون في المطالبة بعدم فصل الأم عن الطفل حتى يتم السنة الثالثة من عمره؛ … لذلك، نرى جميع الدول تمدّد إجازة الوضع للنساء تمديداً ملموساً منذ الحرب العالمية الثانية.

ويجب على المرأة الواحدة أن تُنجب ثلاثة أطفال على الأقلّ، حتى يتوفَّر الحَدّ الأدنى المعروف علمياً بـ التَّكاثُر الحيوي البسيط للمُجتمع . وتُعتبر الأسرة ذات أربعة الأطفال هي الحَدّ الأمثل في الدّول المُتقدِّمة اليوم.

ويؤكد الطب أن أنسب سنٍّ للإنجاب عند المرأة هو بين ٢٠-٣٠ عاماً.

فقد بلغ الإنفاق السنوي في الدول المتقدمة على أدوات التجميل فقط ١٥ مليار دولار.

وينفق العالم اليوم ٢٠٠ مليار دولار كل عام على التسلح. إن مجموع المبالغ المذكورة، يفوق كثيرًا قيمة عمل النساء وإسهامهن في اقتصاد دول العالم كافة.

فإذا خفَّضنا بعض المصروفات غير الإنتاجية في الاقتصاد الوطني، وكسبنا بذلك جيلاً شابًا أفضل حالًا وأحسن صِحْة وروحًا؛ فسنكون بلا شَكّ قد أنجزنا عملاً طيِّبًا، وحقَّقنا زيادة في الثَّروة الوطنية الحقيقية.

ونحن اليوم نقف على أعتاب عهد جديد من الأتمتة، التي ستؤدي في المدى المنظور إلى الاستغناء لا عن عمل المرأة فحسب، وإنما عن عمل غالبية الذكور.

إن استقلال مالية المرأة في حياتها الزوجية، وحقها في التصرف فيما ورثته أو اكتسبته؛ محدّد كله بصريح أحكام الشريعة، ويمكن عدّه مؤشراً واضحاً -نسبياً- على حق المرأة في الممارسة المستقلة للنشاط الاقتصادي.

استدلال غير دقيق، أضيف إليه أن حقها في ممارسة هذا النشاط المستقل؛ لا يعني بالضرورة وجوب استعمالها لهذا الحق في كل حين، إذ قيّده الشرع بالضرورة. (المراجع)

وثمة حالات يصير فيها عمل المرأة ضرورياً أو مُلحاً:

– امرأة لا زوج لها، وتعول أطفالها أو والديها؛

– امرأة لا ولد لها، أو أنها أتمت تربية أولادها؛ فشبّوا، وصار بوسعها ملء فراغ

وقتها بعمل نافع خارج المنزل؛

– الاضطلاع بالأعمال التي تلائمها وتناسب طبيعتها؛

– في حالات الحروب والأحوال الطارئة عموماً

الرُّؤية الإسلامية تشترط ألَّا تكون وظيفة الأُمّ والأطفال هُم الضَّحِيَّة.

وينبغي على العالم الإسلامي أن يقبل من الغرب روح العمل والتنظيم، وأسلوب البحث العلمي والتقنية. أما فيما يتعلق بالحياة الجوانية، والفلسفة الحياتية، والمبادئ الأخلاقية، والحياة الأسرية؛ فإن أوروبا ليست أسوة.

وتحدثت أخصائية الطب النفسي إيرين جوسلين عن تدهور الرجال الأمريكيين، نتيجة عمل النساء الأمريكيات في المجالين الاجتماعي والتجاري؛ فتقول: نحن نسير إلى بنية مجتمعية قوامها نساء مُسترجلات ورجال مُخَنَّثُون .

ويوافق الكثيرون من أفضل المشتغلين بشتى المعارف، على أن المجتمع المعاصر يعيش مرحلة تقارب لأدوار الجنسين، وذوبان [للحدود الفاصلة]، حتى سينتهي الأمر بخسارة كلا الجنسين؛ مما سيقضي على المجتمع بالانحطاط الشامل.

لقد أجرى الأخصائيان النفسيان الأمريكيان أبرام كاردنر و كيرميت ملينغر بحوثاً مستقلة، وخرجا باستنتاج متطابق مفاده أن برودة النساء الجنسية، وعجز الرجال الجنسي في المجتمع المعاصر؛ أشد حضوراً من أي وقت مضى.

لقد انحدرت دول كثيرة إلى فئة الدول الهرمة بسبب انخفاض معدلات الإنجاب، ولا يزال عدد الأطفال في تناقص مُطَّرِد.

وبقي أن نتعرض باقتضاب لمسألة تعدُّد الزَّوجات في الإسلام.

إذ يبدو أن العالم غير الإسلامي بأسره، قلق بسبب هذه المسألة ومهتم بها، رغم أن أهميتها في حياة المجتمع الإسلامي العملية قليلة ومرحلية.

إن إدانة الأوروبيين لتعدد الزوجات، يُعدّ دليلاً استثنائيًا على النفاق. ففي العالم الإسلامي [اليوم]، نجد حالة تعدد واحدة بين كل ألف زيجة، بينما تُشير الاستبيانات السرّية في الغرب إلى العكس تمامًا؛ فمن بين كل ألف زوج ثمّة واحد فحسب لم يسقط في الخيانة! إنّ أوروبا تكتفي فقط بأحاديّة الزواج الشكليّة!

لقد خلق الله [في البدء] رجلًا واحدًا وامرأة واحدة، واستمرّت هذه النِّسبة بين الجنسين-في الطَّبيعة- استمرارًا يصعب فهمه. وأودِعَت هذه المُعادلة في نواميس الطَّبيعة، فلا تتغيّر إلّا مؤقَّتاً وفي حالات برَّانية استثنائية، لذلك؛ يبقى الزَّواج الأحادي زواجًا طبيعيًّا.

إذن، فلِمَ أباح القرآن تعدُّد الزَّوجات، إن كان يُمثل درجة أدنى من درجات الحياة المشتركة بين الرجل والمرأة؟!

من المؤكد أنّ الإجابة الصحيحة هي: لأنَّ القرآن حرَّم الدَّعارة والبِغاء تحريمًا قطعيًّا، أو لأنَّه لم يرض بأحاديّة الزَّواج الشَّكليّة (الكاذبة) على النَّمَط الأوروبي.

فإذا اقتضت الضرورة زوال تعدُّد الزوجات، فإنّ ذلك ممكن في العالم الإسلامي بقرار واحد.

إنّ إشكاليّة تعدُّد الزوجات – العلني أو السري – إشكاليّة شديدة التعقيد، ولكنّها ستبقى في منظور الإسلام محدودة، بل وستتراجع مع ارتفاع وتيرة النهضة والتقدم.

أي بتزايد مُعدّلات العلمنة، وهي حُجّة تلقائيّة مطّردة يبدو أنّ المؤلف لم يفطن إلى حقيقة مغزاها! (المراجع)

وقد هاجم قاسم أمين، أحد رواد النهضة الإسلامية وتلميذ الشيخين الأفغاني ومحمد عبده؛ تعدد الزوجات هجومًا شديدًا في أحد مؤلفاته، وكأنه يستشرف موقف الجيل الإسلامي الجديد من هذه المسألة.

موقف قاسم أمين نفسه مذبذب ومتقلب مثل حياته التي انتهت بالانتحار. ورفض المؤلف هنا لتعدد الزوجات، وتمسحه في رأي أمين الذي يفتقد إلى أدنى اعتبار في الوسط الثقافي العربي الجاد؛ ليس إلا أثرًا من آثار ثقافته الأوروبية التي ظل مخلصًا لها طيلة حياته، رغم شدة اعتزازه بالإسلام. (المراجع)

وسنجد اليوم في پاكستان ومصر وإيران، أن المحكمة هي صاحبة الاختصاص في الموافقة للزوج على الزواج ثانية، وذلك بعد الحصول على موافقة الزوجة الأولى، لذا؛ سيصير تعدد الزوجات صعب المنال ما دام مشروطًا بموافقة الزوجة.

وبقدر ما تمنح النَّهضة الإسلامية للمرأة المُسلمة؛ فإنَّ المرأة المُسلمة ستمنح مثل ذلك وأكثر لتلك النَّهضة.

تأمُّلات بمناسبة الذِّكرى الأربعمئة بعد الألف لنُزُول القرآن الكريم

أما أنا شخصيًا، فقد احتفلت بهذه الذكرى السنوية بقراءة القرآن الكريم مرة أخرى بإمعان وتدبر.

إن أحد أكثر الأقوال تردُّدًا عن الإسلام هو: أنه ليس دينًا مُجرَّدًا [بالإنكليزية: Religion]، بل هو أكثر من ذلك. إنه دين؛ أي أسلوب حياة شامل للإنسان، وسلوك يُنظِّم شؤون الفرد والمجتمع.

يؤكد لنا مؤسسو كل الأديان الكبرى وفلاسفة الأخلاق؛ أن رفاهة الفرد المادية وحدها لا تعني السرور والسعادة الحقيقية.

إن الفارق الحقيقي بين مجتمع وآخر ليس في كيفية عمله، بل في البشر الذين تتكون منهم المجتمعات؛

إنَّ حقيقة الفرد تكمن فيما يتحلَّى به من أخلاق، وفي درجة ما يتمتَّع به من الإنسانية والصِّفات الحميدة والورع.

تبقى مسألة تربية الإنسان على رأس مسائل تنظيم المجتمع البشري.

إن إدراكي بأن جميع الإشكالات القانونية والاجتماعية، والاقتصادية والسياسية، التي شغلتني في شبابي، وجعلت مني مؤيدًا مُحتملًا لكافة الثورات في العالم؛ لا يمكن حلها إلا بتربية الإنسان.

إن القرآن الكريم يتضمن، وينبغي له أن يتضمن الحقائق الأساسية فقط، والتي تحدد مكانة الإنسان في العالم ومصيره.

وتتعلق تلك الحقائق الثابتة بالإيمان بوجود خالق الأكوان – العليم الكريم – وبوجود الإنسان، أحد مخلوقات الله (إِن لَّمْ يَكُن ثَمَّةَ إِلَهٌ؛ فما من إنسان كذلك)، وبقيمة الحياة الإنسانية ذاتها، وبأن الناس متساوون في المسؤولية عن تصرفاتهم وأعمالهم. [كما تتعلَّق] بوجود طريقين أمام كل إنسان: طريق الخير وطريق الشر، مع حرية الاختيار وحرية الموقف الأخلاقي، وبالعلاقة بين الإنسان وأخيه الإنسان باعتبارهما مخلوقين لله، وبالحقوق المتساوية للناس أجمعين في الحياة والسعادة.

ولكن في الوقت ذاته، فما مِن كمٍّ مِن المعارف والحُجَج والمعلومات، مِن شأنه أن يشهد -مُنفرداً أو مُجتمعاً- شهادةً نهائيةً قاطعةً لصالح الرُّؤية الكونية المُتدَيِّنَة، سِوَى الوحي!

فإنَّ الوحي ليس معرفة ثمينة فحسب، بل هو المعرفة الكبرى التي لا يُستعاض عنها.

إن الدين والإيمان، المبنيين على هذا الفهم الواضح الدقيق الله الواحد القادر المحسن؛ واضحان وبسيطان بحد ذاتهما، وقريبان من عقل كل إنسان وقلبه، وفحواهما الرضا بالإرادة الإلهية وعمل الصالحات:

والدين هو الأخلاق، وتطبيقه تربية:

إن الدين ليس ثمرة العقل، ولكنه في الوقت نفسه ليس في نزاع مع العقل.

ويمثل العدل أساس حرص الإسلام على بناء مجتمع المساواة والعدالة الاجتماعية،

وإذا جازت تسمية النظام القرآني بأنه مجتمع خال من الترف والبؤس؛ فيجب علينا أن نعترف بأننا لا نرى اليوم في المجتمعات الإسلامية سوى الترف والبؤس:

إن قضية المساواة بين الناس قريبة للغاية من قضية المرأة، بل إنها ليست أقل أهمية، وهذا مفهوم لأن المرأة تمثل نصف الجنس البشري. والإسلام لا يقبل مساواة المرأة بالرجل بحسب التصور الأوروبي، لا رفضاً لتلك المساواة؛ وإنما رفضاً للسلوكيات والأنماط، التي أمست جزءاً من أسلوب الحياة الذي يتعارض في أغلب جوانبه وتجلياته مع الإسلام.

إن الرجل والمرأة متساويان في القيمة ولكنهما مختلفان [في الأدوار].

وبإدانة الرِّبا، اصطفَّ القرآن الكريم اصطفافًا واضحًا في صفّ من يكسبون أرزاقهم بالعمل الشَّريف، وناهض التَّواكُل وكافَّة أشكال الاستغلال والحياة الطُفَيْلِيَّة:

الركن السادس في الإسلام، وهو: العمل والجهاد؛ فهما أساسان عظيمان من أسس الحياة الإنسانية، ودونهما تبقى العبادات والمواعظ أقرب إلى الرياء:

فعندما يتعلَّق الأمر بالإيمان، غالباً ما ينقسم النَّاس إلى مؤمنين وغير مؤمنين. ونحن نرى أنَّ هذا التَّقسيم سطحي واختزالي للغاية، فهو يغفل قسماً ثالثاً له الغلبة بين النَّاس، وهم الذين يَعُدُّون أنفسهم مؤمنين، ويُصرِّحون بذلك، ولكنَّهم في الحقيقة بعيدون عن الإيمان.

والخوف هو الشُّعُور المُهيمِن على هذا النَّوع من النَّاس؛ الخوف على الحياة، والخوف على المال أو المنصب أو المكانة، [والخوف على] رضا السُّلطان وأصحاب النُّفُوذ. ومن بين جميع ألوان الخوف العديدة [التي تستبد بهم]، لا يغيبُ عن حياتهم إلَّا لون واحد هو الخوف من الله.

والقرآن الكريم هو أول [كتاب] يبدأ الطفل قراءته وتعلّمه، ومع ذلك؛ فإن معظم الأطفال يترعرعون ويكبرون -حتى يبلغوا الشيخوخة- دون التعرف [الحقيقي] على مضمون القرآن ومراميه.

إنَّ جيلاً واحدًا يتحلَّى بالإيمان الحقّ، قادرٌ على إتيان ما يفوق صنع عشرات الأجيال التي تأتي بعده، إذا كانت [تلك الأجيال] مُجرَّد أتباع .

فإن الأجيال الثلاثة الأولى من المسلمين، هي التي وضعت أسس كل ما حققه الإسلام على مدى ألف عام في ميادين الثقافة والتربية وأسباب القوة. وكل ما تلا ذلك استمد بأسه من تلك الانطلاقة الأولى.

وعليه؛ فلا بُدَّ للثَّورة المُقبلة في العالم الإسلامي أن تكون ثورة دينية، وعندما تتمكَّن تلك الثَّورة من نُفُوس النَّاس وقُلُوبهم؛ ستصير قادرة على إتيان المُعجزات وتحقيق ما قد يبدو اليوم مُستحيلاً.

المُسلمون وإسرائيل

تنبأ بعضهم إلى أن الأجيال المعاصرة، موصومة بجهل بالتاريخ يستدعي الاستغراب. ولعل أشد ما يُظهر صدق هذه الرؤية هي قضية فلسطين.

يتبين لنا من هذه المعلومات، أن دولة اليهود في فلسطين كانت قائمة كلها قبل الميلاد. ومنذ عام ٧٠م وحتى ١٤ مايو سنة ١٩٤٨م -القرون التسعة عشر الأخيرة- لم يكن ثَمَّة وجود لأي شكل من أشكال الدولة لليهود على أرض فلسطين. وإبان القرون الستة الأولى من هذه الحقبة، خضعت القدس لحكام مختلفين (رومان وفرس وبيزنطيين)، وفي عام ٦٣٧م فتح المسلمون القدس، واستلمها الخليفة عمر بن الخطاب بنفسه من البطريرك صفرونيوس،

واستنادًا إلى هذه الحقائق، يمكننا الحكم على حقيقة ما يُسمَّى بـ الحق التاريخي لليهود في فلسطين.

وبناء على عدة اعتبارات، تُمثّل إسرائيل ظاهرة فريدة من نوعها في التاريخ السياسي. ففي لحظة تأسيسها، لم تكن هذه الدولة تملك أرضًا ولا سكانًا.

أما الأرض؛ فقد حصلت إسرائيل عليها بالشراء والسلب، وأما السكان؛ فقد استقدموا إليها من كل أنحاء العالم.

تظهر أول فكرة واضحة المعالم عن الدولة اليهودية على أرض فلسطين، في كتاب: دولة اليهود لثيودور هرتزل، مؤسس المنظمة الصهيونية العالمية سنة ١٨٩٧م تقريباً. وإليكم أهم مراحل تنفيذ هذه الفكرة؛ لإقامة إسرائيل:

– بيان بلفور سنة ١٩١٧م، الذي يقرر عطف بريطانيا العظمى على مساعي إقامة دولة يهودية على أرض فلسطين.

يشكل اليهود الأوروبيون (الأشكناز) غالبية السكان من اليهود في إسرائيل. ليس هذا فحسب، بل إنهم يتولون أغلب المناصب القيادية في الحكومة والجيش والإدارة. وأما يهود الشرق الأوسط، فمعظمهم من طبقة العمال غير المؤهلين.

– إن الصهيونية، التي نشأت ردَّة فعل على مُلاحقة اليهود في أوروبا؛ صبَّت كل مخزونها من السم والغضب والثأر على العرب، وفي المنطقة التي كان اليهود يعيشون فيها -عبر تاريخهم- آمنين في منعة.

– إن اليهود الذين كانوا أكبر ضحايا العنصرية والإبادة الجماعية، صاروا اليوم مرتكبين لها؛

– كان اليهود من مُنظِّري الحركات العالمية، التي ترفع شعارات الحرية والإخاء، والشرعية والليبرالية. وها نحن نشهد في إسرائيل اليوم تربية النشء، تربية عسكرية، وتنظيم المجتمع بأسره لتلبية المتطلبات العسكرية بعناصر بشرية تشربت التعصب القومي، وسياسة دولة قائمة على المبادئ الميكيافيللية [الغابة تبرر الوسيلة]، و[تبنِّي نظريات نيتشه التي تذهب إلى أن الحق للأقوى] و[تُقدِّس] أخلاق القوة.

وخلاصة الأمر، فقد أصدرت الأمم المتحدة – حتى عام ١٩٧٠م – سبعين قرارًا بشأن القضية الفلسطينية، وضربت إسرائيل بها جميعًا عرض الحائط!

لقد عاش اليهود في الدول التي كان الأغلبية والسلطان فيها للمسلمين، وظل هذا الوضع قائمًا في كثير من الدول على امتداد قرون طويلة. وعلى عكس ذلك، فإن المسلمين لم يعيشوا لحظة واحدة من تاريخهم تحت حكم اليهود، سوى هذه المدة القصيرة تحت سلطة إسرائيل.

وقد يُظن [بتأثير هذا الجهل]، أن ما يمارسه اليهود اليوم من عنف ضد المسلمين؛ إنما هو عبارة عن تصفية حسابات قديمة ورد للصاع بصاعين.

لكن التاريخ يشهد على حقيقتين:

الأولى؛ كان اليهود يتمتعون بأقصى درجات السلام والتسامح الديني في الدول الإسلامية.

الثانية؛ إن كانت أي إساءة قد وقعت ضد اليهود، فلا يعدو ذلك أن يكون تصرّفًا فرديًا،

وعندما سقطت غرناطة -آخر دولة مسلمة في إسبانيا- سنة ١٤٩٢م، واجه المسلمون واليهود المصير نفسه: الطرد والإبادة. وفرّ قرابة ثلاثمئة ألف يهودي إلى الخارج؛ فلجأ مُعظمهم (حوالي مئتي ألف) إلى الإمبراطورية العثمانية، حيث استُقبلوا استقبالًا حسنًا، ووجدوا الظروف الملائمة للحياة الطبيعية والعمل.

ونظرًا للوضع الخاص لمدينة القدس، فلا بد أن يتحول هذا الصراع -إن عاجلاً أو آجلاً- إلى صراع بين اليهود وعامة المسلمين. فما الذي سيحدث، إذا تحولت مسألة القدس إلى قضية جميع المسلمين، رغم أنها كذلك منذ البدء؟!

ومن هذا المنظور العالمي؛ فستظهر إسرائيل لنا بوصفها غيتو ghetto ، أي مَعزِل في مُحيط العالم الإسلامي، وجسم غريب في الكائن الإسلامي الضَّخم. بيد أنَّ اليهود أنفسهم، كانوا هُم من صنع الغيتو في هذه المرَّة، واستنبتت هذه الكراهية التي أحاطت به. وهذا ما يمنح الوضع خُصُوصيته.

إن مدينة القدس ليست مدينة عادية، بل هي مدينة فريدة في العالم؛ تحتضن مقدسات الأديان السماوية الثلاثة، والتي لا يمكنها التخلي عنها.

إذن، فمن يمكنه ضمان حرية مدينة القدس وبقائها مفتوحة أمام الجميع على حد سواء؟

نظريًّا وعمليًّا، لا يستطيع ذلك إلا المسلمون.

أما نظريًّا؛ فلأن الإسلام هو الدين الوحيد الذي يعترف بنبوّة موسى وعيسى (عليهما السلام)، وبالتوراة والإنجيل.

وأما عمليًّا؛ فلأن مدينة القدس تقع في العالم الإسلامي، لذا؛ كان كل حكم غير إسلامي فيها وضعًا غير طبيعي، ولا يمكنه الاستمرار إلا بالإكراه، وحالة التوتر هذه ليست حالة حرية البتة.

ونحن نطالع هذه السطور -في الموسوعة البريطانية – عن احتلال مدينة القدس أثناء الحملة الصليبية الأولى: … بعد حصار دام أكثر من شهر، سقطت مدينة القدس في 15 يوليو ۱۰۹۹م. وأعقب ذلك مجزرة مروعة، جَرَتْ على إثرها أنهار من دماء المهزومين في الشوارع.

فقد صرَّح المطران الكاثوليكي سمعان، بأن اليهود دمّروا – بالكامل الكنيسة الكاثوليكية السورية التي تقع بمحاذاة سور القدس القديمة، كما تم تدمير بعض جدران كنيسة القديسة حنة [أم السيدة مريم العذراء]؛ لفتح الطريق أمام العربات العسكرية الإسرائيلية للعبور من القسم الجديد إلى ذلك القديم في المدينة. وتم تدمير كنيسة المخلص المقدس الأرمنية بشكل شبه كامل، وتحولت نوافذها إلى فتحات للرمي [تُطِلُّ منها] بنادق الجيش الإسرائيلي، وشرق منها موزاييك بيزنطي شهير يرجع إلى القرن الرابع الميلادي.

وقال المطران ديودوروس، بطريرك الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية؛ إن الجيش الإسرائيلي اقتحم كنيسة القديس يوحنا المعمدان في عين كارم [بالقدس]، واستولى على كل ما يمكن حمله، وخطّ الجنود على الجدران علامة المرحاض: WC ، وقد استعملت الكنيسة بالفعل مرحاضًا. ومن كنيسة مار إلياس الواقعة في طريق بيت لحم، سرق الضباط والجنود الإسرائيليون الأيقونات والمزهريات والأثاث.

فموقف الإسلام من المسيحية

واليهودية ليس موقف التسامح، بل هو موقف الاعتراف. فالإسلام لا يتسامح مع المسيحية واليهودية، بل إنه يَعتَرِفُ بهما. فأماكن عبادتهم معابد حقيقية، يُذكر فيها رب واحد ويُقدَّس.

إن قوة اليهود – في هذا الصدام مع العرب – نتيجة للدعم والتضامن الفائق من الشتات، أي من كل اليهود في العالم؛ أما ضعفنا فهو -بعكس ذلك – نتيجة لانقسامنا وتقصيرنا في الدعم،

وليس من قبيل المصادفة أن تولد فكرة إقامة دولة إسرائيل في الوقت الذي كانت فيه قوة الإسلام السياسية تُساوي صفرًا.

الإسلام والمُعاصَرَة

المعاصرة … ثورة تقنية مستمرة، مصحوبة بتنامي رخاء المجتمع، وانتشار التعليم والكلمة المكتوبة، مُطعَّمة بالأفكار الهيومانية والكوزموبوليتانية والسلمية (المناهضة للحروب).

الكوزموبوليتانيّة Cosmopolitanism كلمة فلسفية-اجتماعية لها نَفَس واسع، لكنها بسيطة في جوهرها. المعنى الحرفي: مواطنة العالم أو الإنسان المنتمي للعالم كله . الفكرة ظهرت قديمًا عند الفلاسفة الرواقيين، ثم تبنّاها مفكرون حديثون، وتتكرر اليوم في الخطاب الثقافي والسياسي.

هل جرى تجاوز الإسلام – بمرور الزمن وبالتطور- وهل يقف الإسلام أمام الزمن أم وراءه، وهل بقي لديه شيء مهم يقدمه اليوم لعالمنا؟

سنستعمل لفظة المُعاصَرَة -غالباً- لوصف الزَّمان ومُجمل أحواله، ولفظة العَصْرِيَّة لوصف حال أو اكتشاف أو سُلُوك أو فكر بعينه. (المراجع)

يقول بعضهم في تفسير معنى هذه الشهادة: إنها البشارة بثورة حقيقية، لتحرير الإنسان من كافة الآلهة الكاذبة التي تسلطت عليه.

لقد كانت الآلهة الكاذبة فيما مضى أصنامًا وفراعين، ومُلُوكًا مُتألِّهين، واليوم صاروا هُم آباء الأوطان ومُنقذيها، والزُّعماء الحُكماء الأفذاذ، والمعصومين العُظماء، المُتفضِّلين وحدهم بكُلِّ النِّعَم، مِن الحُرِّيَّة إلى الرَّخاء؛ وهي حُرِّيَّة معدومة في الغالب ورخاء لا وُجُود له.

إنَّنا نشهد أنَّ هذا المبدأ الإسلامي، المُشهَّر لتحرير الإنسان مِن الآلهة الكاذبة؛ سيظلّ تصوُّرًا عصريًا لا يتقادَم.

والمثال الثاني على شدّة هذه العصرية، التي ستبقى كذلك على الدوام؛ هو مبدأ المساواة والأخوة بين الناس جميعًا.

ومن سنحت له فرصة صلاة الجمعة في أحد مساجد المشرق، والجلوس بين ذلك الحشد من الرجال البيض والسود، والفقراء والأغنياء؛ لاستطاع التأكد من حقيقة هذه المساواة.

فإن قانون الحقوق المدنية، الذي يُقرر المساواة بين البيض والملونين في الحياة العامة في أمريكا -إحدى أشد الدول تحضرًا- عمره بضع سنوات فقط (صدر عام ١٩٦٥م)، وهذا مجرد قانون، يعترض عليه الكثيرون؛ فما زال التمييز ضد الزنوج حقيقة أكيدة.

وفي ألمانيا إبان أربعينيات القرن العشرين، أُثبت علميًا عَدَم المُساواة بين النَّاس!

وختامًا، فإن الأمر لا يتوقف عند حد التفرقة بحسب العرق، بل تَضُمُّ إليها تفرقة قومية وطبقية وفكرية وسياسية.

إن العالم المعاصر – في حقيقة أمره – عالم جد بعيد عن الكمال، وهذا ألطف وصف يمكن أن يوصف به!

فهل تبدو لكم هذه الآيات التي أوردناها غير عصرية؟! وهل تتحدث فقط عن مشكلات كانت تهم الإنسان والمجتمع قبل ألف عام، ولا تمت اليوم لحياة الإنسان بصلة؟!

ولكن لا بُدَّ لنا مِن أن نُقِرّ بوُجُود أشياء غير عصرية في الإسلام، بل وأن نُدافع عن هذا الزَّعم.

ففي إحدى الدول المتحضّرة – كما ترى هي نفسها، وكما يراها الآخرون عموماً – يُلاحقون الخلق بسبب معتقداتهم. وثمة ما يُسمى بالحقائق الرسمية، فمن عارضها علناً؛ كان مصيره السجن!

فإذا كان هذا عصرياً، وبما أن بعضهم يزعم أن التَّقدُّم يسير باتجاه التوافق والتطابق والتسلسل، أي باتجاه تقييد الحرية والفردانية؛ فإن الإسلام في هذه المسألة غير عصري. لقد أعلن الإسلام مبدأ حرية الدين، ومن ثم حرية الاعتقاد، والتزم بذلك عملياً في حياة الخلق.

كذلك، فإن المشروبات الكحولية والمخدرات قد حرَّمها الإسلام تحريماً قاطعاً.

أما المسلم الذي لا يُعاقرها، فإنه يصير وفق هذا التصور جاهلاً جهلاً فاحشاً، حتى ليبدو كأنه بربري !

إن الإنسان المعاصر جد غريب، كأنه مصاب بانفصال وظيفي؛ فهو من جانب يسعى كل يوم لتطوير صناعة المشروبات الكحولية -كمّاً وجودة وتنوُّعاً- وفي الوقت نفسه، يعمل هذا الإنسان المعاصر -أثناء ممارسته مهمته هذه- على تطبيق المبادئ العلمية بدقة متناهية، لكي يُثبت أضرار المشروبات الكحولية، ويحذر من خطرها مذعورًا.

وعندما نشهد تسلّط الخمور على المجتمع المعاصر، ينبغي لنا القول بكل فخر: إن الإسلام غير معاصر.

ومن جهة أخرى، فإذا أخذنا في الحسبان محاولات حظر المشروبات الكحولية في بعض أكثر الدول تقدُّمًا، … لأدركنا أننا قد حُزنا كافة المسوغات التي تدفعنا للجزم بأن الإسلام قد استبق العصر، وأنه بحسب هذا التصور يسبق العالم المعاصر بأشواط، بل وربما يكون العالم المعاصر في هذه المسألة غير معاصر .

وثمة أمثلة عديدة على عدم عصرية الإسلام. فبحسب أحد التقارير؛ تُنفِق الدول المتقدمة خمسة عشر مليار دولار على مواد التجميل فقط، وهذا المبلغ يكفي لإنقاذ أكثر من سبعمئة مليون إنسان في العالم من براثن الجوع.

عصرية الإسلام أو عدم عصريته، إنما هي في الواقع قضية رأينا الشخصي وفلسفتنا [المتبنأة]. إنَّ الإجابة عن هذا السؤال تتوقف على إدراك القارئ الشخصي للتقدم والحضارة والإنسانية، أو رأيه في معنى الحياة البشرية. وبعبارة واحدة: بم يؤمن.

هل نُربِّي مُسلمين أم أتباعًا جُبناء؟

قد أدركت أحد أسباب تخلفنا إبان القرون الأخيرة: إنه سوء تربية الخَلْق.

نحن نُعلِّم شبابنا بألا يفكروا حتى في إيذاء ذبابة، وأن يستسلموا للقدر، ويلزموا الطاعة، ويخضعوا لكل سلطة؛ لأن السلطة -أيًّا كانت- مصدرها إلهي!

إنَّ فلسفة الخُضُوع المؤسفة هذه، والتي لا أعرف منشأها الحقيقي، وإن كان من المؤكَّد أنَّها ليست من الإسلام؛ تؤدِّي وظيفتين -مُتكاملتين فيما بينهما- أداءً تعيسًا كاملاً: فهي مِن جِهَة تُخدِّر الأحياء، ومن الجِهَة الأخرى تَحشُد حول الإسلام أجيالاً ماتت قبل أن تبدأ حياتها، وهي تُنادي [فيهم] بالمُثُل المُضَلِّلَة.

فأيُّ شيءٍ أكثر مُلاءمة للفطرة مِن أن يقود الشُّعُوب المُسلمة رجال تربُّوا على الإسلام، واستلهموا الفكر الإسلامي، ولكنَّهم لا ينجحون في تلك القيادة لسبب بسيط: إنَّهم لم يُرَبَّوا ليقودوا، بل لِيُساقوا [مثل الأنعام].

وأي شيء أشد توافقاً مع المنطق، من أن يكون المسلمون حَمَلَة [لواء] الانتفاضة ضد سلطة الأجنبي والأفكار الأجنبية، والظلم السياسي والاقتصادي في البيئة المسلمة، ولكنهم غير قادرين على ذلك للسبب الأساسي نفسه؛ أن [مُرَبِّيهم] لم يُعلِّموهم رفع أصواتهم، بل حملوهم على الخضوع.

إننا لم نكن نربي (أو نحشد!) مسلمين، بل أتباعاً؛ إنهم أتباع ممتازون مسالمون تماماً، بل قُل خدم. فطوبى لكل الأنظمة بأمثالنا!

وفي عالم ممتلئ بالخبائث والعبودية والجور، أليست مُطالبتنا الشباب بالناي، وأن يصيروا مُسالمين مُطيعين؛ مشاركة منا في استعباد شعوبنا واضطهادها؟!

إنَّهم لا يُحدِّثون الشَّابّ عمَّا ينبغي أن يكون عليه الإسلام، بل يُحدِّثونه عمَّا كان عليه آنفاً.

ويبدو لي أحياناً أنَّه ينبغي إضرام النَّار في هذا التَّاريخ المجيد كلّه، إذا صار مِلاذاً للحسرة والاقتيات على الذكريات. وقد يكون من الأوفق هدم كلّ تلك النُّصُب التِّذكارية البديعة، إن كان ذلك شرطاً لكي نُدرِك أخيراً أنَّنا لا نستطيع الحياة في الماضي، وأنَّه يجب علينا أن نعمل شيئاً بأيدينا نحن أيضاً.

إنَّه لمن التَّناقض أن تُعرَض لنا تربية الخُضُوع وعَدَم الاعتراض المُميتة هذه باسم القرآن الكريم، الذي ذكر الجهاد والدَّفع في خمسين موضعاً على الأقل. وبلا حرج، يُمكن لنا القول إنَّ القُرآن الكريم قد حَرَّم الخُضُوع.

وعوضاً عن الخُضُوع لكثرة مِن العُظماء والسَّلاطين الزَّائفين؛ أقرّ القُرآن لوناً واحداً من الخُضُوع، وهو الخُضُوع لله وحده. وقد رسَّخ القُرآن الكريم -بهذا الخُضُوع الفذّ لله وحده- حُرِّيَّة الإنسان، وتحرّره مِن كافَّة ألوان الخوف والخُضُوع الأخرى.

وأنهم لكي يُربوا المسلمين، عليهم أن يُربوا رجالاً أكمل وأتم، ويحدثوهم عن العزة أكثر مما يحدثونهم عن الطاعة، وعن الشجاعة أكثر مما يذكرون الخضوع، وعن العدل أكثر مما يُعرجون على الشفقة.

ولنتذكَّر دوماً أنَّ تقدُّم الإسلام -مثله مثل أيّ تقدُّم آخر – لن يتحقَّق على أيدي المُسالمين الخاضعين، وإنَّما بأيدي الشُّجعان الثَّائرين.

نحو الثَّورة الإسلامية

مُعضِلَة

نبدأ هذا المقال، انطلاقًا من الأمر الذي نتفقُ عليه جميعًا، وهو ضرورة تغيير الأوضاع في العالم الإسلامي.

إن ثمَّة نوعان فحسب من البشر، قادران على إنفاذ التغيير: المسلمون والشيوعيون.

إن الإسلام والشيوعية وكلاهما ثورة على هذا العالم يتضمنان الهدم والبناء.

وإن كانت الشيوعية قد فُرِضَ عليها الحظر، فإنَّ الإسلام قد أُخضِعَ – في كلِّ مكانٍ – لحظرٍ مُزدوجٍ غريبٍ؛ فلا يُسمح بالتَّهجُّم عليه، ولا يجوز في الوقت نفسه الدَّعوة إليه والمُطالبة بتطبيقه في الواقع الاجتماعي والسِّياسي.

لأنَّ كلا الفِعْلَين يؤدِّي إلى صحوة حقيقية! (المراجع)

الثَّورة باسم الله

فإذا كانت الثورة تعني العدالة والإخاء، والمساواة والحرية؛ فإنها محال بغير إله.

تحققها يستحيل بغير الله.

ومن المؤكد يقيناً أن عصيان منع الزكاة، الذي وقع في بدايات التاريخ الإسلامي، وأخمده أبو بكر ﷺ بالسلاح؛ لم يكن عصيان فقراء، بل تمرداً للأغنياء؛ رافضين إيتاء [الزكاة]، التي كانت إجراءً ثورياً لصالح الفقراء؛ فانتفض سيف ثورة الدين -ممثلًا في الإسلام- ضدهم.

وكان مبعث حضرة نبينا محمد ﷺ ، استجابة للوضع الأخلاقي السيء في المجتمع العربي – والعالم أجمع – آنذاك.

بل إننا إن أردنا الحكم على الثورة الفرنسية، من خلال إحدى شخصياتها البارزة (ماكسيميليان روبسبير) ؛ فلا يمكننا الزعم بأنها كانت إلحادية، وإن كانت ثورة ضد رجال الكنيسة.

ملامح البرنامج والعمل

صحيح أن كل الدول الإسلامية قد حققت الاستقلال، ولكن ذلك الاستقلال ظل شكليًّا في أحوال كثيرة، واستمرت التبعية الاقتصادية، بل أسوأ من ذلك، التبعية الروحية للغرب.

وثمة معضلة خاصة، تتمثل في الغرباء المحليين من طبقة المثقفين، الذين فقدوا كل صلة بالشعب.

سمَّاهُم صاحب الظِّلال بـ الإنكليز السُّمْر ! (المراجع)

وفي أغلب البلدان المسلمة، فقدت المؤسسات الإسلامية -وكبار مسؤوليها- كافة صور الاستقلال في أداء مهامها، ولم يعد هؤلاء مدافعين عن الأفكار والمصالح الإسلامية؛ بل صاروا موظفين لدى الأنظمة الحاكمة. إنَّهم يتحدَّثون عن الإسلام فقط بالقَدْر الذي يُحقِّق رغبات السُّلطة السِّياسية، إذ يكونون عادةً في خدمة تِلْك السُّلطة؛ فهم في إحدى الدّول يُدافعون عن النِّظام الملكي الإقطاعي، وفي أخرى تكتب الحكومة الخُطَب [الدِّينية]، وتُروِّج فيها -بطبيعة الحال- لما يُناسبها، ويدافع رجال الدِّين في ثالثة عن الإجراءات الحُكُومِيَّة المُخالفة للإسلام صراحةً، ويسكتون في رابعة على تمجيد الماضي الجاهلي… إلخ.

كذلك، تتنافى الحياة الخاصة لأغلب حكام الدول المسلمة -جهرًا- مع الإسلام، ولا يملك رجال الدين الجرأة على رفع أصواتهم ضد ذلك؛ فوظيفتهم هي الدعاء للحاكم في الاحتفالات الرسمية بدوام الصحة. إن حياة العالم الإسلامي اليوم تُذكرنا بحياة الشعب اليهودي عند مبعث عيسى عليه السَّلام﵇. إذ كان الاهتمام مُنصَبًا على الجانب الشكلي من الدين، مع تغييب تام لروحه، وكانت الشؤون الدينية بأيدي رجال لا فكر لهم ولا اهتمام [بحدوهم]، [بل وقعت مقاليد تلك الشؤون] في بعض الدول بأيدي منافقين معروفين [بالنفاق]، أو حتى بأيدي بعض المرتدين.

وإذا ضيّقنا زاوية النظر، واقتصرنا على مراقبة الجبهة الإسلامية؛ لوجدنا أنها أضعف بكثير مما ينبغي، قياسًا إلى عدد مؤيدي الإسلام. وتتسم هذه الجبهة بالتشظي التام في الفكر والعمل، وبوجود عشرات البرامج المختلفة بل والمتعارضة فيما بينها، وكلها تعمل للإسلام.

وفي التَّصوُّر العامّ، فإنَّ الحُكُومات الحالية للدّول المُسلمة هي حُكُومات مُصطنعة؛ تعمل ضِدّ النِّظام الإسلامي، الذي يُمثِّل النِّظام الطَّبيعي للمُجتمعات المُسلمة. أزيلوا تِلْك السُّلطة وتِلْك الأنظمة المُصطنعة؛ فيقومُ النِّظام الإسلامي في يومٍ وليلةٍ.

إن الشعب ببساطة يُريد الإسلام والدولة الإسلامية والنظام الإسلامي.

إن إسرائيل ولدت من هذا الخلاف، ثم تتالت فصول ذلك الوضع في صورة تسميم العقول والقلوب، وبث البغضاء بين المسلمين في حرب صليبية لم تتوقف أبدًا، وإنما غيَّرت شكلها ووسائلها.

إنَّ تربية الأجيال الشَّابَّة تربية قائمة على المسؤولية الدِّينية والأخلاقية، وتثبيت دعائم الأسرة، والقضاء على الخُمُور والمُخدّرات والبغاء، يَضْمَنُ القُوَّة الأخلاقية التي تُحَقِّقُ التَّوازُن في مُواجهة الغرب الغني ماديّاً والمُنْحَلّ أخلاقياً. ثُمَّ تأتي بعد ذلك المرحلة الثانية، المُتمثِّلة في تحقيق التَّطوُّر التِّقني الذي سيجعل هذا التَّوازُن ثابتاً قوياً.

لقد أراد الله (ويقول الأعداء: صدفة!) أن يوجد في الشرق الأدنى والأوسط ٦٠٪ من احتياطيات النفط العالمية. إن هذه الحقيقة الرئيسة، يمكنها، مع عملنا المشترك؛ أن تصنع العجائب، وتغير مجرى تاريخ العالم تغييراً لا مثيل له.

إنَّ الثَّروة والفِكْر يصنعان نهضة، والثَّروة دون فِكْر تعني الهلاك.

ولكن ما الذي يعنيه الخيار الإسلامي – عمليًّا – في هذا الزمان والمكان؟!

– النضال ضد الغزو الأجنبي – السياسي والفكري والروحي – في سبيل استقلال الدول المسلمة، الشكلي والعملي؛

– دعم برامج التعليم وتطوير الصناعة والإصلاح الزراعي في كل مكان، وتأميم الموارد الطبيعية الكبيرة، دونما خنق للملكيّة الخاصة؛

– النضال في سبيل وضع إسلامي جديد للمرأة

– تنفيذ أسلمة المدارس ووسائل الإعلام؛

– دعم برامج العدالة الاجتماعية وتدابيرها في كل مكان،

– محاربة المشروبات الكحولية والإباحية والدعارة، والفهم المغلوط للحرية؛

– النضال في سبيل كل ما يُسهم في تعزيز الشعور بوحدة الشعوب الإسلامية،

إن كانت الاشتراكية ضلالاً محضاً؛ فلا يُمكن أن يكون الإسلام حقّاً مُطلقاً.

كَيْفَ نَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟

أولًا؛ يجب الأخذ بعين الاعتبار أن القرآن الكريم كلٌّ لا يتجزأ،

والقرآن [في مجموعه] فقط هو الذي يمثل الحقيقة الكاملة.

فإن أعظم مزيَّة يمتاز بها القرآن والإسلام، وأرفعها؛ هي التجانس التام بين الأمرين اللذين يبدوان للوهلة الأولى متناقضين.

والذين يُصِرُّون دومًا على إنزال العقوبة فحسب – ولو بالعدل – لن يكونوا مسلمين لأنهم لم يعفوا. وكذلك المُصِرُّون على العفو دومًا، فلا يردعون الشر بالعقوبة؛ هم أيضًا ليسوا بمسلمين. إن المسلمين هُم وحدهم الذين يعرفون المعيار الحقيقي [للاستعمالين] الأول والثاني.

والقاعدة الثانية لقراءة القرآن؛ يمكن أن تكون: داوموا على تكرار قراءة القرآن،

وهذه هي طريقة اكتشاف ما يُمكن تسميته بتعدد طبقات القرآن الكريم؛ فكل قراءة جديدة تكشف من القرآن الكريم شيئًا جديدًا. إن القرآن الكريم يبقى هو نفسه بطبيعة الحال، لكن شيئًا يتغيّر: القارئ هو الذي تغيّر، أو تغيَّرت الظروف الشخصية المحيطة به، أو العالم الذي يعيش فيه.

﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾. فإن الله -إذن- كان قبل النجوم، وهو وحده الذي سيبقى بعدها. إنه الحقيقة الوحيدة والواقع الوحيد.

﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ غير المسلمين يكادون يُجمعون على أن هذه العبارة القرآنية -عن التسامح الديني- هي الآية الأسمى بين دفتيه.

وعندما نتناول قراءة القرآن الكريم، يجدر بنا التطرق إلى لون خاص من ألوان قراءة القرآن الكريم، وهو ما نسميه: التلاوة، أو الاستماع إلى تلاوة النص العربي الأصلي. ويرى بعضهم أن هذا اللون من القراءة لا يتميز بقيمة خاصة، نظرًا لأن معظمنا لا يفهم ما يُتلى. وأراني مُلزَمًا بالقول إني لا أؤيد هذا الرأي،

وبعد هذه المشاعر، لم أكن لأجرؤ على التشكيك في قيمة التلاوة، أو الاستماع الجماعي إلى تلاوة القرآن الكريم باللغة العربية؛ لأن جميع المسلمين الصادقين يستوعبون القرآن، بشكل أو بآخر.

سيجد كل إنسان في القرآن [عَطِيَّة] بقدر قيمته هو نفسه.

تَأَمُّلَاتٌ فِي الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ

لقد كان الإسلام في مكَّة المُكرَّمة مُجرَّد حركة روحية، وتبلور بالهجرة ليُمسِي جماعة مُسلمة؛ ليتطوَّر منها إلى بداية تكوين المُجتمع والنِّظام والدَّولة.

فإذا أردتم لقاء سر هذا الدين ووجهه، والغوص في أعماق الإيمان به؛ فاستمعوا إلى بعض السور المكية. ولكن، إن أردتم التعرف على الإسلام بوصفه مجموعة من التشريعات ونظامًا؛ فلن تصلوا إلى مرامكم دون السور المدنية.

لقد حولوا قلب الوثنية [وعاصمة] الخرافة إلى مركز عالمي للإيمان الحقيقي بالله. لقد كانوا أقوياء روحيًا وضعفاء ماديًا، عندما خرجوا من مكة تحت ضغط المشركين. وعندما عادوا إلى مكة، كانوا أقوياء روحيًا وماديًا.

إن المسلمين يغادرون، لا ليفروا مثل الوحوش المطاردة، وإنما ليستعيدوا. إنهم يغادرون لكي يعودوا، وتلك فقط هي الهجرة الحقيقية.

من كان هؤلاء الرجال الذين أطاعوا أمر رسول الله؛ فتركوا ديارهم قاصدين وطنًا جديدًا، ليس لأنفسهم في المقام الأول وإنما لدينهم؟! وماذا كانت حقيقة هؤلاء؟! ولم يختلفون عنا كل هذا الاختلاف؟! وخصوصًا: من نكون نحن مقارنة بهم؟!

إنهم فعلوا كما نفعل؛ نطقوا بالشهادتين: أشهد ألا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله . ونحن ننطقهما، ولكنهم كانوا يؤمنون بهما، وقد برهنوا على هذا الإيمان [عمليًا] بحياتهم وتضحيتهم، وبهجرتهم وكل ما جاء بعدها.

لقد كانوا يموتون في سبيل الدين، بل وأكثر من ذلك؛ كانوا يعيشون في سبيله.

ليس ثَمَّة تفسير إلا واحدًا: إن الله تعالى، اللطيف القادر؛ أراد تمحيص المُخْلِصِين من غير المُخْلِصِين، و[اسْتِخْلَاص] الصادقين من غير الصادقين، والمؤمنين الحقيقيين من المترددين.

كان الناس قد فسدوا هم ومؤسساتهم بالكامل، وصار من الضروري أن يجوب المحراث الحديدي [أَرْكَانَ هذا] العالم؛ ليُزيل كل ما تَعَفَّنَ وفَسَدَ، حتى يَصِيرَ بالإمكان بَذْرُ بذور حضارة جديدة.

لقد كانت [تلك الفئة] تطوي في قلبها الإيمان بالله، وكَمَّنَتْ كل قوتها في هذا الإيمان؛ نعم؛ فيه وحده!

هل سأجاهد في سبيل الإسلام، أم سأنشغل بنفسي وحدها؟!

هل سأعمل لصالح الإسلام، أم لمصلحتي الشخصية، وهل سأكابد لأجل أولادي وحدهم أم لأجل أطفال العالم جميعًا؟!

الرسول ﷺ

وُلد نبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّم في عائلة عريقة لكنها فقيرة؛

وتكاد لا تجد مسلمًا لم يستمع إلى تلك القصص المؤثرة عن الوفاة المبكرة لأمه السيدة آمنة -المرأة الحانية الكريمة- وعن حياة حضرة اليتيم الصغير، وعن حب جده عبد المطلب له، ثم عن عمه أبي طالب الذي نشأ في كنفه وترعرع تحت حمايته.

لم يولد النبي ﷺ في عائلة فقيرة، بل وُلد في أسرة تمتلك مكانة مرموقة في قريش، وإن لم تكن من أغنى أغنياء مكّة. النبي ﷺ وُلد في بني هاشم، من سادة قريش. كانت قريش قبيلة ذات نفوذ اقتصادي وسياسي، وبنو هاشم تحديداً كانوا أصحاب شرف السقاية والرفادة للحجاج، وهو منصب مرموق يتطلب قدرة مالية وسمعة قوية.

يقول ابن كثير في السيرة النبوية : وكان بنو هاشم من أرفع بطون قريش منزلة، وأعلاهم قدراً، ليسوا ملوكاً ولا من أهل الثروة العظيمة، ولكنهم أهل شرف وسؤدد. (السيرة النبوية، ابن كثير، ج 1، ص 171 تقريباً)

ويقول ابن هشام: وبنو هاشم كانوا أهل الشرف في قومهم، يقومون على خدمة البيت والحجيج. (سيرة ابن هشام، ج 1)

هل كانوا أغنياء؟ ليسوا من أصحاب الغنى الفاحش كأمثال بني أمية أو بعض بطون قريش التجارية الكبرى، ولكنهم لم يكونوا فقراء. كان عند عبد المطلب شيء من المال والجاه والعبيد، وكان رجلاً مطاعاً في مكة، وله مكانة محترمة.

لكن لماذا يظنّ البعض أنه وُلد فقيراً؟ السبب أن النبي ﷺ فاقِدُ الأب عند الولادة، ثم أمّه ماتت مبكراً، ثم جده عبد المطلب، فانتقل صغيراً إلى كفالة عمّه أبي طالب، الذي كان ذا مالٍ قليل. إذن الفقر جاء بعد الولادة، بسبب اليتْم، وليس لأنه وُلد في عائلة فقيرة.

قال النووي في شرح صحيح مسلم: كان أبو طالب قليل المال، فلذلك كان النبي ﷺ يساعد في رَعْي الغنم، وهذا من أثر اليُتم، لا من فقر بني هاشم. (شرح النووي على مسلم، باب فضل رعي الغنم)

الخلاصة الموثقة:

عائلة النبي ﷺ ليست فقيرة، بل ذات شرف ووجاهة في قريش.

لم يكن لديهم ثراء ضخم، لكن كان عندهم ما يكفي للسقاية والرفادة وخدمة البيت.

الفقر لم يلحق بالنبي ﷺ إلا بسبب اليُتم المبكّر، لا بسبب أصل العائلة.

ونحن نشهده في مناسبات شتى؛ زوجا سعيدًا مرحًا للسيدة خديجة ﵂، ومُتَحَنِّثًا زاهدًا، استغرقه التفكر في غار حراء، وتاجرا معروفاً يقود القوافل إلى الشام البعيدة، ومحاربا شجاعًا في غزوة أحد، ثم دبلوماسياً بارعًا في مفاوضات الحديبية، ورجلا رحيما رءوفاً يبكي فوق قبر صاحبه، ونشهده فوق ذلك كله مؤمنا صلبًا بعيد النظر؛ يبعث رُسُله إلى الأركان الأربعة من العالم المعروف آنذاك، لأنه يؤمن إيماناً راسخًا بعالمية رسالته.

ولعل أحداث هذه الغزوة العصيبة، التي أوشك جيش المسلمين أن يُمنى فيها بالهزيمة، وجُرح حضرته ﷺ ؛ كانت درسًا في أن سُنَنَ اللَّهِ لا تتبدل، وأن هذه السنن لا تُحابي أحدًا، وأنها تنطبق حتى على المسلمين، وأنه يجب عليهم أن يعملوا ويجاهدوا -بحكمة وفطنة- إن أرادوا النجاح.

فعندما اشتد عوده ﷺ، بادر إلى البحث عن عمل نافع. لم يكن يملك مالاً، ولا كان بمقدور جده مساعدته [مالياً]. لذلك، قرر أن يرعى غنم عمه وإبله، ويخرج بها إلى المراعي.

عمل النبي ﷺ في رعي الغنم كان مرتبطًا بظروف اليُتم وقِلّة المال عند من كفلوه، لا بفقرٍ أصيلٍ في عائلته الهاشمية. بمعنى آخر: عمله في الرعي لم يكن لأن بني هاشم فقراء، بل لأن النبي كان يتيمًا، واليتيم لا يجد من يعوله كما يُعَال الأولاد عند وجود الأب.

1) طبيعة رعي الغنم عند العرب ليست دليل فقر

هذه نقطة مركزية. النبي ﷺ قال: ما من نبي إلا ورعى الغنم. رواه البخاري (3406).

هذا الحديث يضع رعي الغنم في موضع التربية الإلهية والتمرين النفسي، لا كعلامة على الفقر. كثير من الأنبياء كانوا رعاة غنم وليسوا فقراء: إبراهيم، موسى، داود عليهم السلام.

2) لماذا رعى النبي ﷺ الغنم إذن؟

النص الصريح عند العلماء: الإمام النووي في شرح صحيح مسلم يقول عند الحديث عن رعي الغنم: كان ﷺ يرعى على أهل مكة بقراريط لهم، وكان أبو طالب قليل المال. المصدر: شرح النووي على مسلم، كتاب الفضائل، باب فضل رعي الغنم. إذن النووي يربط السبب بـ قِلّة مال أبي طالب لا بفقر بني هاشم كعائلة.

وأكد ذلك ابن حجر في فتح الباري : إنما اشتغل بالرعي لِقلة ما في يد عمه أبي طالب، فاحتاج أن يعمل ليساعده. المصدر: فتح الباري لابن حجر، شرح حديث رعي الغنم، كتاب الإجارة.

3) ماذا عن عبد المطلب وجدّ النبي؟

عبد المطلب لم يكن فقيرًا، لكنه لم يعش طويلًا مع النبي ﷺ؛ فقد مات والنبي في نحو الثامنة. بعد موته، انتقلت كفالة النبي إلى عمّه أبي طالب، وهو ليس معدمًا لكنه كان ذا عيال كثير ومال قليل. وهذا ما جعل النبي ﷺ يعمل في الرعي ليخفف العبء.

4) هل كان عمله بسبب الحاجة؟

نعم، العلماء صرّحوا بذلك.

يقول القاضي عياض في الشفا : وكان رعيه ﷺ للغنم لمّا كان مُستضعفًا في يتمه، فيحتاج إلى العمل.

ويقول ابن كثير في السيرة: وكان أبو طالب محتاجًا، فكان محمد ﷺ يعينه في رعي الغنم.

5) خلاصة علمية موثقة

رعي الغنم سُنّة الأنبياء، وله بعد تربوي.

عائلة النبي الأصلية ليست فقيرة، لكن النبي كان يتيمًا بلا أب ولا أم منذ صغيره.

الكفيل (أبو طالب) كان قليل المال، فعمل النبي ﷺ ليخفف عنه.

العلماء نصّوا بوضوح على أن رعي النبي كان بسبب اليُتم وقِلّة المال عند العمّ وليس بسبب فقر عائلة بني هاشم.

ظلّ في أعماقه ذلك الإنسان الراعي الفقير، الذي كان يرعى القطعان في وديان مكة؛ فكان بيته من أشد البيوت تواضعاً، وأكثر طعامه خبز الشعير وحفنة من تمر. وكان يرفع ثوبه ويخصف نعله بيديه، وفي الوقت نفسه يُدير أمور الدولة.

لقد تنزّل الحلُّ الأهم والحاسم -في لحظة واحدة- على جبل حراء، وهو أن الإنسان ليس وحيداً، وأن الله موجود، وأنه هو الحاكم فوق الكون. وقد كان كل ما تنزّل بعدها تفصيلاً لهذه الحقيقة الأساسية، وزيادة فيها؛ إذ تُعَدُّ هي الأهم، لأنها مرتبطة بعلاقة الله بالإنسان.

معلوم أيضاً أنه ﷺ، بعد هذا اللقاء الأول مع أمين الوحي؛ عاد إلى زوجه المخلصة خديجة رضي الله عنها في حالة من القلق والانفعال الشديد، وباح لها بسره؛ فآزرته وثبتته، وصارت أول من آمن به، وأول إنسان مُسلم. لذا، حَقَّ للنساء أن يَفْخَرْنَ بهذه الحقيقة، ويستنبطن منها لأنفسهن المزايا في حياتهن.

قَالَتْ عَائِشَةُ: فَغِرْتُ يَوْمًا، فَقُلْتُ: مَا أَكْثَرَ مَا تَذْكُرُهَا حَمْرَاءَ الشَّدَقِ، قَدْ أَبْدَلَكَ اللهُ بِهَا خَيْرًا مِنْهَا؛ قَالَ ﷺ: مَا أَبْدَلَنِي اللهُ عزَّ وجلَّ خَيْرًا مِنْهَا؛ قَدْ آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِيَ النَّاسُ، وَصَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِيَ النَّاسُ، وَوَاسَتْنِي بِمَالِهَا إِذْ حَرَمَنِيَ النَّاسُ، وَرَزَقَنِيَ اللهُ عزَّ وجلَّ وَلَدَهَا إِذْ حَرَمَنِي أَوْلَادَ النِّسَاءِ .

أخرجه البخاري ومسلم وأحمد (واللفظ للآخر)، من حديث أم المؤمنين عائشة. (المراجع)

ولم تنس الأمة فضل تلك المرأة العظيمة؛ فكرّمتها ﷺ وسمتها: أم المؤمنين .

التَّسمية إلهية وليست بشرية: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: 6]

كان هذا الدين الجديد- بكل ما يحمله- يعني التغيير الشامل، لا في المعتقدات والتقاليد فحسب؛ بل كان يعني تغييراً جذرياً في العلاقات الأسرية والاجتماعية.

اعتناق الإسلام كان يعني ولادة العرب، والإخراج من الظلمات إلى النور، والولوج إلى التاريخ.

إن التخلي عن الإسلام يعني الردة إلى الظلمات، والإهباط من فوق مسرح التاريخ.

الإسلام وكفاح الشعوب الإسلامية: في سبيل التَّحرُّر الوطني والاجتماعي

شمول الإسلام، أي استهدافه لأن يصير فلسفة الإنسان الشخصية، ومبدأ بناء المجتمع، وبإيجاز؛ أن يمسي حياة كاملة.

وثمة ثلاثة جوانب لهذا النضال:

سياسي (لأجل التحرر)، وثقافي (لأجل الهوية)، واجتماعي (لأجل بناء المجتمع الإسلامي).

فمع انتهاء الحرب العالمية الثانية، لم يكن ثمة دول إسلامية مستقلة على خارطة العالم، سوى أربع دول؛ هي: تركيا وأفغانستان والسعودية واليمن. واليوم (۱۹۸۱م)، ثمة أكثر من أربعين دولة. هذا التحول التاريخي الكبير، الذي يعد من أهم النتائج السياسية خلال القرن العشرين؛ ليس أكثر من نتيجة ظاهرية (أو نهائية) لما يمكن تسميته بـ حصار أوروبا للعالم الإسلامي .

المسلمون كانوا هم وحدهم القوى الصامدة [في وجه أوروبا]، وكان الإسلام هو الفكرة الملهمة.

فيتعيّن على الشعوب المسلمة النضال مُجدَّداً، لكنه هذه المرة نضال في سبيل الهوية المُهدَّدة، وضد الأجانب من أبنائها.

كان مصطفى كمال يتوقع نشوب هذا الصراع، لذا؛ لجأ إلى تطبيق تجربة غريبة، محاولاً استبدال الدماغ في الجسد القومي. وبقرار واحد منه، أمر بتغيير حروف الكتابة (وهي حالة غير مسبوقة في العالم المتحضر)، وتنفيذ عدة إصلاحات أخرى موازية. وبذلك، أحرق مصطفى كمال – عمليًّا – كل الكتب وجميع المكتبات في تركيا، وكل كلمة كتبت قبل ذلك الحين، ومعها الماضي بأسره؛ فأصيبت تركيا بنوع من أنواع فقدان الذاكرة القومية.

ولماذا لا تتغلَّب الشعوب المسلمة على حالة الانفصال هذه؟!

ثمة سببان أساسيان. الأول؛ أن القوى الكولونيالية عندما أُجبرت على تسليم السلطة، آثرت تسليمها لتلاميذها الروحيين؛ المثقفين المتغربين. والثاني، وهو أهم بكثير؛ يكمن في النظام التعليمي الموروث عن هؤلاء الأسياد،

لقد تبيَّن أن المعاهد الأمريكية والفرنسية والإنكليزية المختلفة، والمنتشرة في عواصم العالم الإسلامي،؛ هذه الهدايا العملاقة لم تكن سوى أحصنة طروادة!

فالنخبة المتغربة الحاكمة، تُعيد إنتاج نفسها باستمرار عبر نظام التعليم القائم،

يتم خلق حلقة مفرغة؛ فلكي يتمكن الناس من رؤية المشكلة عليهم التعلم، فإذا تعلموا؛ لم يعد بإمكانهم رؤية المشكلة، أو لا يعودون يرونها على حقيقتها.

وهذا الوضع هو السبب في أن الحركات الإسلامية، تضع على رأس أولوياتها التغيير الجذري لنظم التعليم المشهودة، وذلك بوصفه شرطًا لإنجاح نضالها في سبيل الهوية المهددة للشعوب المسلمة.

وعلى سبيل المثال، فثمة نظامان تعليميان متوازيان في إندونيسيا منذ بداية القرن العشرين؛ أحدهما إسلامي شعبي أصيل، تقف وراءه حركتان إسلاميتان جماهيريتان -هما الاتحاد الإسلامي و الجمعية المحمدية – والآخر غربي موروث عن الهولنديين، تدعمه الحكومة.

إن الحركات الإسلامية تعتمد على الشعب، أما العلمانيون (المتَربِّعون في السلطة عادة) فيعتمدون على الجيش؛ لذا كانت قوتهم هي قوة الجيش، وقوة الجيش كبيرة لكنها مؤقتة.

وإذا كان صحيحًا أن الانتصار النهائي هو من نصيب الشعب؛ فسوف ينتصر الإسلام في هذا العالم.

ولا شك في أن المكانة الرئيسة بين تلك المبادئ، مُخصّصة للتكليف الذي يُلزم أثرياء المجتمع بالعناية بالفقراء والضعفاء.

أما الملكية؛ فثمة طرفا نقيض لا يُسمح بهما: الملكية الفردية المطلقة بمفهومها في القانون الروماني (الحق في الاستخدام وفي إساءة الاستخدام)، والملكية المشتركة المطلقة. أما الأولى، فقد نهى عنها النص القرآني نهياً صريحاً، بينما نهي عن الثانية بالمنع الضمني شديد الوضوح. وإن أضفنا إلى ذلك، التحريم القطعي للفائدة [أي الربا]؛ فسنحصل على هيكل من القواعد الثابتة، والفضفاضة؛

إن الإسلام دين، وهو بذلك يَنْطَلِقُ في كل شيءٍ من الله ؛ أي من الضمير.

الحمد لله رب العالمين

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

اكتشاف المزيد من مدونة التاعب

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading