القائمة إغلاق

خُلاصة كتاب: تعريف عام بدين الإسلام، تأليف الشيخ علي طنطاوي

بسم الله الرحمن الرحيم

خُلاصة كتاب:

تعريف عام بدين الإسلام

تأليف الشيخ / علي طنطاوي

تحميل الخُلاصة: [DOC] [PDF]

فهرس المواضيع:

قصة هذا الكتاب.. 2

بين يدي الكتاب.. 2

دين الإسلام. 4

تعريفات.. 6

قواعد العقائد. 7

الإيمان بالله.. 9

وجود الله.. 10

اللهُ ربُّ العالمين.. 11

اللَّهُ مَالِكُ الكَونِ. 11

الإلٰه المعبود 11

توحيد الألوهية. 12

مظاهر الإيمان. 16

الإيمان باليوم الآخر. 21

الإِيمَانُ بِالقَدَرِ. 24

الإيمان بالغيب.. 26

الإيمان بالملائكة والجنّ. 28

الإيمان بالرُّسُل. 30

الإيمان بالكُتُب.. 33

خاتمة. 35

 

قصة هذا الكتاب

فكنت أول من جمع في دمشق بين أسلوبي الدراسة. وكان العلماء يومئذ بين شيخ لا يعرف من علوم الدنيا الحديثة شيئًا و أفندي لا يفقه من علوم الدين شيئًا، إلا شيئًا قليلًا لا يغني ولا يجزي.

فتنبهت مبكرًا إلى ضرورة عرض الإسلام بأسلوب عصري،

الكلام على ضرورة التدين، قلت ما نصه: “هل يمكن للإنسان أن يعيش بلا دين؟ الجواب قطعاً هو: لا،

جَعَلَ الطلاب يسألونني عن كتاب واحد يفهمون منه الإسلام،… بل كتاباً في الإسلام يعرضه كما كان رسول الله ﷺ يعرضه على من يفد إليه من العرب (أو الأعراب) فيفهمونه في يوم واحد أو في بعض يوم.

ومرت الأيام، ورأيت الطريق الذي كنت أسلكه وحدي أو مع نفر من أمثالي منذ خمسين سنة، طريق الجمع بين الإلمام بعلوم الدين والإلمام بعلوم الدنيا،

فما أؤلف هذا الكتاب للفقهاء والعلماء، بل للشبان أُعرّفهم فيه ما الإسلام،

فأنا والله في خجل من القراء، وعذري أن القلوب بيد الله، والله هو باعث الهمم ومنشئ العزائم، وقد -والله- ضعفت همتي ووهن العزم مني. ولقد كنتُ في شبابي في توثّب دائم، أكتب وألتمس الناشر، على قلة البضاعة وضحالة التفكير، والآن حين نضج الفكر واختمرت المعلومات وكثر الناشرون لم أعد أقوى على العمل. فإن ألهم الله واحداً من القراء ودعا لي بظهر الغيب أن يسهل الله عليَّ…

بين يدي الكتاب

اتباع الكثرة بلا بصر ولا دليل يُضِلُّ فاعله في أكثر الأحيان: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾.

الإنسان مخلوق متميز، فيه شيء من الملائكة وشيء من الشياطين وشيء من البهائم والوحوش،

هذه حقيقة الإنسان: فيه الاستعداد للخير والاستعداد للشر،

أعطاه الله الأمرين ومنحه العقل الذي يميز به بينهما والإرادة التي يستطيع بها أن يحقق أحدهما، فإن أحسن استعمال عقله في التمييز وأحسن استعمال إرادته في التنفيذ ونمى استعداده للخير حتى تخلق به وأنجزه كان في الآخرة من السعداء، وإن كانت الأخرى كان من المعذبين.

لأن الحرية المطلقة للمجانين. المجنون يفعل كل ما يخطر على باله، يمشي في الطريق عارياً،

المجنون هو الحرّ الحُرِّيَّةً المُطلقة، وأما العاقل فإن عقله يقيد حريته.

وما العقل؟ إنه قيد. إن لفظه مشتق من الأصل الذي اشتق منه العِقَال ، أي الحبل الذي يُقَيَّدُ به الجمل. والحكمة قريبة المعنى، من حِكْمَةِ الدابة وهي كذلك قيد.

ولكن الإنسان حين يفكر ويستعمل عقله يجد أن هذه الحرية المؤقتة لا تساوي ما بعدها من سجن في جهنم طويل، وهذه اللذة المحرمة لا تعدل ما بعدها من العذاب.

إن سعة هذه الدنيا بالنسبة لضيق بطن الأم كسعة البرزخ بالنسبة لهذه الدنيا وسعة الآخرة بالنسبة للبرزخ.

وليس معنى هذا أن الإسلام يطلب من المسلم أن يزهد في الدنيا مرة واحدة وينفض أصابعه منها،

بل إن الإسلام يطلب من المسلمين أن يكونوا في الحضارة الخيرة سادة المتحضرين،

يجمع المال ولكن مع الحلال، ويستمتع بالطيبات المباحة، ويكون في الدنيا على أحسن ما يكون عليها أهلها، بشرط أن يبقى صحيح التوحيد، لا يداخل إيمانه شرك ظاهر أو خفي، صحيح الإسلام، يدع المحرمات ويأتي الفرائض، وأن يكون المال في يده لا في قلبه، لا يكون اعتماده عليه بل يكون اعتماده على ربه، وأن يكون رضا الله هو مقصده ومبتغاه.

دين الإسلام

قلت مرة لطلابي: لو جاءكم رجل أجنبي فقال لكم أن لديه ساعة من الزمن يريد أن يفهم فيها ما الإسلام، فكيف تُفهمونه الإسلام في ساعة؟

قلت: سبحان الله! أما كان الأعرابي يقدم على رسول الله ﷺ فيلبث عنده يوماً أو بعض يوم فيعرف الإسلام، ثم يحمله إلى قومه فيكون لهم مرشداً ومعلماً ويكون للإسلام داعياً ومبلغاً؟

فما الإسلام؟ وكيف يكون الدخول فيه؟

فالعضوية في الجمعية هي علم بنظامها، و اعتقاد بمبادئها، و إطاعة لأحكامها، و سلوك في الحياة موافق لها.

هذا وضع عام ينطبق على الإسلام، فمن أراد أن يدخل في دين الإسلام عليه أولاً أن يقبل أسسه العقلية وأن يصدق بها تصديقاً جازماً حتى تكون له عقيدة. وهذه الأسس تتلخص في أن يعتقد أن هذا العالم المادي ليس كل شيء وأن هذه الحياة الدنيا ليست هي الحياة كلها.

ولم توجده هذه الجمادات من حوله لأنه عاقل ولا عقل لها، بل أوجده وأوجد هذه العوالم كلها من العدم إله واحد، هو وحده الذي يحيي ويميت، وهو الذي خلق كل شيء، وإن شاء أفناه وذهب به. وهذا الإله لا يشبه شيئاً مما في العوالم،

هو الذي وضع نواميس الكون التي نسميها قوانين الطبيعة ، وجعل كل شيء فيها بمقدار،

ومنح الإنسان عقلاً يحكم به على كثير من الأمور التي جعلها خاضعة لتصرفه، وأعطاه عقلاً يختار به ما يريد، وإرادة يحقق بها ما يختار، وجعل بعد هذه الحياة المؤقتة حياة دائمة في الآخرة فيها يُكافأ المحسن في الجنة ويُعاقب المسيء في جهنم.

وهذا الإله واحد أحد، لا شريك له يُعبد معه ولا وسيط يتقرب إليه ويشفع عنده بلا إذنه، فالعبادة له وحده خالصة، بكل مظاهرها.

له مخلوقات مادية ظاهرة لنا تُدرَكُ بالحواس، ومخلوقات مغيَّبةٌ عنا، بعضها جماد وبعضها حي مُكلَّفٌ، ومن الأحياء ما هو خالص للخير المحض، وهم الملائكة، ومنها ما هو مخصوص بالشر المحض، وهم الشياطين (وهم من الجن)، وما هو مختلط، منه الخير والشرير والصالح والطالح، وهم الإنس والجن.

وأنه يختار ناساً من البشر ينزل عليهم الملك بالشرع الإلهي ليبلغوه البشر، وهؤلاء هم الرسل. وأن هذه الشرائع تتضمنها كتب وصحائف أنزلت من السماء، ينسخ المتأخر منها ما تقدمه أو يعدله، وأن آخر هذه الكتب هو القرآن، وقد حُرّفت الكتب والصحف قبله أو ضاعت ونسيت وبقي هو سالماً من التحريف والضياع. وأن آخر هؤلاء الرسل والأنبياء هو محمد بن عبد الله العربي القرشي، خُتمت به الرسالات وبدينه الأديان، فلا نبي بعده.

فالقرآن هو دستور الإسلام، فمن صدق بأنه من عند الله وآمن به جملة وتفصيلاً سُمِّيَ مؤمناً،

لذلك وجب عليه -ليعدَّه المسلمون واحداً منهم- أن يعلن هذا الإيمان بالنطق بالشهادتين، وهما: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله .

فإذا نطق بهما صار مسلماً، أي مواطناً أصيلاً في دولة الإسلام، وتمتع بجميع الحقوق التي يتمتع بها المسلم، وقَبِلَ بالقيام بجميع الأعمال التي يكلفه بها الإسلام.

هذه هي الصلوات المفروضة، لا يستغرق أداؤها كلها نصف ساعة في اليوم، لا يُشترط لها مكان لا تؤدّى إلا فيه ولا شخص معين (أي رجل دين) لا تصح إلا معه، ولا واسطة فيها (ولا في العبادات كلها) بين المسلم وربه.

الثاني: أنَّ في السنة شهراً معيناً يقدم فيه المسلم فطوره فيجعله في آخر الليل بدلاً من أن يكون في أول النهار، ويؤخر غداءه إلى ما بعد غروب الشمس، ويمتنع في النهار عن الطعام والشراب ومعاشرة النساء،

الثالث: أنه إذا فضل عن نفقات نفسه ونفقات عياله مقدار من المال محدود، بقي سنة كاملة لا يحتاج إليه لأنه في غنى عنه، كُلِّفَ أن يُخرج منه بعد انقضاء السنة مبلغ اثنين ونصف في المئة للفقراء والمحتاجين،

الرابع. إنّ الإسلام رتب للمجتمع الإسلامي اجتماعات دورية:

واجتماع لمجالس الأحياء يُعقد مرة في الأسبوع هو صلاة الجمعة، ومدة انعقاده أقل من ساعة وحضوره واجب على الرجال.

ومن العبادات أن يمتنع عن أفعال معينة، أفعال يجمع عقلاء الدنيا على أنها شر وأن الواجب الامتناع عنها،

ومنها (بل من أشدها) عقوق الوالدين والحلف كاذبًا وشهادة الزور، وأمثال ذلك من الأعمال القبيحة الشريرة التي تجتمع العقول على إدراك قبحها وشرها.

وإذا قصر المسلم في القيام ببعض الواجبات أو ارتكب بعض الممنوعات ثم رجع وتاب وطلب العفو من الله فإن الله يعفو عنه، وإن لم يتب فإنه يبقى مسلماً معدوداً في المسلمين ولكنه يكون عاصياً يستحق العقاب في الآخرة، ولكن عقابه مؤقت لا يدوم دوام عقاب الكافر.

أما إذا أنكر بعض المبادئ (أي العقائد الأصلية) أو شك فيها أو جحد واجباً مجمعاً على وجوبه أو حراماً مجمعاً على حرمته أو أنكر ولو كلمة واحدة من القرآن فإنه يخرج من الدين ويعتبر مرتداً (تُنزع عنه الجنسية الإسلامية). والردة أكبر جريمة في الإسلام، فهي كالخيانة العظمى في القوانين الحديثة، جزاؤها – إن لم يرجع عنها ويتنصل منها – الموت.

وقد يكون المسلم غير مؤمن، كمن انتسب إلى حزب أو جمعية وحضر اجتماعاتها ودفع اشتراكاتها وقام بواجب العضو فيها، ولكنه لم يقبل بمبادئها ولم يقتنع بصحتها، بل دخل فيها للتجسس عليها أو إفساد أمرها. وهذا هو المنافق

كل ذلك من قوله ﷺ في تعريف الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك .

تعريفات

أعرض إلى توضيح بعض المصطلحات التي يكثر دورانها على ألسنة العلماء وورودها في كتب العقائد، وهي الشك و الظن و العلم ، لأصل منها إلى تعريف العقيدة .

تساوي الطرفان فلا دليل يرجّح الوجود ولا دليل يرجّح العدم. وهذا هو الشك .

وهذا الرجحان الخفيف لإمكان الوجود هو ما يسمونه الظن .

فصار لـ نعم سبعون أو خمس وسبعون في المئة، وكان هذا ما يسميه علماؤنا غلبة الظن ،

فإن أنت ذهبت إلى الطائف فرأيت المطر بعينك وأحسست به على وجهك أيقنت بنزوله، وعلماؤنا يسمون هذا اليقين علمًا .

و العلم الذي يجيء بمعنى اليقين، ويقابل الشك والظن، وهو الذي نقصده في هذا البحث.

العلم الذي يحصل بالحس والمشاهدة لا يحتاج إلى دليل.

وهذا ما يسمى العلم الضروري .

وهذا ما يسمى بالعلم النظري، وهو الذي لا يحصل إلا بالدليل العقلي.

ومن العلم النظري ما يحتاج في الأصل إلى دليل ولا يُدْرَكُ بمجرد الحس والمشاهدة، ولكنه يعم ويشتهر حتى يدركه العالم والجاهل والكبير والصغير، وحتى يصير أقرب إلى العلم الضروري . مثاله: العلم بأن الجزء أصغر من الكل .

فالبديهيات هي الحقائق العقلية التي يقبلها الناس جميعاً ولا يطلب أحد عليها دليلاً،

المعنى الذي يُراد كلما ورد ذكر الإيمان ومشتقاته في الكتاب والسنة وعلى ألسنة العلماء، فهو: “الاعتقاد بالله رباً واحداً. ومالكاً مختاراً متصرفاً. وإلهاً مفرداً بالعبادة، لا يُشرك معه غيره في كل ما هو من جنس العبادة. والاعتقاد بكل ما أوحى به إلى نبيه، من خبر الملائكة والرسل واليوم الآخر والقدر خيره وشره”.

قواعد العقائد

القاعدة الأولى: ما أدركه بحواسي لا أشك في أنه موجود

فالحواس إذن تخطئ وتخدع وتتوهم، أو يتوهم صاحبها، فهل أشك – لهذا – في وجود ما أحس به؟ لا،

ولكنْ أُضيفَ شرطًا آخر لحصول العلم (أي اليقين) بوجود ما أحسّه، هو أن يحكم العقل بالتجربة السابقة أن الذي أحسّ ليس وهمًا أو خداع حواس.

والأمور التي تخطئ فيها الحواس أو تُخْدَعُ أُمور محدودة معدودة معروفة لا تُبْطِلُ القاعدة ولا تؤثر فيها،

القاعدة الثانية: إن اليقين كما يحصل بالحس والمشاهدة يحصل بالخبر الذي نعتقد صدق صاحبه.

ونوقن بأن الإسكندر المقدوني فتح بلاد فارس والوليد بن عبد الملك بنى الجامع الأموي، ولم نحضر حروب الإسكندر ولا شهدنا بناء الجامع الأموي.

أيقن به حين نقله جماعات لا يُتَصَوَّرُ إمكان اتفاقهم في العادة على اختراع هذه الأخبار ونقلها كذباً.

ففي الوجود أشياء كثيرة لا تدخل في نطاق الحواس لأنها ليست لوناً يُرى ولا صوتاً يُسمع ولا جماداً يُلمس ولا رائحة تُشم ولا طعماً يُذاق، فهل يحق لي أن أنكرها لأن حواسي المحدودة لا تدركها؟

الحسّ العضلي، الحِسّ الدَّاخلي، حاسَّة التَّوازُن،

فالقاعدة الثالثة هي أنه لا يحق لنا أن ننكر وجود أشياء لمجرد أننا لا ندركها بحواسنا.

فالخيال يُكمِّل الحواس.

الخيال عند علماء النفس خيالان: خيال مُرجَّع ، كتخيلي الدار في دمشق وأنا في مكة، و خيال مُبدع ، هو خيال الشعراء والقصاصين والرسامين وسائر أهل الفنون،

إن الآخرة بالنسبة لهذه الدنيا كالدنيا بالنسبة لبطن الجنين،

ومن هنا قال ابن عباس: ما في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء . فلا خمر الآخرة كخمرة الدنيا، ولا حورها كنسائها، ولا نار جهنم كنارها، ولا الصراط الممدود على جهنم كالجسور الممدودة على الأودية والأنهار.

فالقاعدة الرابعة: أن الخيال البشري لا يستطيع أن يُلِمَّ إلَّا بما أدركته الحواس.

فالعقل لا يحكم إلا في حدود الزمان والمكان، فما كان خارجًا عنهما من مسائل الروح وأمور القدر وصفات الله فلا حكم للعقل عليه.

ثم إن العقل محدود، لا يحكم على غير المحدود ولا يستطيع أن يحيط به.

سُمِّيَ غير المؤمن كافِراً ، ومعنى الكافر في لسان العرب السَّاتِر .

دوركايم، أستاذ الاجتماع الفرنسي المشهور، له كتاب في أن الإيمان بوجود إله بديهية. لا يمكن أن يعيش الإنسان ويموت من غير أن يفكر في وجود إله لهذا الكون، ولكن ربما قصر عقله فلم يهتد إلى المعبود بحق فعبد من دونه أشياء، عبدها على توهم أنها هي الله أو أنها تقرب إلى الله. فإذا جَدَّ الجد وكانت ساعة الخطر رجع إلى الله وحده ونبذ هذه المعبودات.

لأنَّ الإيمان غريزة، وأصدق تعريف للإنسان أنَّه حيوانٌ مُتديِّن .

المحب يطيع محبوبه وينفذ كل رغبة له، وكذلك يكون المؤمن مع الله. والمحب لا يبالي أن يسخط عليه الناس كلهم إن رضي المحبوب، وكذلك يكون المؤمن مع الله. والمحب يخاف المحبوب ويخشى غضبه ويرضى بكل ما يكون منه، وكذلك المؤمن مع الله.

ومثل ذلك قولنا: “الله سميع بصير” و”فلان سميع بصير”، أي: ليس أصم ولا أعمى، ولكن سمع الله وبصره لا يشبه سمع العبد ولا بصره لأن الله لا يماثل شيئاً من المخلوقات ولا يماثله شيء، وجميع آيات الصفات جاءت من هذا الباب.

القاعدة السابعة: هي أن الإنسان يدرك بالحدس أن هذا العالم المادي ليس كل شيء وأن وراءه عالماً روحياً مجهولاً يدرك منه لمحات تدل عليه.

القاعدة الثامنة: الاعتقاد بوجود الحياة الآخرة نتيجة لازمة للاعتقاد بوجود الله.

الإيمان بالله

الإيمان بالله يتضمن أربع قضايا، هي أن الله موجود بلا موجد، وأنه رب العالمين، وأنه مالك الكون المتصرف فيه، وأنه الإله المعبود وحده لا يُعبد معه غيره.

وجود الله

القول بقدم العالم (كما كان يقول فلاسفة اليونان) مستحيل وأن العلم كشف أن لكل شيء عمراً، أي أن له بداية تنفي كونه قديماً.

نبهنا الله في القرآن بكلمة واحدة على أن الدليل فينا وفي أنفسنا،

قال تعالى: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾؟

هذه حقيقة الحقائق، ولكن لماذا نجد أكثر الناس لا ينتبهون إليها؟ الجواب: لأنهم لا يفكرون في أنفسهم، ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾.

سل هذا الكافر الملحد إن لقيته وقل له: هل خلقت أنت نفسك بإرادتك وعقلك؟

فهل خُلِقَ من العدم بلا فاعل ولا خالق؟ هذا مستحيل.

ديكارت لما جرب مذهب الشك الذي اشتهر به وشك في كل شيء وصل إلى نفسه، فهل يستطيع أن يشك فيها لأنه هو الذي يشك ولا بد في الشك من شاك؟ لذلك قال كلمته المشهورة أنا أفكر فأنا موجود ، موجود لا شك في وجوده، فمن أوجده؟ هل أوجدته هذه الكائنات المادية التي كانت من قبله: الجبال والبحار والشمس والكواكب؟ إنها جمادات لا عقل لها وهو عاقل، فهل يمنح العقل من ليس بعاقل؟ هل يعطي الشيء فاقده؟

هذا الدليل هو الذي عرض له القرآن في جملة واحدة هي معجزة من معجزات البيان الرباني، ضربة قاضية على من يخضع للعقل ويحترم التفكير من الملحدين: هي قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾؟

وكبرنا بعد وسألنا: ما الطبيعة؟ إن كلمة الطبيعة في اللغة على وزن فعيلة ، وهي بمعنى مفعولة ، فإن كانت مطبوعة فمن طبعها؟ قالوا: الطبيعة هي المصادفة، قانون الاحتمالات.

اللهُ ربُّ العالمين

وهي أن تعتقد أن الله وحده هو الذي أوجد هذه العوالم كلها، عالم الحيوان وعالم النبات وعالم الأفلاك، العوالم الظاهرة لنا والمغيبة عنا، أوجدها من العدم ووضع لها هذه النواميس العجيبة التي لم نكشف إلى الآن في الكيمياء والفيزياء والطب والفلك إلا الأقل الأقل منها. ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾،

هذه العوالم كلها هو ربها، هو الذي أوجدها، وهو يحفظها، وهو الذي يحولها من حال إلى حال، وهو الذي جعل في كل ذرة منها ما يدل العاقل عليه ويرشده إليه.

إن ذلك وحده لا يكفي، لأن أكثر الأمم القديمة كانت تقول به، كفار قريش الذين بعث محمد ﷺ لإنكار شركهم وتسفيه عقائدهم وكلف بحربهم كانوا إذا سئلوا عنه اعترفوا به ولم ينكروه. بل إن إبليس (وهو شر الخلق) ما أنكر أن الله ربه، تنبهت إلى هذا من قوله: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ وقوله: ﴿رَبِّ فَأَنظِرْنِي﴾، فهو مقر بأن الله ربه!

اللَّهُ مَالِكُ الكَونِ

والقضية الثالثة: أن الله هو مالك الكون يتصرف فيه تصرف المالك الحر بملكه. يحيي ويميت، هل تقدر أن تدفع عن نفسك الموت وتمنحها في الدنيا الخلود؟

الإلٰه المعبود

لذلك يقرّ أكثر الناس بأنه هو مالك الملك المتصرف بالكون، ولكن هل يكفي هذا ليكون مؤمناً؟

لا، بل لا بد من القضية الرابعة، وهي أنه وحده الإله المعبود. إذا اعترفت بأن الله موجود وأنه رب العالمين وأنه مالك الملك فلا تعبد معه غيره

وقد أراني الله معنى لسورة الناس فيه رد على من يقر بوجود الله وبربوبيته وملكه ولكنه لا يوحد الألوهية، معنى لم أجد من المفسرين من ذكره وأرجو أن يكون صواباً.

يقول الله عز وجل: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَٰهِ النَّاسِ﴾. فلماذا كرر لفظ الناس وعمد إلى الإظهار بدلاً من الإضمار، فلم يقل مثلاً: رب الناس وملكهم وإلههم؟ الذي ظهر لي: كأن ربنا (والله أعلم) يقول لهم: هذه ثلاث قضايا متماثلة متكاملة، كل قضية مستقلة بنفسها مع ارتباطها بأختها، فهو رب الناس أي خالقهم وحافظهم، وهو ملك الناس أي مالكهم المتصرف فيهم، وهو إله الناس أي المستحق وحده لعبادتهم ولا يجوز أن يكون له شريك فيها. ومقتضى ذلك أن تصدقوا بالقضايا الثلاث أو أن تنكروا القضايا الثلاث، فما بالكم تصدقون بالأولى والثانية وترفضون الثالثة؟

توحيد الألوهية

الإيمان بأن الله رب العالمين وأنه مالك الكون عمل من أعمال القلب، عقيدة يعتقدها الإنسان، أما الإيمان بأنه الإله فلا يقتصر على الاعتقاد، بل يتعداه إلى السلوك والعمل وإلى القيام بالعبادة وإفراد الله بها، فإن استنكف عن عبادته أو عبد معه غيره لم يكن مؤمناً ولو صدق واعتقد أن الله هو رب العالمين ومالك الكون.

فما هي العبادة؟ أول ما يتبادر إلى الذهن أن العبادة هي الذكر والصلاة والصيام وتلاوة القرآن وأمثال ذلك مما يتقرب إلى الله، وهذا حق، ولكن العبادة لا تقتصر على هذا، بل إن كل عمل نافع لم يمنعه الشرع يعمله المؤمن ابتغاء ثواب الله يكون عبادة.

فَالْعِبَادَةُ يَتَّسِعُ مَعْنَاهَا حَتَّى يَشْمَلُ كُلَّ أَعْمَالِ الْإِنْسَانِ النَّافِعَةِ وَيُحِيطُ بِهَا كُلَّهَا، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الْمَعْنَى الْمَقْصُودُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾.

والعبادة لها روح ولها جسد، فروحها العقيدة التي دفعت إليها والغاية التي عَمِلَتْ من أجلها، وجسدها عمل الجوارح، من لفظ اللسان وحركات الجسم.

والله قد فطر الإنسان على جلب النفع، فهو يتخذ لجلبه كل وسيلة، وفطره على كُرْه الضر، فهو يستعمل لدفعه عنه كل حيلة ويستعين على ذلك بكل طاقة ممكنة. وهذه الاستعانة منها ما يجوزه الدين ومنها ما يمنعه ويراه منافياً للإيمان، فما هي الاستعانة المشروعة وما هي الاستعانة الممنوعة؟

إذا مرض ولدك فدعوت الطبيب ففحص عن المرض ووصف له الدواء كانت هذه استعانة مشروعة، لأنك استعنت على الشفاء بالقانون الطبيعي الذي وضعه خالق الكون وبالرجل العالم بهذا القانون، ولكن إن دعوت دجالاً أو ساحراً ليعمل على شفائه بلا علم ولا قانون، بل بقوى غيبية يزعم الاتصال بها لم يثبت وجودها بالعلم الحسي ولا بالدليل السمعي كانت استعانة ممنوعة. وإن جئت قبر الطبيب بعد موته فدعوته وهو لا يقدر أن يفحص المريض وأن يصف الدواء كانت استعانة ممنوعة. وإن عجز العلم ولم ينفع الدواء فتوسلت إلى الشفاء بالدعاء أو بالصدقة أو طلبت من رجل صالح أن يدعو لك كانت هذه استعانة مشروعة، وإن وقفت على قبر الرجل الصالح فاستعنت به وهو لا يملك تحريك لسانه بالدعاء لك ولا يقدر من عند نفسه على شفاء مريضك كانت هذه استعانة ممنوعة.

ولما كان الله قد جعل للنفع الأخروي سبباً، وهذا السبب هو عمل الواجب، وجعل للضرر الأخروي سبباً، وهذا السبب هو فعل الحرام، كان التحريم والتحليل الذي يترتب عليه الثواب والعقاب لله وحده،

ومن أعطى حق التحليل والتحريم لغير الله يكون قد عبده من دونه أو شاركه معه في عبادته.

حب الله والخشية منه هما من أسس التوحيد وهما روح العبادة.

إِنَّ حُبَّ اللَّهِ بِطَاعَتِهِ وَإِيثَارِ مَرْضَاتِهِ عَلَى شَهَوَاتِ النَّفْسِ وَوَسَاوِسِ الشَّيْطَانِ، وَاتِّبَاعِ رَسُولِهِ ﷺ فِيمَا جَاءَ بِهِ: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾، فَالِاتِّبَاعُ هُوَ مِقْيَاسُ الْحُبِّ. وَخَوْفِهِ بِاجْتِنَابِ مُحَرَّمَاتِهِ وَإِيثَارِ لَذَّةِ الثَّوَابِ فِي الْآخِرَةِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ فِي الدُّنْيَا.

فنحن نقول “فلان عليم” و “فلان بصير” ونقول أن الله عليم بصير، ولكن الكيفية التي يعلم بها العبد ويبصر ليست هي التي يعلم بها ربنا ويبصر، وعلم العبد وبصره ليس كعلم الله وبصره.

هذا كله متفق عليه بين العلماء، فهم جميعاً مقرون بأن آيات الصفات هي كلام الله، فإذا قال الله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ لم يستطع أحد أن يقول: ما استوى. وهم جميعاً معترفون بأن المعنى القاموسي البشري لكلمة استوى ليس هو المراد من قوله ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾.

آيات وردت على سبيل الإخبار من الله، كقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾. فنحن لا نقول أنه ما استوى، فنكون قد نفينا ما أثبته الله، ولا نقول أنه استوى على العرش كما يستوي القاعد على الكرسي، فنكون قد شبهنا الخالق بالمخلوق،

آيات وردت على الأسلوب المعروف عند علماء البلاغة بالمشاكلة.

والآيات الواردة على هذا الأسلوب كثيرة، كقوله تعالى ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾. فكلمة نسوا جاءت على المعنى القاموسي للنسيان، وهو غياب المعلومات عن الذاكرة، ولكن كلمة فنسيهم جاءت مشاكلة لها ولا يراد منها ذلك المعنى، لأن الله لا ينسى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾.

الصحيح عند أهل السنة: اللفظان كلاهما على معنى يليق بالمخلوق وبالخالق دون تحريف. لا نحتاج إلى القول إن الأول حقيقي والثاني مجازي لمجرد التشابه اللفظي.

قال ابن كثير في تفسير الآية: نسوا الله أي: تركوا أمره، فتركهم من رحمته (تفسير ابن كثير 4/203).

وقال الطبري: نسيهم: تركهم في العذاب (جامع البيان).

فالمعنى في الطرفين: نسيان = ترك وإعراض.

آيات دلت على المراد منها آيات أخرى، كقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾. تدل على المراد منها آية ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾، ويُفهم منها أن بسط اليد يراد به الكرم والجود، ولا يستلزم ذلك (بل يستحيل) أن يكون لله تعالى يدان كأيدي الناس والحيوان، تعالى الله عن ذلك.

بيَّن الله في القرآن أن فيه آيات محكمات واضحة المعنى صريحة اللفظ، وآيات وردت مُتشابهات، وهي التي لا يَضِحُ المعنى المراد منها تماماً، بل تكثر أفهام الناس لها وتتشابه تفسيراتها حتى يتعسر أو يتعذر معرفة المراد منها، وآيات الصفات منها.

قول الإمام مالك المشهور: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة وهذا النص وحده كافٍ في هدم مقولة: “آيات الصفات من المتشابه الذي لا يُفهم”، لأن: لو كان الاستواء متشابهًا من حيث المعنى لما قال “معلوم”.

المسلمون الأولون، وهم سلف هذه الأمة وخيرها وأفضلها، لم يتكلموا فيها، ولم يقولوا أنها حقيقة ولم يقولوا أنها مجاز، ولم يخوضوا في شرحها، بل آمنوا بها كما جاءت من عند الله على مراد الله.

أولًا: قوله المسلمون الأولون لم يتكلموا فيها هذا غير صحيح بإطلاق. السلف تكلموا في آيات الصفات من حيث المعنى: فسّروا وبيّنوا وردّوا على أهل البدع لكنهم لم يتكلموا في الكيفية. الطبري، وابن خزيمة، والدارمي، وأحمد، وغيرهم: فسروا الاستواء وفسروا السمع والبصر واحتجوا بآيات الصفات على أهل التعطيل فلو كانوا لم يتكلموا فيها مطلقًا: لما وُجد تفسير ولا ردّ ولا احتجاج. الصحيح: لم يتكلموا في الكيف، لا أنهم سكتوا عن المعنى.

وهو موضع نزاع بين العلماء طويل. والحق أن هذه الآيات نزلت من عند الله، من أنكر شيئاً منها كفر، وأنَّ من عَطَّلَهَا تماماً فجعلها لفظاً بلا معنى كفر، ومن فهمها بالمعنى البشري وطبقه على الله فجعل الخالق كالمخلوق كفر. والمسلك خطر والمفازة مهلكة، والنجاة منها باجتناب الخوض فيها واتباع سنن السلف والوقوف عند حد النص، وهذا ما أدين الله به وما أعتقده.

ومن أعظم مظاهر العبادة الدعاء، وهو في اللغة النداء، والشرع لا يمنع أن تدعو (أي تنادي) إنساناً حياً يسمع صوتك ليعينك بعلمه أو قوته على جلب النفع لك، وليس هذا هو الدعاء الذي نتكلم عنه، بل الدعاء الذي نقصده هنا والذي هو مخ العبادة هو طلب جلب النفع ودفع الضرر بلا سبب مادي ظاهر، وهذا الذي لا يوجه إلا لله وحده، رأساً بلا واسطة،

فالمؤمن يتخذ الأسباب ثم يطلب المسبب من الله، وما لا يعرف الناس له سبباً يطلبه من الله وحده،

المقصد الصحيح للعبادة: أن يكون الباعث عليها والمقصود بها رضا الله، فلا نعملها للمال ولا للجاه ولا لنيل إعجاب الناس، ولا نتخذها سلماً إلى متع الدنيا ولا نريد بها الشهرة بالصلاح. وهذا المقصد الصحيح يسمى الإخلاص ، وما يداخله من المقاصد الأخرى يدعى الرياء ، والذي يحدد المقصد من العمل هو النية.

وَقَدْ يَكُونُ الْعَمَلُ صَالِحاً فِي ذَاتِهِ، وَلَكِنْ لَمْ يَصِحَّ الْمَقْصَدُ مِنْهُ وَلَمْ تُسْلَمِ النِّيَّةُ وَلَمْ تَكُنْ خَالِصَةً لِلَّهِ، فَيَتَحَوَّلُ صَلَاحُهُ إِلَى فَسَادٍ وَحُسْنُهُ إِلَى قُبْح.

والنيات هي التي تفرق بين العادة والعبادة.

ولما كان الله قد أعطانا العقول وأمرنا بالنظر في أسرار الوجود وفي سننه العجيبة وقوانينه التي أوجدها فيه، وكان علينا امتثال أمر الله، كان درس العلوم الطبيعية واكتشاف أسرار الوجود عبادة، بشرط ألا تقف عند معرفة القانون بل تفكر في الإله العظيم الذي أوجده، فتزداد بهذا الفكر إيمانًا بالله وإخلاصًا في عبادته.

وشرط آخر: هو أن تستعمل هذه الأسرار فيما ينفع الناس ويرضي الله، لا فيما يضرهم ويؤذيهم ويسبب في الأرض الفساد.

لأنَّ مَنْ يدقق في أقوال الفِرَق المختلفة يجدها كلها مبنية على أساس واحد، هو قياس الخالق على المخلوقين وتطبيق منطق العقل البشري وأحوال النفس الإنسانية على الله. وذلك باطل لأن الخالق لا يشبه المخلوق ولأن الله ليس كمثله شيء.

فبدلاً من أن نبحث بحثاً غير منتج في القرآن: هل هو مخلوق أم غير مخلوق؟ نقول: إن القرآن أنزله الله لنعمل به، فلنعمل به ولنأتمر بأمره ولنقف عند نهيه.

إن الله لا يسألنا يوم القيامة عن شيء مما بنى عليه المتكلمون جدالهم وأقاموا عليه مختلف مذاهبهم وملؤوا به كتبهم، ولو كان ذلك من شروط الإيمان لبحث فيه رسول الله ﷺ وأصحابه. فلنتركه كله، فإنه أثر من آثار الفلسفة اليونانية القديمة التي دالت دولتها وبطلت أكثر نظرياتها ووهت أدلتها،

مظاهر الإيمان

فالإيمان لا ينفك عن العمل لأن العمل نتيجة له وثمرة من ثمراته، وهو مظهره الذي يظهر به للناس.

ولذلك قرن الله الإيمان بالعمل الصالح: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ. أُوْلَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا

الجمهور نظر إليه مقروناً بالعمل الصالح فرأوه يزيد بازدياده، وهذا هو الحق الذي وردت به النصوص القاطعة؛ قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾، ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾، ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾.

والعلماء من أهل السنة متفقون على أن مجرد ارتكاب المحرم من غير إنكار لحرمته، وترك الواجب من غير إنكار لوجوبه ولا استخفاف به، يعرض صاحبه لعذاب الآخرة، لكنه لا يكفر صاحبه ولا يخلده في النار.

ومَا وَرَدَ في الحديث من أن الزاني لا يزني حين يزني وهو مؤمِنٌ معناه أنه لا يكون ساعةَ الزنا ذاكراً أنَّ اللهَ مُطَّلعٌ عليه، ولو ذكر ذلك لمنعه منه حياؤه من الله.

وما أمر الله بشيء في القرآن ما أمر بالذكر ولا أثنى على أحد ما أثنى على الذاكرين.

واذكر بلسانك، فإن أفضل الذكر ذكر اللسان مع حضور القلب، فإن كان الفكر غائباً لا يعي ما يقول اللسان كان ذكره كلاماً بلا معنى،

وأما ما يسمى في أيامنا بحفلات الذكر (وكان يعرف عند علمائنا بالرقص لما فيه من القيام والركوع والانحناء والاستواء بحركات موزونة ونغمات معروفة) ولا يُنطق فيه بتهليل ولا تحميد بل بأصوات مبهمة مثل آه و أح ، ففي حاشية ابن عابدين (وهي عمدة المذهب الحنفي) أنه حرام،

فإن ملأ قلبه الخوف وحده يكون قد يئس من رحمة الله: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾. وإن ملأ قلبه الرجاء وحده يكون قد أمن مكر الله: ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾.

فالمؤمن ينبغي أن يكون بين الخوف والرجاء، إذا وقف في الصلاة فقال ﴿الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾ استشعر الرجاء، وإن قال ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ أحس الخوف.

قال الله تعالى: ﴿إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾. فما هو التوكل؟ وما حقيقته؟

بل الذي يدعو إليه العقل ويأمر به الشرع هو أن يتخذ المرء الأسباب كلها ثم يسأل الله تحقيق النتائج.

هذا هو التوكل الحقيقي، ليس التوكل في إهمال الأسباب وتعطيل سنن الله في الكون، ولا في نسيان أن الله هو النافع الضار وابتغاء النفع حقيقة من سواه.

فإذا كنت لا تستطيع أن تحصي نعم الله عليك، أفلا تشكره عليها؟ تشكر الله بلسانك بحمده والثناء عليه فتقول: الحمد لله، ربّ لك الحمد ، وتشكر الله بعملك فتفيض من هذه النعم على من حُرم منها، وشكر الغني أن يعطي الفقير، وشكر القوي أن يساعد الضعيف، وشكر صاحب السلطان أن يقيم الحق ويسير بالعدل،

والمسلم بين نعمتين، إن أصابه خير فشكر كان له أجر، وإن مسَّه ضر فصبر كان له أجر، فلا يعدل أجر الغني الشاكر أو يزيد عليه إلا أجر الفقير الصابر: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ

وهذه الحياة الدنيا ليست دار نعيم وليست تخلو من المكدّرات،

هذا هو النوع الأول من الصبر، الصبر على المصائب.

والثالث: الصبر على الطاعات.

وصار القابض على دينه كالقابض على الجمر، وصار المتدين فيه معرضاً لسخرية الناس وإيذاء الحكام ونقص المرتب والإخراج من الديار،

فالإسلام هو مظهر الإيمان، والإسلام في اللغة هو التسليم: أسْلَم و سَلَّم بمعنى واحد.

أما المؤمن فيستسلم لحكم ربه استسلاماً مطلقاً، يطيع له كل أمر ولو لم يعرف الحكمة منه ووجه المنفعة فيه، ويدع كل ما ينهى عنه ولو لم يدرك سر نهيه عنه. وهذا الاستسلام له جانبان: جانب عملي هو الامتثال بالقول والعمل،

وجانب نفسي هو … الرضا القلبي بحكم الشرع واطمئنان النفس إليه، وأن نعمل الواجب أو نترك الحرام عن اقتناع، ليس في قلوبنا تبرم به ولا سخط عليه، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾، وهذا هو الجانب العملي. ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، وهذا هو الجانب النفسي.

فلا يكفي مجرد الاحتكام إلى الرسول إذا لم يكن في قلوبنا اعتقاد صحة هذا الحكم والرضا به والاطمئنان إليه: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي يقولوها بألسنتهم مقرنين معترفين بقلوبهم.

ومن الناس من يسأل دائماً عن حكمة الشرع في كل أمر ونهي كأنهم لا يطيعون إلا إذا عرفوا الحكمة. وللشرع حكمة لا شك فيها، ولكنها قد تبدو لنا بالنص أو بالاستنباط وقد تخفى علينا، أفنعصي ربنا إذا لم تظهر حكمة شرعه لنا؟

ومن حقه تعالى علينا أن نطيع في المنشط والمكروه والموافق لنا والمخالف لرغبتنا،

ومن مظاهر الإيمان ودلائله أن يكون الحب في الله والبغض في الله، نحب المطيع التقي ولو لم يكن لنا منه نفع ونبغض الكافر الفاجر ولو لم ينلنا منه ضرر،

ذلك لأن أخوة الدين أقوى عند المؤمن من أخوة الدم وصلة العقيدة أوثق من صلة النسب.

ونفى أن تكون بين المؤمنين وبين المعاندين الذين يحاربون الدين مودة وتعايش سلمي مهما كانت قوة الصلات بين الفريقين، فقال: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾.

فالمؤمن من يحب إذا أحب للدين ويبغض إذا أبغض للدين، يذل لأخيه ولا يرى ذلك ذلاً ويؤثره على نفسه بالشيء ولو كانت به حاجة إليه،

هذه حال المؤمنين لما كانوا من المجاهدين، فلما تركنا الجهاد وخالفنا الشرع وصارت شدّتنا على أنفسنا ولينُنا أمام أعدائنا سلط الله علينا بذنوبنا من لا يخافه ولا يرحمنا، فملك بلادنا وتحكم فينا.

إن الله – من رحمته به – فتح له باب التوبة؛ قال له: إنك تستطيع أن تمحو من صحيفتك كل ذنب عملته فكأنه ما كان،

قال تعالى: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾.

لأن التوبة هي الرجوع الاختياري إلى الله،

وأول شروط التوبة الانقطاع عن الإساءة والعزم على أن لا يعود إليها.

إن للتوبة روحاً وجسداً، فروحها استشعار قبح المعصية وجسدها الامتناع عنها.

الذي ينحرف وهو لا يعرف له بعض العذر،

ولكن الذي يعرف الطريق وينحرف عنه عمدًا لا عذر له.

والشرط الثاني: أن يجعل الإحسان بدل الإساءة والإصلاح مكان الإفساد. أي أن يحقق التوبة بتبديل العمل وتعديل السلوك:

ومن الإصلاح أن يكون تركك الذنب حقيقياً وأن تعزم عزماً صادقاً على ألا تعود إليه، فإن عقدت على ذلك العزم الصادق ثم غلبتك النفس أو حملتك الظروف فعدت إليه ثم تُبْتَ قُبِلَتْ توبتك، ولو تكررت العودة وتعددت التوبة.

أما حقوق الناس: إن كنت ظلمت أحدًا، أو أكلت ماله، أو آذيته في جسده أو في عرضه، أو شهدت عليه زورًا، أو اغتبته أو وَشَيْتَ به، أو أشعت عنه قالة السوء… فلا بد في ذلك وأمثاله من أن تؤدي إليه حقه، أو ينزل لك عنه ويسامحك به، أو يرحمك الله فيرضيه عنك، وإلا لم تُقبَل توبتك وأخذ المظلوم يوم القيامة من حسناتك أو حمل عليك من سيئاته.

وباب التوبة مفتوح مهما كثرت الذنوب، فلا ييأس أحد من عفو الله فإن اليأس من عفو الله أكبر من كل ذنب: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا

والمذنبون على درجات: أما الذين ماتوا على كفرهم فلا أمل لهم في المغفرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾. والمشركون في الأصل أشد كفراً من أهل الكتاب ولكن الجميع في حكم هذه الآية سواء، فلا يقال لمن مات كافراً رحمه الله ولا غفر الله له ولا يقال له المرحوم أو المغفور له فلان .

وأما العصاة من المسلمين الذين ماتوا بلا توبة فأمرهم إلى الله، إن شاء غفر لهم: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾، وإن شاء عذبهم بالنار، لكنهم لا يخلدون فيها.

فمن أراد السلامة من الشر فليبتعد عنه وليقطع أسبابه، وليسدّ الطريق إليه ويهجر من الناس من يرغّبه فيه ويدعوه إليه، فإن الصاحب ساحب والمرء على مذهب خليله،

الإيمان باليوم الآخر

هذه هي الحياة الحقيقية،

والذي نراه نحن موتاً وخروجاً من هذه الدنيا هو في الحقيقة ولادة وانتقال إلى عالم أرحب، إلى عالم البرزخ، البرزخ بين الدنيا المادية الفانية والحياة الأخرى الباقية.

الإنسان مغروز فيه طول الأمل، فهو غريزة في نفسه، لذلك كان الموت أقرب شيء في حواسنا منا وأبعد شيء في أفكارنا عنا.

الإِنسان ينسى الموت، ولكنَّ المؤمن يذكره دائماً ويكون أبداً على استعداد لاستقباله، يستعد بالتوبة والاستغفار ورد الحقوق.

إن لملك الموت أعوانًا في قبض الروح، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ

الإيمان باليوم الآخر (يوم القيامة) هو الركن الثاني من أركان العقائد، ولا يكاد يُذْكَرُ الإيمان بالله في القرآن حتى يُقْرَنَ به الإيمان باليوم الآخر.

الذي يظهر من آيات الساعة في القرآن الكريم أن ابتداءها

يكون بزلزال هائل لا يشبه ما عرف الناس من الزلازل، يقع -والله أعلم- والحياة البشرية لا تزال مستمرة على الأرض والناس لا يزالون أحياء في الدنيا،

ومما يرجح القول بأن هذا الزلزال قبل القيامة قوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا﴾ فالإنسان باقٍ في الأرض يشهد الزلزال ويسأل عن أمره ويبحث أسبابه.

وفي القرآن نصوص صريحة تدل على أن كثيراً من السنن الكونية (التي سميناها اصطلاحاً قوانين الطبيعة ) تطرأ عليها تبديلات وتعديلات، فكأن استمرار هذه الحياة الدنيا، فإن انتهت مدتها انتهى أمد هذه القوانين. وكأن العالم الذي تشاهده بأرضه وكواكبه – على ما فيه من الإتقان العجيب – بناء مؤقت أقيم لغرض محدود ولمدة محدودة.

يبعث كل ميت على الحالة النفسية التي مات عليها، يظن أنه لم يمر عليه إلا ساعة أو ساعات،

لذلك علمنا الدين أن نسأل الله حسن الخاتمة.

وَيُتْرَكُونَ أَمَدًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمُدَّتِهِ يَمُوجُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ، ثُمَّ يُجْمَعُونَ فَيُسَاقُونَ إِلَى الْحَشْرِ، يُسَاقُونَ جَمِيعًا. الْبَشَرُ كُلُّهُمْ، مِنْ آدَمَ إِلَى آخِرِ وَاحِدٍ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ،

ولا بد من الوقوف للحساب، فيقام ميزان العدل المطلق الذي لا يضيع مثقال حبة من خردل ولا ذرة من غبار،

ولا يستطيع أحد أن ينفع أحداً أبداً، ولا تملك نفس لنفس شيئاً، ولا يجد أحدهم شفيعاً يشفع له إلا من بعد إذن ربه.

إذا كان يوم الحساب أحضر النبيون كما قال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ﴾. وكانت محاكمة كل أمة وفق شريعتها بحضور نبيها: ﴿وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا﴾، ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾.

تُنْشَرُ الصُّحفُ وتوزَّعُ، فيلقى كلُّ إنسان كتابه منشوراً ويقال له: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾. فمن كانت حسناته التي دونها مَلَكُ اليمين أكثر ناوله كتابه بيمينه بشارةً له بأنه سوف ﴿يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾،

ومن كانت سيئاته التي دونها ملك الشمال أكثر ناوله كتابه بشماله، فيبكي على نفسه ويوقن بهلاكه، ويقول: ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ، وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ، يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ، مَا أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ، ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾،

ويقرأ المجرمون كتبهم فيرون كل عمل عملوه مدونًا فيها ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾، فيقولون متعجبين: ﴿يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾؟ ووجدوا ما عملوا ﴿حَاضِرًا﴾. وأيقنوا أنهم ظلموا أنفسهم: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾،

ثم إذا وقف الكفار للحساب لجئوا إلى الإنكار وحلفوا كذباً على براءتهم،

فيمسك الله بألسنتهم ويمنعهم من أن ينطقوا، ويأمر أعضاءهم التي مارست الحرام فتقر بما صنعت، وتنطق اليد معترفة بما اجترحت من حرام والرجل بما مشت إليه من حرام: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.

اللهم عفوك وغفرانك، واستر علينا في الآخرة كما سترت علينا في الدنيا وأنت الغفار الستار.

الحساب أنواع، منه الحساب اليسير كحساب الذين أُعطوا كتابهم بأيمانهم، ومنه الحساب الشديد كحساب القرية التي عتت عن أمر ربها. ويخرج الناس بنتيجة الحساب وهم أصناف: السابقون المقربون، وأصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة.

ويمرون جميعاً على صراط من فوق جهنم، يسرعون باجتيازه بمقدار قربهم من الله واستكثارهم من الحسنات، فينجو منها المتقون ويسقط فيها الظالمون. قال تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾.

فإذا انتهى الحساب واجتاز المؤمن الصراط تحققت النجاة:

أما سعتها فإن عرضها عرض السماوات والأرض. ولا تعجبوا من هذا فإن الآخرة بالنسبة لهذه الدنيا بالنسبة لبطن الأم.

والجنة درجات،

اللهم برحمتك التي وسعت كل شيء وعفوك ومغفرتك، وأنت العفوُّ الغفور، أعذنا من عذاب النار وأدخلنا الجنة بسلام.

المتبادر إلى الأذهان أن جهنم كالنار التي نعرفها في الدنيا، لكنها أشد منها، حتى إنها لا تقاس من شدتها بها وإن ماثلتها في نوعها.

مع أن جهنم فيها شجر وفيها ماء وفيها ظل، وإن كان ظلها وماؤها وشجرها للتعذيب لا للنعيم. ونار الدنيا تحرق من يدخل فيها فيموت فيستريح من ألمها، وجهنم (نعوذ بالله منها) ألم دائم لأهلها:

إذا انتهى الحساب وحقت كلمة العذاب على الكفار يساقون إلى جهنم زمراً، فتغتاظ جهنم نفسها من كفرهم وإصرارهم وإعراضهم عن رسل ربهم،

فأقروا بأنهم كانوا صُمَّاً لا يسمعون وكانوا قد عطلوا عقولهم فلا يفكرون، وأنهم لو كانوا سمعوا المواعظ وفكروا في أنفسهم وفي الكون من حولهم لاستدلوا بذلك على الله فآمنوا به واتبعوا رسله وما وصلوا إلى جهنم: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ

ومن دخل النار من الكفار لا يخرج منها،

الذي يُفْهَمُ من الآيات أن الأعراف مكان بين الجنة والنار، يقوم فيه مدة من الزمان من قصرت به حسناته عن دخول الجنة ولم تبلغ سيئاته إدخاله النار، يرون منه الجنة ويأملون في دخولها ويخاطبون أهلها، ويرون النار ويعوذون بالله منها ويكلمون أصحابها، وبينهما (أي بين أهل الجنة وأهل النار) حجاب:

إنه لا ينزل مع الميت إذا مات صديق ولا رفيق ولا حليف ولا أليف ولا جند ولا أعوان، كلهم يتركه وينصرف عنه فينزل القبر وحده، ويُبعث من القبر وحده، ويقف للحساب وحده. هذه حقيقة مشاهدة في الدنيا، ولكن عَمِيَتِ الأبصار عن رؤيتها وعميت البصائر عن إدراكها.

فيا رَبِّ افتح أبصارنا حتى نرى الحقائق الدالة عليك، ونوِّرْ بصائرنا حتى نبصر الطريق الموصل إليك، وجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، وارزقنا رضاك والجنة، وأعذنا من غضبك والنار، يا عفو يا غفار.

الإِيمَانُ بِالقَدَرِ

القدر هو السنن التي سنها الله لهذا الكون والنظام الذي سلكه به والقوانين الطبيعية التي سيره عليها، وأن كل ما فيه قد خُلِقَ بمقادير معينة ونسب محددة، فما من موجود إلا وقُدِّرَ قبل إيجاده مقداره وعدد ذراته وكمية العناصر التي يتألف منها ونوعها وما يعرض له من امتزاج بغيره وانفصال عنه وما يناله من حركة وسكون، كل ذلك محدد منذ الأزل.

هذا معنى القدر بوجه عام، وهو يشمل كل موجود أوجهه الله، قدر الله مقاديره وأحواله وعلم ما سيكون له وما يكون منه.

لا بد من التفريق بين وضع الإنسان المشاهَد الملموس وبين صفات الله وأعماله، وهي مغيبة لا يستطيع العقل أن يحكم عليها ولا يصل إلى إدراكها ولا يعرف عنها إلا ما جاء بطريق الوحي.

والواقع أن الإنسان له حرية، له عقل يستطيع أن يحكم به على الأمور المادية ويميز به بين الخير والشر والصلاح والفساد، وله إرادة يستطيع أن يعمل بها الخير أو أن يعمل الشر.

فـالإنسان حر مخير في حدود الطاقة البشرية، وكونه مجبراً في بعض الحالات لا ينفي عنه صفة الحرية،

وكذلك الإنسان: تعترضه في الحياة عوارض تعطل إرادته، وعوائق تحول وجهته، وتؤثر فيه أمور لا يملك دفعها ولا إبدالها، ولكن ذلك لا ينفي أنه حر. فهو إنسان حر يتصرف ضمن الحدود الإنسانية وليس إلها ليصنع ما يشاء.

الثواب والعقاب منوط بالحرية: فإن لم تكن حريَّةٌ فلا عقاب. المُكرَهُ على فعل الشر لا يُعاقب عليه، والله إنما يؤاخذنا على ما نملك الخيار في فعله أو تركه.

فإذا كان التلميذ لا يحق له أن يطبق مقاييسه الناقصة على عدالة المعلم فكيف أطبق أنا مقاييسي البشرية للعدالة على الله؟ ألا يمكن أن يكون الفعل الذي أراه ظلماً هو عين العدل؟

ولكن إذا انتبه إلى قوله تعالى ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ وقوله ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ علم أن الهدى والضلال ليس إلزاماً من الله ولكنه تبع لحالة المرء، فإن كان متقياً كان القرآن هدى له، وإن كان فاسقاً كان له ضلالاً.

وخير لنا أن ننظر إلى أنفسنا وأن نحسن استعمال عقولنا ونعمل على توجيه إرادتنا إلى الخير، وندع المباحث المتعلقة بالله التي لم يتكلم فيها السلف ولا شغلوا أنفسهم بها.

لأن الحساب والعقاب يكون على العمل وعلى الدوافع إليه والبواعث عليه، وهذا الزاني لم يطلع على اللوح المحفوظ ويرَ أن الزنا مكتوب عليه كما يزعم ثم يذهب ليزني تنفيذاً لحكم القدر، وإنما تبع الشهوة وطلب اللذة العاجلة واستجاب لنداء الشيطان.

ولأن هذا المحتج بالقدر لو كان صادقًا لرضي بكل ما يقدر الله عليه، من فقر ومرض وجوع وفقْد حبيب وذهاب مال، والمشاهد أنه لا يرضى بذلك، وهو مُقدَّر عليه، ولا يسكن إليه، بل هو يعمل لجمع المال ودفع المرض وإذهاب الجوع، ويألم لفقد الحبيب وذهاب المال. فلماذا سخَّر قواه كلها واستعمل عواطفه لجلب لذة الدنيا ودرء الألم فيها، ولم يسخَّر عقله لقمع الشهوة ومنع النفس من الحرام الذي ترغب فيه وهو يعلم ما في عقبه من العذاب.

وطريق السلامة في عقيدة القدر وفي سائر العقائد أن نعود فيها إلى المنبع الأصلي: القرآن، وأن نتبع فيها ما كان عليه السلف من الصحابة والتابعين،

الإيمان بالغيب

الفضل في الإيمان بالغيب، في من يؤمن بما لا يراه ويصدّق بوجوده اعتمادًا على صدق الخبر به.

وهذا الإخبار لا يأتي من داخل النفس، بل من خارجها، … بطريق من الطرق الثلاثة:

الأول: أن يضع الله هذه الأخبار في الإنسان بإلهام أو بمنام، أو بنوع من التلقي الذي لا عمل فيه للإنسان ولا يستطيع الوصول إليه باجتهاد، فيحس بها ويعبر عنها.

الثاني: بأن يسمعها من غير أن يرى قائلها الحقيقي، فتصل إلى أذنه ويدركها ويعيها.

الثالث (وهو الأعم الأكثر): أن يرسل الله واحداً من مخلوقاته الخيرة المطيعة المغيبة عنا، التي تسمى الملائكة، إلى واحد من البشر يختاره الله ويصطفيه، فيبلغه رسالة الله ويأمره أن يبلغها الناس.

والغيب الذي هو ركن الإيمان والذي يكفر منكره ويخرج من ملة الإسلام هو ما جاء في القرآن، أما الغيب الذي ورد في السنة الصحيحة فلا يكفر منكره ويخرج من الملة، بل يفسق.

ما أبلغه الرسول ﷺ من الوحي وما نطق به من الحديث هما في الأصل في درجة واحدة من الحجية. فالقرآن وحي من الله بلفظه ومعناه، والحديث وحي من الله بالمعنى واللفظ لفظ الرسول،

ولكن الفرق نشأ من الرواية والنقل، فالقرآن نُقل نقلاً متواتراً بحيث نجزم بأن النص الذي في المصحف هو الذي نزل به جبريل على محمد ﷺ وهو الذي بلّغه محمدٌ أصحابه، ما نقص منه شيء ولا زيد فيه شيء ولا أبدل منه شيء. أما الحديث فنقل جُلُّه (إن لم نقل كُلُّه) آحاد عن آحاد، ولقد بذل علماء الحديث في تمحيص روايته والفحص عن رجاله أقصى ما تصل إليه الطاقة البشرية، ولكنا لا نقطع – مع ذلك – بأن الحديث الذي رواه البخاري ومسلم وأصحاب السنن قد قاله ﷺ وأنه نُقل بلفظه كما نقطع بأن ما في المصحف هو القرآن المنزل.

لذلك قلنا: إن من أنكر عقيدة جاءت بصريح القرآن يكفر ومن أنكر عقيدة وردت في صحيح السنة يفسق ولا يكفر. هذا إن ردُّها عنادًا وخلافًا، أما إذا كان من أهل الحديث العارفين بعلله وردَّ الحديث لعلة في سنده أو متنه فلا شيء عليه.

المغيبات التي أخبر بها الشرع ويجب بها الإيمان ويترتب على إنكارها الكفر هي الملائكة والجن، والكتب والرسل، واليوم الآخر وما فيه من الحساب وما بعده من الثواب والعقاب، والقدر، وما جاء في القرآن عن خلق السماوات والأرض وخلق الإنسان، وكل ما أخبر به القرآن.

عالم الغيب على أقسام، كل قسم منها يسمى غيباً:

١- قسم لم ندركه نحن ولكن أدركه غيرنا من البشر، كقصة يوسف مثلاً، سمَّاها الله غيباً لأن محمداً ﷺ وقومه لم يدركوها بحواسهم،

٢ – وقسم لم يدركه البشر، وإن كان من الممكن عقلاً أن يدركوه لو قدّم الله موعد إيجادهم، كالحوادث التي كانت في الأرض من قبلهم وأخبار المخلوقات التي كانت تسكنها، ولكنهم لم يعرفوا عنها في الواقع وعن أخبار خلق أبيهم آدم وبداية الحياة البشرية إلا ما جاءهم من طريق الوحي.

٣- وقسم لا يمكن إدراكه بالحواس ولا الحكم عليه بالعقل ولا الإحاطة بحقيقته بالخيال، كصفات الله وما غيبه عنا من مخلوقاته، كالملائكة والجن والشياطين وأحوال يوم القيامة وما بعده من الحساب والثواب والعقاب.

وكمن يحمل منظارًا يضعه على عينيه يرى السيارة القادمة فيخبر بها قبل ظهورها للعيان، ما علم في الحقيقة الغيب، ولكن رأى الواقع قبل أن يراه غيره. ومثله من يخبر عن نوع الجنين بعد تشكيله.

الإيمان بالملائكة والجنّ

الإيمان بالملائكة والرسل والكتب من أسس العقائد التي لا يكون الإنسان مؤمنا إلا بها.

الوحي ممكن عقلاً، لأن الله قادر على خلق الملائكة واصطفاء الرسل وشرع الأحكام، لا يمنع العقل ذلك بعد أن آمن بوجود الله وقدرته وإرادته.

فإن الأخلاق إذا لم تُبْنَ على أساس من العقيدة كان بناؤها على كثيب من الرمل، لأن الإنسان مفطور على حب نفسه وجلب النفع لها ودرء الأذى عنها،

ولو حاسب الله الناس في الآخرة على ذنوبهم ولم يرسل إليهم رسلاً يعرفونهم شرع ربهم لاحتجوا وقالوا: ﴿رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾، ولا ادَّعوا أنهم لو بُلِّغوا الرسالة لعملوا بها ولو عرفوا الشريعة لاتَّبعوها، فكانت الرسالات ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾.

وجود الملائكة ثابت و وارد في القرآن، فمن أنكر شيئاً مما ورد في القرآن من خبرهم كفر، و الذي ورد من خبرهم وصفتهم في القرآن هو:

١- أَنَّهُمْ خُلِقُوا قَبْلَ الْبَشَرِ،

٢ – أنهم خُلقوا للطاعة الخالصة:

٣- وأن الله لما أتم خلق آدم علمه الأسماء وامتحنهم بالسؤال عنها، فلم يعرفوها حتى أعلمهم آدم بها، فلما بان فضله بذلك عليهم أمرهم بالسجود له، سجود تحية لا سجود عبادة.

٤ – أَنَّهُم يَتَشَكَّلُونَ بِأَشْكَالٍ مَادِّيَّةٍ أَحْيَانًا وَيَظْهَرُونَ بِصُورَةِ بَنِي آدَمَ،

٥- وأن مَقَرَّهم السماء ينزلون منها إلى الأرض بأمر الله:

٦- وأنهم درجات وأصناف في أصل الخلقة وفي مقام العبودية،

وفي السنَّة الصحيحة كثير من أخبارهم جاءت في أحاديث آحاد، لكن صحت روايتها وثبت سندها.

ومن أنكر شيئاً مما ورد في القرآن عن الملائكة أو غيرهم كفر، فالإيمان بالملائكة أحد أركان العقائد الإسلامية: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾.

ثمرة الإيمان بالملائكة: ازدياد الشعور بعظمة الله واستشعار رحمته، إذ وكّل الملائكة بالدعاء للمؤمنين والاستغفار لهم والتحرز عما أمكن من المعاصي، حين يتذكر أنهم يسجلون عليه كل ما يقوله ويفعله، والإقدام والشجاعة في الجهاد حين يتصور أنهم يؤيدون المجاهدين بأمر رب العالمين، والعمل للجنة ليكون ممن يسلمون عليه، والبعد عن أسباب دخول النار لئلا يكون ممن يوبّخونه. ومن ثمراته الإجمالية التشبه بهم في لزوم الطاعة واجتناب العصيان وتقوية الجانب الملائكي في الإنسان.

الجن: والذي يجب الإيمان به ويكفر منكره هو ما جاء من أخبارهم في القرآن، وإن لم يخصصه الله بالذكر ويجعله من أركان الإيمان صراحة كالإيمان بالملائكة.

١- خبرُ القرآن أنَّ الجنَّ خُلقوا من النار. ولا يلزم من هذا أن يكونوا ناراً تحرق ما تمسه، ولا يمنع أن يكون الله قد حولهم فيما بعد إلى طبيعة أخرى، فالإنسان خُلق من طين ولكنه لم يبقَ طيناً بل أنشأه الله خلقاً آخر،

٢ – وخبر أنهم خُلِقُوا قَبْلَ خَلْقِ الْإِنْسَانِ:

٣- وأنهم يروننا ولا نراهم.

٤- وأنهم مكلفون مثلنا، يحاسبون على أعمالهم كما نحاسب ويثابون ويُعاقبون كما نثاب نحن ونعاقب،

٥- وأن رسالة محمد ﷺ بلغتهم كما بلغتهم من قبلها رسالة موسى:

٦- وأنه كان منهم الصالحون والعاصون، وأنهم كالبشر أصناف:

١٠- وأنهم كانوا يتحسسون أخبار السماء من الملائكة، فلما جاء الإسلام منعوا من ذلك ورموا بالشهب: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا

الشياطين: وهم كفار الجن، أبوهم إبليس. وقد قال قوم أن إبليس من الملائكة، ولكن الصحيح أنه من الجن. … لأنَّ القرآن صرَّح بأنه خُلِقَ من النارِ.

١ – الشيطان هو العدو الأول للبشر،

٣- سلط الله الشيطان على الناس، ولكنه لم يعطه القدرة على النفع والضرر ولم يمنحه القوة التي لا تُدْفَعُ، بل أعطاه الكيد: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ وليس بضارهم شيئاً إلا بإذن الله ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾.

٤ – عَمَلُهُ الوَسْوَاسُ والإغراءُ بالشرِّ والدعوةُ إلى القبائِحِ:

ومن شأن إبليس أن يحسّن في عيون أتباعه السيئ حتى يروه حسناً ويجمّل لهم القبيح فلا يبصروه قبيحاً: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.

وكل من تخلق بهذه الأخلاق من الناس كان حكمه حكم الشيطان: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾.

فمن رغب بالفاحشة وزينها للناس، بالصور العارية أو القصص الداعرة أو الأدب المكشوف، فهو من شياطين الإنس.

الإيمان بالرُّسُل

الرسل جميعاً بشر، يولدون كما يولد البشر ويموتون كما يموتون ويمرضون مثلهم ويصحون،

ليس فيهم شيء من الألوهية لأن الألوهية لله وحده، ولكنهم بشر يوحى إليهم.

الرسول بشر يمتاز بالوحي، وقد قال تعالى لمحمد ﷺ: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ﴾. وقد أكد بشريته باستعمال إنما ، وهي تفيد الحصر والقصر وتنفي عنه ما ينافي البشرية، ثم أكدها مرة ثانية بقوله مثلكم .

١- إن الخطأ إما أن يكون في مجال التبليغ عن الله وفي بيان الشريعة، وهذا النوع من الخطأ يستحيل وقوعه من الرسل جميعًا

ويستحيل أن تقع من الرسول -بعد رسالته- معصية أو يأتي ما يجرح العدالة أو يُخِلُّ بالمروءة أو ينافي الكمال،

٢- وإما أن يكون الخطأ في أمر شرعي اجتهد فيه الرسول ولم ينزل عليه فيه شيء من ربه. وهذا النوع من الخطأ ممكن وقوعه من الرسل، ولكن الله لا يُقِرُّهم على الخطأ بل يبيّن لهم وجه الصواب فيه، كما وقع من الرسول في قصة الأعمى وفي قصة أسرى بدر، اجتهد فبيّن الله له أنه لم يُصِبْ في اجتهاده.

ومثل هذا يقال في موقفه ﷺ يوم أسرى بدر، أي أن ما وقع منه ﷺ إنما كان خطأ بالنسبة لحكم الله، ولو لم ينزل الوحي بتخطئته لكان عند أعقل الناس صواباً. فليس في ذلك خطأ بالمعنى المعروف وقع من محمد بوصفه عظيماً من عظماء البشر، بل إن فيه الدليل على أن وحي السماء فوق حكمة الأرض.

٣- وإما أن يكون الخطأ في أمر من الأمور الإدارية والحربية، وهذا أيضاً ممكنٌ وقوعُه لأن الرسول بشر يفكر في هذه الأمور تفكيراً بشرياً، وقد كان الصحابة يسألونه في مثل هذه الأحوال: هل القرار الذي قرره بأمر من الله ووحي أو باجتهاد منه؟

فإن خبرهم بأنه ليس لديه فيه أمر من الله وأنه رأي شخصي عرضوا عليه آراءهم فأخذ بها أو ردها.

٤- أما الأمور الدنيوية الخالصة فكان الرسول يتكلم فيها برأيه الشخصي، وقد يخطئ في الأمور الصناعية والزراعية والطبية التي لا يعرفها في العادة إلا أهلها،

القرآن قد صرّح بأن الرسول لا يعلم الغيب وأمر الله الرسول في القرآن أن يخبر الناس بأنه لا يعلم الغيب:

بين الله في القرآن أن لكل أمة من الأمم رسولاً أرسله الله إليها: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾، ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ﴾. ولكن الله لم يذكرهم جميعاً في القرآن، بل ذكر بعضاً منهم: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾.

ولكنهم جميعاً بُعثوا بتوحيد الله والتصديق باليوم الآخر واتباع ما شرع الله، فأصول الإسلام هي نفسها أصول الديانات السابقة التي بُعِث بها الرسل الأولون: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ

أرسل كل رسول إلى قومه وجعل رسالته إليهم بلسانهم

ليكلّمهم ويفهمهم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾، وختم هذه الرسالات برسالة محمد ﷺ وجعلها عامة للناس جميعاً وجعله خاتم النبيّين، فلا نبيّ بعده ولا وحي ينزل من السماء بعد أن انقطع بموته، وكان بها كمال الدين وإتمام النعمة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾.

وإذا كان في أتباع الأنبياء (ممن يدعون الانتساب إلى واحد منهم) من يطعن على غير نبيه فإن الإسلام أوجب على المسلم تعظيم الأنبياء والرسل جميعاً، فإذا أساء القول في واحد منهم أو طعن عليه خالف طريق الإسلام: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ

فالمسلم يحب موسى وعيسى وغيرهما كما يحب محمداً، ويجلّهم ويكبرهم كإكباره محمداً وإجلاله. واليهودي الذي دخل النصرانية لما جاء بها المسيح لم يخسر موسى ولكنه ربح معه عيسى، والنصراني الذي يدخل اليوم في الإسلام لا يخسر عيسى وموسى ولكن يربح معهما محمداً، صلى الله على محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.

المسلم يعتقد أن القرآن كلام الله، نزل به جبريل على محمد وبلغه محمد كما سمعه من جبريل، وأن ما بين دفتي المصحف هو القرآن كله كما نزل به جبريل، فمن أنكر شيئاً منه أو شك فيه خرج من الإسلام.

إن المستحيل قسمان: مستحيل في العادة، كالأمور التي ذكرتها، ومستحيل في العقل، كاجتماع النقيضين،

وقد جاء في القرآن ذكر ثلاثة أنواع فيها وقوع المستحيل في العادة:

نوع وقع على يد الرسل لما تحدتهم أقوامهم، إثباتاً لرسالتهم وتأكيداً لصدقهم، ويسمى المعجزة .

ونوع وقع على يد ولي الله صالح، كوجود الطعام عند مريم في المحراب، … وتسمى الكرامة .

ونوع وقع على يد كافر، كما صنع السامري لبني إسرائيل من الحُلِيّ عجلاً له خوار، وتسمى استدراجاً .

أما إن كانت الكرامة المزعومة تشتمل على معصية أو كانت واقعة من غير مؤمن أو من غير تقي فليست كرامة.

إني أتمنى والله، وأنا المولود في الإسلام الذي تسلسل في آبائه الإسلام، أن يكون لي مثل هذا الإيمان الذي كان لسحرة فرعون بعد دقائق معدودات من إسلامهم.

معجزات محمد عليه الصلاة والسلام: المعجزتان الكبريان: القرآن، وهذه المزايا المفردة التي جعله الله بها أهلاً لحمل رسالة الإسلام.

ترجمة حياته ﷺ كانت في ذاتها معجزة.

وَأَنا أَعْجَبُ لِمَاذَا حَاوَلَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ مُؤَلِّفِي السِيرَةِ الاسْتِكْثَارَ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ وَالتَّوَسُّعَ فِيهَا وَإِضَافَةَ مُعْجِزَاتٍ لَمْ تَكُنْ.

قصة الودائع هي أن قريشًا كانت (على كل ما كان بينها وبين الرسول) لا تجد من تأتمنه على ذخائرها إلا محمدًا.

الإيمان بالكُتُب

القرآن لا يستطيع أن يأتي به بشر ولا يمكن أن يأتي إلا من عند الله، فمن قال إن محمداً ألّفه فقد منح محمداً صفة الألوهية!

وإلا فأروني رجلًا كان أميًّا لا يقرأ ولا يكتب كما كان محمد، ولم يدخل في عمره مدرسة، بل لم يكن في بلده مدرسة، بل هو لم يكن في بلدة كبيرة من بلدان الحضارة، بل كان في قرية متوارية بين الجبال السود وراء رمال الصحراء،

وليس في التاريخ كله رجل كانت له ظروف محمد، ﷺ يأتي بكتاب هو في الأسلوب الأدبي في أبهى صور الجمال، وهو في مجال التشريع قانون في ذروة الكمال، وهو في الإلهيات والإخبار عن المغيبات يأتي بما لا يعرفه أحد من البشر ولا يمكن أن يدركه بنفسه العقلُ البشريُّ، وهو في الطبيعة يشير إلى قوانين وظواهر لم يكن يعرفها أحد في عصره ولا في العصر الذي تلا عصره ولا في العصور العشرة التي جاءت بعد ذلك، ففيه إشارات إلى قوانين لم تُكشَف إلا بعده بألف وثلاثمئة سنة وقوانين لم تُكشَف للآن.

كتاب أمره الله أن يتحدى به الناس جميعاً، فتحدى الإنس والجن أن يأتوا بعشر سور من أمثال سوره، بل أن يأتوا بسورة واحدة، فعجزوا! وهذا التحدي قائم إلى الآن والعجز مستمر إلى الآن.

إعجاز ثابت، ولكن لا تبحثوا (كما بحث علماء البلاغة) عن مواطن الإعجاز، فإن موطن الإعجاز ليس في ألفاظه وحدها ولا في أخباره عن المغيبات فقط ولا في أمر واحد من الأمور التي ادعوا أن الإعجاز فيها، بل فيه كله مجتمعاً.

لذلك يجب أن يفسّر القرآن في كل زمان تفسيراً جديداً: يفسره الأديب، ويفسره الحقوقي، ويفسره الفلكي، ويفسره عالم النفس وعالم الاجتماع والمؤرخ… كل واحد منهم يجد فيه مجالاً لعلمه واختصاصه ودليلاً من اختصاصه وعلمه على أن القرآن كلام الله.

إن معجزات الرسل الأولين وقعت مرة وانقضت، ولكن معجزة محمد قائمة تتكرر كل يوم.

نحن نؤمن بالقرآن وبالكتب المنزَّلة التي خَبَّرنا عنها القرآن، وهذه الكتب هي: صحف إبراهيم، وصحف موسى (وهي التوراة) وزَبُور داود وإنجيل عيسى.

والقرآن هو الحاكم عليها والميزان الذي يُعرف به صحيحها من الذي حُرّف منها، قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. فما أخبرنا الله في القرآن أنه من هذه الكتب آمنا به وقلنا بكفر من أنكره، وما وافق القرآن من أخبار هذه الكتب اعتقدنا أنه باق على صحته وأن التحريف لم يصل إليه، وما جاء من أخبارها مخالفًا لما رواه القرآن عنها اعتقدنا أنه محرّف عن أصله.

التَّوْرَاةُ مُنَزَّلَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فِيهَا هُدًى لِلنَّاسِ وَفِيهَا حُكْمُ اللَّهِ؛

وخبرنا أن فيها بشارة بمحمد ﷺ، قال: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ النَّبِيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾. وأن فيها وصف النَّبِيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ. وَأَنَّ فِيهَا وَصْفَ المؤمنين: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ

قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾. وَبَيِّنَ أَنَّ الْإِنْجِيلَ الْمُنَزَّلَ يَشْتَمِلُ عَلَى أَحْكَامٍ تَشْرِيعِيَّةٍ: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾، وَفِيهِ تَعْدِيلٌ لِشَرِيعَةِ التَّوْرَاةِ: ﴿وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾. وَفِيهِ كَالتَّوْرَاةِ بَشَارَةٌ بِمُحَمَّدٍ وَوَصْفٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ.

خاتمة

إن كانت ديانات الناس للمعابد وحدها فالإسلام ليس للمسجد وحده، ولكن للمسجد وللدار وللسوق ولقصر الحكم وللحرب وللسلم. الإسلام يلازم المسلم دائماً، يبين له ما يُباح له وما يحرم عليه. هو معه إن خلا بنفسه ومعه إن انفرد بأهله، وهو معه في تجارته وفي عمله، فكل عمل من أعمال المسلم له حكم من الأحكام الخمسة، ومنها الإباحة الأصلية.

وإن كانت الديانات الأخرى عبادات فقط، لا علاقة لها بالسياسة ولا بالعلم، فالإسلام عبادة وقانون مدني وقانون جزائي وقانون دولي، ونظام إداري ومذهب خلقي، وهو علم وهو سياسة وهو عمل وهو جهاد.

وإن كانت العبادات في الديانات الأخرى صلاة فقط فالعبادة عندنا ليست صلاة وصيامًا فقط، بل إن كل عمل ينفع الناس -إن قصد بفاعله وجه الله- كان له عبادة.

وإذا فصلوا بين الدين (الذي هو عبادة فقط) والعلم فالإسلام دين العلم. أول كلمة نزلت من كتابه كانت اقرأ ، لم تكن قاتل ولا اجمع المال ولا ازهد في الدنيا. اقرأ هذه أول كلمة أنزلت من القرآن وجاء بعدها ذكر العلم، ما مَنَّ اللَّه على الإنسان بما أعطاه من مال ولا قوة ولا جاه، بل بأنه علمه ما لم يعلم.

وكل عمل يحتاج إليه مجتمع إسلامي يكون تعلمه فرض كفاية على القادرين عليه، فهل في الوجود دين إلا الإسلام يجعل تعلم الكيمياء والطب والطيران من الفروض الدينية؟

والإسلام دين الغنى. الله سمى المال في القرآن خيراً فقال: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ وقال في آية الوصية: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا…﴾ أي: مالاً. فينبغي أن يكون المسلمون أغنياء، ولكن بشرط أن يجمعوا المال من الحلال وأن يكون المال في أيديهم لا في قلوبهم.

والإسلام دين القوة، ولكن بلا ظلم. والإسلام للدنيا والآخرة: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً

وأن يعلم كل مسلم بعد هذا- أن عليه واجباً آخر، هو التعريف بالإسلام والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، فلا يكره الناس على الإسلام ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ بل يعرض عليهم محاسنه حتى يرغبوا فيه، ولا يدعو بلسان مقاله فقط، بل بلسان حاله، بأن يكون المجتمع الإسلامي صورة مجسمة لمبادئ الإسلام، لا بأن يكون صورة مشوهة لها تنفر منها وتبعد عنها كما هي الحال الآن. بأن يكون الداعي قويَّ العقل ليقيم الحجة، عالماً بالإسلام ليحسن العرض، مثقفاً بثقافة العصر ليكلم الناس بلغة العصر، وأن يكون لطيف المدخل خفيف الظل، لا فظاً ولا غليظاً ولا جافياً عاتياً، وأن يعلم أن الإسلام لا يفزع من المناظرة ولا يهرب منها، وأن كل شيء فيه بالدليل وبالحجة والبرهان، وأنه يطالب بالدليل حتى ممن يدعي ما يخالف الإسلام: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ لَو كَانَ لَهُ بُرْهَانٌ، ولكن يستحيل إقامة الدليل على خلاف التوحيد.

لو وُجِدَ هؤلاء الدعاة إلى الله لدخلت الدنيا كلها في دين الله.

والله أنزل هذا الدين وهو قد تعهد بحفظه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. فالإسلام باق لا يزول، والعاقبة له، ولكن إما أن نعود -نحن المسلمين- إلى ديننا فيكون لنا شرف النصر في الدنيا وثواب الله في الآخرة، أو يستبدل الله بنا قوماً غيرنا يدخلون في الإسلام ويتولون الدعوة إليه والدفاع عنه.

نعوذ بالله من أن يستبدل بنا، ونسأله أن يردنا إلى ديننا وأن يكتب النصر له على أيدينا، وأن يغفر لنا ويرحمنا.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

اكتشاف المزيد من مدونة التاعب

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading