Site icon مدونة التاعب

خُلاصة كتاب: القديس يوستينوس الفيلسوف والشهيد، الدفاعان والحوار مع تريفون ونصوص أخرى

بسم الله الرحمن الرحيم

خُلاصة كتاب:

النُّصُوص المسيحية في العُصُور الأولى

القدِّيس يوستينوس الفيلسوف والشَّهيد

الدِّفاعان والحِوار مع تريفون ونُصُوص أخرى

إصدار / دار باناريون للنَّشر والتَّوزيع

تحميل الخُلاصة: [DOC] [PDF] [الوثائق الأصلية]

فهرس الموضوعات:

مُقدِّمة. 2

تمهيد. 5

الدِّفاع الأوَّل. 7

مُقدِّمة. 7

نصّ الدِّفاع الأوَّل. 8

الدِّفاع الثَّاني. 18

مُقدِّمة. 18

نصّ الدِّفاع الثَّاني. 18

الحِوار مع تريفون اليهودي. 20

مُقدِّمة. 20

نصّ الحِوار مع تريفون اليهودي. 21

نُصح لليونانيين.. 49

خِطاب إلى اليونانيين.. 49

عن حُكم الله.. 50

شذرات مِن الكتاب المفقود عن القيامة 50

مُقدِّمة

بقلم د. جوزيف موريس فلتس

يُمثِّل القديس يوستينوس، وهو أول من أنشأ مدرسة لاهوتية مسيحية، حضورًا جديدًا ومؤثرًا في الكنيسة.

فقد كان ورغب في أن يكون دائمًا معلمًا ومرشدًا في الكنيسة. وبهذه الصفة الأصيلة كان يجب عليه أن يجيب – حتى وإن كان بصفة عامة – على تحديات عصره والتي تمثلت في ثلاثة محاور هي: اليهودية والهلّينية والغنوسية.

وبالطبع فإن ماضيه الفلسفي قد صبغ كل كتاباته بل وحدد طريقة تفكيره.

يعتبر ق. يوستينوس هو أول لاهوتي في الكنيسة استشعر أهمية وضرورة الفلسفة اليونانية التي كان قد فهمها بطريقة المدرسة الرواقية.

نزعم أن ق. يوستينوس كان معلمًا للأخلاق المسيحية أكثر من كونه معلمًا للأمور اللاهوتية، وذلك لأن أفكاره اللاهوتية، بالرغم من أصالتها، إلا أنه كان لها خط يختلف عن التعاليم اللاهوتية لكل من القديسين أغناطيوس وإيرينيؤس حيث إن تعاليم هذين القديسين وجدت قبولًا أكثر في الكنيسة،

فالقديس يوستينوس لم ينشأ منذ صغره في أحضان الكنيسة وتقليدها مثلما حدث مع القديسين الآخرين.

ولكن أحد الأمور التي واجهها ق. يوستينوس والذي تمثل في “علاقة بذرة الكلمة بأقنوم الكلمة” وأيضًا في “علاقة المسيحية بالفلسفة”، هذا الأمر لم يحل تمامًا بطريقة مقنعة في كتابات ق. يوستينوس، كما أن تعاليمه اللاهوتية بهذا الشأن لم تصبح هي تعاليم الكنيسة عن هذا الأمر.

ليس لدينا تصورًا كاملًا وشاملًا لتعليمه عن الإيمان المسيحي لأن نسخ كتاباته اللاهوتية الأصلية مثل سلطان الله و عن الروح ، و القيامة ، و ضد كل الهرطقات ، و ضد ماركيون قد فُقِدت تمامًا.

عند التعامل مع كتابات ق. يوستينوس أن الشرح اللاهوتي للإيمان في القرن الثاني كان لا يزال في مهده، كما أن التعبيرات اللاهوتية لم تكن قد صيغت بشكل محدد بعد،

وفي الحقيقة يكون من الخطأ بل والظلم أن نقوم بتقييم الفكر اللاهوتي للقديس يوستينوس على خلفية الفكر اللاهوتي الذي استقر في الكنيسة في القرن الرابع.

معظم فلاسفة الأمم، كانوا قد حرّفوا بذرة الحقيقة، وهكذا فقد خلصوا إلى أنظمة فلسفية خاطئة، ولم يُستثن من ذلك حتى أفلاطون،

كان ق. يوستينوس دائمًا ما ينادي ويعلم بأن أي تعليم صحيح في تعاليم الفلاسفة اليونانيين مصدره تعاليم ونصوص العهد القديم. ومع ذلك لم يشرح لنا بالمرة السبب الذي دفع هؤلاء الفلاسفة إلى أن يستعيروا من الأنبياء تعاليمهم، في الوقت الذي كانت فيه بذرة الحقيقة متاحة للجميع. وهكذا لم يجد ق. يوستينوس مخرجًا من هذه المعضلة ولم يضع لها حلًا.

ومن التعاليم اللاهوتية التي يمكن أن نستشفها من الكتابات المؤكدة صحة نسبها للقديس يوستينوس ما يلي:

تعليمه عن الله الآب والكلمة: الله لا بداية له، ولذلك “فإنه أب الجميع، غير مولود ليس له اسم، لأن أي اسم يُسمى به الشخص يكون الشخص الذي سماه أكبر منه، وكل التسميات سواء أب، إله، خالق، رب هي ليست أسماء بل القاب متخذة من أعماله الصالحة ووظائفه.

وبما أن الله عالٍ جدًا وفائق على كل البشر، فمن اللازم عبور الهوة الفاصلة بينه وبين الإنسان. وهذا ما فعله اللوغوس. فاللوغوس هو الوسيط بين الله الآب والعالم.

وفي الأصل كان الكلمة قوة كائنة في الله، ثم صدر منه وخرج منه وهو نفسه (الكلمة) الذي خلق العالم.

لأن كل إنسان يملك في عقله بذرة من اللوغوس. لذلك، فليس فقط أنبياء العهد القديم، بل حتى الفلاسفة الأمميين كان فيهم بذرة من اللوغوس في نفوسهم. ولذلك فهو يقول عنهم إنهم كانوا مسيحيين حقيقيين.

تعليمه عن الملائكة والشياطين: كان ق. يوستينوس هو أول من تحدث عن الملائكة وعملهم.

وجاء في الحوار مع تريفون أن للملائكة الأرواح طبيعة تشبه الإنسان لأنهم يقتاتون في السموات بالمن الذي كان يقتاته بنو إسرائيل وأن بعضهم سقط لأنهم اشتهوا نساء العالم فخلقوا الشياطين. وجاء في الدفاع الأول (فصل: ٨) أن هؤلاء سيكون جزاؤهم نارًا أبدية بعد مجيء المسيح، وأن عملهم الآن هو أن يمنعوا اهتداء الناس (١: ٢٦، ٤٥). وقد جاءت فكرة زواج الملائكة من البشر نتيجة التفسير الخاطئ للآية الواردة في سفر التكوين (تك ٦: ٢، ١)

وتعود أصول هذه المشكلة نتيجة وجود ترجمة يونانية للكتاب المقدس ظهرت فيها عبارة “ملائكة الله” بدلًا من “أبناء الله”. أما العبارة في الأصل العبري فهي “أبناء الله” كما ترد في الفولجاتا اللاتينية أيضًا بمعنى “أبناء الله” ولكنها تأتي في الترجمة القبطية بمعنى “ملائكة الله”.

وقد ظهرت فكرة زواج الملائكة في كتب أبوكريفا العهد القديم، ويبدو أن ق. يوستينوس قد تأثر بها نظرًا لنشأته في فلسطين، ويمكننا أن نرى هذا في سفر أخنوخ.

تعليمه عن الخطية الأولى والتأليه:

فيقول في الحوار (فصل ٢٤) “الله خلق الإنسان على مثاله حيًّا لا يموت حرًّا من المعاناة، واشترط عليه أن يحفظ وصاياه ويثبت أهليته أن يُدعى ابنًا له، ولكن الإنسان فعل فِعل آدم وحواء فجلب الموت على نفسه…

وقد قدم ق. يوستينوس وصفًا لأحد القداسات التي تبعت ممارسة طقس معمودية أحد الأشخاص وفيه نجد أن القراءات والعظة غير موجودين. ويبدو أنها قد حُذفت من طقس الإفخارستيا بسبب أنها قد تليت في طقس المعمودية التي سبق القداس.

فإننا لا نتناول هذا الغذاء كخبز عادي وشراب عادي بل كجسد ودم يسوع الذي صار جسدًا لأجل خلاصنا. فإن الرسل أعلنوا في مذكراتهم التي تُدعى أناجيل أنهم أُمِروا أن يفعلوا كما يلي: أن يسوع أخذ خبزًا وشكر وقال افعلوا هذا لذكرى هذا هو جسدي وكذلك شكر وقال هذا هو دمي وأعطاه لهم وحدهم.”

ويصف قداس الأحد بقوله: “ويجتمع في يوم الأحد كل الذين يسكنون المدن والقرى في مكان واحد فتقرأ مذكرات الرسل وأسفار الأنبياء بقدر ما يسمح به الوقت.

ونجتمع في يوم الأحد لأنه هو اليوم الذي غيّر فيه الظلام والمادة وصنع العالم ولأنه هو اليوم الذي فيه قام يسوع المسيح مخلصنا من الموت”.

تعاليمه الإسخاتولوجية: يشترك ق. يوستينوس مع آخرين من المسيحيين في عصره في الإيمان بالألف سنة الحرفية فيقول: “ولكني أنا وآخرين من المسيحيين المستقيمين في كل الأمور متأكدون أنه ستكون قيامة للأموات وألف سنة في أورشليم التي ستصير حينئذ مبنية متسعة ومزينة”.

لأرواح المنتقلين، فيرى ق. يوستينوس أنها تمضي إلى الهاوية أولًا وتنتظر فيها إلى نهاية العالم، فيما عدا أرواح الشهداء، فهي تُستقبل في السماء مباشرةً بعد انتقالها. وأن أرواح الأبرار منفصلة عن أرواح الأشرار في الهاوية. أرواح الصالحين تهلل؛ إذ تنتظر خلاصها الأبدي، بينما أرواح الأشرار تكون في شقاء وتعاسة؛ إذ تنتظر قصاصها المتوقع. (حوار ٥: ٨٠)

والباحث في كتاباته يواجَه بالكثير من المشاكل لأن ق. يوستينوس كان يُقدم على إبداء آراء واستخدام تعبيرات لم يسبقه أحد إليها. وإذا كانت بعض تعاليمه اللاهوتية لم تُعد ضمن تقليد الكنيسة،

وهذا الكتاب هو ترجمة عربية عن الإنجليزية من سلسلة آباء الكنيسة التي تصدر عن مطبعة الجامعة الكاثوليكية بأمريكا، المجلد السادس:

Saint Justin Martyr, The Fathers of the Church: A New Translation (Patristic series), CUA Press Publications, Vol. 6. Translated by Thomas B. Falls.

تمهيد

هذا التمهيد هو مقدمة النسخة الإنجليزية

يُعتَبر القديس يوستينوس الشهيد أبرز مدافع عن الإيمان في القرن الثاني الميلادي

فإن ق. يوستينوس يُعتبَر أول مُدافع بارز عن الإيمان المسيحي ضد غير المسيحيين وأعداء الكنيسة.

وتُعَد كتابات القديس يوستينوس هي المصدر الرئيس للمعلومات التاريخية القليلة غير المؤكدة المعروفة لنا عن حياته. وهذه الكتابات هي الدفاعان الأول والثاني والحوار مع تريفون.

ويحدد المؤرخون تاريخ ميلاد ق. يوستينوس في بدايات القرن الثاني الميلادي (بين أعوام ١٠٠ – ١١٠م) في مدينة فلافيا نيابوليس (Flavia Neapolis) (الآن نابلس) في السامرة. ومع أن القديس إبيفانيوس يدعوه سامريًا وهو نفسه يدعو شعبه سامريين، إلا أنه لم يكن يهوديًا، لا من جهة الأصل ولا من جهة الديانة. فقد كانت عائلته وثنية تنتمي إلى أصول يونانية رومانية

ويبدو أن والدي ق. يوستينوس كانا ميسوري الحال، فقد تمكنا من إعطاء ابنهما قسطًا وافرًا من التعليم وفقًا للثقافة الوثنية السائدة في ذلك الزمان.

وكان يتردد على المدارس الفلسفية الرواقية والمشائية والفيثاغورية والأفلاطونية مدفوعًا برغبة داخلية ونزعة عميقة للفلسفة.

وَلَا نَعْرِفُ إِلَّا القَلِيلَ مِنَ الأَحَدَاثِ التي مَرَّ بِهَا فِي حَيَاتِهِ بِعَد المعمودية، ومن هذا القليل أنه تقابل مع رجل يهودي يُدعى تريفون (Trypho) في مدينة أفسس وذلك أثناء الثورة اليهودية ضد الغزاة الرومان فيما بين أعوام ١٣٢ – ١٣٥م؛ وقد دارت بينهما مناظرة حول مميزات كل من اليهودية والمسيحية.

وذهب ق. يوستينوس إلى روما بعد اعتناقه المسيحية ببعض الوقت٧ ومكث هناك فترة من الزمن. وقد أنشأ مدرسة للفلسفة، وكان تاتيان (Tatian) من أبرز تلاميذه، وكان كلما أتيحت له الفرصة دخل في مناقشات فكرية ومجادلات دفاعية بحُرية وشجاعة.

ومن أهم هذه الكتابات التي اندثرت كتاب الذي أشار ق. يوستينوس (Syntagma against all the heresies) نفسه إليه وربما كان مقال ق. يوستينوس “ضد ماركيون” الذي اقتبس منه القديس إيرينيئوس جزءًا من هذا الكتاب. أما أعمال ق. يوستينوس الموثوق منها والتي حفظت لنا حتى الآن فهي “الدفاعان الأول والثاني” و”الحوار مع تريفون”.

وينسب يوسابيوس (٢٦٥ – ٣٤٠م) ليوستينوس في كتابه “التاريخ الكنسي” الكتب التالية: “خطاب إلى اليونانيين”؛ “تحذير لليونانيين”؛ “عن المُلك الإلهي”؛ “كاتب المزامير” وأيضًا “عن الروح”. وفي حين أن آخر كتابين قد ثبت ضياعهما، إلا أن النقاد يرجعون الثلاثة كتب الأولى إلى نهاية القرن الثاني الميلادي أو بداية القرن الثالث الميلادي.

فقد ألقى ق. يوستينوس الضوء في كتاباته بموضوعية وحماسة على علاقة المسيحيين بغير المسيحيين، وعبادة أتباع المسيح الأولين، وعلى حياتهم المشتركة واضطهاد سلطات الدولة لهم بلا سبب وبطريقة متحيزة، وأيضًا على عذاباتهم وبطولاتهم.

ومن الناحية اللاهوتية أيضًا تُعتبر كتابات ق. يوستينوس ذات قيمة عظيمة١٦، وإن كان استخدامه للكلمات غير المألوفة١٧ والمصطلحات المنقوصة قد أدى أحيانًا إلى عبارات غير صحيحة تمامًا، إلا أنه يجب الأخذ في الاعتبار أن ق. يوستينوس كتب في زمان لم تكن فيه العبارات والمصطلحات اللاهوتية عمومًا قد تم تحديدها بدقة. وبطبيعة الحال كان ق. يوستينوس مثله مثل المدافعين الآخرين في القرن الثاني الميلادي متأثرًا بدرجة كبيرة بالفلسفة اليونانية ومعتمدًا عليها.

الدِّفاع الأوَّل

مُقدِّمة

يوجه ق. يوستينوس هذا الالتماس إلى الإمبراطور وابنَيه وإلى مجلس الشيوخ المقدس والشعب الروماني أجمع. ومقدّم الالتماس هو يوستينوس ابن بريسكس وحفيد باكيوس من مدينة فلافيا نيابوليس في سوريا – فلسطين.

ويبدو أن ق. يوستينوس قد كتب هذا الدفاع في روما. وقد وضع المؤرخون تواريخ مختلفة لكتابته تتراوح بين عام ١٣٨م وعام ١٥٦م

ويقر ق. يوستينوس نفسه أنه يكتب بعد مئة وخمسين عامًا من ميلاد المسيح. ويرجع يوسابيوس في كتابه “Chronicon” تاريخ كتابة هذا الدفاع إلى سنة ١٤١ م، وهي السنة الرابعة لحكم أنطونينوس (١٣٧ – ١٦١ م). أما تيلمونت ومن بعده عدد من الكُتَّاب البنيدكتيين (Benedictine editors) فيحددون تاريخ كتابة هذا الدفاع بحوالي عام ١٥٠ م في مقدمة طبعتهم لأعمال يوستينوس.

وقد حُفِظ هذا الدفاع في مخطوطتين، وإن كان الدفاع الثاني يسبقه في كل منهما.

مخطوطة Codex Regius ترجع إلى عام ١٣٦٤ وهي محفوظة في المكتبة الوطنية في باريس وأيضًا مخطوطة Codex Claromontanus التي ترجع إلى عام ١٥٤١ في تشلتنهام، إنجلترا.

ويشير يوسابيوس، أيضًا في بعض الأحيان إلى ما نسميه نحن الآن الدفاع الأول على أنه الثاني، ويظن بعض النقاد أن الدفاع الثاني هو مقدمة للدفاع الأول أو أنه مجرد ملحق للأول.

نصّ الدِّفاع الأوَّل

أنا يوستينوس بن بريسكوس وحفيد باكيوس من مدينة فلافيا نيابوليس في سوريا فلسطين، وكواحد من هؤلاء الناس، أتقدم بهذا الخطاب وهذا الالتماس.

إن الحكمة تُملي على الأتقياء والفلاسفة الحقيقيين أن يكرّموا ويعتزوا فقط بما هو حق وأن يرفضوا اتّباع معتقدات أسلافهم إذا كانت هذه المعتقدات بلا قيمة،

وقد قال أحد القدماء: “لا يمكن للأمم أن تشعر بالسعادة ما لم يَصِر الحكام والمحكومون فلاسفة”.

نحن نُتهم بأننا مسيحيون مع أنه ليس من العدل أن تكرهوا ما هو صالح٢٦. ومن جهة أخرى، إذا أنكر أحد المتهمين شفاهة أنه مسيحي فإنكم تخلون سبيله كما لو كان لم يقترف أي خطأ. ولكن إن اعترف أحد بأنه مسيحي يتعرض للعقاب من أجل اعترافه هذا.

على الرغم من أننا في حالتنا هذه نتعهد بعدم عمل الشرور أو اعتناق أية آراء إلحادية مثل هذه، إلا أنكم لا تجرون تحقيقًا في الاتهامات الموجهة ضدنا، بل باندفاع غير معقول وبتحريض من الشياطين الأشرار

كان التأثير الشيطاني بوجه عام والتحريض الشيطاني على الاضطهاد بوجه خاص واحدًا من الأفكار المفضلة ليوستينوس. وقد جاء ذِكر الشياطين في مواضع كثيرة في الدفاعين وهذه الفكرة تظهر مرة أخرى عند ترتليان في Apol. 27 ولاكتانتيوس Instit. Div. 5.21. ويستخدم ق. يوستينوس كلمة daimwn (والتي تعني إله بالنسبة للوثنيين) ليقصد بها “روح شرير” الذي هو نسل ملاك شرير وإنسان (انظر الدفاع الثاني فصل ٥)

ولكن الحق لا بد أن يقال، لأن الشياطين الأشرار منذ قديم الزمان كانوا يظهرون ويدنسون السيدات ويفسدون الغلمان وظهروا بمناظر مرعبة لرجال حتى أن كل من لم يحتكم للعقل في الحكم على هذه الأعمال الشيطانية كان يصاب بالرعب والفزع؛ وإذ الخوف قد تملك عليهم لم يدركوا أنهم شياطين أشرار دعوهم آلهة وسمّوا كل واحد من هذه الشياطين بالاسم الذي اختاره هو لنفسه.

وهكذا يدّعون أننا ملحدون. وفي الواقع نحن نعلن أننا ملحدون من جهة مَن تسمو نهم آلهة وليس من جهة الإله الحق البعيد عن كل شر الذي هو أبو العدالة والعفة والفضائل الأخرى. نحن نجله ونتعبد له مع الابن الذي وُلِد منه، وهو الذي علّمنا عن هذه الأشياء ولعلّما طغمات الملائكة الصالحين الذين يخدمونه وتظهر فيهم فضائله، كما أننا نعبد روح النبوة ونحن نعبده بالذهن والحق وننقل تعاليمه كما هي لكل من يريد أن يتعلمها.

المسيح هو من سيعاقب الخطاة، وأنهم سيعانون آلام العذاب الأبدي في أجسادهم عندما تتحد ثانيةً بأرواحهم

وهكذا يُطلق اسم الله على أشياء قابلة للفساد وبحاجة إلى عناية مستمرة. ونحن نعتبر هذا عملا غبيًّا وأيضًا يدل على عدم احترام نحو الله

وقد تسلَّمنا من التقليد أن الله ليس بحاجة إلى عطايا مادية من الناس لأنه هو واهب جميع الأشياء.

وتعلمنا أيضا أن الله في صلاحه خلق في البدء كل شيء من مادة غير مهيأة لأجل الإنسان.

ما لم تستطع القوانين البشرية أن تحققه استطاع الكلمة بكونه إلَها أن يحققه،

ولقد سبق وأخبرنا معلمنا يسوع المسيح، ابن الله الآب ضابط الكل والمرسل منه الذي منه أخذنا اسم مسيحيين، أن كل هذه الأشياء سوف تحدث. ومن هنا نحن واثقون من صدق كل ما علمنا إياه، لأن كل ما سبق وأخبرنا به يحدث بالفعل، لأن هذا هو من خصائص الله أن يتحدث عن شيء قبل أن يحدث ثم يرينا حدوث الشيء كما تنبأ.

إن الذي علمنا هذه الأشياء هو يسوع المسيح الذي وُلد لهذا الغرَض، وصُلِب في عهد بيلاطس البُنطي والي اليهودية، وفي زمن مُلك طيباريوس قيصر. وسوف نثبت أننا نتعبد له بحكمة؛ إذ قد تعلمنا أنه ابن الله الحي نفسه ونؤمن أنه الثاني في الترتيب وروح النبوة هو الثالث في الترتيب، ولهذا السبب يتهموننا بالجنون قائلين إننا ننسب إلى رجل مصلوب المرتبة الثانية بعد الله الأبدي غير المتغير خالق الكل،

نحذركم أن تحترسوا لئلا تضلكم الشياطين. التي اتهمناها من قبل. ويحوِّلوا اهتمامكم عن قراءة وفهم ما نقوله لكم فهمًا جيدًا. فهم يريدون أن يجعلوكم خدامًا وعبيدًا لهم.

ومن خلال الابن التصقنا باللَّه الوحيد غير المولود،

ولقد أقنعنا المسيح أن الله فقط هو الذي ينبغي له العبادة بقوله “أول كل الوصايا هي هذه: للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد من كل قلبك ومن كل قدرتك، الرب الإله خالقك” (مر ١٢: ٣٠) وعندما جاء إليه أحد الرجال يدعوه “أيها المعلم الصالح” أجابه المسيح: “ليس أحد صالحًا إلا واحد هو الله الذي خلق كل شيء” (مت ١٩: ١٦، ١٧).

تطلب منكم أن تعاقبوا من يسمون أنفسهم مسيحيين لكنهم لا يعيشون بحسب تعاليم المسيح.

ونحن نرجو أنه حتى لو ماتت أجسادنا ودفنت في الأرض فإنها ستقوم مرة أخرى لأننا نعلم أنه لا شيء يستحيل على الله.

“لا تخافوا من الذين يقتلونكم وبعد ذلك لا يستطيعون فعل شيء بل خافوا من الذي يقدر بعد الموت أن يلقي النفس والجسد كليهما في جهنم” (متى ١٠: ٢٨) فجهنم هي مكان العقاب لمن عاشوا في الشر ورفضوا أن يؤمنوا بأن ما علَّمه الله من خلال المسيح سيحدث بالفعل.

ولهذا فإذا كنا نتفق مع الشعراء والفلاسفة المكرَّمين عندكم في بعض النقاط ونقدم تعليمًا أكثر كمالًا ولياقةً بالله في نقاط أخرى، وإذا كنا الوحيدين الذين نقدم إثباتات لما نقوله، فلماذا إذن تكرهوننا ظلمًا أكثر من الجميع؟

عندما نؤكد أن الكلمة معلمنا يسوع المسيح الذي هو المولود الأول لله ولم تكن هذه الولادة نتيجة لعلاقة جنسية، وأنه صُلب ومات وقام من الأموات وصعد إلى السماء، فإننا في ذلك لا ندعي شيئًا جديدًا أو مختلفًا عما تقولونه عن المدعوين أبناء زيوس

هذه الطريقة في النقاش قد تبدو غريبة وغير مقبولة لنا اليوم،

وَلِمَاذَا تَدْفَعُونَ شَاهَدَ زُوْر لِيُقْسِمَ أَنَّهُ رَأَى قِيَصَرَ وَهُوَ يَحْتَرُقُ وَيُصْعَدُ مِنَ نَارِ المَحْرِقَةِ الجَنَائِزِيَّةِ إِلَى السَّمَاءِ؟

وابن الله الذي يُدعى يسوع، وإن كان إنسانًا عاديًّا فإنه بسبب حكمته هو يُدعى ابن الله،

ولذلك فإذا أكدنا أن كلمة الله مولود من الله ليس بالطريقة العادية بل بطريقة عجيبة، كما سبق وذكرنا، فيمكن مقارنة ذلك بقولكم إن هرمس هو كلمة الله المُعلِنة. وإذا اعترض أحد على أن المسيح قد صُلب، فهذه الإهانة يمكن أن تماثل ما حدث لأبناء زيوس كما تسمونهم والذين تألموا كما ذكرنا من قبل. وقد قيل إن آلامهم عند الموت لم تكن متشابهة عند جميعهم بل مختلفة، حتى إن آلام المسيح غير العادية لم تكن أقل شأنًا من آلامهم.

وقد يكون السبب في بعض الكلمات التي لا تبدو مستساغة لنا الآن هو الطريقة التي استخدمها ق. يوستينوس هنا وهي محاولة مجاراة الوثنيين في رواياتهم، فاضطر لأن يبدأ بنفس الكلمات والأفكار التي يستخدمونها ويتداولونها ليثبت لهم صحة المسيحية وواقعيتها.

وإذا قلنا إنه وُلِد من عذراء، لهذا يمكن أن نضاهيه بما تقولونه عن برسيوس.

تحكي الأساطير اليونانية أن الملك أكريسيوس حذره أحد الوسطاء الروحيين أنه سيُقتَل على يد ابن ابنته فسجن ابنته الوحيدة العذراء داناي Dana في سرداب تحت الأرض، ولكن زيوس زارها في شكل أمطار من الذهب، وبعد هذا ولدت داناي برسيوس.

و (ثانيًا) إن يسوع المسيح هو بالحقيقة ابن الله، لأنه كلمته وبكره وقوته، وعندما صار إنسانًا بإرادته علَّمنا هذه (المبادئ) لتغيير البشرية وإرجاعها (إليه). و (ثالثًا) قبل أن يتخذ طبيعة بشرية ويسكن بين الناس روى الشياطين الذين ذكرناهم من قبل من خلال الشعراء هذه الخرافات التي اخترعوها كأنها قد حدثت بالفعل،

أولاُ [نُريد أن نقول] إنه بالرغم من أوجه التشابه بين تعاليمنا وتعاليم اليونانيين، إلا أنكم تكرهوننا نحن فقط لأجل اسم المسيح.

وهذا هو الاتهام الوحيد الذي توجهونه ضدنا وهو أننا لا نعبد الآلهة التي تعبدونها ولا نقدم للموتى سكائب أو دهون أو تيجان لتماثيلهم أو ذبائح.

كان بعض الناس من اليهود أنبياء لله ومن خلالهم تنبأ روح النبوة عن أحداث سوف تحدث قبل أن تحدث بالفعل، واحتفظ ملوك يهوذا المتعاقبين بأقوال هذه النبوات في حوزتهم بحرص كما قيلت في وقت التنبؤ بها بلغتهم العبرية، وكانت مدونة في كتب بواسطة الأنبياء أنفسهم. وعندما أنشأ بطليموس ملك مصر مكتبة وحاول جمع كتابات كل البشر سمع عن هذه الكتابات النبوية فأرسل إلى هيرودس ملك اليهود في ذلك الحين طالبًا منه إرسال هذه الأسفار النبوية له. وأرسلها الملك هيرودس مكتوبة بلغتهم العبرية كما قلنا. ولكن إذ لم يستطع المصريون فهم هذه الكتابات، لذا فقد أرسل له مرة أخرى طالبًا بعض الأشخاص ليترجموا هذه الأسفار إلى اليونانية. وبعدما تم ذلك ظلت الأسفار في حوزة المصريين إلى يومنا هذا، كما هي أيضًا في حوزة كل إنسان يهودي أينما كان.

وقد تكلّم موسى أول الأنبياء بهذه الكلمات عينها: “لا يزول رئيس من يهوذا ولا مدبّر من بين فخذيه حتى يأتي من ذُخْرَ له وهو رجاء الأمم، رابطًا بالكرمة جحشه غاسلاً بدم العنقود ثوبه” (تك ٤٩ : ١٠) فالأمر متروك لكم أن تبحثوا بدقة وتتعلموا إلى أي وقت كان لليهود حاكمهم وملكهم.

والكلمة هو القوة الأولى بعد الآب سيد كل الأشياء، وهو أيضًا ابنه الذي اتخذ جسدًا وصار إنسانًا كما سنوضح الآن.

وأيضًا اسمعوا كيف تنبأ إشعيا بأن المسيح سوف يُولَد من عذراء: “هَذَا العَذْرَاء تَحْبِل وَتَلَد أَبَنَا وَيَدْعُونَ اسْمَهَ اللَّهُ مَعَنَا” (إش ٧: ١٤). فما يعتبره الناس غير قابل للتصديق وغير ممكن سبق الله وأخبرنا من خلال روح النبوة أنه سوف يحدث حتى متى صار بالفعل لا يقدر أحد أن ينكره بل يؤمن به الناس لأنه قد تم التنبؤ به. ولئلا يتهمنا البعض ممن لا يدركون معنى هذه النبوءة بالأمور عينها التي نتهم نحن بها الشعراء الذين يقولون إن زيوس تقرَّب من النساء من أجل شهوة جسدية، دعونا نحاول توضيح كلمات هذه النبوءة. إن عبارة “ها العذراء تحبل” تعني أن الحبل سيكون بدون اتصال جنسي، لأنه لو كان للعذراء اتصال جنسي مع أحد لما ظلت عذراء بعد ذلك، ولكن قوة الله حلت على العذراء وظللتها وجعلتها تحبل وهي بعد عذراء.

فلا يصح إذن أن نفهم أن الروح وقوة الله شيء آخر غير الكلمة ١٢٥ الذي هو أيضًا بكر الله كما قال موسى ١٢٦ النبي الذي ذكرناه من قبل. هذا هو الذي حل على العذراء وظللها وجعلها تحبل. بغير اتصال جنسي. بل بقوة إلهية.

وأعتقد أنكم توافقونني الرأي بأن الذي أوحى للأنبياء ليس آخر غير كلمة الله.

وعندما تستمعون إلى نبوات يتم النطق بها عن طريق شخص ما من الأنبياء، فلا تظنوا أنه نطق بها من تلقاء نفسه، بل من خلال كلمة الله الذي يحركه.

ولكننا سنثبت الآن كيف أنه بالإرادة الحرة يستقيم الإنسان أو يسقط. ونحن نرى أن الإنسان الواحد قد يسعى خلف أمور متناقضة، فإذا كان قدره أن يكون إما صالحًا أو شريرًا فهو لن يكون قادرًا على فعل الضدين ولن يغير رأيه كثيرًا كما هو الحال. ولن نستطيع أيضًا أن نقول إن هناك بعض الناس أخيار والبعض الآخر أشرار لأننا نسلِّم بأن القدر هو سبب الشر، وأنه بذلك يناقض نفسه أو أنه لا الفضيلة ولا الرذيلة شيء حقيقي، بل تُعتبَر الأفعال خيرًا أو شرًّا حسب الرأي الشخصي فقط، وهذا في نظر المنطق السليم هو قمة الظلم وعدم التقوى. أما ما نعتبره قدرًا محتومًا هو أن من اختار الخير استحق الثواب، كما أن من اختار الشر استحق العقاب المناسب.

فالإنسان لن يكون مستحقًّا للثناء والثواب إن لم يختر الخير بإرادته بل لأنه خُلِق هكذا، كما أنه لن يكون مستحقًا للعقاب إذا كان شريرًا لأنه لم يختر أن يكون كذلك ولا يقدر أن يكون على غير ما وُجِدَ عليه.

هكذا أيضًا قال أفلاطون: “المسئولية على مَن اختار، أما الله فبغير ذنب”١٢١ فهو قد اقتبس المعنى من موسى النبي، لأن موسى أقدم من جميع الكُتَّاب اليونانيين، وكل ما قاله الفلاسفة والشعراء عن خلود الروح أو العقاب ما بعد الموت أو التأمل في الأمور السماوية وما شابه ذلك من عقائد قد أخذوه عن الأنبياء، ومنهم استطاعوا فهم وشرح هذه الأمور.

إذن عندما نؤكد النبوات التي تتحدث عما سوف يحدث، فنحن لا نقول بأنها تحدث بفعل قَدَر محتوم ولكن الله له سابق العلم بكل ما سيفعله كل إنسان وقد عيَّن المجازاة لكل واحد بحسب أعماله وهو يقول مسبقًا بروح النبوة عما سيحدث. إنه هو نفسه سوف يجازي الناس بحسب استحقاقهم ولهذا يحث جنس البشر على التأمل والتذكر مما يدل على أنه يهتم بهم ويوفر احتياجاتهم.

لقد أصعد الله أبو الكل المسيحَ إلى السماء بعد قيامته من الأموات، وسيظل هناك إلى أن يسحق أعداءه الشياطين، وإلى أن يكتمل عدد الناس الذين بسابق علمه يعرف أنهم سيكونون صالحين وأتقياء ولأجلهم ظل الله يؤجل انتهاء العالم.

إننا نؤكد أن المسيح قد وُلِد منذ مئة وخمسين عامًا في أيام كيرينيوس ثم في أيام بيلاطس البنطي علَّم بما نقوله نحن الآن عنه،

لقد تعلمنا أن المسيح هو بكر الله، وشرحنا قبلًا أنه هو الحكمة (لوغوس Logos) الذي فيه يشترك كل البشر. والذين عاشوا بالحكمة هم مسيحيون” حتى ولو اعتُبِروا من الملحدين مثل سقراط وهيراقليتس (Heraclitus) من اليونانيين وغيرهم، ومن غير اليونانيين إبراهيم وإيليا وحننيا وعزريا وميصائيل” وآخرون يصعب علينا حصر أسمائهم وأعمالهم تفاديًا للإطالة.

بعد صلب المسيح تركه جميع أتباعه المقربون بل وأنكروه. ويعد ذلك عندما قام من الأموات وظهر لهم وعلمهم قراءة النبوات التي تتحدث عن كل الأحداث السابقة ويعد أن رأوه صاعدًا إلى السماء وآمنوا به وأخذوا القوة التي أرسلها لهم من هناك ذهبوا إلى جميع الأمم ليعلِّموا بهذه الأمور ودُعيوا رسلاً.

إن الأنبياء قد تنبأوا أن المسيح سوف يأتي مرتين، في المرة الأولى التي حدثت بالفعل جاء كإنسان متألم ومُهان، أما مجيئه الثاني فسوف يحدث كما تنبأ عنه الأنبياء عندما يأتي من السماء بمجد مع جيوشه الملائكية ويقيم أجساد كل البشر ويُلبِس المستحقين الخلود ويرسل الأشرار إلى عذاب أبدي محسوس في النار الأبدية مع الشياطين الأشرار.

ومن ناحية أخرى فإن هؤلاء الذين يروجون للأساطير التي اختلقها الشعراء لا يقدِّمون أي دليل على مصداقيتها إلى الشباب الذين يتعلمونها إلا أننا نستطيع الآن أن نبين أن هذه الأساطير قد رويت في أول الأمر بتحريض من الشياطين الأشرار لخداع وغواية جميع الناس، لأنهم عندما سمعوا الأنبياء يعلنون مجيء المسيح وعقاب الأشرار بالنار بادروا بتقديم هؤلاء المعروفين بأبناء زيوس ظنًا منهم (أي الشياطين) أنهم بذلك يدخلون الشك في عقول الناس بأن النبوات عن المسيح ليست إلا قصصًا أسطورية مثل تلك التي رواها الشعراء. وقد انتشرت هذه القصص بين اليونانيين وكل الشعوب الأخرى حيثما سمع (الشياطين) عن قبول الأمم للمسيح حسب قول الأنبياء. وسنثبت أيضًا أن الشياطين لم تفهم بوضوح معنى ما قاله الأنبياء بل كضالين صاروا يحاكون ما كان يقال عن المسيح. وكان موسى النبي كما قلنا أقدم من جميع الكتَّاب ومن خلاله جاءت النبوءة: “لا يزول رئيس من يهوذا ولا مدبَّر من بين فخذيه حتى يأتي من دُخْرَ له وهو رجاء الأمم، رابطًا بالكرمة جحشه غاسلًا بدم العنقود ثوبه” (تك ٤٩: ١٠) وعندما سمع الشياطين هذه النبوءة أعلنوا من خلال الأساطير اليونانية أن ديونيسيوس هو ابن زيوس وأنه اكتشف شجرة الكرمة لهذا يعتبرون الخمر من بين أسراره وعلَّموا بأنه بعد أن تم تمزيق جسده صعد إلى السماء.

وعندما سمعوا من نبي آخر هو إشعيا أنه سيُولَد من عذراء وأنه سيصعد إلى السماء بقوته ادّعوا أن برسيوس (Perseus) هو الذي فعل هذا. وأيضًا عندما لاحظوا وجود نبوة تقول إنه “قوي كجبار للجري في الطريق” (مز ١٩:٥) أذاعوا أن هرقل كان جبارًا وجال في الأرض كلها. وأيضًا عندما عَلِموا بالنبوءة التي تقول أنه سيشفي كل مرض ويقيم الموتى قدموا شخصية أسكلبيوس.

ومع هذا لم يتم تقليد عملية الصلب١٤ ولا مرة حتى مع أي من هؤلاء الذين يُدعَون أبناء زيوس. ولم يخطر هذا لهم لأنه كما أثبتنا من قبل أن كل ما قيل عن الصلب كان بطريقة رمزية.

ولم يكتفِ الشياطين الأشرار قبل مجيء المسيح بأن يقولوا إن المدعوين أبناء زيوس قد ولدوا منه بالحقيقة. بل أيضًا بعد أن ظهر المسيح وعاش بين الناس وبعد أن علم الشياطين أنه هو الذي تنبأ عنه الأنبياء وأدركوا أن كل الأمم آمنت به، وأنهم كانوا ينتظرونه فقد أتوا مرة أخرى برجال آخرين، كما ذكرنا قبلا، أمثال سيمون وميناندر من السامرة اللذين أضلا وما زالا يضلان كثيرين بأعمال سحر خارقة.

فإن هذه الأرواح التي نسميها شياطين لا هدف لها إلا إبعاد الناس عن الله خالقهم وعن المسيح بِكره، أما هؤلاء الذين لا يستطيعون الارتفاع فوق الأرضيات فقد قيدهم الشياطين بعبادة الأرضيات والأصنام التي هي صنعة الأيادي. وهم أيضًا يحاولون أن يُعثروا كل الذين يرتفعون للتأمل في الإلهيات، وما لم يكن هؤلاء الأشخاص حكماء في آرائهم وأنقياء وبلا هوى في حياتهم فسيدفعهم الشياطين إلى الشر.

ولكي تعرفوا أن أفلاطون قد اقتبس من معلمينا ١٥٥ عندما أكد أن الله قد غيّر المادة عديمة الشكل وخلق العالم، استمعوا إلى كلمات موسى الصادقة الذي ذكرنا من قبل أنه أول الأنبياء وأقدم من كل أدباء اليونان. وقد قال روح النبوة من خلاله هذه الكلمات ليبين كيف ومن أي شيء خلق الله العالم في البدء: “في البدء خلق الله السماء والأرض وكانت الأرض غير منظورة وغير مُهيأة وعلى وجه الهاوية ظلام وكان روح الله يرف على المياه. وقال الله: “ليكن نور فكان نور” (تك ١: ١ – ٣) وهكذا تعلّم أفلاطون وأتباعه ونحن أيضًا كما يمكنكم أنتم أيضًا أن تتأكدوا، أن الله خلق العالم كله بكلمته من المادة التي ذكرها موسى،

وقد أعطى أفلاطون المكانة الثانية للكلمة الذي هو مع الله والذي وضعه في الكون على شكل حرف X والمكانة الثالثة أعطاها للروح الذي قيل إنه محمول فوق المياه مؤكدًا بذلك أنه الإله الثالث.

ويعد أن سمع الشياطين عن هذه المعمودية التي تنبأ عنها إشعيا النبي: حضّوا جميع من يدخلون معابدهم بسكائب ومحرقات على أن يرشوا أنفسهم أيضًا بالماء بل وأن يغسلوا أجسادهم قبل الاقتراب من المعابد أو الذهاب للأضرحة حيث توجد تماثيلهم (أي الشياطين).

ونحن لا نشترك فيهما كخبز وشراب عاديين بل كما أنه بتجسُّد كلمة الله، مخلِّصنا يسوع المسيح، متخذًا لنفسه جسدًا ودمًا لأجل خلاصنا، فإن هذا الطعام الذي تقدّس بواسطة كلمات الصلاة التي قالها المسيح، يغذي جسدنا ودمنا؛ إذ هو جسد ودم يسوع المتجسد كما تعلمنا. وقد سلَّمنا الرسل في مذكراتهم التي تدعى الأناجيل ما قد أمرهم يسوع أن يصنعوا، أنه أخذ خبزًا وبعدما شكر قال: “اصنعوا هذا لذكرى، هذا هو جسدي” وأيضًا أخذ الكأس وشكر وقال: “هذا هو دمي” وقد أعطاهما لهم فقط. وعندما أراد الشياطين الأشرار محاكاة هذا السر أمروا بصنعه في طقوس الإله ميثراس (Mithras) فكما تعرفون أو يمكنكم بسهولة أن تعرفوا، أنهم يستخدمون خبزًا وكوب ماء مع تعاويذ معينة في طقوسهم السرية.

ولنا في اليوم الذي يُدعى يوم الشمس (Day of the Sun – Sunday) أي يوم الأحد، اجتماع لكل سكان المدن والضواحي وفي هذا الاجتماع تُقرأ مذكرات الرسل (يقصد بها الأناجيل) أو كتابات الأنبياء حسبما يسمح الوقت،

ويوم الأحد هو بالحقيقة اليوم الذي نعقد فيه اجتماعنا المشترك، لأنه اليوم الأول الذي فيه حوَّل الله الظلمة والمادة وخلق العالم، وفيه أيضًا قام مخلِّصنا يسوع المسيح من الموت، لأنهم صلبوه في اليوم الذي يسبق السبت وفي اليوم الذي يليه، أي الأحد، ظهر لتلاميذه ورسله وعلمهم الأشياء التي نقلناها لكم للتأمل فيها.

الدِّفاع الثَّاني

مُقدِّمة

يقول يوسابيوس في كتابه “التاريخ الكنسي” إن الدفاع الثاني ليوستينوس كان موجهًا للإمبراطور مرقس أوريليوس عندما كان إمبراطورًا وحده (١٦٩ – ١٨٠م)، غير أن النقاد في العصر الحديث ينسبون الدفاعين إلى الفترة الأخيرة من عهد أنطونينوس بيوس (١٤٧ – ١٦١م) واستنتج آخرون أن الدفاع الثاني قد تم توجيهه إلى نفس الأشخاص الذين وُجه لهم الدفاع الأول.

الدفاع الثاني تلا الأول ليس كملحق له بل كدفاع مستقل على الرغم من أنه كتب بعد الأول بقليل. وعلى هذا يكون تاريخ كتابة الدفاع الثاني بين عامي ١٥٥ و١٦٠م في روما.

نصّ الدِّفاع الثَّاني

ففي كل مكان، يحتاج الإنسان إلى من ينصحه سواء كان أبًا أو جارًا أو ابنًا أو صديقًا أو أخًا أو زوجًا أو زوجة ضد أي نقص

فإن الشياطين الأشرار الذين يكنون لنا العداء يستخدمون أمثال هؤلاء القضاة الذين يتعبدون لهم ويخدمونهم، ويحضونهم كحكام تحت تأثير الشياطين أن يحكموا علينا بالموت.

أن الله يسعد بالذين يتمثلون بكماله ولا يسعد بالذين يختارون الشر سواء بالقول أو بالفعل. فإذن إن قمنا جميعًا بقتل أنفسنا، إن كان الأمر متروك لنا، فلن يولد أحد بعد ولن يتعلم أحد التعاليم الإلهية، وهذا أيضًا سيؤدي إلى زوال الجنس البشري. وإن تصرفنا هكذا سوف نكون مخالفين لإرادة الله.

عندما خلق الله العالم ووضع كل شيء على الأرض تحت سلطة الإنسان، ورتب الأجرام السماوية من أجل تغير المواسم وكثرة الثمار، ووضع لها قانونًا إلهيًّا لأنه خلقها من أجل الإنسان، عيَّن ملائكته ليعتنوا بالبشر وكل الأشياء تحت السماء. ولكن الملائكة عصوا هذا الأمر ووقعوا في الخطية مع النساء وأنجبوا أطفالًا وهم من يُدعَون شياطين. وفضلًا عن ذلك، أخضعوا الجنس البشري لهم عن طريق كتابات سحرية من ناحية، ويزرع الخوف فيهم وإنزال العقوبات عليهم وتعليمهم تقديم الذبائح والبخور والسكائب للآلهة بعد أن صاروا عبيدا لشهواتهم وأهوائهم من ناحية أخرى.

كان هناك رأي منتشر عند اليهود وبعض الكُتَّاب المسيحيين من بعدهم بأن بني الله المذكورين في الآية: “وبعد ذلك أيضًا إذ دخل بنو الله على بنات الناس وولدن لهم أولادًا، هؤلاء هم الجبابرة الذين منذ الدهر ذوو اسم” (انظر تك ٦: ٢ – ٥) هم ملائكة، وقد ظن ق. يوستينوس أن الجبابرة المذكورين هم الشياطين. انظر الدفاع الأول، فصل ٥، وترتليان، الدفاع فصل ٢٢، وإيريناوس كتاب الكرازة الرسولية ترجمة د. نصحي عبد الشهيد و د. جورج عوض، الطبعة الثانية ٢٠٠٩، فقرة ١٨ ص ٨٣.

لا يليق أن يُطلَق على الله أبي الكل اسمًا مُختلَقًا لأنه [أي الله] غير مولود، لأن كل من له اسم فقد أُعطي له من شخص يكبره سنًا. إن كلمات الآب والله والخالق والرب والسيد ليست أسماء حقيقية بل ألقاب مستمدة من أعماله الصالحة. ولكن ابن الله هو وحده الذي يُدعى بالحقيقة ابنه، وهو الكلمة الذي كان معه [أي مع الله الآب] والذي وُلِد منه قبل كل المخلوقات والذي به – في البدء – خلق ودبر الله الآب كل الأشياء، فهو يُدعى المسيح لأنه مُسِح ولأن الآب دبر كل أمور الخليقة به.

وأما اسم “يسوع” وهو اسمه كإنسان وكمخلّص فله معنى، لأنه كما ذكرنا من قبل صار إنسانا وقد وُلِد حسب إرادة الله لأجل المؤمنين وليهزم الشياطين.

ويؤجل الله نهاية العالم وانهياره – حيث يهلك الأشرار من الملائكة والناس – وسبب هذا التأجيل هو البذرة المسيحية والتي يعرفها الله أنها سبب بقاء العالم.

ونحن نقول إن العالم سوف يحترق بالنار في النهاية بهذه الطريقة وليس كما يعتقد الرواقيون بأن كل الأشياء سوف تتغير إلى أشياء أخرى بحسب عقيدة التحول الشائنة. كما أننا لا نعلم (كما يفعل الرواقيون) بأن الإنسان يعمل ويتألم كما يملي عليه القدر، بل نؤمن أن كل إنسان يفعل الخير أو الشر بإرادته الحرة،

لكن بما أن الله منذ البدء خلق جنس الملائكة والناس ولهم إرادة حرة، فهم بعدل سوف يدفعون ثمن خطاياهم في النار الأبدية، فالإنسان بطبيعته له إمكانية الفضيلة والرذيلة، ولن يستحق المديح على أي عمل يعمله ما لم تكن له القدرة على أن يميل إلى أي منهما (أي الخير أو الشر).

لا شك إذن أن تعاليمنا أسمى من كل تعاليم البشر لأن اللوغوس الكامل هو المسيح الذي ظهر على الأرض لأجلنا، أي هو اللوغوس الذي صار جسدًا ذا نفس عاقلة، وجميع ما اكتشفه الفلاسفة والمشرعون وعبروا عنه تعبيرًا جيدًا كان بفضل اكتشافهم وتأملهم لجزء ما من اللوغوس.

إذ إنه عندما اتخذ طبيعتنا ومشاعرنا البشرية علَّمنا هذه التعاليم نفسها. حقًّا إن هذا تم بقدرة الآب غير الموصوف وليس عن طريق المنطق البشري.

ويشهد على أفكارنا وأفعالنا الله غير المولود غير الموصوف.

لأننا نعبد ونحب الكلمة الذي هو من الله الآب غير المولود غير الموصوف، فالكلمة صار إنسانًا لأجلنا وشاركنا آلامنا لكي يشفينا.

الحِوار مع تريفون اليهودي

مُقدِّمة

وصل إلينا نص الحوار مع تريفون للقديس يوستينوس عن طريق Codex Paris gr. 450 (لعام ١٣٦٤) ولكن بعض أجزائه مفقودة، وهي جزء في المقدمة وآخر في الفصل الرابع والسبعين.

ويعرض نص الحوار مناقشة جرت في مدينة أفسس بين ق. يوستينوس وتريفون اليهودي بعد انتهاء الحرب التي شنها بار كوكبا المتمرد اليهودي ضد السلطة الرومانية حوالى عام ١٣٥م. وبالرغم من أن بعض تفاصيل الحوار قد تكون خيالية إلا أن الإطار العام يبدو أن له أساسًا واقعيًا. وهناك القليل جدًا مما نعرفه عن تريفون خصم ق. يوستينوس فربما كان لاجئًا يهوديًا هرب من فلسطين إلى أفسس أثناء ثورة بار كوكبا. وقد تشكك كثيرون في احتمالية أن يكون هو تارفون الحاخام الفلسطيني الشهير.

نصّ الحِوار مع تريفون اليهودي

إن الفلسفة هي بالتأكيد أغلى ما يمتلك المرء، ولها قيمتها الكبيرة في نظر الله لأنها تقودنا إليه وتجعلنا نتحد به، والذين يستخدمون الفلسفة هم بالحقيقة من القديسين. ولكن كثيرون عجزوا عن اكتشاف طبيعة الفلسفة والسبب في نزولها للناس (من السماء)

فكرت في استشارة أحد أتباع أفلاطون وكانت له سمعة طيبة للغاية. وبالفعل أمضيت مع هذا الرجل الحكيم قدرًا كبيرًا من الوقت، وكان الأفلاطونيون يكنون له كل الاحترام على الرغم من وصوله منذ فترة قصيرة إلى مدينتنا. وتحت قيادته تقدمت في مسيرة الفلسفة يومًا بعد يوم شاعرًا بالانبهار بالأشياء غير المحسوسة وكان عقلي يطيرُ بنظرية أفلاطون للأفكار، لدرجة أنني في خلال وقت قصير تخيلتُ نفسي رجلًا حكيمًا، ووصلت في حماقتي إلى أنني توقعت أنني أتفرَّس في الله لأن هذا هو هدف الفلسفة عند أفلاطون.

أجبته قائلًا: الفلسفة هي معرفة ما هو موجود، وهي الفهم الواضح للحقيقة، والسعادة هي المكافأة التي تعطيها هذه المعرفة

اللَّه هو الكائن الذي له طبيعة واحدة لا تتغير، وهو هكذا على الدوام، كما أنه سبب الوجود لكل ما عداه.

الله يُدرَك بالعقل فقط، كما يؤكد أفلاطون،

لأن الله هو وحده غير المولود، وغير القابل للفساد ولهذا السبب هو الله، وكل ما عداه هو مخلوق وقابل للفساد.

ولكن بعد أن توجِّه فكرك دائمًا إلى اللانهائية سوف تتعب أخيرًا وتجد أنك لا بد أن تتوقف عند الوحيد غير المخلوق وأن تقرر أنه هو علة كل الأشياء.

قال [الشيخ الذي كان يُكلِّم يوستينوس]: “من زمن بعيد، قبل هؤلاء الفلاسفة بوقت طويل، عاش رجال مباركون أبرار محبوبون من الله، رجال يتكلّمون بوحي من الروح القدس، هؤلاء تنبأوا عن أحداث سوف تحدث في المستقبل، وهي تحدث الآن. ونحن ندعو هؤلاء الرجال أنبياء؛ فهم وحدهم قد عرفوا الحقيقة ونقلوها للناس بلا خوف ولا تأجيل. وكانوا يرددون فقط ما سمعوه ورأوه بوحي من الروح القدس بدون رغبة في المجد الباطل. وكتاباتهم ما زالت موجودة وكل من يقرأها بإيمان صحيح يستفيد كثيرًا في معرفة أصل الأشياء وغايتها وكل الأمور الأخرى التي ينبغي للفيلسوف أن يعرفها.

ضحك أصدقاء تريفون، وهو نفسه أجاب مبتسمًا: … ولكن عندما تتحوَّل بعيدًا عن الله وتضع رجاءك في إنسان فما هي فرصة خلاصك؟ إن استمعت لي. لأنني قد اعتبرتك بالفعل صديقًا لي. فعليك أولا أن تختتن ثم تحفظ الأحكام بالنسبة ليوم السبت، وأيام الأعياد، وأهلَّة (جمع هلال) الله الجديدة، أي أن تحفظ كل الشريعة المكتوبة، حينئذ قد تختبر رحمة الله. أما المسيا فإذا كان قد وُلِد وهو موجود في مكان ما، فهو غير معروف ولا يُدرِك هو نفسه أنه المسيا ولن يكون لديه أيَّة قوَّة حتى يأتي إيليا ليمسحه ويظهره للجميع.

أجاب تريفون: … ولكن التعاليم فيما تسمُّونه الإنجيل هي عظيمة وعجيبة لدرجة أنني أشك أن يقدر أحد أن ينفذها. فقد أخذت على عاتقي أن أقرأها.

قلت له: “يا تريفون، لم يكن أبدًا منذ الأزل، ولن يكون أي إله آخر غير الله الذي خَلَقَ وشكَّل هذا الكون. ثم أننا لا ندَّعي أن إلهنا يختلف عن إلهكم، لأنه هو الله الذي بيد قويَّة وذراع رفيعة أخرج أجدادكم من أرض مصر. ونحن لا نتكل على آخر سواه. لأنه بالحقيقة لا يوجد آخر سواه.

وكما أن أي قانون جديد إذا تعارض مع قانون القديم فهو يُبطِل القديم، فهكذا أيضًا العهد الجديد يَحِل محل القديم.

نحن وصلنا إلى الله من خلال هذا المسيح المصلوب ونحن إسرائيل الروحي الحقيقي أبناء اليهودية ويعقوب وإسحق وإبراهيم الذي قبِلَه الله وباركه مع أنه غير مختتن وذلك لأجل إيمانه، وقد دُعي أبًا لأمم كثيرة.

كما أنكم تعملون بكل قوتكم على إهانة كل الذين يؤمنون بالمسيح وتلعنونهم في معابدكم وأنتم الآن لا تقدرون أن تستخدموا العنف ضدنا نحن المسيحيين بسبب الحكام الحاليين ولكنكم فيما مضى استخدمتم القوة ضدنا كلما استطعتم.

كانت هناك عادة عند اليهود أن يلعنوا المسيحيين ثلاث مرات كل يوم وقد شهد بهذا كل من القديس إبيفانيوس، والقديس جيروم.

ونحن أيضًا من الممكن أن نمارس ختان الغرلة ونحفظ السبت وكل أعيادكم لو لم نكن على علم بالسبب الذي من أجله فُرِضَت هذه عليكم ألا وهو خطاياكم وقساوة قلوبكم.

وحينئذ طبَّق الله ناموسه على هذا الشعب الضعيف وأمَرَكم أن تُقدِّموا ذبائح لاسمه لكي ينقذكم من عبادتكم للأصنام، ولم تطيعوا بل وقدَّمتم أطفالكم ذبائح للشيطان.

فذبائحكم إذن ليست مقبولة أمام الله وهو لم يأمركم بتقديمها بسبب احتياجه لها بل بسبب خطاياكم. والشيء ذاته يقال عن الهيكل الذي في أورشليم فقد دعاه الله بيته ليس لأنه في حاجة إلى بيت أو مسكن، بل لأنه أراد أن تجتمعوا معه في هذا المكان فتكفوا عن عبادة الأصنام. وهذا ما دل عليه قول إشعيا: “أي بيت تبنون لي يقول الرب؟ السماوات لي كرسي والأرض موطئ قدمي” (إش ٦٦: ١).

ونحن نرى أن الله أمر بهذه الأشياء وما يماثلها لأجل الخطاة وهو كما هو دائمًا لا يتغيَّر وهو رؤوف وعالم بكل شيء وغير محتاج لشيء وعادل وصالح أيضًا.

وبما أنه لا يجوز ختان الإناث فهذا يبيِّن أن الختان أُعطي كعلامة وليس للتبرير لأن الله أنعم على النساء أيضًا أن يقمن بأعمال صالحة وفاضلة.

فقال تريفون: “ما هذا الذي تقول، أ لن يرث أحد منّا. نحن اليهود. شيئًا على جبل الله المقدس؟”

أجبت: “لم أقل هذا، ولكنني أقول إن الذين اضطهدوا المسيح في الماضي وما زالوا يفعلون ذلك ولا يتوبون، هؤلاء لن يرثوا شيئًا على الجبل المقدس ما لم يتوبوا، في حين أن الأمم الذين يؤمنون بالمسيح ويندمون على خطاياهم سوف يرثون مع الآباء والأنبياء وكل الأبرار من نسل يعقوب حتى لو لم يختتنوا ولم يحفظوا السبوت والأعياد.

قلت: “بما أن كلامي ومقترحاتي تقوم على أساس الكتب المقدَّسة والحقيقة الواقعة فينبغي أن تصدقوني بلا تردد على الرغم من أنني غير مختون لأن الوقت أمامكم قصير لتصيروا مسيحيين. وإن جاءنا المسيح ثانية قبل أن تؤمنوا فستبكون وتتوبون بلا جدوى لأنه حينئذ لن يلتفت إليكم.

ألست ملمًّا بها، يا تريفون؟ من الواجب أن تكون ملمًّا بها لأنها موجودة في كتبكم المقدَّسة بل هي كتبنا وليست كتبكم لأننا نؤمن بها ونطيعها، في حين تقرأونها أنتم ولا تفهمون الروح الذي كتبت به،

ونحن نطلب من الله على الدوام بيسوع المسيح أن يحمينا من هؤلاء الشياطين الغرباء عن تقوى الله. الذين كنا نتعبد لهم في القِدَم. لكي نكون بلا لوم بعد أن رجعنا إلى الله بواسطة المسيح الذي ندعوه معيننا وفادينا الذي ترتعد الشياطين من قوة اسمه واليوم يخضعون عندما نخرجهم وننتهرهم باسم يسوع المسيح الذي صُلِب في عهد بيلاطس البنطي والي اليهودية. وهكذا يتضح للجميع أن أباه أعطاه قوة عظيمة حتى إن الشياطين تخضع باسمه وبعلامة آلامه.

قال تريفون معترضًا: “إن الفقرات التي تستشهد بها من الكتاب المقدس تثبت أننا ينبغي أن نتطلَّع إلى هذا المسيا العظيم والمُمجَّد الذي كابن الإنسان يأخذ الملكوت الأبدي من قديم الأيام أما مسيحكم المزعوم هذا فكان بلا مجد ولا كرامة لدرجة أنه وقعت عليه أشد لعنة في ناموس الله، أي أنه صُلِب على الصليب.”

وسأُثبِت لكم من جميع الكتب المقدسة أن المسيح يُشار إليه كملك وكاهن وإله ورب وملاك وإنسان وقائد وصخرة وطفل مولود تحمَّل الآلام ثم صعد إلى السماء وسيعود بمجد ويكون له ملكوت أبدي.

ولكن من الواضح أنه لم يحدث لسليمان أي من الأشياء التي قيلت في هذا المزمور، فلم تتعبد له كل الملوك ولم يمتد سلطانه إلى أقاصي الأرض كما أن أعداءه لم يسقطوا أمامه ويلحسوا التراب. وإنني لا أتردد في الاستشهاد بما جاء في سفر الملوك حيث مكتوب أن سليمان عبد الأوثان في صيدون من أجل امرأة.

لم يذكر سفرا الملوك هذه المعلومة، بالرغم من أنها قد تكون حدثت بالفعل. ويعتقد البعض أن كلمة “في صيدون” كانت موجودة كحاشية ولكن أحد النساخ أدخلها في النص فيما بعد. وربما يشير ق. يوستينوس إلى الآلهة التي عبدها سليمان في زمان شيخوخته؛ إذ يقول الكتاب في ١ مل ١١: ٥ “فذهب سليمان وراء عشتاروث إلهة الصيدونيين”.

نحن نصلي أيضًا لكي تؤمنوا بيسوع المسيح حتى إذا جاء منتصرًا في مجيئه الثاني يخلصكم ولا يدينكم ويسلمكم لنار جهنم.

الآن اسمحوا لي أن أذكر النبوءات التالية التي توضح أن الروح القدس بالمثل دعا المسيح: الله، ورب الجنود، وإله يعقوب.

والسبب في ترددكم في الاعتراف بأن يسوع هو المسيح. وهي الحقيقة التي تشهد لها الكتب المقدسة والمعجزات التي صارت باسمه. قد يكون رغبتكم في تجنب الاضطهاد العنيف الذي يقوم به المسئولون بإيعاز من الحيَّة. ذلك الروح الشرير الغادر. وهم لن يكفوا عن اضطهاد وقتل الذين يعترفون باسم المسيح حتى يأتي ثانية ليبيدهم جميعًا ويجازي كل واحد كما يستحق.

وبما أنكم أنتم ومعلِّميكم تقولون بإن كلمات إشعيا الحقيقية لم تكن ﷺ “هوذا العذراء تحبل” بل ﷺ “هوذا الشابة تحبل وتلد ابنًا” وإن هذه النبوءة تشير إلى الملك آحاز، فسأحاول أن أشرح وأبيِّن لكم أن هذه النبوءة تنطبق على ذلك الذي نعترف به أنه مسيحنا.

ولا يوجد طريق آخر سوى أن تعرفوا المسيح وأن تعتمدوا بالمعمودية التي تطهِّركم من الخطية كما شهد إشعيا النبي وبهذا تعيشون حياة حرَّة من الخطية.

وبما أن هؤلاء الذين عملوا الأفعال الصالحة بحسب البديهة والطبيعة والأبدية هم مُرضيّون لله فهكذا سوف يخلصون في القيامة مع أجدادهم الأبرار نوح وأخنوخ وأيوب وغيرهم ممن يؤمنون بالمسيح ابن الله الكائن قبل كوكب الصبح وقبل القمر، إلّا أنه صار جسدًا وولِد من العذراء التي من نسل داود لكي بذلك التدبير يهزم الحيّة والملائكة الذين سقطوا في الخطية. وفي المجيء الثاني سيُبطِل الموت فلا يعود له قوة على الذين يؤمنون به (أي بالمسيح) ويرضونه وسوف يدان البعض ويعذبون في النار الأبدية، في حين يتحرّر الآخرون من العذاب والفساد والحزن ويحيّون إلى الأبد.

أما الذين آمنوا واعترفوا علانية أن يسوع هو المسيح ثم لسبب ما أنكروا الإيمان وتحولوا إلى ناموس موسى فهؤلاء لا يمكن أن يخلصوا ما لم يتوبوا قبل أن يموتوا.

ولذلك يحذرنا رينا يسوع المسيح بقوله: “الحال التي آخذكم فيها سأحاسبكم عليها.”

هذه الكلمات ليست موجودة في العهد الجديد وقد استخدمها القديس كليمندس السكندري في كتاب (Quis dives salvetur) ويعتقد البعض أنها مُقتبسَة من أحد أناجيل الأبوكريفا مثل إنجيل العبرانيين. وربما كانت هذه الجملة أحد أقوال المسيح التي تم نقلها من خلال التقليد الشفاهي.

أجاب تريفون مقاطعًا: … يبدو لي أن الكلام لا يُعقَل على الإطلاق، بل ويفتقر تمامًا إلى دليل. إن قولك بأن هذا المسيح هو الله الكائن قبل كل الدهور الذي ارتضى أن يولد ويصير إنسانًا مع أنه ليس من أصل بشري لا يبدو مجرد كلام متناقض بل منافٍ للطبيعة والعقل أيضًا.

يا تريفون، كون هذا الرجل مسيح الله فهذا أمر لا يمكن إنكاره، حتى لو لم أستطع أن أثبت أنه وهو الله، كان كائنًا كابن لخالق الكون، وقد صار إنسانًا عن طريق عذراء. وبما أنني قد أثبت أنه هو مسيح الله بلا أدنى شك وسيظل هو هكذا حتى وإن لم أستطع إثبات أنه كائن قبل كل الدهور وقد رضي أن يصير إنسانًا له جسد ومشاعر مثلنا بحسب مشيئة الآب، ففي هذه النقطة فقط تقدر أن تقول بحق إنني مخطئ. ولكنك لا تستطيع أن تنكر أنه هو المسيح حتى وإن كان ظاهريًا من أصل بشري لأنه صار مسيحًا باختيار الآب. وهناك أيها الأصدقاء بعض الناس من بني جنسكم يعترفون بأن يسوع هو المسيح ولكنهم يدَّعون أنه من أصل بشري خالص. وإنني أختلف بالطبع مع هؤلاء الأشخاص ولن أتفق معهم حتى وإن كان غالبية من يتفقون معي في آرائي يقولون بهذا،

في الأغلب يقصد ق. يوستينوس الإبيونيين (وهي كلمة عبرية تعني الفقراء) وقد كانوا يؤمنون بأن يسوع هو المسيح لكنه إنسان عادي وليس إلهًا وقد دُعوا بذلك الاسم إشارة إلى فقر معتقدهم في الله.

قال تريفون: “يبدو لي أن الذين يقولون إنه مِن أصل بشري قد مُسح بالاختيار (ليكون المسيح) يقدِّمون عقيدة أكثر قبولًا من عقيدتكم. ونحن اليهود نتوقع أن المسيح سوف يكون إنسانًا من أصل بشري فقط، وأن إيليا سوف يأتي ليمسحه.

قال تريفون: … قُل لي أولًا، كيف تقدر أن تثبت أنه يوجد إله آخر إلى جانب خالق العالم وأنه تنازل ليُولَد من عذراء؟

لأن بعد صلبه تفرق تلاميذه حتى قام من بين الأموات وأثبت لهم أنه كان لا بد له أن يتألم. وعندما اقتنعوا بذلك خرجوا إلى العالم كله يبشرون بهذه الأمور.

وعبارة “دم العنقود” تشير مجازيًّا إلى أن دم المسيح ليس من زرع بشر بل مِن قوَّة الله. فكما أن الله وليس الإنسان هو الذي صنع دم الكرمة فهكذا تنبأ (الكتاب) أن دم المسيح لن يكون من زرع بشر بل من قوة الله. إن هذه النبوءة التي ذكرتها أيها السادة تثبت أن المسيح ليس إنسانًا (عاديًّا) من نسل بشري وليس مولودًا بالطريقة البشرية المعتادة.

قال تريفون: … أما الآن فلنعُد إلى موضوعنا الأصلي لتثبت لنا ما إذا كان روح النبوة قد قال في أي وقت بوجود إله آخر إلى جانب الله خالق جميع الأشياء.

يقول لنا موسى خادم الله الأمين والمبارك إن مَن ظهر لإبراهيم عند بلوطات ممرا هو الله الذي أُرسل بصحبة ملاكين ليدين سدوم من قِبل آخر، (وهذا الآخر) هو مَن يسكن في سماء السماوات والذي لم يره ولم يتحدث معه إنسان قط والذي ندعوه الآب خالق الكل. وها هي ذي كلمات موسى: “وظهر له الله عند بلوطات ممرا وهو جالس في باب الخيمة وقت الظهر. فرفع عينيه ونظر وإذا ثلاثة رجال واقفون لديه. فلما نظر ركض لاستقبالهم من باب الخيمة وسجد إلى الأرض وقال …

وهنا سألتهم إذا كانوا قد فهموا هذا النص فأجابوا أنهم يعرفون معنى الكلام ولكن لا يجدون فيه ما يثبت أنه يوجد إلى جانب خالق العالم أي إله أو رب آخر يذكره الروح القدس.

قُلْتُ: “إذن بما أنكم تفهمون هذه النصوص من الكتاب المقدس، سأحاول إثبات ما أقوله، أي أنه يوجد إله ورب آخر تحت الله خالق كل الأشياء كما هو مذكور في الكتاب المقدس، وهو يُسمَّى أيضًا ملاكًا لأنه يعلن للإنسان كل ما يريد خالق الكل. الذي لا يوجد إله آخر فوقه. أن يعلنه لهم.”

تعبير “إله آخر” هنا، ليس المقصود به وجود إلهين، بل الحديث عن أقنوم الكلمة وتعبير “تحت الله خالق كل الأشياء” إنما يعني “الذي به خلق الآب كل شيء”. والجدير بالذكر أن هذه تعبيرات هي تعبيرات بدائية عن عقيدة الثالوث التي عبّرت عنها الكنيسة فيما بعد بتعبيرات أدق وأوضح.

قال تريفون: … وهؤلاء الثلاثة الذين يقول عنهم الكتاب رجالاً هم ملائكة.

قلت: “كيف تفسِّر إذن قول واحد من الثلاثة، الذي كان في الخيمة، “إنّي أرجع إليك نحو زمان الحياة ويكون لسارة امرأتك ابن وأنه رجع بالفعل بعد أن ولدت سارة ابنًا؟ أ لم تؤكد النبوءة أنه الله؟

قال تريفون: “هذا صحيح، ولكنك لم تثبت بعد أنه يوجد إله إلى جانب الله! الذي ظهر لإبراهيم والآخرين من البطاركة والأنبياء.

قلت: “إذا كنت لم أستطِع أن أثبت لكم من الكتاب المقدس أن أحد هؤلاء الثلاثة هو الله وهو أيضًا يُدعى ملاكًا. أي مُعلِن لأنه قد أعلن ما أراد خالق الكل أن يعلنه كما سبق أن قلت. وأن هذا الذي ظهر لإبراهيم على الأرض في شكل رجُل مع الملاكين هو بالحقيقة الله الكائن قبل كل الخليقة، هل من المنطق أن تتمسكوا بما يعتقده عامة شعبكم؟

قلت: “دعنا نعود إلى الكتاب المقدس، وسأحاول إقناعك أن الذي قيل إنه ظهر لإبراهيم ويعقوب وموسى ويُدعى إلهًا، هو يتمايز عن الله خالق الكل، وذلك من جهة العدد وليس من جهة الإرادة. وإنني أقرُّ أنه لم يفعل شيئًا أو يقول شيئًا قط بخلاف ما يريد أن يفعله أو يقوله خالق الكون الذي لا يعلو عليه أي إله آخر.”

قلت: “النصوص الكتابية التي ذكرتها ستوضح لك هذا. ها هي ذي الكلمات: “وأشرقت الشمس على الأرض ودخل لوط إلى صوغر، فأمطر الرب على سدوم وعمورة كبريتًا ونارًا من عند الرب من السماء وقلَبَ تلك المدن وكل الدائرة” (تك ١٩: ٢٣ – ٢٥).”

وتكلَّم الصديق الرابع لتريفون وهو الذي ظل معه قائلًا: “لا بد إذن من الاعتراف بأن أحد الملاكين اللذين نزلا إلى سدوم، والذي يسميه موسى في الكتاب ربًّا، يختلف عن الأول. الذي هو الله. الذي ظهر لإبراهيم.”

قلت: “علينا أن نعترف بأنه بالإضافة إلى خالق الكل يوجد آخر يسميه الروح القدس ريًّا، ليس بسبب هذا النص فقط. وليس لأن هذا هو ما شهد به موسى فقط، بل أيضًا داود عندما قال: “قال الرب لربي اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئًا لقدميك”، وفي موضع آخر يقول: “كرسيك يا الله إلى دهر الدهور. قضيب استقامة قضيب مُلْكِك. أحببت البر وأبغضت الإثم من أجل ذلك مسحك الله إلهك بدهن الابتهاج أكثر من رفقائك”. أجيبوني هل الروح القدس في رأيكم يدعو إلهًا وربًّا غير الآب ومسيحه،

فأمطر الرب على سدوم وعمورة كبريتُا ونارًا من عند الرب من السماء. وقلَبَ تلك المدن وكل الدائرة (ت: ١٩، ١٦ – ٢٦).

حينئذ سألتهم: “ألا ترون، يا أصدقائي، أن واحدًا من الثلاثة هو إله ورب وسفير لمن هو في السماء وهو رب الملاكين؟ لأنهما عندما ذهبا إلى سدوم، مكث هو (الرب) ليتحدث مع إبراهيم كما ذكر موسى. ثم انصرف بعد أن فرغ من الحديث ورجع إبراهيم إلى مكانه. وعندما جاء إلى سدوم لم يكن هناك الملاكان بل الرب هو الذي تكلَّم مع لوط كما يتضح من نص الكتاب. إنه هو بالفعل الرب الذي كُلِّف من الرب الذي في السماء. أي الله خالق الكل. بإنزال هذه العقوبة على سدوم وعمورة كما يقول الكتاب: “أمطر الرب على سدوم وعموره كبريتًا ونارًا من عند الرب من السماء” (تك ١٩: ٢٤).

قال تريفون: … والآن واصل حديثك لإثبات أن الله هذا الذي ظهر لإبراهيم، والذي هو في خدمة خالق الكون، قد وُلِد من عذراء وصار إنسانًا. كما تدَّعي. وتألَّم مثل البشر.

قلت: يا أصدقائي، ذكر موسى أن الذي يُدعَى الله والذي ظهر للآباء دُعيَ أيضًا ملاكًا وربًّا حتى إنكم، بهذه العبارات، تعرفوه كخادم لأبي الكل.

إن كلمات الله كما سجَّلها موسى تتحدث عن يعقوب حفيد إبراهيم على النحو التالي:

أنا الله الذي ظهر لك في بيت إيل (أي بيت الله) حيث مسحتَ لي عمودًا وحيث نذرتَ لي نذرًا.

وفقرة أخرى تتحدث هكذا عن يعقوب: … وصارعه ملاك حتى الفجر ولما رأى أنه لا يقدر عليه ضرب حُق فخذه. فانخلع حُق فخذ يعقوب في مصارعته معه. وقال له: أطلقني لأنه قد طلع الفجر. فقال: لا أطلقك إن لم تباركني. فقال: له ما اسمك. فقال: يعقوب. فقال: لا يُدعى اسمك فيما بعد يعقوب بل إسرائيل يكون اسمك لأنك مع الله انتصرت ومع الناس أنت قوي. وسأله يعقوب وقال: أخبرني ما اسمك. فقال لماذا تسأل عن اسمي؟ وباركه هناك. فدعا يعقوب اسم المكان وجه الله (فنيئيل) قائلًا: لأنني نظرت الله وجهًا لوجه ونجَت نفسي (تك ٣٢: ٢٢ – ٣١).

وفي مكان آخر نقرأ عن يعقوب أيضًا: … وبنى هناك مذبحًا ودعا ذلك المكان بيت إيل لأن هناك ظهر له الله عند هروبه من وجه أخيه. وماتت دبورة مُرضِعة رفقة ودُفِنَت تحت بيت إيل تحت البلُوطة. فدعا يعقوب اسمها بلُوطة النحيب. وظهر الله ليعقوب أيضًا في لوز حين جاء مِن بين نهري سوريا وباركه وقال له الله: لا يُدعى اسمك فيما بعد يعقوب بل يكون اسمك إسرائيل (تك ٣٥: ٦ – ١٠).

قلت: “الآن، يا أصدقائي، سأُبيِّن لكم من الكتاب المقدس أن الله قد وَلَد قوةً عاقلة كبدء” قبل كل خليفة؛ إذ يشير الروح القدس إلى هذه القوة بصفات كثيرة، مثل: مجد الرب أو الابن أو حكمة أو ملاك أو إله أو رب أو كلمة. وفي إحدى المرات دعا نفسه “رئيس جند الرب” عندما ظهر كإنسان ليشوع بن نون. وهو بالحقيقة يستحق كل هذه الصفات لأنه يصنع إرادة الآب ولأنه وُلِد بإرادة الآب.

لم يكن ق. يوستينوس يفرق بين الولادة بالطبيعة من جوهر الآب والولادة بإرادة الآب وهو ما يبدو واضحًا من كلامه التالي، فعلى الرغم من أنه يقول عن الابن إنه ولد بإرادة الآب إلا انه يصفه بأنه كلمة الآب وحكمته وقدرته ومجده وهذا في الحقيقة يتماشى مع التعليم بأن الابن مولود بالطبيعة وليس بالإرادة من جوهر الآب. وهذا الأمر قد حسمه الآباء في مجمع نيقية فيما بعد حيث أكدوا أن الابن مولود بالطبيعة من جوهر الآب وليس بإرادة الآب.

ونحن نلاحظ مثلاً مشابهًا في الطبيعة عندما تبدأ نار في إشعال نار أخرى دون أن تفقد النار الأولى شيئًا بل تظل كما هي. وتظل النار التي تم إشعالها قائمة بذاتها ومُضيئة دون أن تنقِص من وهج النار الأولى. ويشهد لي كلمة الحكمة وهو ذاته الإله المولود مِن أبي الكل، وهو كلمة مَن وَلَدَه وحكمته وقدرته ومجده. وها هي ذي كلماته بفم سليمان: “وإن عرَّفتكم ما يحدث يومًا فيوم فسأذكر ما كان منذ البدء: الرب قناني أول طُرُقِه لأجل أعماله. قبل الدهر أسَّسني، في البدء قبل أن يخلق الأرض وقبل أن يخلق الهاوية، قبل أن توجَد ينابيع الغمر وقبل أن تُثَبَّت الجبال، وقبل أن تكون كل التلال وَلَدَني. صنع الله مُدُنًا وقفارًا ومرتفعاتٍ مسكونةً تحت السماء. عندما أعدَّ السماء كنت أنا معه. وعندما وضع عرشه على الرياح، عندما صنع سُحُبًا قوية في العلاء وشدَّد ينابيع الغمر، عندما ثبَّت أساسات الأرض كنت عنده صانعًا وكنت أنا مَن يُفرحه كل يوم مبتهجًا دائمًا قُدَّامه، لأنه سُرَّ؛ إذ أكمل المسكونة وفَرِحَ مع بني آدم.

وقلت: “يا أصدقائي، قال الله بضم موسى هذا الكلام ذاته عندما أعلن لنا أنه حين خلق الله الإنسان قال: “فلنخلق الإنسان على صورتنا وشبهنا فيتسلّطون على سمك البحر وطيور السماء والبهائم، على جميع الدبابات التي تدب على الأرض. فخلق الله الإنسان، على صورة الله خلقه ذكرًا وأنثى خلقهم وباركهم الله قائلًا أشمروا وأكثروا واملأوا الأرض وأخضعوها” (تك ١: ٢٦ – ٢٨).

وهنا أود أن أذكر ما قاله موسى لقطع الشك باليقين، أن الله كان يتكلَّم مع شخص له عقل، ويختلف عنه من جهة العدد. وها هي ذي كلمات موسى: “وقال الرب الإله هوذا آدم قد صار كواحد منا عارفًا الخير والشر” (تك ٣: ٢٢) إن عبارة “كواحد منا” تشير بوضوح إلى أنهم عدد من الأشخاص معًا أو على الأقل أنهم اثنان. وأنا لا أقبل بالبدعة التي يُقال بإنها عندكم والتي تقول بإن هذه الكلمات كانت موجهة إلى الملائكة، أو إن الجسم البشري هو مِن عمل ملائكة. لكن هذا المولود الحقيقي من الآب، كان مع الآب قبل كل الخليقة وتكلَّم معه الآب كما يذكر الكتاب المقدس بفم سليمان الذي يقول إن هذا الابن أو الحكمة كما يدعوه سليمان قد وُلِد كبداءة وكمولود مِن الله قبل كل أعماله.

قال تريفون: “يا صديقي، أنت قد قمت بإثبات هذه الأمر ببراهين كثيرة وقوية. والآن أثبت لنا أنه تنازل ليصير إنسانًا (مولودًا) من عذراء وفقًا لإرادة أبيه وليُصلَب ويموت. أثبت لنا أيضًا أنه قام من الموت وصعد إلى السماء.”

قال تريفون: “أنتم الذين من الأمم تُدعَون مسيحيين على اسمه وبإمكانكم أن تعترفوا به كرب ومسيح وإله كما تفيد الكتب ولكن نحن اليهود الذين نعبد الله الذي صنع المسيح لسنا مضطرين أن نعترف به أو نعبده.

إن تعبير “الله الذي صنع المسيح” قد يعني هنا أن الله هو خالق طبيعته البشرية مثلما فسر ق. أثناسيوس الآية “الرب قناني أول طرقه”. ومن الجدير بالذكر أن هذا التعبير جاء على لسان تريفون وليس ق. يوستينوس.

قال تريفون: “أنا في حيرة من هذه النصوص الكثيرة من الكتاب المقدس ولست أعرف كيف أفسر تلك الفقرة من إشعيا حيث يقول الله إنه لا يعطي مجده لآخر: “أنا الرب الإله هذا اسمي ومجدي لا أعطيه لآخر” (إش ٤٢: ٨).”

ولكن للأسف أنت تخطئ إذا كنت تقول هذا أملاً في إحراجي لكي أعترف أن بعض النصوص في الكتاب المقدس تناقض بعضها البعض؛ إلّا إنني لن أتجاسر أن أقول أو أتخيل هذا الأمر. إذا كان مثل هذا النص يبدو مُناقضًا لنص آخر. وأنا واثق تماما بأنه لا يوجد تناقض بين نصوص الكتاب المقدس وبعضها. كنت بالأحرى أعترف بصراحة أنني لا أعرف معنى النص، وأحاول قدر استطاعتي أن يشاركني الرأي هؤلاء الذين يظنون أن الأسفار المقدسة بها تناقضات. إن الله وحده يعلم لماذا أثرتَ هذه المسألة الأخيرة ولكن سأعيد على مسمعك النص كما هو بالضبط لكي ترى أن الله يعطي مجده هذا لمسيحه فقط.

ثم استطردتُ: “ألا ترون أن الله يؤكد أنه سيعطي مجده للذي عيَّنه وحده ليكون نورًا للأمم، وليس كما يدَّعي تريفون أنه سيحتفظ بمجده لذاته فقط؟”

فقال تريفون معترضًا: “إن النص ليس هوذا العذراء تحبل وتلد ابنًا”، بل هوذا الشابة تحبل وتلد ابنًا” إلى آخر النص كما ذكرته، غير أن النبوءة ككل تشير إلى حزقيا لأن الأحداث المذكورة فيها تحققت في هذا الملك. وأيضًا يوجد في الأساطير الإغريقية قصة تتحدث عن كيفية ولادة برسيوس من دناي وهي عذراء عندما نزل عليها المدعو زيوس في هيئة وابل من المطر الذهبي. وأنتم المسيحيون يجب أن تستحوا من ترديد مثل هذه القصص ويجب عليكم بالأحرى أن تعترفوا بأن يسوع هذا هو مجرد إنسان من أصل بشري. وإذا كنت تقدر أن تُثبت من أسفار الكتاب أنه هو المسيح فلتعترف بأنه حُسب أهلًا ليكون المسيح بسبب حفظه الكامل للناموس ولكن حذار أن تتحدث عن معجزات لئلا تُتهَموا بالحماقة مثل الإغريق.

قال تريفون: “إنك تحاول أن تُثبِت ما هو غير معقول وغير قابل للتصديق، وهو أن الله تنازل لكي يُولَد ويصير إنسانًا.”

قلت: هل يوجد في رأيكم إله آخر يستحق العبادة ويُدعى في الأسفار المقدسة ربًّا وإلهًا غير خالق العالم والمسيح الذي صار إنسانًا كما هو مثْبَت في نصوص كتابية كثيرة؟

قال تريفون: كيف نعترف بمثل هذا القول في حين لم نتأكد بعد من خلال مناقشتنا المطوَّلة ما إذا كان يوجد إله آخر غير الآب؟

قلت: “وإن أثبتُّ لكم حقيقة أن نبوءة إشعيا هذه تتحدث عن مسيحنا وليس عن حزقيا كما تدَّعون، هل تشكُّون في معلميكم الذين يتجاسرون على القول بأن ترجمة الأسفار المقدسة التي قام بها سبعون من شيوخكم في بلاط الملك بطليموس هي غير دقيقة في بعض الأحيان؟ لأنه عندما يظهر في الأسفار المقدسة نقض واضح لما يعتقدونه في غباء وكبرياء، يبادرون بالتأكيد على أن هذا الكلام لم يُكتَب هكذا في النص الأصلي.

قلت: “فلتطمئن، يا تريفون، أن معرفتي بالأسفار المقدسة وإيماني بها ازداد ثباتًا بسبب الأعمال المزيفة التي قدّمها الشيطان في الأساطير التي انتشرت بين اليونانيين مثلما فعل من خلال السحرة المصريين والأنبياء الكذبة في أيام إيليا. فعندما يقولون إن ديونيسيوس وُلِد نتيجة تزاوج زيوس مع سيميلي ويروون أنه هو الذي اكتشف الكرمة، وبعد أن قُطّع إربًا ومات، قام ثانيةً وصعد إلى السماء، وعندما يستخدمون الخمر في طقوسهم، أليس واضحًا أن الشيطان يحاكي النبوءة التي سبق أن ذكرتها لكم عن يعقوب كما سجّلها موسى؟ وعندما يُقال أن هرقل بن زيوس وألكميني، كان جبارًا وقد جاب الأرض كلها، وأنه بعد موته صعد أيضًا إلى السماء، أليست هذه محاكاة لما جاء في الكتاب المقدس عن المسيح أنه “مثل الجبار الذي يسرع في طريقه؟ وعندما يقدم الشيطان أسكلبيوس كإنسان يقيم الموتى ويشفي الأمراض، ألا نقول إنه (أي الشيطان) يحاكي النبوءات عن المسيح؟

وَالآن عندما يدَّعي أتباع الإِله ميثراس أنه وُلِد مِن صخرة ويسمون المكان الذي يُقبَل فيه مؤمنيه كهفًا، أ ليس صحيحًا أن نقول إنهم يقلِّدون قول دانيال “قُطِع حجر بغير يدين مِن جبل كبير” (دا ٢: ٣٤) وحاولوا بطريقة مماثلة محاكاة جميع أقوال إشعيا، فإن الشياطين دفعوا كهنة ميثراس لاقتباس كلمات إشعيا التي تحث على فعل البر.

وأنا عندما أسمع، يا تريفون، أن برسيوس وُلِد مِن عذراء أعلم أن هذه أكذوبة أخرى من أكاذيب الحية المخادعة.

“إنني بالتأكيد لا أثق في معلميكم؛ إذ لا يعترفون بصحة ترجمة الأسفار المقدسة التي قام بها السبعون شيخًا في بلاط بطليموس ملك مصر ويحاولون عمل ترجمة أخرى خاصة بهم. ويجب أن تعلموا أيضًا أنهم حذفوا أجزاء كثيرة من النسخة التي ترجمها هؤلاء الشيوخ الذين كانوا مع بطليموس؛ تلك الأجزاء التي تشير بوضوح إلى أن المصلوب هو إله وإنسان وأنه سيُصلَب ويموت. وبما أنني أعلم أنكم كيهود تنكرون هذه الأجزاء فلن أجادلكم في هذا الموضوع بل سأكمل نقاشي باستخدام الأجزاء التي تقرونها. وحتى الآن أنتم تعترفون بصحة جميع النصوص التي ذكرتها ما عدا “هوذا العذراء تحبل وتلد” وتدَّعون أن العبارة هي “هوذا الشابة تحبل وتلد” وأنا عند وعدي أن أُثبِت لكم أن هذه النبوءة لم تكن تشير إلى حزقيا كما تقولون بل إلى المسيح.” قال تريفون مُقاطِعًا: “قبل هذا نريد منك أن تذكر بعض النصوص التي تقول إنها حُذِفَت تمامًا من ترجمة الشيوخ السبعين.”

سأفعل كما يحلو لكم؛ لقد حذفوا هذا الجزء من الفقرات التي يتحدَّث فيها عزرا عن قانون الفصح: وقال عزرا للشعب: هذا الفصح هو مخلّصنا وملجأنا وإذا فهمتم ودخل هذا قلبكم أننا سوف نهينه على الصليب ويعد ذلك نضع رجاءنا فيه، فإن هذا المكان لن يُترك إلى الدهر يقول رب القوات، لكن إن لم تؤمنوا به ولم تستمعوا لتعاليمه ستكونون سخرية للأمم(110) ومن سفر إرميا حذفوا: “وأنا كحمل يُساق إلى الذبح. فكُروا عليّ أفكارًا قائلين هلموا نضع خشبة في خبزه ونقطعه مِن أرض الأحياء فلا يُذكَر اسمه بعد”. وبما أن هذه الفقرة من سفر إرميا ما زالت توجد في بعض النسخ في المجامع اليهودية – لأنها قد حُذِفَت منذ زمن قصير – وبما أن هذه الكلمات تشير إلى تآمر اليهود على قتل المسيح بالصلب، فقد أُعلن أنه “كخروف يُقتاد إلى الذبح” كما تنبأ إشعيا، وقد مُثل هنا “كحمل بلا عيب”. ومثل هذه الكلمات قد أربكتهم إلى درجة أنهم لجأوا للتجديف. وأيضًا حذفوا هذه الكلمات من سفر إرميا “الرب الإله تذكَّر موتاه مِن بني إسرائيل الراقدين في القبور ونزل إليهم ليبشرهم بخلاصه“.(113)

110 إن أصل هذا النص غير معروف ولو أن لاكتانتيوس يستشهد به أيضًا في .Inst. div. 19

113 هذه الفقرة غير موجودة في نص الكتاب المقدس مع أن ق. إيرينيوس ذكرها في (20 Adv haereses 3) وينسبها لإشعياء النبي، لكن في (78 Preaching) ينسبها لإرميا النبي. وهذه الفقرة تتفق في المعنى مع ما كتبه بطرس الرسول: “بُشِّر الموتى أيضًا” (١، ٤: ٦) وما كتبه بولس الرسول: “إنه نزل أولاً إلى أقسام الأرض السفلى” (أف ٤: ٩).

وفي المزمور ٩٥ تم حذف عبارة “على خشبة” ففي حين أن النص يقول “قولوا بين الأمم: الرب قد ملك على خشبة” فقد تركوا فقط: “قولوا بين الأمم: الرب قد ملك”. والآن، لا يوجد أحد من شعبكم قيل إنه ملك كإله وملْكَ على الأمم سوى المسيح المصلوب الذي يشهد له الروح القدس في المزمور نفسه أنه تحرر مِن الموت بقيامته.

مز ٩٥: ١٠ (في البيروتية مز ٩٦: ١٠) عبارة “على خشبة” – أي على الصليب – كثيرًا ما استشهد بها الآباء اللاتين مثل ما جاء في ترنيمة (Vexilla Regis) التي كتبها فورتوناتوس (Fortunatus) في نهاية القرن السادس، وهي موجودة أيضًا في كل مخطوطات الترجمة القبطية البحيرية، لكنها ليست موجودة في النص العبري وفي باقي ترجمات ومخطوطات السبعينية إلا في مخطوطة واحدة تعود للقرن السادس هي (Codex Veronensis).

قال تريفون: “الله وحده يعلم ما إذا كان معلمونا قد حذفوا أجزاء من الكتاب المقدس كما تقول أم لا، لكن هذا القول يبدو غير معقول.”

قلت موافقا إياه: “نعم يبدو بالفعل غير معقول لأنه عمل يفوق شناعته إقامة العجل الذهب الذي صنعوه وهم متخمون بالمن الذي نزل على الأرض، كما يفوق في بشاعته تقديم أطفالهم ذبائح للشياطين أو ذبح الأنبياء. ويبدو أنك لم تسمع حتى عن الكتب المقدسة التي قمتم ببترها كما قلت.

استحق أن يملك على العالم أجمع. وأيضًا … وقال الرب لموسى

النص هنا قد فقد، ولا يمكن معرفة الكمية المفقودة، فالبعض يظن أنها عدة كلمات، لأن الموضوع ذاته تتم مناقشته في الكلمات التالية، ولكن آخرون يعتقدون أن الجزء المفقود طويل لأن ق. يوستينوس لم يذكر نهاية مناقشات اليوم الأول وبداية مناقشات اليوم الثاني. وربما تكون مناقشات اليوم الأول قد انتهت هنا والنص المفقود ليس إلا فصلًا واحدًا يتحدث عن نهاية المناقشات، ومعه بقية مناقشات المتعلقة باليوم السابق.

لأنه قال قبل صلبه: “إن ابن الإنسان ينبغي أن يتألَّم كثيرًا ويُرفَض مِن الشيوخ ورؤساء الكهنة ويُقتَل وبعد ثلاثة أيام يقوم” (مر ٨: ٣١) وقد تنبأ داود بأنه يُولَد مِن البطن قبل الشمس والقمر بحسب إرادة الآب وأعلن أنه المسيح ولذا فهو الله القدير المسجود له.”

فمن الأفضل، يا أصدقائي، أن تتعلموا ما لا تفهمونه، منّا نحن المسيحيين الذين نلنا نعمة الله، وأن لا تحاولوا جاهدين أن تدافعوا عن تعاليمكم الخاصة مزدرين تعاليم الله.

وكان تريفون غاضبًا كما بدا على وجهه لكنه احترم الكتاب المقدس وقال لي: “إن كلمات الله هي بالتأكيد مقدسة ولكن تفسيركم لها ليس فقط تفسيرًا سطحيًا كما هو واضح من الأمثلة التي ذكرتها، بل أيضًا يُعتبر تجديفًا لأنك تقول إن بعض الملائكة أخطأوا وعصوا الله.”

أود أن أدلل على ما أقوله مِن كلمات إشعيا النبي نفسه الذي قال إن الملائكة الأشرار سكنوا ولا يزالون يسكنون مدينة تانيس المصرية.

لأن الرؤساء في تانيس ملائكة أشرار. باطلًا يتعبون لأجل شعب لا ينفعهم. ليس للمعونة ولا للمنفعة بل للخزي والعار” (إش ٣٠: ١ – ٥) وحتى زكريا يؤكد كما قد ذكرت أنت نفسك ويقول “وأراني يهوشع الكاهن العظيم قائمًا فَدَّام ملاك الرب والشيطان قائم عن يمينه يقاومه. فقال للشيطان لينتهرك الرب الذي اختار أورشليم” (زك ٣: ١، ٢). وها هي ذي أيضًا شهادة أيوب: “وجاء الملائكة ليمثلوا أمام الرب وجاء الشيطان أيضًا في وسطهم”. وفي بداية سفر التكوين يقول موسى إن الحية خدعت حواء ولذا لُعِنَت. كما أننا نعلَم أيضًا أنه كان في مصر سحرة حاولوا عمل نفس المعجزات التي عملها الله بواسطة عبده الأمين موسى. وقد قال داود: “لأن كل آلهة الأمم شياطين”.

قال تريفون: “يا سيدي، لقد قلت لك قبلًا إنك حريص جدًا على الالتزام الشديد بالكتاب المقدس في كل ما تقوله. ولكن قل لي بصدق هل تؤمن حقًا أن أورشليم سيُعاد بناؤها، وهل تتوقع فعلًا أنكم أنتم المسيحيون ستجتمعون هناك لتعيشوا بفرح مع المسيح عندما يأتي ومع الآباء والأنبياء وقديسي شعبنا وهؤلاء الذين اهتدوا إلى الله قبل مجيء مسيحكم، أم أنك تقول هذا كي تظهر كأنك انتصرت علينا في المناقشة؟”

قلت: يا تريفون، أنا لست مراوغًا لهذه الدرجة حتى أقول غير ما اؤمن به. وكما قلت لك قبل ذلك إنني وكثيرين معي نؤمن أن هذا سيحدث وقد ذكرت أيضًا أن كثيرين من المسيحيين الأتقياء لا يشاركوننا هذا الرأي. وقد قلت إن هناك مسيحيين بالاسم فقط وفي حقيقة الأمر هم هراطقة بعيدون عن الإيمان والتقوى

وإذا قابلتم أي أحد يُدعى مسيحيًا ولا يعترف بهذه العقيدة (الحكم الألفي) بل يجدّف على إله إبراهيم وإله اسحق وإله يعقوب بإنكاره قيامة الأموات ويقول إن النفس تُرفَع إلى السماء في لحظة الموت، فلا نعتبر مثل هذا مسيحيًا حقيقيًا

أما أنا وكل مسيحي قويم الاعتقاد فنؤمن بقيامة الجسد يتبعها ألف سنة في مدينة أورشليم التي ستُبنى مِن جديد بشكل أوسع وأجمل كما يعلن الأنبياء حزقيال وإشعياء وغيرهم.

لم يكن الاعتقاد بالحكم الألفي منتشرًا كما توحي كلمات ق. يوستينوس. وقد كان بابياس من هيرابوليس، وإيرينيؤس هما الوحيدين اللذين أيّدَا هذه العقيدة. ولقد اعترض كثيرون من الكتاب المسيحيين على هذه العقيدة التي تؤمن بألف سنة من السعادة الأرضية مع المسيح في أورشليم بعد القيامة من الأموات. وعلى كل فقد أعلن ق. يوستينوس منذ بداية هذا الفصل أن أراءه تلك لا يشاركه فيها الجميع.

هَا هِيَ ذِي كَلِمات إشَعِياء عَن فَتْرَة الأَلْف عَام: “لأنّه تَكُونَ سَمَاءً جَدِيدَةً وأَرْضًا جَدِيدَةً فَلَا يَنْكُرُونَ الأَوْلَى وَلَا تَخْطُرْ عَلَى بَال.

(إش ٦٥: ١٧ – ٢٥) وفي الكلمات التالية: “لأنه كأيام شجرة الحياة تكون أيام شعبي وستدوم أعمال تعب أيديهم” إشارة إلى الألف سنة في تعبير مجازي. وعندما قيل عن آدم أنه “يوم يأكل منها موتًا يموت” (تك ٢: ٧). لم يكن آدم قد بلغ ألف سنة من العمر. ونحن أيضًا نعتقد أن الآية التي تقول أن “يوم الرب كألف سنة”١٢٣ تقود إلى النتيجة نفسها. وقد كان بيننا رجل يُدعى يوحنا وهو أحد رسل المسيح وقد رأى رؤيا بأن أتباع المسيح سيعيشون في أورشليم لمدة ألف سنة ثم بعد ذلك قيامة الأموات والأبدية والدينونة ١٢٤. وقد شهد بذلك الرب نفسه عندما قال: “لا يزوِّجون ولا يزوِّجون إذ لا يستطيعون أن يموتوا أيضًا لأنهم مثل الملائكة وهم أبناء الله إذ هم أبناء القيامة.” (لو ٢٠: ٣٥ – ٣٦).

ولكنكم تتجاسرون على تغيير ترجمة هذا النص والتي قام بها شيوخكم في بلاط بطليموس الملك المصري مؤكدين على أن المعنى الحقيقي للنص ليس كما ترجمه هؤلاء الشيوخ بل: “هوذا الشابة تحبل” كما لو كان أمرًا عجيبًا أن تحبل امرأة بعد الاتصال الجنسي كما يحدث مع كل امرأة شابة ما عدا العاقر.

فلا تحاولوا حذف أو إساءة تفسير النبوءات لأنكم بهذا تسيئون إلى أنفسكم وليس إلى الله.

بل هي تشير إلى مسيحنا الذي ظهر بلا كرامة ولا جمال. كما يشهد بذلك إشعيا وداود وجميع الكتب المقدسة. وهو رب الجنود بإرادة أبيه الذي وهبه هذه الكرامة، وهو مَن قام مِن الأموات وصعد إلى السماء، كما جاء في المزمور وفي نصوص كتابية أخرى معلنة أنه هو رب الجنود.

فكل الشياطين تنهزم وتخضع عند انتهارها باسم ابن الله بالحقيقة، الذي هو بكر كل الخليقة المولود مِن عذراء، وهو الذي تألم وصُلِب بواسطة شعبكم في عهد بيلاطس البنطي ومات وبعد قيامته مِن الأموات صعد إلى السماوات.

لكن إذا انتهرها أحدكم باسم إله إبراهيم وإله اسحق وإله يعقوب فربما تخضع لكم.

لأن الكتاب يقول: “أَحَببت البر وأبغضت الإثم لأجل ذلك مسحك الله إلهك بزيت الابتهاج أكثر مِن رفقائك”١١. فجميع الملوك والمسحاء نالوا منه نصيبهم في أسمائهم كملوك ومسحاء، كما أنه هو ذاته أخذ من الآب لقب ملك ومسيح وكاهن وملاك وغيرها مِن هذه الألقاب التي له.

وبعد أن انتهيت من الكلام قال تريفون: … كلمات إشعيا هذه: “ويخرج قضيب مِن أصل يسى وتنبت زهرة من جذوره ويرتاح فيه روح الرب روح الحكمة والفهم، روح المشورة والقوة، روح المعرفة والتقوى وتملأه مخافة الرب” (إش ١١: ١ – ٣) وأنت قد اعترفت أن هذه الكلمات تشير إلى المسيح الذي تدَّعي أنه سابق الوجود كإله، وتجسَّد بإرادة الله مولودًا مِن عذراء. فكيف تقدر أن تُثبِت أنه سابق الوجود في حين أنه قد ملأته مواهب الروح القدس التي ينسبها إليه هذا النص من إشعيا كما لو كانت تنقصه؟

وكدليل آخر، تذكروا ما قلته لكم عن المجوس كيف أنهم أتوا مِن العربية بعد ميلاد المسيح مباشرةً وسجدوا له لأنه حتى في وقت مَوْلِده كانت له قوته (الإلهية)، لكنه نما مثل باقي البشر الآخرين مستخدمًا ما يناسب كل مرحلة مِن مراحل نموه ومتغذيًا بكل نوع مِن أنواع الطعام حتى بلغ الثلاثين مِن عمره،

وعندما أقبل يسوع إلى نهر الأردن حيث كان يوحنا يُعمِّد، نزل في الماء فاشتعلت نار في مياه الأردن وعند صعوده من الماء حلَّ الروح القدس عليه في شكل حمامة كما يشهد بذلك رسل المسيح نفسه.

ربما يكون ق. يوستينوس قد تعلم ذلك إما من التقليد أو من كتابات الأبوكريفا مثل إنجيل الإبيونيين أو (Praedicatio Pauli) واللذان يذكران هذه الظاهرة.

وإذ أراد الله أن يفعل الملائكة والناس ما أعطاهم القدرة على أن يفعلوه، وهبهم حرية الإرادة والقدرة على الاختيار حتى إنهم إذا اختاروا أن يفعلوا ما يرضيه يحفظهم للحياة الأبدية بلا دينونة، ولكن إذا فضلوا أن يفعلوا الشر فهو يعاقب كل واحد كما يشاء.

وقد حلَّ عليه الروح القدس، كما ذكرت، في شكل حمامة لأجل البشر وفي نفس اللحظة صار صوت من السماء ينطق بكلمات كان داود قد سبق أن تنبأ بها عمَّا سيقوله الآب فيما بعد للمسيح: “أنت ابني أنا اليوم ولدتك” (مز ٢: ٧) ويقوله “أنا اليوم ولدتك” يعني أن ميلاده بدأ بالفعل بالنسبة للناس عندما أدركوا مَن هو.”

قال تريفون: … ولكننا نشك في ضرورة صلب المسيح بهذا الشكل المشين لأن الناموس يقول أن مَن يُصلَب فهو ملعون١٥. وبالتالي ليس من السهل إقناعي بهذه النقطة. ومع أن الأسفار المقدسة تذكر أن المسيح ينبغي أن يتألَّم ولكن عليك أن توضح لنا – إن أمكن – ما إذا كان هذا الألم مِن النوع الذي لعنه الناموس

قال تريفون: “إذن أرنا هذا مِن الكتاب المقدس حتى نصدِّق نحن أيضًا ما تقوله. ونحن بالفعل على يقين أنه كان لا بد له أن يتألَّم وأن يُساق كحمل للذبح. ولكن ما نريد أن تُثْبِته لنا هو أنه كان لابد له أن يُصلَب وأن يموت هذه المياه المشينة المخزية التي لعنها الناموس. إذ أننا نرى مثل هذا مستحيل.”

“إن الله يُظهِر لكل جنس البشر في كل زمان ومكان ماهية البر، وكل إنسان يعرف أن الزنا والفسق والقتل وما يشابهها هو شر. وعلى الرغم من أن جميع الأشرار يرتكبون مثل هذه الأفعال إلا أنهم يعلمون أنهم يخطئون كلما أقدموا على فعل ذلك، ما عدا هؤلاء الذين بهم روح نجس أو فسدت عقولهم بسبب تعاليم وعادات رديئة وقواعد شريرة أفقدتهم الشعور الطبيعي بالذنب.

ولذا فإنني أرى أن رينا ومخلصنا يسوع المسيح شرح بشكل مناسب للغاية مبدأ أن البر والتقوى يتلخصان في هاتين الوصيتين: “تحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك … وتحب قريبك كنفسك” (مت ٢٢: ٣٧ – ٣٩)، لأن مَن يحب الله بكل قلبه وكل فكره يكون عقله مكرَّسًا لله ولن يعبد آخر سواه بل يعبد المسيح الذي أرسله الرب الإله لأن هذه هي إرادة الله.

بل إنكم تستمرون في طريق الشر حتى يومنا هذا لاعنين مَن يُثبِت لكم أن الذي صلبتموه هو المسيح. والأكثر مِن هذا أنكم تدَّعون أنه صُلِب كعدو ملعون من الله، مما يدل على عدم سلامة قواكم العقلية.

قد تعلَّمنا بنعمته مِن الكتب المقدسة أن نعرفه كابن الله الوحيد المولود منه قبل كل الخليقة، وكابن الآباء البطاركة لأنه تجسَّد مِن عذراء مِن جنسهم وتنازل ليصير إنسانًا لا جمال له ولا منظر وعُرضة للألم.

وبما أنه مكتوب في مذكرات الرسل (أي الأناجيل) أنه هو ابن الله، وبما أننا ندعوه بهذا الاسم ذاته فإننا نفهم أنه هو بالحقيقة الذي خرج مِن عند الآب قبل كل الخليقة بقوته وإرادته، وقد دُعيَ في الكتابات النبوية بطرق مختلفة؛ الحكمة والنهار والشرق والسيف والحجر والعصا ويعقوب وإسرائيل.

وما يلي ذلك في المزمور: “عليك اتكل آباؤنا، اتكلوا فنجيتهم. إليك صرخوا فخلصوا. عليك اتكلوا فلم يخزوا. أما أنا فدودة لا إنسان. عار الناس ومُحتَقَر الشعب”. هذه الفقرة تثبت أنه (السيد المسيح) اعترف بأن آباءه هم أولئك الذين اتكلوا على الله فنجوا والذين كانوا أيضًا آباء العذراء التي منها وُلِد وتأنَّس وهو يذكر أيضًا أن الله سينجيه وفي تواضعه لا يدَّعي أنه يفعل شيئًا بإرادته أو قوته الذاتية.

خلق الملائكة والناس أحرارًا في عمل البر وقد وضع حدًّا للزمن الذي يعلم أنه خير للناس أن يتمتعوا بحرية الإرادة. وهكذا أيضًا، لأنه يعلم ما هو لخير الإنسان، وضع أحكامًا عامة وخاصة يحمي بها حرية الإنسان.

فإن إشعيا النبي يقول إنه لم يخطئ ولو بكلمة “لم يعمل ظلمًا” ولم يكن في فمه غشٌ (إش ٥٣: ٩). فهو لا يستطيع أن يخلص بدون الله الآب،

الكلام هنا عن الطبيعة البشرية المتحدة بالابن، حيث المقصود أن الابن قد أتم العمل الخلاصي في جسده هو أولًا ووحده بأبيه “ليكونوا هم أيضًا واحدًا فينا” (يو ١٧: ٢١) ثم ينقل إلينا بعد ذلك كل ما أتمه في جسده الخاص.

المقصود بالأسد المزمجر هو الشيطان نفسه الذي دعاه موسى بالحية، وأسبابه أيوب وزكريا: إبليس، ويسوع سماه “شيطان” وهو اسم مُركّب يدل على الأعمال التي يعملها؛ إذ إن المقطع “ساطان” في اللغتين العبرية والسريانية تعني “مُرْتَدّ”، في حين المقطع “ناس” يعني “حية” وهما يشكلان كلمة واحدة هي “ساطاناس”. وقد جاء في كتابات الرسل أنه بمجرد خروج يسوع من نهر الأردن، وسماعه صوتًا يقول له “أنت ابني أنا اليوم ولدتك”، جاء الشيطان ليجريه إلى درجة أنه قال ليسوع “اسجد لي” فأجابه المسيح: “اذهب عني يا شيطان فإنه مكتوب للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد” (مت ٤: ١٠) وكان الشيطان قد نجح في خداع آدم فظن أنه يستطيع أن يؤذي المسيح أيضًا بشكل ما.

ففي كتابات الرسل (أي الأناجيل) ومن جاء بعدهم مكتوب أن عرقه كان يتصبب منه مثل قطرات الدم وهو يصلي قائلاً: “يا أبتاه إن شئت أن تجيز عني هذه الكأس” (لو ٢٢: ٤٤) وكان قلبه يرتجف وأيضًا عظامه، وصار قلبه كالشمع الذائب في داخله، وذلك لكي نفهم أن الأب أراد له أن يتحمل هذه الآلام الشديدة لأجلنا ولكيلا نظن أنه بكونه ابن الله لا يشعر بما يجري له وبما يصيبه من ألم.

وقد أثبتُّ لكم أنه هو الابن الوحيد لأبي الكون كله، وُلِد منه؛ إذ هو كلمته وقوته. ثم صار إنسانًا ووُلِد مِن عذراء كما نعلم من كتابات الرسل.

ونحن نعلم مِن كتابات الرسل أن المسيح غيَّر اسم واحد من الرسل إلى بطرس كما غيَّر اسمِّي الأخوين ابني زيدي إلى بوانرجس الذي يعني “ابني الرعد”

وكان يونان – بعد أن قُذِف إلى البر من بطن الحوت في اليوم الثالث – قد أنذر أهل نينوى أنهم سوف يهلكون جميعًا في خلال ثلاثة أيام – وفي نسخ أخرى في خلال أربعين يوماً

الترجمة السبعينية تحدد عدد الأيام بثلاثة، ولكن النسخة العبرية تحدد عددها بأربعين. ويستشهد ق. يوستينوس هنا بنص السبعينية وقد يكون نص الجملة الاعتراضية هو إضافة من أحد نساخ كتابات ق. يوستينوس.

ولكنكم لم ترفضوا التوبة بعد علمكم بقيامته من الأموات فحسب، بل أيضًا – كما قلتُ من قبل – اخترتم بعض الرجال وكلفتموهم ليطوفوا المسكونة جمعاء ويقولوا: “إن هرطقة كافرة ومخالفة للناموس أسسها رجل جليليٌّ مُضِل يُدعى يسوع وقد صلبناه ولكن سرق تلاميذه الجسد من القبر ليلًا. حيث كان قد وُضِع بعد أن أُنزِل من على الصليب. وهم يحاولون الآن خداع الناس بتأكيدهم أنه قام مِن الأموات وصعد إلى السماوات، كما أنكم تتهمونه بأنه علَّم هؤلاء التلاميذ تعاليمَ كافرة ومخالفة للناموس وشريرة، وأيضًا توجِّهون هذه التهم لكل الذين يعترفون به كمسيح ومعلِّم وابن للّه.

ولكن إن كان كل ما يستطيع معلموكم – على كثرة عددهم – تفسيره هو لماذا ذُكِرت إناث الجمال في هذا الجزء من الكتاب المقدس ولم تُذكَر في ذلك الجزء الآخر؟

تساءل معلمو اليهود لماذا ذُكِرت إناث الجمال فقط في (تك ٣٢: ١٥)، بينما ذُكرت الحيوانات الأخرى بنوعيها.

وقد أثبتُّ لكم أن يسوع هو الذي ظهر لموسى وإبراهيم وباختصار لجميع الآباء البطاركة وتحدث معهم بحسب إرادة أبيه، وهو أيضًا صار إنسانًا مِن مريم العذراء ويحيا إلى الأبد. وبعد مجيئه سوف يجدد الآب به السماء والأرض فهو الذي سيضيء في أورشليم كنور أبدي، وهو ملك ساليم وكاهن العليّ إلى الأبد على طقس ملكي صادق.

والآن قد نزعنا عنا ثياب الخطية بالنعمة التي أنعم علينا بها يسوع المسيح بحسب إرادة أبيه. وعلى الرغم من أن الشيطان يقف بالقرب منا مستعد لمقاومتنا ولأسرنا جميعا له، إلا أن ملاك الرب أي القوة التي أرسلت لنا بواسطة يسوع المسيح ينتهره فيذهب عنا. فنحن قد انتُشِلنا كما من نار عندما طهرنا الله مِن خطايانا السابقة وأنقذنا من نار التجارب التي يجرينا بها الشيطان وأعوانه.

لا يتضح هنا المقصود بالضبط بالقوة المرسلة لنا من المسيح؛ فهل هي فعلاً ملاك أم المقصود هنا هو الروح القدس.

وأما هذه الثياب القذرة، أي الأباطيل، التي تضعونها على كل الذين يصيرون مسيحيين باسم يسوع فسوف يطرحها الله عنا عندما يقيمنا جميعًا إلى عدم الفساد والخلود والتحرر من الألم في ملكوت أبدي لا يفنى ويطرد الآخرين إلى عذاب النار الأبدي.

ولكن لا يوجد جنس واحد من الناس؛ سواء البربر أو اليونانيون أو أيًّا كان اسمهم، مِن البدو أو المتشردين أو الرعاة ساكني الخيام، لا يُقدِّمون صلوات وتشكرات باسم يسوع المصلوب إلى الآب خالق الكل.

قلت: “هل تظنون أيها السادة أننا نقدر أن نفهم معنى هذه النصوص من الكتاب المقدس بدون نعمة خاصة ممن أوحى بهذه النصوص

وقد كنت قادرًا أيها السادة أن أجادلكم بخصوص النص الذي تترجمونه هكذا حتى تأتي الأشياء المُذخَّرة له، بالرغم من أن السبعين (شيخًا) لم يترجموها هكذا بل ترجموه: “حتى يأتي مَن ذُخِّرَ له” وبما أن العبارة التي تلي هذا تشير بوضوح إلى المسيح “وهو رجاء الأمم” فأنا لا أريد أن أدخل في مجادلة لفظيَّة معكم، كما أنني لم أعتمد في الإثباتات التي أوردتها عن المسيح على النصوص الكتابية التي لا تعترفون بها. والتي اقتبستها مِن إرميا وعزرا وداود. بل اعتمدتُ حتى الآن على تلك النصوص التي تعترفون بها والتي لو كان معلموكم قد فهموها لحذفوها بالتأكيد كما فعلوا مع النصوص التي تصف موت إشعيا الذي نشرتموه أنتم أيها اليهود إلى نصفين بمنشار.

وبفم إشعيا يتحدث الله عن إسرائيل آخر: في ذلك اليوم يكون إسرائيل ثالثًا للمصريين والأشوريين. مُبارَكًا في الأرض التي باركها رب الجنود قائلًا: مبارك شعبي الذي في مصر وفي آشور وميراثي إسرائيل (إش ١٩: ٢٤ – ٢٥) وبما أن الله يبارك هذا الشعب ويدعوه إسرائيل ويعلن بوضوح أنه ميراثه، فلماذا لا تشعرون بالندم على خداع أنفسكم في تصوركم أنكم وحدكم إسرائيل لاعنين هؤلاء الذين باركهم الله حتى إنه قال لأورشليم والمنطقة المحيطة: أمشي الناس عليكم شعبي إسرائيل فيرثونكم فتكونون لهم ميراثًا ولا تعود بعد تثكلهم (حز ٣٦: ١٢).

قال تريفون: “هل تعني بقولك هذا أنكم أنتم إسرائيل وأن الله يقول كل هذا عنكم؟”

إن كان لكم آذان اسمعوا الله في سفر إشعيا يتكلّم عن المسيح برمز ويدعوه يعقوب وإسرائيل: “يعقوب عبدي أعضاء، إسرائيل مختاري أضع روحي عليه فيُخرِج الحق للأمم.

لقد بيَّن لنا المزمور أنهم حُسِبوا مستحقين أن يصيروا آلهة ويكون لهم السلطان أن يصيروا أبناء العلي٢٠٢، إلا أنهم سقطوا تحت الحكم والدينونة كما حدث مع آدم وحواء. كما أثبتُّ لكم بإسهاب أن الروح القدس يدعو المسيح الله.

إن اسم إسرائيل يعني “إنسانًا يتغلب على قوة” لأن “إسرا” تعني إنسان يتغلب، و”إيل” تعني قوة. وقد جاءت نبوءة بأن المسيح سوف يفعل هذا عندما يتجسد، وهذه النبوءة تتمثل في سر صراع يعقوب مع الله الذي ظهر له، مما يشير إلى أن المسيح خدم إرادة الله مع أنه هو الله بكونه بكر كل الخليقة. فبعد تجسده. كما ذكرت قبلاً. جاءه إبليس – أي تلك القوة المدعوة أيضًا الحية والشيطان – ليجرّبه ويحاول أن يتغلب عليه طالبًا منه أن يسجد له.

قلت: “ولكن، يا تريفون، لو كنت تعلم من هو الذي دعاه حزقيال ذات مرة “ملاك المشورة العظمى” ومرة أخرى دعاه إنساناً،

هذا الوصف جاء في سفر إشعيا وليس حزقيال.

الله. لو كنت تعلم من هو لما جدَّفتَ عليه، وهو الذي أتى واتخذ طبيعة بشرية وتألَّم وصعد إلى السماء وسيأتي ثانية، حينئذ تبكي وتنوح عليه أسباطكم الاثنا عشر. حقًّا لو أنكم فهمتم كلمات الأنبياء لما أنكرتم أنه الله والابن الوحيد لله غير الموصوف غير المولود.

وأيضًا في قوله إن يعقوب “صارعه إنسان” فهو يؤكد أن هذا الإنسان هو الله؛ إذ يقول يعقوب “لأني نظرت الله وجهًا لوجه ونجَت نفسي” (تك ٣٢: ٢٤ – ٣٠) كما يشهد موسى أن يعقوب دعا المكان الذي ظهر له الله فيه وصارعه وباركه “وجه الله”.

هو ملاك وإله أرسله الآب ليقول ويفعل كل هذا،

فلا ينبغي أن تظنوا أن الله الآب ذاته هو الذي نزل وصعد لأن الآب غير الموصوف ورب الكل لا يأتي إلى أي مكان ولا يمشي ولا ينام ولا يقوم، بل يظل على الدوام في مكانه أينما كان هذا المكان ناظرًا وسامعًا بكل دقة ليس بعيون أو آذان بل بقوة تفوق الوصف، فهو يعاين كل الأشياء ويعرف كل الأشياء ولا يستطيع أحد منا أن يغيب عن نظره. وهو أيضًا لا يتحرك؛ إذ لا يحويه مكان ولا حتى الكون كله لأنه موجود قبل خلق الكون،

لا إبراهيم ولا إسحق ولا يعقوب ولا أي إنسان آخر رأى الآب غير الموصوف ورب كل الخليقة ورب المسيح ذاته، ولكنهم قد رأوا ابن الله، الملاك الذي خدم إرادة الآب ومشيئته، هذا الذي بإرادته وُلِدَ مِن عذراء وهو الذي ظهر في شكل نار عندما كَلَّمَ موسى مِن العليقة

لُقد حرصت أن أثبت لكم بإسهاب أن المسيح هو الرب وهو الله؛ إذ إنه ابن الله وإنه في القديم ظهر بقوته كإنسان وكملاك وفي مجد النار كما في العليقة،

فأنا أفعل هذا لأنني أعلم أن البعض منكم بصدد القول بأن القوة التي أرسلها أبو الكل وظهرت لموسى وإبراهيم ويعقوب دُعيَت ملاكُا لأنه أُرسِل إلى بشر. وبهذه القوة ينقل الآب رسائله إلى البشر. كما دُعيَ مجدًا لأنه يظهر أحيانًا في رؤى لا يمكن احتمالها، ودُعيَ إنسانًا لأنه يظهر في هيئات كهذه بحسب مشيئة الآب، ودُعي الكلمة لأنه يعرِّف الناس كلام الآب. ولكن البعض يعلّمون بأن هذه القوة لا تنقسم أو تنفصل عن الآب، كما أن نور الشمس على الأرض لا ينقسم أو ينفصل عن الشمس في السماء؛ فعندما تغرب الشمس يختفي نورها من على الأرض. ومن هنا يدّعون أن الآب يرسل قوته متى أراد ويرجعها ثانية متى أراد، ويُعلّمون بأن الآب صنع الملائكة بهذه الطريقة، إلا أنه ثبت أن الملائكة يبقون على الدوام (ملائكة) ولا يعودون ثانية إلى الشكل الذي خُلقوا منه. ولقد أوضحت بالتفصيل أن هذه القوة التي يُسمِّيها الأنبياء “اللَّهُ وَ “مَلَاكَ” لا يُعتبر مُختلفًا فقط من حيث الاسم مثل نور الشمس بل أيضًا يتمايز من حيث العدد كما سبق أن شرحت بإيجاز أن هذه القوة هو مَن وُلِدَ مِن الآب بقدرته وإرادته، لكن ليس عن طريق الانفصال، وليس كأن جوهر الآب انقسم لأن الأشياء إذا انقسمت لا تعود كما كانت قبل الانقسام. ولشرح هذه النقطة ذكرتُ مثال النار التي تشتعل مِن نار أخرى، علمًا بأن النيران المشتعلة تتميز عن النار الأصلية التي مع أنها تشعل نيرانًا أخرى إلا أنها تظل هي النار نفسها بلا نقصان.

المقصود هنا هم بعض اليهود مثل فيلو اليهودي (Philo Judaeus) أو بعض المسيحيين مثل هرطقة الموناركيين (Monarchians) ومن أمثلتهم نيتوس (Noetus) وبراكسياس (Praxeas) وبولس الساموساطي (Paul of Samosata).

ولإثبات هذه النقطة سأعيد لكم الآن بعض نصوص من الكتاب المقدس كنت قد ذكرتها قبلًا. عندما يقول الكتاب المقدس: “أمطر الرب… نارًا من عند الرب من السماء” (تك ١٩: ٢٤) فهو يشير إلى أنهما اثنان في العدد، أحدهما على الأرض وقد جاء ليشهد على صراخ سدوم، والآخر في السماء الذي هو رب الرب الذي على الأرض وكأبيه وإلهه فهو علّة وجوده وقوته وربوبيته وألوهيته.

أي أن الآب هو علة وجود أقنوم الابن؛ إذ هو مولود منه حسب الطبيعة. وقد أدى هذا الشرح إلى التمادي في القول بأن الآب هو عله ربوبية وألوهية الابن. وهذا بالضبط هو ما جعل ق. أثناسيوس يتجنب استخدام تعبير “العلة” ويفضل عنه تعبير “الولادة” فالله آب ليس لأنه علة وجود الابن ولكن لأنه هو أبو الابن.

وعندما كررت هذا الكلام أضفت: “أيها السادة، إذا كنتم قد تابعتم كلامي بدقة فسترون أن الكتاب يعلن أن الابن مولود من الآب قبل كل الخليقة، وستعترفون جميعًا أن الابن المولود يتمايز عدديًا عن الآب الذي ولده.

وأَذْكُرُ الآنَ إِحْدَى هَذِهِ المَعْجَزَاتِ لِأَنَّهَا تَسَاعِدُكُمْ لِتَعْرَفُوا مِن هَوَ يَسْوَعُ الذي نَؤْمِنُ أَنَّهُ هَوَ المَسِيحِ ابْنُ اللّهِ الذي صُلِبَ وَقَامَ مِنَ المَوْتِ وَصَعَدَ إِلَى السَّماءِ وَسَيَأْتِي ثَانِيَةً لِيَدِينَ كُلُّ إِنْسَانٍ عَاشَ عَلَى الأَرْضِ حَتَّى آدَمَ ذَاتِهِ.

ولذا في شرح أي ملك يقصد باسمي يعقوب وإسرائيل يقول الكتاب: “يعقوب عبدي أعضده، وإسرائيل مختاري الذي سُرَّت به نفسي. وضعت روحي عليه فيخرج الحق للأمم.

ولا تزدروا بملك إسرائيل كما يأمركم بذلك رؤساء المجامع بعد الصلاة، لأنه إذا كان مَن يمس هؤلاء الذين لم يرضوا الله كمن يمس حدقة عين الله (انظر زك ٨: ٢) فكم بالحري يكون ذاك الذي يمس ابنه الحبيب؟ والذي أثبتنا بما فيه الكفاية أنه هو بالفعل هكذا.”

ثم قلت: “أنتم تعلمون يا سادة أن الله قال لأورشليم بغم إشعيا: “في” طوفان نوح أنا خلصتك” وبهذا قصدَ الله أن يعلن سر فداء البشرية في الطوفان، وقد كان نوح مع زوجته وأبنائه الثلاثة وزوجاتهم ثمانية أشخاص مثالاً لليوم الثامن. أي اليوم الأول في الأسبوع. الذي فيه قام الرب من الموت. والآن بما أن المسيح هو بكر كل خليفة، فقد صار باكورة لشعب جديد تجدد بواسطته بالماء والإيمان والخشبة التي حملت سر الصليب.

لم يرد هذا الكلام في سفر إشعيا، ولكنه ربما يكون مبنيًا على إش ٥٤: ٨ – ٩.

أما المسيح فقد جاء بالقوة المُعطاة له مِن الآب ضابط الكل ليدعو جميع الشعوب إلى الألفة والبركة والتوبة وحياة الشركة في هذه الأرض ذاتها التي ستكون (مِلكُه) لكل القديسين. ولذا تدرك شعوب الأرض سواء عبيد أو أحرار الذين يؤمنون بالمسيح ويعترفون بصدق كلامه وكلام الأنبياء أنهم في يوم ما سيجتمعون به في تلك الأرض حيث الميراث الأبدي لبركات لا تفنى.

أود أن أقول إن الله على الرغم من أنه أراد للناس والملائكة أن يسيروا بحسب إرادته، إلّا أنه سُرَّ أن يخلقهم بإرادة حرة مِن جهة ممارسة الفضيلة واستخدام العقل لكيما يعرفوا خالقهم. الذي به جاءوا من العدم إلى الوجود. والذي أعطاهم ناموسًا يُحاكَمون به في حالة عمل أي شيء منافٍ للعقل. ولذا ما لم نثُب سريعًا فإننا. سواء أناس أو ملائكة. سنُدان بسبب خطايانا. وإذا كانت كلمة الله تنبئ بأن بعض الناس والملائكة ستقع عليهم عقوبة، فذلك لأن الله يعلم مسبقًا بخطيتهم التي بلا توبة، وليس لأن الله خلقهم هكذا. ولذا فإن كل مَن يتوب بإرادته ينال رحمة من الله ويُدعى مباركًا في الكتاب المقدس الذي يقول طُوبى لَمَن لا يحسب له الرب خطية.

نُصح لليونانيين

يوجد نص “نصح لليونانيين” في أربع مخطوطات يونانية أقدمها هي (Arethas Codex (cod. Paris. 451 لعام ٩١٤م. ويرد في هذه المخطوطات وأيضًا في النسخة اليونانية الأصلية لهذا النص والترجمة اللاتينية الأولى له، أن هذا النص هو مِن أعمال ق. يوستينوس الأصلية. ولكن لا يبدو أن هذا النص قد كُتِبَ بقلم ق. يوستينوس الشهيد، وذلك ليس فقط بسبب أسلوبه الأدبي بل أيضًا بسبب مضمونه الذي ينتقد فيه الفلاسفة الوثنيين. وبالرغم من أن هذا النص قد نُسِبَ منذ القرن السادس للقديس يوستينوس إلا أنه يُعَد من الكتابات المشكوك في مصدرها. أما الذين ينكرون نسبته له فيُرجِعون كتابته إلى أعوام ١٨٠-٣٦٠م أي بعد استشهاد ق. يوستينوس.

هذا هو رأي يوسابيوس القيصري أيضًا في كتابه “التاريخ الكنسي” ٤، ١٨، ١

خِطاب إلى اليونانيين

لقد وصل إلينا كتاب “خطاب إلى اليونانيين” في مخطوطتين، الأولى يونانية وهي (Codex Argentoratensis gr. 9) من القرن الثالث عشر أو الرابع عشر، وقد دُمِّرَت تمامًا في حريق في مدينة ستراسبورج في ٢٤ أغسطس ١٨٧٠. والمخطوطة الأخرى من القرن السابع (Cod. Syr. Add. 14658) وهي محفوظة الآن بالمتحف البريطاني وتحتوي على النسخة السريانية لهذا الحديث تحت اسم أمبروسيوس.

ويشك البعض أن القديس يوستينوس هو كاتب هذا الخطاب، لأن تاريخ فضح هذا الانحلال الوثني يجب رصده بين النصف الأخير من القرن الثاني والربع الأول من القرن الثالث. فضلًا عن أن الأسلوب ليس هو أسلوب ق. يوستينوس، كما أن الكاتب يرجع تحوُّله للمسيحية إلى كراهيته لفجور الوثنيين، بينما يُرجِع ق. يوستينوس تحوله للمسيحية، إلى دراسة عميقة لأنبياء العهد القديم، بالإضافة إلى تأثُّره الشديد بصمود المسيحيين في مواجهة العذاب والموت.

عن حُكم الله

إن النص اليوناني لمقال “عن حُكم الله” (De Monarchia) محفوظ في مخطوطة 450 Codex Paris gr لسنة ١٣٦٤ وأيضًا في مخطوطة 82 Codex Claromont. لسنة ١٥٤١. وكان أيضًا محفوظًا في مخطوطة ستراسبورج 9 Cod. gr من القرن الثالث عشر والتي فُقِدَت في حريق عام ١٨٧٠.

وتضع المخطوطات هذا الكتاب ضمن كتابات القديس يوستينوس، كما أن يوسابيوس في كتابه التاريخ الكنسي، الفصول ٤ و١٨ ينسبه إليه تحديدًا. غير أن يوسابيوس يقول إن كتاب “عن حُكم الله” الذي قرأه كان يُثبت وحدانية الله بشواهد من الكتب المقدسة ومن الأدب الوثني. أما المقال الذي لدينا الآن فهو يستخدم شواهد من مصادر وثنية فقط. ولذا فإن الشكوك تحوم حول كاتب هذا المقال الذي كُتب على الأرجح في القرن الثالث عندما كان استخدام أبيات من الشعر اليوناني الزائف شائعًا.

شذرات مِن الكتاب المفقود عن القيامة

والرب أبو الكون والمدبر الأعظم هو الحق، والكلمة، ابنه يسوع المسيح، الذي تجسد لأجلنا مُعلنًا لنا ذاته والآب أيضًا، ومعطيًا إيانا في شخصه قيامة من الأموات وحياة أبدية.

كما أن رينا يسوع المسيح قد وُلِد من عذراء ليثبِت للعالم البشري أن الإنجاب مِن الممكن أن يحدث بدون وجود الشهوات الدنيئة، وأن عملية الخلق وتكوين الإنسان ممكنة عند الله بدون تدخل بشري. ثم بعد ولادته خضع السيد المسيح لبعض قوانين الجسد البشري كالجوع والعطش والملبس والتي بدونها يفنى الجسد، أما ما لم يخضع له يسوع المسيح قط فكانت الشهوة لأن غيابها لا يضر الجسد البشري في شيء.

في القيامة سيقوم الجسد صحيحًا خاليًا مِن أيَّة تشوُّهات أو نقص. إن كان قد شفى الأجساد

في القيامة ستقوم الأجساد صحيحة وخالية مِن أية عيوب.

وحتى فيما يتعلق بالقيامة فقد أرانا المُخلِّص (بقيامته) أن القيامة هي أمر حقيقي.

ونقدِّم اعتذارًا لأبناء الكنيسة لأننا سنستند إلى أدلة من الطبيعة ومن علوم غير مسيحية: أولًا لأنه ليس شيئًا غريبًا عن الله ولا العالم ذاته، وثانيًا لأننا نخاطب في المقام الأول غير المؤمنين. فمناقشتنا مع المؤمنين سوف يكفيها القول بأن هذا هو إيماننا، ولكننا سنلجأ إلى استعراض البراهين الكافية لإقناع غير المؤمنين بإمكانية قيامة الجسد، ونظرًا لأنهم لن يصدِّقوا براهين الإيمان فسوف نسوق لهم براهين عدم إيمانهم، أي البراهين الماديَّة فإذا لم يقتنعوا بالدلائل الإيمانية أو المادية فلا يسعنا تجاههم سوى الإهمال.

إن بعض فلاسفة الطبيعة أمثال أفلاطون يقولون بإن الكون يتكوَّن من المادة والله؛ في حين يرى البعض الآخر كأبيقور وأتباعه أن الكون عبارة عن ذرات في الفراغ، ويرى الرواقيون أن الكون يتكوَّن من أربعة عناصر هي الماء والهواء والنار والتراب. ويقول أفلاطون إن كل الأشياء قد صُنِعَت مِن المادة بواسطة الله، وبتصميمه. أما أبيقور وأتباعه فيرون أن كل الأشياء مصنوعة مِن ذرات تدور في الفضاء بطريقة منظمة ذاتيًا مصدرها الحركة الطبيعية للأجسام.

ويرى الرواقيون أن كل الأشياء مصنوعة مِن العناصر الأربعة التي يتواجد الله فيها. ورغم اختلافهم فإن هناك نقاط يتفقون فيها مثل عدم إمكانية خَلْق شيء مِن العدم،

وبعد كل هذه الأدلَّة ألاّ ترون أن الله يستطيع أن يجمع أعضاء الجسد المُتحلِّلة مرة أخرى ليكوِّن الجسد ذاته كما كان قد خَلَقَه في البدء؟

وإن كانت قيامة الجسد غير مستحيلة بالمنطق الأرضي الذي لغير المؤمنين، فكم بالأكثر سيكون هذا (مُقنِعًا) بالنسبة للمؤمنين!

والدليل على أن الجسد البشري ثمين في عينَيِ الله هو أن هذا الجسد مِن صنع يديه، وأن الصورة ثمينة في عينَيِ الرسام، ولأن الله سخَّر كل ما خلقه لخدمته، وبالتالي فإن الإنسان [بصورته الجسدية] هو أثمن ما خلقه الله.

وهنا ننتقل إلى من يقولون بأنه برغم كون الجسد البشري ثمين في عينَيِ الله وهو أثمن ما خلق، فإن ذلك لا يتبعه بالضرورة أن يكون الله قد منحه وعدًا بالقيامة مِن الأموات. ولكن أ ليس مِن الغريب أن ما نُقِرُّ بأنه أثمن مخلوقات الله سوف يتجاهله الله في القيامة ليصبح مصيره إلى العدم؟ فإن كان النحات والرسام يقومان بترميم أعمالهما إذا ما بدأت تضمحل حتى تظل مِن بعدهما مُخلِّدةً أسماءهم، فهل يترك الله أعظم مخلوقاته إلى الفناء؟ فإذا كان الأمر كذلك فهل هذا يعني أن عمل الله كان عبثًا؟ لأنه إن كان باني البيت يرى عمله يضمحل ويفنى ولا يقوم بترميمه وإصلاحه، فإن ذلك لا يعني سوى أنه تعب عبثًا. فهل الله غافل عن تلك الحقيقة؟! لذا فليصمت غير المؤمنين.

ولكن الله في الحقيقة قد دعا الجسد البشري إلى القيامة ووعده بالحياة الأبدية. فحينما وعد الله الإنسان بالحياة الأبدية فقد دعاه جسدًا روحًا في آن واحد. فالإنسان ليس سوى كائن حي عاقل له جسد وروح. هل يمكن أن تكون الروح وحدها هي الإنسان؟ كلا إنما هي فقط روح الإنسان. وهل يُدعى الجسد وحده إنسان؟ كلا بل يُدعى جسد الإنسان. وحيث إن كُلًّا منهما هو جزء مِن الإنسان، والإنسان هو جسدٌ وروح معًا، وقد دعا الله الإنسان إلى القيامة والحياة الأبدية، فالله لم يَدعُ جزءًا وإنما الإنسان بأكمله جسدًا وروحًا. فلا يُمكِن أن يُخلِّص الله جزءًا ويترك الآخر لأن كلاهما يوجدان في كائن واحد ويتشاركان الحالة ذاتها.

فهل الله ناقم على الجسد؟ حاشا، الله أمين وسوف يخلِّص الإنسان جسدًا وروحًا. فعند إعلان الله عن ذاته لم تسمع الروح فقط بيسوع المسيح وآمَنَتْ به بل والجسد أيضًا، وقد غسلهما الله مِن الخطية وأرشدهما إلى طريق البر. فإذا آمن الإنسان جسدًا وروحًا بالله فهل يختار الله أن يخلِّص الروح ويترك الجسد إلى مصير العدم؟ ألا يجعل ذلك الله إلهًا غير عادل؟ إن مَن ينكرون قيامة الجسد يزعمون أن الروح غير قابل للفساد وهو جزء مِن الله لأنه خرج منه لذا فالله سيخلِّص ما هو له، أما الجسد فهو مُعرَّض للفساد والشرور، وهو ليس جزءًا مِن الله. فإذا كان الأمر كذلك فأيَّة وسيلة لإظهار قوة الله تلك عندما يُخلِّص ما هو مُخَلَّص بالطبيعة والذي هو جزء منه في الأصل؟ لأن الخلاص يوجد فيه في ذاته، فإذا خلَّص الله الروح فهو لا يقوم بعمل عظيم إذن؛ إذ إن خلاصه حتمي لأنه جزء منه، فأي شكر له وأيَّة قوة هذه؛ إذ إنه بذلك يخلِّص ذاته في المقام الأول؟ لأن الذي يخلِّص جزءًا مِن ذاته، يُخلِّص ذاته ككل، وإن لم يفعل هذا فيكون قد عابه التقصير، وهذا ليس ما قد يفعله أي شخص صالح.

ولماذا قام السيد المسيح بجسده الذي احتمل العذابات إن لم يكن ليؤكد أن القيامة ستكون بالجسد أيضًا؟ وقد أكَّد ذلك أيضًا حين شكَّ تلاميذه في قيامته بالجسد فظهر لهم وقال لهم: “انظروا يديَّ ورجليَّ، إني أنا هو، جسوني وانظروا فإن الروح ليس له لحم وعظام كما ترون لي” (لو ٢٤: ٣٩). فتركهم يجسونه وأراهم أثر المسامير في يديه، وعندما أثبتَ لهم بالأدلة القاطعة أنه هو وأنه قد قام بجسده سألوه أن يمكث معهم وأن يأكل معهم وقد أكل بالفعل عسلًا بريًا وسمكًا. وبعد أن أثبت لهم أن قيامة الجسد ليست مستحيلة، أراد أن يُظهِر لهم أن صعود الجسد إلى السموات. حيث مسكن الأبرار في الحياة الأبدية. ليس أمرًا مستحيلًا أيضًا “وارتفع إلى السماء وهم ينظرون” (أع ١: ٩) وكان حينئذ في الجسد. وبعد كل ما ذكرناه إذا كان هناك من لا يزال يشكُك في قيامة الجسد، فمثل هذا لا يختلف عن الصدوقيين، حيث إن القيامة هي قوة الله وهي تفوق إدراك العقل وتتأكد بالإيمان وتُرى في أعمال القداسة.

إن القيامة تنحصر في قيامة الجسد الذي مات، فالروح لا تموت وهي تكون بداخل الجسد (وقت حياته) وبدونها لا يحيا الجسد. وعندما تفارق الروح الجسد يصبح مائتًا، فالجسد هو موطن النفس والنفس هي موطن الروح وهؤلاء الثلاثة. حسب إيماننا القوي بيسوع المسيح. سوف يخلصون.

الحمد لله رب العالمين

Exit mobile version