بسم الله الرحمن الرحيم
الفِقْه كلُّه مِن باب الظُّنُون!
رداً على فيديو: ماهي الشريعة التي يُطالب المُتطرِّفون بتطبيقها؟
الدكتور أحمد الشوربجي (الباحث في شئون جماعات الإسلام السياسي)
التشريع هو سَنّ القوانين لتنظيم الحياة بناءً على فهمنا للشريعة الإسلامية
الفقه في أغلبه من عمل الفقهاء وصناعتهم في طريقة فهم الشريعة
الاختلافات الفقهية نتيجة للاختلاف في فهم النصوص الشرعية
فهم كلّ واحد، مهما علا قدره، يحتمل الخطأ والصواب
دعوى تطبيق الشريعة الإسلامية لو تعاملنا معها بطريقة علمية وعملية، هنلاقيها هيكل فارغ المضمون، لا يُمكن تطبيقها!
الفقه الإسلامي، أو التشريعات الإسلامية، هي جملة من المسائل الظنية، القابلة للأخذ والرد، والحذف والإضافة، ومفيش داعي أبداً، لسحب الأمَّة كلها وسجنها، في فهم بعض العلماء دون بعض!
الفقهاء نفسهم بيقولوا: الفقه بجملته من باب الظنون! التَّشريع الإسلامي زيُّه زي الفقه الإسلامي بالزَّبط! بل أكثر منه وأبعد ما يكون عن القطع!
الفقه من باب الظنون؟!
الإِمام فخر الدِّين الرَّازي رحمه الله: الفقه من باب الظُّنُون.
شيخ الإسلام ابن تيمية ناقش كلام الرَّازي بالتَّفصيل، وهذا موجود في مجموع الفتاوى لمن يريد الاطلاع
المجتهد إذا غلب على ظنه مشاركة صورة لصورة في مناط الحكم قطع بوُجُوب العَمَل بما أدَّى إليه ظنُّه، فالحكم معلوم قطعاً، والظَّنّ وقع في طريقه.
مُختصر ابن الحاجب هو كتاب "مُختصر مُنتهى السُّؤل والأَمَل في عِلْمَيّ الأُصُول والجَدَل"
ألَّفه العالم المالكي جمال الدِّين بن الحاجب
(أبو عمرو عثمان بن عمر بن أبي بكر المالكي)
يُعد هذا الكتاب أحد أشهر المُختصرات في عِلْم أصول الفقه، وله تأثير كبير في هذا العلم، حيث لخَّص فيه المؤلف مباحث أُصُول الفقه بأسلوب مُختصر ودقيق.
«تاج الدِّين السُّبكي: رفع الحَاجِب عن مُختصر ابن الحَاجِب» (1/ 94):
«اختلَفَ الأصوليُّون في تعريف الفقه؛ تبعًا لاختلافهم في مسائل الفقْه، هل هي من باب الظَّن، أو القَطْع، أو البعضُ منها قطعيٌّ، والبعضُ الآخَرُ ظنيٌّ؟
وعلى هذا، يمكن حَصْرُ المذاهبِ في ثلاثة:
الأوَّلُ: وهو قول المتقدِّمين: إِن الفِقْه من باب الظُّنُون؛ لأنه مستفادٌ من الأدلة السمعيَّة، وهِيَ لا تفيدُ إِلا ظنًّا؛ لتوقُّف إِفادتها اليَقِينَ على نَفْيِ الاشْتِرَاكِ والمجازِ، وكلُّ ما هو كذلك، فهو ظَنٌّ.
المذهبُ الثَّاني: أن الفقْه منه ما هو قطعيٌّ، ومنه ما هو ظنيٌّ، فالقطعيُّ كالثابتِ بالنصِّ من الكتاب والسنَّة المتواترةِ والإِجْماع، والظنيُّ كالثابِتِ بطريق القياسِ وخَبرِ الآحاد.
المذهبُ الثَّالِثُ: وهو مذهبُ صاحبِ "المِنْهَاجِ" الإِمامِ البيْضاوِيِّ: أن الفقه من باب القطْعِيَّات؛ لأنه ثابت بدليل قطعيٍّ، لا شبهةَ فيه، والتصديقُ المتعلِّق بالأحكام القطْعيَّة لا يكُون إِلَّا قَطْعًا»
خُلاصة تاريخ التَّشريع الإسلامي
تأليف: عبد الوهاب خلَّاف - ط. عالم الأدب
العهود التَّشريعية الإسلامية أربعة أقسام:
الأول: عهد الرسول ﷺ، وهو عهد الإنشاء والتَّكوين، ومُدّته 12 سنة وأشهر، من بعثته سنة ٦١٠م إلى وفاته سنة ٦٣٢م.
الثاني: عهد الصَّحابة، وهو التَّفسير والتَّكميل، ومُدّته 90 سنة بالتَّقريب، من وفاة الرسول ﷺ سنة ١ ١ هجرية، إلى أواخر القرن الهجري الأوَّل.
الثالث: عهد التَّدوين والأئمَّة المُجتهدين، وعهد النُّمُوّ والنُّضج التَّشريعي، ومُدّته ٢٥٠ سنة من سنة ١٠٠ إلى سنة ٣٥٠ هجرية.
الرابع: عهد التَّقليد، وهو عهد الجُمُود والوُقُوف، وقد ابتدأ من أواسط القرن الهجري الرابع، ولا يعلم نهايته إلَّا الله.
عهد الرسول ﷺ
كان للتَّشريع في عهد الرسول ﷺ مصدران: الوحي الإلهي، واجتهاد الرسول ﷺ نفسه.
المصدر التَّشريعي الأول، وهو الوحي الإلهي، صدرت عنه آيات الأحكام في القرآن، والمصدر التَّشريعي الثاني، وهو اجتهاد الرسول ﷺ، صدرت عنه أحاديث الأحكام، ومجموعة نُصُوص هذه الآيات والأحاديث هي ما خلَّفه هذا العهد من آثار تشريعية، وهي القانون الأساسي للمُسلمين، وهي أساس التَّشريع ومرجع كلّ مُجتهد إسلامي في أيّ عصر من العُصُور.
ومن اليسير أن تجمع في كل فرع قانوني آيات الأحكام الخاصَّة به، وأُمَّهات أحاديث الأحكام الخاصَّة به، وبعض آثار الصحابة والتَّابعين التي فيها تفسير لنصّ من هذه النُّصُوص، وتكون هذه المجموعة هي الأحكام الأساسية التي وردت في القرآن والسنة خاصة بهذا الفرع من القوانين.
أنواع الأحكام ثلاثة أقسام
القسم الأوَّل: أحكام اعتقادية.
القسم الثَّاني: أحكام خُلُقِيَّة.
القسم الثَّالث: أحكام عَمَلِيَّة.
النّوع الأوَّل: فهو أساس الدِّين، لأنَّ تكوين العقيدة وتقويم الخُلُق هُما الأساس الذي يبنى عليهما كلّ تشريع وتقنين.
أمَّا النّوع الثَّالث: وهو الأحكام العَمَلِيَّة، فهذا هو الفِقْه، وهو المُراد من الأحكام عند الإطلاق.
مُلخَّص كتاب: مِن مداخل التَّجديد، تأليف: محمد محمد أبو موسى
كان رسول الله ﷺ يُعلِّم أصحابه الدين، ويعلمهم أيضاً كيف يقيسون ما لم ينزل فيه حكم على ما نزل فيه حكم، ويقيسون ما لم يعلموا على ما علموا. وهذا هو صلب الجديد والتَّجديد.
«صحيح البخاري» (1852): عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ، جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ، فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَةً؟ اقْضُوا اللهَ، فَاللهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ.
«مسند أحمد» (22061): عَنْ رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِ مُعَاذٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ: كَيْفَ تَقْضِي؟ قَالَ: أَقْضِي بِكِتَابِ اللهِ. قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللهِ؟ قَالَ: فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ. قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ؟ قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللهِ.
علَّمهم ﷺ العلم، وعلمهم كيف يستخرجون علماً صحيحاً من العِلْم الذي علَّمهم.
«صحيح البخاري» (6/ 2676): «عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ)»
حديث مُتَّفق عليه: أخرجه مسلم في الأقضية، باب: بيان أَجْرِ الْحَاكِمِ إِذَا اجْتَهَدَ فَأَصَابَ أَوْ أَخْطَأَ، رقم: 1716.
(حكم) أراد أن يحكم.
(فاجتهد) بذل جهده لتعرف الحق.
(أصاب) وافق واقع الأمر في حكم الله عز وجل.
«صحيح البخاري» (4/ 1882): «عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
(مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَهُوَ حَافِظٌ لَهُ، مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَمَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ، وَهُوَ يَتَعَاهَدُهُ، وَهُوَ عَلَيْهِ شَدِيدٌ، فَلَهُ أَجْرَانِ)»
حديث مُتَّفق عليه: أخرجه مسلم في صلاة المسافرين وقصرها، باب: فضل الماهر بالقرآن والذي يتتعتع به، رقم: 798.
(حافظ له) أي للقرآن عن ظهر قلب.
(يتعاهده) يضبطه ويتفقده ويكرر قراءته حتى لا ينساه.
(أجران) لتلاوته ولتحمل المشقة فيها
عهد الصحابة
رأى العُلماء من الصَّحابة والرُّؤوس فيهم أنَّ عليهم واجباً تشريعياً لا بُدَّ أن يقوموا به، وهذا الواجب هو أن يُبيِّنوا للمُسلمين ما يحتاج إلى التَّبيين والتَّفسير من نُصُوص الأحكام في القرآن والسُّنَّة، وأن ينشروا بين المُسلمين ما حفظوا من آيات القرآن وأحاديث الرسول ﷺ.
الصَّحابة لم يكتسبوا هذا الحقّ التَّشريعي من تعيين الخليفة أو انتخاب الأُمَّة، وإنَّما كسبوه بمُميِّزاتهم الشَّخصية التي امتازوا بها، فقد طالت صُحبتهم للرسول ﷺ وحفظوا عنه القرآن والسُّنَّة، وشاهدوا أسباب نُزُول الآيات ووُرُود السُّنَن، وكثير منهم كانوا مُستشاري الرسول ﷺ في اجتهاده.
من أشهر المُفتين من الصَّحابة
بالمدينة: الخُلفاء الأربعة الرَّاشدون، وزيد بن ثابت، وأُبَيّ بن كعب، وعبد الله بن عمر، وعائشة.
وبمكَّة: عبد الله بن عبَّاس.
وبالكوفة: علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود.
وبالبصرة: أنس بن مالك، وأبو موسى الأشعري.
وبالشَّام: معاذ بن جبل، وعُبادة بن الصَّامت.
وبمصر: عبد الله بن عمرو بن العاص.
وعدد من عُرفوا من الصَّحابة بالإفتاء: حوالي 130 ما بين رجل وامرأة.
المُفتون في أوَّل هذا العهد أكثريتهم العظمى بالمدينة، وبعد أن امتدَّت الفُتُوح الإسلامية تفرَّقوا بالأمصار، ولهذا كان التَّشريع في أوَّل هذا العهد باجتهاد الجماعة.
مصادر التَّشريع في هذا العهد: القرآن، والسُّنَّة، واجتهاد الصَّحابة.
فيما يخُصّ السُّنَّة
أمَّا المصدر التِّشريعي الثاني، وهو السُّنَّة، فإنَّ الخليفة الثاني عمر بن الخطاب فكَّر في تدوينها، لكنَّه بعد التَّروي والتَّشاور، خشي أنَّ تدوينها يؤدِّي إلى أن تلتبس السُّنَّة بالقُرآن.
عبد الله بن عمرو بن العاص، كانت له صحيفة اسمها (الصَّادقة)، دوَّن فيها الأحاديث التي سمعها من رسول الله ﷺ بنفسه.
الصَّحابة اتَّخذوا بعض احتياطات رأوا فيها ما يكفل الوُثُوق من رواية الأحاديث، وتحرِّي الرُّواة في نقلها، فقد كان أبو بكر لا يقبل الحديث من راوٍ إلَّا إذا أيَّده شاهد.
كان لعَدَم تدوين السُّنَّة من فجر الإسلام أثران:
بذل جُهُود في بحث رُواة الأحاديث ودرجات الثِّقة بينهم، وانقسمت الأحاديث باعتبار رُواتها إلى أحاديث قطعية الوُرُود وأحاديث ظَنِّيَّة الوُرُود، والظَّنِّيَّة إلى (صحيح وحسن وضعيف)، ووُضِعَ فنّ رواية الحديث.
عَدَم التَّدوين منع من جمع المُسلمين على مجموعة واحدة من السُّنَّة.
كان تقدير الصَّحابة لفتاويهم أنَّها آراء فردية، إن تكن صواباً فمن الله، وإن تكن خطأ فمن أنفسهم، وكانوا يقيسون ما لا نصَّ فيه على ما فيه نصّ.
في خلافة أبي بكر وأوَّل خلافة عمر، كانت هُناك جمعية تشريعية مُكوَّنة من رؤوس الصَّحابة، وما يصدر عنهم من الأحكام يُعتبر حكم جماعتهم.
روى الإمام البغوي في كتابه: (مصابيح السُّنَّة): كان أبو بكر إذا ورد عليه الخصوم، نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضي بينهم قضى به، وإن لم يجد في الكتاب وعلم من رسول الله في ذلك الأمر سُنَّة قضى بها، فإن أعياه خرج فسأل لمسلمين وقال: هل علمتم أنَّ رسول الله قضى في ذلك بقضاء؟ فرُبَّما اجتمع عليه النَّفر، كلهم يذكر عن رسول الله ﷺ فيه قضاء، فيقول أبو بكر: الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ عن نبينا. فإن أعياه أن يجد فيه سُنَّة عن رسول الله ﷺ، جمع رؤوس الناس وخيارهم، فإن أجمع رأيهم على أمر قضى به.
وكان عمر يفعل ذلك: هل كان فيه لأبي بكر قضاء، وإلَّا دَعَا رؤوس المُسلمين، فإذا اجتمعوا على شيء قضى به. وبهذا الاجتماع كان الاختلاف في الآراء نادراً. وأكثر الأحكام التي يُقال فيها: إنَّها أجمع عليها الصَّحابة شُرعت في هذه الفترة من هذا العهد.
من النَّتائج الحتمية لتفرُّق رؤوس الصَّحابة في مُختلف الأمصار أن يقع اختلاف بينهم في أحكام كثيرة من الوقائع لعدة أسباب:
أولها: أنَّ أكثر نُصُوص الأحكام في القرآن والسُّنَّة ليست قطعية الدَّلالة على المُراد منها، بل هي ظَنِّيَّة الدَّلالة، بسبب أنَّ في النَّصّ لفظاً مُشتركاً لُغةً بين معنيين أو أكثر. أو أنَّ فيه لفظاً عامًّا يحتمل التَّخصيص. أو لفظاً مُطلقاً يحتمل التَّقييد.
ثانيها: أنَّ السُّنَّة لَم تكُن مُدوَّنة، ولم تجتمع الكلمة على مجموعة منها وتُنشر بين المُسلمين لتكون مرجعاً لهم على السَّواء، وكثيراً ما كان يرجع بعض المُفتين منهم عن فتواه إذا عَلِمَ مِن الآخر سُنَّة لم يكن يعلمها.
ثالثها: أنَّ البيئات التي يعيشون بها مُختلفة والمصالح والحاجات التي يُشرِّعون لها مُتفاوتة.
الثَّاني: عِدَّة فتاوى اجتهادية صدرت من الصَّحابة في وقائع لا نصّ على حكمها؛ وقد عُنِي بعض رجال الحديث في أول العهد بتدوين السُّنَّة بأن يُدوِّنوا فتاوى الصَّحابة في مُختلف أبواب الحكم مع السُّنَّة.
ومَن يُطالع أقضية الصَّحابة وفتاواهم في الكُتُب المُسندة التي جمعت أخبارهم، كمُصنَّف عبد الرَّزاق، ومُصنَّف ابن أبي شيبة، سيجد مئات الأخبار المُسندة الصَّحيحة المُثبتة لذلك.
«الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم» (1/ 113): «فصحَّ بهذا إجماع الأُمَّة كلها على قبول خبر الواحد الثقة عن النبي ﷺ، وأيضاً فإنَّ جميع أهل الإسلام كانوا على قبول خبر الواحد الثقة عن النبي ﷺ، يجري على ذلك كلّ فرقة في علمها كأهل السُّنَّة والخوارج والشيعة والقدرية، حتى حَدَث مُتكلِّمو المُعتزلة بعد المائة من التاريخ، فخالفوا الإجماع في ذلك.»
«التَّمهيد - ابن عبد البر» (1/ 192 ت بشار): «وأجمعَ أهلُ العِلم مِن أهْلِ الفقهِ والأثَرِ في جميع الأمْصارِ فيما علِمْت، على قَبُولِ خبرِ الواحِدِ العَدْل، وإيجابِ العَملِ به، إذا ثبتَ ولم يَنْسَخْه غيرُه مِن أثَرٍ أو إجْماع، على هذا جميعُ الفقهاءِ في كلِّ عصرٍ مِن لَدُن الصحابةِ إلى يومِنا هذا، إلَّا الخَوارجَ وطوائفَ مِن أهْلِ البِدَع، شِرْذِمَةٌ لا تُعَدُّ خِلافًا.»
«تلقيح الفهوم في تنقيح صيغ العموم - العلائي» (صـ397): «العُلماء مُتَّفقون في كلِّ عصرٍ على التَّمسُّك في إثبات الأحكام بآيات القرآن العظيم وأحاديث السُّنَّة.»
وقال شيخ الإسلام ابن القيِّم رحمه الله، في كتابه: «إعلام الموقعين عن رب العالمين» (1/ 39 ط العلمية): «ومنها أنَّ النَّاسَ أَجْمَعُوا أَنَّ الرَّدَّ إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ هُوَ الرَّدُّ إلَى كِتَابِهِ، وَالرَّدَّ إلَى الرَّسُولِ ﷺ هُوَ الرَّدُّ إلَيْهِ نَفْسِهِ فِي حَيَاتِهِ وَإِلَى سُنَّتِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ.»
بعض رؤوس التَّشريع من الصَّحابة:
زيد بن ثابت (من رؤوس التَّشريع بالمدينة).
عبد الله بن عباس (رأس التشريع بمكة).
عبد الله بن مسعود (رأس التشريع بالعراق).
عبد الله بن عمرو بن العاص (رأس التشريع بمصر).
عهد التدوين والأئمة المجتهدين
حركة الكتابة والتَّدوين نشطت فيه، فدُوِّنت السُّنَّة، وفتاوى المُفتين من الصَّحابة والتَّابعين وتابعيهم، وموسوعات في تفسير القرآن وفقه الأئمَّة المُجتهدين، ورسائل في عِلْم أصول الفقه، وهذا هو العهد الذَّهبي للتَّشريع الإسلامي.
إنَّ المُسلمين في ذلك العهد كانوا شديدي الحرص على أن تكون جميع أعمالهم من عبادات ومُعاملات وعقود وتصرُّفات على وفق أحكام الشريعة الإسلامية. فلهذا كانوا في كُلِّيَّاتهم وجُزئيَّاتهم يرجعون إلى أولي العِلْم والفِقْه يستفتونهم عن الحكم الشرعي.
في أواخر القرن الأوَّل لازم الصَّحابة الذين تصدُّوا للإفتاء والتَّشريع في مُختلف الأمصار جماعة من التَّابعين أخذوا عنهم القرآن، ورووا عنهم السُّنَّة، وحفظوا فتاويهم، وفهموا منهم أسرار التَّشريع، وطُرُق الاستمداد للأحكام، مثل: سعيد بن المسيب بالمدينة، وعلقمة بن قيس، وسعيد بن جبير بالكوفة، حتى أنه روى أنَّ عبد الله بن عباس كان إذا حجَّ أهل الكوفة واستفتوه، قال لهم: أليس فيكم سعيد بن جبير؟
وقد لازم هؤلاء التَّابعين في حياتهم جماعة من تابعي التَّابعين تلقُّوا عنهم ما تلقُّوه عن الصَّحابة؛ من القرآن والسُّنَّة، وأخذوا عنهم ما علموه من الفقه وأسرار التَّشريع.
ولازم تابعي التَّابعين، جماعة من طبقة الأئمَّة الأربعة المُجتهدين، ومُعاصريهم من رجال التَّشريع، فلما انقرض رجال التَّشريع من الصَّحابة، خلفهم في تولِّي سُلطة التَّشريع تلاميذهم من التَّابعين، وخلف هؤلاء تلاميذهم من تابعي التَّابعين، وخلف هؤلاء تلاميذهم من الأئمَّة الأربعة المُجتهدين وأقرانهم، فكان رجال التَّشريع في كلّ مصر من أمصار المُسلمين طبقات، وكل طبقة يُعَدّ رجالها تلاميذ لسلفهم وأساتذة لخلفهم.
في المدينة أشهر أساتذة التَّشريع من الصَّحابة:
عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت.
وأشهر تلاميذ هؤلاء: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وسائر فقهاء المدينة السَّبعة، وهم: القاسم بن محمد، وخارجة بن زيد، وأبا بكر بن عبد الرحمن بن حارث بن هشام، وسليمان بن يسار، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود.
وأشهر تلاميذ هؤلاء: محمد بن شهاب الزهري، ويحيى ابن سعيد.
وأشهر من خلف هؤلاء: مالك بن أنس وأقرانه.
في مكة، أشهر أساتذة التَّشريع من الصَّحابة:
عبد الله ابن عباس.
وأشهر تلاميذه: عكرمة ومجاهد وعطاء.
وأشهر تلاميذهم: سفيان بن عيينة، ومفتي الحجاز مسلم بن خالد.
وأشهر من خلف هؤلاء: الشَّافعي في حياته الأولى.
في الكوفة، أشهر أساتذة التَّشريع من الصحابة:
عبد الله ابن مسعود.
وأشهر تلاميذه: علقمة بن قيس، والقاضي شريح.
وأشهر تلاميذهما: إبراهيم النخعي.
وأشهر تلاميذه: حماد بن أبي سليمان، أستاذ أبي حنيفة وأصحابه.
في مصر أشهر أساتذة التشريع من الصحابة:
عبد الله بن عمرو بن العاص.
وأشهر تلاميذه: مفتي مصر: يزيد بن حبيب.
وأشهر تلاميذه: الليث بن سعد وأقرانه من بني عبد الحكم.
وأشهر من خلف هؤلاء: الشافعي في حياته الأخيرة.
لم يكتسب رجال التَّشريع من كلِّ طبقة من هذه الطَّبقات سُلطة التَّشريع من تعيين الخليفة أو انتخاب الأُمَّة، وإنَّما وثق المُسلمون بهم كما وثقوا بأساتذتهم من الصَّحابة، واطمأنوا إلى عدالتهم وضبطهم وعلمهم وفقههم فرجعوا إليهم يسألهم الولاة والقضاة في الأقضية والخُصُومات.
كانت مصادر التَّشريع في هذا العهد أربعة:
القرآن، والسُّنَّة، والإجماع، والاجتهاد بالقياس، أو بأي طريق من طُرُق الاستنباط.
كان المفتي إذا وجد نصًّا في القرآن أو السُّنَّة يدُلّ على حُكم ما أستفتي فيه، وقف عند النَّصّ ولا يتعدَّى حكمه، وإذا لم يجد في الواقعة نصًّا ووجد سلفه من المُجتهدين أجمعوا في هذه الواقعة على حُكم وقف عنده وأفتى به، وإذا لم يجد نصًّا على حكم الواقعة، ولا إجماعاً على حكم فيها اجتهد واستنبط الحُكم بالطُّرُق لتي أرشد إليها الشَّارع للاستنباط.
أسباب اختلاف الأئمَّة المُجتهدين وتكوّن المذاهب:
فهم المُراد من النُّصُوص يختلف باختلاف العُقُول ووجهات النَّظر.
السُّنَّة لم يكن علمهم بها وحفظهم لها على السَّواء، ورُبَّما وقف بعضهم منها على ما لم يقف عليه الآخر.
المصالح التي تُستنبط لأجلها الأحكام يختلف تقديرها باختلاف البيئات التي يعيش فيها رجال التَّشريع.
كل هذا مع اتِّفاقهم على مصادر التَّشريع، وترتيب رُجُوعهم إليها، والمبادئ التَّشريعية العامَّة، أي أنَّهم اختلفوا في الفُرُوع فقط، ولم يختلفوا في أُصُول التَّشريع.
ويرجع اختلاف الخُطَّة التَّشريعية للأئمَّة المُجتهدين إلى اختلافهم في أُمُور ثلاثة: الأوَّل: في تقدير بعض المصادر التَّشريعية. والثَّاني: في النَّزعة التَّشريعية. والثالث: في بعض المبادئ اللُّغوية التي تُطبَّق في فهم النُّصُوص.
أوَّلاً: في طريق الوُثُوق بالسُّنَّة والميزان الذي تُرجَّح به رواية على رواية، وذلك أنَّ الوُثُوق بالسُّنَّة مبني على الوُثُوق برواتها، وكيفية روايتها.
هذا الاختلاف في طريق الوُثُوق بالسُّنَّة أدَّى إلى أنَّ بعضهم احتجَّ بسُنَّة لم يحتجّ بها الآخر، وبعضهم رجَّح بسُنَّة هي مرجوحة عند الآخر، وعن هذا نشأ اختلاف الأحكام.
ثانياً: الاختلاف حول الفتاوى الاجتهادية التي صدرت عن أفراد الصَّحابة.
أبو حنيفة ومن تابعه خطّته بالنسبة إليها أن يأخذ بأيَّة فتوى منها، ولا يتقيَّد بواحدة مُعيَّنة، ولا يخرج عنها جميعاً. والشَّافعي ومن تابعه خطّته بالنِّسبة إليها أنَّها فتاوى اجتهادية فردية صادرة من غير معصومين، فله أن يأخذ بأيَّة فتوى منها، وله أن يُفتي بخلافها كلِّها، وعن هذا نشأ أيضاً اختلاف في الأحكام.
ثالثاً: في القياس. مع اتِّفاقهم على أنَّه حُجَّة، اختلفوا فيما يصلح أن يكون عِلَّة للحُكم ويُبنى عليه القياس، ونشأ عن هذا أيضاً اختلاف في الأحكام.
وأهم الأسباب التي أدت إلى اختلاف هاتين النَّزعتين هي:
أولاً: إنَّ الأحاديث وفتاوى الصَّحابة لم تكن كثيرة في العراق كثرتها في الحجاز. فالحجازيون وجدوا عندهم ثروة من الآثار اعتمدوا عليها في تشريعهم وركنوا إليها، وأمَّا فقهاء العراق فلم تكن لديهم هذه الثروة، فاعتمدوا على عقولهم.
ثانياً: إنَّ العراق كانت فيها الفتن التي أدَّت إلى افتراء الأحاديث وتحريفها لأنَّها كانت مهد الشيعة ومقرّ الخوارج، فلهذا تشدَّدوا في قبول الرِّواية والتزموا أن يكون الحديث مشهوراً بين أهل الفِقْه.
ثالثاً: إنَّ بيئة العراق غير بيئة الحجاز، والأقضية والحوادث في البلدين مُختلفة، لأنَّ دولة الفرس خلَّفت في العراق أنواع من المُعاملات والعادات والنُّظُم، لم يعهد مثلها في بلاد الحجاز.
وأمَّا اختلافهم في بعض المبادئ الأُصُولِيَّة اللُّغوِيَّة: فقد نشأ من اختلاف وجهات النَّظر في استقراء الأساليب العربية.
الحمد لله رب العالمين