القائمة إغلاق

خُلاصة كتاب: تَعْلِيمُ المُتَعَلِّمِ طَرِيقَ التَّعَلُّمِ، تأليف: الفقيه الحنفي بُرهان الدِّين الزَّرْنُوجِيّ

بسم الله الرحمن الرحيم

خُلاصة كتاب: تَعْلِيمُ المُتَعَلِّمِ طَرِيقَ التَّعَلُّمِ

تأليف: الفقيه الحنفي بُرهان الدِّين الزَّرْنُوجِيّ

تحميل الخُلاصة: [PDF] [DOC]

التَّعريف بالمُؤلِّف

بُرهان الدين الزرنوجي، من بلدة مِن بلاد التُّرك.

شُهرته أتت من إنتاجه الوحيد الذي عُرِفَ به، وهو كتاب «تَعْلِيم المُتَعَلِّم طَرِيق التَّعَلُّم».

الزَّرْنُوجِيّ قد عاش في الفترة ما بين مُنتصف القرن السَّادس، إلى نهاية الثُّلُث الأوَّل من القرن السَّابع الهجري، والله تعالى أعلم.

أهَمِّيَّة الكِتَاب

يحتلّ موضوع التَّعلُّم مكان بارز في عِلْم النَّفس التَّربوي.

المؤلِّف يُعطينا فهمه وتصوُّر عصره للملامح العَمَلِيَّة لكيفِيَّة تطبيق أُسُس النَّظرِيَّة الإسلامية التَّربوية.

في ثلاثة عشر فصلاً يعرض الزَّرْنُوجِيّ تصوُّره لـ (طريق التَّعلُّم)، ويرى أنَّ هذا الطَّريق هو الأسلوب الأمثل لعملِيَّة التَّعلُّم، وأنَّ ما يعرضه هو نصيحة للمُتعلِّمين يجب الأخذ بها، وإلَّا فلن يتمكنوا من تحصيل ما يرغبون به من العُلُوم.

مُقدِّمة الكِتَاب

الكتاب اسمه: «تَعْلِيمُ المُتَعَلِّمِ طَرِيقَ التَّعَلُّمِ». وجعلته فُصُولاً:

  1. فصْل: في ماهِيَّة العِلْم، والفِقْه، وفضله.
  2. فصْل: في النِّيَّة في حال التَّعلُّم.
  3. فصْل: في اختيار العِلْم، والأستاذ، والشَّريك، والثَّبات.
  4. فصْل: في تعظيم العِلْم وأهله.
  5. فصْل: في الجِدِّ، والمُواظَبَة، والهِمَّة.
  6. فصْل: في بداية السَّبق، وترتيبه، وقدره.
  7. فصْل: في التَّوكُّل.
  8. فصْل: في وقت التَّحصيل.
  9. فصْل: في الشَّفقة والنَّصيحة.
  10. فصْل: في الاستفادة، واقتباس الأدب.
  11. فصْل: في الوَرَع حَال التَّعلُّم.
  12. فصْل: فيما يُورِث الحِفْظ وفيما يُورِث النِّسيان.
  13. فصْل: فيما يجلب الرِّزق، وما يمنعه، وما يَزِيدُ في العُمُر، وما يَنْقُصُ.

فصْل: في مَاهِيَّة العِلْم والفِقْه وفضله

قال رسول الله ﷺ: «طَلَبُ العِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٌ».

اعْلَم بأنَّه لا يُفتَرَضُ على كلِّ مُسلمٍ طَلَبُ كلِّ علْمٍ، وإنَّما يُفتَرَض عليه طَلَب عِلْمِ الحَالِ.

ويُفتَرَض على المُسلم طَلَبُ ما يقع له في حَالِهِ في أيّ حَالٍ كَانَ، فإنَّه لا بُدَّ له مِن الصَّلاة، فيُفتَرَض عليه عِلْم ما يقع له في صلاته بقدر ما يؤدِّي به فرض الصَّلاة. ويجب عليه بقدر ما يؤدى به الواجب؛ لأنَّ ما يُتَوَسَّل به إلى إقامة الفرض يكون فرضاً، وما يُتَوسَّل به إلى إقامة الواجب يكون واجباً.

(‏لمحة مُهِمَّة جدًّا تستحق الذِّكر) قيل لمحمد بن الحسن رحمة الله عليه: (لم لا تُصنِّف كتَاباً في الزُّهْدِ؟)، قال: (قد صنَّفتُ كتابٍا في البُيُوع)، يعني: الزَّاهِد من يَحْتَرِز عن الشُّبُهات والمكروهات في التِّجارات.

كلُّ مَن اشتغل بشيء يُفتَرَض عليه عِلْم التَّحرُّز عَن الحَرَام فيه.

وكذلك يُفتَرَض عليه عِلْم أحوال القَلْب مِن التَّوكُّل، والإنابة، والخشية، والرِّضى، فإنَّه واقع في جميع الأحوال.

جميع الخِصال سِوَى العِلْم يشترك فيها الإنسان وسائر الحيوانات، وبه أظهر اللهُ تعالى فَضْل آدم عليه السَّلام على الملائكة، وأمرهم بالسُّجُود له. وإنَّما شَرَفُ العِلْم بكونه وسيلة إلى البِرّ والتَّقوى الذي يستحِقُّ بها المرءُ الكرامة عند الله، والسَّعادة الأبدية.

قال تعالى: ﴿وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ قَالُوٓاْ أَتَجۡعَلُ فِيهَا مَن يُفۡسِدُ فِيهَا وَيَسۡفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحۡنُ نُسَبِّحُ بِحَمۡدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَۖ قَالَ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ * ‌وَعَلَّمَ ‌ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمۡ عَلَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ فَقَالَ أَنۢبِـُٔونِي بِأَسۡمَآءِ هَٰٓؤُلَآءِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ * قَالُواْ سُبۡحَٰنَكَ لَا عِلۡمَ لَنَآ إِلَّا مَا عَلَّمۡتَنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ * قَالَ يَٰٓـَٔادَمُ أَنۢبِئۡهُم بِأَسۡمَآئِهِمۡۖ فَلَمَّآ أَنۢبَأَهُم بِأَسۡمَآئِهِمۡ قَالَ أَلَمۡ أَقُل لَّكُمۡ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ غَيۡبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَأَعۡلَمُ مَا تُبۡدُونَ وَمَا كُنتُمۡ تَكۡتُمُونَ﴾ [البقرة: 30-33]

قال ابن كثير في تفسير آية {وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا}: [هذا مقام ذَكَرَ اللهُ تعالَى فيه شَرَف آدم على الملائكة، بما اختصه به من علم أسماء كل شيء دونهم، وهذا كان بعد سجودهم له، وإنما قدَّم هذا الفصْل على ذاك لمُناسبة ما بين هذا المقام وعدم علمهم بحكمة خلق الخليفة حين سألوا عن ذلك، فأخبرهم الله تعالى بأنَّه يعلم ما لا يعلمون؛ ولهذا ذكر تعالى هذا المقام عقيب هذا ليبين لهم شرف آدم بما فضل به عليهم في العلم.]

تعلَّم فإنَّ العِلْم زَيْنٌ لِأهْلِهِ … وَفَضْلٌ وَعُنْوَانٌ لِكُلِّ المَحَامِدِ

وَكُنْ مُسْتَفِيدًا كُلَّ يَوْمٍ زِيَادَةً … مِنَ العِلْمِ وَاسْبَح فِي بُحُورِ الفَوَائدِ

تَفَقَّه فَإنَّ العِلْمَ أفْضَلُ قَائدٍ … إلى البِرِّ والتَّقْوَى، وَأعْدَلُ قَاصِدِ

هُوَ العَلَمُ الهَادِي إلى سُنَنِ الهُدَى … هُوَ الحِصْنُ يُنْجِي مِنْ جَمِيعِ الشَّدَائدِ

فَإنَّ فَقِيهًا وَاحِدًا مُتَوَرِّعًا … أشَدُّ عَلَى الشَّيطَانِ مِنْ ألْفِ عَابِدِ

وكذلك يُفتَرَض العِلْم في سائر الأخلاق. فإنَّ الكبر، والبخل، والجبن، والإسراف حرام، ولا يمكن التَّحرُّز عنها إلَّا بعلمها وعِلْم ما يُضادّها.

قيل: مَنْ رُزِقَ الدُّعَاءَ لَمْ يُحْرَمِ الإجَابَة.

اللَّهُمَّ إلَّا إذا تعلَّم مِن النُّجُوم قَدْر ما يُعرِفُ به القِبلة، وأوقات الصَّلاة، فيجوز ذلك.

قال أبو حنيفة رحمة الله عليه: (مَا العِلْمُ إلَّا للعَمَل بِهِ، والعَمَلُ بِهِ تَرْكُ العَاجِلِ للآجِلِ).

فصْل: في النِّيَّة في حالِ التَّعَلُّم

ثم لا بُدَّ له من النِّيَّة في زمان تعلُّم العلم؛ إذ النِّيَّة هي الأصل في جميع الأفعال؛ لقوله ﷺ: «إنَّما الأعمال بالنِّيَّات». حديث صحيح.

وينبغي أن ينوي المُتعلِّم بطلب العِلْم رضاء الله والدَّار الآخرة، وإزالة الجهل عن نفسه وعن سائر الجُهَّال، وإحياء الدِّين وإبقاء الإسلام؛ فإنَّ بقاء الإسلام بالعِلْم، ولا يَصِحُّ الزُّهد والتَّقوى مع الجهل.

وينوي به الشُّكر على نعمة العقل، وصِحَّة البدن، ولا ينوي به إقبال النَّاس عليه، ولا استجلاب حُطام الدُّنيا، والكرامة عند السُّلطان وغيره.

وينبغي لطالب العِلْم أن يتفكَّر في ذلك؛ فإنَّه يتعلَّم العِلْم بجُهْدٍ كثيرٍ، فلا يَصْرِفُهُ إلى الدُّنيا الحقيرة القليلة الفانية.

فصْل: في اختيار العِلْم والأستاذ والشَّريك والثَّبات عليه

يُقدَّم عِلْم التَّوحيد والمعرفة، ويُعرَف اللهُ تعالى بالدَّليل.

وأمَّا اختيار الأستاذ: فينبغي أن يختار الأعلم، والأورَع، والأسَنّ.

قال عليّ كرَّم الله وجهه: (مَا هَلَكَ امرُؤٌ عَن مَشُورَةٍ).

قيل: (النَّاسُ رجل تامٌّ، ونِصْف رجل، ولا شيء، فالرَّجُل: مَن له رأي صائب ويُشَاوِرُ، ونصف رجل: مَن له رأي صائب ولا يُشاوِر، ولا شيء: مَن لا رأي له ولا يُشاوِر).

فطلب العِلْم من أعلى الأُمُور وأصعبها، فكانت المشاورة فيه أهمّ وأوجب.

فتأمَّل في شهرين في اختيار الأستاذ، حتى لا تحتاج إلى تركه والإعراض عنه، فتَثْبُت عنده حتى يكون علمك مُباركاً، وتنفع بعلمك كثيراً.

واعلم أنَّ الصبر والثَّبات أصلٌ كبيرٌ في جميع الأُمُور، ولكنَّه عزيزٌ.

واصبر على المِحَن والبَلِيَّات. قِيل: (خَزَائنُ المِنَنِ عَلَى قَنَاطيرِ المِحَنِ).

وأمَّا اختيار الشَّريك: فينبغي أن يختار المُجِدّ، والوَرِع، وصاحب الطَّبع المُستقيم، والمُتفهِّم.

فصْل: في تَعْظِيمِ العِلْمِ وأهْلِهِ

اعلم بأنَّ طالب العِلْم لا يَنَالُ العِلْمَ ولا يَنْتَفِعُ به إلَّا بتعظيم العِلْم وأهله، وتعظيم الأستاذ وتوقيره.

رَأيتُ أحَقَّ الحَقِّ حَقُّ المُعَلِّمِ … وَأوْجَبَهُ حِفْظًا عَلَى كُلِّ مُسْلِمِ

لَقَدْ حَقَّ أنْ يُهْدَى إلَيهِ كَرَامَةً … لِتَعْلِيمِ حَرْفٍ وَاحِدٍ ألْفُ دِرْهَمِ

فمن تأذَّى منه أستاذُهُ يُحرَم بركة العِلْم، ولا يَنْتَفِعُ بالعِلْم إلَّا قليلاً.

ومِن تعظيم العِلْم: تعظيم الكتاب، فينبغي لطالب العلم ألَّا يأخذ الكتابَ إلَّا بطهارةٍ، وهذا لأنَّ العِلْم نورٌ، والوُضُوء نُورٌ، فيزدادُ نُورُ العِلْم بِهِ.

والتَّملُّق مذموم إلَّا في طلب العلم، فإنَّه ينبغي أن يتملَّق لأستاذه وشُركائه ليستفيد منهم.

وينبغي لطالب العلم ألَّا يختار نوع العِلْم بنفسه، بل يُفوّض أمره إلى الأستاذ.

وكان يُحكَى أنَّ محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله تعالى كان بدأ بكتابة الصَّلاة على محمد بن الحسن رحمه الله تعالى، فقال له محمد بن الحسن: (اذهب وتعلَّم عِلْم الحديث)، لِمَا رأى أنَّ ذلك العِلْم أليق بطبعه، فطلب عِلْم الحديث، فصار فيه مُقدَّماً على جميع أئمَّة الحديث.

وليحترز خُصُوصاً عن التَّكبُّر، ومع التَّكبُّر لا يحصل العِلْم.

فصْل: في الجِدِّ والمُواظَبَةِ والهِمَّة

ثمَّ لا بُدَّ من الجِدِّ والمُواظبة والمُلازمة لطالب العِلْم، وإليه الإشارة في القرآن بقوله تعالى: ﴿‌يَٰيَحۡيَىٰ ‌خُذِ ‌ٱلۡكِتَٰبَ بِقُوَّةٖۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡحُكۡمَ صَبِيّٗا﴾ [مريم: 12]، وقوله تعالى: ﴿‌وَٱلَّذِينَ ‌جَٰهَدُواْ ‌فِينَا لَنَهۡدِيَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69]

وقِيل: (مَن طَلَبَ شيئا وَجَدَّ: وَجَدَ، وَمَن قَرَعَ البَابَ وَلَجَّ: وَلَجَ).

وقِيل: (بِقَدرِ مَا تَتَعَنَّى، تَنَالُ مَا تَتَمَنَّى).

ولا بُدَّ لطالب العِلْم من سهر اللَّيالي، كما قال الشاعر:

بِقَدْرِ الكَدِّ تُكْتَسَبُ المَعَالِي … وَمَنْ طَلَبَ العُلَا سَهِرَ اللَّيالِي

وَمَنْ رَامَ العُلَا مِن غَيْرِ كَدٍّ … أضَاعَ العُمْرَ فِي طَلَبِ المُحَالِ

فَوَفِّقْنِي إلَى تَحْصِيلِ عِلْمٍ … وَبَلِّغْنِي إلَى أقْصَى المَعَالِي

وقال أبو الطَّيِّب المُتنبِّي رحمه الله تعالى:

عَلَى قَدْرِ أهْلِ العَزْمِ تَأتِي العَزَائمُ … وَتَأتِي عَلَى قَدْرِ الكِرَامِ المَكَارِمُ

وَتَعْظُمُ فِي عَيْنِ الصَّغِيرِ صِغَارُهَا … وَتَصْغُرُ فِي عَيْنِ العَظِيمِ العَظَائمُ

فصْل: فِي بِدَايةِ السَّبْقِ وَقَدْرِهِ وَتَرْتِيبِهِ

ولا بُدَّ من التَّأمُّل قبل الكلام حتى يكون صواباً؛ فإنَّ الكلام كالسَّهم، فلا بُدَّ من تقويمه قبل الكلام حتى يكون مُصيباً.

وقيل لابن عباس رضي الله عنهما: (بِمَ أدْرَكتَ العِلْمَ؟)، قال: (بِلِسَانٍ سَؤولٍ، وَقَلْبٍ عَقُولٍ).

فإن كان لا بُدَّ لطالب العلم من الكسب لنفقة العيال وغيره، فليكتسب، وليذاكر، ولا يَكْسَل.

وليس لصحيح العقل والبدن عُذر في ترك التَّعلُّم والتَّفقُّه، فإنَّه لا يكون أفقر من أبي يوسف، ولم يمنعه ذلك من التَّفقُّه، فمن كان له مال كثير فنعم المال الصالح للرَّجل الصَّالح المُنصرِف في طريق العِلْم.

«مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ، فَقَد عَرَفَ رَبَّهُ» (لم يصِحّ نسبته إلى رسول الله ﷺ)

فإذا عرف عجز نفسه عرف قدرة الله عزَّ وجلَّ، ولا يعتمد على نفسه وعقله، بل يتوكَّل على اللهِ، ويطلب الحقَّ منه.

وينبغي ألَّا يعتاد المُخافتة في التَّكرار؛ لأنَّ الدَّرس والتَّكرار ينبغي أن يكون بقُوَّة ونشاط، ولا يجهر جهراً يُجهِدُ نفسه، كيلا ينقطع عن التَّكرار، فخيرُ الأُمُور أوسطُها.

فصْل: فِي التَّوكُّل

ثمَّ لا بُدَّ لطالب العِلْم من التَّوكُّل في طلب العِلْم، ولا يهتم لأمر الرِّزق، ولا يشغل قلبه بذلك.

قال رجل لابن منصور الحلَّاج: (أوصني)، فقال ابن المنصور: (هَيِّء نَفْسَكَ، إن لَمْ تَشْغَلْهَا شَغَلَتْكَ).

ليُعلمَ أنَّ سَفَرَ العِلْمِ لا يخلو عن التَّعب؛ لأنَّ طلب العلم أمرٌ عظيمٌ، وهو أفضل من الغَزَاة عند أكثر العُلماء، والأجر عَلَى قَدْر التَّعب والنَّصب.

فصْل: فِي وَقْتِ التَّحْصِيلِ

قيل: “وَقْتُ التَّعَلُّمِ مِنَ المَهْدِ إلَى اللَّحْدِ“.

ينبغي أن يستغرق جميع أوقاته، فإذا مَلَّ مِن عِلْمٍ يَشْتَغِلُ بعِلْمٍ آخَرَ.

فصْل: فِي الشَّفَقَةِ وَالنَّصِيحَةِ

ينبغي أن يكون صاحب العِلْم مُشفِقاً، ناصحاً، غير حاسدٍ؛ فالحَسَد يضُرّ ولا ينفع.

وينبغي ألَّا يُنازع أحداً، ولا يُخاصمه؛ لأنَّه يُضيِّع أوقاته.

إيَّاك والمُعادَاة، فإنَّها تفضحُكَ، وتُضيِّع أوقاتك، وعليك بالتَّحمُّل، لا سِيَّما مِن السُّفهاء.

فصْل: فِي الاسْتِفَادَةِ وَاقْتِبَاسِ الأَدَبِ

ينبغي أن يكون طالب العِلْم مُستفيداً في كلِّ وقتٍ حتى يَحصُلَ له الفضل والكمال في العِلْم. وطريق الاستفادة أن يكون معه في كلِّ وقتٍ محبرة حتى يكتب ما يسمع من الفوائد العِلْمِيَّة.

فصْل: فِي الوَرَعِ فِي حَالَةِ التَّعَلُّمِ

كُلَّما كان طالب العِلْم أورَع، كان عِلْمه أنفع، والتَّعلُّم له أيسر، وفوائده أكثر.

ومن الوَرَع الكامل أن يتحرَّز عن الشِّبَع، وكثرة النَّوم، وكثرة الكلام فيما لا ينفع.

ومن الوَرَع أن يجتنب مِن أهل الفساد والمعاصي والتَّعطيل، ويُجاور الصُّلَحَاء؛ فإنَّ المُجاورة مؤثِّرة.

فينبغي لطالب العِلْم ألَّا يتهاون بالآداب والسُّنَن، ومَن تهاون بالأدب حُرِمَ السُّنَن، ومن تهاون بالسُّنَن حُرِمَ الفرائض، ومن تهاون بالفرائض حُرِمَ الآخرة.

وينبغي أن يُكثِر الصَّلاة، ويُصلِّي صلاة الخاشعين؛ فإنَّ ذلك عَوْنٌ له على التَّحصيل والتَّعلُّم.

وينبغي أن يستصحب دفتراً على كُلِّ حالٍ ليُطالِعَهُ، وينبغي أن يكون في الدَّفتر بياض، ويستصحِب المِحْبَرَة ليَكْتُبَ ما يَسْمَعُ مِن العُلماء.

فصْل: فِيمَا يُورِثُ الحِفْظَ وفِيمَا يُورِثُ النِّسْيَانَ

وأقوى أسباب الحِفظ: الجِدُّ والمُواظبة، وتقليل الغِذاء، وصلاة اللَّيل، وقراءة القرآن من أسباب الحِفظ.

قِيل: (لَيْسَ شَيْءٌ أَزْيَدَ لِلْحِفْظِ مِنْ قِرَاءَةِ القُرْآنِ نَظَرًا).

ويُكثِرُ الصَّلاةَ على النبي ﷺ، فإنَّه رحمةٌ للعالمين.

قال الشافعي رضي اللهُ عنه:

شَكَوتُ إلَى وَكِيعٍ سُوءَ حِفْظِي … فَأرْشَدَنِي إلَى تَرْكِ المَعَاصِي

فَإنَّ العِلْمَ فَضْلٌ مِنَ اللهِ … وَفَضْلُ اللهِ لَا يُعْطَى لِعَاصِي

وأمَّا ما يورث النِّسيان فهو: المَعَاصي، وكثرة الذُّنُوب، والهُمُوم، والأحزان في أُمُور الدُّنيا، وكثرة الاشتغال والعلائق.

وقد ذكرنا أنَّه لا ينبغي للعاقل أن يهتمَّ لأمر الدُّنيا؛ لأنَّه يَضُرُّ ولا ينفع، وهُمُوم الدُّنيا لا تخلو عن الظُّلمة في القلب، وهُمُوم الآخرة لا تخلو عن النُّور في القَلْب.

فصْل: فِيمَا يَجْلِبُ الرِّزْقَ وَفِيمَا يَمْنَعُ، وَمَا يَزِيدُ فِي العُمُرِ وَمَا يَنْقُصُ

ثمَّ لا بُدَّ لطالب العِلْم مِن القُّوَّة، ومعرفة ما يَزِيدُ فيها، وما يَزِيدُ في العُمر والصِّحَّة؛ ليتفرَّغ في طَلَب العِلْم.

قال رسول الله ﷺ: «لَا يُرَدُّ القَدَرُ إلَّا بِالدُّعَاءِ، ولَا يَزِيدُ فِي العُمرِ إلَّا البِرُّ، فَإنَّ الرَّجُلَ لَيُحرَمُ الرِّزْقَ بِذَنْبٍ يُصِيبُهُ».

ارتكاب الذَّنب سبب حِرمان الرِّزق، خُصُوصاً الكذب، فإنَّه يُورِث الفقر. والتَّهاوُن في الصَّلاة، وإسراع الخُرُوج من المسجد بعد صلاة الفجر. كل ذلك يُورِثُ الفقر، عُرِفَ ذلك بالآثار.

وقال رسول الله ﷺ: «اسْتَنْزِلُوا الرِّزْقَ بِالصَّدَقَةِ».

والبُكُور مُباركٌ، يَزِيدُ في جميع النِّعم، خُصُوصاً في الرِّزق.

وأقوى الأسباب الجاذبة للرِّزق: إقامة الصَّلاة بالتَّعظيم والخُشُوع، وتعديل الأركان وسائر واجباتها وسُننها وآدابها، وصلاة الضُّحى في ذلك معروفة.

وحُضُور المسجد قبل الأذان، والمُداومة على الطَّهارة، وأداء سُنَّة الفجر والوِتْر في البيت.

قِيل: (مَنْ اشْتَغَلَ بِمَا لَا يَعْنِيهِ، فَاتَهُ مَا يَعْنِيهِ)

وقال عليّ رضي الله عنه: (إذَا تمَّ العَقْلُ نَقَصَ الكَلَامُ).

وأمَّا مَا يَزِيدُ في العُمر: البِرُّ، وتَرْك الأذى، وتوقير الشُّيُوخ، وصِلَة الرَّحِم.

الحمد لله ربّ العالمين

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

اكتشاف المزيد من مدونة التاعب

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading