القائمة إغلاق

خُلاصة كتاب: للقِصَّة بقِيَّة (بين آل لوط وقومه)، تأليف: محمد حشمت

بسم الله الرحمن الرحيم

مُلخَّص كتاب: للقِصَّة بقِيَّة، بين آل لوط وقومه

تأليف: محمد حشمت

تحميل الخُلاصة: [DOC] [PDF]

إهداء

إلى الحاملين هَمَّ أُمَّتهم، إلى أُولِي البقِيَّة الذين ينهون عن الفساد في الأرض، إلى كُلِّ عاقلٍ يُريدُ خَلَاص نفسه وأهله وأُمَّته، أُذَكِّرُكَ.. للقِصَّةِ بقِيَّة.

مُقدِّمة

مع مُوجات الهجرة إلى الغرب، وسُيُولة الثَّقافات، وحالة الإحباط لَدَى كثيرٍ من الشَّباب، ومع ضَعْفِ الوعي الدِّيني، وغِياب الوازع، واختلاط الأوراق، والأفكار، ظَهَرَت قضايا الإلحاد بأنواعه، والتقمت النَّسَوِيَّة قُلُوب الفتيات، والنِّساء، وعُقُولهن. وجاءت الفردانية لتخرجهم من حَيِّز أُمَّتهم؛ ليقبعوا في عالمهم الخاصّ، ويتمركزوا حول ذاتيتهم.

ثُمَّ كانت السَّوءةُ السَّوءاءُ، والدَّاء العياء، حين تسلَّل فكر اللُّوطِيَّة المُشين تحت سِتار الحُرِّيَّة، واختلاف الهُوِيَّة، وحقّ الإنسان في اختيار هُوِيَّته، وصُورته، وكلّ هذه المُصطلحات الرَّنَّانة التي تُشبه خُبز الدَّجال وماءه.

فكرتُ بالبدء بقِصَّة سيدنا لوط عليه السَّلام، والذي تتضمَّن حياته مُعالجة هذه القضية مِن خِلال مُدافعاته مع قومه، إذ كانوا أوَّل هذا الأمر ومنشأه، وهم بمثابة سَلَف هؤلاء المُعاصرين.

(هامش): صَدَرَ من سلسلة «في ظِلال التَّربية النَّبوِيَّة» حتى الآن سبع حلقات: «خوَّات بن جبير، كعب بن مالك، الرُّميصاء، جابر بن عبد الله، حذيفة بن اليمان، فاطمة بنت محمد ﷺ، سعد بن معاذ»، يسَّر اللهُ إكمالها.

أهمِّيَّة الكتابة في هذا الأمر، من أجل بيان تفصيلات ما حدث في قِصَّة قوم لوط عليه السَّلام، من أجل إدراك وجه الشَّبه بين قوم لوط الغابرين والمُعاصرين.

(هامش): من ضِمن المراجع المُهمَّة في قضية «اللُّوطِيَّة»: ما كتبه الأستاذ عمرو عبد العزيز في بحثه الرَّائد: «دين المؤتفكات».

بداية القِصَّة

على طريق إبراهيم

تبدأ قِصَّة لوط في زمن الخليل إبراهيم عليه السَّلام بعد واقعة التَّحريق الشَّهيرة، والتي نجَّى اللهُ منها إبراهيم عليه السَّلام، وجعلها عليه برداً وسلاماً، فآمن معه حينها لوط عليه السَّلام، وصدَّقه هو، ورهطٌ مِن قومه.

وكان من إبراهيم أن هاجر، فهاجروا جميعاً من ناحية الكوفة إلى الشَّام.

فلمَّا وصلا الشام، نبَّأ اللهُ تعالى لوطاً عليه السَّلام، وأمره أن يذهب إلى أهلِ بلدةٍ ظالمةٍ: «كانوا من أفجر النَّاسِ، وأكفرهم، وأسوئهم طوِيَّة، وأردءهم سريرة، وسيرة» (البداية والنِّهاية لابن كثير).

ولا سيما تِلْك الفواحش التي ابتدعوها وسَجَّلوا بها سبقاً شيطانيًا وُجِد على وجهِ الأرض، بهذه الصُّورة مُنذ بدء الخليقة.

وعلينا استحضار أنَّ لوطاً عليه السَّلام لم يكن رسولاً مُختصًّا برسالةٍ جديدةٍ، وإنَّما هو نبيٌ جاء يدعو برسالة التَّوحيد، والمِلَّة الحنيفية التي جاهد إبراهيم من أجل دعوة النَّاس إليها.

وهذا يُبيِّن لنا سبب عَدَم استطراد القرآن الكريم في ذكر دعوة التَّوحيد مع لوط عليه السَّلام، إذ هو مُرتبط بالدَّعوة الكبرى للتَّوحيد.

وهذا ما حَمَل البعض على تبنِّي القول بأنَّ دعوة لوط عليه السَّلام لم تبدأ البداية العقدية المعروفة لَدَى بقِيَّة الأنبياء مع أقوامهم، وعلَّل ذلك أنَّ الأقوام كان انحرافهم فكريًّا، تصوُّرِيًّا، عقلِيًّا. بخلافِ قوم لوط الذين كان انحرافهم سُلُوكِيًّا خاصًّا بهم، ولذلك بدأهم بالحديث عنها.

طريقة الأنبياء

والمُتأمِّل في الآيات وسِياقها سيُلاحظ ضعف هذا القول.

أمَّا في قوم لوط، فقد كان الأصل الذي يُفترض أن يأتي الدَّاعية فيُذَكِّر به، هو مِن الفطرة، والحنيفية المائلة عن الشِّرك الذي قد أصابته اللَّوثة الشديدة، بفعل تِلْك السَّابقة الشنعاء، التي اجتالتهم بها الشياطين عن أصل فطرتهم، وعهدهم القديم.

فهذه إذن طريقة الأنبياء: يُذكِّرون بالتَّوحيد، ومعه ما اشْتُهِر فيهم من المُوبقات، التي تُعمي قُلُوبهم، وفطرتهم عمَّا خُلِقُوا له.

غِيابُ العِلَّة القديمة

يأتي الأنبياء ليُحرِّروا أقوامهم من التَّقليد الأعمى المُتحجِّر، الذي لا يقوم على عِلْمٍ، ولا يعتمد على دليلٍ، ولا تفكير، ويدعوهم إلى أن يُطلقوا عُقُولهم لتدبُّر الكون، والآيات؛ ليبعث في قُلُوبهم، وعُقُولهم، اليَقَظَة والحركة والنُّور.

أمَّا الآن فنحن أمام قوم لم يكن لهم حتى هذا السَّند القديم، والحُجَّة المُتوارثة الدَّاحضة.

قِصَّة قوم لوط عليه السَّلام في القرآن الكريم تتَّسِم بعُمُومِيَّة الخِطاب، والأحداث، والمُسمَّيات، وتجريده عن الأساس التَّسجيلي لها.

والمقصود هو: أنَّ التَّشنيع على تِلْك الفاحشة ليس مُختصًّا بقومٍ بعينهم، في زمان بعينه، وإنَّما متى وُجِدَت في قومٍ، شملهم الحُكم نفسه، ووَجَبَ على أهل الدِّيانة: الأمر بالمعروف، والنَّهي عن المنكر وأن يتصدُّوا لها.

صُور الإسراف والعُدوان

الإسراف

تجد أنَّ القرآن الكريم لمَّا أورد صفتهم تِلْك، عبَّر عنها بصيغة الجُملة الاسمية الدَّالة على الثَّبات، أي: أنَّهم قومٌ تمكَّن منهم الإسراف في الشَّهوات، واستوطن، ولذلك اشتهوا شهوةً غريبةً عن فطرة البشر لمَّا سئموا الشَّهوات المُعتادة.

وأصل الإسراف: من السرف، وإذا نظرنا في معاجم اللُّغة نجدهم يقولون: «السين والراء والفاء أصل واحد، يدُلُّ على تعدِّي الحَدّ، والإغفال أيضاً للشيء، تقول: في الأمر سرف، أي مُجاوزة القدر»

  • مُستوى الفرد: حيث جلب عليهم إسرافهم فساد شهوتهم، وأذواقهم. فجعلهم يشتهون ما هو حقيق بأن يُكره، ويستفظع.
  • ومُستوى المجتمع: حيث إنَّ أثر الإسراف أفراداً يترتَّب عليه مشاكل اجتماعية لا يُستهان بها؛ كتناقص أعدادهم بسبب قِلَّة الذُّرِّيَّة، وفساد معايشهم، وأذواقهم، وتفشِّي الجرائم، واختلال الأمن العام، وانحلال المُجتمع برُمَّته.

وأصل السرف يبدأ من الاحتياجات الطَّبيعة: كالمأكل، والمشرب، والملبس ونحوه من اللَّذَّات والطَّيِّبات.. لذلك لمَّا حثَّ القرآن الكريم على التَّمتُّع بالطَّيِّبات حذَّر معه من الإسراف.

فتجد أحجام الشطائر قد تضاعفت، وهي في ازدياد مُستمِرّ! وتجد هوس بإغراق الأطعمة بكمِّيَّات مهولة من الصَّلصات، والأجبان. ولا عجب أن تجد أكواب المشروبات في تضخُّم مُستمِرّ، حتى تجد الكوب الواحد منها هو نفس ما كان يكفي رهط!

العُدوان

«العادي»: هو الذي تجاوز حَدّ الحَقِّ إلى الباطل، يُقال: عَدَا عليه، أي: ظلمه.

  • العُدوان على النفس: بصرفها عمَّا طُبِعَت عليه.

والعدوان عليها يكون بمنعها من حَقِّها في التَّلذُّذ بالشَّهوة التي ركَّبها الخالق الحكيم في كُلٍّ من الذَّكر، والأنثى (التي ينالانها باجتماعهما).

(هامش): جعل اللهُ تعالى الرَّغبة في إتيان الشَّهوة أصيلة طلباً لحُصُولها، ولضمان أن يتلاقى الذكر، والأنثى فيُحقِّقا مشيئة الله في امتداد الحياة، ثمَّ لتكون هذه الرَّغبة الأصيلة، وتلك اللَّذَّة العميقة دافعاً في مُقابل المتاعب التي يلقيانها بعد ذلك من حمل، ووضع، ورضاعة، ومن نفقة، وتربية، وكفالة.. ثمَّ لتكون كذلك ضماناً لبقائهما مُلتصقين في أسرة تقوم بمنهج الله تعالى؛ لتحقيق الغاية من الخلق في عبادة الله، التي شرعها في كتبه وعلى ألسنة رُسُله.

(هامش): الحاصل أن يُعلم أنَّه ليس من شرط وصف (اللُّوطيّ) أنه يَذَر النَّساء جُملةً، بل منهم مَن يجمع بين النِّساء، والرِّجال. فالتَّشنيع يشمل ذلك كلّه، فلا يُفهم أنَّه لا بأس من المُشاركة، ما دام أنَّه لم ينفرد بإتيان الذُّكُور فقط، بل جمع بينهم!

فكان ما أوحى الشيطان به إلى أوليائه: فكرة توحيد مقاييس الجمال.

ولوطِيُّو العصر يستخدمون تلك الجراحات لـ «تأنيث الوجه» [Facial Feminization Surgery]

«مرحلة الإعاقة والتبغيض!». فهذا ذَكَر بصِحَّة جيِّدة يتحوَّل إلى «امرأة مشلولة»، فيستخدم كرسِيًّا مُتحرِّكاً طيلة الوقت. على الرَّغم من عَدَم وُجُود إعاقات جسدية؛ لأنَّه لطالما تمنَّى لو وُلِدَ في صورة امرأة.

ليست الفكرة هُنا في طريقة العدوان فقط! بل في التَّطبيع مع فكرة حقّ الإسراف، والعُدوان على النَّفس.

  • العدوان على الغير:

حين يأتي إلينا شخصٌ بما لا يعرفه عامَّة العقلاء، وأهل الصَّلاح من: أشكال، وصُور، وأفعال، ويحاول أن يفرضه، أمام أعينهم -عُنوةً- فذلك عُدوانٌ على حَقِّهم، حتى وإن لم يُطالبهم شخصيًّا بالتَّطبيع مع فكرته، أو الموافقة عليها.

  • ذريعة اختلاف الناس:

إلى متى سَيَظَلّ حُرَّاس الفضيلة يرون اختلاف الناس عنهم تهديداً لفضيلتهم؟

فالولاء الإيماني بين العربي والأعجمي، وبين الأسود والأبيض، وبين بلال «الحبشي»، وأبي بكر «القرشي»، وسَلْمان «الفارسي»، وصُهَيب «الرومي»، وتذويب هذه الفوارق الظاهرية في سبيل وحدة الدين، فهي من علامات التَّديُّن المُستقيم.

الاختلاف على نوعين:

  • اختلاف أصلي: يحصل بأصل الخِلْقَة والوُجُود، كاختلاف الألوان والألسن.
  • اختلاف حادث: يحصل بفعل الإنسان، وتغيُّره. أو اعتدائه على نفسه، وغيره، ومجتمعه.. إلى آخره.

اللوطية ليس اختلافاً أصليًّا يُمكننا التَّعامل معه، والسُّكُوت عنه.

تعامل أهل الباطل مع أهل الحقِّ لا يخرج عن طريقتين: إمَّا الإخراج، والنَّفي من الأرض -حقيقةً- إذا كان لهم أرض، ودولة لهم فيها الغلبة، والعدد، والعُدَّة. وإمَّا الإخراج، والنَّفي -مجازاً- من أرض الحُرِّيَّات المزعومة، فيُضيِّقون على مُخالفيهم. فيُمارسون عليه كلّ صُوَر الإرهاب الفكري.

  • العُدوان على النّوع:

إنَّ إهمال النِّساء وتركهنّ، والانجرار خلف الشَّهوات المُزيَّفة التي يُزيِّنها الشيطان في قُلُوب القوم لهي عُدوان سافر على النّوع الإنساني بشِقَّيه: الرِّجال، والنِّساء.

فقضاء تلك الشَّهوة في غير الغرض الذي وضعها اللهُ لأجله، اعتداءٌ على الفطرة وعلى النّوع.

وهنا معنيان حاضران

﴿قَالُواْ لَقَدۡ عَلِمۡتَ مَا لَنَا ‌فِي ‌بَنَاتِكَ ‌مِنۡ ‌حَقّٖ وَإِنَّكَ لَتَعۡلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ [هود: 79]

الأول: لقد علمتَ لو أردنا بناتك لتزوجناهن، فهذا حقّنا لا نُنكره، لكن لا رغبة لنا فيهن.

الثاني: لقد علمتَ أنَّه ليس لنا رغبة فيهن، ولا «حقّ»، ولنا: كناية عن عَدَم التَّعلُّق بهن، وعن التجافي عنهن.

جريمة مُشتركة

ما دخل النِّساء هُنا، وماذا فعلنَ ليعمّهم العذاب؟

ما أخرجه «عبد بن حميد» عن «قتادة» قال: «سُئل طاووس عن إتيان النِّساء في أدبارهن، فقال: ذلك كفر؛ ما بدأ قوم لوط إلَّا ذاك، أتوا النِّساء في أدبارهن، وأتى الرِّجالُ الرِّجالَ»

ينظر: «الدُّرّ المنثور» للسيوطي (٦٣٤/١).

أخرج ابن أبي الدُّنيا، والبيهقي، وابن عساكر عن أبي صخرة جامع بن شداد، قال: «كان اللِّواط في قوم لوط في النِّساء قبل أن يكون في الرِّجال بأربعين سنة.»

وعلى هذا فقد اتَّضح أنَّ هذه الجريمة جاءت بعمل مُشترك بين الرِّجال، والنِّساء، فإنَّهما قد تطاوعا في بداية الأمر. على ترك المحل الذي جعله اللهُ تعالى للحرث، فتركوا الفُرُوج، واتَّجهوا للأدبار، واستحلُّوا الأمر كلاهما، واستمرُّوه، واعتادوا عليه. فكان عُزُوف الرِّجال عن النِّساء، واتجاههم إلى أدبار الرِّجال، وهكذا وقعت النِّساءُ على النِّساء.

اللا إنجابية: [Antinatalism]

الظُّرُوف المأساوية أدَّت إلى تبنِّي البعض أفكاراً تشاؤمية عن الحياة.

حياة المعري كانت صعبة بالنِّسبة له، فقد أُصيب بمرض الجدري في صغره، فذهب بصره، وعرف بفلسفته التَّشاؤمية هذه، وقد أعرض عن الزَّواج؛ تجنُّباً لإنجاب الأطفال، وامتنع عن أكل اللُّحُوم؛ تجنُّباً لإيلام الحيوان.

وأمَّا في الغرب فيحتفون بأقوال الفيلسوف الألماني «شوبنهاور» المعروف أيضاً بفلسفته التَّشاؤمية. ويعتبرونه الأب الرُّوحي لفلسفة «اللا إنجابية» التي تُعرف أيضاً بـ «فلسفة الانقراض».

ويُرجعون هذه النَّظرة التَّشاؤمية «لشوبنهاور» إلى تأثُّره بتعاليم «بوذا» العائدة إلى القرن الخامس قبل الميلاد: «ينجب الإنسان الأطفال مُسبِّباً لهم وله: التَّقدُّم في السِّنّ، والشيخوخة والموت، فلو فكَّر لوهلةٍ، وأدرك حجم المُعاناة التي سيزيدها بتصرُّفه، لامتنع عن الإنجاب، وبذلك يُوقف دورة الشيخوخة والموت»

يحرصون على التَّفريق بين دعوتهم تلك، وبين «العَدَمِيَّة» المُتحلِّلة من أيّ خِطاب قِيَمِيّ.

يُنادون بمشروعية أن يُخيَّر الإنسان بين أن يُوجَد، أو ألَّا يُوجَد، وما دام لا يُمكن أن نسأل البويضة، والحيوان المنوي؛ فقد اختاروا ألَّا يُوجدوه من الأصل!

أليس من العدل أن تتركه يأتي ثُمَّ تُخيِّره؟ ألَّا يُمكن أن يُحِبّ خوض التَّجربة؟ إذا كنتَ مع حُرِّيَّة اختيار الإنسان أن يُوجَد، أو لا يُوجَد، فَمَن أعطاك الحَقّ أن تختار له ألَّا يُوجَد؟

هذا رُبَّما يكون طبيعيًا في حياة الغرب المُنفلتة من أيّ ضابط روحي، وعلاقة حقيقية بالمعبود.

إنَّ اعتناق هذه الدَّعوة المُنكرة تُسهِّل بشكلٍ كبيرٍ الانفكاك عن الحياة الطَّبيعية التي أمر اللهُ تعالى بها. فهذا مِمَّا يخدم اللُّوطِيَّة، وكلّ الدَّعوات التي تُهدر الحياة. فهي تؤدِّي إلى عَدَم القيام بأعباء الخلافة في الأرض، وإعمارها، وعَدَم دعوة النَّاس إلى الحياة بمنهج الله تعالى الذي يسعد به الإنسان في الدَّارين. وهي كذلك فكرة إلحادية؛ تقطع الصِّلَة بين الدُّنيا والآخرة، وتجعل الحياة وآلامها نهاية المطاف.

  • العُدوان على الشَّرع:

إنَّ قيمة كلّ شيء على هذه الأرض تنبع من قيام ذلك الشيء بوظيفته، ودوره الذي أناطه اللهُ به. قيمة الإنسان في هذا الكون تأتي من اضطلاعه بما أمره به اللهُ تعالى في كُتُبه.

هؤلاء المُتفَحِّشُون، يعتدون على حكمة القدير الكبير الخبير جلَّ وعَلَا، بزعمهم أنَّ لهم الحُرِّيَّة في اختيار نوعهم الاجتماعي (الجندر / Gender)، مع اعترافهم بتوافق خلقتهم مع نوعهم، وخُلُوِّهم من أيِّ عاهةٍ تقتضي نقلهم عن نوعهم الذي هُم عليه إلى نوع آخر!

هل يُسلَّم للإنسان قراره، لمُجرَّد أنَّه رأى ذلك، أو أنَّه اشتهاه؟!

مُرَكَّب الهَلَاك

الإسرافية والعدوانية سُرعان ما تتفاعل مع بعضها لِتُكوِّن مُركَّباً جديداً خطيراً، وقد عبَّر القرآن الكريم عن هذا المُركَّب بــ: التَّرَف.

التَّرف الذي يُغلِّظ القُلُوب، ويُفقدها الحساسية، ويُفسد الفطرة، ويُغشيها، فلا تَرَى دلائل الهداية.

هُناك آيات كثيرة تربط بين ترف الأقوام وكفرهم، وبطرهم، وإسرافهم على أنفسهم.

(هامش): يقول ابن عاشور في تفسير مطلع سورة الحاقة: «وفي عطف هؤلاء على ثمود وعاد في سِياق ذكر التَّكذيب بالقارعة؛ إيماءٌ إلى أنَّهم تشابهوا في التَّكذيب بالقارعة، كما تشابهوا في المجيء بالخاطئة، وعِصيان رُسُل ربِّهم». ينظر: «التَّحرير والتَّنوير» (١٢٠/٢٩)

المُترَف هو: «المَترُوكُ يَصْنَعُ مَا يشاءُ لَا يُمْنَعُ مِنْهُ، وَإنَّمَا سُمِّي المُتَنَعِّمُ المُتَوَسِّع في مَلَاذِّ الدُّنْيَا، وشَهَوَاتِهَا مُتْرَفًا؛ لأنَّه مُطْلَقٌ لَهُ، لَا يُمْنَعُ مِنْ تَنَعُّمِهِ!»

أهم ملامح هذا المُترَف

الملمح الأول: الاسترسال مع الهوى. لا يَقِف به عند حَدّ، بل هو سائرٌ مُستَرْسِلٌ يُتْبِع نفسه هواها، فلا يمنعه أمرٌ إلهيّ، ولا توجيه نبويّ. والهوى: هو شهوات النَّفس وما جرى مجراها. صاحبُ الهَوَى مسترسل مع هواه، يُطِيع أمره، ونهيه حتى يُصَيِّره إلهاً يعبده.

الملمح الثاني: الرَّغبة الدَّائمة في الاختلاف.

الملمح الثالث: تقديس المَلَذَّات والتَّوسُّع فيها. فإذا كان الإنسانُ خالياً من أيّ ارتباط رُوحي يُشعره بأهمِّيَّته، ودوره في الحياة، فإنَّه يُصبح مُستَعبداً، ولا بُدَّ لِهَوَاه، وحاجته، وشهواته التي يشعر فيها بوُجُوده، وأهمِّيَّته.

في تناول العقاقير المُنشِّطة؛ لإطالة فترات العلاقات الجنسية بصورة تتعدَّى فكرة اللَّذَّة البشرية العادية.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «والإنسان إذا فسدت نفسه أو مزاجه يشتهي ما يضرّه ويتلذَّذ به؛ بل يعشق ذلك عشقاً يُفسِد عقله، ودينه، وخلقه، وبدنه، وماله» ينظر: «مجموع الفتاوي» (٣٤/١٩).

هدي النبي ﷺ في طعامه وشرابه: «لا يرُدُّ موجوداً، ولا يتكلَّفُ مفقوداً، فما قُرِّب إليه شيءٌ من الطَّيِّبات إلَّا أكله، إلا أن تعافَه نفسه فيتركه من غير تحريم، وما عاب طعاماً قطّ، إن اشتهاه أكله، وإلَّا تركه … فلم يكن يرُدُّ طيِّباً، ولا يتكلَّفه؛ بل كان هديُه أكل ما تيسَّر، فإن أعوَزه صَبَر حتى إنَّه ليربِط على بطنه الحَجَر من الجوع». ينظر: «زاد المَعَاد» لابن القيم (1/148-150).

وكان يحُضّ ﷺ على الاقتصاد في كُلِّ شيء، فيقول: «ما مَلأ آدميٌّ وعاءً شرًّا مِن بطنٍ، حسبُكَ يا ابن آدم لُقَيْمَات يُقِمنَ صُلْبَكَ، فإن كان لا بُدَّ فثُلُثٌ طعامٌ، وثُلُثٌ شرابُ، وثُلُثٌ نَفَسٌ».

ينظر: «صحيح ابن حبان» (5236).

دَعَاوِي باطلة

دَعْوَى الجِبِلِّيَّة

من الدَّعوات التي يُكرِّرها قوم لوط المُعاصرين، أنَّ اللُّوطِيَّة جزء من تركيبهم الفطري، فهي جِبِلِّيَّة فيهم، ولا حِيلة لهم في جَلْبها أو دفعها.

لا تُثبت دعوى الجِبِلِّيَّة عن أحدٍ من الصَّحابة ومَن بعدهم إلى يوم النَّاس هذا، ولا جاء بذلك أثر، ولا قول صحابي، فضلاً عن آية يُمكن تأويلها في هذا الصَّدد، وإنَّما الثَّابت المقطوع به أنَّ النَّاس إنَّما وُلِدُوا على الفطرة.

وأصَحُّ الأقوال في معنى الفطرة: أنَّها الإسلام، وعلى هذا أكثر الصَّحابة، والتَّابعين ومَن بعدهم.

وليس المراد به أنَّه حين يخرج الطِّفل من بطن أُمِّه يعلم هذا الدِّين ويريده.

ولكن فطرته مُقتضية مُوجبة لدين الإسلام، لمعرفته ومحبّته.

إذن فالإنسان مفطور على الفطرة المُستقيمة، ولكنَّه يخرج إلى الدُّنيا فيأتي المُعارِض من الشَّهوات والشُّبُهات، فينقسم الطَّريق إلى فرعين:

  • إنسانٌ «باقٍ على فطرته»
  • وإنسانٌ «مُنحرف عنها بشهوته وشُبهته».

والانحراف ينقسم إلى طريقين:

  • انحرافٌ إلى غريزي محبوب طَبْعًا، كــ «الزِّنا».
  • انحرافٌ إلى غير غريزي ومُحرَّم طَبْعًا، كــ «اللِّواط».

اللِّواطة قبيحة عقلاً، وشرعاً، وطَبْعًا. واللِّواط مُحرَّم، مُغلَّظ التَّحريم، وأنَّه من الكبائر، ولأنَّه وطءٌ في محلٍّ لا تشتهيه الطِّباع.

ينظر: «المُغني» لابن قدامة (٣٤٨/١٢)، و «الزواجر» للهيتمي (٢٢٨/٢).

ينظر: «الداء والدواء» لابن القيم (صــ ٣٩٤).

لا يميل إلى ذلك من الذُّكُور، والإناث إلَّا النُّفُوس الخبيثة، خسيسة الطَّبع، بهيمة الأخلاق، فالنُّفُوس الشَّريفة بمعزلٍ عن ذلك.

«إنَّ الميل إلى الذُّكُور عاهةٌ، وهو قبيحٌ في نفسه؛ لأنَّه مَحَلٌّ لم يُخلَق للوطء، ولهذا لم يُبَح في شريعة بخلاف الخمر، وهو مخرج الحَدَث، والجَنَّة نُزِّهت عن العاهات»

ينظر: «حاشية ابن عابدين» (4/28).

وهذا القول الأخير ينقل عن أبي يوسف الإمام الكبير، وكأنَّه قد سمع ما يُروِّجه بعض المُعاصرين اليوم -بفهمهم القاصر وقلبهم السَّقيم- من أنَّ وُجُود الوِلْدَان في الجَنَّة يكون على سبيل المُتعة واللِّياطة، فها هو يُوضِّح لأصحاب العاهات أنَّ الجَنَّة نُزِّهَت عنهم، وعن أفهامهم.

إنَّ الله لم يجمع على أُمَّةٍ مِن الأمم مِن أنواع العُقُوبات ما جمع على اللُّوطِيَّة؛ فإنَّه سُبحانه طَمَس أبصارهم، وسوَّد وُجُوههم، وأمر جبريل عليه السَّلام أن يقتلع قُرَاهُم مِن أصلها، ثُمَّ يقلبها عليهم؛ فجعل عاليها سافلها ثم خسف بهم، ثم أمطر عليهم حجارة من السَّماء.

حسناً، ولكن ألَا يُمكن أن يَقَع شيءٌ من هذا على سبيل الابتلاء؟

نعم، يُمكن ابتلاء، لا جِبِلَّة وفطرة، وله صورتان:

الأولى: حالة الخُنثى

ويُعرَف لُغةً وشرعاً بأنَّه: الذي خُلِقَ له ذَكَر رجل، وفرج امرأة، وقد يخلو منهما جميعاً؛ بأن يكون له ثقب في مكان الفرج يخرج منه البول.

والخنثى صنفان

  • الواضح: أن يكون له فرج المرأة، وذَكَر الرجل.
  • المُشْكِل: ألَّا يكون له واحد منهما، بل له ثقبة يُخرِج منها الخارج، ولا تُشبه فرج واحد منهما.

التَّحديد في كُلِّ حال لا يجوز لمُجرَّد الاشتهاء لجعله ذكراً أو أنثى، وهذا فيمن هو مُبتلى بالخناثة، فما بالك بالصَّحيح واضح الآلة، والجنس، والنّوع.

ولا علاقة لهذا من أيّ اتِّجاه بالهُوِيَّة الجنسية التي يتكلَّم عنها العلمانيون، ولا يدخل فيما يُسمُّونه (عابرو الجنس Transgender)، فلا تمُتّ الخناثة الشَّرعية لهؤلاء من قريبٍ ولا بعيد.

الحالة الثانية: الابتلاء بالمَيْل والشَّهوة

قد تَفْسَد الطِّباع والفِطَر لعوارض تُصيبها، فيميل المُبتلى إلى النَّظر أو التَّفكير أو الشَّهوة المُحرَّمة، وعلى المُسلم، الذي ابتُلِيَ بذلك أن يدفع عن نفسه ذلك البلاء بكل سبيل مشروع: من علاج معرفي، وسُلُوكي، ونفسي، أو دوائي إن تيسَّر ذلك حيناً من الدَّهر، وعليه أن يستعين بعد الله تعالى بالعلاج القرآني، والرُّقية الشَّرعية، والانشغال بالطَّاعات، والبُعد عن الأماكن التي تدفعه إلى التَّفكير والمَيل، مع إدمان الدُّعاء، والصَّبر على البلاء، فإنَّ مع العُسر يُسرا.

(هامش): ومن عَجَبٍ أنَّهم يُسمُّون هذا المُبتلى بالمَيل للوطِيَّة مع عَدَم تجنُّبه للجنس الطَّبيعي بأنَّه (مُزدوج الميول الجنسية / Bisexual)، ولو كانوا يعقلون لكان وُجُود هذا النّوع دليلاً عن عَدَم جِبِلِّيَّة اللُّوطِيَّة بحال، وإنَّما هي عارض طارئ قد يطرأ على الشَّخص بصورة جزئية أو كُلِّيَّة، لكن القوم مُتيَّمون بكثرة التَّصنيفات، والتَّنويعات ليكون لهم مُتَّسع لكُلِّ ساقطةٍ.

دعوى وُجُود اللُّوطِيَّة في العهد الأوَّل

المعنى الظَّاهر المُتبادر للمُخنَّث من يتكسَّر في كلامه وحركته، إمَّا بتكلُّف، أو طَبْع.

أي إنَّ «المُخنَّث» في الأصل يكون على ضربين:

الأول: مَن يتكلَّف التَّشبُّه بالنِّساء في كلامهم رِقَّةً، ولُيُونةً وتكسُّراً، فهذا مُحرَّم، وعلى هذا يتوجَّه النَّهي في النُّصُوص، والأحاديث.

الثاني: هو مَن في كلامه لُيُونة، وحركته تماوُت، وتكسُّر على سبيل الطَّبع والعادة، لا بقصد التَّمايُع والتَّشبُّه.

هذا النَّوع الثَّاني: إن رضي بصفته الطَّبيعة مِن التَّكسُّر، وتَرَكَ نفسه لهواها، ولم يَسْعَ في علاجها فقد ناله إثم الرِّضا به.

هذا النوع الثاني كان موجوداً في العهد الأوَّل، وكان يغلب عليه ثقافة النَّساء في الأفعال، والهيئات، والحركات، وكانوا يظُنُّونه في بداية الأمر أنَّهم لا شهوة له مُطلقاً.

(هامش): مَن لا شهوة لهم مُطلقاً يُطلق عليهم حاليا «معدوم الميول الجنسية / Asexual».

الالتفات إلى وُجُود مثل هؤلاء في مُجتمع النبوة الأوَّل -بحسب ما أفهم- ضرورة قَدَرِيَّة، وتشريعية.

ذلك أنَّ الله تعالى عَلِمَ أنَّ المُجتمع الأوَّل هو الذي سيكون بمثابة الصُّورة المعيارية، والحالة الأصلِيَّة، والميزان الذي سيُقاس عليه كلّ ما يأتي بعدها من أحداث ووقائع. فكان لا بُدَّ أن يتوفَّر فيها أُصُول الأُمُور التي تحتاج إلى تشريع وبتّ سماوي، وإلَّا ضاع النَّاس بعد ذلك.

قال الإمام ابن حبيب (ت ٥٢٣٨): «المُخنَّث هو المؤنَّث من الرِّجال، وإن لم تُعرَف منه الفاحشة، مأخوذ من التَّكسُّر في المشي وغيره».

ينظر فتح الباري (9/334، 335).

وذكر الإمام ابن بطال (ت٤٤٩ه) أنَّ «المُراد بالمُخنَّثين: المُتشبِّهون بالنِّساء، لا مَن يؤتى!».

نقله عنه الحافظ في الفتح (12/160).

نصَّ الحافظ المُحقِّق ابن حجر (٨٥٢ه) أنَّه «لم يَثْبُت عن أحدٍ مِمَّن أخرجهم النَّبي ﷺ أنَّه كان يُؤتَى».

ينظر فتح الباري (12/160)

«نَفَي كل من خشيت منه فتنة على الناس في دين أو دنيا»

ينظر: شرح صحيح البُخاري لابن بطال (8/469).

«المُخنَّث» و «المُتَرَجِّلَة» المذكورين في الأحاديث، والموجودين على عهد النبي ﷺ لم يُعرف عنهم الفاحشة أصلاً.

ذمُّ التَّشبُّه بالكلام، والمشي مُختص بمَن تعمَّد ذلك، وأمَّا مَن كان ذلك مِن أصل خلقته فإنَّه يُؤمَر بتكلُّف تركه، والإدمان على ذلك بالتَّدريج، فإن لم يفعل وتمادى دخله الذَّمّ، ولا سيما إن بدا منه ما يدُلُّ على الرِّضا به.

أُولُو بَقِيَّة

آل لوط المُعاصرين

الأمم التي يَظْلِم فيها الظَّالمون، ويُفْسِد فيها المُفسدون، فلا ينهض من يَدْفَع الظُّلم والفساد، أو يكون فيها من يستنكر، ولكنَّه لا يبلغ أن يُؤثِّر في الواقع الفاسِد، فإنَّ سُنَّة الله تحِقّ عليها، إمَّا بهلاك الاستئصال كما في الأمم السَّابقة، وإمَّا بهلاك الانحلال، والاختلال، والذُّلّ، والاستضعاف الطَّويل.

مُجرَّد وُجُود المُنكرين المُستنكفين عن رزائلهم، والمُتطهِّرين عن شنائعهم، تُذكِّرهم دوماً بمدى الانحطاط الذي وصلوا له وتُنغِّص عليهم.

كيف حافظ آل لوط «المؤمنين» على قُلُوبهم، ومُيُولهم، وفِطرهم في ظِلِّ هذا الوباء الهادر، والتَّفحُّش المُتفشِّي في هؤلاء القوم؟

«التَّطهُّر» هو: حِصْن آل لوط من التَّماهي مع هؤلاء القوم المُجرمين.

والتَّطهُّر المُنجي هُنا يشتمل على قسمين:

  • تطهُّر معنوي: وهو تطهُّر القلب من الشِّرك، والمعاصي، والذُّنُوب، والآثام، والالتجاء إلى الله تعالى بإخلاص العبادة له، والمُداومة على الاستغفار، والتَّوبة، والانخلاع من الحول والقُوَّة والرُّكُون إلى حول الله وقُوَّته.
  • تطهُّر حِسِّي: وهو التَّطهُّر من فعل المُنكرات، والمُحرَّمات وما يُقرِّب منها من قولٍ أو عَمَل، مع المُحافظة على طهارة البدن، والملبس، والمأكل، والمشرب، واجتناب مُخالطة العُصاة والسَّماع لكلامهم.

تجلِّيَّات هذا التَّطهُّر المعنوي:

  • إنكار المُنكر:

وهو يحتاج إلى عَمَل بالقلب، واللِّسان، والجوارح:

  • إنكار بالقلب: ببُغض المُنكر، واستقباحه، وتنزيه الله تعالى عن الرِّضا به، أو تشريعه، أو السُّكُوت عنه.
  • إنكار باللِّسان: بالتَّحذير منه، والتَّنفير عنه، وبيان خطأ مُرتكبه، وبيان فُحْشه وقُبحه على أصحاب الفطر السَّليمة، والأذواق المُستقيمة، مع بيان عِقاب الله على ذلك، وبُغضه له وتحريمه، والوعيد عليه.
  • إنكار بالجوارح: بالتَّطهُّر عن فعله واجتناب الوسائل المُوصلة له، والذُّنُوب المُقرِّبة منه، والانحياش بكل سبيل عنه، وعن مُرتكبيه، ومفاصلتهم، والبراءة منهم ومن فعلهم، وكفِّهم عن فعلهم إن تيسَّرت له القُدرة.

لم يرضّ النَّاس بنعمة الله، وسُهُولة تناولها، فراحوا يبحثون عن كلِّ صعبٍ وغريبٍ لأدائها، فشابهوا بني إسرائيل لمَّا أمرهم الله بذبح بقرة، فما قنعوا بهذه السُّهُولة في الطَلَب، فراحوا يبحثون عن لونها، وعمرها، وتفاصيلها حتى شدَّد عليهم، وأرهقهم البحث عمَّا كانوا سبباً فيه.

والحاصل هنا أنَّ «آل لوط» لا بُدَّ لهم في كلّ زمان، ومكان أن يتحصَّنوا بالإيمان اللَّازم لمُواجهة كلّ انحراف، والذي يعني التَّطهُّر المعنوي، والحِسِّيّ (إنكار القلب واللِّسان والجوارح)، مع التَّحصُّن بما لا يسعهم من المعرفة اللَّازمة؛ لكشف الانحرافات وتَنْكُب طريقها.

قوم لوط، كانوا في ذلك الوقت إلى جانب كل تلك الشَّنائع، والحُرُمات التي انتهكوها، وقطع السَّبيل، والإغارة على الآمنين، أخذوا يأتون في ناديهم، وتجمُّعاتهم المُنكر جهراً، وفي شكلٍ جماعيّ مُتَّفق عليه، لا يخجل بعضهم من بعض!

إمامُ الحُنفاءِ بدءًا وانتهاءً

إنَّ إبراهيم عليه السَّلام هو رسول الزَّمان وإمام المِلَّة، ومن دعوته تفرَّعت دعوة لوط عليه السَّلام، فأمر اللهُ تعالى ملائكته أن يَمُرُّوا أوَّلاً بإبراهيم فيُخبروه الخبر، ويُبشِّروه بالبشرى.

اليومُ العَصِيب

اليوم العصيب: الشَّديد فيما لا يُرضِي.

وهذا يُشير إلى كون الملائكة جاءوه نهاراً في وقت يَسهُل انكشاف أمرهم؛ ليتم قضاء الله تعالى في تلك القرية. ويُشير أيضاً إلى أنَّهم جاءوا على الصِّفة التي تستحث القوم المُجرمين إلى الانقضاض عليهم (ذُكران – حِسَان – غُربَاء)، وأيضاً في وضح النَّهار؛ ليكتمل بهم الابتلاء، ويتِمّ القضاء.

وقد حصل ما توقع لوط عليه السَّلام تماما..

بعد قليل جاءه قومه يُهرعون إليه.. هل رآهم قومه وهم يدخلون إلى بيت لوط، أم وَشَت بهم امرأة لوط نفسها؟

امرأته «كانت في الظَّاهر مع زوجها على دينه، وفي الباطن مع قومها على دينهم، خائنة لزوجها تدُلُّ قومها على أضيافه».

ينظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (7/473)، والرسالة التبوكية ضمن مجموع الرسائل لابن القيم (صـ83).

هؤلاء نساؤكم هن أطهر لكم وأنفع، فإن النبي للأمة بمنزلة الوالد.

أنَّه مهما بلغ الطُّغاة، والعُصاة، والمُجرمون من طغيانهم، وعصيانهم، وإجرامهم إلَّا أنَّهم يعلمون -في قرارة أنفسهم- أنَّهم مُخطئون، مُخالفون لأصل فطرتهم وندائها القديم في عُمق خلقتهم.

{وإنَّك لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ}: وكأنَّ ألسنتهم، وأفواههم لا تُطاوع قُلُوبهم المُتعفِّنة للتَّصريح بالطَّلَب المُشين، فمالوا إلى تلك الإشارة.

وكأنَّهم لمَّا تركوا حقَّهم الذي خلقه اللهُ لهم، وعطَّلوه بـ «الفِعْل» وراحوا يبحثون عمَّا لا حَقَّ لهم فيه، سلبهم اللهُ ذلك الحَقّ بـ «القُوَّة»، فما عاد لهم حاجة، ولا لذَّة، ولا شهوة حقيقية ناحية النِّساء، اللَّواتي هُنَّ شهوة مُزيَّنة وأساسية مُركَّبة في خَلْق الأسوياء.

وَجَدَ لوطٌ في نفسه أنَّ الدَّعوة بالكلمة الآن قد انقضت، وأنَّ الواجب عليه أن يُجاهدهم بيده، ويدفعهم بسنانه. ولذلك تراه يتوجَّه إلى ضُيُوفه، وهُم صِغار الأسنان، حِسان الوُجُوه، لا يبدو عليهم البأس والقُوَّة، ويتمنَّى لو كانوا يستطيعون مُساعدته في مُجاهدتهم ودفعهم، ويقول: {لَوْ أنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً}، يعني لو كنتم أشِدَّاء، وأقوياء، وأصحاب بأس فتساعدوني، ونميل بأسيافنا على هؤلاء المُسُوخ الخُبثاء.

كان يأمل في تِلْك الظُّرُوف أن يَخرُج منهم، ولو رجل واحد رشيد من قومه، يؤازره، ويكون بجانبه.

ومنها تفهم قول النبي ﷺ: «يَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا، لقَدْ كانَ يَأْوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ».

ينظر: صحيح البُخاري (3372)، وصحيح مُسلم (151).

ومِن هُنا أصبح لوط عليه السَّلام نُقطة فارقة في تاريخ الدَّعوات كلها، فتجد النبي ﷺ يقول -بعدما ذكر حالة لوط تلك-: «فَمَا بُعِثَ بَعْدَهُ نَبِيٌّ إلَّا فِي ثَرْوَةٍ مِن قَوْمِهِ». ينظر: صحيح ابن حبان (6206).

يعني من الأتباع، والعشيرة، والأهل الذين يُمكن للدَّاعية الرُّكُون إليهم، والاستقواء بهم في مُدافعة الباطل.

ثروة وثروة

وكأنَّ النبي ﷺ يُشير هُنا إلى أهمِّيَّة وُجُود الأتبَاع، والأنصار كـ «ثروة» مؤازرة للدَّعوة وقضاياها، في مُقابل «ثروة» المُترَفين التي تؤول بالمُجتمع إلى التَّفكُّك، والانحلال، والبُعد عن الطَّريق المُستقيم، وأنَّ وُجُود الأتبَاع محوري، وأساسي في الصِّراع، والمُدافعة التي لا بُدَّ أنَّها حاصلة بين الدَّعوة، وأعدائها.

فإذا كانت دعوة ما، أو فكرة بلا أتبَاع ينصرونها، ويدفعون عنها، ويدعون الناس إليها؛ فمآلها إلى الاستضعاف، والخفوت، والذُّلّ، والفتنة على أيدي أعدائها.

وهذا قانون عام في كلِّ دعوة، وكل قضيةٍ، وكلّ فكرةٍ لا يقومُ لها من ينصرها، ويُدافع عنها، ويدعو لها.

كيف تحوَّلت اللُّوطِيَّة من فاحشة شيطانية، إلى النَّظر لها بوصفها مرضاً يُمكن التَّعامل معه، فأدرجت كمرض عقلي في الدَّليل العلاجي [DSM] في مؤسَّسات عِلْم النَّفس الأمريكي.

«الدَّليل التَّشخيصي والإحصائي للأمراض النَّفسية»

Diagnostic and Statistical Manual of Mental Disorders

حتى حَدَثَ الانقلاب على ذلك كلّه حين تكوَّنت جبهة مُضادة بقيادة (ناشط يهودي لوطي) يُدعَى «فرانك كابي | Frank Kameny» (١٩٢٥-٢٠١١)، وبدأ حملته تلك بعد طرده عام ١٩٥٧ من منصبه كعالم فَلَك في خدمات خرائط الجيش الأمريكي بسبب شُذُوذه الجنسي، مِمَّا دفعه للبدء في صراع مع المؤسَّسة الأمريكية؛ لتأسيس فترة جديدة من التَّحرُّر الجنسي في أوائل السِّتينيات.

لترضخ الرَّابطة فتقوم بإجراء تصويت عام (١٩٧٣م) بين عُلماء النَّفس على اللُّوطِيَّة: أتبقى في المراجع كونها مرضاً أم تُلغى منه؟ لتدخل على استحياء ضمن قائمة تُدعى بـ «اضطرابات المُيُول الجنسية».

وتستمر التعديلات لتصِل في النُّسخة الخامسة (DSM-5 / 2013) لحذف أي تشخيص يُمكن تطبيقه على شخص بناء على مُيُوله الجنسية. وصار الأطبّاء، والمُعالجون مُطالَبين بالعلاج التَّثبيتي للُّوطِيِّين [Gay affirmative] -بدلاً من العلاج التَّحويلي.

هذه طبيعة الأفكار إذا تمَّ تبنِّيها من جهة، وعملت للتَّرويج، والدَّعوة إليها، في حين وضعت الجهة الأخرى نفسها في قالب «ردّ الفِعْل»، والدِّفاع المستحيي من ضُغُوط المُجتمع.

حصلت أحداث (حانة ستونوول | Stonewall Inn) إثر اقتحام الشُّرطة الأمريكية لحانة للُّوطِيِّين (٢٨ يونيو ١٩٦٩م) بحيّ غرينتش في ولاية نيويورك، بتُهمة بيع الخُمُور خارج إطار القانون. ومن هُنا يعتبر اللُّوطِيُّون تِلْك الحادثة أهمّ حَدَث تاريخي لهم، وقرَّروا جعل هذا الشَّهر «يونيو»: شهر الفخر، والاحتفال باللُّوطِيَّة (Pride Month).

مآل الفريقين

وكأنَّ الله تعالى عاملهم هُنا بقاعدة «الجزاء من جنس العمل»، فهذا القَلْب وجعل عاليها سافلها أشبه شيء بتلك الفطرة المقلوبة.

يظهر أنَّ هذا هو سِرّ تسمية هذه القُرى بـ «المؤتفكة»، وجمعها «المؤتفكات».

و«الائتفاك»: الانقلاب، يقال: أفِكَهَا فَأتَفَكَتْ، وأصل «الإفك» يدُلّ على قَلْب الشَّيء، وصرفه عن جهته، ولذلك يُسمَّى الكذب إفكاً.

عذاب تحت الطَّلَب

﴿مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَۖ وَمَا هِيَ ‌مِنَ ‌ٱلظَّٰلِمِينَ ‌بِبَعِيدٖ﴾ [هود: 83]

يُمكن أن يكون الضَّمير في الآية {وَمَا هِيَ} عائد إلى المدينة المُدَمَّرة، وقُربها من مشركي قريش، فيكون المعنى: (وما تلك القرية ببعيد من المُشركين، أي العرب، فمن شاء فليذهب إليها فينظر مصيرها، فالمُراد: البُعد المكاني).

ويَصْلُح أيضاً أن يعود الضَّمير إلى الحجارة، وقربها مِن الظَّالمين في كلّ حين، أي: (وما تلك الحجارة ببعيد، أي أنَّ الله قادرٌ على أن يرمي المُشركين بمثلها).

الإيمان شرط النَّجاة

﴿‌فَأَخۡرَجۡنَا ‌مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ * فَمَا وَجَدۡنَا فِيهَا غَيۡرَ بَيۡتٖ مِّنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ﴾ [الذاريات: 35-36]

ذِكْر الإسلام هُنا يتعلَّق بالظَّاهر، بينما الإيمان هُنا يُقصد به الإيمان في حقيقة الأمر.

فامرأة لوط كانت من أهل البيت المُسلمين في الظَّاهر، حيث إنَّها كانت على دين زوجها فيما يظهر للنَّاس، وفي حقيقة الأمر كانت على دين قومها، خائنة لزوجها.

ينظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (7/473)

سَطْوَةُ اللُّغة

إمكانية تمكين ما يُروِّجون له عن طريق اللُّغة، والمُصطلحات، والمُسمَّيات.

بل إنَّنا معاشر المُسلمين نعتقد أنَّ للأسماء تأثيراً في المُسمَّيات، وللمُسمَّيات تأثُّر بأسمائها في الحُسْن والقُبح، والخِفَّة والثِّقل، واللَّطافة والكثافة، وأنَّ الارتباط والتَّناسب والقرابة ما بين قوالب الأشياء وحقائقها، كما بين الأرواح والأجسام.

ينظر: «زاد المعاد» لابن القيم (٤٠٣،٤٠١/٣).

ولذلك فإن اللُّوطِيِّين العرب دائماً ما يفرون من تلك المُعضلة، وتلك الحُمُولة القِيَمِيَّة للألفاظ العربية؛ بالهُرُوب إلى التَّسمية الغربية عند مُحاولة توصيف توجُّهاتهم.

فيذكرون مثلاً لفظ [Gay] الذي يُستعمل كصفة تدُلّ على الجمال أو المرح، لِئلَّا تضطرّهم العربية إلى استخدام ألفاظ تَنَقُّصِيَّة مثل «شاذّ / شاذة» التي تُوحي بأنَّهم أغراب عن المُجتمع، أو أشرار وغير أسوياء.

أو يستعملون -في أحسن الأحوال بالنِّسبة إليهم- لفظ «مثلي/ مثلِيَّة» كبديل نُخبوي لمصطلح الشَّاذّ، وهو أخَفّ من التَّوصيف الشرعي الذي يربطهم بأسلافهم القُدامى (قوم لوط) في حِسّ الجماهير.

بعد ذلك رأى هؤلاء أنَّه لا مفَرَّ مِن إنتاج مُعجم لغوي عربي (لوطي) على غرار المعجم الغربي، يتم فيه تهيئة المُصطلحات، والمُسمَّيات بصورة إيجابية مقبولة تعمل على «التَّمكين بالتَّسمية في العالم الإسلامي» وتوفُّر الاندماج المُجتمعي، مُتجنِّبة أيّ حُمُولة قِيَمِيَّة، أو دِينِيَّة، أو معانٍ فكرية من قبيل الحلال والحرام، أو المُنكر والمعروف ونحو ذلك.

(هامش): «التَّمكين بالتَّسمية في العالم الإسلامي» هذا عنوان بحث نُشِر باللُّغة الإنجليزية في (سبتمبر ٢٠١٢) لباحثة تدعى د. سحر عامر، بمجلة دراسات السحاقيات، (مج ١٦، العدد ٤).

Sahar Amer: Naming to Empower: Lesbianism in the Arab Islamicate World Today.

القضية بالنِّسبة لهؤلاء هي قضية «كفاح» من أجل صناعة حركة مُقاومة تحشد كلّ جُهُودها، ووُجُودها الشَّبكي، والواقعي؛ لخلق لُغة جديدة لا تُؤذي مشاعر اللُّوطيِّين، ولا تحمل في طيَّاتها هذا الازدراء، والتَّقبيح الذي تُمثله التَّسميات الحالية.

نحن نُردِّد كلمة مُحرَّفة -أكثر ما تُطلق في غير مواضعها- فنقول: «أميتوا الباطل بالسُّكُوت عنه!».

نحن جاهلون بما يجري إلَّا مَن رحم اللهُ، تائهون في وسط ماجريات يومية لا تنتهي، وإذا صَدَقْنا سنجد أنَّنا ما نُمِيتُ بالسُّكُوت إلَّا أنفسنا، وما يحيا الباطل إلَّا بسُكُوتنا.

تجد قائلاً يقول: (يا أخي لا يجوز أن تُسمِّي هذا الفِعْل القبيح باسم نبيّ كريم!).

هكذا في تعليق سريع، أو تغريدة، يُخطِّئ العُلماء من لَدُن الصَّحابة رضوان الله عليهم ومَن تبعهم بإحسان، وفقهاء المذاهب المُعتبرة.

هل هُناك فرق بين اسم النبي الكريم، والتَّسمية التي كانت فعل قومه المُجرمين؟

نعم؛ فرق كبير بين اسم سيدنا «لوط» عليه السَّلام وبين فِعْل «اللُّوطِيَّة».

(هامش): يذكر العُلماء أنَّ الأصل في أسماء الأنبياء كلّها ممنوعة من الصَّرف للعِلْمِيَّة والعجمة، إلَّا ما كان الأصل فيها عربياً مثل محمد وصالح وشُعَيب، وكذلك ما كان خفيفاً جداً كـ (لوط، ونوح، وهود) عليهم جميعاً أكمل الصَّلوات وأتمّ التَّسليم، وذلك لأنَّها مُكوَّنة من ثلاثة أحرف، وشرط منع العَلَم الأعجمي من الصَّرف أن يكون رُباعِيًّا فأكثر.

«اللُّوطِيَّة» من «لَاطَ» الحوْضَ بالطَّينِ لَوْطاً: طَيَّنَهُ، أي طلاه بالطِّين ومَلَّسَهُ به. فــ «اللام والواو والطاء كلمة تدُلّ على اللُّصُوق. يقال: لَاطَ الشيء بقلبي، إذا لصق»

وفي النِّسبة إلى قوم لوط: «لُوطِيّ». وبهذا يظهر أنَّ حقيقة هذه النِّسبة إنَّما هي إلى «قوم لوط»، وليس إلى نبي الله لوط عليه وعلى نبينا الصَّلاة والسَّلام.

ولو أردنا أن نذكر هُنا عشرات النُّصُوص التي وردت فيها هذه التَّسمية من كلام أهل القُرُون المُفضَّلة من الصَّحابة رضوان الله عليهم، والتَّابعين، وتابعيهم، لوجدنا مُصنَّفاتهم تنضح بها بلا نكير، ولا تحرُّج.

بل إن كُتُب المذاهب الفقهية الأربعة المتبوعة، وأعلام مذاهبهم، يُطبِقُون على استعمال ذلك اللَّفظ، وتلك النِّسبة بلا إشكال، ولا تحرُّج، ولا نكير.

  • أنَّه لا يجوز التَّنزُّه عمَّا لم يَتَنَزَّه عنه خير النَّاس من أصحاب القُرُون المُفضَّلة، وإلَّا كُنَّا مُتَّهمِين لهم بالتَّقصير، وقِلَّة الاكتراث والوَرَع، وهُم أولى النَّاس بهذا، وأحقّ به وأهله.

هؤلاء المُتفحِّشين بمُختلف توجُّهاتهم، وأسمائهم التي يجهدون أن يُثبِّتوها عليهم، إنَّما يفرُّون من هذه التَّسمية الأثرية العابرة للشرائع، فقوم لوط معلوم ما حصل لهم في التَّوراة، والإنجيل، قبل أن يتنزَّل القرآن الكريم.

تتَّضِح وجاهة استعمال لفظ «اللُّوطِيَّة» من جِهة اللُّغة والشَّرع، وكذلك من حيث النَّاحية العقلية، والدَّلالة الواقعية.

(هامش): مَن كان مُسلماً في الأصل، وقد ابتلي للميل إلى الذُّكور، أو استزله الشَّيطان فوقع تلك الفاحشة وهو مع ذلك مؤمن بالله تعالى ودينه وشرعته، ويعلم أنَّه مُرتكبٌ لإثمٍ عظيمٍ ومُعترف به في نفسه، ويتقطَّع قلبه من الحسرة على الذَّنب، ويكتم سِرّه، ويسعى للتَّوبة منه والمُعالجة بكل وسيلة، فذلك مُسلم مرتكب لمُحرَّم، عسى اللهُ تعالى أن يعفو عنه، ويُنجيه، ويصرف عنه السُّوء.

رِعاية الفِطْرة

التَّطهُّر لا يحصل إلَّا بمعرفة ما يلزم العبد تجاه كل نوع، إذ لا يُمكن للإنسان أن يتطهَّر مِمَّا لا يعلم ابتداءً.

لا يحصل التَّطهُّر المعنوي إلَّا بمعرفة توحيد الله تعالى والإيمان به، ومعرفة ما يلزمه من أُمُور العبادة، وإخلاصها لله تعالى، وخُطُورة المعاصي، والشِّرك بأنواعه.

لا يحصل التَّطهُّر الحِسِّيّ إلَّا بمعرفة ما يلزم العبد من أُمُور الطَّهارة، وسُنَن الفطرة، والزِّينة، والتَّطيُّب، وكذلك تعلُّم ما لا يسعه جهله في أُمُور المأكل، والمشرب، والملبس، مع معرفة المُنكرات، والمُحرَّمات التي عليه اجتنابها.

حُصُون الفطرة:

  • نُقطة البداية:

كما في «الصَّحيحين» من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول ﷺ: «لو أنَّ أحَدَهُم إذا أرَادَ أنْ يَأتيَ أهلَهُ قال: بسمِ اللهِ، اللَّهمَّ جنِّبْنا الشَّيطانَ، وجنِّبِ الشَّيطانَ ما رزَقْتَنا، فإنَّه إن يُقَدَّر بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فِي ذَلِكَ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْطَانٌ أَبَدًا».

  • التَّغذية الدَّاخلية:

يأمر اللهُ تعالى الأب -من قبل وبعد- بألَّا يُطعم أهل بيته إلَّا من الحلال، لِئلَّا يدخل جوف هذا الطِّفل إلَّا الطَّيِّب؛ ليحميه من عمل الشَّيطان، وكسبه.

  • الولادة:

فإذا وُلِدَ المولود بحول الله تعالى، كانوا يستحِبُّون التَّأذين في أذنه اليُمنى، والإقامة في أذنه اليسرى. وفيه معنى آخر: وهو أن تكون دعوته إلى الله، وإلى دينه الإسلام، وإلى عبادته سابقة على دعوة الشيطان.

  • التَّعويذ:

التَّعامل مع المولود بالهدي النبوي، الذي يُراعيه من أول اختيار اسمه، مع الحرص على تعويذ المولود، ورقيته.

  • سُنَن الفِطْرَة:

إذا كانت الفطرة تعني في أجمع معانيها: «الإسلام»، فإنَّ أولى الطُّرُق، وأقصرها، وأنجحها لحماية فطرة الإنسان، وتثبيتها، ورعايتها لا يكون إلَّا من طريق واحد، هو: إقامة الإسلام في حياة هذا الإنسان.

نداء

قد حان الآن أن يصيغ عدد من الفقهاء الصَّادقين فكرة مؤسسة عالمية لنُصرة الفطرة، ونقد ما يناقضها.

  • ضرورة أن يحتسب مجموعة من طلبة العِلْم أوقاتهم في تعلُّم هذا العِلْم.
  • ضرورة إيجاد محور إعلامي توعوي.
  • محاولة عمل سلاسل توعية عبر منصَّات وسائل التَّواصُل المُختلفة.

الحمد لله رب العالمين

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

اكتشاف المزيد من مدونة التاعب

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading