بسم الله الرحمن الرحيم
خُلاصة كتاب: الهشاشة النفسية
لماذا أصبحنا أضعف وأكثر عُرضة للكسر؟
تأليف: الدكتور إسماعيل عرفة
قال ابن القيم رحمه الله: [وقَد أجمع عُقلاءُ كل أمةٍ على أنَّ النَّعيم لا يُدرك بالنعيم، وأنَّ مَن آثر الراحة فاتته الراحة، وأنَّه بحَسب ركوب الأهوال واحتمال المشاق تكون الفرحة واللذة..
فلا فرحة لمن لا همَّ له، ولا لذَّة لمن لا صبر له، ولا نعيم لمن لا شقاء له، ولا راحة لمَن لا تعبه له..
بل إذا تَعب العبد قليلاً استراح طويًلا، وإذا تحمل مشقة الصبر ساعة قاده لحياة الأبد، وكل ما فيه أهل النعيم المقيم فهو صبر ساعة، والله المستعان، ولا قوة إلا باللَّه.] (ابن القيم، مفتاح دار السَّعادة.)
مُقدِّمة: أهلاً بك في عالم الهشاشة النفسية
لماذا أثر هذا الموقف البسيط بهذه الشدة في نفسية الفتاة؟
وبصورة أكبر: هل هذا يعتبر إنذارا لجيل كامل تعرض لمشاعر مدللة؛ فصارت نفسيته قابلة للكسر في أي موقف ولو بسيط؟
هذه الأسئلة نفسها هي التي دفعت جين توينج، أستاذة علم النفس الأمريكية، إلى تأليف كتابها الأخير: (جيل التقنية: لماذا يكبر أطفال الإنترنت اليوم أقل ثورية، وأكثر تسامحًا، وأقل سعادة، وغير مؤهلين تمامًا لمرحلة الرشد؟!). هل قرأت العنوان بأكمله؟ إن العنوان وحده مثير للقلق!
Jean Twenge, iGen: Why Today’s Super – Connected Kids Are Growing Up Less Rebellious, More Tolerant, Less Happy and Completely Unprepared for Adulthood and What That Means for the Rest of Us.
جيل المراهقين والشباب المسمى بجيل زي Generation Z، الذي يُطلق على مواليد 1997م نزولاً إلى مواليد الألفينات.
على الناحية الأخرى من العالم، فإنَّ عالمنا العربي لم يكن محلا لهذه الظاهرة، فهو عالم غارق في الصراعات والحروب والفقر والمرض فلا مجال ولا رفاهية لهذه الظاهرة أساسًا.
ظاهرة الهشاشة النفسية صارت جزءًا من عالمنا العربي بعد 2017م تحديدًا، إذ غابت القضايا الكبرى للأمة الإسلامية عن الساحة، وابتعد الشباب عن اعتناق آمال وطموحات أممية وعالمية، وغابت معاني النضال الحقوقي والصراع الطبقي والتدافع الأممي، وتلاشت الاهتمامات بالقضايا الإسلامية والعلمية والحركية والفكرية، فاكتفى كل شخص بالتمحور حول ذاته.
على أني أوكد بشكل واضح أن هذا الكتاب ليس كتابًا أكاديميًا ولا حتى بحثيًا.
وهدف هذا الكتاب هو إشعال شرارة الجدل حول هذه الظاهرة من أجل الاهتمام بها بشكل أكثف وعلاجها بشكل أعمق.
الأول في موضوعه في المكتبة العربية.
لا تتجاوز ظاهرة الهشاشة النفسية الطبقة الوسطى لتنزل إلى الطبقة الدنيا. فإنَّ العالم العربي الذي يبلغ عدد سكانه القابعين تحت خط الفقر في بعض بلدانه أكثر من 60 % من السكان.
فمنذ صغرهم يتعرضون لتحديات ضخمة وصعوبات جمة تجعل نفسيتهم أكثر صلابة وخشونة من غيرهم في الطبقات الاجتماعية الأعلى منهم.
وقد أشار الداعية محمد الغليظ في أحد دروسه إلى هذا المعنى محذرًا آباء وأمهات الطبقات الوسطى قائًلا: [ولذا فإن أغلب الناس الذين غيروا الدنيا تجدهم ينتمون للطبقات المعدمة لا للطبقات المدللة، فهؤلاء صارعوا الحياة وصارعتهم، فكوّنوا عضلات إرادية وأنشأوا بداخلهم روحًا هائلة للتحدي.. أما الولد أو الفتاة الذين يربون على حياة خالية من المس ليات فلا عضلات إرادية لديهم، إرادتهم ضعيفة فلا يستطيعون مجاهدة أنفسهم.. لأن تربيته كانت مشوهة، فأي حزن يكسره لأنَّه نفسيًا ضعيف لا يتحمل الحزن ولا صراعات الحياة، وغاية نجاحه أن يعيش في حياة مستقرة لا صدمات فيها ولا صراع ولا مواجهة.] (محمد الغليظ، من برَّه مُلتزم ومن جُوَّه خرابة.)
https://www.youtube.com/watch?v=8QDTrdvCDtA
فهذا الكتاب يسعى إلى إنشاء نقطة توازن بين الإفراط والتفريط.
هذا الكتاب ليس موجهًا إلى أصحاب المعاناة الحقيقية، ولا إلى أصحاب الاضطرابات النفسية الحقيقية.
فهذا الكتاب موجه إلى الشريحة العريضة من المراهقين، والمدللين، والمخدوعين، والموهومين، الذين لا يعانون من اضطرابات حقيقية ولا اضطرابات فعلية، وإنما تم تضليلهم وتوهيمهم بأنهم مضطربون نفسيًّا بسبب السوشيال ميديا واللايف كوتشز الزائفين، لا أكثر ولا أقل.
الفصَلُ الأوَّل: مدخل: جيل رقائق الثلج
ظاهرة الهشاشة النفسية لا نراها عندما يستيقظ أحدهم في الصباح ليعلن: (أنا هش نفسيًا!) بل ينبغي أن نستقرأها بعمق في مجموعة من الظواهر والحالات والمشاهد.
مشهد 1: الفراق الأليم، الجديد القديم
لماذا لا يسمع أحدٌ صيحات النذير التي امتلأت بها المنابر والكتب والنقاشات من مثل هذه العلاقات السَّاذجة؟
مشهد 2: قف (للطالب) وفِّه التبجيلا
الآن فإني أربي الأطفال وأربي أهلهم كذلك. الأهالي لا يربون أطفالهم على شيء، والطفل يظن أنَّه لا يستحق إلا أفضل معاملة في الوجود مهما ارتكب من أخطاء، والأم والأب يدللون أبناءهم بطريقة مفرطة لم نعهدها من قبل.
الدلال المفرط أنتج جيلاً من رقائق الثلج الذين يتبطرون على أي نعمة ويتوقعون معاملة مَلَكية وكأنَّهم أسياد الأرض، ولا يتحملون مسؤولية أفعالهم.
مشهد 3: النجدة يا صديقي! ولكن من ماذا؟!
ثم تتفاجأ أن مشكلته هذه كانت مشكلة بسيطة جدًّا.
لا تعرف كيف تتصرف، هل تلومه على تضخيمه للمشكلة وتطالبه بالاستقواء أمام ضغوطات الحياة، أم تراعي حالته النفسية وتستدعي حالته شفقتك وتبدي تعاطفك معه؟!
تضخيم الألم
شباب وفتيات هذا اليوم يضخمون أي مشكلة في حياتهم إلى درجة تصويرها بوصفها كارثة وجودية، في عملية تسمى في علم النفس بـ Pain catastrophizing. حالة شعورية تعتريك عند وقوعك في مشكلة تجعلك تؤمن أنَّ ما حدث لك أكبر من قدرتك على التحمل.
Greg Lukianoff & Jonathan Haidt, The Coddling of the Ameri can Mind: How Good Intentions and Bad Ideas Are Setting Up a Generation for Failure, (New York: Penguin Press, 2018(.
والملاحظ أنَّ كل هذه المشاكل تأتي من شباب وفتيات تجاوزوا الـ 20 عامًا، أي إنَّهم -نظريًا- تجاوزوا مرحلة المراهقة وانتقلوا إلى مرحلة النضج والرشد.
رجال ولكن مراهقون، نساء ولكن مراهقات
لكن في عالمنا الحديث، وبسبب مجموعة من العوامل، تطول فترة المراهقة وتمتد أحيانًا إلى منتصف العشرينيات.
جيلنا الحالي تبدأ مراهقته حين يكون في أواخر مرحلته المدرسية وتنتهي ربما بعد تخرجه من الجامعة بسنوات، فقد أكدت العديد من الدراسات أن متوسط مرحلة المراهقة في العالم حاليًا صار ينتهي عند سن 25 عامًا!
Victoria Woollaston, An adult at 18? Not anymore: Adolescence now ends at 25 to prevent young people getting an inferiority complex, The Daily Mail, 24 September 2013.
كيف استمر معهم طور المراهقة طوال هذه المدة؟! لماذا تأخر نضجهم النفسي والذهني ونموهم العقلي والاجتماعي كل هذا الحد؟!
جيل رقائق الثلج
تمت تسمية جيل المراهقين والشباب الحالي بجيل رقائق الثلج Generation Snowflake من قبل العديد من المحللين … لأن رقائق الثلج هشة جدًّا، وسريعة الانكسار، لا تتحمل أي ضغط عليها بأي شكل من الأشكال.
شعور كل فرد من هذا الجيل بالتفرد.
بل لاحظ بعض المراقبين أن هذا الجيل يرفض أحيانًا أنْ يكبر، بمعنى أنَّه يرفض أن يتولى مس ليات مرحلة الرشد، ويظل طفلاً في تعامله مع متطلبات المعيشة، ويتحطم مع أول صدام حقيقي له مع مشاكل وضغوط P للحياة الواقعية، فسموا هذه الأزمة: مُتلازمة بيتر بان.
Dan Kiley, The Peter Pan Syndrome: Men Who Have Never Grown Up.
أمَّا في عالمنا العربي فلم يلاحظ المراقبون العرب بعد أثر هذه الظاهرة المدمر على المجتمع وعلى الأسر.
الهشاشة تربية وليست طبيعة
يأتي نسيم طالب، الأستاذ بجامعة نيويورك، ليشرح لنا في كتابه: (ضد الكسر) أنَّ الإنسان منذ صغره لديه مرونة نفسية Resilience تُمكنه من التكيف مع المؤثرات الخارجية وفقا لاستجابته لها، ويقسّم الناس إلى ثلاثة أصناف: ضعيف، وقوي، ومتين غير قابل للكسر.
يختلف المختصون والأكاديميون حول ترجمة مصطلح Resilience، الذي يعني قدرة الإنسان على التعافي والتكيف وتجاوز الآثار السلبية للضغوط ورجوعه إلى حالته الطبيعية، بين لفظ (مرونة نفسية) و (صلابة نفسية). في هذا الكتاب سأستخدم مصطلح المرونة النفسية ترجمة لمصطلح Resilience.
كثيرًا من جيل الشباب يعيشون حالة الضحية بشكل دائم، وأحيانًا يتعمدون إظهار هذه النفسية الضعيفة من أجل جذب التعاطف.
Nassim Taleb, Antifragile: Things That Gain from Disorder.
لكن لماذا صارت أدنى مشكلة عادية تنمرًا؟ ولماذا صارت تقلبات الحياة اليومية العادية مشاكل نفسية تستدعي التدخل العلاجي الفوري؟
مشاكل الحياة العادية تساعدنا على تطوير أنفسنا للتحمل أكثر، أو كما يقال: What doesn’t kill you makes you stronger، أو ما لا يقتلك يجعلك أقوى.
المرونة النفسية تنمو تدريجيًا
ظهرت الهشاشة النفسية بين جيل المراهقين لأسباب كثيرة، من أهمها عدم تحمل هذا الجيل للمس ليات منذ صغره، حتى في أبسط الأمور، وتعوده الدائم على الاعتماد على غيره في إنجاز أهدافه.
أظهرت العديد من الدراسات لتطور المخ أنَّ القشرة الأمامية Frontal Cortex، وهي منطقة المخ المسئولة عن الحكم وصنع القرار، لا تكمل تطورها حتى سن 25 عامًا.
المخ يتغير على أساس الخبرة.
ربما يملك المراهقون والشباب الصغير اليوم قشرة أمامية غير مكتملة النمو بعد بالفعل لأنَّهم لم يُعطوا مس ليات الكبار.
نادت الكاتبة الأسترالية كارين فاريس بتدريب أنفسنا على المرونة النفسية، ومن الفوائد التي ذكرتها:
1) تحسن صحتنا النفسية والذهنية.
2) تحسن الأداء الإدراكي المعرفي.
3) الحفاظ على الهدوء الداخلي في المواقف المجهدة.
4) النظر إلى الحياة على أنَّها سلسلة من التحديات لا المشاكل.
5) الاستقرار في مواجهة الأزمات.
6) القدرة على الثبات والازدهار في حالات الضغط المستمر.
7) القدرة على الارتداد إلى الوراء والتعافي بسرعة من الانتكاسات.
8) وأخذ العبرة من الإخفاقات والنكسات التي تعد فُرصًا للتعلم.
هنا يمكننا النظر إلى حديث النبي ﷺ: (إنَّما العِلْم بالتَّعلُّم، وإنَّما الحِلْم بالتَّحلُّم).
والمقصود أنَّ الإنسان ينبغي أن يحمل نفسه على تحمل المشاق وركوب الأهوال وتجاوز المشاكل.
Karen Ferris, How to Be Resilient in a Culture of Constant Change.
وقد علَّقَ الإمام الغزاليّ – رحمه الله في كتابه إحياء علوم الدين، تعليقًا لطيفًا على هذه النقطة: [لَوْ كَانَتِ الأخلاق لاَ تَقْبَلُ التَّغْيِيرَ لَبَطَلَتِ الْوَصَايَا وَالْمَوَاعِظُ وَالتَّأدِيبَاتُ وَلَمَا قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: حَسِّنُوا أخْلاقَكُمْ.]
تقدم جين توينج خلاصة نصائحها للشباب والفتيات حول هذه النقطة، وتوصيهم بالخروج إلى الشارع وطرح هواتفهم الذكية جانبًا، أن تعمل في وظيفة … أنْ تتحمل مسئولية نفسك بشكل كامل وتستقل ماديًّا عن أهلك، أن تتولى مهام شراء حوائج البيوت وإعانة الفقراء والمساكين والمحتاجين.
بالإضافة إلى احتكاكك بالناس الكبيرة وذوي الخبرة في الحياة وأصحاب الإنجازات الكبيرة، وملازمة أهل العلم والمشايخ، والاقتداء بسير السلف الصالح.
أحمل مسئوليات من الآن
يمكن للإنسان إذن أن يتخلص من حساسيته إزاء النقد والضغوط إذا صارع الحياة وصارعته وبدأ في تحمل المس ليات منذ صغره، فتربية النفس على تحمل مس لية أخطائها ومواجهة عواقب أفعالها من أعظم ما قد تعلمه الحياة للإنسان.
وهذه العملية من تحمل المس لية وبناء الثقة في النفس تبدأ من الصغر … الأهالي الذين يربون أولادهم هذه الأيام على مخاطر أقل، ولا يسمحون لهم بقيادة الدراجات وحدهم، أو اللعب في الساحات المفتوحة بحرية، أو إطلاقهم في الشارع يخوضون تجاربهم بإشراف من الأهل … (هذا الاهتمام الزائد عن الحَدّ يؤثِّر في الأطفال ويجعلهم أكثر هشاشة).
Hara Estroff Marano, A Nation of Wimps.
وقاية الأطفال من الفول السوداني في صغرهم هو بالضبط سبب انتشار الحساسية وارتفاع نسبتها وسط الأطفال.
كانت المفاجأة المذهلة أنَّ نسبة الأطفال الذين أصيبوا لاحقًا بحساسية الفول السوداني في الفئة التي قامت والديها بحمايتها 17%، بينما تقلصت النسبة إلى 3% فقط في الأطفال الذين تعرضوا بشكل دائم إلى الفول السوداني.
يقول أحد الباحثين في الدراسة: [التعرض للفول السوداني في الصغر سيطور مناعة قوية ضد الحساسية.. النصيحة التي تقول: جنبوا أولادكم أي شيء قد يعرضهم للحساسية في الصغر، هي نصيحة خاطئة.]
Greg Lukianoff, Jonathan Haidt, The Coddling of the American Mind: How Good Intentions and Bad Ideas Are Setting Up a Generation For Failure, (New York: Penguin Press, 2018(.
تعليق شخصي: هذا
يذكرني بمسلسل إعلانات Netflix يحكي قصة خيالية عن طفلة تم تركيب شريحة في رأسها تمنع عنها أي مشاعر سلبية ثم حدثت فاجعة نجدها حيث أصيب بأزمة قلبية فقررت الأم إزالة هذه الشريحة فبدأت الطفلة اختبار مشاعر سلبية لأول مرة في حياتها.
هذا بالضبط ما يحدث منذ الصغر، اكتشاف الطفل للحياة وتعرضه للمشاكل منذ صغره يطور لديه مقاومة نفسية ويجعله أكثر صلابة في مواجهة الحياة. نحن نحتاج إلى التحديات الذهنية والضغوطات الجسدية من أجل أن نستطيع أن نستمر في الحياة، بدونها سنتدهور تمامًا.
كلمة السر إذن هي المناعة.
كان النبي ﷺ يحرص على تعليم الصِّبيان الثقة في النفس، وتربيتهم على تحمل المسئولية والطاعة، وعدم إفشاء الأسرار. (محمد شعبان أيوب، كيف ربى المسلمون أبناءهم؟ (القاهرة: مؤسسة اقرأ، 2011)، ص/ 38.)
عالجت الشريعة هذه المسألة -الهشاشة- بالحث على تهذيب النفس، ومخالفة هواها، وعدم تلبية دعوتها إلى الراحة والرفاهية.
محمد الغزالي: [ومن فضائل القوة التي يوجبها الإسلام أن تكون وثيق العزم، مجتمع النية على إدراك هدفك بالوسائل الصحيحة التي تقربك منه، باذلا قصارى جهدك في بلوغ مأربك، غير تارك للحظوظ أن تصنع لك شيئا، أو للأقدار أن تدبر لك ما قصرت في تدبيره لنفسك.]
الفصَلُ الثَّاني: هوس الطب النفسي
مَن منَّا لا يتعرض لصدمات في حياته؟ الصدمات جزء لا يتجزأ من حياة بني آدم على هذه الأرض، قال النبي ﷺ: (لكُلِّ عمل شِرَّةٌ، ولكُلِّ شرَّةٍ فَترةٌ، فمن كانَت فَترتُهُ إلى سنَّتي، فَقد أفلحَ، ومَن كانت إلى غيرِ ذلكَ فقد هلَك). رواه أحمد. والشرة هي الحرص على الشيء والنشاط فيه والرغبة، أما الفترة فهي الضعف والسكون والانقطاع.
وعلّق ابن القيم رحمه الله قائًلا: [فكلّ مُجدٍّ في طلب شيءٍ لا بدّ أن يَعرض له وقفة وفتور.] (شمس الدين ابن القيم، مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين.)
حصر كل وسائل استعادة الاتزان النفسي في وسيلة واحدة فقط: زيارة الأطباء النفسيين.
ثم ذكر لاش: [ولم يعد مواطن القرن العشرين الأمريكي يبحث عن رجال الدين أو الكهان، وإنما يسعى الآن وراء المعالجين والأطباء النفسيين. توارى الهدف الديني القديم المتمثل في الخلاص من الذنوب وأصبح الهدف الأسمى حاليًا للفرد هو السواء النفسي والسعادة الفردية.]
ما الصدمة تحديدًا؟
كيف تطور مفهوم الصدمة في الطب النفسي وأصبح يشمل أي موقف حياتي طبيعي يصادفنا بشكل عادي.
Christopher Lasch, The Culture of Narcissism.
فقد عرّف الدليل الثالث حينذاك اضطراب ما بعد الصدمة بأنَّه تجربة عنيفة وشديدة الهول يختبرها المريض … (فالأعراض ظاهرة وهي الضيق والحزن من جميع الناس، وخارجة عن نطاق الخبرة البشرية العادية).
كان محددًا بظروف معينة مثل: الحرب، الاغتصاب، والتعذيب، كل ذلك قد يسبب انسحابًا للشخص من الحياة، ويتم تشخيصه باضطراب ما بعد الصدمة.
أما الطلاق، أو فقد أحد الأشخاص القريبين لسبب موت طبيعي أو حادث ما أو الرسوب في الاختبارات الجامعية، فلم يكونوا – حينذاك – مسببا للاضطراب، لأن هذه الأمور كانت تقلبات حياتية عادية.
نعم تشتمل هذه التجارب على حزن وألم، لكن الحزن ليس كالاكتئاب ولا الألم كالصدمة.
الطبيعي أن الأشخاص الذين يعانون من هذه التجارب يتعافون منها بدون تدخل دوائي أو علاجي.
لكن حدث انقلاب في تصورنا للمفهوم بعد عام 2000م، كما وضح جوناثان هايدت. فقد تسلل مفهوم اضطراب ما بعد الصدمة ليشمل (أي تجربة مرّ بها الشخص وتسببت له في أذى مادي أو نفسي.. مع آثار سلبية مستديمة على صحته النفسية والذهنية والشعورية والاجتماعية والروحية والمادية). ومن هنا أصبح المعيار هو ما يحدده المريض نفسه من (أذى) تعرض له، ولا يوجد معيار موضوعي يمكن قياس الاضطراب عليه!
فهو بالأساس لا يَعتمد على مؤشرات معملية أو تحليلات بيولوجية وإنَّما يقوم مجردًا على تشخيص الطبيب النفسي، الَّذي بدوره يعتمد على تقرير المريض لحالته، الأمر الذي يُشكّل صعوبة بالغة فِي تقدير الاضطراب بدقة.
تضخم قديم في الغرب، جديد عندنا
حسابات بعض الدعاة والمؤثرين على موقع Ask.fm. يبلغ إجمالي عدد الحسابات المتاحة للبحث على هذا الموقع نحو 120 حسابًا فقط، فقمت بالبحث عن الإجابات التي تدور في فلك (عليك بزيارة طبيب نفسي)، فكانت النتيجة تقريبا 20,000 إجابة.
عند صدور الدليل الخامس عام 2013م، وجد آلن فرانسيس أنَّ هذا التضخم له أثر خطير على المدى القريب والبعيد كذلك، فنشر كتابه: (حفاظًا على السواء النفسي: ثورة داخلية على إفراط التشخيص في الطب النفسي).
أشار فرانسيس كذلك إلى مفهوم (الاكتئاب) وكيف أن هناك إفراطًا عند الجيل الجديد في تصوير كل نوبة حزن بسيطة تمر عليه وكأنها موجة اكتئاب حاد.
الحزن ليس اكتئاباً
يتم تشخيص اضطراب الاكتئاب الحاد عبر ملاحظة خمسة أعراض رئيسة (الإحباط، فقدان الاهتمام، نقص الشهية، التغير في النوم، الإرهاق) إذا استمرت لمدة أسبوعين متواصلين.
هذه المعايير هي مجرد رأي مجموعة من الناس بلا أي معايير موضوعية يمكن قياسها، وهو الأمر الذي يؤكده فرانسيس بقوله: (لا يوجد في الحقيقة شيء سحري أو حتمي بخصوص معايير الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM)، وإنَّما هناك مساحات رمادية كثيرة بين ما هو أبيض وما هو أسود. ولم يكن تحديد الخمسة المعايير تلك إلا خيارًا اعتباطيًّا بواسطة من وضعوا الدليل الثالث DSM-3. وبالسهولة نفسها كان من الممكن رفع المعايير إلى ستة أو سبعة، وزيادة عدد الأسابيع إلى أربعة أسابيع، دون أن يشكل ذلك انتهاكًا علميًّا).
Allen Francis, Saving Normal: An Insider’s Revolt against Out – of – Control Psychiatric Diagnosis, DSM-5, Big Pharma, and the Medicalization of Ordinary Life.
فرانسيس: [لا ينبغي أن يكون الحزن مرادفًا للمرض، فليس هناك تشخيص لكل إحباط ولا عقار لكل مشكلة. صعوبات الحياة، مثل الطلاق والمرض والمشاكل المالية والنزاعات بين الناس، لا يمكن إزاحتها من حياتنا. ورد فعلنا الطبيعي تجاهها، كالحزن وعدم الرضا والتثبيط، لا يجب توصيفه كاضطراب نفسي علينا أن نعالجه بعقار.]
فانتازيا السَّواء النَّفسي، فانتازيا الصِّحَّة النَّفسية
“مفهوم (السواء النفسي) و (الاضطراب النفسي) هما مفهومان سائلان للغاية، غير منظمين، ومختلفان باستمرار في الشكل بطريقة لا تمكننا من تأسيس حدود فاصلة ثابتة بينهما“. (آلن فرانسيس)
الترسانة من المصطلحات التي تهدف إلى شيء واحد فقط: الوصول إلى حالةٍ مثاليةٍ مِن السعادة النفسية والسعي ورائها بكل السبل المتاحة.
فإذا كان أحد محرري دليل الاضطرابات النفسية نفسه لا يعرف ما السواء النفسي، فكيف سنعرفه نحن كوننا غير متخصصين في المجال؟
أن الحياة ستعج دائمًا بالأخطاء، وأن السعادة لا يمكن الشعور بها على طول الخط، ولكن عالم اليوم يرى عدم الرضا وعدم السعادة أمراضًا ينبغي أن تُعالج.
الدواء هو الحل.. أم المشكلة؟
لكل واحدٍ منا ميكانزماته، أو آلياته، الخاصة به التي يتكيف بها مع المشكلة ويعمل على تجاوزها والتغلب على آثارها السيئة، وبحسب عدة عوامل، مثل مرونتك النفسية وصلابة عقيدتك وعلو همّتك وطبيعة تصوراتك عن الحياة ومشاكلها وحلول أزماتها، يكون.
فالمخ هو المتحكم الرئيس في وظائف جسمنا، أفكارنا، مشاعرنا، سلوكياتنا، هي نتائج لتنسيق معقد لا يمكن وصفه مكوّن من عشرات مليارات الخلايا تستجيب بشكل دائم للتحديات الداخلية والخارجية، ما يحافظ على سوائنا وحالتنا الطبيعية بشكل مستقر وصحي.
تعليق شخصي: هذا الكلام يميل إلى النظرة المادية للتكوين الإنساني.
ويشير فرانسيس إلى أنَّ (الوسيلة الأفضل للتعامل مع الضغوط والمشاكل اليومية هي أن تتعامل معها مباشرة أو أن تنتظر حتى تزول حالتك النفسية السيئة)
تكمن أزمة التضخم في استخدام العقاقير النفسية، إذ يَذكر فرانسيس أنَّ التوسع في استخدام العقاقير النَّفسية يتسبب في تعطيل نظام الاتزان الداخلي لدينا، ويضعف مناعتنا النفسية إلى أقصى حد.
“لقد تقدم البحث الطبي بشكل هائل، إلي درجة أنَّه لم يعد هناك ناس أصحاء“. آلدوس هكسلي، كاتب إنجليزي.
اللجوء إلى الأدوية يعارض الطريقة الطبيعية للجسم لاستعادة سوائه النفسي.
ويختم فرانسيس هذه الجزئية قائلا: (الدواء ضروري لمن يحتاجون إلى إعادة تأسيس نظام اتزانهم الداخلي الذين يعانون من اضطرابات نفسية حقيقية. لكن الدواء يتداخل بشكل سلبي مع نظام الاتزان الداخلي لهؤلاء الذين يعانون من المشاكل اليومية فقط).
موضة الاضطرابات النفسية!
“وسّع علم النفس حدوده ليشمل الكثيرين ممن يُعتبرون في الحقيقة أسوياء“. آلن فرانسيس.
أهم أشكال الوقاية، مثل ممارسة الرياضة بشكل منتظم، والنظام الغذائي المناسب، والإقلاع عن الكحول والتدخين والمخدرات، والحصول على الدعم من الأصدقاء والعائلة.
نعم ربما يوفر الإنترنت المواد المساعدة للمرضى بالفعل، إلا أنَّه يساهم كذلك في تضخيم التشخيصات الخاطئة لحد مخيف.
شركات الأدوية تبيع العقاقير، كلهم لذات الغرض: تحقيق أكبر ربح ممكن. ويعتمد ربح أي شركة على زيادة حجم سوقها، وبالنسبة لشركات الأدوية، فإن تحفيز تضخم التشخيص هو مفتاح نجاح الشركات.
تعليق شخصي: عمر كان يتكلم عن موضوع الجهل المفيد أعتقد أنه مناسب في هذا الموضع.
فيحكي ابن حزم عن هذا البوح التنفيسي: [فإن الهموم إذا ترادفت في القلب ضاق بها، فإن لم يفِضْ منها شيءٌ باللسان، ولم يسترح إلى الشكوى لم يلبث أن يهلك غمًا ويموت أسفًا.]
استنباط الفقيه ابن عبيد الله السقاف لمعنى في البوح عند ورود النعم، حين شرح حديث ذهاب النبي ﷺ لخديجة رضي الله عنها يوم نزول الوحي فقال: [لا تتجدَّد لأحد نعمة؛ إلَّا حدَّثت في صدره ولولة لا تزول عنه، أو يفضي يخبرها إلى أحبّ النَّاس إليه.]
الوسائل المعينة على تجاوز فترات الحالة النفسية السلبية:
· عدم الاستسلام للحزن أو الضيق وإشغال النفس عن التفكير في الحالة السلبية.
· الأنس بالأصدقاء والأهل ودوائر الدعم القريبة.
· عدم اللجوء إلى الأطباء النفسيين إلا بعد فترة طويلة من الزمن.
· ترك مساحة للنفس لمعالجة مشاعرها بنفسها دون الحاجة لتدخل علاجي، كما يعالج الجسم نفسه بنفسه عبر نظام الاتزان الداخلي.
· قيام الليل، وعبادة الخفاء، فهما من أكبر المعينات على تحسن صحتنا النفسية.
· التنزه، والترويح عن النفس، كما كان سيدنا أبو الدرداء رضي الله عنه يقول: (إني لأستجم نفسي بالشيء من اللهو، لأستعين به على الحق).
>· مكاشفة النفس ومصارحتها بعيوبها، وعلاج أخطائها أولاً بأول، وتدارك مشاكلها والسعي نحو ترويضها وتهذيبها.
· النظر المستمر في سير السلف الصالح، فإن الاقتداء بهم كنز من كنوز الدنيا.
· الاستماع إلى المواعظ والدروس الإيمانية.
كتاب فرانسيس آلن، تمت ترجمته إلى العربية بعنوان: إنقاذا للسواء: ثورة مطلع ضد تضخم التشخيصات النفسية، DSM-5، شركات الأدوية الكبرى، وتحويل حياة السواء إلى حياة مرضية.
الفصل الثالث: الفراغ العاطفي أم الفراغ الوجودي؟
“هل هو حب؟ لا ليس حبًا بالتأكيد.. لكن الهشاشة النفسية تجعلك تتشبث بأي إنسان وتشعر بأنك هيم به حُبًا“. أحمد خالد توفيق.
إذا أردت استبعاد شخص ما من حياتك فيكفيك ضغطة زر واحدة (بلوك) أو (حظر)، صديقًا كان أو زميلاً أو حتى فرد من العائلة.
تبدأ العلاقة بين الأصدقاء في هذه الأيام بضغطة زر لإضافة صديق، وقبل أن تبدأ الرابطة في التوثق بتدريج مناسب مع مرور الزمن، فإننا نعرف كل شيء عن هذا الشخص قبل نشوء علاقة بيننا أساسًا، فنختار إذا كنا نريد أن نصادق هذا الشخص أم لا. لم يعجبك بعدما أضفته؟ لا تقلق، بضغطة زر واحدة يمكنك محو شخص من حياتك نهائيًا كأنه لم يكن.
لقد تربى شباب وفتيات اليوم على الإنترنت منذ صغرهم، وبما أن هذا هو السائد في عالم التواصل الاجتماعي الإلكتروني فهم لا يعرفون نمطا غيره في الغالب.
الاحتياج الإنساني الفطري
المشكلة تظهر عندما تُحرم هذه الحاجة الإنسانية الفطرية من الإشباع، فينشأ ما يُسمى بالفراغ العاطفي.
يصف الطبيب النفسي عماد رشاد أن الفراغ العاطفي هو [فجوة تظهر داخل النفس يمثلها احتياج لوجود أحدهم بالجوار.. يغذيها عدم تمكُّن الأهل والأصدقاء من التفهُّم والمشاركة، ويوسّعها ذلك الجوع للاستناد والاستيعاب.. تغذيها: الأفلام، والروايات، والشرود، وأحاديث الأصدقاء.] (عماد رشاد، أحببتُ وغداً.)
يُترجم الفراغ العاطفي بشكل حرفي إلى Emotional emptiness أو Emotional Void، وكلا المصطلحين بالإنجليزية يتعلقان بالشعور بالعدمية والخواء الروحي والذهني مما يعد ترجمة غير دقيقة للمصطلح. وبرأينا فإنَّ المصطلح الأقرب لترجمته بشكل صحيح هو Emotional neediness.
يتحوّل هذا الاحتياج إلى رغبة مُلِحَة للإشباع تسعى إلى ملء فراغها بأي شكل من الأشكال فإن النفوس تضعف بشدة أمام أي كلمة تلوح لها.
الكراش مرآة فراغ العاطفي
فما هو الكراش إذن وكيف نميزه عن شعور الحب العميق؟!
إن (الكراش) أو الإعجاب بشخص ما مجرد انعكاس لصفات وقيم يتمناها الشخص الآخر ويحلم بها.
أحمد نبوي، الحب السائل: لماذا يفشل جيلنا في الحب.
ومن الفراغ العاطفي ينتقل المرء إلى مرحلة الكراش، ثم إلى التعلق المَرَضي، وبعدها إلى إدمان العلاقات السامة وثباته على البحث الدائم عن الألم.
بزنس (خبير العلاقات)
لعل المستفيد الوحيد من حالة الجوع العاطفي تلك التي يعاني منها جيل بأكمله هو الشخص المسمّى بـ (خبير العلاقات) أو (استشاري صحة العلاقات) أو (المعالج الأسري) أو (اللايف كوتش) أو أيًا ما كان المسمى الذين تمتلأ بهم وسائل التواصل الاجتماعي.
مَهمَا قالوا فإن خطابهم سيجد له صدى عند المستمعين، لأن هؤلاء المساكين يتشوقون إلى أي كلمة تشبع فراغهم الجواني واحتياجهم الداخلي.
الأسرة بوصفها متهمًا
الشاب أو الفتاة يستطيع أن يسكن جوعه العاطفي عبر احتواء الأسرة الدافئ وترابط العلاقات العائلية وتقديم جرعات من الحنان والعطف والتفهم للشباب والفتيات منذ صغرهم.
يتغذى الفراغ العاطفي إذن على غياب الاحتضان وتعبير الأهل عن مشاعرهم الفطرية للابن أو الابنة.
تغيب رقابة الأسرة على ما يتعرّض إليه الطفل في المدرسة أو على وسائل التواصل الاجتماعي.
يبحث المراهق عن مساحة يثبت بها وجوده، أيًا ما كانت هذه المساحة خارجة عن المألوف، مثل الهروب من البيت، أو الإلحاد، أو الشذوذ الجنسي، أو ارتكاب جريمة، وغير ذلك.
لكل داءٍ دواء
خطأ الإحالة الأساسي أو خطأ العزو الأساسي، هو الادعاء بأن الإنسان (بشكل عام) يسلك مسلكًا متناقضًا أثناء تفسيره لسلوكه الشخصي في مقابل تفسيره لسلوك غيره (الآخرين)، فأثناء تفسير الشخص لسلوكه الشخصي، فهو يركز علي العوامل الخارجية الظرفية التي أدت به لاتخاذ قرار ما، ولكن عند تفسيره لسلوك غيره فإنه يركز على الخصائص الداخلية للفرد (طبيعة الشخصية أو التعمد المسبق)، بدلا من التركيز على العوامل الخارجية كما فعل مع نفسه. [ويكيبيديا].
ينبغي أن نقف لنعترف بحقيقة مهمة: إن المرء المكلف بعد بلوغه يصبح مس لاً عن إعادة تربية نفسه حسب التعريفات التي يراها صحيحة.
أحد مسببات الفراغ العاطفي هو ضعف تقدير المرء لذاته ما يجعله محتاجًا دائمًا للنظر إلى نفسِه لكن بنظارات الآخرين.
فعلى المرء قدر وسعه أن يعرف نفسه بشكل أعمق، ويحقق إنجازات مستقلة عن عيون الآخرين، حتى تعود إليه ثقته بنفسه، ويحدّ من احتياجه العارم لشخص آخر في حياته.
إن التواصل الاجتماعي الصحي يضمن للإنسان حصوله على العطاء العاطفي المحتاج إليه عبر دوائر الدعم من الأصدقاء فإنَّ أحد أخطر محفزات الفراغ العاطفي هو فراغ الوقت والذهن، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ.)
كما قال الإمام الشافعي رحمه الله: (نفسك إن لم تشغلها بالحَقِّ شغلتك بالباطل).
سبب آخر من أسباب الفراغ العاطفي: وهو الفراغ الروحي. فعدم وجود صلة قوية بين المرء وربه تترك أثرًا في الروح لا يمتلئ بغيره.
من الفراغ العاطفي إلى الفراغ الوجودي
(لماذا تعيش؟) ثم استطرد في التساؤل حول نفس المعنى، (ما قيمة حياتك؟) (ماذا تفعل على وجه هذه الأرض؟)، لن تأخذ وقتًا طويلاً قبل أن تستنتج أن أغلب جيل المراهقين لا يدري لماذا يعيش أساسًا.
سكة المتعة: لا تلتفت لمعنى الحياة
في ظل غياب الدور الرئيس للدين في الإجابة عن التساؤلات الكبرى أصبح كثير من الشباب متخبطين لا يعرفون الهدف من وجودهم بالأساس، فتضاءلت قدرتهم على مواجهة التحديات.
يقدم العالم الرأس مالي الحديث الإجابة: الترفيه والتشتيت.
هل تعلم أن مخرجي الأفلام وصانعي السينما لا هدف لهم سوى إغراق الناس في المتع اللحظية، من أجل إشغال الناس وإشغال أنفسهم أيضًا عن التفكر في المعنى من الحياة؟ هذا بالضبط ما صرح به المخرج الشهير وودي آلن في إحدى مؤتمراته، حيث ذكر أن مهمة مخرجي السينما هو تشتيت الناس عن حقيقة الحياة، ليعيشوا لحظات من المتعة بعيدًا عن مواجهة الواقع.
https://www.youtube.com/watch?v=ndUKDCFDqFc
سؤال: لماذا أعيش؟
والملاحظ أن نوعية هذه التساؤلات لا تستهدف في الغالب البحث عن الحقيقة، وإنما تُطرح يأسًا وإحباطًا من الحياة. ولم تعد للآيات القرآنية ولا للخطب الدينية تأثير في نفوسهم بسبب ابتعادهم الكبير عن مفردات ولغة الوحي وبحثهم عن الحل السريع الفوري.
يبدو أن صناعة السينما خصوصًا والفن عمومًا عرفت الطريق لاستبدال الحاجة الروحية من الدين بأشياء أخرى تمنح نفس المتعة لكن بتحرر من قيود الدين؛ لتأكيد فكرة العيش ها هنا والآن وحسب.
من الفراغ إلى العدم
يسطع نجم العدمية ويظهر الإنسان المادي الباحث عن المتعة، المتألم رغم اللذة.
كيف السبيل للخروج من هذا المأزق إذن؟
ننصح القارئ بالاطلاع على دورة (التربية الإيمانية) لفاضل سليمان، وهي متوفرة على اليوتيوب، حيث يقدم في عشرة دروس مقدمات عن التربية الروحية والتوازن الإيماني للمسلم، وتصوره عن الحياة والموت وما بعد الموت كما قررته نصوص الشريعة العظيمة.
الفصل الرابع: السوشيال ميديا: أصل كلّ الشُّرُور
ففي اليوم الذي تقرر فيه إنشاء حساب على إحدى وسائل التواصل الاجتماعي، هل تدرك ما أنت مُقبل عليه في الحقيقة؟
- تعزيز النرجسية.
2) تقديس التغيير.
3) فقدان التركيز.
4) الخلل في معايير النجاح.
5) أفكار من ورق.
1) جرعة النرجسية اليومية
ومع قدوم الألفية الثانية تنبأ ويليام كامبل، الأستاذ بجامعة جورجيا الأمريكية، في كتابه (وباء النرجسية) أن الإنترنت سيغزو العالم، يقول كامبل: (سمح الإنترنت للعامة أن يأخذوا شعار “عبّر عن نفسك Express yourself” إلى مراحل جديدة تمامًا، عبر المدونات الشخصية، وصفحات الفيسبوك، وتسجيل الفيديوهات.. كل هذا التعبير عن الذات ربما يكون طبيعيًا إذا كان هذا التعبير ذا فائدة، ولكننا نعلم أن هذا ليس حقيقيًا، فكلنا نعرف أناسًا يعبرون عن أنفسهم ويتكلمون لأنهم يريدون أن يفعلوا ذلك، لا لأنهم يساهمون بتقديم شيء نافع).
ومثلت ظاهرة السيلفي نقلة نوعية جديدة في تاريخ النرجسية.
William Campbell, The Narcissism Epidemic.
يمكننا إذن النظرإلى السوشيال ميديا بعين ناقدة لنقول بكل ثقة أنَّها إحدى أكبر أدوات تعزيز النرجسية في التاريخ، إنْ لم تكن أخطرها.
والنرجسية هي مصطلح مشتق من أسطورة يونانية، ملخصها أن الإنسان يحب نفسه بطريقة مبالغ فيها، فهي (حب مفرط للذات أوتركيز مفرط على الذات).
وجدت الدراسة أن مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي يشعرون بقدرٍ أكبر من السعادة عندما يعتبرون أصدقاءهم جمهورهم الشخصي الذين يبثون إليهم من طرف واحد، وليس عندما ينخرطون في حوارات متبادلة.
Manago AM, Taylor T, Greenfield PM: Me and my 400 friends: the anatomy of college students’ Facebook networks, their communication patterns, and well-being.
هذا الأمر ينطبق على التطبيقين الأشهر فيسبوك وتويتر.
هذه الحاجة الإنسانية الفطرية، أي رغبة الشعور بالتقدير والإعجاب، يوضحها بجلاء الفيلسوف الفرنسي ألان دو بوتون في كتابه (قلق السعي إلى المكانة: الشعور بالرضا أو المهانة)، إذ يذكر أنَّ موقع المرء في المجتمع ونظرات الناس إليه وشعوره بالتقدير والاحترام هي رغبة إنسانية أساسية تتحكم في حياة الإنسان، وقد اعتبرها الاقتصادي الإنجليزي آدم سميث: (المقصد العظيم للحياة الإنسانية).
وإحدى تجليات النرجسية عند جيل المراهقين والشباب هي ما نشاهده من الاهتمام المفرط بالذات مقابل تهميش قضايا الأمة الإسلامية.
من أجل استمرار تدفق اللايكات إلى حسابك، أو في سبيل أن تصح إنسانًا عاديًا في 2020م، ينبغي عليك أن تتابع التريندات أولاً بأول، أو تطور أجهزتك الإلكترونية باستمرار، أو أن تقرأ المنشورات الحديثة للشخصيات والصفحات المشهورة بشكل يومي، نحن نعيش في حالة مجنونة من السرعة، كل لحظة هناك شيء جديد وأمر متغير.
نريد أن ننجز كل شيء في أسرع وقت.
George Cheney, Lars Christensen & Theodore Zorn, Do We Really Want Constant Change? (CA: BK Communications, Inc., 1999), P.1.
2) التغيير من أجل التغيير
ورغم أننا لا ندرك ذلك لكن يصبح التغيير مشكلة عندما يصبح التغيير هدفًا من أجل التغيير لا وسيلة لأجل شيء آخر، هذا العالم السريع لا يعطينا وقتًا لملاحظة مقدار الحياة التي نفقدها بسبب هذا الهوس بالتغيير.
يوضح ريتشارد سينيت، أستاذ علم الاجتماع بجامعة نيويورك، أن ثقافة التغيير المستمرة هذه مضرة للإنسان: (السمة الملموسة لثقافة التغيير هي أنه “لا يوجد أمر طويل المدى”.. وهذا أمر يفسد الثقة، والولاء، والالتزام المتبادل).
وهذا التغيير المستمر منعنا من التغير الحقيقي للأحسن في حياتنا، وهو ما أشار إليه الداعية البريطاني حمزة تزورتيس بقوله: (إن أغلبنا صار كالكراسي الهزازة، نتحرك كثيرًا لكننا لا نذهب إلى أي مكان. هناك الكثير من الأفعال لكن لا يوجد تحولات في حياتنا).
وبسبب سرعة الملل فقدنا أي قدرة حقيقية على الإنجاز، فكما قال الإمام الشافعي رحمه الله: آفة المتعلم الملل وقلة صبره على الدرس والنظر، والملولُ لا يكون حافظًا، إنما يحفظ من دام درسُه وكدّ فكرَه، وسهر ليلَه، لا من رفّه نفسَه.
3) ضاع تركيزنا
إحدى الآثار السيئة للتغيير المستمر هو فقداننا للتركيز العميق طويل الأمد، وشلّ قدرتنا على التأمل.
وعمومًا، أغلبنا كان يقوم بذلك النوع من التأمل في أوقات التنقل أو في المواصلات، قبل الخلود إلى النوم، عندما نمارس رياضة المشيّ، عندما نكون في حالة من الملل في بيوتنا، إلخ. أما الآن فكل تلك الأوقات التي كنا نمارس فيها هذا النوع من التأمل الذاتيّ قد أصبحت أوقات لتقليب صفحات الفيسبوك، أو مشاهدة فيديوهات اليوتيوب، أو الرد على رسائل الواتساب التي أصبحت قد تتجاوز الألف رسالة في ساعات قليلة!
وأظن أن كثيرا من الهشاشة النفسيّة وأعراض الاكتئاب والحزن التي نراها تنتشر هذه الأيام يمكننا أن نُرجع أسبابها إلى غياب مساحات التأمل والمراجعة الذاتيّة عند الكثيرين.
فالإنترنت يستحوذ على انتباهنا، ثم بعد ذلك يشتته.
[لو كان الانتباه نقودًا، لكنا توقفنا وفكرنا منذ زمن طويل. إن ذلك يعد إنفاقا بشكل متهور.]
(كما أن عدم تعريض أجسادنا للتحدي والضغط البدني [أي التمارين] يؤدي بها إلى أن تصبح هشة وضعيفة، فإنَّ إزالة التحدي الذهني [أي بالتركيز] يجعل من عقولنا هشة وضعيفة).
4) وهم معايير النجاح
إذا لم تنتشر فأنت غير ناجح، إذا لم يكن لك شعبية فأنت فاشل، إذا لم يحظ حسابك بعدد كبير من المتابعين فإنجازاتك لا قيمة لها.
بكل أسف فإن حياتنا الآن يتم رسمها بواسطة السوشيال ميديا: طموحاتنا، أحلامنا، أهدافنا، معاييرنا، مشاريعنا المستقبلية، أفكارنا، تصوراتنا عن الحياة؛ كلها يتم صياغتها وفق السائد في السوشيال ميديا.
أمَّا الآن فالجميع يتسابق: كلنا نريد أن نصبح مؤثرين Influencers، كلنا نلهث وراء حصد أكبر عدد من اللايكات، كلنا نجاهد في سبيل تحسين صورتنا.
لقد عددت الدكتورة سوزان وينشينك السمات المحددة للسوشيال ميديا التي يمكن أن تجعلها محفزًا للإدمان، وكان أولها لأنها توفر إشباعًا فوريًا لما تنشره، فبعد تحفزك للنشر وانتظارك لمكافأة (لايك)، تحصل على اللايك فورًا، ومن ثَمَّ فإن غياب الإعجاب عن منشورك قد يدخلك في حالة نفسية سلبية، بسبب نقص الدوبامين (هرمون السعادة) في جسمك.
سوزان جرين فيلد، تغير العقل: كيف تترك التقنيات الرقمية بصماتها على أدمغتنا.
فلا تهتم إذن بمدى إنجازاتك، ولا تكترث بنعم الله عليك، ولا تلتفت إلى ما يمكنك تحقيقه واقعيًا بالفعل، فقد بُرمج ذهنك على معايير معينة للنجاح، وكل إنجاز في حياتك لا يتوافق مع معايير نجاح السوشيال ميديا فهو ليس نجاحًا.
نجد صعوبة في استيعاب أنّ الفقير مهما كان عبقريًا ومجتهدًا فهو في الغالب للأسف لن يجد حظًا من النجاح في الحياة مثل من هو أقل منه ذكاءً واجتهادًا ووضعه أفضل، نجد صعوبة في استيعاب أنّ هناك من هم أجدر منّا في الأماكن التي نحن فيها حاليًا ولكن ربما هو وضعنا المادي أو الاجتماعي أو الصدفة المحضة هي التي جعلتنا هنا بدلاً عنهم..
وكما قال بيجوفيتش: “كم فسيحٌ هو قدرنا وكم ضئيلةٌ تلك التي تُسمّى إرادتنا“.
5) أفكار من ورق
فمن أجل حصد الإعجابات فلا ينبغي عليكَ أن تخسر أحدًا، الجميع أصدقاؤك والمحتوى الذي تقدمه لا ينبغي أن يكون حساسًا لأي جهة أو طرف.
ربما يكون هذا أحد أهم أسباب ما نراه في عالم اليوم من نشوء أجيال جديدة متسامحة مع كل شيء وتتقبل أي شيء، الجميع يخاف من كسب العداوات، وربما من كثرة البلادة نسى المرء منا قيم مثل الغضب والنخوة والشجاعة والمقاومة، فكيف نغضب ونحن نسعى لرضا الجميع؟ ومن سنقاوم إذا كنا نحب الجميع؟
وفق هذا النموذج، يراد للإنسان كي ينجح أن يكون بليدًا بلا رأي ولا موقف ولا شعور. لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا. لا يتبنى إلا الآراء محل الإجماع ولا يتخذ إلا المواقف التي لا تكلفه أي شيء، ولا يستخدم إلا اللغة العامة الفضفاضة منزوعة المعاني.
أحيانًا لا تكون محبة الشيء ممكنة بغير كراهية نقيضه. ولا يكون الإنسان صادقا في حبه إلا بقدر صدقه في كراهيته.
وإنَّ محبة الظالمين وموالاتهم لا تأتي إلا مصحوبة بكراهية للمظلومين.
ليست وظيفة التغيير بالقلب تغيير الواقع، وإنما منع الواقع من تغيير الإنسان، ذلك أضعف الإيمان. فإنك إن لم تغير الواقع غيّرك.
أرح عقلك ونفسيتك: الهروب من السوشيال ميديا
الاضطرابات النفسية مثل الاكتئاب والقلق وغيرهما يتم تحسين صورتهما والترويج لهما بشكل مبالغ فيه على وسائل التواصل الاجتماعي، إلى حد أنَّها أصبحت لها جاذبية خاصة بعض الأحيان!
إغلاق جميع منصات السوشيال ميديا لفترة لا تقل عن شهر أكثر من مرة في السنة الواحدة.
الانقطاع عنها لفترة طويلة نسبيًّا، تتيح قدر من الراحة لنفسيتك من التعافي من آثارها.
وصدقني لا ينفصل أحدٌ عن السوشيال ميديا إلا ويفرح لذلك فرحًا شديدًا، وما رأيت أحدًا في حياتي قط ندم أنه اتخذ قرار الانفصال عن السوشيال ميديا.
إن مفهوم “تربيّة النفس على تعاليم القرآن” هو أمر لا يمكن تحقيقه إلا بالالتزام بالمراجعة والعرض اليوميّ لنفسك على القرآن الكريم.
الفكرة ببساطة أن هذا العرض للنفس على القرآن لا يمكن أن يؤتي ثماره الكاملة ما لم تكن تمتلك، لا أقول معرفة عامة بنفسك، بل معرفة عميقة بدقائق رغباتك وتفاصيل شخصيتك وشهوات نفسك حتى تحقق أقصى إفادة من تعاليم القرآن في معالجة عيوبك وتهذيب نفسك.
الخطوات العمليّة لكي نُحافظ على مساحات التأمل الذاتي من تغول الهواتف الذكيّة؟
· أوقف كل الإشعارات أو التنبيهات (سواءً كانت صوتية أم مرئيّة) التي يمكن أن ترسلها لك برامج التواصل الاجتماعيّ على شاشة جوالك الخارجيّة، بحيث لا تستطيع أن تعرف أن هنالك شيئا جديدًا فيِ هذه البرامج إلا إذا قمت بفتح هاتفك لوحدك.
· لا تضع في الشاشة الرئيسة أي برنامج من هذه البرامج، بل قم بوضع الأشياء التي تحتاجها في يومك العادي فقط.
· توقف الاتصال التلقائيّ/الأوتوماتيكيّ ببين هذه البرامج وبين الإنترنت وألا تتصل هذه البرامج بالإنترنت إلا عندما تقوم أنت.
· عندما تستخدم برامج التواصل الاجتماعي، اجتهد أن تعود نفسك أن تركز على مقالة واحدة أو معلومة ذات صلة باهتماماتك. وهكذا أحاول في كل مرة أدخل مواقع التواصل ألا أخرج إلا بفائدة، أو معلومة، أو فكرة ذات صلة باهتماماتي!
الفصل الخامس: لا تحكم على الآخرين!
هذا هو بالضبط ما أشار إليه سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فيما قال: “إن من أبغض الكلام عند الله أن يقول الرجل للرجل: اتق الله. فيقول: عليك نفسك“.
وقد روى البخاري ومسلم عَنْ أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه أن النبيّ ﷺ قال: “إنِّي لَمْ أومَرْ أنْ أنْقُبَ عَنْ قُلُوبِ الناَّسِ وَلاَ أشُقَّ بُطُونَهُمْ“.
أما رفض فكرة (الحكم) في حد ذاتها فهذا إفراط مجحف، بل هي إحدى غوايات الشيطان لبني آدم، فإن الشيطان يُحب للمنكر أن يُفعل دون إنكار، ويُحب أن يُترك للناس لهوى نفوسهم حتى يزيغوا عن طريق الحق.
إن فطرية إقامة الأحكام الأخلاقية على العالم هو أمرٌ مركوزٌ بداخل كل إنسان.
فكرة التسامح وقبول الآخر.
أنا لا أحكم عليك عندما أقوم بإخبارك بالحقيقة.
أن رؤية أنفسنا بعيون غيرنا من أعظم المعينات على تحسين وتطوير أنفسنا.
ثقافة تعزيز عقلية اللا حكم Nonjudgmentalness
في كتابها (دليل التدريب على مهارات العلاج السلوكي الجدلي) تخبرنا مارشا لينيهان، أستاذة علم النفس بجامعة واشنطن، أنَّ هناك نوعين من الأحكام: الحكم الذي يميز Discriminate، والحكم الذي يقيّم Evaluate.
الأحكام التي تميز هي الأحكام التي تصف وقائع الأشياء وتميز بين أي فعل أو شيء وبين أي فعل أو شيء آخر … أما الأحكام التقييمية فهي تلك تضيف حكمنا الأخلاقي للأفعال أو رؤيتنا الذاتية للأشياء، مثل أن نصف شيء بأنه سيئ أو جيد، شر أو خير، أخلاقي أو غير أخلاقي.
فتوصينا لينيهان بأن نترك أحكامنا التقييمية على كل الأشياء، وننظر إلى العالم كما هو فحسب دون محاولة إضافة صبغة أخلاقية بوصفها وصاية عليه.
كما تنصحنا لينيهان بأنْ نهجر الأحكام التقييمية على الأشخاص والأفعال والسلوكيات، فلا ينبغي أن نقول إن هذا التصرف (حسن) أو (سيئ). ولا ينبغي أنَّ نقول على شخص أنَّه (شخص سيء) أو (شخص جيد).
ليس من مهمتنا أن نضع تعريفًا لما ينبغي أنْ يكون العالم عليه، فعلينا إذن أن نترك مطالبتنا من الواقع أن يكون على شكل معين فقط لأننا نريده أن يكون بهذا الشكل.
تعليق شخصي: أنا لا أفهم؛ هل يقبل المؤلف هذا الكلام ويعتقد أنه صحيح، أم أنه يرفض هذا الكلام، لأنه من الواضح أن هذا الكلام مخالف للعقيدة الإسلامية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
مراهقة دائمة: مساحات آمنة من الأحكام
تخبرنا كلير فوكس أن المساحة الآمنة حاليًا تعني (الحماية من أي فكرة معادية أو سلبية). فحتى النقد البناء والنصيحة الصادقة غير مسموح بها في هذه المساحات.
Claire Fox, I Find That Offensive.
يضع بريان أندروود، المتخصص بالعلوم السياسية، الأمر بصورة أكثر وضوحًا بقوله: (هؤلاء الذين يصرخون (لا تحكم عليّ!) يمكن ترجمة صرختهم إلى رغبتهم في تجنب مواجهتهم بأخطائهم).
ابن قدامة رحمه الله قائلا: [كان السلف رحمهم الله يحبّون من ينبههم على عيوبهم.. أما نحن الآن فأبغض الناس إلينا من يعرّفنا عيوبنا.] (أبو الفرج ابن قدامة، مختصر منهاج القاصدين.)
في هذا السياق تظهر أزمة أخرى غير أزمة التسامح مع المنكر، وهي أنَّ النفس تتعود على هذه الحالة من عدم تحمل مس لية سلوكها وأفعالها، والتهرب من مواجهتها بأخطائها، وعدم قدرتها على تحمل النقد أو تقبل النصيحة والانتفاع بها.
من اللا حكم إلى الحكم المنضبط
[الكثير منا يخلط بين إصداره للأحكام وبين كونه حكَميًا، ولكنَّ هاتين العمليتين الذهنيتين مختلفتان بالكلية. فمن المناسب تمامًا أن نقيّم الأفعال والسلوكيات التي تجلب الضرر أو تسبب ألمًا بشكل سلبي … وأن نعيش في عالم بدون أحكام يعني أن نعيش في عالم بدون إدانة، ولا مبادئ، ولا قضايا أخلاقية.]
Terry Cooper, Making Judgments Without Being Judgmental: Nurturing a Clear Mind and a Generous Heart, (Illinois: IVP Books, 2006(.
المشكلة ليست في فكرة إقامة الأحكام بحد ذاتها وإنما المشكلة في صحة هذه الأحكام وسبل معالجتها.
Derek Doepker, Why You Should Be Judgmental.
ثم يؤكد كوبر ما أكده هنريك: (إذا تبنينا فلسفة اللاحكم، فإننا سنفقد بوصلتنا الأخلاقية، ستبدو جميع الأمور متساوية، وسنعيش في عالم من اللامبالاة الأخلاقية والحياد القيمي في كل شيء).
تعليق شخصي: من خلال مثل هذه الأفكار أستطيع أن أدرك كيف أنَّ الأفكار الصَّغيرة قد تؤدِّي بنا في النِّهاية إلى مسائل كبيرة جدًّا وعظيمة سواء كانت حسنة أو سيئة.
موت النَّصيحة، وموت النَّهي عن المُنكر
الحل إذن هو أن نقيم أحكامًا صحية، تتفهم حال الشخص وتخاطبه بأسلوب حسن، وتقع في الإطار الأخلاقي للدين لا في إطار الأهواء الشخصية … وتظل في أحكامنا مساحة للخطأ والمراجعة والأخذ والرد.
لقد أشار النبي ﷺ إلى خطورة ترك فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن مجالسة الناس دون نصحهم وتقويمهم وإرشادهم إلى الخير يعني هلاك المجتمع بأسره لا الفرد وحده.
عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: (إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل، أن الرجل كان يلقى الرجل فيقول: يا هذا، اتق الله ودع ما تصنع، فإنه لا يحل لك. ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض. ثمَّ قال: ﴿لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُۥدَ وَعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ * كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوۡنَ عَن مُّنكَرٖ فَعَلُوهُۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ﴾ [المائدة: 78-79].
ثمَّ قال ﷺ: كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرًا – أو تقصرنه على الحق قصرًا).
بل أخبر النبي ﷺ أنَّ الصالحين أنفسهم لن ينجوا من الهلاك إذا تركوا فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فعن النعمان بن بشير أن رسول الله قال: (مَثَلُ القَائم عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالوَاقِع فِيهَا، كَمَثَل قَوْم اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأصَابَ بَعْضُهُمْ أعْلَاهَا وَبَعْضُهُمِ أسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أسْفَلِهَا إذَا اسْتَقَوْا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤذِ مَنْ فَوْقَناَ.. فَإنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإنْ أخَذُوا عَلَى أيْدِيهِمْ نَجَوْا، وَنَجَوْا جَمِيعًا.)
قال رسول الله ﷺ: (هذا أثنيتم عليه خيرًا فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرًا فوجبت له النار؛ إنكم شهودُ الله في الأرض.)
ولكن لا يمكن فتح الباب على مصراعيه أمام الجميع ليقول من شاء ما شاء، فهذا الأمر لا يُمارسه العوام تجاه العوام بدون ضابط، وإنَّما له أهله ومختصوه وناسه.
وغني عن الذكر أنَّ أسلوب النصيحة، وتوقيتها، وألفاظها، وطريقة إلقائها، كلها من الآداب النبوية التي علمنا إياها النبي ﷺ. فكما أننا نطالب بحسن الاستماع إلى النصيحة فإننا نطالب أولاً بحسن أداء النصيحة.
نحن لا نحتاج إلى أن يتقبلنا الناس كلهم، هذا ليس أمرًا في عقيدتنا، أخبرني ما هي قيمة أن يتقبلك كل الناس ولا يتقبلون الله؟
ظاهرة عدم الحكم على الناس وذهنية قبول الآخر والخوف من الأحكام Don’t judge mentality هي كلها للدنيا، أن يتقبل الناس بعضهم بعضًا في الدنيا من أجل حياة سعيدة، ولا يتقبلون أحكام الآخرة، وهذا ضرب من الأنانية.
الفصل السادس: مشاعرك الداخلية: أسوأ حَكم في حياتك؟
لا تعمل في وظيفة لا تشعر بالراحة فيها.
صحتك النفسية أولى من أي شيء آخر!
لا تستمر في أي علاقة إنسانية تشعر أنها ثقيلة عليك.
ترسانة من النصائح التي تُوجه إلى شباب وفتيات اليوم، تدور كلها في فلك معنى واحد: (ثق دائمًا في مشاعرك، مشاعرك هي أهم شيء).
وأصبحت ثقافتنا المعاصرة تعظم من قدر المشاعر بشكل غير مسبوق في التاريخ الإنساني.
(يتفق الحكماء في العديد من المجتمعات أنَّ مشاعرنا دائمًا مُلحّة بداخلنا، لكنها في الواقع ليست جديرة بالثقة على طول الخط. فمشاعرنا غالبًا ما تشوش الحقيقة، وتسلبنا البصيرة العميقة، وتسبب ضررًا في علاقاتنا بدون الحاجة له.. المشاعر نفسها أمر حقيقي وأحيانًا تنبهنا إلى حقائق لم يلتفت إليها عقلنا الواعي بالفعل، ولكنها أحيانًا تقودنا إلى الضلال).
Greg Lukianoff, Jonathan Haidt, The Coddling of the American Mind.
عبادة المشاعر
جيل الألفية الجديدة صار يرفع المشاعر إلى درجة القداسة.
ففي أيامنا الحالية نميل إلى المبالغة، ومفردات الاستهلاك والترفيه والأخبار والإشهار تثير توترًا عاطفيًا مفرطًا، ويظهرها في عبارات متكررة على الدوام: (شحنات عاطفية)، (هذه قصة مجنونة)، (ارتعاشات مضمونة)، (سيذهلك هذا الخبر)، كل شيء في حالة هيجان وكل شيء يطبعه التشنج.
يشير لاكروا إلى أن استعمال مثل هذه التعابير يسلبنا القدرة على التأمل، وعلى اعتناق المشاعر طويلة الأمد، فنحن نبحث دومًا عن مزيد من الإثارة والاهتزاز والغضب، وننفر من الهدوء والتأمل والخشوع.
نعم للزواج لا للحب
إحدى صور التطرف في تعظيم المشاعر في عصرنا الحديث هو تصور الزواج بشعور واحد فقط: الحب.
السائد حاليًا – وفقًا لثقافة تعظيم المشاعر – أن الإنسان يختار شريك حياته بناءً على الانفعالات اللحظية المتحمسة، مثلا الانبهار والإثارة والشهوة العارمة والرغبة الملحّة في ملء الفراغ العاطفي … هذه المشاعر لا ينبني عليها علاقة طويلة الأمد، ولا يمكن اعتبارها مؤشرًا للسعادة على المدى الطويل، ولا يمكن بناء بيت مستقر ومريح على أساسها فحسب.
شعور الحب هو مجرد سبب واحد من أسباب كتيرة لنجاح الزيجات، وبالمقابل فالأسباب الشائعة للطلاق ليست غياب الحب في البيت وإنما فساد السلوك وقلة المس لية وعدم الأمانة ونحو ذلك، وهذه أمور غير متعلقة بالحب.
ثم يدعو بينيت إلى الاهتمام باعتبارات عملية لشريك الحياة بعيدًا عن الانفعالات اللحظية، مثل الثقة، والأمانة، والتقارب على المستوى الفكري، والاستقرار الأسري، والقبول المتبادل، والجدية في العمل وتحمل المس لية، والمال… إلخ.
هذه الاعتبارات بالطبع لن تنتج بالضرورة بيتًا سعيدًا لكنها على الأقل (خارطة طريق) إلى بيت مستقر وآمن ينمو الحب بين أركانه بشكل صحي وبسيط، بدون مبالغة.
Michael Bennett & Sarah Bennett, F*ck Love: One Shrink’s Sensible Advice for Finding a Lasting Relationship.
نعم الحب والمودة والتناغم مهمة للحياة الزوجية؛ لكن تهويل القدر الكمالي الذي لا يتأتى لكل أحد معضلة؛ بل بعضه قدرٌ غير مطلوب أصلاً.
رُوي أن ابن أبي عزرة الدؤلي اشتكى إلى سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن امرأته كانت تبغضه، فأتاها عمر وسألها: (أنت التي تحدّثين زوجك أنك تبغضينه؟)، قالت: (يا أمير المؤمنين، إنه أنشدني باللَّه فتحرجت أن أكذب، أفأكذب يا أمير المؤمنين على زوجي؟) فقال عمر: (نعم، فاكذبي، فإن كانت إحداكن لا تحب أحدًا فلا تحدّثه بذلك، فإن أقل البيوت الذي يُبنى على الحب، ولكن الناس يتعاشرون بالإسلام والإحسان). [صحح هذا الأثر الشيخ حاتم بن عارف العوني.]
من الكراش إلى الحب
فالشخص السوي يتعلم من الأخطاء، ويكتشف لاحقًا الفرق بين الإعجاب اللحظي المراهق وبين مشاعر الحب الحقيقية.
الكراش يحدث بشكل مفاجئ وفوري، بينما ينشأ الحب بشكل تدريجي عبر الزمن. ويتميز الكراش بقوته الشديدة لكن بقصر مدته، في حين أن الحب يبدأ هادٍ ويصبح أقوى وأعمق مع مرور الوقت.
إن الكراش يركز على جوانب إيجابية معينة في الشخص المعجب به فحسب، ويخفي جميع الجوانب الأخرى، ولذا فإنه يزول إذا تم التعرف على الجوانب السلبية للشخص عن قرب. أما الحب، فإنه اعتراف بالنقص الموجود لدى الطرف الآخر وقبول للشخص بشكل كلي في الوقت ذاته.
Carl Pickhardt, Adolescence and the Teenage Crush.
فإن الحب معنى عظيم وشعور عميق لا يظهر بين عشية وضحاها،
ابن حزم رحمه الله: (وإني لأطيل العجب من كل من يدعي أنَّه يحب من نظرة واحدة، ولا أكاد أصدقه، ولا أجعل حبه إلا ضربًا من الشهوة.. وما لصق بأحشائي حب قط إلا مع الزمن الطويل وبعد ملازمة الشخص لي دهرًا وأخذي معه في كل جد وهزل.) [ابن حزم، طوق الحمامة.]
الذين قابلوا المرأة الجميلة سجلوا أنَّهم شعروا بالسعادة حين تلقوا تقييمات إيجابية منها، والذين تلقوا تقييمات سلبية حرصوا على التسجيل معها مرة أخرى لإعادة المقابلة ومحاولة تغيير انطباعها عنهم، بينما الذين قابلوا المرأة القبيحة لم يبالوا فحسب بتقييمها، سواء كانت إيجابية أو سلبية.
لو أننا فقط لدينا وسيلة يمكننا بها اختبار ذلك.. لكن في الحقيقة أنه لدينا الوسيلة لذلك بالفعل! من خلال التوائم المتماثلة.
من الواضح أن العلاقات طويلة الأمد لدى البشر أعمق من مجرد انطباعات سريعة تتعلق بالشكل الخارجي.
ولكن مع اليوم والاثنين والشهر والذي يليه، يبدأ الإنسان منا في التحكم بمجريات الأمور ويأخذ دفة القيادة عن الطبيعة المادية الحيوانية فينا، نبدأ في إدراك ما هو أعمق من تلك الظواهر، التي لا تكون خادعة فقط، بل ومخدوعة أيضًا!
الحب هو السكينة والطمأنينة والراحة في أحضان من تحب، وفيما يتعلق بدوام وصحة العلاقة طويلة الأمد فالقشرة الخارجية سرعان ما تفقد تميزها وسط المعايير الأبقى والأقدر على التأثير من الشعر المستعار المزيف.
الفصل السابع: مخدرات الشغف
تبدأ هيستيريا في القاعة المخصصة للندوة، يردد الحضور جيمعًا جملة واحدة (لازم أنجح!) في حفلة أشبه بحفلة جنون جماعية، يكرر الشخص الجملة ذاتها وهو يضرب بقبضة يده أمام صدره وكأنه يضرب فشله المتجسد أمامه ويغيظه بهذه الجملة. لا تتعجب من المحاضر بل تعجب من الحضور، أين ذهبت عقولهم عندما يقومون بهذا التمرين الخالي من المعنى؟
يخرج أحمد الشقيري في إحدى المحافل وهو يحمس الناس للتمسك بما يعشقون، ليحققوا ما وُلدوا أساسًا من أجل تحقيقه، ويختم كلامه بالعبارة النمطية: (إذا عملت ما تحب فلن تحتاج إلى العمل بقية حياتك).
هذه الشعارات والإجابات المريحة تميل النفوس إليها. وكلما كانت الإجابة أسهل كلما كان الإقبال عليها أشد.
العمل هو النجاح.. فعلاً؟
تقدم سردية (اتبع شغفك) تصورًا للشخص ينبغي أن يسير عليه كما رُسم: لا تبحث عن قدراتك وإنما ابحث عن شغفك، لا تسر وراء إمكانياتك والفرص التي أمامك وإنما سر وراء أحلامك ومشاعرك.
هذه البروباجندا دفعت أكثر من ثلث الأمريكيين إلى الاعتقاد بأن (العمل الجاد) هو سر النجاح … فالفقر ليس مشكلة لامساواة، ولا هو ناتج من نتائج الاستبداد، ولا هو أحد نتائج لاعدالة المنظومة الرأسمالية، بل أنت سبب فقرك، أنت فقير لأنك فاشل وبليد.
هنا يبلغ هذا الخطاب التنموي قمته، فاللوم ليس على النظام الفاسد ولا على اللامساواة الاجتماعية وسوء توزيع الثروات ورداءة قوانين تنظيم العمل والسوق، وإنما أنت كفرد من تستحق أن تُلام.
التعليم بالتأكيد مهم، لكن الشهادة الجامعية والاجتهاد في الدراسة والعمل الدءوب ليست أمورا كافية لترقية الناس القادمين من خلفية فقيرة اجتماعيًا.
Alexis Chemblette, Sorry, Being Born Rich Still Leads to Success More Than Working Hard in School, Vice, 18 Oct 2017.
لقمة العيش أولاً
ما قيمة الشغف إذا لم تكن قادرًا على تأمين معيشتك؟ وما فائدة الشغف إذا لم تجد ما يسد رمقك؟
في كتابه (So Good They Can’t Ignore You) خصص المؤلف كال نيوبورت، الأستاذ المساعد بجامعة جورج تاون، الفصول الثلاثة بالكامل لتفكيك خطاب اتبع شغفك.
وفي المقابل رسم نيوبورت طريقًا أكثر واقعية للعمل والتوظيف ينتشل الناس من مخدرات الشغف ويضعهم في إطار الواقع المرير ويعطيهم نصائح من أجل تكييف نفسهم على هذا الواقع والتطوير من أنفسهم والتعامل معه من حيث هو واقع لا الاستعلاء عليه أو تجاوزه.
ملاحقة شغفك أمر جائز ولا إشكال فيه بل هو أمر مشروع ويزيد من فرص نجاحك وتقديرك لذاتك، لكنك لا يمكن أن تبدأ به حياتك، إذ إنَّ تحقيق الشغف ليس هدفًا أوليًّا بل هو آخر خطوات السلم.
Cal Newport, So Good They Can’t Ignore You.
(ليس لديك الحق أن تتكلم عن الشغف قبل أنْ تكون قد أمّنت معيشتك … اتباع شغفك لا يعني أنك ستحظى بحياة ناجحة، لأنَّ اتباع شغفك يعني قيامك بما يريحك ويوافق هواك، وهذا لا يجني المال، أنت تحتاج إلى تضحية).
يمكننا إذن استبدال هذا الخطاب الشغوف البائس بخطوتين عمليتين: الأولى هي التطوير المستمر في مهاراتك، والبحث عن الفرص لا الشغف، وخوض تجارب جديدة، وتنويع مصادر دخلك قدر إمكانك، والتعلم الدائم بلا توقف، فكلما زادت مهاراتك وعلمك زادت معهما فرصك في الحصول على مصادر دخل أفضل.
أمَّا الخطوة الثانية فهي تحقيق التوازن بين أربعة دوائر في حياتك: دائرة الشغف واهتماماتك الشخصية، ودائرة العمل والكسب والدخل، ودائرة المهارات والإمكانيات، ودائرة الرسالة والدعوة المطلوبة منك دينيًا.
نموذج إيكيجاي، وإيكيجاي هي كلمة يابانية تعني ما يستحق العيش من أجله.
· الدائرة الأولى هي (ماذا تحب؟) وتتكون من الأشياء الموجودة في حياتك التي تغمرك بالسعادة ويشع قلبك بالحب كلما كانت موجودة.
· الدائرة الثانية تعبر عن (ماذا تجيد؟) وتملأ فيها المهارات الفريدة التي تملكها والمواهب التي وُجدت فيك بشكل طبيعي دون أن تحاول تنميتها.
· الدائرة الثالثة هي (ما قد تفعله وتحصل على مقابل مالي بسببه) وهو ببساطة الوسيلة التي تجني بها المال وتوفر متطلبات المعيشة.
· الدائرة الرابعة، وهِي (ماذا يحتاج العالم؟) فهي التأثير الذي تريد أن تضحي من أجله وتشعر بالمعنى عند القيام به.
الحالة المثلى التي يطلق عليها (إيكيجاي) تحصل وفقا للرؤية اليابانية عندما يتم ملء الأربعة دوائر من خلال عمل واحد.
دورنا أن نحقق توازنًا بين هذه الدوائر، وألا نجعل أي دائرة تطغى بشكل كامل على بقية الدوائر.
فإذا أراد القارئ الاستزادة في هذه الناحية، وكيفية تحقيق الاستقلال المالي قدر وسعه بعيدًا عن السيستم الرأسمالي الذي يطحن العاملين فيه ويدخلهم في دائرة لا نهائية من الإنهاك والعمل، فأنصحه بقراءة الفصل السادس من كتاب: (الهروب من السيستم: الحياة البسيطة وتحقيق الاستقلالية الذاتية في زمن الأزمات).
الفصل الثامن: مفتاح النجاة: أنا مريض نفسي إذن أنا أفعل ما أريد
وائل غنيم كان يعيد تسويق صورته على السوشيال ميديا فيما يسمى في علم التسويق بـ Rebranding، وهي استراتيجية تسويقية تهدف إلى تجديد العنوان والرموز والخطاب والمفاهيم من أجل إنشاء هوية جديدة ومختلفة عما هو مستقر في أذهان المستمعين والمتابعين.
Laurent Muzellec and Mary Lambkin, “Corporate rebranding: destroying, transferring or creating brand equity?” European Journal of Marketing. 40 (7/8): 803 – 824.
بسبب عقلية (اعذروه فهو مريض نفسي) التي تعبر عن شكل من أشكال الهشاشة والتهرب من المس لية، فقد خرج سيل من التعليقات يشجع غنيم على ما فعله من إعلان للزنا، ويدعم مجاهرته بالمعصية تلك، كل هذا بدلاً من الأخذ على يديه أو حتى إنكار ما فعله بالقلب، وذاك أضعف الإيمان.
التعاطف مع الأشرار
وإنَّما هي تابعة لسياق ثقافي يهدف إلى رفع الحالة النفسية إلى درجة من القداسة … ومن ثم فإن الفعل ذاته لا يمكننا محاسبة فاعله قبل أن “نتفهم” حالته النفسية في وقت الفعل، حتى تصير حالته النفسية عذرًا مقبولاً لأي إجرام كان، أو على الأقل مبررًا لتخفيف الجزاء من على عاتقه.
الأفلام التي تعزز من ثقافة عدم الحكم على الأشخاص من خلال أفعالهم وإنَّما من خلال حالاتهم النفسية والتجربة الحياتية الخاصة بهم، لأننا كلنا بالنهاية فاسدون وربما نرتكب ذات الأفعال الإجرامية لو كنا مكان هؤلاء.
المتهم مجرم حتى تضع نفسك مكانه
يقدم الباحثون الإجابة: كلما تم تصوير لنا خلفية عن معاناة الشخص الشرير فإننا نميل إلى عزو أفعاله الشريرة إلى الظروف الخارجية لا إلى شره الداخلي، فقسوة طفولته وطلاق والديه وغلظة رب عمله وفساد النظام السياسي والاقتصادي هو ما يدفع الشرير إلى ارتكاب الشر، والمسئول عنها هو الظروف لا إرادة الشرير. ومن ثم يصير الشرير ضحية بدلاً من مجرم.
Richard Keen et al, Rooting for the Bad Guy: Psychological Perspectives.
تتحول مشاعر الغضب والكراهية والبغض هذه إلى مشاعر التعاطف والتفهم والتسامح والتقبل مع الأشرار، ما يخلق عالمًا من التماهي مع الشر والتسامح مع الحرام والتساهل مع الجريمة.
ضحية أم مجرم؟
“الاضطراب النفسي للأسف مصطلح يتم استخدامه وتعريفه بشكل فضفاض” آلان لشنر، أستاذ علم النفس بجامعة باكنل الأمريكية.
Alan Leshner, (2019). Stop blaming mental illness. Science,
دخل سفاح أسترالي الجنسية مسجد (بلال) وفتح النار من سلاحه الآلي على المصلين العزل، ثم انتقل إلى مسجد (لينود) وأطلق الرصاص على المصلين فيه أيضًا، ما أدى إلى استشهاد خمسين مسلمًا ومسلمة وإصابة خمسين آخرين.
قدم هذا الشاب طلبًا لإجراء اختبارًا لصحته النفسية، لماذا؟ لأن الاضطراب النفسي يعني إعفائه من المحاكمة وتخفيف – أو حتى إلغاء – العقوبة القانونية عليه.
في الحادثة التي ارتكبها مواطن مسيحي تبين أن وسائل الإعلام استخدمت مصطلح (الاضطراب النفسي) ثلاثة أضعاف عن استخدامه مع حادثة ارتكبها مواطن مسلم. وعلى النقيض استخدمت كل وسائل الإعلام مصطلح (إرهابي) في تغطية خبر جريمة المسلم، ولم يتم ذكر الكلمة تقريبًا خلال تغطية خبر جريمة المسيحي.
لا تلم المجرم إذن، وإنما لم مرضه النفسي.
أنا حزين إذن أنا ملحد
يظن الإنسان أنه بوسعه أن يبرر أي فعل وأي فكرة تطرأ على باله، لا لشيء إلا لأنه مستريح نفسيًا عندما يقوم بها.
نجد أن بعض الشباب والفتيات يتجهون إلى الإلحاد بسبب تسخطهم على أقدار الله، فيدفعه هذا السخط إلى الإلحاد فقط لأنَّه يعاني من بعض مشاعر الحزن والضيق.
أليست الحالة النفسية هي محرك كل الأفعال؟ إذن فلندع كل شيءٍ جانبًا مقابل الراحة النفسية، حتى لو كان هذا الشيء هو الإيمان ذاته.
Bryan Arva, Muhammed Idris and Fouad Pervez, Almost all news coverage of the Barcelona attack mentioned terrorism. Very little coverage of Charlottesville did, The Washington Post, August 31, 2017.
وقد عرض فيلم (في سبع سنين) الوثائقي حالة لإحدى الفتيات وقد ألحدت بسبب أنها تعرضت للتحرش والهجوم نظرًا لارتدائها للنقاب.
وأتساءل بحق: هل هناك آية تصف حال مثل هذه الفتاة أدق من آية: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَآ أُوذِيَ فِي ٱللَّهِ جَعَلَ فِتۡنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِۖ﴾ [العنكبوت: 10]
وهناك فتاة أخرى ابتلاها الله بمرض عضال، فألحدت عندما أصيبت بهذا المرض، ثم عادت إلى الإيمان بعدما شفاها الله. ولا أظن أن هناك ما يصف حال هذه الفتاة أفضل من قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعۡبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرۡفٖۖ فَإِنۡ أَصَابَهُۥ خَيۡرٌ ٱطۡمَأَنَّ بِهِۦۖ وَإِنۡ أَصَابَتۡهُ فِتۡنَةٌ ٱنقَلَبَ عَلَىٰ وَجۡهِهِۦ خَسِرَ ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةَۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡخُسۡرَانُ ٱلۡمُبِينُ﴾ [الحج: 11]
(هناك شاب جلست معه بعدما ألحد كي أحاول رده إلى الإيمان، فسألته عن سبب اتجاهه إلى الإلحاد، فأخبرني أنه ألحد عام م عندما توفي مايكل جاكسون، لماذا؟ لأنه رأى المسلمين يقولون 9 إن جاكسون كان كافرًا فمصيره إلى النار، وصديقنا هذا كان يحب جاكسون حبًا جمًا، فلم يتحمل أن يعتنق دينًا يخبره أن مغنيه المفضل سيُطرح في النار، فاتجه إلى الإلحاد)
وقد جلست بنفسي مع شاب أخبرني أنه ألحد وهو ابن 13 عامًا. والسؤال هنا ما الذي دفع شابًا في عمر أو13عامًا إلى الإلحاد؟ ماذا يفهم أصلاً من حجج الإيمان وشبهات الإلحاد كي يتخذ قرارًا جذريًا كهذا؟
إن مجمل هذه الحالات لا تعبر إلا عن تعظيم الحالة النفسية ورفعها إلى حد من القداسة تجعلها تتفوق على أي تفكير منطقي في العالم، إلى حد أنَّ الحالة النفسية تغلبت على الدين ذاته وأصبح الإيمان أهون عند كثير من الشباب والفتيات من حالتهم النفسية.
متى يعتبر الاضطراب النفسي عذرًا في الشريعة؟
فالتكليف الشرعي الذي هو مراد الله من الإنسان له شروط ينبغي توافرها، من أهمها: العقل والفهم، أي إنَّ يكون الفاعل مدركًا عاقلاً بما يفعله، والأهلية، أي أنْ يكون الإنسان صالحًا لوجوب الحقوق المشروعة له أو عليه وصحة التصرفات منه.
والاضطرابات النفسية أحيانًا تدخل في باب عوارض الأهلية، وتعني (الأمور التي تطرأ على الإنسان فتزيل أهليته أو تنقصها أو تغير بعض الأحكام لمن عرضت له) … وفي بعض الحالات النفسية يفقد المريض صلته بالواقع. [جمال عبد الله لافي، أثر المرض النفسي في رفع المسئولية الجنائية في الفقه الإسلامي، (غزة: الجامعة الإسلامية، 2009م).]
وما يجب تأكيده: أنَّ تقدير حالة الجاني العقلية ومدى تأثيرها على مس ليته الجنائية أمر يجب التحرز منه بدقة تامة، وأن يتم ذلك على أيدي أهل الاختصاص من أطباء النفس وفقهاء الشرع.
فإن نصوص الشريعة قررت وتواترت في القرآن والسنة بما يدل على أن الإنسان مسئولٌ عن تصرفاته، وعن عواقب أقواله وأفعاله، مقصرًا كان أو مجتهدًا، حزين كان أم سعيدًا، مطمئنًا كان أم خائفًا.
فطبيعة التكليف الشرعي مستلزمة للمشقة، والإنسان مخيرٌ بين أن يمتثل لأمر الله أو أن يلبي نداء هوى نفسه.
وقد قال الله عز وجل: ﴿بَلِ ٱلۡإِنسَٰنُ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦ بَصِيرَةٞ * وَلَوۡ أَلۡقَىٰ مَعَاذِيرَهُۥ﴾ [القيامة: 14-15]
قال ابن كثير: (أي: أي هو شهيدٌ على نفسه، عالمٌ بما فعله، ولو اعتذر وأنكر).
وحتى في أشد الحالات بؤسًا مثل حالات الانتحار، فلم يكن هذا الأصل استثناءً من الشريعة، فكل إنسان مس ل عما كسبت يداه، مادام كان عاقلاً ومدركًا وواعيًا بما يفعل.
النبي ﷺ يعلمنا أنَّ الإنسان مسئول عن أفعاله، وأن الظروف الخارجية ينبغي مواجهتها بالصبر ومجاهدة النفس والاستعانة بالله واستحضار الثواب والعقاب، لا بالاستسلام والانهزام أمامها.
لكن ما أن تنطبق الشروط الشرعية على الإنسان فإنه يُعاقب في الدنيا والآخرة على ما اقترف، ولا يمكن التهاون في هذا الأمر أبدًا، ولذا قال ربنا عن حد الزَّاني: ﴿ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجۡلِدُواْ كُلَّ وَٰحِدٖ مِّنۡهُمَا مِاْئَةَ جَلۡدَةٖۖ وَلَا تَأۡخُذۡكُم بِهِمَا رَأۡفَةٞ فِي دِينِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۖ وَلۡيَشۡهَدۡ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٞ مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [النور: 2]
فأمر الله المؤمنين ألا يفرطوا في العقوبة الشرعية وألا يشعروا بالرأفة تجاه الزاني الذي ثبت عليه الحدّ، ورغم أن سمّى الله عز وجل إقامة العقوبة على الزاني (عذاب) إلا أنه – سبحانه – رغم لك أمر المؤمنين ألا يتساهلوا في إقامة هذا العذاب على مرتكب الجريمة، بل أمرهم
بشهود الحدّ وحضوره.
خاتمة
هذه الظاهرة أتوقع لها زيدًا من التسلل إلى نفوس الشباب والفتيات، ولكن بطريقة بطيئة، لا بين عشية
وضحاها.
الحمد لله رب العالمين

