القائمة إغلاق

خُلاصة كتاب: لأنك الله ج1 (رحلة إلى السماء السابعة)، تأليف: علي جابر الفيفي

بسم الله الرحمن الرحيم

خُلاصة كتاب: لأنك الله ج1 (رحلة إلى السماء السابعة)

تأليف: علي جابر الفيفي

تحميل الخُلاصة: [DOC] [PDF]

إذا كنت ستكتب كتاباً عن أسماء الله الحسنى وستختار عدد مُعيَّن محدود من الأسماء التي ستتكلَّم عنها، ما هي الأسماء التي ستختار الكلام عنها؟!

مُقدِّمة

مرحلة الأحزان والوساوس والكروب ستنتهي تماما إن وجه العبد بوصلة اهتمامه إلى الذي لم يخلقه إلا لعبادته.

إننا بدون معرفة أسماء الله في صحراء تائهون.

الصَّمَد

اختيار البدء بهذا الاسم يعتبر اختيار موفق وإن كنت شخصياً سأختار البدء بلفظ الجلالة الله.

فأنت ساعتها بحاجة إلى أن تصمد إليه.

اسم الله «الصمد» سيمدك بكل ما تحتاجه لتكون قويًّا في هذه الحياة.

هذا الأسلوب في الكلام عن أسماء الله الحسنى يُشبه أسلوب أتباع العلاج بالطَّاقة.

الصمد اسم قليل الورود والذكر.

الصمد هو من تصمد إليه الخلائق، أي تلجأ إليه.

الصمد هو المقصود في الرغائب، المستغاث به عند المصائب، والمفزوع إليه وقت النوائب.

جاء ذكره في سورة من أعظم سور المصحف.

أحاطك بالاحتياجات لتحيط نفسك بأسمائه وصفاته.

في كل لحظات حياتك أنت بحاجة إليه، فإن لم ترجع إليه اختيارا رجعت إليه اضطرارا.

هذا مصداق قول الله عز وجل: ﴿أَفَغَيۡرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبۡغُونَ ‌وَلَهُۥٓ ‌أَسۡلَمَ ‌مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ طَوۡعٗا وَكَرۡهٗا وَإِلَيۡهِ يُرۡجَعُونَ﴾ [آل عمران: 83]

هُناك أحاديث أخرى كان يُمكن الإشارة إليها في سياق الكلام عن اسم الله الصَّمد.

«سنن الترمذي» (5/ 468): عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: «قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَبِي ‌يَا ‌حُصَيْنُ»: كَمْ تَعْبُدُ الْيَوْمَ إِلَهًا؟ قَالَ أَبِي: سَبْعَةً، سِتًّا فِي الْأَرْضِ، وَوَاحِدًا فِي السَّمَاءِ، قَالَ: فَأَيُّهُمْ تَعُدُّ لِرَغْبَتِكَ وَرَهْبَتِكَ؟ قَالَ: الَّذِي فِي السَّمَاءِ، قَالَ: ‌يَا ‌حُصَيْنُ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَسْلَمْتَ عَلَّمْتُكَ كَلِمَتَيْنِ تَنْفَعَانِكَ. قَالَ: فَلَمَّا أَسْلَمَ حُصَيْنٌ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، عَلِّمْنِي الْكَلِمَتَيْنِ اللَّتَيْنِ وَعَدْتَنِي، فَقَالَ: قُلِ اللَّهُمَّ أَلْهِمْنِي رُشْدِي، وَأَعِذْنِي مِنْ شَرِّ نَفْسِي.

لقد اقتنع بسبب معنى الصمدية! (هذا ليس ظاهراً في لفظ الحديث)

في عمق كل إنسان، وداخل كل خلية، وحول كل شريان أشياء تعرف الله جيدا، وتسجد له، وتسبحه.

ومن قصص السيرة الشهيرة أن رسول الله ﷺ قرأ سورة النجم على مشركي مكة في المسجد الحرام، وما إن انتهى حتى سجدوا … كلهم سجدوا … حتى أولئك الذين طردوه وآذوه وخططوا لاغتياله سجدوا!

طبعاً هذه الواقعة كانت مُبكِّرة جدًّا في سيرة النبي ﷺ.

خلق في نفوس عباده حاجة إلى حبه سبحانه!

إنه قلب صامد إلى الله.

أحياناً عند القراءة، عندما أكتشف بعض الأخطاء والانتقادات، يفقد الكتاب هيمنته على قلبي.

إذا بحثت عن شيء فلم تجده فدعه، وانشغل بالله.

هو الذي جعل ذلك الشيء يضيع لتصمد إليه وتلتجئ، لتقول: اللهم رد علي ضالتي، فيردها! يريدك أن تنشغل به عن حاجتك، ولكنك تنشغل بها، وتنساه!

وهذا من رحمة الله بعباده، يسوقهم بالحاجات الدنيوية إلى المقاصد العلية الدينية.

يجب أن تعلم أنه لو لم يأذن للدواء أن يؤدي مفعوله في جسدك لما ارتفع عنك ذلك المرض، فاصمد إليه أن يشفيك.

سوف تسمعهم بجميع أديانهم يلهجون باسمه: يا الله!

لماذا ننتظر جائحة تردنا إليه؟ ومصيبة تذكرنا باسمه؟ وكارثة نعود بها إلى المسجد؟

فإذا جربت أن تصمد إلى غيره في حاجة رجعت خائبا، ولا بد!

الناس لا يريدونك أن تكثر من الهرج! ولكن الله يحبك إن كثرت من الهرج بين يديه! فهو يحب العبد اللحوح في الدعاء، فلماذا تشكو لغيره وتتركه؟

يقول النبي ﷺ لابن عباس: إذا سألت فاسأل الله.

أعجبتني مقولة نقلها أبو حامد الغزالي عن أحد العارفين يقول فيها عن اسم الله الأعظم: فرغ قلبك من غيره ثم ادعه بأي اسم يجبك.

انظر في أي اتجاه شئت …

تحدث بكل ما تريد …

استمع إلى الجميع …

امش إلى حيث شئت …

لم أسأل الدنيا من يملكها فكيف أسألها من لا يملكها؟!

لا يمكن لخلية أن تتحرك ولا لذرة أن تكون ولا لقطرة أن تتبخر ولا لورقة شجر أن تسقط إلا بحوله وقوته!

الحفيظ

فهو وحده من يحفظ حياتك، ويحفظ صحتك، ويحفظ أبناءك، ويحفظ مالك، ويحفظ كل شيء في هذه الحياة!

يقول الشيخ السعدي رحمه الله تعالى: «الحفيظ الذي حفظ ما خلقه، وأحاط علمه بما أوجده، وحفظ أولياءه من وقوعهم في الذنوب والهَلَكات، ولطف بهم في الحركات والسكنات».

لذلك نقول دائما: اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي.

إنك تطلب منه هالة حفظ تحوطك من جميع الجهات.

يحفظ دينك، لذلك تناجيه في السجود أن: يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك.

لو لم يثبت قلبك على دينه لتناوشتك الشبهات، وتخطفتك الأهواء!

عالم اسمه «عبد الله القصيمي» يؤلف كتابا يدافع فيه عن دين الله اسمه «الصراع بين الإسلام والوثنية» قيل عنه – مبالغة إنه دفع به مهر الجنة! وأثني عليه من منبر الحرم … وتحت تلك الشبهات ومن بين أكوام الضلال يمسك قلمه ويؤلف كتابا يهاجم فيه الإسلام.

إن الحفيظ هو من يحفظ دينك، لا مجموعة المعلومات التي في رأسك!

ولاسم الحفيظ مع كل مخلوق قصة، فهو لا يخلق خلقه ثم يتركهم.

وما لا تعلمه البشرية من حفظه سبحانه أعظم وأكثر وأكبر!

ومن صور حفظ الله أنه سبحانه يدافع عن المؤمنين: ﴿إِنَّ ‌ٱللَّهَ ‌يُدَٰفِعُ ‌عَنِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٖ كَفُورٍ﴾ [الحج: 38]

وفي الحديث القدسي: «من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب» تخيَّل! حرباً بين عدو للدعوة وللحق وللدين، وبين الله!

ما ظنك باثنين، الله ثالثهما؟ يا أبا بكر، هل تعتقد أننا اثنان؟ كلا، بل نحن ثلاثة!

يقول سُبحانه: ﴿سَنُلۡقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ‌كَفَرُواْ ‌ٱلرُّعۡبَ بِمَآ أَشۡرَكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ بِهِۦ سُلۡطَٰنٗاۖ وَمَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُۖ وَبِئۡسَ مَثۡوَى ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [آل عمران: 151]

يبقى السبب سببا له قدره من الأهمية، ويبقى الله في قلبك هو العليم، القدير، الحفيظ.

من يقرأ قصة الشيخ عبد الرحمن السميط تهمنه في سفره إلى أفريقيا للدعوة ونشر الدين وكيف أنه خاض المستنقعات والوديان الموحشة في مجاهل القارة السوداء … ظل خمسا وعشرين سنة في طريقه … ثم مات في الكويت على السرير!

ومن أعظم الأسباب التي تستجلب بها حفظ الحفيظ سبحانه أن تحفظه!

أعد وتأمل قراءة حديث: «سنن الترمذي» (4/ 285): عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمًا، فَقَالَ: ‌يَا ‌غُلَامُ، ‌إِنِّي ‌أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ؛ احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ، لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ.» هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

احفظه في أوامره فقم بها كما أمرك، واحفظه في نواهيه فانته عنها كما نهاك.

[نحن في كروب] ولن ينجينا منها إلا: «لا إله إلا أنت سبحانك، إني كنت من الظالمين».

اللَّطيف

لنتعرف إلى اسم الله «اللطيف» والذي ستكتشف إذا ما تأملته أن لا مستحيل في هذه الحياة.

في اللغة: «اللطيف: البر بعباده، المحسن إلى خلقه بإيصال المنافع إليهم برفق ولطف»، وتقول: «لطف الله لك: أوصل إليك مرادك بلطف».

واللطف أصله خفاء المسلك ودقة المذهب.

لا تفجؤك أفضاله بل يسبقها برياح البشرى، ويهيئ قلبك لاستقبالها، ثم إذا نزلت بك الأفضال جعل لها من الأسباب التي تسبقها ما تكون بها ممهدة الوقوع.

إذا أراد اللطيف أن ينصرك أمر ما لا يكون سببا في العادة فكان أعظم الأسباب!

تنام فيحب أن تقوم تصلي بين يديه … فتستيقظ وتنظر إلى الساعة، وبعد دقائق تكون واقفا على السجادة تناجيه ولا تعلم أنه هو من أيقظك!

تخطط لمعصيته، تخرج ليلا، تفاصيل الخطة محكمة … فتبرد إرادتك وتعود إلى بيتك، ولا تعلم أنه هو من صرفك بلطفه عن معصيته!

ولا بد للطيف أن يكون عليما!

يقول الشيخ السعدي: «وهو اللطيف الذي أحاط علمه بالسرائر والخفايا، وأدرك البواطن والخبايا».

هذا اختصار للطف الذي سيطر على المشهد ثم يضع التوقيع النهائي فيقول: ﴿إِنَّ رَبِّي ‌لَطِيفٞ ‌لِّمَا ‌يَشَآءُۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ﴾ [يوسف: 100]

﴿يَٰبُنَيَّ إِنَّهَآ ‌إِن ‌تَكُ ‌مِثۡقَالَ حَبَّةٖ مِّنۡ خَرۡدَلٖ فَتَكُن فِي صَخۡرَةٍ أَوۡ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ أَوۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَأۡتِ بِهَا ٱللَّهُۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٞ﴾ [لقمان: 16]

تأمل حبة الخردل! … انظر إلى حجمها بالنسبة لكفك!

فقط أطلق لذاكرتك العنان، وسوف تتذكر ظلال اللطف وهي تغمر حياتك.

ألا يستحق هذا اللطيف أن تحبه؟

أن تعيش مع هذا الاسم أياما … تدعوه به، وترقب ألطافه، وتفيض عيناك لرؤية خفي هداياته وهداياه؟

الشَّافِي

لتقرأ عن هذا الاسم الرحيم! (لا أعتقد أنَّ هذه طريقة مُناسبة للكلام عن أسماء الله!)

الشفاء متعلق بالمرض.

لا يكاد يخلو يوم من ألم!

المرض فضيحة كبرى تبتلى بها غطرسة البشر!

قدر الله سُبحانه وتعالى على هذا الجسد أن تنطفئ نضارته مؤقتاً، حتى يقتنع الإنسان بضعفه، وبأنه لا حول له ولا قوة.

قدر الله المرض على الإنسان حتى يتذكر شيئا أشبه ما يكون بهذا المرض، إنه الموت!! فكما أن المرض نهاية الحيوية فكذلك الموت نهاية الحياة.

نومك موت، مرضك موت، انتقالك إلى مرحلة عمرية موت للمرحلة السابقة.

إنك أشبه بالموت من الحياة، ومع ذلك فإن الوهم يجعلنا نعتقد أننا مخلدون ولهذا يصرخ المرض بأجسادنا، أنها إلى زوال!

ولما يأخذ المرض مداه، وتنغسل أنت من الدنيا جيدا، يأذن الشافي سبحانه للداء بالانصراف عن جسدك.

لأنه الشافي: يشفيك بسبب …

ويشفيك بأضعف سبب …

ويشفيك بأغرب سبب …

ويشفيك بما يرى أنه ليس بسبب …

ويشفيك بلا سبب!

… وأصبح من أشهر المعالجين بالغذاء في العالم إنه «جايلورد هاوزر» في كتابه «الغذاء يصنع المعجزات».

فلعلك مصاب بمرض، وأنت لا تدري، وتأكل الطعام الذي فيه شفاؤك وأنت لا تدري، تمرض ويشفيك وأنت لم تعلم أصلا بمرضك ولا بشفائك!

«مسند أحمد» (23/ 140 ط الرسالة): «عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “مَاءُ ‌زَمْزَمَ ‌لِمَا شُرِبَ لَهُ“».

«المعجم الصغير للطبراني» (1/ 186): عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ زَمْزَمَ فَقَالَ: «إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ، إِنَّهَا ‌طَعَامُ ‌طُعْمٍ ‌وَشِفَاءُ سُقْمٍ».

ومن استعرض أحاديث الشفاء وجد كما كبيرا من الأدوية النبوية، جمع بعضها ابن القيم في كتابه «الطِّب النبوي».

فمن الأدوية على سبيل المثال لا الحصر: … قيام الليل، وفي كل ذلك أحاديث صحيحة.

وهو سبحانه يشفي بالصبر، ويشفي بالدعاء، ويشفي بالصدقة، ويشفي بالاستغفار، ويشفي بالتوبة، ويشفي بالرضا، ويشفي بلا شيء!

عد إليه بالرضا، عد إليه بالسجود، عد إليه بالتوبة، عد إليه بالاستغفار، عد إليه بالصدقة، عد إليه بالاعتراف.

هل هُناك اعتراف في الإسلام؟! نعم! بمعنى أن تعترف لله بذنبك وتستغفر وتتوب!

ليس هناك مستشفى في الدنيا تداويك إذا لم يشأ الله لها ذلك.

أيعقل أن يستغني إنسان عن جزء من جسمه، عن قذر من حياته لأجل أن يأكل، أن يعيش؟

يمرضك لتعود إليه فإذا عدت رفع المرض إذ أنه لم يعد للمرض فائدة!

يمرضك لتتواضع فإذا تواضعت وذللت رفع عنك المرض لأنه لم يعد للمرض فائدة!

يمرضك ليختبر صبرك ورضاك فإذا صبرت ورضيت رفع المرض لأنه لم يعد للمرض فائدة!

لي تحفُّظ على استخدام عبارة: لم يعد للمرض فائدة!

لم يكن هناك دواء لذلك الطفل البئيس أعظم من إيمان جده ودعوات أمه ويقين أبيه وتعلق الجميع بالله.

صدق جابر العظام المنكسرة: ﴿‌مَّا ‌يَفۡتَحِ ‌ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحۡمَةٖ فَلَا مُمۡسِكَ لَهَاۖ﴾ [فاطر: 2]

﴿وَإِذَا ‌مَرِضۡتُ ‌فَهُوَ يَشۡفِينِ﴾ [الشعراء: 80] هو وحده، لا أحد سواه يشفيني.

ضع نقطة هنا، لن تحتاج إلى غيره إذا أراد شفاءك، ولن يفيدك غيره إذا لم يرد!

من الذي خدعك وأقنعك أن الشفاء قد يأتي من طريق آخر؟

كيف ضحكت عليك الحياة بهذه السرعة، ونسيت ذلك الذي أخرجك من بطن أمك دون طبيب، وخلق لك في صدرها رزقا حسنا، وعلمك وأنت أجهل ما تكون كيف تزم شفتيك على صدرها لترضع؟ أنسيت الذي خلق الرحمة في قلب تلك الإنسانة لتضمك؟ وتعتني بك؟

أبهذه السرعة نسيته؟

أهكذا ظننت أنه يمكنك الاستغناء عنه؟!

المرض من أقسى اختبارات الرضا، فإذا كانت إجاباتك في هذا الاختبار راضية، كانت النتيجة مرضية بإذن الله.

قد يسأل البعض: كيف أرضى بالمرض وفيه الألم المكروه فطرة؟ كيف أرضى بالشيء الذي أكرهه؟

يجيب الإمام ابن القيم عن هذا التساؤل قائلا: «لا تنافي في ذلك، فإنه يرضى به من جهة إفضائه إلى ما يحب، ويكرهه من جهة تألمه به، كالدواء الكريه الذي يعلم أن فيه شفاءه، فإنه يجتمع فيه رضاه به، وكراهته له»

قل من بين آهاتك ما أمر به نبيك أمته أن تقول:

«صحيح مسلم» (2/ 5): عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ‌رَضِيتُ ‌بِاللهِ ‌رَبًّا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ».

اجعل المرض بداية عهد جديد تتعرف فيه إلى ربك من خلال اسم الشافي.

لقد مرضت كثيرا في حياتك … أليس كذلك؟ من شفاك؟ أليس الله؟ لماذا تظن أن هذا المرض بالذات يعجزه؟ هذا الظن وهذا الإحساس يستحق العقوبة منه، وقد يكون مرضك عقوبة لاعتقادك المريض.

ليس هناك آهة إلا ويسمعها، ولا ألم إلا ويعلم موضعه، ولا زفرة إلا ويرى نيرانها في الفؤاد.

معه ستمسح أرقام وأسماء الأطباء! معه ستنسى مواقع المستشفيات! معه ستلغي مواعيد العيادة!

لي تحفُّظ على المعنى الذي يُريد إيصاله للقارئ. أو على أقلّ تقدير، الأمر يحتاج إلى شرح وتفصيل.

الوكيل

هل تشعر بضعفك؟ وبأن الدنيا بتفاصيلها أكبر منك، وبأنك ريشة في مهب ريح الحياة الصاخبة؟

الوكيل هو الذي لا ينبغي أن تتوكل إلا عليه، ولا أن تلجئ ظهرك إلا إليه، ولا أن تضع ثقتك إلا فيه، ولا أن تعلق آمالك إلا به.

يقول الحق سبحانه عن نفسه العلية: ﴿رَّبُّ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ‌فَٱتَّخِذۡهُ ‌وَكِيلٗا﴾ [المزمل: 9]

التوكل يقين قلبي!

متعلقون نحن بالتراب لدرجة مخيفة!

اقرأ: ﴿‌وَتَوَكَّلۡ ‌عَلَى ‌ٱلۡعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ * ٱلَّذِي يَرَىٰكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي ٱلسَّٰجِدِينَ * إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ﴾ [الشعراء: 217-220]

وأعظم ما تتوكل على الله فيه هو عبادته، أن تتخلى وتتبرأ من حولك وقوتك وتقول بقلبك قبل لسانك: ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]، فتستعين وتتوكل وتطلب القوة منه على أن تعبده.

أكثر من الكلمات النبوية الكريمة:

«مسند أحمد» (36/ 430 ط الرسالة): «عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَذَ بِيَدِهِ يَوْمًا، ثُمَّ قَالَ: “يَا مُعَاذُ إِنِّي لَأُحِبُّكَ” فَقَالَ لَهُ مُعَاذٌ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ، وَأَنَا أُحِبُّكَ. قَالَ: “أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ، لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ أَنْ تَقُولَ: اللهُمَّ ‌أَعِنِّي ‌عَلَى ‌ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ“.»

يقول ابن القيم: «قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه تأملت أنفع الدعاء فإذا هو سؤال العون على مرضاته ثم رأيته في الفاتحة في إياك نعبد وإياك نستعين».

ويقول أيضا: «القلب يعرض له مرضان عظيمان إن لم يتداركهما العبد تراميا به إلى التلف ولا بد وهما الرياء والكبر فدواء الرياء بـ إياك نعبد ودواء الكبر بـ إياك نستعين … وكثيرا ما كنت أسمع شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: إياك نعبد تدفع الرياء، وإياك نستعين تدفع الكبرياء».

أرأيت الصلاة التي فرغت للتو من أدائها، والله لو لم يعنك عليها لما أديتها.

أمانيك مع الله حقائق، تطلعاتك واقع معاش، رغباتك ستهدى إليك، أشواقك ستهب عليك!

لي تحفُّظ أيضاً على هذا الأسلوب الذي يُشبه أتباع العلاج بالطَّاقة.

امرأة صالحة قرر ابنها أن يكمل دراسته في الخارج، وكانت تسمع عن الضياع والانحلال الذي ينغمس فيه (بعض) من يذهب للدراسة في تلك الديار … فعلمت أن الله هو القادر على حفظ ولدها، فجعلت جزءا من صلاتها دعاء لولدها بالحفظ، عاد الولد من دراسته وقد صار من أهل المسجد وقيام الليل والأمر بالمعروف والنهي على المنكر!

حتى لو مت، فالحي الذي لا يموت، سيعيد حقك لأبنائك من بعدك، لا تنشغل في لحظة وجعك وغمرة آهاتك بأبنائك من بعدك، فالحي الذي تموت أنت ولا يموت هو سيكون لهم.

توكل عليه سبحانه في صلاح أبنائك، كم قد رأيت ورأيت أبناء تربوا في المساجد ثم ألحدوا، والعياذ بالله؟

الله وحده الذي يعلم مكان الهداية في قلب ابنك، ادعه أن يملأه إيمانا، توكل عليه، قل له بخضوع: يا رب، هذا ابني، وأنت ربي وربه فاهده إليك ودله عليك وأعني على تربيته، يا رب أنا لن أحسن أن آمره بالصلاة ما لم تعني، وهو لن يحسن أن يصلي ما لم تعنه، فأعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك!

تضرع إليه قائلا: قلبها بيدك لا بيدي فأودم بيننا وأصلحنا يا رب لبعضنا.

الله يريدك أن تعترف أنك ضعيف محدود القوة متواضع الإمكانيات، وأنه وحده القوي العزيز العظيم.

دعك من حاجاتك وأحلامك وهمومك، دعنا نتخيل أنك إنسان بلا حاجات وبلا أحلام وبلا هموم وبلا أمراض، أنت تحتاج أن تتوكل عليه ليحبك؟ ألست تريده أن يحبك؟ ﴿فَإِذَا عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ ‌إِنَّ ‌ٱللَّهَ ‌يُحِبُّ ‌ٱلۡمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: 159]

اقرأ بتدبر: ﴿ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدۡ ‌جَمَعُواْ ‌لَكُمۡ فَٱخۡشَوۡهُمۡ فَزَادَهُمۡ إِيمَٰنٗا وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِيلُ * فَٱنقَلَبُواْ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ لَّمۡ يَمۡسَسۡهُمۡ سُوٓءٞ وَٱتَّبَعُواْ رِضۡوَٰنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضۡلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: 173، 174]

البعض يقول: ليس لنا إلا الدعاء!

عجيب! وهل هناك قوة أعظم من الشيء الذي ليس معك غيره؟

الدعاء هو من مظاهر التوكل، الدعاء هو تيقن قلبي قبل أن يكون كلمات صوتية بأنه المستطيع سبحانه كل شيء.

﴿وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ ‌وَكَفَىٰ ‌بِٱللَّهِ ‌وَكِيلًا﴾ [النساء: 132]

ولأنه سبحانه خالق كل شيء فهو القادر على عمل أي شيء، لذلك نتوكل عليه: ﴿ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖۖ ‌وَهُوَ ‌عَلَىٰ ‌كُلِّ ‌شَيۡءٖ وَكِيلٞ﴾ [الزمر: 62]

﴿‌وَمَن ‌يَتَوَكَّلۡ ‌عَلَى ‌ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُۥٓۚ﴾ [الطلاق: 3] لن تحتاج أحدا أبدا إذا وثقت به وتوكلت عليه وجعلته هو المعين لك في شؤونك.

﴿‌وَمَن ‌يَتَوَكَّلۡ ‌عَلَى ‌ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُۥٓۚ﴾ [الطلاق: 3]، لن تحتاج أحدا أبدا إذا وثقت به وتوكلت عليه وجعلته هو المعين لك في شؤونك.

قل عندما تخرج ما أوصاك به نبيك الكريم: «مسند أحمد» (44/ 230 ط الرسالة): «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ، قَالَ: “‌بِسْمِ ‌اللهِ، ‌تَوَكَّلْتُ ‌عَلَى ‌اللهِ، اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ نَزِلَّ أَوْ نَضِلَّ، أَوْ نَظْلِمَ أَوْ نُظْلَمَ، أَوْ نَجْهَلَ، أَوْ يُجْهَلَ عَلَيْنَا“»

اللهم اجعلنا متوكلين عليك، ملتجئين إليك، اغمرنا بالإيمان بك، واجعل هذا الإيمان يغسلنا من التعلق بكل ما هو دونك يا رب.

الشَّكُور

سبحانه يشكر عبده على ما قدم من عمل صالح.

فهو سبحانه يأمرك بهذا العمل الصالح الذي فيه صلاح دنياك وآخرتك فإذا عملته، يكون سبحانه هو المستحق لشكرك لدلالتك عليه، وتيسيره لك، وإصلاح حالك به، أليس كذلك؟ ولكنه بكرمه هو من يشكرك عليه!

كيف يشكرك؟ هذا سؤال تفنى الأعمار دون الإجابة عنه.

فمن شكره سبحانه: يغفر الذنوب ويستر العيوب، يوفي الحسنات ويعظم الأجور.

ويثبتك على الهداية، وقد زاغت عنها أفئدة من هم أذكى منك وأعلم منك وأقدم في الإسلام منك!

﴿‌مَّثَلُ ‌ٱلَّذِينَ ‌يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنۢبَتَتۡ سَبۡعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنۢبُلَةٖ مِّاْئَةُ حَبَّةٖۗ وَٱللَّهُ يُضَٰعِفُ لِمَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 261]

مع كرم الله تتغير المسائل الحسابية!! لأنه كرم لا يخضع للمعادلات الحسابية، بل للفضل الإلهي!

قال حسَّان:

وضم الإله اسم النبي إلى اسمه … إذا قال في الخمس المؤذن أشهد

وشق له من اسمه ليجله … فذو العرش محمود وهذا محمد

وهو الشكور لأنه يشكر العمل الكبير والعمل الصغير بشرط أن يكون خالصا صواباً.

ين لك في شؤونك ﴿فَمَن يَعۡمَلۡ ‌مِثۡقَالَ ‌ذَرَّةٍ خَيۡرٗا يَرَهُۥ﴾ [الزلزلة: 7]

قال رسول الله ﷺ: «مسند أحمد» (3/ 208 ط الرسالة): «ثَلاثٌ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِنْ كُنْتُ لَحَالِفًا عَلَيْهِنَّ: لَا يَنْقُصُ ‌مَالٌ ‌مِنْ ‌صَدَقَةٍ، فَتَصَدَّقُوا، وَلا يَعْفُو عَبْدٌ عَنْ مَظْلَمَةٍ يَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ بِهَا عِزًّا – وقَالَ أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ: إِلا زَادَهُ اللهُ بِهَا عِزًّا يَوْمَ الْقِيَامَةِ – وَلا يَفْتَحُ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ»

يجب علينا أن نؤمن بهذا الكلام إيمانا عميقا، وهذا ربنا يقول في الحديث القدسي: قال رسول الله ﷺ: «صحيح البخاري» (4/ 1724): «قَالَ اللَّهُ عز وجل: ‌أَنْفِقْ ‌أُنْفِقْ عَلَيْكَ، وَقَالَ: يَدُ اللَّهِ مَلْأَى لَا تَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ. وَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَبِيَدِهِ الْمِيزَانُ يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ.»

لقد أنفقت يا ربي بفقري، فأنفق علي بغناك!

وإني أعيذك أن تكون تعلقاتك وإراداتك كلها دنيوية، فكثير من الجزاء يدخره الله لك أحوج ما تكون إليه في الآخرة.

قد لا يعلمون بمقصدك، بل حتى لا ينتبهون لفعلك، لكن احذر أن تظن أن الشكور لن يكافئك، كيف؟ لا يهم.

أما إن سألت عن أعظم خير يمكنك فعله، فهو أن تسلم وجهك لله! أن تحيا مسلما، وتعبد الله مسلما، وتعامل الناس مسلما، وتنظر وتتكلم وتشعر مسلما، ثم تموت مسلما!

﴿‌وَمَا ‌تُقَدِّمُواْ ‌لِأَنفُسِكُم مِّنۡ خَيۡرٖ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيۡرٗا وَأَعۡظَمَ أَجۡرٗاۚ﴾ [المزمل: 20]

﴿‌وَمَا ‌يَفۡعَلُواْ ‌مِنۡ ‌خَيۡرٖ فَلَن يُكۡفَرُوهُۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلۡمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 115]

وفي الأثر الضعيف المتن الحسن المعنى: «صنائع المعروف تقي مصارع السوء».

﴿‌وَمَا ‌بِكُم ‌مِّن نِّعۡمَةٖ فَمِنَ ٱللَّهِۖ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيۡهِ تَجۡـَٔرُونَ﴾ [النحل: 53]

كل شيء؟ نعم كل شيء يحوطك من الصحة والمال والراحة والتيسير والرضا هو منه: ﴿‌وَكَانَ ‌فَضۡلُ ‌ٱللَّهِ عَلَيۡكَ عَظِيمٗا﴾ [النساء: 113]

تعبده ستين أو سبعين سنة، أكثرها دون التكليف أو نوم أو في عمل المباحات، ومع ذلك يكافئك عنها بجنة عرضها السماوات والأرض، تسكنها الأبد كله!

الجَبَّار

المؤلِّف ركَّز في الكلام عن جانب التَّرغيب فقط، ولم يتكلَّم عن جانب التَّرهيب.

من معاني اسم الجبار: الذي يجبر أجساد وقلوب عباده.

انكسارات الحياة عديدة.

شرع لنا أن نقول بين السجدتين: «مسند أحمد» (5/ 460 ط الرسالة): «فَكَانَ يَقُولُ فِيمَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: رَبِّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، ‌وَاجْبُرْنِي، وَارْفَعْنِي، وَارْزُقْنِي، وَاهْدِنِي»

وكأننا نتكسر في اليوم كثيرا فنحتاج أن يجبرنا الله كثيرا!

«صحيح مسلم» (3/ 37): عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللهُ: إِنَّا لِلهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، ‌اللَّهُمَّ ‌أْجُرْنِي ‌فِي مُصِيبَتِي، وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَخْلَفَ اللهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا»

إذا رأيت منكسرا فاجبر كسره، كن أنت الذي يستخدمك الله لجبر الكسور.

الهَادِي

الهداية أصلها اللغوي يدل على الميل، وكأن الهداية ميل عن الخطأ إلى الصواب وعن الضلالة إلى الرشد وعن التيه إلى الجادة.

وكما أنه يهديك، فكذلك يهدي إليك!

يهدي القارئ إلى موضع المعلومة، ويهدي المجتهد إلى دليل المسألة!

ويهدي الداعية إلى الأسلوب الأسلم، ويهدي الأب إلى الطريقة المثلى في نصح ابنه.

يهديك بما تظنه صدفة!

أما سماع القرآن فأصل الهدايات، ومن أعظم ما جعله الله سببا لهداية عباده، فقد ضمن فيه كل أسباب الهداية والرشد، قال تعالى: ﴿‌إِنَّ ‌هَٰذَا ‌ٱلۡقُرۡءَانَ ‌يَهۡدِي لِلَّتِي هِيَ أَقۡوَمُ وَيُبَشِّرُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرٗا كَبِيرٗا﴾ [الإسراء: 9]

رأى هذا العالم تشابها بين انحباس السوائل في الجسد وانحباس الماء في الأرض، فظن أن هذه الطاعة (حفر بئر) مشابهة لحال المرض، وأن الشفاء قد يكون فيها.

هدى الله سبحانه ابن العم إلى تناسب ما بين اللحم المتصدق به، ولحم الطفلة المتهتك، فكان الشفاء من الله أصدق من توقعات الأطباء!

إن مغنيا كان حسن الصوت مر به أحد الصالحين فقال له: ما أجمل صوتك، يا ليته تغنى بالقرآن، فتاب ذلك الرجل من حينه!

قد يهديك ثم لا تقوم بواجب تلك الهداية من شكر وعمل بمقتضاها فيسلبها منك.

وقد يهديك فتشكره وتعمل بمقتضى الهداية فيمن عليك بهداية أخرى فتشكره وتعمل بمقتضاها ثم يفضل عليك بهداية ثالثة ورابعة، ويجعل حياتك هدايات يمسك بعضها ببعض.

فهؤلاء فتية الكهف هداهم بأن جعلهم مؤمنين، ثم هداهم أيضا بأن جعلهم صابرين على إيمانهم، ثم هداهم بأن دلهم على طريق النجاة، ثم هداهم بأن هيأ لهم حالا أنجاهم بها.

يخرج ابن تيمية من بين البيوت وقد ازدحمت الأقوال في رأسه حول تفسير آية، يقرأ عنها عشرات التفاسير، فلا تخلصه تلك التفاسير من ضوضاء الحيرة، فيمرغ وجهه بالتراب ويبكي ويقول: «يا معلم داوود علمني ويا مفهم سليمان فهمني» فيعود وقد تحددت الأقوال الراجحة في عقله بنور الهداية الربانية!

إذا لم يكن عون من الله للفتى … فأول ما يقضى عليه اجتهاده.

وهدايته سبحانه لا تختص بالبشر بل هو يهدي جميع خلقه، قال جل من قائل: ﴿قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِيٓ أَعۡطَىٰ كُلَّ شَيۡءٍ ‌خَلۡقَهُۥ ‌ثُمَّ ‌هَدَىٰ﴾ [طه: 50]

ومن أعظم هداياته إعادة خلقه إليه، ودلالة التائهين عليه، وفتح أبواب التوبة لمن أذبل أرواحهم خريف الحوبة.

تكون في غمرة النسيان فيذكرك به، تكون في حومة المعصية فيوقظك، تكون في وسط المستنقع فيطهرك، تكون في داخل الجب فيدلي إليك حبلا.

يهديك بحب يغمر فؤادك، أو بخوف يزعزع استقرارك، أو بمرض يذل كبرياءك، أو بحاجة ترغم أنفك، أو بفقر ينقض ظهرك، أو بخواء يعذب روحك.

يرطب لسانك بذكره بعد أن كنت تترنم بأغانٍ تافهة!

الغَفُور

إذا كنت قد تعبت من ذنوبك وخطاياك … وأنك ما عدت تستلذ بصلاتك … فاعلم أن الوقت قد حان لتدلف إلى عالم الأنس والمغفرة، متلمسا معاني الغفران والتجاوز في اسم الله الغفور.

بلاء الروح بالذنب أعظم بكثير من بلاء الجسد بالمرض.

الذنوب تجعل روحك في سجن شبيه بهذا السجن! إنها تحيط بك ﴿‌وَأَحَٰطَتۡ ‌بِهِۦ خَطِيٓـَٔتُهُۥ﴾ [البقرة: 81] وتجعل روحك تختنق.

فإذا علمنا أن من أسمائه سبحانه الغفور والغفار والعفو وأن من صفاته أنه يغفر الذنوب، تبدأ جدران ذلك السجن الضيق تتصدع.

بالله قل: أستغفر الله … لا تقلها، فقط تأمل فيها: أستغفر الله.

ولعل تلك الحاجة إلى المال سببها ذنب اقترفناه، ولو قلنا: أستغفر الله بانكسار، لما احتجنا أن ننكسر لدى خلق الله!

يُسلم (يدخل الإسلام)، فيغفر له الغفور، يمسح سبحانه كل تلك الطوام.

«المعجم الكبير للطبراني» (7/ 53): عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُفَيْلٍ، قَالَ: جَاءَ شَابٌّ، فَقَامَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ مَنْ لَمْ يَدَعْ سَيِّئَةً إِلَّا عَمِلَهَا، وَلَا خَطِيئَةً إِلَّا رَكِبَهَا، وَلَا أَشْرَفَ لَهُ سَهْمٌ فَمَا فَوْقَهُ إِلَّا اقْتَطَعَهُ بِيَمِينِهِ، وَمَنْ لَوْ قُسِّمَتْ خَطَايَاهُ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَغَمَرَتْهُمْ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَسْلَمْتَ؟» أَوْ: «أَنْتَ مُسْلِمٌ؟» قَالَ: أَمَّا أَنَا، فَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، قَالَ: «اذْهَبْ، فَقَدْ بَدَّلَ اللهُ سَيِّئَاتِكَ حَسَنَاتٍ» قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ‌وَغَدَرَاتِي ‌وَفَجَرَاتِي؟ قَالَ: «وَغَدَرَاتُكَ وَفَجَرَاتُكَ» ثَلَاثًا فَوَلَّى الشَّابُّ، وَهُوَ يَقُولُ: اللهُ أَكْبَرُ، فَلَمْ أَزَلْ أَسْمَعُهُ يُكَبِّرُ، حَتَّى تَوَارَى عَنِّي، أَوْ خَفِيَ عَنِّي.

لماذا تعتقد أن ذنبك أعظم شيء في الوجود؟ هل نسيت أنه الغفور الودود؟

أبو سفيان بن حرب، صفوان بن أمية، عكرمة بن أبي جهل، عمرو بن العاص وغيرهم كثير، كانت ذنوبهم: شركا بالله، ومحاربة للدين، وقتلا للصحابة، ثم يغمرهم الغفور الرحيم بمغفرته ليكونوا صحابة!

الصحابة تعني أفضل البشر بعد الأنبياء!

يغفر سبحانه بـ: أستغفر الله.

ويغفر سبحانه بالتوبة: ﴿إِلَّا ‌ٱلَّذِينَ ‌تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ وَأَصۡلَحُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ﴾ [آل عمران: 89]

ويغفر سبحانه بالحسنات: ﴿‌إِنَّ ‌ٱلۡحَسَنَٰتِ ‌يُذۡهِبۡنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِۚ ذَٰلِكَ ذِكۡرَىٰ لِلذَّٰكِرِينَ﴾ [هود: 114]

ويغفر بالبلاء: «سنن الترمذي» (4/ 406): «عن أبي هُريرةَ، قال: قال رَسولُ اللهِ ﷺ: “‌ما ‌يَزالُ ‌البلاءُ بالمُؤْمنِ والمُؤْمِنةِ في نَفْسِه ووَلدِهِ ومَالِه حتَّى يَلْقى اللهَ وما عَليْهِ خَطِيئةٌ“. هذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.»

«السنن الكبرى – النسائي – ط الرسالة» (9/ 171): قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «طُوبَى لِمَنْ وَجَدَ ‌فِي ‌كِتَابِهِ ‌اسْتِغْفَارًا كَثِيرًا»

لذلك فقد شرع الاستغفار ليس بعد الذنب فقط! بل وبعد الطاعة!

حتى طاعاتك مليئة بالنقص الذي لا يرتقه إلا الاستغفار.

﴿‌قُلۡ ‌يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسۡرَفُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُواْ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53]

وذنبك لا شك من هذه الذنوب التي ليست أكبر من غفران الله ولا أعظم من رحمته سبحانه.

المغفور لهم ينامون بالليل في طمأنينة، لأن أغرب توقع هو أن يموتوا؟ وماذا لو ماتوا؟ إنهم بلا ذنوب تجعل الموت شبحا مرعبا!

بالله اقرأ، بل استشعر: ﴿‌وَمَن ‌يَعۡمَلۡ ‌سُوٓءًا أَوۡ يَظۡلِمۡ نَفۡسَهُۥ ثُمَّ يَسۡتَغۡفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا﴾ [النساء: 110]

والغفور يغفر دائما، ويغفر بكرم، ويغفر ما لا يغفره البشر، ويغفر بإدهاش!

«صحيح البخاري» (3/ 1034): «أُمُّ حَارِثَةَ بْنِ سُرَاقَةَ، أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَلَا تُحَدِّثُنِي عَنْ حَارِثَةَ – وَكَانَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ، أَصَابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ – فَإِنْ كَانَ فِي الْجَنَّةِ صَبَرْتُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ، اجْتَهَدْتُ عَلَيْهِ فِي الْبُكَاءِ؟ قَالَ: (يَا أُمَّ حَارِثَةَ، إِنَّهَا جِنَانٌ فِي الْجَنَّةِ، وَإِنَّ ابْنَكِ ‌أَصَابَ ‌الْفِرْدَوْسَ ‌الْأَعْلَى).»

«البداية والنهاية» (4/ 140): «‌وفي ‌هذا ‌تنبيهٌ ‌عظيمٌ ‌على ‌فضل ‌أهل ‌بدرٍ؛ فإنّ هذا الذي لم يكن في بحبحة القتال ولا في حومة الوغى، بل كان من النّظّارة من بعيدٍ، وإنّما أصابه سهمٌ غربٌ، وهو يشرب من الحوض، ومع هذا أصاب بهذا الموقف الفردوس، التي هي أعلى الجنان وأوسط الجنة، ومنه تفجّر أنهار الجنة، التي أمر الشارع أمّته إذا سألوا اللَّه الجنة أن يسألوه إياها، فإذا كان هذا حال هذا، فما ظنّك بمن كان واقفًا في نحر العدوّ، وعدوّهم على ثلاثة أضعافهم عددًا وعددًا.»

﴿‌قُلۡ ‌إِن ‌كُنتُمۡ ‌تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [آل عمران: 31]

القَرِيب

ما رأيك أن تدع هذا الحبيب، وذلك الصديق، وتنصرف إلى الذي لا يجفو من أتاه مقتربا؟

في الوقت الذي يريدك أن تعلم أنه على العرش استوى، يريدك أن تتيقن أنه أقرب إليك من حبل الوريد!

هذا الكلام يُذكرني بعقيدة النصارى فيما يخُصّ قرب الله بسبب التَّجسُّد، في مُقابل كلامهم عن استواء الله على عرشه، وبعده عن خلقه، بسبب علوه.

«صحيح البخاري» (4/ 1541): «عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: لَمَّا غَزَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ، أَوْ قَالَ: لَمَّا تَوَجَّهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، أَشْرَفَ النَّاسُ عَلَى وَادٍ، فَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّكْبِيرِ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، ‌إِنَّكُمْ ‌تَدْعُونَ ‌سَمِيعًا قَرِيبًا، وَهُوَ مَعَكُمْ).»

وأقرب ما تكون إليه وأنت ساجد، تتمتم بـ سبحان ربي الأعلى، فإذا بالسموات تنفتح لتمتمتك، وإذا بالجبار يسمعك!

«صحيح البخاري» (3/ 1385): «عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأُبَيٍّ: (إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ). قَالَ: ‌وَسَمَّانِي؟ قَالَ: (نَعَمْ). فَبَكَى.»

وقربه سُبحانه وتعالى قرب علم وقرب سمع وقرب بصر وقرب إحاطة، لا قرب ذات، لأن ذاته العلية منزهة عن مثل هذا القرب.

من قربه أنه ينزل كما صح عن نبينا محمد عليه الصلاة والسلام في الثلث الأخير من الليل إلى السماء الدنيا فيقول:

«صحيح مسلم» (2/ 176): عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا مَضَى شَطْرُ اللَّيْلِ أَوْ ثُلُثَاهُ يَنْزِلُ اللهُ تبارك وتعالى إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ: ‌هَلْ ‌مِنْ ‌سَائِلٍ يُعْطَى؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ يُسْتَجَابُ لَهُ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ يُغْفَرُ لَهُ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ الصُّبْحُ».

يقول تعالى: ﴿وَمَا ‌تَسۡقُطُ ‌مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعۡلَمُهَا﴾ [الأنعام: 59]

تخيل عدد الأشجار، ثم عدد أوراقها، تخيلها وهي تتناثر في فصل الخريف، يعلمها كلها: يعلم عددها وأشكالها وأنواعها وكل شيء يخصها!

قربه يخيفك، يجب أن يخيفك … وقربه يؤنسك، يجب أن يؤنسك!

ومما قرر في كتب العقيدة أن لله معيتين: معية خاصة بأهل ولايته، وهي معية محبة ونصرة وتوفيق، ومعية عامة لجميع خلقه، وهي معية علم وسمع وبصر وإحاطة.

«صحيح البخاري» (4/ 1918): «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (‌مَا ‌أَذِنَ ‌اللَّهُ ‌لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِلنَّبِيِّ أَنْ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ).»

والأذن الاستماع … «فضائل القرآن لابن كثير» (ص179، 180): «‌ومعناه: ‌أن ‌الله تعالى ‌ما ‌استمع ‌لشيء كاستماعه لقراءة نبيٍّ يجهر بقراءته ويحسِّنُها، وذلك أنه يجتمع في قراءة الأنبياء طيب الصوت لكمال خلقهم وتمام الخشية، وذلك هو الغاية في ذلك، وهو سبحانه وتعالى يسمع أصوات العباد كلهم برهم وفاجرهم. كما قالت عائشة -رضى الله عنها: سبحان الذى وسع سمعه الأصوات، ولكن استماعه لقراءة عباده المؤمنين أعظم، كما قال تعالى: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآَنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ} الآية، ثم استماعه لقراءة أنبيائه أبلغ، كما دلَّ عليه هذا الحديث العظيم.»

«صحيح البخاري» (6/ 2694): «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ‌ذَكَرَنِي ‌فِي ‌نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شبراً تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً).»

وقربه هذا يزيد، فبالتوبة والإنابة والطاعات تزيد قربا منه.

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي ‌فَإِنِّي ‌قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لِي وَلۡيُؤۡمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمۡ يَرۡشُدُونَ﴾ [البقرة: 186]

النفوس مفطورة على عدم استعدادها لعبادة رب بعيد، لا يسمع دعاءها، ولا يرى حاجاتها، فمن أهم الصفات التي تبتدر بها الذي يريد التعرف إلى الله أن تخبره أن ربه: قريب، هكذا علمك سبحانه أن تخبر عنه!

وفي أجواء المحن التي تعيشها الأمة، ومن بين أدخنة الحروب المهلكة التي تمس أفئدة المؤمنين باللأواء، يحتاج المؤمن هناك إلى ثلاث مستويات معرفية متعلقة باسم القريب:

الأول: معرفة قربه سبحانه إيمانا ويقينا.

الثاني: ﴿‌إِنَّ ‌رَحۡمَتَ ‌ٱللَّهِ قَرِيبٞ مِّنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ [الأعراف: 56]

الثالث: ﴿أَلَآ إِنَّ ‌نَصۡرَ ‌ٱللَّهِ ‌قَرِيبٞ﴾ [البقرة: 214]

الخَاتِمَة

فقد عرفت شيئا عن بعض أسمائه، فعليك أن تتزود بمعرفة المزيد عنها وعن غيرها.

الحمد لله رب العالمين

 

 

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

اكتشاف المزيد من مدونة التاعب

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading